Verse. 3669 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَاللہُ الَّذِيْۗ اَرْسَلَ الرِّيٰحَ فَتُـثِيْرُ سَحَابًا فَسُقْنٰہُ اِلٰى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَاَحْيَيْنَا بِہِ الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِہَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ النُّشُوْرُ۝۹
WaAllahu allathee arsala alrriyaha fatutheeru sahaban fasuqnahu ila baladin mayyitin faahyayna bihi alarda baAAda mawtiha kathalika alnnushooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والله الذي أرسل الرياح» وفي قراءة الريح «فتثير سحابا» المضارع لحكاية الحال الماضية، أي تزعجه «فسقناه» فيه التفات عن الغيبة «إلى بلد ميت» بالتشديد والتخفيف لا نبات بها «فأحيينا به الأرض» من البلد «بعد موتها» يبسها، أي أنبتنا به الزرع والكلأ «كذلك النشور» أي البعث والإحياء.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى اليسار، وفي حركاته المختلفة قد ينشىء السحاب، وقد لا ينشيء، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ } بلفظ الماضي وقال: {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً } بصيغة المستقبل، وذلك لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعل الله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زماناً ولا جزأً من الزمان، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان وكأنه فرغ من كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير كالإرسال، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهو يؤلف في زمان فقال: {تُثِيرُ } أي على هيئتها. المسألة الثانية: قال: {أُرْسِلَ } إسناداً للفعل إلى الغائب وقال: {سُقْنَـٰهُ } بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله: {فَأَحْيَيْنَا } وذلك لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض فنفي الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب، وفي الثاني كان تذكيراً بالنعمة فإن كما(ل) نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء وقوله: {سُقْنَـٰهُ... وَأَحْيَيْنَا } بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله: {أُرْسِلَ } وبين قوله: (تُثِيرُ ). المسألة الثالثة: ما وجه التشبيه بقوله: {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت. المسألة الرابعة: ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فنقول لما ذكر الله أنه فاطر السموات والأرض، وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر:1] ذكر من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها بقوله: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} مَيّت ومَيْت واحد، وكذا مَيِّتَة ومَيْتة؛ هذا قول الحُذّاق من النحويين. وقال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين، ولم يستثن أحداً، واستدلّ على ذلك بدلائل قاطعة. وأنشد:شعر : ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍ إنما الْميت ميّت الأحياء إنما المَيْت من يعيش كئيباً كاسِفاً بالُه قليل الرجاء تفسير : قال: فهل ترى بين مَيّت ومَيْت فرقا، وأنشد:شعر : هَيْنون لَيْنون أيسارٌ بنو يَسَر سُواس مَكْرُمة أبناء أَيْسار تفسير : قال: فقد أجمعوا على أن هَيْنون وَلَيْنون واحد، وكذا مَيّت ومَيْت، وسَيّد وسَيْد. قال: «فَسُقْنَاهُ» بعد أن قال: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ» وهو من باب تلوين الخطاب. وقال أبو عبيدة: سبيله «فَتَسُوقُه»، لأنه قال: «فَتُثِيرُ سَحَاباً». الزمخشري: فإن قلت: لم جاء «فتثير» على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحابَ، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية؛ وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تُستغرب، أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك؛ كما قال تأبَّط شَرًّا:شعر : بأني قد لقيت الغول تهوى بسَهْب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دَهش فخرت صريعاً لليدين وللجران تفسير : لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يُبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدّة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: «فسقنا» و«أحيينا» معدولاً بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. وقراءة العامة «الرياح». وقرأ ابن مُحَيْصن وابن كثير والأعمش ويحيـى وحمزة والكسائي «الريح» توحيداً. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفى. {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} أي كذلك تُحيون بعد ما متُّم؛ من نشر الإنسان نشوراً. فالكاف في محل الرفع؛ أي مثل إحياء الموت نشر الأموات. حديث : وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يحيـي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أمَا مررتَ بوادي أهلِك مُمْحِلاً ثم مررت به يهتّز خَضِراً» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فكذلك يحيـي الله الموتى وتلك آيته في خلقه»تفسير : وقد ذكرنا هذا الخبر في «الأعراف» وغيرها.

ابن كثير

تفسير : كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها؛ كما في أول سورة الحج، ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك؛ فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب، تحمل الماء، وأنزله عليها {أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطراً يعم الأرض جميعاً، فتنبت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض، ولهذا جاء في الصحيح: «حديث : كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب» تفسير : ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} وتقدم في الحج حديث أبي رزين قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلاً، ثم مررت به يهتز خضراً؟» تفسير : قلت: بلى، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : فكذلك يحيي الله الموتى»تفسير : وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أي: من كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعاً؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 139] وقال عز وجل: { أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 65] وقال جل جلاله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [المنافقون: 8] قال مجاهد: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} بعبادة الأوثان: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} وقال قتادة: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أي: فليتعزز بطاعة الله عز وجل، وقيل: من كان يريد علم العزة لمن هي؟ {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} وحكاه ابن جرير. وقوله تبارك وتعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} يعني: الذكر والتلاوة والدعاء، قاله غير واحد من السلف. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله، هو ابن مسعود رضي الله عنه: إذا حدثناكم بحديث، أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا واستغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله عز وجل، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ} وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن، وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه، وقد روي مرفوعاً. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى، يعني: ابن مسلم الطحان، عن عون بن عبد الله عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الذين يذكرون الله من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به؟» تفسير : وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بشر بكر بن خلف عن يحيى بن سعيد القطان عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه، أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه به. وقوله تعالى: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: الكلم الطيب: ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله عز وجل، والعمل الصالح: أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه، حمل عمله وذكر الله تعالى به إلى الله عز وجل، ومن ذكر الله تعالى، ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد. وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح، لم يرفع الكلام. وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب: هم المراؤون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس؛ يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراؤون بأعمالهم، {أية : وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 142] وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون، والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَـٰئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي: يفسد ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر أحدٌ سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون، فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. وقوله تبارك وتعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: ابتدأ خلق أبيكم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجاً} أي: ذكراً وأنثى؛ لطفاً منه ورحمة أن جعل لكم أزواجاً من جنسكم؛ لتسكنوا إليها. وقوله عز وجل: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ } تفسير : [الرعد: 8 ــــ 9]. وقوله عز وجل: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي: ما يعطى بعض النطف من العمر الطويل يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} الضمير عائد على الجنس، لا على العين؛ لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس، قال ابن جرير: وهذا كقولهم: عندي ثوب ونصفه، أي: هو ونصف ثوب آخر، وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَىٱللَّهِ يَسِيرٌ} يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة، إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت، لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} يقول: كل ذلك في كتاب عنده، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة، وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره، فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره. فكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغ ما بلغ، وقال بعضهم: بل معناه {وَمَا يُّعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي: ما يكتب من الأجل {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} وهو ذهابه قليلاً قليلاً، الجميع معلوم عند الله تعالى، سنة بعد سنة، وشهراً بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه، نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني، واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال. وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال: سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه»تفسير : . وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو سرح، حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر»تفسير : . وقوله عز وجل: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه شيء منها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ } وفي قراءة: «الريحَ» {فَتُثِيرُ سَحَاباً } المضارع لحكاية الحال الماضية، أي تزعجه {فَسُقْنَٰهُ } فيه التفات عن الغيبة {إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ } بالتشديد والتخفيف. لا نبات بها {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } من البلد {بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها، أي أنبتنا به الزرع والكلأ {كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ } أي البعث والإِحياء.

الشوكاني

تفسير : ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه، وعظيم قدرته، ليتفكروا في ذلك، وليعتبروا به، فقال: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ } قرأ الجمهور: {الرياح}، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، والأعمش، ويحيـى بن وثاب، وحمزة، والكسائي (الريح) بالإفراد {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً } جاء بالمضارع بعد الماضي استحضاراً للصورة، لأن ذلك أدخل في اعتبار المعتبرين، ومعنى كونها: تثير السحاب أنها تزعجه من حيث هو {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ } قال أبو عبيدة: سبيله، فتسوقه، لأنه قال: {فتثير سحاباً}. قيل: النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع: الدلالة على التحقق. قال المبرد: ميت وميّت واحد، وقال: هذا قول البصريين، وأنشد:شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء تفسير : {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } أي: أحيينا بالمطر الأرض بإنبات ما ينبت فيها، وإن لم يتقدّم ذكر المطر، فالسحاب يدل عليه، أو أحيينا بالسحاب، لأنه سبب المطر {بَعْدَ مَوْتِهَا } أي: بعد يبسها، استعار الإحياء للنبات، والموت لليبس {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } أي: كذلك يحيـي الله العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها، والنشور: البعث، من نشر الإنسان نشوراً، والكاف في محل رفع على الخيرية، أي: مثل إحياء موات الأرض إحياء الأموات، فكيف تنكرونه، وقد شاهدتم غير مرّة ما هو مثله وشبيه به؟ {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } قال الفرّاء: معناه: من كان علم العزة لمن هي؟ فإنها الله جميعاً. وقال قتادة: من كان يريد العزّة، فليتعزز بطاعة الله، فجعل معنى فللّه العزّة: الدعاء إلى طاعة من له العزّة، كما يقال: من أراد المال، فالمال لفلان، أي: فليطلبه من عنده. وقال الزجاج: تقديره من كان يريد بعبادة الله العزّة، والعزّة له سبحانه، فإن الله عزّ وجلّ يعزّه في الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } المشركون، فإنهم كانوا يتعزّزون بعبادة الأصنام: كقوله: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } تفسير : [مريم: 81]. وقيل المراد: الذين كانوا يتعزّزون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } تفسير : [النساء: 139] الآية. {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } أي: فليطلبها منه لا من غيره، والظاهر في معنى الآية: أن من كان يريد العزّة، ويطلبها، فليطلبها من الله عزّ وجلّ: فللّه العزّة جميعاً، ليس لغيره منها شيء، فتشمل الآية كل من طلب العزّة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار، وألهمم من أين تنال العزّة، ومن أيّ جهة تطلب؟ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } أي: إلى الله يصعد لا إلى غيره، ومعنى صعوده إليه: قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف، وخصّ الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيباً من ذكر لله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو بالتحميد، والتمجيد. وقيل: المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا. وقيل: المراد بصعوده علم الله به، ومعنى {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما قال الحسن، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبو العالية، والضحاك، ووجهه: أنه لا يقبل الكلم الطيب إلاّ مع العمل الصالح. وقيل: إن فاعل {يرفعه} هو {الكلم الطيب}، ومفعوله {العمل الصالح}، ووجهه: أن العمل الصالح لا يقبل إلاّ مع التوحيد، والإيمان. وقيل: إن فاعل {يرفعه} ضمير يعود إلى الله عزّ وجلّ. والمعنى: أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب، لأن العمل يحقق الكلام. وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزّة. وقال قتادة: المعنى: أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه، أي: يقبله، فيكون قوله: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ } على هذا مبتدأ خبره يرفعه، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه. قرأ الجمهور: {يصعد} من صعد الثلاثي. و{الكلم الطيب} بالرفع على الفاعلية. وقرأ علي، وابن مسعود: (يصعد) بضم حرف المضارعة من أصعد، و(الكلم الطيب) بالنصب على المفعولية، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول، وقرأ الجمهور: {الكلم}، وقرأ أبو عبد الرحمن: (الكلام)، وقرأ الجمهور: {والعمل الصالح} بالرفع على العطف، أو على الابتدا ء. وقرأ ابن أبي عبلة، وعيسى بن عمر بالنصب على الاشتغال. {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَات لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } انتصاب {السيئات} على أنها صفة لمصدر محذوف: أي: يمكرون المكرات السيئات، وذلك لأن «مكر» لازم، ويجوز: أن يضمن يمكرون معنى: يكسبون، فتكون السيئات مفعولاً به. قال مجاهد، وقتادة: هم: أهل الرياء. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: هم الذين يعملون السيئات في الدنيا. وقال مقاتل: هم: المشركون، ومعنى {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }: لهم عذاب بالغ الغاية في الشدّة {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ هُوَ يَبُورُ } أي: يبطل، ويهلك، ومنه {أية : وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } تفسير : [الفتح: 12]. والمكر في الأصل: الخديعة، والاحتيال، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الذين مكروا السيئات على اختلاف الأقوال في تفسير مكرهم، وجملة: {يَبُورُ } خبر مكر أولئك. ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على البعث، والنشور، فقال: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } أي: خلقكم ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب. وقال قتادة: يعني: آدم، والتقدير على هذا: خلق أباكم الأوّل، وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أخرجها من ظهر آبائكم {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } أي: زوّج بعضكم ببعض، فالذكر زوج الأنثى، أو جعلكم أصنافاً ذكراناً وإناثاً {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } أي: لا يكون حمل، ولا وضع إلاّ والله عالم به، فلا يخرج شيء عن علمه وتدبيره {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } أي: ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمره إلاّ في كتاب، أي: في اللوح المحفوظ. قال الفرّاء: يريد آخر غير الأوّل، فكنى عنه بالضمير كأنه الأوّل: لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأوّل كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأوّل، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي: نصف آخر. قيل: إنما سمي معمراً باعتبار مصيره إليه. والمعنى: وما يمدّ في عمر أحد، ولا ينقص من عمر أحد، لكن لا على معنى: لا ينقص من عمره بعد كونه زائداً، بل على معنى: أنه لا يجعل من الابتداء ناقصاً إلاّ وهو في كتاب. قال سعيد بن جبير: وما يعمر من معمر إلاّ كتب عمره: كم هو سنة، كم هو شهراً، كم هو يوماً، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة حتى يستوفي أجله، فما مضى من أجله، فهو: النقصان، وما يستقبل، فهو: الذي يعمره. وقال قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. وقيل: المعنى: إن الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع، ودونه إن عصى، فأيهما بلغ، فهو في كتاب، والضمير على هذا يرجع إلى معمر. وقيل: المعنى: وما يعمر من معمر إلى الهرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلاّ في كتاب، أي: بقضاء الله قاله الضحاك، واختاره النحاس. قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل، والأولى أن يقال: ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره: هما بقضاء الله، وقدره لأسباب تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي التقصير. فمن أسباب التطويل: ما ورد في صلة الرّحم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله عزّ وجلّ، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلاً سبعين سنة، فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكلّ في كتاب مبين، فلا تخالف بين هذه الآية، وبين قوله سبحانه: {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34]، ويؤيد هذا قوله سبحانه: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 39]، وقد قدّمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحاً وبياناً. قرأ الجمهور: {ينقص} مبنياً للمفعول. وقرأ يعقوب، وسلام، وروي عن أبي عمرو: (ينقص) مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور: {من عمره} بضمّ الميم. وقرأ الحسن، والأعرج، والزهري بسكونها، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ } إلى ما سبق من الخلق، وما بعده {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لا يصعب عليه منه شيء، ولا يعزب عنه كثير، ولا قليل، ولا كبير، ولا صغير. ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من بديع صنعه، وعجيب قدرته، فقال {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } فالمراد بـ {البحران} العذب، والمالح، فالعذب الفرات الحلو، والأجاج المرّ، والمراد بـ{سَائِغٌ شَرَابُهُ }: الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته. وقرأ عيسى بن عمر: (سيغ) بتشديد الياء، وروي تسكينها عنه. وقرأ طلحة، وأبو نهيك: (ملح) بفتح الميم {وَمِن كُلّ } منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً }، وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } الظاهر أن المعنى: وتستخرجون منهما حلية تلبسونها. وقال المبرّد: إنما تستخرج الحلية من المالح، وروي عن الزجاج: أنه قال: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا، لا من كل واحد منهما على انفراده، ورجح النحاس قول المبرّد. ومعنى {تَلْبَسُونَهَا }: تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف، والدرع، ونحوهما {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ } أي: في كل واحد من البحرين. وقال النحاس: الضمير يعود إلى الماء المالح خاصة، ولولا ذلك لقال: فيهما {مَوَاخِرَ } يقال: مخرت السفينة تمخر: إذا شقت الماء. فالمعنى: وترى السفن في البحرين شواقّ للماء بعضها مقبلة، وبعضها مدبرة بريح واحدة، وقد تقدّم الكلام على هذا في سورة النحل، واللام في {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } متعلقة بما يدل عليه الكلام السابق: أي: فعل ذلك: لتبتغوا، أو بمواخر. قال مجاهد: ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في مدّة قريبة كما تقدّم في البقرة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ما أنعم عليكم به من ذلك. قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حقّ المؤمن والكافر، والكفر والإيمان، فكما لا يستوي البحران كذلك لا يستوي المؤمن والكافر، ولا الكفر والإيمان. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } أي: يضيف بعض أجزائهما إلى بعض، فيزيد في أحدهما، بالنقص في الآخر، وقد تقدّم تفسيره في آل عمران، وفي مواضع من الكتاب العزيز {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى } قدّره الله لجريانهما، وهو: يوم القيامة. وقيل: هو المدّة التي يقطعان في مثلها الفلك، وهو سنة للشمس، وشهر للقمر. وقيل: المراد به جري الشمس في اليوم، والقمر في الليلة. وقد تقدّم تفسير هذا مستوفى في سورة لقمان، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى الفاعل لهذه الأفعال، وهو: الله سبحانه، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره: {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ } أي: هذا الذي من صنعته ما تقدّم: هو: الخالق المقدّر، والقادر المقتدر المالك للعالم، والمتصرّف فيه، ويجوز: أن يكون قوله: له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } أي: لا يقدرون عليه، ولا على خلقه، والقطمير: القشرة الرّقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة كاللفافة لها. وقال المبرّد: هو: شقّ النواة. وقال قتادة: هو: القمع الذي على رأس النواة. قال الجوهري: ويقال: هي: النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة. ثم بيّن سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله بأنم لا ينفعون ولا يضرّون، فقال: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ } أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لكونها جمادات لا تدرك شيئاً من المدركات {وَلَوْ سَمِعُواْ } على طريقة الفرض، والتقدير {مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ } لعجزهم عن ذلك. قال قتادة: المعنى ولو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل المعنى: لو جعلنا لهم سماعاً وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتموهم إليه من الكفر {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } أي: يتبرّءون من عبادتكم لهم، ويقولون {أية : مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [يونس: 28] ويجوز: أن يرجع: {أية : وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } تفسير : [الأعراف: 197] وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار، وهم: الملائكة، والجنّ، والشياطين. والمعنى: أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاً، وينكرون: أنهم أمروكم بعبادتهم {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } أي: لا يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها، وهو: الله سبحانه، فإنه لا أحد أخبر بخلقه، وأقوالهم، وأفعالهم منه سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور، وحقائقها. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض إلاّ من شاء الله إلاّ مات، ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله {ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَـٰحَ } الآية. وأخرج أبو داود، والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي قال: «قلت: يا رسول الله كيف يحيـي الله الموتى؟ قال: حديث : أما مررت بأرض مجدبة، ثم مررت بها مخصبة تهتزّ خضراء؟ قلت: بلى، قال: كذلك يحيـي الله الموتى، وكذلك النشور»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله، وبحمده، والحمد لله، ولا إلٰه إلاّ الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض عليهنّ ملك يضمهنّ تحت جناحه، ثم يصعد بهنّ إلى السماء، فلا يمرّ بهنّ على جمع من الملائكة إلاّ استغفر لقائلهنّ حتى يجيء بهنّ وجه الرحمن، ثم قرأ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } قال: أداء الفرائض، فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤدّ فرائضه ردّ كلامه على عمله، وكان عمله أولى به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } الآية قال: يقول ليس أحد قضيت له طول العمر، والحياة إلاّ وهو بالغ ما قدّرت له من العمر وقد قضيت له ذلك، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدّرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر، والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله: {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو بخمسة وأربعين ليلة، فيقول: أيّ ربّ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، ويكتبان، ثم يكتب عمله، ورزقه، وأجله، وأثره، ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أمّ حبيبة: اللهمّ أمتعني بزوجي النبيّ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً، ولو كنت سألت الله: أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل» تفسير : وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر، فلا معارضة بين الأدلة كما قدّمنا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } قال: القطمير القشر، وفي لفظ: الجلد الذي يكون على ظهر النواة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} فيه قولان: أحدهما: يعني بالعزة المنعة فيتعزز بطاعة الله تعالى، قاله قتادة. الثاني: علم العزة لمن هي، فلله العزة جميعاً. وقيل إن سبب نزول هذه الآية ما رواه الحسن أن المشركين عبدوا الأوثان لتعزهم كما وصف الله تعالى عنهم في قوله: {وَاتَّخَذُواْ مِن اللهِ دُونِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُم عِزّاً} فأنزل الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فِلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً}. {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} فيه قولان: أحدهما: أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام. الثاني: الثناء علىمن في الأرض من صالح المؤمنين يصعد به الملائكة المقربون، حكاه النقاش. {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فيه قولان: أحدهما: أنه أداء الفرائض. الثاني: أنه فعل القرب كلها. وفي قوله: {يَرْفَعُهُ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أن العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب، قاله الحسن، ويحيى بن سلام. الثاني: أن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، قاله الضحاك وسعيد بن جبير. الثالث: أن العمل يرفعه الله بصاحبه، قاله قتادة، السدي. {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} يعني يشركون في الدنيا. {لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ} يعني في الآخرة. {وَمَكْرُ أُوْلئِكَ هُوَ يَبُورُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يفسد عند الله تعالى، قاله يحيى بن سلام. الثاني: يبطل، قاله قتادة. الثالث: يهلك، والبوار الهلاك، قاله قطرب. وفي المراد: {أُوْلئِكَ} قولان: أحدهما: أهل الشرك. الثاني: أصحاب الربا، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} يعني آدم. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يعني نسله. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} فيه وجهان: أحدهما: أصنافاً، قاله الكلبي. الثاني: ذكراناً وإناثاً، والواحد الذي معه آخر من شكله زوج والاثنان زوجان، قال الله تعالى: {أية : وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينَ الذَّكَرَ والأُنْثَى} تفسير : [النجم: 45] وتأول قتادة قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} أي زوّج بعضكم لبعض. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} يعني بأمره. {وَمَا يَعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ منْ عَمُرِهِ..} الآية. فيه قولان: أحدهما: ما نمد في عمر معمر حتى يصير هرماً. ولا ينقص من عمر أحد حتى يموت طفلاً إلا في كتاب. الثاني: ما يعمر من معمر قدر الله تعالى مدة أجله إلا كان ما نقص منه بالأيام الماضية عليه في كتاب عند الله. قال سعيد بن جبير: هي صحيفة كتب الله تعالى في أولها أجله، ثم كتب في أسفلها ذهب يوم كذا ويوم كذا حتى يأتي على أجله، وبمثله قال أبو مالك، والشعبي. وفي عمر المعمر ثلاثة أقاويل: أحدها: ستون سنة، قاله الحسن. الثاني: أربعون سنة. الثالث: ثماني عشرة سنة، قاله أبو غالب. {... إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} أي هين. ويحتمل وجهين: أحدهما: أن إثبات ذلك على الله يسير. الثاني: أن زيادة عمر المعمر ونقصان عمر الآخر عند الله تعالى يسير. وللكلبي فيه ثالث: أن حفظ ذلك بغير كتاب على الله يسير.

ابن عطية

تفسير : هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو سواء مع إحياء الموتى، و"البلد الميت" هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، و {النشور} مصدر نشر الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى: شعر : يا عجبا للميت الناشر تفسير : وقوله تعالى: {من كان يريد العزة} يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يريد {من كان يريد العزة} بمغالبة {فلله العزة} أي ليست لغيره ولا تتم إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال {من كان يريد العزة} بعبادة الأوثان. قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بقوله تعالى: {أية : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً} تفسير : [مريم: 81] والمعنى الثاني {من كان يريد العزة} وطريقها القويم ويحب نيلها على وجهها {فلله العزة} أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته، ونحا إليه قتادة. والمعنى الثالث وقاله الفراء {من كان يريد} علم {العزة فلله العزة} أي هو المتصف بها، و {جميعاً} حال، وقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك "إليه يُصعد" بضم الياء، وقرأ جمهور الناس "الكلم" وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن "الكلام"، و {الطيب} الذي يستحسن سماعه الاستحسان الشرعي، وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى: {والعمل الصالح يرفعه} اختلف الناس في الضمير في {يرفعه} على من يعود، فقالت فرقة يعود على {العمل}، واختلفت هذه الفرقة فقال قوم الفاعل بـ"يرفع" هو {الكلم} أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل مسند إلى الله تعالى أي "والعمل الصالح يرفعه هو". قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وقتادة الضمير في {يرفعه} عائد على {الكلم} أي أن العمل الصالح هو يرفع الكلم. قال القاضي أبو محمد: واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ابن عباس أن العبد إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً وأدى فرائضه ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله، وقيل عمله أولى به. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك، وأيضاً فإن {الكلم الطيب} عمل صالح وإنما يستقيم قول من يقول إن العمل هو الرافع لـ {الكلم} بأن يتأول أنه يزيد في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر لله كانت الأعمال أشرف. قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله {والعمل الصالح يرفعه} موعظة وتذكرة وحضاً على الأعمال، وذكر الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عمل إلا بنية" تفسير : ، ومعناه قولاً يتضمن أن قائله عمل عملاً أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة "والعملَ" بالنصب "الصالحَ" على النعت وعلى هذه القراءة فـ {يرفعه} مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى {الكلم}، والضمير في {يرفعه} عائد على {العمل} لا غير، وقوله {يمكرون السيئات} إما أنه عدى {يمكرون} لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، و {يمكرون} معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، و {يبور} معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا. قال القاضي أبو محمد: ونزول الآية أولاً في المشركين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور‏}‏ قال‏:‏ أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء، كذلك يبعث الناس يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في السموات والأرض ‏{أية : إلا ما شاء الله‏.‏‏.‏‏.‏}‏تفسير : ‏[‏الأعلى: 7‏]‏، ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت أجسامهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه ‏"‏الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور‏" ويكون بين النفختين ما شاء الله، ثم يقوم ملك فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها‏. وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى‏؟‏ قال‏:‏ أما مررت بأرض مجدبة، ثم مررت بها مخضبة تهتز خضراء‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ كذلك يحيي الله الموتى وكذلك النشور‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ} مبتدأٌ وخبرٌ. وقُرىء الرِّيحَ وصيغتُه المضارعِ في قوله تعالى: {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً} لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضاراً لتلكَ الصُّورةِ البديعةِ الدَّالَّةِ على كمال القدرةِ والحكمةِ ولأنَّ المرادَ بـيانُ إحداثِها لتلك الخاصَّيةِ ولذلك أُسند إليها أو للدِّلالةِ على استمرارِ الإثارةِ {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ} وقُرىء بالتَّخفيفِ {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} أي بالمطرِ النَّازلِ منه المدلولِ عليه بالسَّحابِ فإنَّ بـينهما تلازماً في الذِّهنِ كما في الخارجِ أو بالسَّحابِ فإنَّه سببُ السَّببِ {بَعْدَ مَوْتِهَا} أي يُبسها. وإيرادُ الفعلينِ على صيغةِ الماضِي للدِّلالةِ على التَّحقيقِ. وإسنادُها إلى نونِ العظمةِ المنبـيءِ عن اختصاصِهما به تعالى لما فيهما من مزيدِ الصُّنعِ ولتكميل المُماثلةِ بـين إحياءِ الأرضِ وبـين البعثِ الذي شُبِّه به بقوله تعالى: {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} في كمال الاختصاصِ بالقُدرةِ الرَّبانيةِ. والكافُ في حيِّزِ الرَّفعِ على الخبرية أي مثلَ ذلك الإحياءِ الذي تشاهدونَه إحياءٌ الأمواتِ في صحَّة المقدوريَّةِ وسهولةِ التأتِّي من غيرِ تفاوتٍ بـينهما أصلاً سوى الألفِ في الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي وقيل في كيفيَّةِ الإحياءِ يُرسل الله تعالى من تحت العرشِ ماءً فينبتُ منه أجسادُ الخلقِ {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} هم المشركونَ الذينَ كانُوا يتعزَّزون بعبادةِ الأصنامِ كقولِه تعالى: { أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} تفسير : [سورة مريم: الآية 81] والذين كانوا يتعزَّزون بهم من الذينَ آمنُوا بألسنتِهم كما في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} تفسير : [سورة النساء: الآية 139] والجمعُ بـين كانَ ويريدُ للدِّلالةِ على دَوام الإرادةِ واستمرارِها. {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أي له تعالى وحَدهُ لا لغيرِه عزَّةُ الدُّنيا وعزَّةُ الآخرةِ أي فليطلبها منْهُ لا من غيرِه فاستُغني عن ذكرِه بذكرِ دليلِه إيذاناً بأنَّ اختصاصَ العزَّةِ تعالى موجبٌ لتخصيصِ طلبها به تعالى. وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ} بـيان لما يُطلب به العزَّةُ وهو التَّوحيدُ والعملُ الصَّالحُ. وصعودُهما إليه مجازٌ عن قبولِه تعالى إيَّاهُما أو صعودُ الكَتَبةِ بصحيفتهما. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عبارةٌ عن كمالِ الاعتدادِ به كقولِه تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} تفسير : [سورة التوبة: الآية 104] أي إليه يصلُ الكلمُ الطَّيبُ الذي به يُطلب العزَّةَ لا إلى الملائكةِ الموكَّلين بأعمال العبادِ فَقطَ وهو يعزُّ صاحَبهُ ويُعطي طِلْبتَه بالذَّاتِ. والمستكّنُّ في يرفعه للكلم فإنَّ مدارَ قبولِ العملِ هو التَّوحيدُ ويُؤيده القراءةُ بنصبِ العملِ أو للعملِ فإنَّه يحققُ الإيمانَ ويقويه ولا يُنال الدَّرجاتُ العاليةُ إلا به. وقُرىء يُصعد من الإصعادِ على البناءين والمُصعدُ هو الله سبحانَه أو المتكلِّم به أو الملكُ وقيل الكلمُ الطَّيبُ يتناول الذِّكرَ والدُّعاءَ والاستغفارَ وقراءةَ القُرآن. وعنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلَه إلا الله والله أكبرُ إذَا قالَها العبدُ عرجَ بها الملكُ إلى السَّماءِ فحيا بها وجَه الرَّحمٰن فإذا لم يكُن عملٌ صالحٌ لم تُقبل، وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه « حديث : ما من عبدٍ مسلمٍ يقولُ خمسَ كلماتٍ سبحان الله والحمدُ لله ولا إلَه إلاَّ الله والله أكبرُ وتبارك الله إلا أخذهنَّ ملكٌ فجعلهنَّ تحتَ جناحِه ثم صعدَ بهنَّ فما يمرُّ بهنَّ على جمعٍ من الملائكةِ إلا استغفرُوا لقائلهنَّ حتَّى يحيـى بهنَّ وجَه ربِّ العالمينتفسير : ومصداقُه قوله عزَّ وجلَّ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ} الخ. {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيّئَاتِ} بـيانٌ لحال الكَلِمِ الخَبـيثِ والعملِ السَّيِّـىء وأهلِهما بعد بـيانِ حالِ الكَلمِ الطَّيبِ والعملِ الصَّالحِ. وانتِّصابُ السَّيئاتِ على أنَّها صفةٌ للمصدرِ المحذوفِ أي يمكرون المكَرَاتِ السَّيئاتِ وهي مكَراتُ قُريشٍ بالنبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ النَّدوةِ وتداورِهم الرَّأيِ في إحدى الثَّلاثِ التي هي الإثباتُ والقتلُ والإخراجُ {لَهُمْ} بسببَ مكراتِهم {عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يُقادرُ قَدرُه ولا يُؤبه عندَهُ لمَا يمكرونَ {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ} وضعَ اسمُ الإشارةِ موضعَ ضميرِهم للإيذانِ بكمالِ تميُّزهم بما هُم فيه من الشَّرِّ والفسادِ عن سائرِ المُفسدينَ واشتهارِهم بذلك. وما فيه من معنى البُعد للتنبـيه على تَرامي أمرهِم في الطُّغيانِ وبُعد منزلِتهم في العُدوانِ. أي ومكرُ أولئكَ المُفسدين الذينَ أرادُوا أنْ يمكرُوا به عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {هُوَ يَبُورُ} أي هو يهلكُ ويفسدُ خاصَّةً لا مَن مكرُوا بهِ ولقد أبارَهُم الله تعالى بعد إبارةِ مكراتِهم حيثُ أخرجَهم من مكَّةَ وقتلَهم وأثبتَهم في قَليبِ بدرٍ فجمعَ عليهم مكراتِهم الثَّلاثَ التي اكتفَوا في حقِّه عليه الصَّلاةُ والصَّلامُ بواحدةٍ منهن.

القشيري

تفسير : أجرى سُنَّتَه بأنه يُظْهِرُ فَضْلَه في إحياء الأرض بالتدريج؛ فأولاً يرسل الرياح ثم يأتي بالسحاب، ثم يوجِّه ذلك السحاب إلى الموضع الذي له تخصيصاً كيف يشاء، ويُمْطِرُ هناك كيف يشاء. كذلك إذا أراد إحياءَ قلبِ عبدٍ بما يسقيه وينزل عليه من أَمطار عنايته، فيُرْسِلُ أولاً رياحَ الرجاء، ويزعج بها كوامنَ الإرادة، ثم ينشىء فيها سُحُبَ الاهتياج، ولوعةَ الانزعاج، ثم يجود بمطرٍ يُنْبِتُ في القلب أزهارَ البَسْطِ، وأَنوارَ الرَّوْح، فيطيب لصاحِبه العَيْشُ إلى أن تمَّ لطائفُ الأنْسِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {والله} وحده وهو مبتدأ خبره قوله {الذى ارسل الرياح} الارسال فى القرآن على معنيين. الاول بمعنى [فرستادن] كما فى قوله تعالى {أية : انا ارسلناك}تفسير : والثانى بمعنى [فرو كشادن] كما فى قوله تعالى {ارسل الرياح}. وفى المفردات الارسال يقال فى الانسان وفى الاشياء المحبوبة والمكروهة وقد يكون ذلك للتسخير كارسال الريح والمطر وقد يكون ببعث من له اختيار نحو ارسال الرسل وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع ونحو {أية : انا ارسلنا الشياطين على الكافرين} تفسير : والارسال يقابل الامساك. والرياح جمع ريح بمعنى الهواء المتحرك اصله روح ولذا يجمع على ارواح واما ارياح قياسا على رياح فخطأ. قال صاحب كشف الاسرار [الله است كه فرو كشايد بتقدير وتدبير خويش بهنكام دربايست وباندازه دربايست بادهاى مختلف ازمخارج مختلف] اراد بها الجنوب والشمال والصبا فانها رياح الرحمة لا الدبور فانها رياح العذاب اما الجنوب فريح تخالف الشمال مهبها من مطلع سهيل الى مطلع الثريا واما الشمال بالفتح ويكسر فمهبها بين مطلع الشمس وبنات النعش او من مطلع الشمس الى مسقط النسر الطائر ولا تكاد تهب ليلا واما الصبا فمهبها من جانب المشرق اذا استوى الليل والنهار سميت بها لانها تصبو اليها النفوس اى تميل ويقال لها القبول ايضا بالفتح لانها تقابل الدبور او لانها تقابل باب الكعبة او لان النفس تقبلها {فتثير سحابا} تهيجه وتنشره بين السماء والارض لا نزال المطر فانه مزيد ثار الغبار اذا هاج وانتشر ساطعا. قال فى تاج المصادر [الاثارة: برانكيختن كرد وشورانيدن زمين وميغ آوردن باد] والسحاب جسم يملأه الله ماء كما شاء وقيل بخار يرتفع من البحار والارض فيصيب الجبال فيستمسك ويناله البرد فيصير ماء وينزل واصل السحب الجر كسحب الذيل والانسان على الوجه ومنه السحاب لجره الماء وصيغة المضارع مع مضى ارسل وسقنا لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة ولان المراد بيان احداثها لتلك الخاصية ولذلك اسند اليها {فسقناه الى بلد ميت} السوق بالفارسية [راندن] والبلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه واقامتهم فيه ولاعتبار الاثر قيل بجلده بلد اى اثر والبلد الميت هو الذى لا نبت فيه قد اغبر من القحط. قال الراغب الموت يقال بازاء القوة النامية الموجودة فى النبات ومقتضى الظاهر فساقه اى ساق الله ذلك السحاب واجراه الى الارض التى تحتاج الى الماء وقال فسقناه الى بلد التفاتا من الغيبة الى التكلم دلالة على زيادة اختصاصه به تعالى وان الكل منه والوسائط اسباب وقال الى بلد ميت بالتنكير قصدا به الى بعض البلاد الميتة وهى بلاد الذين تبعدوا عن مظان الماء {فاحيينا} الفا آت الثلاث للسببية فان ما قبل كل واحدة منها سبب لمدخولها غير ان الاولى دخلت على السبب بخلاف الاخيرتين فانهما دخلتا على المسبب {به} اى بالمطر النازل من السحاب المدلول عليه بالسحاب فان بينهما تلازما فى الذهن كما فى الخارج او بالسحاب فانه سبب السبب {الارض} اى صيرناها خضراء بالنبات {بعد موتها} اى يبسها {كذلك النشور} الكاف فى حيز الرفع على الخبرية اى مثل ذلك الاحياء الذى تشاهدونه احياء الموتى واخراجهم من القبور يوم الحشر فى صحة المقدورية وسهولة التأتى من غير تفاوت بينهما اصلا سوى الالف فى الاول دون الثانى فالآية احتجاج على الكفرة فى انكارهم البعث حيث دلهم على مثال يعاينونه. حديث : وعن ابى رزين العقيلى قال قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى قال "اما مررت بواد ممحلا ثم مررت به خضرا" قلت بلى قال" فكذلك يحيى الله الموتى" تفسير : او قال {كذلك النشور}. وقال بعضهم فى آية كذلك النشور اى فى كيفية الاحياء فكما ان احياء الارض بالماء فكذا احياء الموتى كما روى ان الله تعالى يرسل من تحت العرش ماء كمنى الرجال فينبت به الاجساد كنبات البقل ثم يأمر اسرافيل فيأخذ الصور فينفخ نفخة ثانية فتخرج الارواح من ثقب الصور كامثال النحل وقد ملأت ما بين السماء والارض فيقول الله ليرجعن كل روح الى جسده فتدخل الارواح فى الارض الى الاجساد ثم تدخل فى الخياشيم فتمشى فى الاجساد مشى السم فى اللديغ ثم تنشق الارض فيخرجون حفاة عراة. وفى الاية اشارة الى انه تعالى من سنته اذا اراد احياء ارض يرسل الرياح فتثير سحابا ثم يوجه ذلك السحاب الى الموضع الذى يريد تخصيصا له كيف يشاء ويمطرها هنالك كيف يشاء كذلك اذا اراد احياء قلب عبد يرسل اولا رياح الرجاء ويزعج بها كوامن الارادة ثم ينشئ فيه سحاب الاحتياج ولوعة الانزعاج ثم يأتى بمطر الجود فينبت به فى القلب ازهار البسط وانوار الروح ويطيب لصاحبه العيش والحضور شعر : يا رب از ابر هدايت برسان بارانى بيشتر زانكه جو كردئ زمان برخيزم تفسير : المقصود طلب الهداية الخاصة الى الفيض الآلهى الذى يحصل عند الفناء التام

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "كذلك": خبر مقدّم، و "النشور": مبتدأ. يقول الحق جلّ جلاله: {واللهُ الذي أرسلَ الرياحَ} وفي قراءة بالإفراد، للجنس، {فتُثير سحاباً} أي: تزعجه، وعبَّر بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة، التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، الدالة على كمال القدرة وباهر الحكمة. {فسُقناه إِلى بلدٍ ميتٍ} لا نبات فيه، {فأحيينا به} أي: بالمطر النازل منه {الأرضَ بعد موتها} بعد يبسها. وعدل من الغيبة إلى التكلم؛ لأنه أدخل في الاختصاص؛ لِمَا فيه من مزيد بديع الصنع، {كذلك النشورُ} أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات. وقيل: يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش، كمنيّ الرجال، فتنبت به الأجسادُ في قبورها، ثم يرسل الأرواح فتدخل في أشباحها. "حديث : قال أبو رزين: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بواد أهلك مَحْلاً؟ ـ أي جدباً ـ قلت: نعم، قال: فكذلك يُحيي الله الموتى، وتلك آية الله في خلقه ". تفسير : الإشارة: والله الذي أرسل رياح الهداية، فتزعج سحاب الغين عن قلوب أهل الهداية، فسقناه ـ أي: ريح الهداية ـ إلى قلب ميت بالغفلة والجهل بالله، فأحيينا بالوارد الناشىء عن ريح الهداية أرضَ النفوس، بالنشاط إلى العبادة، والذكر، والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والقسوة، كذلك النشور. وذلك عِزها. كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} عطف على قوله انّ الله يضلّ من يشاء وتعليل لهداية بعضٍ واضلال بعضٍ ورؤية بعضٍ حسن اعماله السّيّئة ورؤية بعضٍ قبح اعماله الحسنة كأنّه قال: الله الّذى يرسل رياح اهوية النّفوس فتثير سحاباً فيحيى به بعض النّفوس ويهلك بعضاً {فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} التفات من الغيبة الى التّكلّم {إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} مستعدٍّ للاحياء {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} اى ارض ذلك البلد بالنّبات واخضرار الاشجار {بَعْدَ مَوْتِهَا} عن النّبات وعن اخضرار الاشجار وكذلك يرسل الله الرّياح النّفسانيّة والعقلانيّة ورياح حوادث الزّمان ويسوق سحاب الرّحمة بها الى بلاد نفوسكم اليابسة عن نبات الايمان فيحيى به النّفوس المستعدّة ويهلك النّفوس الجافّة القاسية {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} من قبور نفوسكم وغلاف ابدانكم ومن قبور برازخكم فانّ القوى والاستعدادات المكمونة فى الابدان والنّفوس مثل الحبوب والعروق المكمونة فى الاراضى وخروجها من القوّة الى الفعليّة بأمطار الرّحمة الالهيّة، كخروج الحبوب والعروق بالنّبات والأشجار والاوراق بأمطار السّحاب.

اطفيش

تفسير : {والله الذي أرسل الرياح} مبتدأ وخبر وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح بالافراد. {فتثير سحابا} تزعجه من مكانه او تجمعه فيجىء به وانما لم يقل فأثارت سحابا مع انه المناسب لأرسل بل قال تثير ليدل على حكاية الحال الماضية حتى كأنها حاضرة مشاهدة وفي ذلك زيادة اعتبار ودلالة على كمال الحكمة فان المرئي اقوى من الغائب وليبين بذلك انه يحدث الرياح بحيث تثير السحاب في الحال لا تترك اثارته ولا تتأخر عن اثارته وان قوة الاثارة موجودة. {فسقناه إلى بلد ميت} فيه التفات عن الغيبة التي في والله الذي ارسل الى التكلم ليكون سوقه ادخل في الاختصاص لما فيه من مزيد الصنع وكذا في قوله. {فأحيينا به الأرض بعد موتها} فانه تابع لسقناه في التكلم وفيه مزيد صنع ومن ذلك الالتفات قوله تأبط شرا: شعر : فاني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة حصماني فاضربها بلا دهش فجرت صريعا الميدين والجراني تفسير : والجران مقدم العنق قال اضربها كانه احضرها فهو يضربها بمرآى منهم ليدل على جرأته ويجوز ان يكون تشير للاستمرار والماضي لا يدل على حكاية الحال الماضية وعلى الاستمرار وتشديد تاء ميت قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص وقرأ الباقون بالاسكان وموت البلد والارض اليبس وعدم النبات يحتمل ان يكون المراد الارض البلد الميت الذي هو نفس الموضع الذي اصابه المطر فذلك من وضع الظاهر موضع المضمر وان يكون المراد بالارض نفس الموضع الذي اصابه المطر وبالبلد الناحية العامة التي تلك الارض المصابة بالمطر بعضه وهاء به عائدة للمطر والماء المفهوم من السحاب او الى السحاب فانه سبب للماء الممطر ومحل له. {كذلك النشور} بعث الموتى مثل احياء الارض الميتة يبعثهم كما يحييها وهما سواء في قدرته وانما اختلفا في المادة فقط فان لا حياء الارض مادة هي الماء ولا مادة لاحياء الموتى وقيل له مادة وهي ماء كنطفة الرجل يرسل من تحت العرش تنبت به اجسادهم ثم ينفخ صاحب الصور في الارواح فتذهب كل روح الى جسدها حتى تدخل فيه ويجيبون اجابة رجل واحد سراعا الى صاحب الصور في بيت المقدس. وروي حديث : ان ابي بن زين العقيلي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحيي الله الموتى وما اية ذلك في خلقه فقال صلى الله عليه وسلم هل مررت بواد هلك محلا اي جدبا ثم مررت به يهتز خضرا فقال نعم قال فكذلك يحيي الله الموتى وتلك ايته في خلقهتفسير : ذكره في الكشاف ولعل ابن الجوزي اخذه منه ببعض تفسيره.

اطفيش

تفسير : {والله الَّذي أرْسَل الرياح} مبتدأ وخبر للحصر، أى الله هو أرسل الرياح لاثارة السحاب اذا شاء، لا كلها أرسلها أثارت {فتُثِير} تنهض {سحاباً} أى هو الذى أرسل الرياح فيما مضى، وكلما أرسلها تحضرها الاثارة، والاثارة ماضية، عبر عنها بمضارع الحال، لتكون كالمشاهدة فقيسوا عليه المستقبل، فذلك وجه المضى فى الارسال، ووجه الحالية والاستقبالية فى الاثارة، ولكن الحالية مجازية لقرب الارسال بالاثارة، أو أرسل بمعنى يرسل، والماصى للسرعة المتفرعة على قول كن، وكأنه مضى كما قال الله عز وجل: "أية : يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته" تفسير : [الأعراف: 57] بالمضارع، وقال فى سورة الروم: "أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً" تفسير : [الروم: 48] وأيضا الارسال متقدم على الاثارة حسب المضى فهو متقدم والاثارة بعدها. {فسقناه إلى بلدٍ مَيِّتٍ} لا نبات فيه يعتبر، أو البتة شبيه بما مات من ذوات الأرواح فى عدم صدور شىء منها وضده فى قوله: {فأحْيينا به} بمطره {الأرضَ} المعهودة بلفظ بلد ميت، فأل للعهد، ومقتضى الظاهر فأحييناه برد الهاء الى البلد، ولكن ذكر باسم الأرض مع اعادة ذكر الموت فى قوله: {بعْدَ مَوْتها} تلويحا الى أن المطر حياة للأرض الميتة هكذا مطلقا، ولو كان فيها نبات، وتفسيرا للبلد الميت فإنه فى الآية نكرة فى الاثبات ظاهرة فى بلد واحد، ولأنه أوفق بالعبث المطلق، وقال بعد موتها مع أن ذكر الاحياء يغنى عنه للاشارة، قيل: الى أن الموت للأرض الذى تعلق به الاحياء معلوم عندهم. {كَذلكَ} مثل انبات الأرض بعد أن لا نبات فيها {النُّشُور} نشرنا الموتى من قبورهم أحياء كما ينشر الثوب بعد طيه، أو مثل ذلك النبات بالمعنى المصدرى نشور الموتى، أى حياتهم قال الأعشى: شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر تفسير : أى الذى حيى، ووجه الشبه أنه كما قبلت الأرض الميتة النبات، تقبل أعضاء الميت الحياة، وكما تجمع الرياح قطع السحاب، يجمع الله أجزاء الموتى، وكما يسوق السحاب الى البلد الميت فينبت بمائه يسوق الروح والحياة الى الأبدان، وكما يرسل الماء الى الأرض فتنبت يرسل ماء المنى، وكالطل من تحت العرش الى الموتى فيَحْيَوْن، كما جاء فى الحديث.

الالوسي

تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ } مبتدأ وخبر، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير {ٱلرّيحَ } وصيغة المضارع في قوله تعالى: {فَتُثِيرُ سَحَابًا } لحكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة وكثيراً ما يفعلون ذلك بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك، ومنه قول تأبط شراً:شعر : ألا من مبلغ فتيان فهم بما لاقيت عند رحى بطان بأني قد رأيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها كلانا نضو أرض أخو سفر فخلي لي مكاني فشدت شدة نحوي فأهوت لها كفي بمصقول يماني فأضربها بلا دهش فخرت صريعاً لليدين وللجران تفسير : ولأن الإثارة خاصية للرياح وأثر لا ينفك في الغالب عنها فلا يوجد إلا بعد إيجادها فيكون مستقبلاً بالنسبة إلى الإرسال، وعلى هذا يكون استعمال المضارع على ظاهره وحقيقته من غير تأويل لأن المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم، والفاء دالة على عدم تراخي ذلك وهو شيء آخر، وجوز أن يكون الإتيان بما يدل على الماضي ثم بما يدل على المستقبل إشارة إلى استمرار الأمر وأنه لا يختص بزمان دون زمان إذ لا يصح المضي والاستقبال في شيء واحد إلا إذا قصد ذلك. وقال الإمام: اختلاف الفعلين لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله تعالى وما يفعل سبحانه يكون بقوله عز وجل: {أية : كُن}تفسير : [يس: 82] فلا يبقى في العدم زماناً ولا جزء زمان جىء بلفظ الماضي دون المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان ولأنه تعالى فرغ من كل شيء فهو سبحانه قدر الإرسال في الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة والتقدير كالإرسال ولما أسند فعل الإثارة إلى الرياح وهي تؤلف في زمان قال سبحانه: {تُثِيرُ } بلفظ المستقبل اهـ. وأورد عليه قوله تعالى: في سورة الروم [48] {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً }تفسير : وفي سورة الأعراف [57] {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } تفسير : حيث جىء في الإرسال فيها بالمضارع فتأمل. {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ } قطعة من الأرض لا نبات فيها. وقرىء {ميت} بالتخفيف وهما بمعنى واحد في المشهور. / وفي «كليات أبـي البقاء الكفوي»: الميت بالتخفيف هو الذي مات والميت بالتشديد والمائت هو الذي لم يمت بعد، وأنشد:شعر : ومن يك ذا روح فذلك ميت وما الميت إلا من إلى القبر يحمل تفسير : والمعول عليه هو المشهور {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } أي بالمطر النازل منه المدلول عليه بالسحاب فإن بينهما تلازماً في الذهن كما في الخارج أو بالسحاب فإنه سبب السبب وإحياء الأرض إِنبات الشجر والكلأ فيها {بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها وخلوها عن ذلك، وإيراد الفعلين بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق، وإسنادهما إلى نون العظمة المنبـىء عن الاختصاص به تعالى لما فيهما من مزيد الصنع ولتكميل المماثلة بين إحياء الأرض وبين البعث الذي شبه به بقوله تعالى: {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } في كمال الاختصاص بالقدرة الربانية، وقال الإمام عليه الرحمة: أسند {أُرْسِلَ } إلى الغائب وساق {وأحيـى} إلى المتكلم لأنه في الأول عرف سبحانه نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ثم لما عرف قال تعالى: أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض ففي الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب وفي الثاني كان تذكيراً بالنعمة فإن كمال نعمتي الرياح والسحب بالسوق والإحياء، وهو كما ترى. وقال سبحانه: فأحيينا به الأرض دون فأحييناه أي البلد الميت به تعليقاً للإحياء بالجنس المعلوم عند كل أحد وهو الأرض ولأن ذلك أوفق بأمر البعث، وقال تعالى: {بَعْدَ مَوْتِهَا } مع أن الإحياء مؤذن بذلك لما فيه من الإشارة إلى أن الموت للأرض الذي تعلق بها الإحياء معلوم لهم وبذلك يقوى أمر التشبيه فليتأمل. والنشور على ما في «البحر» مصدر نشر الميت إذا حيي قال الأعشى:شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر تفسير : وفي «نهاية ابن الأثير» ((يقال نشر الميت ينشر نشوراً إذا عاش بعد الموت وأنشره الله تعالى أحياه)) وقال الراغب: قيل نشر الله تعالى الميت وأنشره بمعنى والحقيقة أن نشر الله تعالى الميت مستعار من نشر الثوب أي بسطه كما قال الشاعر:شعر : طوتك خطوب دهرك بعد نشر كذاك خطوبه طياً ونشراً تفسير : والمراد بالنشور هنا إحياء الأموات في يوم الحساب وهو مبتدأ، والجار والمجرور قبله في موضع الخبر وقيل الكاف في حيز الرفع على الخبرية أي مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه إحياء الأموات يوم القيامة في صحة المقدورية وسهولة التأتي من غير تفاوت بينهما أصلاً سوى الألف في الأول دون الثاني، وقال أبو حيان: وقع التشبيه بجهات لما قبلت الأرض الميتة الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة أو كما أن الريح تجمع قطع السحاب كذلك يجمع الله تعالى أجزاء الأعضاء وأبعاض الموتى أو كما يسوق سبحانه السحاب إلى البلد الميت يسوق عز وجل الروح والحياة إلى البدن. وقال بعضهم: التشبيه باعتبار الكيفية. فقد أخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض إلا من شاء الله تعالى إلا مات ثم يرسل الله تعالى من تحت العرش ماء كمني الرجال فتنبت أجسامهم من ذلك الماء وقرأ الآية ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها، وفي حديث مسلم مرفوعاً «ينزل الله تعالى مطراً كأنه الطل فينبت أجساد الناس». / ونبات الأجساد من عجب الذنب على ما ورد في الآثار وقد جاء أنه لا يبلى وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وقال أبو زيد الوقواقي: هو جوهر فرد يبقى من هذه النشأة لا يتغير، ولا حاجة إلى التزام أنه جوهر فرد، ووراء ذلك أقوال عجيبة في هذا العجب فقيل هو العقل الهيولاني، وقيل بل الهيولى، وعن الغزالي إنما هو النفس وعليها تنشأ النشأة الآخرة، وعن الشيخ الأكبر أنه العين الثابت من الإنسان، وعن بعض المتكلمين أنه الأجزاء الأصلية، وقال الملا صدرا الشيرازي في «أسفاره»: هو عندنا القوة الخيالية لأنها آخر الأكوان الحاصلة في الإنسان من القوى الطبيعية والحيوانية والنباتية المتعاقبة في الحدوث للمادة الإنسانية في هذا العالم وهي أول الأكوان الحاصلة في النشأة الآخرة ثم بين ذلك بما بين وأنه لأضعف من بيت العنكبوت وأوهن. والمعول عليه ما يوافق فهم أهل اللسان، وأي حاجة إلى التأويل بعد التصديق بقدرة الملك الديان جل شأنه وعظم سلطانه.

سيد قطب

تفسير : هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه. وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن إعراض المعرضين. وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شأن أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب. وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين. وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان. وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب. هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ {والله الذي أرسل الرياح، فتثير سحاباً، فسقناه إلى بلد ميت، فأحيينا به الأرض بعد موتها. كذلك النشور}.. وهذا المشهد يتردد في معرض دلائل الإيمان الكونية في القرآن. مشهد الرياح، تثير السحب؛ تثيرها من البحار، فالرياح الساخنة هي المثيرة للبخار؛ والرياح الباردة هي المكثفة له حتى يصير سحاباً؛ ثم يسوق الله هذا السحاب بالتيارات الهوائية في طبقات الجو المختلفة، فتذهب يميناً وشمالاً إلى حيث يريد الله لها أن تذهب، وإلى حيث يسخرها ويسخر مثيراتها من الرياح والتيارات، حتى تصل إلى حيث يريد لها أن تصل.. إلى بلد ميت.. مقدر في علم الله أن تدب فيه الحياة بهذا السحاب. والماء حياة كل شيء في هذه الأرض. {فأحيينا به الأرض بعد موتها}.. وتتم الخارقة التي تحدث في كل لحظة والناس في غفلة عن العجب العاجب فيها. وهم مع وقوع هذه الخارقة في كل لحظة يستبعدون النشور في الآخرة. وهو يقع بين أيديهم في الدنيا.. {كذلك النشور}.. في بساطة ويسر، وبلا تعقيد ولا جدل بعيد! هذا المشهد يتردد في معرض دلائل الإيمان الكونية في القرآن لأنه دليل واقعي ملموس، لا سبيل إلى المكابرة فيه. ولأنه من جانب آخر يهز القلوب حقاً حين تتملاه وهي يقظى؛ ويلمس المشاعر لمساً موحياً حين تتجه إلى تأمله. وهو مشهد بهيج جميل مثير. وبخاصة في الصحراء حيث يمر عليها الإنسان اليوم وهي محل جدب جرداء. ثم يمر عليها غداً وهي ممرعة خضراء من آثار الماء. والقرآن يتخذ موحياته من مألوف البشر المتاح لهم، مما يمرون عليه غافلين. وهو معجز معجب حين تتملاه البصائر والعيون. ومن مشهد الحياة النابضة في الموات ينتقل نقلة عجيبة ـ شيئاً ـ إلى معنى نفسي ومطلب شعوري. ينتقل إلى معنى العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء. ويربط هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد إلى الله والعمل الصالح الذي يرفعه الله. كما يعرض الصفحة المقابلة. صفحة التدبير السيّئ والمكر الخبيث، وهو يهلك ويبور: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور}.. ولعل الرابط الذي يصل بين الحياة النامية في الموات، والكلمة الطيبة والعمل الصالح، هو الحياة الطيبة في هذه وفي تلك؛ وما بينهما من صلة في طبيعة الكون والحياة. وهي الصلة التي سبقت الإشارة إليها في سورة إبراهيم. {أية : ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}.. تفسير : وهو شبه حقيقي في طبيعة الكلمة وطبيعة الشجرة؛ وما فيهما من حياة ونماء. والكلمة تنمو وتمتد وتثمر كما تنمو الشجرة وتمتد وتثمر سواء بسواء! وقد كان المشركون يشركون استبقاء لمكانتهم الدينية في مكة. وما يقوم عليها من سيادة لقريش على القبائل بحكم العقيدة، وما تحققه هذه السيادة من مغانم متعددة الألوان. العزة والمنعة في أولها بطبيعة الحال. مما جعلهم يقولون: {أية : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا }.. تفسير : فالله يقول لهم: {من كان يريد العزة فلله العزّة جميعاً} وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها، وتبدل الوسائل والخطط أيضاً! إن العزة كلها لله. وليس شيء منها عند أحد سواه. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله. فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند أحد، ولا في أي كنف، ولا بأي سبب {فلله العزّة جميعاً}.. إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة؛ وتخشى اتباع الهدى ـ وهي تعترف أنه الهدى ـ خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى. إن الناس هؤلاء، القبائل والعشائر وما إليها، إن هؤلاء ليسوا مصدراً للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها {فلله العزّة جميعاً}.. وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو الله. وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو الله. وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر. ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة، ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم. وهم مثله طلاب محاويج ضعاف! إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية. وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزاً كريماً ثابتاً في وقفته غير مزعزع، عارفاً طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس هنالك سواه! إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر. ولا لعاصفة طاغية. ولا لحدث جلل. ولا لوضع ولا لحكم. ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جيمعاً. وعلام؟ والعزة لله جميعاً. وليس لأحد منها شيء إلا برضاه؟ ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}.. ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه. فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله. القول الطيب والعمل الصالح. القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه؛ والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع. ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء. والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس. حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي. يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه. فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم. ومخاوفهم ومطامعهم. ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان.. وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان! إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل. وليست طغياناً فاجراً يضرب في عتو وتجبر وإصرار. وليست اندفاعاً باغياً يخضع للنزوة ويذل للشهوة. وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح.. كلا! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله. ثم هي خضوع لله وخشوع؛ وخشية لله وتقوى، ومراقبة لله في السراء والضراء.. ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه. ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه. ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه. هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق. ثم تكمل بالصفحة المقابلة: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور}. ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون. ولكنه عبر بها لغلبة استعمالها في السوء. فهؤلاء لهم عذاب شديد. فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور. فلا يحيا ولا يثمر. من البوار ومن البوران سواء. وذلك تنسيقاً مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة. والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلباً للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة. وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء. ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه. وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل. فأما المكر السيئ قولاً وعملاً فليس سبيلاً إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان. إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد. وعد الله، لا يخلف الله وعده. وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم. ثم يجيء مشهد النشأة الأولى للإنسان بعد الكلام عن نشاة الحياة كلها بالماء. ويذكر ما يلابس تلك النشأة من حمل في البطون؛ ومن عمر طويل وعمر قصير. وكله في علم الله المكنون. {والله خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجاً. وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير}.. والإشارة إلى النشأة الأولى من التراب تتردد كثيراً في القرآن؛ وكذلك الإشارة إلى أول مراحل الحمل: النطفة.. والتراب عنصر لا حياة فيه، والنطفة عنصر فيه الحياة. والمعجزة الأولى هي معجزة هذه الحياة التي لا يعلم أحد كيف جاءت، ولا كيف تلبست بالعنصر الأول. وما يزال هذا سراً مغلقاً على البشر؛ وهو حقيقة قائمة مشهودة، لا مفر من مواجهتها والاعتراف بها. ودلالتها على الخالق المحيي القدير دلالة لا يمكن دفعها ولا المماحكة فيها. هذا والنقلة من غير الحي إلى الحي نقلة بعيدة بعيدة أكبر وأضخم من كل أبعاد الزمان والمكان. وتأمل هذه النقلة لا ينتهي ولا يمله القلب الحي الذي يتدبر أسرار هذا الوجود العجيبة. وكل سر منها أضخم من الآخر وأعجب صنعاً. والنقلة بعد ذلك من النطفة التي تمثل مرحلة الخلية الواحدة إلى الخلقة الكاملة السوية للجنين، حين يتميز الذكر من الأنثى، وتتحقق الصورة التي يشير إليها القرآن في هذه الآية: {ثم جعلكم أزواجاً}.. سواء كان المقصود جعلكم ذكر وأنثى وأنتم أجنة، أو كان المقصود جعلكم أزواجاً بعد ولادتكم وتزاوج الذكر والأنثى.. هذه النقلة من النطفة إلى هذين النوعين المتميزين نقلة بعيدة كذلك بعيدة! فأين الخلية الواحدة في النطفة من ذلك الكائن الشديد التركيب والتعقيد، الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف؟ وأين تلك الخلية المبهمة من ذلك الخلق الحافل بالخصائص المتميزة؟ إن تتبع هذه الخلية الساذجة وهي تنقسم وتتوالد؛ وتتركب كل مجموعة خاصة من الخلايا المتولدة منها لتكوين عضو خاص له وظيفة معينة وطبيعة معينة. ثم تعاون هذه الأعضاء وتناسقها وتجمعها لتكون مخلوقاً واحداً على هذا النحو العجيب؛ ومخلوقاً متميزاً من سائر المخلوقات الأخرى من جنسه، بل من أقرب الناس إليه، بحيث لا يتماثل أبداً مخلوقان اثنان.. وكلهم من نطفة لا تميز فيها يمكن إدراكه!.. ثم تتبع هذه الخلايا حتى تصير أزواجاً، قادرة على إعادة النشأة بنطف جديدة، تسير في ذات المراحل، دون انحراف.. إن هذا كله لعجب لا ينقضي منه العجب. ومن ثم هذه الإشارة التي تتردد في القرآن كثيراً عن تلك الخارقة المجهولة السر؛ بل تلك الخوارق المجهولة الأسرار! لعل الناس يشغلون قلوبهم بتدبرها، ولعل أرواحهم تستيقظ على الإيقاع المتكرر عليها! وإلى جوار هذه الإشارة هنا يعرض صور كونية لعلم الله (كالصور التي جاء ذكرها في هذا الجزء في سورة سبأ) صورة علم الله المحيط بكل حمل تحمله أنثى في هذه الأرض جميعاً: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه}. والنص يتجاوز إناث الإنسان إلى إناث الحيوان والطير والأسماك والزواحف والحشرات. وسواها مما نعلمه ومما لا نعلمه وكلها تحمل وتضع حتى ما يبيض منها، فالبيضة حمل من نوع خاص. جنين لا يتم نموه في داخل جسم الأم؛ بل ينزل بيضة، ثم يتابع نموه خارج جسم الأم بحضانتها هي أو بحضانة صناعية حتى يصبح جنيناً كاملاً ثم يفقس ويتابع نموه العادي. وعلم الله على كل حمل وعلى كل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف!!! وتصوير علم الله المطلق على هذا النحو العجيب ليس من طبيعة الذهن البشري أن يتجه إليه لا في التصور ولا في التعبير ـ كما قلنا في سورة سبأ ـ فهو بذاته دليل على أن الله هو منزل هذا القرآن. وهذه إحدى السمات الدالة على مصدره الإلهي المتفرد. ومثلها الحديث عن العمر في الآية ذاتها: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير}. فإن الخيال إذا مضى يتدبر ويتتبع جميع الأحياء في هذا الكون من شجر وطير وحيوان وإنسان وسواه على اختلاف في الأحجام والأشكال والأنواع والأجناس والمواطن والأزمنة؛ ثم يتصور أن كل فرد من أفراد هذا الحشد ـ الذي لا يمكن حصره، ولا يعلم إلا خالقه عدده ـ يعمر فيطول عمره، أو ينقص من عمره فيقصر وفق قدر مقدور، ووفق علم متعلق بهذا الفرد، متابع له، عمر أم لم يعمر. بل متعلق بكل جزء من كل فرد. يعمر أو ينقص من عمره. فهذه الورقة من تلك الشجرة يطول عمرها أو تذبل أو تسقط عن قريب. وهذه الريشة من ذلك الطائر يطول مكثها أو تذهب مع الريح. وهذا القرن من ذلك الحيوان يبقى طويلاً أو يتحطم في صراع. وهذه العين في ذلك الإنسان أو هذه الشعرة تبقى وتسقط وفق تقدير معلوم. كل ذلك {في كتاب}.. من علم الله الشامل الدقيق. وأن ذلك لا يكلف جهداً ولا عسراً: {إن ذلك على الله يسير}.. إذا مضى الخيال يتدبر هذا ويتتبعه؛ ثم يتصور ما وراءه.. إنه لأمر عجيب جد عجيب.. وإنه لاتجاه إلى حقيقة لا يتجه إليها التفكير البشري على هذا النحو. واتجاه إلى تصور هذه الحقيقة وتصويرها على غير مألوف البشر كذلك. وإنما هو التوجيه الإلهي الخاص إلى هذا الأمر العجيب. والتعمير يكون بطول الأجل وعد الأعوام؛ كما يكون بالبركة في العمر، والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً، واحتشاده بالمشاعر والحركات والأعمال والآثار. وكذلك يكون نقص العمر بقصره في عد السنين؛ أو نزع البركة منه وإنفاقه في اللهو والعبث والكسل والفراغ. ورب ساعة تعدل عمراً بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر، وبما يتم فيها من أعمال وآثار. ورب عام يمر خاوياً فارغاً لا حساب له في ميزان الحياة، ولا وزن له عند الله! وكل ذلك في كتاب.. كل ذلك من كل كائن في هذا الكون الذي لا يعرف حدوده إلا الله.. والجماعات كالآحاد. والأمم كالأفراد.. كل منها يعمر أو ينقص من عمره. والنص يشمله. بل إن الأشياء لكالأحياء. وإني لأتصور الصخرة المعمرة، والكهف المعمر، والنهر المعمر، والصخرة التي ينتهي أجلها أو يقصر فإذا هي فتات؛ والكهف الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو محطم أو مسدود؛ والنهر الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو غائض أو مبدد! ومن الأشياء ما تصنع يد الإنسان. البناء المعمر أو القصير العمر. والجهاز المعمر أو قصير العمر. والثوب المعمر أو قصير العمر.. وكلها ذات آجال وأعمار في كتاب الله كالإنسان. وكلها من أمر الله العليم الخبير.. وإن تصور الأمر على هذا النحو ليوقظ القلب إلى تدبر هذا الكون بحس جديد، وأسلوب جديد. وإن القلب الذي يستشعر يد الله وعينه على كل شيء بمثل هذه الدقة ليصعب أن ينسى أو يغفل أو يضل. وهو حيثما تلفت وجد يد الله. ووجد عين الله. ووجد عناية الله، ووجد قدرة الله، متمثلة ومتعلقة بكل شيء في هذا الوجود. وهكذا يصنع القرآن القلوب! ويمضي السياق إلى لفتة أخرى في هذه الجولة الكونية المتعددة اللفتات. يمضي إلى مشهد الماء في هذه الأرض من زاوية معينة. زاوية تنويع الماء. فهذا عذب سائغ، وهذا ملح مر. وكلاهما يفترقان ويلتقيان ـ بتسخير الله ـ في خدمة الإنسان. {وما يستوي البحران.. هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.. ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها. وترى الفلك فيه مواخر. لتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون}.. إن إرادة التنويع في خلق الماء واضحة؛ ووراءها حكمة ـ فيما نعلم ـ ظاهرة، فأما الجانب العذب السائغ اليسير التناول فنحن نعرف جانباً من حكمة الله فيما نستخدمه وننتفع به؛ وهو قوام الحياة لكل حي. وأما الجانب الملح المر وهو البحار والمحيطات فيقول أحد العلماء في بيان التقدير العجيب في تصميم هذا الكون الضخم: "وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور ـ ومعظمها سام ـ فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء ـ أي المحيط ـ الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل، والنباتات. وأخيراً الإنسان نفسه..". وهذا بعض ما تكشف لنا من حكمة الخلق والتنويع، واضح فيه القصد والتدبير، ومنظور فيه إلى تناسقات وموازنات يقوم بعضها على بعض في حياة هذا الكون ونظامه. ولا يصنع هذا إلا الله خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه. فإن هذا التنسيق الدقيق لا يجيء مصادفة واتفاقاً بحال من الأحوال. والإشارة إلى اختلاف البحرين توحي بمعنى القصد في هذه التفرقة وفي كل تفرقة أخرى. وستأتي في السورة إشارات إلى نماذج منها في عالم المشاعر والاتجاهات والقيم والموازين. ثم يلتقي البحران المختلفان في تسخيرهما للإنسان: {ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر }.. واللحم الطري هو الأسماك والحيوانات البحرية على اختلافها. والحلية من اللؤلؤ والمرجان. واللؤلؤ يوجد في أنواع القواقع يتكون في أجسامها نتيجة دخول جسم غريب كحبة رمل أو نقطة ماء، فيفرز جسم القوقعة داخل الصدفة إفرازاً خاصاً يحيط به هذا الجسم الغريب، كي لا يؤذي جسم القوقعة الرخو. وبعد زمن معين يتصلب هذا الإفراز، ويتحول إلى لؤلؤة! والمرجان نبات حيواني يعيش ويكون شعاباً مرجانية تمتد في البحر أحياناً عدة أميال، وتتكاثر حتى تصبح خطراً على الملاحة في بعض الأحيان؛ وخطراً على كل حي يقع في براثنها! وهو يقطع بطرق خاصة وتتخذ منه الحلى! والفلك تمخر البحار والأنهار ـ أي تشقها ـ بما أودع الله الأشياء في هذا الكون من خصائص. ولكثافة الماء وكثافة الأجسام التي تتكون منها السفن دخل في إمكان طفو السفن على سطح الماء وسيرها فيه. وللرياح كذلك. وللقوى التي سخرها الله للإنسان وعرفه كيف يستخدمه كقوة البخار وقوة الكهرباء وغيرهما من القوى. وكلها من تسخير الله للإنسان. {لتبتغوا من فضله}.. بالسفر والتجارة، والانتفاع باللحم الطري والحلى واستخدام الماء والسفن في البحار والأنهار. {ولعلكم تشكرون}.. وقد يسر الله لكم أسباب الشكر، وجعلها حاضرة بين أيديكم. ليعينكم على الأداء. ويختم هذا المقطع بجولة كوينة في مشهد الليل والنهار. ثم في تسخير الشمس والقمر وفق النظام المرسوم لجريانهما إلى الأجل المعلوم: {يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل. وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى}.. وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل قد يعني ذينك المشهدين الرائعين. مشهد دخول الليل في النهار، والضياء يغيب قليلاً قليلاً، والظلام يدخل قليلاً قليلاً حتى يكون الغروب وما يليه من العتمة البطيئة الدبيب. ومشهد دخول النهار في الليل حينما يتنفس الصبح، وينتشر الضياء رويداً رويداً، ويتلاشى الظلام رويداً رويداً، حتى تشرق الشمس ويعم الضياء.. كذلك قد يعني طول الليل وهو يأكل من النهار وكأنما يدخل فيه. وطول النهار وهو يأكل من الليل وكأنما يدخل فيه.. وقد يعنيهما معاً بتعبير واحد. وكلها مشاهد تطوّف بالقلب في سكون، وتغمره بشعور من الروعة والتقوى؛ وهو يرى يد الله تمد هذا الخط، وتطوي ذاك الخط، وتشد هذا الخيط وترخي ذاك الخيط. في نظام دقيق مطرد لا يتخلف مرة ولا يضطرب. ولا يختل يوماً أو عاماً على توالي القرون.. وتسخير الشمس والقمر وجريانهما للأجل المرسوم لهما، والذي لا يعلمه إلا خالقهما.. هو الآخر ظاهرة يراها كل إنسان، سواء كان يعلم أحجام هذين الجرمين، ونوعهما من النجوم والكواكب ومدارهما ودورتهما ومداها.. أم لا يعلم من هذا كله شيئاً.. فهما بذاتهما يظهران ويختفيان أمام كل إنسان، ويصعدان وينحدران أمام كل بصر. وهذه الحركة الدائبة التي لا تفتر ولا تختل حركة مشهودة لا يحتاج تدبرها إلى علم وحساب! ومن ثم فهي آية معروضة في صفحة الكون لجميع العقول وجميع الأجيال على السواء. وقد ندرك نحن اليوم علمها الظاهر أكثر مما كان يدرك المخاطبون بهذا القرآن لأول مرة. وليس هذا هو المهم. إنما المهم أن توحي إلينا ما كانت توحيه إليهم، وأن تهز قلوبنا كما كانت تهز قلوبهم، وأن تثير فينا من التدبر ورؤية يد الله المبدعة وهي تعمل في هذا الكون العجيب ما كانت تثير فيهم.. والحياة حياة القلوب.. وفي ظل تلك المشاهد المتنوعة العميقة الدلالة القوية السلطان يعقب بتقرير حقيقة الربوبية، وبطلان كل ادعاء بالشرك، وخسران عاقبته يوم القيامة: {ذلكم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم. ولو سمعوا ما استجابوا لكم. ويوم القيامة يكفرون بشرككم. ولا ينبئك مثل خبير}.. ذلكم. الذي أرسل الرياح بالسحاب، والذي أحيا الأرض بعد موتها، والذي خلقكم من تراب، والذي جعلكم أزواجاً، والذي يعلم ما تحمل كل أنثى وما تضع، والذي يعلم ما يعمر وما ينقص من عمره، والذي خلق البحرين، والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. ذلكم هو {الله ربكم}.. {له الملك}.. {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير}.. والقطمير غلاف النواة! وحتى هذا الغلاف الزهيد لا يملكه أولئك الذين يدعونهم من دون الله! ثم يمعن في الكشف عن حقيقة أمرهم. {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم}.. فهم أصنام أو أوثان أو أشجار، أو نجوم أو كواكب، أو ملائكة أو جن.. وكلهم لا يملكون بالفعل قطميراً. وكلهم لا يسمعون لعبادهم الضالين. سواء كانوا لا يسمعون أصلاً، أو لا يسمعون لكلام البشر.. {ولو سمعوا ما استجابوا لكم}.. كالجن والملائكة. فالجن لا يملكون الاستجابة. والملائكة لا يستجيبون للضالين. هذه في الحياة الدنيا. فأما يوم القيامة فيبرأون من الضلال والضالين: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم}.. يحدث بهذا الخبير بكل شيء، وبكل أمر، وبالدنيا والآخرة: {ولا ينبئك مثل خبير}.. وبهذا ينتهي هذا المقطع، وتختم هذه الجولات والمشاهد في تلك العوالم؛ ويعود القلب البشري منها بزاد يكفيه حياته كلها لو ينتفع بالزاد. وإنه لحسب القلب البشري مقطع واحد من سورة واحدة لو كان الذي يريد هو الهدى، ولو كان الذي يطلب هو البرهان!

ابن عاشور

تفسير : لما قدم في أول السورة الاستدلال بأن الله فطر السماوات والأرض وما في السماوات من أهلها وذلك أعظم دليل على تفرده بالإِلهية ثنّي هنا بالاستدلال بتصريف الأحوال بين السماء والأرض وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر، فهذا عطف على قوله: { أية : فاطر السماوات والأرض } تفسير : [فاطر: 1]. وإظهار اسم الجلالة في مقام الإِضمار دون أن يقول وهو الذي أرسل الرياح فيعود الضمير إلى اسم الله من قوله: { أية : إن الله عليم بما يصنعون } تفسير : [فاطر: 8]. واختير من دلائل الوحدانية دلالة تجمع أسباب المطر ليفضي من ذلك إلى تنظير إحياء الأموات بعد أحوال الفناء بآثار ذلك الصنع العجيب وأن الذي خلق وسائل إحياء الأرض قادر على خلق وسائل إحياء الذين ضمنتهم الأرض على سبيل الإِدماج. وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإِحياء وتقرر وقوعه جيء بفعل الماضي في قوله: {أرسل}. وأما تغييره إلى المضارع في قوله: {فتثير سحاباً} فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحابَ وهي طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع. وهو نظير قول تأبط شرًّا: شعر : بأني قد لَقيت الغول تهوي بسَهب كالصحيفة صَحْصَحان فأَضرِبُها بلا دهش فخرت صريعاً لليدين وللجِرَان تفسير : فابتدأ بـــ (لقيت) لإِفادة وقوع ذلك ثم ثنى بـــ (أضربها) لاستحضار تلك الصورة العجيبة من إقدامه وثباته حتى كأنهم يبصرونه في تلك الحالة. ولم يؤت بفعل الإِرسال في هذه الآية بصيغة المضارع بخلاف قوله في سورة الروم (48) { أية : الله الذي يرسل الرياح } تفسير : الآية لأن القصد هنا استدلال بما هو واقع إظهاراً لإِمكان نظيره وأما آية سورة الروم فالمقصود منها الاستدلال على تجديد صنع الله ونعمه. والقول في الرياح والسحاب تقدم غير مرة أولاها في سورة البقرة. وفي قوله: {فسقناه} بعد قوله: {الله الذي أرسل الرياح} التفاوت من الغيبة إلى التكلم. وقوله: {كذلك النشور} سبيله سبيل قوله: { أية : يا أيها الناس إن وعد الله حق } تفسير : [فاطر: 5] الآيات من إثبات البعث مع تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عنه، إلا أن ما قبله كان مأخوذاً من فحوى الدلالة لما ظهرت في برهان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من توحيد أخذ من طريق دلالة التقريب لوقوع البعث إذ عسر على عقولهم تصديق إمكان الإِعادة بعد الفناء ليحصل من بارقة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبارقة الإِمكان ما يسوق أذهانهم إلى استقامة التصديق بوقوع البعث. والإِشارة في قوله: {كذلك النشور} إلى المذكور من قوله: {فأحيينا به الأرض}. والأظهر أن تكون الإِشارة إلى مجموع الحالة المصورة، أي مثل ذلك الصنع المحكم المتقن نصنع صنعاً يكون به النشور بأن يهيّىء الله حوادث سماوية أو أرضية أو مجموعة منهما حتى إذا استقامت آثارها وتهيأت أجسام لقبول أرواحها أمر الله بالنفخة الأولى والثانية فإذا الأجساد قائمة ماثلة نظير أمرِ الله بنفخ الأرواح في الأجنة عند استكمال تهيئها لقبول الأرواح. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقريب ذلك بمثل هذا مما رواه أحمد وابن أبي شيبة وقريب منه في «صحيح مسلم» عن عروة بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : قيل لرسول الله: كيف يُحْيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررتَ بوادٍ أُهْلِكَ ممحلاً ثم مررتَ به يهتزُ خَضِراً؟ قيل: نعم. قال: فكذلك يَحيِي الله الموتى وتلك آيته في خلقه »تفسير : . وفي بعض الروايات عن أبي رزين العقيلي أن السائل أبو رزين. وقرأ الجمهور {الرياح} بصيغة الجمع. وقرأ حمزة والكسائي «الريح» بالإِفراد، والمعرّف بلام الجنس يستوي فيه المفرد والجمع.

الشنقيطي

تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن إحياءه تعالى الأرض بعد موتها المشاهد في دار الدنيا برهان قاطع على قدرته على البعث، قد تقدّم إيضاحه بالآيات القرآنية في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والأنبياء وغير ذلك، وقد تقدّمت الإحالة عليه مراراً.

القطان

تفسير : ارسل الرياح: أطلقها. تثير: تحرك. بلد ميت: لا نبات فيه. النشور: إحياء الاموات يوم القيامة. العزة: الشرف والمنعة. يبور: يفسد ويهلك من البوار وهو الهلاك. ازواجا: اصنافا، ذكورا واناثا. يعمّر: يمد في عمره: طال عمره. الله الذي يرسل الرياحَ فتحرّك سحاباً كان ساكنا، فيسوقه الى بلدٍ ميتٍ لا نبات فيه، فيحيي به أرضَها بعد جدْبها ويبسها، كذلك يحيي الامواتَ ويبعثهم للحشر يوم القيامة. من كان يريد الشرف والمَنَعة فإنهما لله جميعا يَهبُهما لمن يطيعه، إليه يرتفع الكلام الطّيب والعملُ الصالح فيقبلهما ويثيب عليهما، وللذين يمكرون ويدبّرون المكائد للمؤمنين عذابٌ شديد، أما تدبيرهم ومكرهم فهو فاسد لا قيمة له ولا يحقق غرضاً. والله تعالى خلقكم ايها البشَر من تراب، ثم خَلَقَكم من نطفة هي الماء الذي يصبّ في الأرحام، ثم جعلكم ذكوراً واناثا. وما تحمل انثى ولا تضع حَملها الا بعلمه تعالى، وما يمد في عمرِ أحدٍ ولا ينقص من عمره الا مسجَّلٌ في كتاب، ومقرر في علم الله القديم. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. قراءات: قرأ ابن كثير والكسائي: الريح بالافراد. والباقون: الرياح بالجمع. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص: الى بلد ميّت بتشديد الياء. والباقون ميت بسكون الياء. وقرأ يعقوب وحده: ولا ينقص بفتح الياء. وضم القاف. والباقون: ولا ينقص بضم الياء وفتح القاف.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرِّيَاحَ} {فَسُقْنَاهُ} (9) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالى نَظَرَ المُشْرِكينَ، المُنْكِرِينَ لِلبَعْثِ وَالحِسَابِ وَالعِقَابِ، إِلى أَنَّهُ يُرْسِلُ الرَّياحَ فَتُثيرُ السَّحَابَ، وَتجْعَلُهُ يَتَكَوَّنُ في جَوِّ السَّمَاءِ، ثُمَّ تَسُوقُهُ الرِّياحُ إِلى الأَرْضِ المَوَاتِ، التِي لاَ نَبَاتَ فِيها، فَيُفْرِغُ السَّحَابُ مَا فِيهِ مِنْ ماءٍ فَوْقَ هذِهِ الأَرْضِ المَيِّتَةِ، فَتَحْيا الأَرْضُ بِالمَاءِ، وَتَهْتَزُّ وَتَرْبُو، وَيَخْرُجُ مِنْها النَّبَاتُ. وَكَمَا أحيَا اللهُ تَعَالى الأَرْضَ المَيِّتَةَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا النَّبَاتَ النَّضِيرَ، كَذَلك يُحْيِي اللهُ الأَمْوَاتَ مِنَ البَشَرِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. تُثيرُ سَحَاباً - تُحَرِّكُهُ وَتُهَيِّجُهُ. النُّشُورُ - بَعْثَ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} من القبور. أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن خالد عن داوُد بن سليمان عن عبد بن حميد عن المؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال: قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : "هل مررت بواد أهلك محلاً ثم مررت به يهتز خضرا؟" قلت: نعم. قال: "فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه" . تفسير : قوله عز وجل {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ}، يعني علِم العزة لمن هي، {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}، وذلك أنّ الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}تفسير : [النساء: 139]، وقال سبحانه: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}تفسير : [مريم: 81]، كلاّ، وردّ الله عليهم: من آراد أن يعلم لمن العزّة الحقيقية فآية العزّة لله، ومن أراد أن يكون في الدارين عزيزاً فليطع الله فإنّ العزّة لله جميعاً. {إِلَيْهِ} أي إلى الله، ومعناه: إلى محل القبول وإلى حيث لا يملك فيه الحكم إلاّ الله عز وجل، وهو كما يُقال: ارتفع أمرهم إلى القاضي. {يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} يعني: "لا إله إلاّ الله" وكل ذكر مرضي لله تعالى، وقرأ أبو عبد الرَّحْمن: (الكلام الطيب)، وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن أحمد الهمداني قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد المسكين البصري عن أحمد بن محمد المكي عن علي بن عاصم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} قال: "حديث : هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ملك إلى السماء فحيا بها وجه الرَّحْمن عزّ وجل، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه ". تفسير : واختلف العلماء في حكم هذه الكناية ومعنى الآية، فقال أكثر المفسرين: الهاء في قوله: {يَرْفَعُهُ} راجعة إلى {ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}، يعني أنّ العمل الصالح يرفع الكلم فلا يقبل القول إلاّ بالعمل، وهذا اختيار نحاة البصرة، وقال الحسن وقتادة: {ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}: ذكر الله {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ} أداء فرائضه. فمن ذكر الله ولم يؤدِّ فرائضه زاد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. فمن قال حسناً وعمل غير صالح ردّ الله عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل ذلك؛ فإن الله يقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. ودليل هذا التأويل قوله(عليه السلام): "حديث : لا يقبل الله قولاً إلاّ بعمل، ولا يقبل قولاً وعملاً إلاّ بنية (ولا يقبل قولاً ونية إلاّ باصابة السنة) ". تفسير : وجاء في الخبر: "الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب". وفي هذا المعنى يقول الشاعر: شعر : لا ترضَ من رجل حلاوة قوله حتى يزيّنُ ما يقول فعالُ فإذا وزنت فعالَهُ بمقالهِ فتوازنا فإخاءُ ذاك جمال تفسير : قال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، وفيه قيل: شعر : لا يكونُ المقالُ إلاّ بفعل إنما القول زينة في الفعالِ كل قول يكون لا فعلَ فيه مثلَ ماء يُصبُّ في غربالِ تفسير : وأنشدني أبو القاسم الحبيشي لنفسه: شعر : لا يكون المقال إلاّ بفعل وكلُّ قول بلا فعال هباء إنّ قولاً بلا فعال جميل ونكاحاً بلا ولي سواء تفسير : وقال بعض أهل المعاني على هذا القول: معنى {يَرْفَعُهُ}، أي يجعله رفيعاً ذا وزن وقيمة، كما يُقال: طود رفيع ومرتفع، وقيل: العمل الصالح هو الخالص، يعني أنّ الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}تفسير : [الكهف: 110] أي خالصاً ثم قال: {أية : وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}تفسير : [الكهف: 110]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أنّ الكلم الطيب يرفع العمل؛ فلا يرفع ولا يقبل عمل إلاّ أن يكون صادراً عن التوحيد وعائد الذكر يرفع وينصب، وهذا التأويل اختيار نُحاة الكوفة وقال آخرون: الهاء كناية عن العمل، والرفع من صفة الله سبحانه، أي يرفعه الله. {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي يعملون، قال مقاتل: يعني الشرك، وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، وقال الكلبي: {ٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ} يعني يعملون السيئات في الدُّنيا، وقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي يكسد ويفسد ويضل ويضمحل في الآخرة. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} قراءة العامة: (يُنقص) بضم الياء، وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى (ينقُص) بفتح الياء وضم القاف، وقرأ الأعرج: {مِنْ عُمُرِهِ} بالتخفيف. قال سعيد بن جبير: مكتوب في أول الكتاب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره. {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ}: طيب {سَآئِغٌ}: جائز هني شرابه. وقرأ عيسى: (سيّغ) مثل: ميّت وسيّد. {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاج} شديد الملوحة، عن: ابن عباس، وقال الضحاك: هو المرّ مزاجه كأنه يحرق من شدة المرارة والملوحة. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً}: طعاماً شهياً، يعني: السمك من العذب والملح، {وَتَسْتَخْرِجُونَ} منه: من الملح دون العذب {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني اللؤلؤ، وقيل: فيه عيون عذبة، ومما بينهما يخرج اللؤلؤ. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ}: جواري، وقال مقاتل: هو أنْ يرى سفينتين إحداهما مقبلة والأُخرى مدبرة، وهذه تستقبل تلك وتلك تستدبر هذه، يجريان بريح واحدة، {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على نعمه. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا ابن شاذان قال: حدثنا جيفويه بن محمد قال: حدثنا صالح بن محد عن القاسم بن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كلم الله البحرين فقيل للبحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أُغرقهم. قال الله عز وجل: فإني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواحيك [وحاملهم على يدي]. وقال للبحر الذي باليمن: إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يسبحونني ويحمدونني ويهللوني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أُسبحك وأحمدك وأُهللك وأُكبرك معهم، وأحملهم على [ظهري] بطني. قال الله سبحانه: فإني أُفضلك على البحر الآخر بالحلية والطري ". تفسير : قوله: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} وهي القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، عن أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة، وقال السدي: هو ما ينقطع به القمع. {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ}: يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} يعني نفسه تعالى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: يرسل الرياح يعني: يحركها، وبتحريك الرياح يتم استيعاب خير الوجود كله، ألاَ ترى أن الريح إذا سكنتْ يتضايق الإنسان ويحاول تحريكها بنفسه بيده أو بالمروحة مثلاً؛ لأن حيِّزَك في التنفس لا يتم إلا بتحريك الهواء، وتغيير ثاني أكسيد الكربون ليحل محلَّه الأكسوجين، ولا تتم هذه العملية إلا بتحريك الهواء؛ لذلك يقولون: إذا لم يمرّ عليك الهواء فمُرّ أنت عليه. يعني: حرِّكه أنت. ونتيجة حركة الرياح إثارة السحب {فَتُثِيرُ سَحَاباً} [فاطر: 9] يعني: تُهيِّجه وتُحركه من أماكنه، بحيث يذهب بعد تجمُّعه إلى حيث أراد الله أنْ ينزل المطر، إذن: حركة السحاب ليست ذاتية، وإنما تابعة لحركة الرياح، وهذه المسألة تساعدنا في فهم قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88]. فالجبال التي نحسبها ثابتة هي في الحقيقة تمر وتتحرك كحركة السحاب، وكما أن السحاب لا يمر بذاته، إنما بحركة الرياح، كذلك الجبال لا تمر بذاتها، إنما بحركة الأرض والجبال ثابتة على الأرض كالأوتاد؛ لذلك تتحرك بحركتها: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [النمل: 88]. البعض لم يفطن إلى حركة الأرض التي تتبعها حركة الجبال، فقال في قوله تعالى: {أية : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88] أن هذا في الآخرة، لكن أين هي الجبال في الآخرة والله يقول عنها: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} تفسير : [المعارج: 9] ثم، كيف يمتنُّ الله عليها ويحتج ببديع صُنْعه في حركة الجبال في الآخرة، حيث لا تكليف، ولا موضع لتحنين القلوب وعَطْفها إلى الإيمان. هذا عن حركة الرياح، أما عن سكونها، فيقول تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} تفسير : [الشورى: 33] والمراد: السفن التي تُسيِّرها الرياح، فإنْ قُلْتَ: فهل يظل لهذه الآية هذا المعنى بعد التطور الذي طرأ على السفن، وبعد أن تلاشتْ القلاع وحَلَّ محلها الآلات التي تُسيِّر السفن دون حاجة إلى حركة الهواء؟ نقول: نعم ستظل الآية تحمل هذا المعنى إلى ما شاء الله؛ لأن الاختراعات الحديثة لم تفاجئ خالقها عز وجل، ومَنْ قال: إن الريح هو الهواء؟ الريح هو القوة أياً كانت، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} تفسير : [الأنفال: 46] يعنى: قوتكم أيّاً كانت قوة هواء، أو قوة كهرباء، أو قوة بخار ومحركات .. الخ. ونلحظ في أسلوب هذه الآية أن الفعل {أَرْسَلَ} [فاطر: 9] جاء في صيغة الماضي، لكن (تثير) في صيغة المضارع، ولم يقل سبحانه: فأثارت سحاباً، قال: أرسل يعني: أمر أنْ ترسل، فهذه مسألة انتهت وفُرغ منها، أما إثارة السحاب وتحريكه فمسألة مُتجدِّدة مستمرة في كل لحظة، فناسبها المضارع الدال على الحال والاستقبال. أو: أن المعنى {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} [فاطر: 9] جاء في الماضي؛ لأن الكلام عن الغيب، والاسم الظاهر غيب وهو لفظ الجلالة، ثم انتقل من الغيب في {أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} [فاطر: 9] إلى مقام المتكلم، فقال {فَسُقْنَاهُ} [فاطر: 9] كأن الله يلفتك بالنعمة إلى غيب هو الله تعالى، فحين تستحضر أنه الله الذي فعل أصبحْتَ أهلاً لمكالمة الله لك. ومثال ذلك ما قُلْنا في سورة الفاتحة: {أية : بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 1-4] هذا كله غيب إلى {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. ولم يقُلْ: إياه نعبد لينقلك من الغيب إلى الخطاب المباشر معه سبحانه؛ لأنك أصبحتَ أهلاً لأنْ تخاطبه ويخاطبك بعد أن آمنتَ بالحيثيات الأولى في {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 2-4]. ومعنى {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} [فاطر: 9] يعني: سُقْنا السحاب، أو سُقْنا الماء بعد نزوله في جداول وأنهار إلى الأرض التي لا نَبْتَ فيها، والتي يمكن أن تنتفع به، وهذا أدلّ على قدرة الله، وتأمل مثلاً ماء النيل الذي يروي السودان ومصر أين نزل؟ وهذا دليل على أن رزقك سيأتيك مهما بَعُد عنك مصدره. فإذا ما استقر الماء في الأرض كانت النتيجة {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9] يعني: أحييناها بالنبات، ثم يجعل الحق سبحانه من نِعَم إحياء الأرض الميتة دليلاً على نعمة أخرى موصولة في الآخرة، فيقول سبحانه: {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} [فاطر: 9] يعني: البعث يوم القيامة وإحياء الموتى من قبورهم. فَخُذْ مما تشاهد من إحياء الأرض دليلاً على صدق ما غاب عنك، فكما أن الماء ينزل على الأرض الميتة فيُحييها، كذلك حين تنزل الروح على مادة الإنسان المدفونة في الأرض يحدث لها النشور والبعث، وتدبّ فيها الحياة. وسبق أن بيَّنا أن العلماء لما حللوا جسم الإنسان وجدوه مُكوِّناً من ستة عشر عنصراً. أولها: الأكسوجين. وآخرها: المنجنيز. وهي نفسها عناصر التربة التي ينمو فيها النبات. ثم يقول الحق سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف لا يعلم سبحانه ضمائر عباده واستعداداتهم مع أنه {ٱللَّهُ} المدبر لعموم أفعالهم وأحوالهم وحوائجهم، هو {ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ} بلطفه ومقتضى جوده {ٱلرِّيَاحَ} العاصفة {فَتُثِيرُ} وتهيج {سَحَاباً} هامرة، مركبة من الأبخرة والأدخنة المتصاعدة، القابلة لأن تتكون منها مياهاً بمجاورة الهواء البارد والرطب {فَسُقْنَاهُ} بعدما تم تركيبه عناية منا {إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} يابس في غاية اليبس بحيث لا اخضرار له أصلاً {فَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي: بالمطر الحاصل من السحاب {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: جفافها ويبسها {كَذَلِكَ} أي: مثل إحيائنا الأرض اليابسة بعد يبسها وجمودها {ٱلنُّشُورُ} [فاطر: 9] أي: أحياؤنا الأموات الجامدة ونشرهم من قبورهم؛ بإعادة الروح المنفصل منهم إلى أبدانهم التي تفتت أجزاؤها، بإرسال نفحات نسمات لطفنا ورحمتنا لتثير سحاب العناية الماطرة قطرات ماء الحياة المسوقة إلى أراضي الأبدان اليابسة والجامدة بالموت الطبيعي، إنما أحييناهم وأخرجناهم من الأجداث؛ إظهاراً لقدرتنا، وتتميماً لحكمتنا واستقلالنا في آثار تصرفنا في ملكنا وملكوتنا، وتعززنا وكبريائنا في ذاتنا. وبالجملة: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} الكاملة، التي لا يعقبها ذل أصلاً، فله أن يسترجع إلى الله ويتوجه نحو توحيده {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ} والغلبة والسلطنة الكاملة والبسطة الشاملة {جَمِيعاً} ومن أراد أن يتعزز بعزة الله، فله في أوائل سلوكه إلى الله أن يتذكر سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إلى أن ينتهي تذكره إلى التفكر الذي هو آخر العمل وصار متفكراً في ذاته، مستكشفاً عن أستار جبروته سبحانه، إلى أن صار مستحضراً له، مكاشفاً إياه، مشاهداً آثار أوصافه وأسمائه على صفائح الأكوان بلا مزاحمة الأغيار، وبالجملة: فله أن يشتغل بالتذكر في أوائل الحال؛ إذ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} من الأسماء الحسنى والصفات العظمى الناشئة من ألسنة المخلصين المتفكرين في آلاء الله ونعمائه. {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ} المقرون بالإخلاص والتبتل {يَرْفَعُهُ} أي: يرفع العمل المنبئ عن الإخلاص، والكلم الطيب إلى درجات القرب من الله، فمن كان إخلاصه في عمله أكمل، كان درجات كلماته المرفوعة نحوه سبحانه أرفع وأعلى عند الله {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ} مع الله المنكرات {ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني به سبحانه: المكر السيئ الذي مكر به المشركون - خذلهم الله - مع حبيبه صلى الله عليه وسلم {لَهُمْ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ شَدِيدٌ} جزاءً لما مكروا به {وَ} إن كان {مَكْرُ أُوْلَئِكَ} الماكرين {هُوَ} أي: مكرهم في نفسه {يَبُورُ} [فاطر: 10] يفسد ويبطل، ويعود وباله ونكاله عليهم بلا أثر لمكرهم بالممكور به صلى الله عليه وسلم. {وَ} كيف لا يعود ضرر مكرهم إليكم أيها المشركون؛ إذ {ٱللَّهُ} الذي قصدتم المكر معه ومع من اختاره واصطفاه {خَلَقَكُمْ} وقدر وجودكم {مِّن تُرَابٍ} جامد، لا حسن لها ولا شعور {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} مهينة، مستحدثة من أجزاء النبات المتكون من الأرض {ثُمَّ جَعَلَكُمْ} وصيَّركم حيواناً {أَزْوَاجاً} ذكوراً وإناثاً؛ لتتوالدوا وتكثروا {وَ} يربيكم على الوجه الأحسن الأصلح؛ إذ هو عليم بجميع ما يعنيكم وما لايعنيكم وبكل ما جرى عليكم إلى حيث {مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ} حمله {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} وإذنه سبحانه، وهو معلوم له لا يغيب عنه {وَ} بعد وضع الحمل {مَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} يبلغ عمر نهايته {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} بأن لم يصل إليها {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي: مثبت مسطور في حضرة العلم الإلهي ولوح القضاء {إِنَّ ذَلِكَ} أي: حفظه وثبته {عَلَى ٱللَّهِ} العليم الحكيم {يَسِيرٌ} [فاطر: 11] وإن كان عندكم عيسر، بل متعذر ممتنع؛ إذ لا يسع لكم استحضار آنكم ولحظتكم، فيكف أحوال يومكم وشهركم وحولكم؟! فيكف أحوال طفوليتكم وكونكم جنيناً؟!.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه { أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ } فأنزله اللّه عليها { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }. فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك الخيرات، { كَذَلِكَ } الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل.