٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني ليس من عمل سيئاً كالذي عمل صالحاً، كما قال بعد هذا بآيات {أية : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور} تفسير : [فاطر:19] وله تعلق بما قبله وذلك من حيث إنه تعالى لما بين حال المسيء الكافر والمحسن المؤمن، وما من أحد يعترف بأنه يعمل سيئاً إلا قليل، فكان الكافر يقول الذي له العذاب الشديد هو الذي يتبع الشيطان وهو محمد وقومه الذين استهوتهم الجن فاتبعوها، والذي له الأجر العظيم نحن الذين دمنا على ما كان عليه آباؤنا فقال الله تعالى لستم أنتم بذلك فإن المحسن غير، ومن زين له العمل السيء فرآه حسناً غير، بل الذين زين لهم السيء دون من أساء وعلم أنه مسيء فإن الجاهل الذي يعلم جهله والمسيء الذي يعمل سوء عمله يرجع ويتوب والذي لا يعلم يصر على الذنوب والمسيء العالم له صفة ذم بالإساءة وصفة مدح بالعلم. والمسيء الذي يرى الإساءة إحساناً له صفتا ذم الإساءة والجهل، ثم بين أن الكل بمشيئة الله، وقال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ } وذلك لأن الناس أشخاصهم متساوية في الحقيقة والإساءة والإحسان، والسيئة والحسنة يمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك باستقلال منهم، فلا بد من الاستناد إلى إرادة الله. ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حزن من إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة باهرة فقال: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } كما قال تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } تفسير : [الكهف: 6]. ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد إيمانهم وإحسانهم لصدهم عن الضلال وردهم عن الإضلال، وإن كان لما به منهم من الإيذاء فالله عالم بفعلهم يجازيهم على ما يصنعون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ} «مَن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال الكسائي: والذي يدلّ عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} فالمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: وهذا كلام عربيّ طريف لا يعرفه إلا قليل. وذكره الزمخشريّ عن الزجاج. قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية، لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى أن الله جل وعز نهى نبيّه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم، كما قال جل وعز: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} قال أهل التفسير: قاتِل. قال نصر بن عليّ: سألت الأصمعيّ عن حديث : قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن: «هم أرقُّ قلوباً وأبخع طاعةً» تفسير : ما معنى أبخع؟ فقال: أنصح. فقلت له: إن أهل التفسير مجاهداً وغيرَه يقولون في قول الله عز وجل: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ»: معناه قاتِل نفسك. فقال: هو من ذاك بعينه، كأنه من شدة النصح لهم قاتل نفسه. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حَسَناً، فلا تَذْهب نفسُك عليهم حسرات، فإن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء. وقيل: الجواب محذوف؛ المعنى أفمن زين له سوءُ عمله كمن هدى، ويكون يدل على هذا المحذوف {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}. وقرأ يزيد بن القَعْقاع: «فَلاَ تُذْهِبْ نَفْسَك» وفي {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ} أربعة أقوال، أحدها: أنهم اليهود والنصارى والمجوس؛ قاله أبو قِلابة. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» معاندة الرسول عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنهم الخوارج؛ رواه عمر بن القاسم. فيكون «سُوءُ عَمَلِهِ» تحريف التأويل. الثالث: الشيطان؛ قاله الحسن. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» الإغواء. الرابع: كفار قريش؛ قاله الكلبي. ويكون «سُوءُ عَمَلِهِ» الشرك. وقال: إنها نزلت في العاص بن وائل السَّهْمِي والأسود بن المطلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام. {فَرَآهُ حَسَناً} أي صواباً؛ قاله الكلبيّ. وقيل: جميلاً. قلت: والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال؛ لقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 272]، وقوله: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : [آل عمران: 176]، وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } تفسير : [الكهف: 6]، وقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }تفسير : [الشعراء: 3]، وقوله في هذه الآية: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}. وهذا ظاهر بيّن، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم على كفرهم، فإن الله أضلهم. وهذه الآية تردّ على القدرية قولهم على ما تقدم؛ أي أفمن زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسناً تريد أن تهديه، وإنما ذلك إلى الله لا إليك، والذي إليك هو التبليغ. وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن مُحَيْصن: «فَلاَ تُذهِب» بضم التاء وكسر الهاء «نفسَك» نصباً على المفعول، والمعنيان متقاربان. «حَسَرَاتٍ» منصوب مفعول من أجله؛ أي فلا تذهب نفسك للحسرات. و«عَلَيْهم» صلة «تذهب»، كما تقول: هلك عليه حُبًّا ومات عليه حزناً. وهو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بالحسرات؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته. ويجوز أن يكون حالاً كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر؛ كما قال جرير:شعر : مَشقَ الهواجِرُ لحمَهُنَّ مع السُّرَى حتى ذَهَبْنَ كَلا كِلاً وَصُدُورا تفسير : يريد: رجعن كَلاَ كِلاً وصدوراً؛ أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قول الآخر:شعر : فعلى إثرهم تساقط نفسِي حسرات وذكرهم لي سقام تفسير : أو مصدراً. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في أبي جهل وغيره. {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } بالتمويه {فَرَءَاهُ حَسَناً} «مَن» مبتدأ خبره: كمن هداه الله؟ لا، دل عليه: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ } على المزين لهم {حَسَرٰتٍ } باغتمامك أن لا يؤمنوا {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فيجازيهم عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ} اليهود والنصارى والمجوس، أو الخوارج، أو الشيطان أو قريش. نزلت في أبي جهل، أو العاص بن وائل. وفيه محذوف تقديره فهو يتحسر عليه يوم القيامة، أو كمن آمن وعمل صالحاً، أو كمن علم الحسن من القبيح.
الثعالبي
تفسير : وَقَوْلُهُ تَعَالَىٰ: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً} تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كَمَنْ اهْتَدَى وَنَحْوَ هَذا مِنَ التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ؛ وقَرَأَ الجُمْهُورُ: {فَلاَ تَذْهَبْ} ـــ بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ ـــ: {نَّفْسَكَ} ـــ بالرَّفْعِ ـــ، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «تُذْهِبْ» ـــ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ ـــ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تَسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ. وَقَوْلهُ سبحانه: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ. وَقَوْلهُ تَعَالَى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ: أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ. قال * ع *: وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}تفسير : [مريم:81]. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نَيْلَهَا عَلَى وَجْهِهَا فَلِلَّهِ العِزَّةِ، أي: بِهِ وَعَنْ أَوَامِرِه لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ قَتَادَةُ. وَقَوْلهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} أي: التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر اللّه ونحوه. وقوله تعالى: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ} قيل: المعنى؛ يرفعه اللّه، وهذا أرجحُ الأقوال. وقال ابن عباس وغيره: إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه. * ت *: وعن ابن مسعودٍ؛ «قال: إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب اللّه سبحانه؛ إن العبد إذا قال: «سبحان اللّه والحمد للَّه واللّه أكبر وتبارك اللّه» قَبَضَ عليهن ملك؛ فضمَّهن تحت جَنَاحه؛ وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه. ثم تلا عبد اللّه بن مسعود: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ}». رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد: انتهى من «السلاح». و {يَمْكُرُونَ ٱلسَّيَّئَاتِ} أي: المكرات السيئات. و {يَبُورُ} معناه: يفسد ويبقى لا نفع فيه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي قلابة أنه سئل عن هذه الآية {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} أهم عمالنا هؤلاء الذين يصنعون؟ قال: ليس هم. إن هؤلاء ليس أحدهم يأتي شيئاً مما لا يحل له إلا قد عرف أن ذلك حرام عليه. إن أتى الزنا فهو حرام، أو قتل النفس فهو حرام، إنما أولئك أهل الملل. اليهود، والنصارى، والمجوس، وأظن الخوارج منهم، لأن الخارجي يخرج بسيفه على جميع أهل البصرة، وقد عرف أنه ليس ينال حاجته منهم، وأنهم سوف يقتلونه، ولولا أنه من دينه ما فعل ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن في قوله {أفمن زين له سوء عمله} قال: الشيطان زين لهم - والله - الضلالات {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي لا تحزن عليهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} قال: هذا المشرك {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} كقوله {أية : لعلك باخع نفسك}تفسير : [الشعراء: 3]. وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أعِزَّ دينَكَ بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، فهدى الله عمر رضي الله عنه، وأضل أبا جهل. ففيهما أنزلت ".
القشيري
تفسير : معنى الآية: أفمن زين له سوءُ عمله فرآه حسناً كمن ليس كذلك؟ لا يستويان! ومعنى {زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أن الكافرَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عملَه حَسَنٌ، قال تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]. ثم الراغبُ في الدنيا يجمع حلالَها وحرامَها، ويحوّش حُطَامها، ولا يفكر في زوالها، ولا في ارتحاله عنها قبل كمالها؛ فلقد زين له سوء عمله والذي يتبع شهواته ويبيع مؤبّد راحاته في الجنة بساعةٍ فلقد زين له سوء عمله. وإن الذي يُؤَثِرُ على ربِّه شيئاً من المخلوقات لَهُوَ من جملتهم. والذي يتوهَّمُ أنه إذا وَجَدَ نجاتَه ودرجاتِه في الجنة - وأنَّ هذا يكفيه.. فقد زُيِّن له سوءُ عمله حيث يتغافل عن حلاوة المناجاة. والذي هو في صحبة حظوظه ولا يُؤْثِرُ حقوق اللهِ فلقد زين له سوء عمله فرآه حسناً. {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}: يعني إذا عَرَفْتَ حقَّ التقدير، وعَلِمْتَ أنهم سقطوا من عين الله، ودَعَوْتَهم جَهْراً، وَبذلَتْ لهم نُصْحاً، فاستجابتُهم ليست لك، فلا تَجـْعَلْ على قلبك من ذلك مشقةً ولا عناءً.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن زين له} [التزيين: آراستن] {سوء عمله} اى قبيح عمله بالفارسية [زشت وبد] {فرآه حسنا} فظنه جميلا لان رأى اذا عدّى الى مفعولين اقتضى معنى الظن والعلم والمعنى ابعد تباين عاقبتى الفريقين يكون من زين له الكفر من جهة الشيطان فانهمك فيه كمن استقبحه واجتنبه واختار الايمان والعمل الصالح اى لا يكون فحذف ما حذف لدلالة ما سبق عليه {فان الله يضل} الى آخره تقرير له وتحقيق للحق ببيان ان الكل بمشيئة الله تعالى اى فانه تعالى يضل {من يشاء} ان يضله لاستحسانه الضلال وصرف اختياره اليه فيرده الى اسفل سافلين {ويهدى من يشاء} ان يهديه لصرف اختياره الى الهدى فيرفعه الى اعلى عليين {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} الفاء للسببية فان ما سبق للنهى عن التحسر. والذهاب المضىّ وذهاب النفس كناية عن الموت. والحسرة شدة الحزن على ما فات والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه: وقوله حسرات مفعول له والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه عليه السلام على احوالهم او على كثرة قبائح اعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر وعليهم صلة تذهب كما يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا ولا يجوز ان يتعلق بحسرات لان المصدر لا تتقدم عليه صلته والمعنى اذا عرفت ان الكل بمشيئة الله فلا تهلك نفسك للحسرات على غبهم واصرارهم والغموم على تكذيبهم وانكارهم: وبالفارسية [بس بايدكه نرود جان تو يعنى هلاك نشود براى حسر تهاى متوالى كه مى خورى وتأسفهاى كونا كون كه دارى برفعلهاى ناخوش ايشان كه هريك مقتضئ حسرت است] فقد بذلت لهم النصح وخرجت عن عهدة التبليغ فلا مشقة لك من بعد وانما المشقة عليهم فى الدنيا والآخرة لانهم سقطوا عن عينك ومن سقط عن عينك فقط سقط عن عين الله فلا يوجد احد يرحمه {ان الله عليم} بليغ العلم {بما يصنعون} يفعلون من القبائح فيجازيهم عليها جزاء قبيحا فانهم وان استحسنوا القبائح لقصور نظرهم فالقبيح لا يكون حسنا ابدا. واعلم ان الكافر يتوهم ان عمله حسن كما قال تعالى {وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا} ثم الراغب فى الدنيا يجمع حلالها وحرامها ولا يتفكروا فى زوالها ولا فى ارتحاله عنها قبل كمالها فقد زين له سوء عمله شعر : شد قواى جمله اجزاى جسمت درفنا باهزاران آرزو دست وكريبانى هنوز تفسير : ثم الذى يتوهم انه اذا وجد نجاته ودرجاته فى الجنة فقد استراح واكتفى فقد زين له سوء عمله حيث تغافل عن حلاوة مناجاة ربه فانها فوق نعيم الجنان شعر : ماييم وهمين عاشقى ولذت ديدار زاهد تو برو در طلب خلد برين باش تفسير : فمن زين له الدنيا بشهواتها ليس كمن زين له العقبى بدرجاتها ومن زين له نعيم العقبى ليس كمن زين له جمال المولى اى لا يستوى هذا وذاك فاصرف الى الاشهى هواك والله تعالى هو مبدأ كل حسن فمن وصل اليه حسن بحسن ذاته وصفاته وافعاله واعماله ومن وجده وجد كل شئ ومن لم يجده لم يجد شيئا وان وجد الدنيا كلها [نقلست كه ابراهيم بن ادهم قدس سره روزى برلب دجله نشسته بود خرقه مى دوخت سوزنش بدريا افتد يكى ازو برسيد كه ملك جنان از دست دادى جه يافتى اشارت بدريا كرد كه سوزنم بدهيد قرب هزار ما هى ازدريا برآمدند هر يكى سوزن زرين برلب كرفته كفت سوزن من خواهم ماهيكه ضعيف برآمد وسوزن او آورد بستد وكفت كمترين جيزى كه يا فتم اين است باقى تو ندانى] فهذا من ثمرات الهداية الخاصة ونتائج النيات الخالصة والاعمال الصالحة وحسن الحال مع الله تعالى ولا يحصل الا لمن اخذ الامر من طريقه فاصلح الطبيعة فى مرتبة الشريعة والنفس فى مرتبة الطريقة وحسن ما حسنه الشرع والعقل السليم وقبح ما قبحه كل منهما فاما اصحاب الاهواء والبدع فقد زين لهم سوء اعمالهم ونياتهم من جهة الشيطان فضلوا طريق الهدى والسنة نسأل الله سبحانه ان يجعلنا على صراطه المستقيم الذى سلكه اهل الدين القويم ويهدينا الى الاعمال الحسنة ويحلينا بالاخلاق المستحسنة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أفمن}: مبتدأ حُذف خبره، أي: كمن هداه الله، أو ذهبت نفسك عليه حسرات. و {حسرات}: مفعول له. وجَمعها لتضاعف اغتمامه، أو تعدُّد مساوئهم. و {عليهم}: صلة لتذهب، كما تقول: هلك عليه حُبًّا، ومات عليه حُزناً. ولا يتعلق بحسرات؛ لأن المصدر لا يتقدَّم عليه صلته، إلا أن يتسامح في الجار والمجرور. يقول الحق جلّ جلاله: {أفمن زُيّن له سُوءُ عمله} بأنْ غلَب هواه على عقله، وجهله على علمه، حتى انعكس رأيه، {فرآه حَسَناً} فرأى الباطل حقًّا، والقبيح حسناً، كمَن هداه الله واستبصر، فرأى الحق حقًّا، والباطل باطلاً، فتبع الحق، وأعرض عن الباطل، ليس الأمر كذلك، {فإِن الله يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء} فمَن أضله رأى الباطل حقًّا، فتبعه، ومَن هداه رأى الباطل باطلاً، فاجتنبه، والحق حقًّا فاتبعه. {فلا تَذْهَبْ نفسُك عليهم حسرات} أي: فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، فإن أمرهم بيدي، وأنا أرحم بهم منك، فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. {إِن الله عليم بما يصنعون} فيجازيهم عليه، وهو وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. الإشارة: إذا أراد الله إبعاد قوم غطّى نور بصيرتهم بظلمة الهوى فيُزيّن في عينهم القبيح، ويستقبح المليح، فيرون القبيح حسناً، والحسن قبيحاً، كما قال الشاعر: شعر : يُغمى على المرء في أيام مِحنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن تفسير : قال القشيري: ومعنى التزيين؛ كالكافر، يَتَوَهَّمُ أنَّ فعله حَسَنٌ، وهو عند الله من أقبح القبيح، ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها، ويحوّش حُطَامها، لا يتفكر في زوالها، ولا في ارتحاله عنها من قبل كمالها، ولقد زيَّن له سوء عمله، والذي يتبع الشهوات يبيع مؤبد راحته في الجنة، بمتابعة شهوة ساعة، فلقد زُين له سُوءُ عمله، والذي يُؤيِرُ على ربِّه شيئاَ من المخلوقات، فهُو من جملتهم، والذي يتوهَّمُ أنه إذا وَجَدَ النجاة والدرجات في الجنة فقد اكتفى، فقد زُيِّن له سوءُ عمله، حيث تغافل عن حلاوة مناجاته. والذي هو في صحبة حظوظه، دون إيثار حقوق الله، فقد زُين له سوء عمله فرآه حسناً. هـ. قلت: وكذلك مَن وقف مع الكرامات والمقامات، وحلاوة الطاعات، دون درجة المشاهدة، فقد زُين له سوء عمله. والحاصل: كل مَن وقف مع شيء، دون تحقيق الفناء في الذات، فهو مُزيَّن له سوء عمله. وكل مَن لم يصحب الرجال فهو غالط، يظن أنه واصل، وهو منقطع في أول البدايات. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {فلا تَذهب نفسك عليهم حسرات}، كذلك يقال للواعظ، إذا رأى إدبار الخلق، وعدم تأثير الوعظ فيهم، فليكتفِ بعلم الله فيهم، ولا يتأسّف على أحد، فإن التوفيق بيد الله. ورما يحييهم بعد حيث كما يحيي الأرض بعد موتها كما أشار إلى ذلك بقوله: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ...}
اطفيش
تفسير : {أفمن زُيِّن لهُ سُوء عَمَله} أى عمل الشيطان، أو عمل نفسه، زين الشيطان والهوى له المعاصى، فكانت عملا له {فرآه حَسَناً} الهمزة لإنكار مساواة من حسن عمله، والفاء للعطف على محذوف، أى أيجوز ترك التدبر، فمن زين الخ، أو داخلة على جواب شرط مقدر، والهمزة مما بعدها والتقدير اذا علمتم ذلك، أفمن زين، وخبر المبتدأ وهو من الموصولة أو الشرطية محذوف تقديره مع ما عطف عليه محذوفا {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} ومن استقبحه وعمل الصالحات متساويان، أو يقدر بلا عطف، أى كمن استقبحه واجتنبه، أو يقدر المحذوف بالفاء على الشرطية، وكذا اذا قدرنا كمن هداه الله لدلالة قوله عز وجل: {ويهدي من يشاء} وكذا الحذف فى قوله جل وعز: "أية : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" تفسير : [هود: 17] وقد ذكر الخبر فى قوله تعالى: "أية : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله" تفسير : [محمد: 14] وقوله عز وجل: "أية : أفمن يعلم أنما أنزل" تفسير : [الرعد: 19] إلخ، وقوله سبحانه: "أية : أو من كان ميتا"تفسير : [الأنعام: 122] الخ وسوء عمله بمعنى فتح عمله. وقيل: من اضافة الصفة الى الموصوف، والتحقيق أن خبر المبتدأ الشرطين هو جملة جوابه لا جملة الشرط اذا تمت به الفائدة، ولا نترك ما هو ظاهر الى غير الظاهر لتكلف، ومن يزعم انه جملة الشرط ناقض قوله بقوله: إن الفاء تزاد فى خبر الموصول تشبيها بالشرطى، وعلل سببة التزيين لرؤية القبيح حسنا بقوله: {فإنَّ الله يُضلُّ من يَشاء} مثل من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم {ويَهْدى من يَشَاء} مثل من آمن به صلى الله عليه وسلم، ولا عجب فى اتباع العاقل عدوه فى تزيينه، لأنهم لا يدرون أن الشيطان عدوهم، ولأن هواهم من أنفسهم معين، وهم كمن سلب عقله بشدة التزين وزخرفته، حتى أنه قال: {أفمن زين} ولم يقل الكافر، وذلك كله بخلق الله ذلك، وإيقاعه كما قال معللا: {فإن الله يضل} الخ أى لأن الله يضل الخ فلا قدرة لك على أن تسلك الضال فى زمرة المهتدى. {فَلا تَذْهبْ} تتلف {نفسُك} روحك أو بدونك كله {عليْهِم حَسَرات} عطف انشاء على اخبار وتفريغ عليه، ولا حاجة الى جعله جواب شرط، أى اذا كان الأمر كذلك فلا تذهب، ولا الى دعوى التقديم والتأخير، وأن التقدير أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا، جوابا لقوله عز وجل: "أفمن زين له" فإذا كان جوابك لا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات لأن الله يضل الخ، ولا دليل على ذلك، وليس كل ما صح فى نفس الأمر يقدر تفسير للقرآن، والحسرة الغم والندم على ما فات، كأنه انحسر عنه حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت قوته لشدة غم، أو أدركه عياء عن تدارك ما صدر منه، وعليهم بمعنى لأجلهم، وحسرات حال مبالغة كأنها نفس الحسرات، أو يقدر ذات حسرات أو حاسرات، أو يتعلق بحسرات، ولو كان جمع مصدر، لأن هذا المصدر ليس هنا على معنى حرف المصدر والفعل، ولتوسعهم فى الظروف واذا علق بحسرات وليس تعليلا صح جعل حسرات مفعولا من أجله اذ لا يتكرر المفعول من أجله بلا تبعية، ولا يصح تعليقه بتذهب الا على معنى التعليل. وجمع حسرة للدلالة على الأنواع من تضاعف اغتمامه صلى الله عليه وسلم بقوله: {إنَّ الله} أى لأن الله {عَليمٌ بما يْصنَعون} فيعاقبهم، وقوله: {أفمن زين} الى: {يصنعون} آية واحدة نزلت فى أبى جهل، اذ أصر على كفره، وعمر رضى الله عليه اذ تاب وأسلم.
الالوسي
تفسير : {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } أي حسن له عمله السيء {فَرَءاهُ } فاعتقده بسبب التزيين {حَسَنًا } فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، و {مِنْ } موصولة في موضع رفع على الابتداء والجملة بعدها صلتها والخبر محذوف والفاء للتفريع والهمزة للإنكار فإن كانت مقدمة من تأخير كما هو رأي سيبويه والجمهور في نظير ذلك فالمراد تفريع إنكار ما بعدها على ما قبلها من الحكمين السابقين أي إذا كانت عاقبة كل من الفريقين ما ذكر فليس الذي زين له الكفر من جهة عدوه الشيطان فاعتقده / حسناً وانهمك فيه كمن استقبحه واجتنبه واختار الإيمان والعمل الصالح وإن كانت في محلها الأصلي وكان العطف على مقدر تكون هي داخلة إليه كما ذهب إليه جمع فالمراد ما في حيزها ويكون التقدير أهما، أي الذين كفروا والذين آمنوا وعملوا الصالحات متساويان فالذي زين له الكفر من جهة عدوه الشيطان فاعتقده حسناً وانهمك فيه كمن استقحبه واجتنبه واختار الإيمان والعمل الصالح أي ما هما متساويان ليكون الذي زين له الكفر كمن استقبحه، وحذف هذا الخبر لدلالة الكلام عليه واقتضاء النظم الجليل إياه، وقد صرح بالجزأين في نظير الآية الكريمة من قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ} تفسير : [محمد: 41] وقوله سبحانه: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ }تفسير : [الرعد: 19] وقوله عز وجل: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [الأنعام: 122] وفي التعبير عن الكافر بمن زين له سوء عمله فرآه حسناً إشارة إلى غاية ضلاله حتى كأنه غلب على عقله وسلب تمييزه فشأن المغلوب على عقله ذلك كما يشير إليه قول أبـي نواس:شعر : اسقني حتى تراني حسناً عندي القبيح تفسير : وظاهر كلام الزجاج أن (من) شرطية حيث قال: الجواب على ضربين، أحدهما: ما يدل عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } الخ ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم حسرة، وثانيهما: ما يدل عليه قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الخ ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله تعالى، وإلى ذلك ذهب ابن مالك أيضاً. واعترض ابن هشام على التقدير الثاني بأن الظرف لا يكون جواباً وإن قلنا إنه جملة، ووجهه أن الرضي صرح بأنه لا يكون مستقراً في غير الخبر والصفة والصلة والحال ولم يذكر الجواب لا أن ذلك لعدم الفاء، وتقديرها داخلة على مبتدأ يكون الظرف خبره والجملة بتمامها جزاء غير جائز لما فيه من التكلف كما قيل. وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون الزجاج قد ذهب إلى أن من موصولة وأطلق على خبرها الجواب لشبهه به في المعنى ألا تراهم يدخلون الفاء في خبر الموصول الذي صلته جملة فعلية كما يدخلونها في جواب الشرط فيقولون الذي يأتيني فله درهم، وفيه أنه خلاف الظاهر ولا قرينة على إرادته سوى عدم صحة الجزائية، وضعف التقدير الأول بالفصل بين ما فيه الحذف ودليل المحذوف مع خفاء ربط الجملة بما قبلها عليه، ولا ينبغي أن تكون (من) شرطية جوابها (فرآه) لما في ذلك من الركاكة الصناعية فإن الماضي في الجواب لا يقترن بالفاء بدون قد مع خفاء أمر إنكار رؤية سوء العمل حسناً بعد التزيين وتفريعه على ما قبله من الحكمين، وكون الإنكار لما أن المزين هو الشيطان العدو والتفريع على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ }تفسير : [فاطر: 6] لا يخفى حاله فالوجه المعول عليه ما تقدم جعل عليه. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء} تعليلاً لسببية التزيين لرؤية القبيح حسناً، وفيه دفع استبعاد أن يرى الشخص القبيح حسناً بتزيين العدو إياه ببيان أن ذلك بمشيئة الله عز وجل التابعة للعلم المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر وإيذان بأن أولئك الكفرة الذين زين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً ممن شاء الله تعالى ضلالهم، وقوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفريع عليه أي إذا كان الأمر كذلك فلا تذهب نفسك الخ، وذكر المولى سعدي جلبـي أن الهمزة في {أَفَمَنِ } على التقدير الأول من التقديرين الذين / نقلاً عن الزجاج لإنكار ذهاب نفسه صلى الله عليه وسلم عليه عليهم حسرة والفاء في قوله سبحانه: {فَإِنَّ ٱللَّهَ } الخ تعليل لما يفهمه النظم الجليل من أنه لا جدوى للتحسر، وفي «الكشاف» أنه تعالى لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً } يعني أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له فكأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال لا فقال تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ}. ويفهم من كلام الطيبـي أن فاء {فَلاَ تَذْهَبْ } جزائية وفاء {فَإِنَّ ٱللَّهَ } للتعليل وأن الجملة مقدمة من تأخير فقد قال: إنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على إيمان القوم وأن يسلك الضالين في زمرة المهتدي فقيل له عليه الصلاة والسلام على سبيل الإنكار لذلك: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له فلا بد أن يقر صلى الله عليه وسلم بالنفي ويقول لا فحينئذ يقال له فإذا كان كذلك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فقدم وأخر انتهى وفيه نظر. وفي الآيات على ما يقتضيه ظاهر كلام الزمخشري لف ونشر وبذلك صرح الطيبـي قال قال: الأحسن أن تجعل الآيات من الجمع والتقسيم والتفريق فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } جمع الفريقين معاً في حكم نداء الناس وجمع مالهما من الثواب والعقاب في حكم الوعد وحذرهما معاً عن الغرور بالدنيا والشيطان، وأما التقسيم فهو قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }تفسير : [فاطر: 7] وأما التفريق فقوله تعالى: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } لأنه فرق فيه وبين التفاوت بين الفريقين كما قال الزمخشري أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له، وفرع على ذلك ظهور أن الفاء في {أَفَمَنِ } للتعقيب والهمزة الداخلة بين المعطوف والمعطوف عليه لإنكار المساواة وتقرير البون العظيم بين الفريقين وأن المختار من أوجه ذكرها السكاكي في «المفتاح» تقدير كمن هداه الله تعالى فحذف لدلالة {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } ولهم في نظم الآيات الكريمة كلام طويل غير ما ذكرناه من أراده فليتبع كتب التفاسير والعربية، ولعل فيما ذكرناه مقنعاً لمن أوتي ذهناً سليماً وفهماً مستقيماً. والحسرات جمع حسرة وهي الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه ما حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه، وانتصبت على أنها مفعول من أجله أي فلا تهلك نفسك للحسرات، والجمع مع أن الحسرة في الأصل مصدر صادق على القليل والكثير للدلالة على تضاعف اغتمامه عليه الصلاة والسلام على أحوالهم أو على كثرة قبائح أعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر، و{عَلَيْهِمْ } صلة {تَذْهَبْ } كما يقال هلك عليه حباً ومات عليه حزناً أو هو بيان للمتحسر عليه فيكون ظرفاً مستقراً ومتعلقه مقدر كأنه قيل: على من تذهب؟ فقيل: عليهم، وجوز أن يتعلق بحسرات بناء على أنه يغتفر تقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفاً وهو الذي اختاره والزمخشري لا يجوز ذلك وجَوَّزَ أن يكون حسرات حالاً من {نَّفْسَكَ } كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر كما قال جرير:شعر : مَشَقَ الهواجِرُ لَحْمَهُنَّ مع السرى حتى ذهبن كلاكلا وصدوراًتفسير : يريد رجعن كلاكلاً وصدوراً أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، وهو الذي ذهب إليه سيبويه في البيت، وقال المبرد: كلاكلا وصدوراً تمييز محول عن الفاعل أي حتى ذهب كلاكلها وصدورها، ومن هذا قوله:شعر : فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي سقام تفسير : وفيه مبالغات ثلاث. وقرأ عبيد بن عمير {زين} مبنياً للفاعل، ونصب {سوأ} وعنه أيضاً {أسوأ} على وزن أفعل وأريد بأسوأ عمله الشرك، وقرأ طلحة {أمِن } بغير فاء قال صاحب «اللوامح»: فالهمزة للاستخبار والتقرير ويجوز أن تكون للنداء وحذف ما نودي لأجله أي تفكر وارجع إلى الله فإن الله الخ، والظاهر أنها للإنكار كما في قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب وشيبة وأبو حيوة وحميد والأعمش وابن محيصن {تَذْهَبْ} من أذهب مسنداً إلى ضمير المخاطب {نفسك} بالنصب على المفعولية ورويت عن نافع. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } في موضع التعليل لما قبله وفيه وعيد للكفرة أي أنه تعالى عليم بما يصنعونه من القبائح فيجازيهم عليه، والآيات من قوله تعالى: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } إلى هنا نزلت على ما روي عن ابن عباس في أبـي جهل ومشركي مكة، وأخرج جويبر عن الضحاك أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه وأبـي جهل حيث هدى الله تعالى عمر وأضل أبا جهل.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى تحذير الناس من غرور الشيطان وإيقاظهم إلى عداوته للنوع الإِنساني، وتقسيم الناس إلى فريقين: فريق انطلت عليه مكائد الشيطان واغتروا بغروره ولم يناصبوه العداء، وفريق أخذوا حذرهم منه واحترسوا من كيده وتجنبوا السير في مسالكه، ثم تقسيمُهم إلى كافر معذب ومؤمن صالح مُنعم عليه، أعقب ذلك بالإِيماء إلى استحقاق حزب الشيطان عذاب السعير، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يَخلُصوا من حبائل الشيطان من أمة دعوته بأسلوب الملاطفة في التسلية ففُرع على جميع ما تقدم قولُه: {أفمن زين له سوء عمله فراءه حسناً} إلى قوله: {بما يصنعون} فابتداؤه بفاء التفريع ربط له بما تقدم ليعود الذهن إلى ما حكي من أحوالهم، فالتفريع على قوله: { أية : إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } تفسير : [فاطر: 6]، ثم بإبراز الكلام المفرّع في صورة الاستفهام الإِنكاري، واجتلاب الموصول الذي تومىء صلته إلى علة الخَبَر المقصود، فأشير إلى أن وقوعه في هذه الحالة ناشىء من تزيين الشيطان له سوء عمله، فالمزيِّن للأعمال السيئة هو الشيطان قال تعالى: { أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم } تفسير : [النمل: 24] فرأوا أعمالهم السيئة حسنة فعكفوا عليها ولم يقبلوا فيها نصيحة ناصح، ولا رسالة مرسَل. و{مَنْ} موصولة صادقة على جمع من الناس كما دل عليه قوله في آخر الكلام {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} بل ودل عليه تفريع هذا على قوله { أية : إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } تفسير : [فاطر: 6] و{مَن} في موضع رفع الابتداء والخبر عنه محذوف إيجازاً لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: { أية : الذين كفروا لهم عذاب شديد } تفسير : [فاطر: 7] عَقِب قوله: {إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}. فتقديره بالنسبة لما استحقه حزب الشيطان من العذاب: أفأنت تَهدي من زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وتقديره بالنسبة إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك مصيره فإن الله مطلع عليه. وفرع عليه: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء}. وفرع على هذا قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي فلا تفعل ذلك، أي لا ينبغي لك ذلك فإنهم أوقعوا أنفسهم في تلك الحالة بتزيين الشيطان لهم ورؤيتهم ذلك حسناً وهو من فعل أنفسهم فلماذا تتحسر عليهم. وهذا الخبر مما دلت عليه المقابلة في قوله: { أية : الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير } تفسير : [فاطر: 7] فقد دل ذلك على أن الكفر سوء وأن الإِيمان حسن، فيكون «من زين له سوء عمله» هو الكافر، ويكون ضده هو المؤمن، ونظير هذا التركيب قوله تعالى: { أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } تفسير : في سورة الزمر (19)، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } تفسير : في سورة الرعد (33). والتزيين: تحسين ما ليس بحسن بعضه أو كله. وقد صرح هنا بضده في قوله: {سوء عمله}، أي صورت لهم أعمالهم السيِئة بصورة حسنة ليُقْدِموا عليها بشرَه وتقدم في أوائل سورة النمل. وجملة {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} مفرّعة، وهي تقرير للتسلية وتأييس من اهتداء من لم يخلق الله فيه أسباب الاهتداء إلى الحق من صحيح النظر وإنصاف المجادلة. وإسناد الإِضلال والهداية إلى الله إسناد بواسطة أنه خالق أسباب الضلال والاهتداء، وذلك من تصرفه تعالى بالخلق وهو سر من الحكمة عظيم لا يدرك غوره وله أصول وضوابط سأبينها في «رسالة القضاء والقدر» إن شاء الله تعالى. وجملة {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} مفرعة على المفرع على جملة {أفمن زين له سوء عمله} الخ فتؤول إلى التفريع على الجملتين فيؤول إلى أن يكون النظم هكذا: أفتتحسر على من زُيّن لهم سوء أعمالهم فرأوها حسناتٍ واختاروا لأنفسهم طريق الضلال فإن الله أضلهم باختيارهم وهو قد تصرف بمشيئته فهو أضلهم وهدى غيرهم بمشيئته وإرادته التي شاء بها إيجاد الموجودات لا بأمره ورضاه الذي دعا به الناس إلى الرشاد، فلا تذهبْ نفسك عليهم حسرات وإنما حسرتهم على أنفسهم إذ رضوا لها باتباع الشيطان ونبذوا اتباع إرشاد الله كما دلّ على ذلك قوله: {إن الله عليم بما يصنعون} تسجيلاً عليهم أنهم ورطوا أنفسهم فيما أوقعوها فيه بصنعهم. فالله أرشدهم بإرسال رسوله ليهديهم إلى ما يرضيه، والله أضلهم بتكوين نفوسهم نافرة عن الهدى تكويناً متسلسلاً من كائنات جمّة لا يحيط بها إلا علمه وكلها من مظاهر حكمته ولو شاء لجعل سلاسل الكائنات على غير هذا النظام فلهَدَى الناس جميعاً، وكلّهم ميسّر بتيْسيره إلى ما يعلم منهم فعدل عن النظم المألوف إلى هذا النظم العجيب. وصيغ بالاستفهام الإِنكاري والنهي التثبيتي، ونظير هذه الآية في هذا الأسلوب قوله تعالى: { أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } تفسير : في سورة الزمر (19)، فإن أصل نظمها: أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه من النار، أفأنت تنقذ الذين في النار. إلا أن هذه الآية زادت بالاعتراض وكان المفرع الأخير فيها نهياً والأخرى عَريت عن الاعتراض وكان المفرع الأخير فيها استفهاماً إنكارياً. والنهي موجه إلى نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أن تذهب حسرات على الضالّين ولم يوجه إليه بأن يقال: فلا تذهب عليهم حسرات، والرسول ونفسه متحدان فتوجيه النهي إلى نفسه دون أن يقال فلا تذهب عليهم حسرات للإِشارة إلى أن الذهاب مستعار إلى التلف والانعدام كما يقال: طارت نفسه شعاعاً، ومثله في كلامهم كثير كقول الأعرابي من شعراء الحماسة: شعر : أقول للنفس تأْساءٍ وتعْزية إحدى يديّ أصابتْني ولم تُرِد تفسير : لتحصل فائدة توزيع النهي والخطاب على شيئين في ظاهر الأمر فهو تكرير الخطاب والنهي لكليهما. وهي طريقة التجريد المعدود في المحسنات، وفائدة التكرير الموجب تقرير الجملة في النفس. وقد تقدم قريب من هذا عند قوله تعالى: { أية : وما يخدعون إلا أنفسهم } تفسير : في سورة البقرة (9). والحسرة تقدمت في قوله تعالى: { أية : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } تفسير : من سورة مريم (39). وانتصب {حسرات} على المفعول لأجله، أي لا تَتْلِفْ نفسك لأجل الحسرة عليهم، وهو كقوله: { أية : لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } تفسير : [الشعراء: 3]، وقوله: { أية : وابيضت عيناه من الحزن } تفسير : [يوسف: 84] أي من حُزن نفسه لا من حزن العينين. وجُمعت الحسرات مع أن اسم الجنس صالح للدلالة على تكرار الأفراد قصداً للتنبيه على إرادة أفراد كثيرة من جنس الحسرة لأن تلف النفس يكون عند تعاقب الحسرات الواحدة تلوَ الأخرى لدوام المتحسّر منه فكل تحسر يترك حزازة وكمداً في النفس حتى يبلغ إلى الحد الذي لا تطيقه النفس فينفطر له القلب فإنه قد علم في الطب أن الموت من شدة الألم كالضرب المبرح وقطع الأعضاء سببه اختلال حركة القلب من توارد الآلام عليه. وقرأ الجمهور {فلا تذهب نفسك} بفتح الفوقية والهاء ورفع {نفسك} على أنه نهي لنفسه وهو كناية ظاهرة عن نهيه. وقرأه أبو جعفر بضم الفوقية وكسر الهاء ونصب {نفسَك} على أنه نهي الرسول أن يذهب نفسَه. وقد اشتملت هذه الآية على فاآت أربع كلها للسببية والتفريع وهي التي بلغ بها نظم الآية إلى هذا الإِيجاز البالغ حد الإِعجاز وفي اجتماعها محسن جمع النظائر. وجملة {إن الله عليم بما يصنعون} تصلح لإفادة التصبر والتحلم، أي أن الله عليم بصنعهم في المخالفة عن أمره فكما أنه لحلمه لم يعجل بمؤاخذتهم فكن أنت مؤتسياً بالله ومتخلقاً بما تستطيعه من صفاته وفي ضمن هذا كناية عن عدم إفلاتهم من العذاب على سوء عملهم، وليس في هذه الجملة معنى التعليل لِجملة {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} لأن كَمَد نفس الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لأجل تأخير عقابهم ولكن لأجل عدم اهتدائهم. وتأكيد الخبر بـــ{إنَّ} إما تمثيل لحال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال من أغفله التحسر عليهم عن التأمل في إمهال الله إياهم فأكد له الخبر بــــ{إن الله عليم بما يصنعون}، وإمّا لجعل التأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر لتكون {إنّ} مغنية غناء فاء التفريع فتتمخض الجملة لتقرير التسلية والتعريض بالجزاء عن ذلك. وعبر بــــ{يصنعون} دون: يعملون، للإِشارة إلى أنهم يدبرون مكائد للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فيكون هذا الكلام إيذاناً بوجود باعث آخر على النزع عن الحسرة عليهم. وعن ابن عباس: أن المراد به أبو جهل وحزبه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} تفسير : [الأنعام: 33] وفي الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} تفسير : [الكهف: 6] الآية. وغير ذلك من المواضع.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفمن زين له سوء عمله: أي قبيح عمله من الشرك والمعاصي. فرآه حسناً: أي رآه حسناً زيناً لا قبح فيه. فلا تذهب نفسك عليهم: أي على أولئك الذين زين لهم الشيطان قبيح أعمالهم. حسرات: أي لا تُهلِك نفسك بالتحسر عليهم لكفرهم. إن الله عليم بما يصنعون: وسيجزيهم بصنيعهم الباطل. فتثير سحاباً: أي تزعجه وتحركه بشدة فيجتمع ويسير. فسقناه إلى بلد ميت: أي لا نبات به. فأحيينا به الأرض: أي بالنبات والعشب والكلأ والزرع. كذلك النشور: أي البعث والحياة الثانية. فلله العزة جميعاً: أي فليطلب العزة بطاعة الله فإنها لا تنال إلا بذلك. إليه يصعد الكلم الطيب: أي إلى الله تعالى يصعد الكلم الطيب وهو سبحان الله والحمد لله والله أكبر. والعمل الصالح يرفعه: أي أداء الفرائض وفعل النوافل يرفع إلى الله الكلم الطيب. يمكرون السيئات: أي يعملونها ويكسبونها. ومكر أولئك هو يبور: أي عملهم هو الذي يفسد ويبطل. خلقكم من تراب: أي أصلكم وهو آدم. ثم من نطفة: أي من ماء الرجل وماء المرأة وذلك كل ذُريِّة آدم. ثم جعلكم أزواجاً: أي ذكراً وأنثى. وما تحمل من أُنثى: أي ما تحمل من جنين ولا تضعه إلا بإذنه. وما يعمر من معمر: أي وما يطول من عُمر ذي عُمر طويل إلا في كتاب. ولا ينقص من عمره: أي بأن يجعل أقل وأقصر من العمر الطويل إلا في كتاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقوية روح الرسول صلى الله عليه وسلم والشد من عزمه أمام تقلبات المشركين وعنادهم ومكرهم فقال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} أي أفمن زين له الشيطان ونفسه وهواه قبيح عمله وهو الشرك والمعاصي فرآه حسناً كمن هداه الله فهو على نور من ربّه يرى الحسنة حسنة والسيئة سيئة والجواب: لا، لا. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} يضل بعدله وحسب سننه في الإِضلال من يشاء من عباده، ويهدي بفضله من يشاء هدايته إذاً فلا تذهب نفسك أيها الرسول على عدم هدايتهم حسرات فتهلك نفسك تحسُّراً على عدم هدايتهم. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فلذا لا داعي إلى الحزن والغمّ ما دام الله تعالى وهو ربهم قد أحصى أعمالهم وسيجزيهم بها وقوله تعالى {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} أي تزعجه وتحركه. {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي لا نبات ولا زرع به {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} أي كما أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها كذلك يحي الموتى إذ بعد فناء العالم ينزل الله تعالى من تحت العرش ماء فينبت الإِنسان من عظم يقال له عَجُبُ الذَّنَبَ فيتم خلقه، ثم يرسل الله تعالى الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فلا تخطئ روح جسدها. وهكذا كما تتم عملية إحياء الأرض بالنبات تتم عملية إحياء الأموات ويساقون إلى المحشر ويجزي كل نفس بما كسبت والله سريع الحساب. وقوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} فلْيَطلُبْها من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله فإن العزة لله جميعاً فالعزيز من أعزه الله والذليل من أَذَله، إنهم كانوا يطلبون العزة بالأصنام فاعلموا أن من يريد العزة فليطلبها من مالكها أما الذي لا يملك العزة فكيف يعطيها لغيره إن فاقد الشيء لا يعطيه. وقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} أي إلى الله يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إلى الله تعالى فإذا كان قول بدون عمل فإنه لا يرفع إلى الله تعالى ولا يثيب عليه، وقد ندد الله تعالى بالذين يقولون ولا يعملون فقال {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 3]. وقوله {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي يعملونها وهي الشرك والمعاصي {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذا جزاؤهم، {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي ومكر الذين يعملون السيئات {هُوَ يَبُورُ} أي يفسد ويبطل. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي خلق أصلنا من تراب وهو آدم، ثم خلقنا نحن ذريته من نطفة وهي ماء الرجل وماء المرأة، {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} أي ذكراً وأنثى. هذه مظاهر القدرة الإِلهية الموجبة لعبادته وتوحيده والمقتضية للبعث والجزاء، وقوله {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي يزداد في عمره، ولا ينقص من عمره فلا يزاد فيه إلا في كتاب وهو كتاب المقادير. هذا مظهر من مظاهر العلم، وبالعلم والقدرة هو قادر على إحياء الموتى وبعث الناس للحساب والجزاء. ولذا قال تعالى {إِنَّ ذَلِكَ} أي المذكور من الخلق والتدبير ووجوده في كتاب المقادير على الله يسير أي سهل لا صعوبة فيه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من اتباع الهوى والاستجابة للشيطان فان ذلك يؤدي بالعبد إلى أن يصبح يرى الأعمال القبيحة حسنة ويومها يحرم هداية الله فلا يهتدي أبداً وهذا ينتج عن الإِدمان على المعاصي والذنوب. 2- عملية إحياء الأرض بعد موتها دليل واضح على بعث الناس أحياءً بعد موتهم. 3- مطلب العزة مطلب غال، وهو طاعة الله ورسوله ولا يعز أحد عزاً حقيقياً بدون طاعة الله ورسوله. 4- علم الله المتجلي في الخلق والتدبير يُضافُ إليه قدرته تعالى التي لا يعجزها شيء بهما يتم الخلق والبعث والجزاء. 5- تقرير البعث والجزاء وتقرير كتاب المقادير وهو اللوح المحفوظ.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَرَآهُ} {حَسَرَاتٍ} (8) - أَفَمَنْ حَسَّنَ لَهُ الشَّيطَانُ عَمَلَهُ السَّيِّءَ، مِنْ مَعَاصِي اللهِ، وَالكُفْرِ بِهِ، وَالإِشْرَاكِ فِي عِبَادَتِهِ مَنْ هُمْ دُونَهُ.. فَرَأى ذَلِكَ حَسَناً، وَظَنَّ قَبِيحَهُ بِهِ جَمِيلاً، هَلْ لَكَ يَا مُحَمَّدُ فِيهِ حِيلةٌ؟ وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ تَهْدِيَهُ إِلى الحَقِّ وَالصَّوَابِ؟ وَهَلْ يَسْتَوِي هَذا الضاَّلُّ مَعَ مَنْ هَدَاهُ اللهُ، وَوَفَّقَهُ إِلى الإِيمَانِ فَرَأَى الحَسَنَ حَسَناً فَفَعَلَهُ، وَالقَبِيحَ قَبِيحاً فَاجِتَنَبَهُ؟ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّما يَتِمُّ بِقَدرٍ مِنَ اللهِ، فَهُوَ تَعَالى الذِي يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَلاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وَقَدَرِهِ، فَلاَ تَأْسَفْ أَنْتَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِدَعْوَتِكَ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَإِنَّ اللهَ حَكِيمٌ فِي قَدَرِهِ، وَهُوَ تَعَالى عَليمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَسَيَجِزِيهِمِ بِهِ. فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ - فَلاَ تُهْلِكْ نَفْسَكَ عَلَيهِمْ هَمّاً وَحُزْناً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأسلوب في {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِه} [فاطر: 8] أسلوب استفهام، لكن لم يذكر المقابل له، وتقديره هل يستوي، ومَنْ لم يُزين له سوء عمله؟ والحق سبحانه لم يذكر جواباً لأنه معلوم، ولا يملك أحد إلا أن يقول لا يستويان، لأن الناس منهم مَنْ يعمل السيئة، ويعلم أنها سيئة، ويكتفي بها لا يتعداها، ومنهم مَنْ يتعدَّى فيفعل السيئة ويدَّعي أنها حسنة، وهذا مصيبته أعظم لأنه ارتكب جريمة حين فعل السيئة، وارتكب جريمة أخرى حين ادعى أنها حسنة، هذا معنى: {فَرَآهُ حَسَناً} [فاطر: 8]، وهذا اختلال في الرؤية وضلال. لذلك يقول تعالى بعدها: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [فاطر: 8] وهذه الآية وقف عندها كثيرون، يقولون: إنْ كان الله هو الذي يهدي، وهو الذي يُضل. فلماذا يُحاسب الإنسان؟ ولا بُدَّ لتوضيح هذه المسألة أن نُبين معنى يهدي ويُضل. يهدي يعنى: يدلُّه على طريق الخير ويرشده إليه، وهذا الإرشاد من الله لكل الناس، فمَنْ سمع هذا الإرشاد وسار على هُدَاه وصل إلى طريق الخير، فكان له من الله العون وزيادة الهدى، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. أما الذي أغلق سمعه فلم يسمع ولم يَهْتَدِ فَضَلَّ الطريق وانحرف عن الجادة، فأعانه الله أيضاً على غايته، وزاده ضلالاً، وختم على قلبه ليكون له ما يريد، فلا يدخل قلبه إيمانٌ، ولا يخرج منه كفر، وهؤلاء قال الله فيهم: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة: 10]. لذلك يقول تعالى عن قوم ثمود: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]. فمعنى {هَدَيْنَاهُمْ} يعني: دللناهم وأرشدناهم لطريق الخير، ولكنهم رفضوا هذه الدلالة وعارضوا الله فضَلُّوا فأضلهم الله. يعني: زادهم ضلالاً. وسبق أنْ أوضحنا هذه القضية وقلنا: هَبْ أنك تريد أنْ تذهب إلى مكان ما، ووقفتَ عند مفترق الطرق لا تدري أيهما يُوصِّلك إلى غايتك، فذهبتَ إلى رجل المرور تسأله أين الطريق، فدلَّك عليه فشكرته وعرفتَ له جميله، فلما رآك مُطيعاً له، شاكراً لفضله قال الله: لكن أمامك في هذا الطريق عقبة سأسير معك حتى تتجاوزها، هكذا يعامل الحق سبحانه المهتدين: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. وقد خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] وخاطبه بقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] فأثبت له صلى الله عليه وسلم الهداية بمعنى الإرشاد والدلالة، لكن نفى في حقِّه الهداية بمعنى المعونة على الهدى، فالذي يُعين هو الله. ثم إن الحق سبحانه لم يترك هذه المسألة هكذا، إنما بيَّن مَنْ يهديه ومَنْ يُضِلُّه، فقال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 67] وقال: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [الصف: 5] وأيُّ هداية للإنسان بعد أنْ كفر بالله، وفَسَق عن منهجه، وأفسد في البلاد، وظلم العباد؟ وقوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] يعني: لا تُهلك نفسك حسرة على عدم إيمانهم، وهذا المعنى شرحه الحق سبحانه في قوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على هداية قومه، يألم أشدَّ الألم حين يشرد أحد منهم عن طريق الإيمان؛ لذلك قال تعالى عن نبيه محمد: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. ثم يقول سبحانه مُسلِّياً رسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] يعني: لا تَخْفى عليه خافية من أفعالهم، وسوف يجازيهم ما يستحقون من عقاب على قَدْر ما بدر منهم من إعراض، فاطمئن ولا تحزن. بعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى بعض الآيات الكونية الخاصة بنعمه سبحانه على الخَلْق، فيقول تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ } عمله السيئ، القبيح، زينه له الشيطان، وحسنه في عينه. { فَرَآهُ حَسَنًا } أي: كمن هداه اللّه إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا؟ فالأول: عمل السيئ، ورأى الحق باطلا والباطل حقا. والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقا، والباطل باطلا ولكن الهداية والإضلال بيد اللّه تعالى، { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ } أي: على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، وصدهم الشيطان عن الحق { حَسَرَاتٍ } فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم شيء، والله [هو] الذي يجازيهم بأعمالهم. { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):