٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين برهان الإيمان إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا في طاعة أحد ولم يكن لهم من يأمرهم وينهاهم، فكانوا ينحتون الأصنام وكانوا يقولون إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم وأية عزة فوق المعية مع المعبود فهم كانوا يطلبون العزة وهي عدم التذلل للرسول وترك الأتباع له، فقال إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه فهو الذليل وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في هذه الآية: {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } وقال في آية أخرى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] فقوله: {جَمِيعاً } يدل على أن لا عزة لغيره فنقول قوله: {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ } أي في الحقيقة وبالذات وقوله: {وَلِرَسُولِهِ } أي بواسطة القرب من العزيز وهو الله وللمؤمنين بواسطة قربهم من العزيز بالله وهو الرسول، وذلك لأن عزة المؤمنين بواسطة النبـي صلى الله عليه وسلم ألا ترى قوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران:31]. المسألة الثانية: قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تقرير لبيان العزة، وذلك لأن الكفار كانوا يقولون نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده، لأن البعد من الملك ذلة، فقال تعالى: إن كنتم لا تصلون إليه، فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب فمن قبل كلامه وصعد إليه فهو عزيز ومن رد كلامه في وجهه فهو ذليل، وأما هذه الأصنام لا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا علم لها فكل أحد يمسها وكذلك يرى علمكم فمن عمل صالحاً رفعه إليه، ومن عمل سيئاً رده عليه فالعزيز من الذي عمله لوجهه والذليل من يدفع الذي عمله في وجهه، وأما هذه الأصنام فلا تعلم شيئاً فلا عزيز يرفع عندها ولا ذليل، فلا عزة بها بل عليها ذلة، وذلك لأن ذلة السيد ذلة للعبد ومن كان معبوده وربه وإلهه حجارة أو خشباً ماذا يكون هو!. المسألة الثالثة: في قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } وجوه: أحدها: كلمة لا إله إلا الله هي الطيبة وثانيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر طيب ثالثها: هذه الكلمات الأربع وخامسة وهي تبارك الله والمختار أن كل كلام هو ذكر الله أو هو لله كالنصيحة والعلم، فهو إليه يصعد. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } وفي الهاء وجهان أحدهما: هي عائدة إلى الكلم الطيب أي العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم الطيب ورد في الخبر «حديث : لا يقبل الله قولاً بلا عمل» تفسير : وثانيهما: هي عائدة إلى العمل الصالح وعلى هذا في الفاعل الرافع وجهان: أحدهما: هو الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، وهذا يؤيده قوله تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} تفسير : [النحل: 97] وثانيهما: الرافع هو الله تعالى. المسألة الخامسة: ما وجه ترجيح الذكر على العمل على الوجه الثاني حيث يصعد الكلم بنفسه ويرفع العمل بغيره، فنقول الكلام شريف، فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } تفسير : [الإسراء:70] أي بالنفس الناطقة والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره، والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب ويدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة إن كان عن صدق أمن عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان ظاهراً أمن في نفسه ودمه وأهله وحرمه في الدنيا ولا كذلك العمل بالجوارح، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }، تفسير : [البقرة:82] ووجه آخر: القلب هو الأصل وقد تقدم ما يدل عليه، وقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» تفسير : وما في القلب لا يظهر إلا باللسان وما في اللسان لا يتبين صدقه إلا بالفعل، فالقول أقرب إلى القلب من الفعل، ألا ترى أن الإنسان لا يتكلم بكلمة إلا عن قلب، وأما الفعل قد يكون لا عن قلب كالعبث باللحية ولأن النائم لا يخلو عن فعل من حركة وتقلب وهو في أكثر الأمر لا يتكلم في نومه إلا نادراً، لما ذكرنا إن الكلام بالقلب ولا كذلك العمل، فالقول أشرف. المسألة السادسة: قال الزمخشري المكر لا يتعدى فبم انتصاب السيئات؟ وقال بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات فهو وصف مصدر محذوف، ويحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِين يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [العنكبوت: 4] وفي قوله: {ٱلَّذِين يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } يحتمل ما ذكرناه أن يكون السيئات وصفاً لمصدر تقديره الذين يعملون العملات السيئات، وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } إشارة إلى بقائه وارتقائه {وَمَكْرُ أُوْلَـٰئِكَ } أي العمل السيء {وَهُوَ يَبُورُ } إشارة إلى فنائه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزة. وكذا قال غيره من أهل العلم. أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها؛ لأن العزة إذا كانت تؤدّي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلّة، والعزةُ التي لا ذُلّ معها لله عز وجل. {جَمِيعاً} منصوب على الحال. وقدّر الزجاج معناه: من كان يريد بعبادته الله عز وجل العزّةَ ـ والعزة له سبحانه ـ فإن الله عز وجل يُعِزه في الآخرة والدنيا. قلت: وهذا أحسن، وروي مرفوعاً على ما يأتي. {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته، وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره؛ فتكون الألف واللام للعهد عند العالمِين به ـ سبحانه ـ وبما وجب له من ذلك، وهو المفهوم من قوله الحق في سورة يونس: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ} تفسير : [يونس: 65]. ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبّه ذوي الأقدار والهمم مِن أين تنال العزة ومن أين تُستحق؛ فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من آيات هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، وسكون وخضوع، وجدها عنده ـ إن شاء الله ـ غير ممنوعة ولا محجوبة عنه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تواضع لله رفعه الله»تفسير : . ومن طلبها من غيره وَكَله إلى من طلبها عنده. وقد ذكر قوماً طلبوا العزة عند من سواه فقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}تفسير : [النساء: 139]. فأنبأك صريحاً لا إشكال فيه أن العزة له يُعِزّ بها من يشاء ويُذِل من يشاء. وقال صلى الله عليه وسلم مفسّراً لقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}: «حديث : من أراد عز الدارين فليطع العزيز»تفسير : . وهذا معنى قول الزجاج. ولقد أحسن من قال:شعر : وإذا تذلّلت الرقاب تواضعاً منا إليك فعزّها في ذلها تفسير : فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل دار العزة ـ ولله العزة ـ فليقصِد بالعزة الله سبحانه والاعتزازَ به؛ فإنه من اعتز بالعبد أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} وتم الكلام. ثم تبتدىء {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ فيكون الكلام متصلاً على ما يأتي بيانه. والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضاً. ولا يتصوّر ذلك في الكلام لأنه عَرض، لكن ضرب صعوده مثلاً لقبوله؛ لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. وقال الزجاج: يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه؛ فهو بمعنى العلم. وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله: «إِلَيْهِ» أي إلى الله يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيرِه حكم. وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و«الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيّبة. وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا:شعر : لا ترض من رجل حلاوةَ قوله حتى يُزَيِّن ما يقول فَعَالُ فإذا وزنت فَعاله بمقاله فتوَازَنَا فإخاء ذاك جَمالُ تفسير : وقال ابن المُقَفّع: قول بلا عمل، كثرِيد بلا دسم، وسحابٍ بلا مطر، وقوسٍ بلا وتر. وفيه قيل:شعر : لا يكون المقال إلا بفعلٍ كلُّ قولٍ بلا فعالٍ هَبَاءُ إنّ قولاً بلا فعالٍ جمِيل ونِكاحاً بلا وَلِيّ سواء تفسير : وقرأ الضحاك «يُصعد» بضم الياء. وقرأ جمهور الناس «الكلِم» جمع كلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن «الكلام». قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلِم وبالعكس؛ وعليه يخرج قول أبي القاسم: أقسام الكلام ثلاثة؛ فوضع الكلام موضع الكلم، والله أعلم. {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث «حديث : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، ولا يقبل قولاً وعملاً إلا بنيّة، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة»تفسير : . قال ابن عباس: فإذا ذكر العبدُ الله وقال كلاماً طيّباً وأدّى فرائضه، ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤدّ فرائضه ردّ قوله على عمله. قال ابن عطية: وهذا قول يردّه معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس. والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبَّل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك. وأيضاً فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأوّل أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه. كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعمالَه كَلِمٌ طيّب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف؛ فيكون قوله: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} موعظة وتذكرة وحَضًّا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها؛ كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. قال ابن العربيّ: «إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع؛ لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع شرطاً في قبول القول أو مرتبطاً، فإنه لا قبول له إلا به، وإن لم يكن شرطاً فيه فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السّيىء يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران». قلت: ما قاله ابن العربيّ تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيّب. وقد جاء في الآثار أن العبد إذا قال: لا إلٰه إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقاً لقوله صعدا جميعاً، وإن كان عمله مخالفاً وقف قوله حتى يتوب من عمله. فعلى هذا العملُ الصالح يرفع الكلم الطيّب إلى الله. والكناية في «يرفعه» ترجع إلى الكلم الطيب. وهذا قول ابن عباس وشَهْر بن حَوْشَب وسعيد بن جُبير ومجاهد وقتادة وأبي العالية والضحاك. وعلى أن «الكلِم الطيب» هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد. أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب؛ فالكناية تعود على العمل الصالح. وروي هذا القول عن شَهْر بن حَوْشَب قال: «الكلم الطيب» القرآن «والعمل الصالح يرفعه» القرآن. وقيل: تعود على الله جل وعز؛ أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكَلِم الطيّب؛ لأن العمل تحقيق الكلِم، والعامل أكثر تعباً من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام؛ لأن الله هو الرافع الخافض. والثاني والأوّل مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأوّل أولاها وأصحها لعلوّ من قال به، وأنه في العربية أولى؛ لأن القرّاء على رفع العمل. ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه الكلم الطيّب، لكان الاختيار نصف العمل. ولا نعلم أحداً قرأه منصوباً إلا شيئاً رُوي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس «والعملَ الصالحَ يرفعه الله». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تُطلب من الله تعالى؛ ذكره القشيريّ. الثانية: ذكروا عند ابن عباس أن الكلب يقطع الصلاة، فقرأ هذه الآية: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم، وقد دخل في الصلاة بشروطها، فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك؛ من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو إجماع. وقد تعلق من رآى ذلك بقوله عليه السلام: حديث : «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود»فقلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: «إن الأسود شيطان» تفسير : خرجه مسلم. وقد جاء ما يعارض هذا، وهو ما خرّجه البخاري عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} ذكر الطبري في (كتاب آداب النفوس): حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن لَيْث بن أبي سليم عن شَهْر بن حَوْشَب الأشعري في قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: هم أصحاب الرياء؛ وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في الدنيا. مقاتل: يعني الشرك، فتكون «السّيئات» مفعولة. ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت السوق أي كسدت، ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيِّم وقوله: {أية : وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً}تفسير : [الفتح: 12] أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وقد مضى في «سبأ».
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } أي في الدنيا والآخرة فلا تنال منه إلا بطاعته فليطعه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } يعلمه وهو: لا إله إلا الله، ونحوها {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُ } يقبله {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ } المكرات {ٱلسَّيِّئَاتِ } بالنبي في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في (الأنفال) [30:8] {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ } يهلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ} وهي المنعة فليتعزَّز بطاعة الله تعالى، أو من يرد علم العزة لمن هي {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} لما اتخذوا آلهة ليكونوا لهم عِزًا أخبرهم الله ـ تعالى ـ أن العزة له جميعاً {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} التوحيد، أو الثناء على الله ـ تعالى ـ يصعد به الملائكة المقربون {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ} يرفعه الكلم الطيب، أو العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، أو يرفع الله ـ تعالى ـ العمل الصالح لصاحبه {السَّيِّئَاتِ} الشرك {يَبُورُ} يفسد عند الله تعالى، أو يهلك البوار: الهلاك، أو يبطل.
النسفي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } أي العزة كلها مختصة، بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } تفسير : [مريم: 81]. والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [النساء: 139]. فبين أن لا عزة إلا بالله. والمعنى فليطلبها عند الله فوضع قوله {لِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } موضعه استغناء عنه به لدلالته عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه وماله ونظير قولك: «من أراد النصيحة فهي عند الأبرار». تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت مايدل عليه مقامه، وفي الحديث «حديث : إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز»تفسير : ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } ومعنى قوله {إِلَيْهِ } إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود، أو إلى حيث لا ينفذ فيه إلا حكمه والكلم الطيب كلمات التوحيد أي لا إله إلا الله. وكان القياس الطيبة ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث. والعمل الصالح العبادة الخالصة يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد. وقيل: الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه الله، وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع والكلم الطيب يصعد بنفسه. وقيل: العمل الصالح يرفع العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل عملاً صالحاً فإنه هو الذي يرفع العبد {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} هي صفة لمصدر محذوف أي المكرات السيئات لأن مكر فعل غير متعدٍ، لا يقال مكر فلان عمله. والمراد مكر قريش به عليه السلام حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ }تفسير : [الأنفال: 130] الآية {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ } مبتدأ {هُوَ } فصل {يَبُورُ } خبر أي ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعاً حقق بهم. قوله تعالى {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }تفسير : [الأنفال: 30] وقوله {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }تفسير : [فاطر: 43]. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ } أي أباكم {مّن تُرَابٍ ثُمَّ } أنشأكم {مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } هو في موضع الحال أي معلومة له {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي وما يعمر من أحد. وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } يعني اللوح أو صحيفة الإنسان ولا ينقص زيد. فإن قلت: الإنسان إما معمر أي طويل العمر أو منقوص العمر أي قصيره، فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال فكيف صح قوله {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }تفسير : قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد وعليه كلام الناس يقولون: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق. أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره فذلك نقصان عمره. وعن قتادة: المعمر من يبلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة {إِنَّ ذٰلِكَ } أي إحصاءه أو زيادة العمر ونقصانه {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } سهل. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا } أي أحدهما {عَذْبٌ فُرَاتٌ } شديد العذوبة. وقيل: هو الذي يكسر العطش {سَآئِغٌ شَرَابُهُ } مريء سهل الانحدار لعذوبته وبه ينتفع شرّابه {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة. وقيل: هو الذي يحرق بملوحته {وَمِن كُلِّ} ومن كل واحد منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } وهو السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وهي اللؤلؤ والمرجان {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ } في كل {مَوَاخِرَ } شواقّ للماء بجريها. يقال: مخرت السفينة الماء أي شقته وهي جمع ماخرة {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من فضل الله ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ما أتاكم من فضله. ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر. ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علّق بهما من نعمته وعطائه، ويحتمل غير طريق الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه. والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }تفسير : ثم قال {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خشية الله } تفسير : [البقرة: 74]. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } يدخل من ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة والناقص تسعاً {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } أي ذلل أضواء صوره لاستواء سيره {كُـلٌّ يَجْرِى لأَِجَـلٍ مُّسَـمًّى } أي يوم القيامة ينقطع جريهما {ذٰلِكُمُ} مبتدأ {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ } أخبار مترادفة أو {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } خبر إن و{لَهُ ٱلْمُلْكُ } جملة مبتدأة واقعة في قران قوله {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله يدعون قتيبة {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة {إِن تَدْعُوهُمْ } أي الأصنام {لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ } لأنهم جماد {وَلَوْ سَمِعُواْ } على سبيل الفرض {مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ } لأنهم لا يدّعون ما تدّعون لهم من الإلهية ويتبرءون منها {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبك الله الخبير بخبايا الأمور، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ} شرط جوابه مقدر باختلاف التفسير في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} (فقال مجاهد: معناه) من كان يريد العزة بعبادة الأوثان فيكون تقديره فليطلبها. وقال قتادة: من كان يريد العزة وطريقة القويم ويحِبُّ نَيْلَها على وجهها. فيكون تقديره على هذا فليطلبها. وقال الفراء: مِنْ كَانَ يريد علمَ العزة فيكون التقدير: فَلْيَنْسب ذلك إلى الله. قويل: من كان يريد العزة لا يعقبها ذلّة. فيكون التقدير: فهو لا يُبَالِهَا. ودل على هذه الأجوبة قوله: "فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ" وإنما قيل: إن الجواب محذوف وهو هذه الجملة لوجهين: أحدهما: أن العزة لله مطلقاً من غير ترتبها على شرط إرادة أحدٍ. والثاني: أنه لا بدّ في الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط إذا كان غير ظرف ولم يوجد هنا ضمير، و"جَميعاً" حال، والعامل فيها الاسْتِقْرَارُ. فصل قال قتادة: من كان يريد العزة فليتفرد بطاعة الله - عزّ وجلَ - ومعناه الدعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفُلان (أي) فليطلبه من عنده وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزيز كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ} تفسير : [مريم: 81-82] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء:139]. قوله: "إِلَيْهِ يَصْعَدُ" العامة على بنائه للفاعل من "صَعَدَ" ثلاثياً "الكَلِمُ الطَّيِّبُ" (برفعهما فاعلاً ونعتاً. وعليّ وابنُ مسعود يُصْعِدُ من أصْعَدَ الكَلِمَ الطَّيّبَ) منصوبان على المفعول والنعت وقرىء يُصْعَدُ مبنياً للمفعول. وقال ابن عطية: قرأ الضحاك يُصْعَد بضم الياء لكن لم يبيّن كونه مبنياً للفاعل أو المفعول. فصل قال المفسرون: الكَلِمُ الطَّيب قول لا إله إلا الله. وقيل: هو قول الرجل: سُبْحَان اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ ولاَ إلَه إلاَّ واللَّهُ أَكْبَرُ. وعن ابن مسعود قال: إذا حَذَّثْتُكُمْ حَديثاً أنبأتكم بِمصْدَاقِهِ من كتاب الله - عزّ وجلّ - ما مِن عبدٍ مسلم يقول خمس كلمات سُبْحَانَ الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ وتبارك الله إلا أحذهُنَّ ملكٌ فَجعَلَهُنَّ تحت جناحه ثم صعد بِهِنَّ، فلا يمرّ بهن على جمع من الملائكة إلاَّ استغفروا لقائلهن حتى يَجِيءَ بهنَّ وَجْهَ ربِّ العالمين ومصداقه من كتاب الله عزّ وجلّ قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} وقيل: الكلم الطيب: ذكر الله. وعن قتادة: إليه يصعد الكلم الطيب أي يقبل اللَّهُ الكلمَ الطيب. قوله: "وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ" العامة على الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على "الكَلِمُ الطَّيِّبُ" فيكون صاعداً أيضاً. و "يَرْفَعُهُ" على هذا استئناف إخبار من الله برفعهما. وإنما وَحَّدَ الضمير وإن كان المراد الكلم والعمل ذهاباً بالضمير مذهب اسم الإشارة. كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : [البقرة:68] وقيل: لاشتراكهما في صفة واحدة وهي الصُّعود. والثاني: أنه مبتدأ و "يرفعه" الخبر ولكن اختلفوا في فاعل "يَرْفَعُ" على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه ضمير الله تعالى أي والعمل على الصالح يرفعهُ الله إليه. والثاني: أنه ضمير العمل الصالح. وضمير النصب على هذا وجهان: أحدهما: أنه يعود على صاحب العمل أي يرفع صَاحِبَهُ. والثان: أنه ضمير الكلم الطيب أي العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيب. ونُقل هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين إلاَّ أنَّ ابن عطية منع هذا عن ابن عباس وقال: لا يصح؛ لأن مذهب أهل السنة أن الكلم الطيب مقبول وإن كان صاحبه عاصياً. والثالث: أن ضمير الرفع للكلم والنصب للعمل أي يرفع العَمَلَ، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ وعِيسَى بالنّصب الْعَمَلَ الصَّالِحَ على الاشتغال والضمير المرفوع لِلْكَلِم أو لله والمنصوب للْعَمَلِ. فصل قال الحسن وقتادة: الكلمُ الطَّيِّبُ ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه على عمله وليس الإيمان بالتمني ولا بالتًّخَلِّي لكن ما وقَرَ في القلوب وصدقه الأعمال فمن قال حَسَناً وعَمِلَ غير صالح ردّ الله عليه قوله ومن قال حَسَناً وعمل صالحاً رفعه العمل لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقال -عليه (الصلاة و) السلام - "حديث : لَمْ يَقْبَل اللَّهُ إلاَّ قَوْلاً بِعَمَلٍ وَلاَ قَوْلاً وَعَمَلاً إلاَّ بِنِيَّة"تفسير : . ومن قال الهاء في قوله "يَرفعُهُ" راجعةٌ إلى العمل الصالح أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلا أن يكون صادراً عن التوحيد. وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. وقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقولا والأفعال لقوله تعالى: {أية : فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف:110] فجعل نقيض العمل الصالح الشِّرك والرياء. قوله: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} "يمكرون" أصله قاصر فعلى هذا ينتصب "السيّئات" على نعت مصدر محذوف أي المكراتِ السيئات أو تعتٍ لمضاف إلى (مصدر) أي أصْنَاف المَكْرَاتِ السيئاتِ. ويجوز أن يكون "يَمْكُرُونَ" مضمناً معنى يكْسِبُون فينتصب "السيئات" مفعولاً به. قال الزمخشري: ويحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فمعناه تعديته كما قال: {أية : لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} تفسير : [النساء:18] قال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دار النَّدْوة كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} تفسير : [الأنفال:30]. قوله: {وَمَكْرُ أُوْلَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ} هو مبتدأ و "يبور" خبره والجملة خبر قوله: {وَمَكْرُ أُوْلَٰئِكَ} وجوَّز الحَوْفِيُّ وأبو البقاء أن يكون "هو" فصلاً بين المبتدأ أو الخبر وخبره. وهذا مردود بأن الفصل لا يقع قبل الخبر إذا كان فعلاً إلاَّ أن الجُرْجَانيِّ جوز ذلك، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يكون "هو" تأكيداً وهذا مردود بأن المضمر لا يؤكد الظاهر. ومعنى "يَبُور" يَهْلِكُ ويَبْطُلُ في الآخرة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ....الآية} قد تقدم أن الدلائل مع كثرتها منحصرة في قسمين: دلائل الآفاق ودلائل الأنفس كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53] فلما ذكر دلائل الآفاق من السموات وما يرسل منها من الرياح شرع في دلائل الأنفس وتقدم ذكره مِراراً أن قوله: "مِنْ تراب" إشارة إلى خلق آدم "ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ" إشارة إلى خلق أولاده. وتقدم أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم، وكلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء والغذاء (ينتهي) بالآخرة إلى الماء والتراب فهو من تراب صار نطفة "ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ذُكْرَاناً وإنَاثاً". قوله: "مِنْ أُنْثَى" من مزيدة في "أُنْثَى" وكذلك في: "مِنْ مُعَمَّرٍ" إلا أن الأول فاعل وهذا مفعول قام مقامه و "إلاَّ بِعِلْمِهِ" حال أي إلاَّ مُلْتبِسَةً بعِلْمِهِ. قوله: "من عُمُرِهِ" في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود على "مُعَمَّر" آخر لأن المراد بقوله: "مِنْ مُعَمَّر" الجنس فهو يعود عليه لفظاً لا معنى، لأنه بعد أن فرض كونُه معمراً استحال أن يَنْقص مِنْ عُمُرِهِ نفسه كقوله: شعر : 4155- وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَتْلَ فَحْلِهِم وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَه فهو سَارِبُ تفسير : ومنه: عندي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أي ونصف درهم آخر. والثاني: أنه يعود على "مُعَمَّر" لفظاً ومعنى. أنه إذا مضى من عمره حول أُحْصِيَ وكُتِبَ ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص. وإليه ذهب ابن عباس وابن جبير وأبُو مالكٍ؛ ومنه قول الشاعر: شعر : 4156- حياتك أنْفَاسٌ تُعَدُّ فَكُلما مَضَى نَفَسٌ مِنْكَ انْتَقَصْتَ بِهِ جُزْءَا تفسير : وقرأ يعقوب وسلاَّم - وتروى عن أبي عمرو - ولا يَنْقُصُ مبنياً للفاعل. وقرأ الحَسَنُ: مِنْ عُمْرِهِ بسكون المِيم. فصل معنى "وما يعمر من معمر" لا يطول عمره ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر كما يقال: لفلانٍ عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر "إلا في كتاب". وقيل: قوله ولا ينقص من عمره ينصرف إلى الأول. وقال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل (من) ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره. وقال كعب الأحبار حين حضر الوفاة عمر: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر فقيل له: إن الله عزّ وجلّ يقول: أية : {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34] فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد و(أن) يَنْقُصَ، وقرأ هذه الآية. فصل "وما تحمل من أنثى ولا تضع" إشارة إلى كمال قدرته فإن ما في الأرحام قبل التخليق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد كيف والأم الحامل لا تعلم منه شيئاً فلما ذكر بقوله: {خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} كمال قدرته بين بقوله: {ما تَحْمِلُ من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} كمال علمه. ثم بين نفوذ إرادته بقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} فبين أنه هو القادرُ العليم المريد والأصنام لا قدرة لها (ولا علم)، ولا إرادة فكيف يستحق شيء منها العبادة. ثم قال: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي الخلق من التراب. ويحتمل أن يكون المراد إن التعمير والنقصان على الله يسير. ويحتمل أن يكون المراد: إن العلم بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله يسير. والأول أشبه لأن استعمال اليسير في الفعل أليق. قوله: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} يعني العذب والملح ثم ذكرهما فقال: {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} طيب {سَائغٌ شَرَابُهُ} جائز في الحلق هنيء {وَهَذا مِلْحٌ أجَاجٌ} شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو المُرُّ. قوله: "سَآئِغٌ شَرَابُهُ" يجوز أن يكون متبدأ وخبراً، والجملة خبر ثانٍ وأن يكون "سائغٌ" خبراً و"شرابه" فاعلاً به لأنه اعتمد، وقرأ عيسى - ويوى عن أبي عمرو وعاصم - سَيِّغٌ مثل سيِّد وميِّت. وعن عيسى بتخفيف يائه كما يخفف هَيِّن ومَيِّت. وقرأ طلحة وأبو نُهَيْك ملحٌ بفتح الميم وكسر اللام، فقيل: هو مقصور من مَالِحٍ ومالٍح لغَيَّة شاذة. وقيل: مَلِح بالفَتْح والكسر لُغَةٌ في مِلْحٍ، بالكسر والسكون. فصل قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن فالإيمان لا يُشَبَّه بالكفر كما لا يشبه البحر العَذْبُ الفراتُ بالبحر المَلِح الأجاج ثم على هذا فقوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} فالبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاجَ يشارك الفُرَاتَ في خير ونفع إذ اللحمُ الطريُّ يوجد فيهما والحِلْية تؤخذ منها والفُلْكُ تجري فيهما ولا نفع في الكفر والكافر. وهذا على نَسَقِ قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] وقوله: {أية : كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} تفسير : [البقرة:74]. قال ابن الخطيب: والأظهر أن المراد من ذكر دليل آخر على قدرة الله تعالى وذلك من حيث إن البحرين يَسْتَوِيَانِ في الصورة ويختلفان في الماء، فإن أحدهما فُراتٌ والآخر مِلْح أُجَاج ولولا ذلك بإيجاب مُوجِب، لما اختلف المستويان ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة فإن اللحم الطريَّ يوجد فيهما والحِلْية تؤخذ منهما ومن يوجد من المتشابهين اختلافاً ومن المختلفين اشتباهاً لا يكون إلا قادراً مختاراً فقوله: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} إشارة إلى أن عدم استوئهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته. فصل قال أهل اللغة: لا يقال لماء البحر إذا كان فيه مُلُوحَةٌ مالحٌ وإنما يقال له: مِلْح. وقد يذكر في بعض كتب الفقه يَصِيرُ بها ماءُ البَحْرِ مَالِحاً. ويؤاخذ قائله (به). وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقي فيه مِلْح حتى مَلَحَ لا يقالُ له إلا مالح. وماء مِلْحٌ يقال للماء الذي صار من أصل خِلْقَتِهِ كذلك لأن المَالِحَ شيء فيه مِلْحٌ ظاهر في الذَّوْق والماء الملح ليس ماءً ومِلْحاً بخلاف الطعام المالح فالماء العذب المُلْقَى فيه المِلْح ما فيه ملح ظاهر في الذَّوْق بخلاف (ما هو مِلْحٌ ظاهر في الذَّوْقِ بخلاف) ما هو من أصل خلقته كذلك (فلما) قال الفقيه: الملحُ أجزاء أرضيَّة سَبِخَة يصير بها ماءُ البَحْرِ مالحاً راعى فيه الأصل فإنه جعله ماءً جاوره مِلْحٌ. وأهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه مِلْحٌ جعلوه كذلك من أصل الخلقة والأجَاجُ المُرُّ كما تقدم. قوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} من الطَّيْر والسَّمَك من العَذْب والملح جميعاً "وتَسَتْخَرِجُونَ حِلْيَةً" يعني من الملح دون العذب "تَلْبَسُونَها" من اللُّؤْلُؤ والمَرْجَان. وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الأجاج (عيون) عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك. وقرىء {الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي ماخرات تَمْخُر البحر بالجَرَيَان أي تشُقّ جَوَارِي مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} بالتجارة "ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرون" الله على نعمة وهذا يدل على أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته. قوله: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} وهذا استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقوله: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} جواب لسؤال يذكره المشركون وهو أنهم قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسيّ الواقعة فوق الأرض وتحتها فإن الصيف تكون الشمس على سَمْتِ الرُّؤُوس في بعض البلاد المائلة الآفاق وحركة الشمس هناك مائلة فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة فيقل زمان مكثها تحت الأرض فيقْصُرُ الليل وفي الشتاء بالضِّدِّ فيقصر النهار فقال الله تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يعني سبب الاختلاف وإن كان ما ذكرتم لكن سير الشمس والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك {كُلُّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسمًّى}. قوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُم} ذلكم مبتدأ و "الله" خبره و "ربكم" خبر ثانٍ أو نعت لله. وقال الزخشري: ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و "ربكم" خبر لولا أن المعنى يأباه. وردهُ أبو حيان بأن "اللَّهَ" علم لا جنس فلا يُوصَفُ به. ورد قوله إنّ المعنى يأباه قال: لأنه يكون قد أخبر عن المُشِار إليه بتلك الصفات أنه مَالِكُكُمْ ومُصْلِحُكُمْ. فصل المعنى ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فَطْرِ السَّمَواتِ والأرض وإرْسَالِ الأرواحِ وخَلْقِ الإنسان من ترابٍ وغيرذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها. ثم بين ما ينافي صفة الإلهية فقال: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}. قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} العامة على الخطاب في "تَدْعُونَ" لقوله: "رَبُّكُمْ". وعيسى وسَلاَّم ويعقوبُ - وتُرْوَى عن أبي عمرو - بياء الغيبة إمَّا على الالتفات وإمَّا على الانتقال إلى الإخبار. والفرق بينهما أن يكون في الالتفات المراد بالضميرين واحداً بخلاف الثاني فإنهما غَيْرَانِ. و"يَمْلِكُونَ" هو خبر الموصول و"مِنْ قِطْمِيرٍ" مفعول به. و"مِنْ" فيه مزيدة. والقطمير المشهور فيه أنه لُفَافَةُ النَّواة. وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ كقوله: شعر : 4157- وَأبُوكَ يخْصِفُ نَعْلَهُ مُتَوَرِّكاً مَا يَمْلِكُ المِسْكِينُ مِنْ قِطْمِيرِ تفسير : وقيل: هو القُمْعُ وقيل: ما بين القُمْع والنَّواة. وقد تقدم أن النَواةَ أربعة أشياء يضرب بها المثل في القِلَّةِ: الفتيل وهو ما في شقِّ النَّواة، والقطمير وهو اللفافة والنَّقِيرُ والثفروقُ وهو ما بين القُمْعِ والنَّواةِ. قوله: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} يعني الأصنام {وَلَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} وهذا إبطال لما كانوا يقولون: إن في عبادة الأصنام عزّة من حيث القرب منها والنظر إليها وعرض الحوائج عليها والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقال مجيباً لهم: إن هؤلاء لا يسمعون كما تظنون فإنهم كانوا يقولون: إن الأصنام تسمع وتعلم ولكن لا يمكنهم أن يقولون بأنها تجيب لأن ذلك إنكار للمحسوس فقال: "وَلَوْ سَمِعُوا" كما تظنون {مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ}. قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} أي يَتَبرءُون منكم ومن عبادتكم إيَّاها ويقولون {مَا كُنْتُم إيَّانا تَعْبُدُونَ}. واعلم أنه لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع فيهم في الآخرة ووجود الضرر منهم في القيامة بقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُم} أي بإشراككم بالله غيره وهذا مصدر مضاف لفاعله ثم قال: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} يعني نَفْسَهُ أي لا ينبئك أحدٌ مثل خبير عالم بالأشياء وهذا الخطاب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ووجهه أن الله تعالى لما أخبر أن الخَشَبَ والحَجَرَ يوم القيامة ينطق ويكذب عابده وذلك ما لا يعلم بالعقل المجرد لولا إخْبَار الله تعالى عنه بقوله: "إنهم يكفرون بهم يوم القيامة" فهذا القول مع كون المُخْبَر عنه أمراً عجيباً قال إن المخبر عنهَ خبير. والثاني: أن ذلك الخطاب غير مختص بأحد أي هذا الذي ذكر هو كما ذكر ولا يُنْبِئُك أَيُّها السَّامِعُ كائناً من كنت مثْلَ خبير.
البقاعي
تفسير : ولما قرر بهذا كله ما أثبته سابقاً من عزته وحكمته وثبت أنه قادر على النشور فثبت أن له العزة في الآخرة كما شوهد ذلك في الدنيا، وكانت منافسه الناس لا سيما الكفرة في العزة فوق منافستهم في الحكمة، ومن نافس في الحكمة فإنما ينافس فيها لاكتساب العزة، وكان الكفرة إنما عبدوا الأوثان ليعتزوا بها كما قال: {أية : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّاً}تفسير : [مريم: 81] قال مستنتجاً من ذلك: {من كان} أي في وقت من الأوقات {يريد العزة} أي أن يكون محتاجاً إليه غيره وهو غني عن غيره غالباً غير مغلوب {فلله} أي وحده {العزة جميعاً} أي فليطلبها منه ولا يطلبها من غيره، فإنه لا شيء لغيره فيها, ومن طلب الشيء من غير صاحب خاب؛ قال ابن الجوزي: وقد روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز فمن أراد عزة الدارين فليطع العزيز ". تفسير : ولما رغب في اقتناص العزة بعد أن أخبر أنه لا شيء فيها لغيره، دل على اختصاصه بها بشمول علمه وقدرته، وبين أنها إنما تنال بالحكمة فقال: {إليه} أي لا إلى غيره {يصعد الكلم الطيب} أي الجاري على قوانين الشرع عن نية حسنة وعقيدة صحيحة سواء كان سراً علناً لأنه عين الحكمة، فيعز صاحبه ويثيبه. ولما أعلى رتبة القول الحكيم، بين أن الفعل أعلى منه لأنه المقصود بالذات، والقول وسيلة إليه، فقال دالاًّ على علوه بتغيير السياق: {والعمل الصالح يرفعه} هو سبحانه يتولى رفعه ولصاحبه عنده عز منيع ونعيم مقيم، وعمله يفوز، قال الرازي في اللوامع: العلم إنما يتم العمل كما قيل: العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل - انتهى، وقد قيل: شعر : لا ترض من رجل حلاوة قوله حتى يصدق ما يقول فعال فـإذا وزنـت مقالـــه بفعـالــــه فتوازنــا فإخـاء ذاك جمـال تفسير : ولما بين ما يحصل العزة من الحكمة، بين ما يكسب الذلة ويوجب النقمة من رديء الهمة فقال: {والذين يمكرون} أي يعملون على وجه الستر المكرات {السيئات} أي يسترون قصودهم بها ليوقعوها بغتة {لهم عذاب شديد} كما أرادوا بغيرهم ذلك، ولا يصعد مكرهم إليه بنفسه ولا يرفعه هو، لأنه ليس فيه أهلية ذلك لمنافاته الحكمة. ولما كان ما ذكر من مكرهم موجباً لتعرف حاله هل أفادهم شيئاً؟ أخبر أنه أهلكه بعزته ودمره بحكمته فقال: {ومكر أولئك} أي البعداء من الفلاح {هو} أي وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره ويجعل له العاقبة تحقيقاً لقوله تعالى: {أية : ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} تفسير : [الأنفال: 30] كما أخرجكم أيها الأولياء من بيوتكم لأجل العير فأخرج الأعداد من بيوتهم فوضعهم في قليب بدر {يبور *} أي يكسد ويفسد ويهلك، فدل ذلك على شمول علمه للخير والشر من القول والفعل الخفي والجلي وتمام قدرته، وذلك معنى العزة، والآية من الاحتباك: حذف ما لصاحب العمل الصالح ودل عليه بذكر ما لعامل السيىء, وحذف وضعه المكر السيىء ودل عليه برفعه للعمل الصالح. ولما ذكر سبحانه ما صيرهم إليه من المفاوتة في الأخلاق، أتبعه ما كانوا عليه من الوحدة في جنس الأصل، وأصله التراب المسلول منه الماء بعد تخميره فيه وإن اختلفت أصنافه فقال مبيناً لبعض آيات الأنفس عاطفاً على ما عطف عليه {والله الذي أرسل الرياح} الذي هو من آيات الآفاق، منبهاً على أنه قادر على التمييز بعد شديد المزج وأنه قدر كل شيء من الأرزاق والآجال والمصائب والأفراح، فلا ثمرة للمكر إلا ما يلحق الماكر من الحرج والعقوبة من الله والضرر: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال؛ ولما لم يدع حاجة إلى الحصر قال: {خلقكم من تراب} أي مثلي وإن اختلفت أصنافه بتكوين أبيكم منه فمزجه مزجاً لا يمكن لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلاً ورأساً، وإليه الإشارة بقوله: {ثم} أي بعد ذلك من الزمان والرتبة خلقكم {من نطفة} أي جعلها أصلاً ثانياً مثلياً من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجاً منه ثم بعد إنهاء التدبير زماناً ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار {ثم جعلكم أزواجاً} بين ذكور وإناث، دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار وكذب أهل الطبائع، وعلى البعث بتمييز ما يصلح من التراب للذكورة والأنوثة. ولما كان الحمل أيضاً مكذباً لأهل الطبائع بأنه لا يكون من كل جماع، أشار إليه بقوله مؤكداً رداً عليهم إعلاماً بأن ذلك إنما هو بقدرته: {وما تحمل} أي في البطن بالحبل {من أنثى} دالاً بالجار على كمال الاستغراق. ولما كان الوضع أيضاً كذلك بأنه لا يتم كلما حمل به قال: {ولا تضع} أي حملاً {إلا} مصحوباً {بعلمه} في وقته ونوعه وشكله وغير ذلك من شأنه مختصاً بذلك كله حتى عن أمه التي هي أقرب إليه، فلا يكون إلا بقدرته، فما شاء أتمه، وما شاء أخرجه. ولما كان ما بعد الولادة أيضاً دالاً على الاختيار لتفاضلهم في الأعمار مع تماثلهم في الحقيقة، دل عليه بقوله دالاً بالبناء للمفعول على سهولة الأمر عليه سبحانه، وأن التعمير والنقص هو المقصود بالإسناد: {وما يعمر من معمر} أي يزاد في عمر من طال عمره أي صار إلى طول العمر بالفعل حساً، قال قتادة: ستين، أو معنى بزيادة الفاعل المختار زيادة لولاها لكان عمره أقصر مما وصل إليه {ولا ينقص من عمره} أي المعمر بالقوة وهو الذي كان قابلاً في العادة لطول العمر فلم يعمر بنقص الفاعل المختار نقصاً لولاه لطال عمره، فالمعمر المذكور المراد به الفعل، والذي عاد إليه الضمير المعمر بالقوة فهو من بديع الاستخدام، ولو كان التعبير بأحد لما صح هذا المعنى، وقراءة يعقوب بخلاف عن رويس بفتح الياء وضم القاف بالبناء للفاعل تشير إلى أن قصر العمر أكثر. ولما كان في سياق العلم وكان أضبطه في مجاري عاداتنا ما كتب قال: {إلا في كتاب} مكتوب فيه "عمر فلان كذا وعمر فلان كذا وكذا، عمر فلان كذا إن عمل كذا وعمره كذا أزيد أو أنقص إن لم يعمله". ولما كان ذلك أمراً لا يحيط به العد، ولا يحصره الحد، فكان في عداد ما ينكره الجهلة، قال مؤكداً لسهولته: {إن ذلك} أي الأمر العظيم من كتب الآجال كلها وتقديرها والإحاطة بها على التفصيل {على الله} أي الذي له جميع العزة فهو يغلب كل ما يريده، خاصة {يسير *} ولما ذكر سبحانه أحد أصليهم: التراب المختلف الأصناف، ذكر الأصل الآخر: الماء الذي هو أشد امتزاجاً من التراب، ذاكراً اختلاف صنفية اللذين يتفرعان إلى أصناف كثيرة، منبهاً على فعله بالاختيار ومنكراً على من سوى بينه سبحانه وبين شيء حتى أشركه به مع المباعدة التي لا شيء بعدها والحال أنه يفرق بين هذه الأشياء المحسوسة لمباعدة ما فقال: {وما يستوي البحران} ولما كانت الألف واللام للعهد، بيّنه بقوله مشيراً إلى الحلو: {هذا عذب} أي طيب حلو لذيذ ملائم للطبع {فرات} أي بالغ العذوبة {سائغ شرابه} أي هنيء مريء بحيث إذا شرب جاز في الحلق ولم يتوقف بل يسهل إدخاله فيه وابتلاعه لما له من اللذة والملاءمة للطبع {وهذا ملح أجاج} أي جمع إلى الملوحة المرارة، فلا يسوغ شرابه، بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار، والمراد أمه ميزهما سبحانه بعد جمعهما في ظاهر الأرض وباطنها، ولم يدع أحدهما يبغي على الآخر، بل إذا حفر عل جانب البحر الملح ظهر الماء عذباً فراتاً على مقدار صلاح الأرض وفسادها. ولما كان الملح متعذراً على الآدمي شربه، ذكر أنه خلق فيه ما حياته به مساوياً في ذلك للعذب فقال: {ومن كل} أي من الملح والعذب {تأكلون} من السمك المنوع إلى أنواع تفوت الحصر وغير السمك {لحماً طرياً} أي شهي المطعم، ولم يضر ما بالملح ما تعرفون من أصله ولا زلد في لذة ما بالحلو ملاءمته لكم. ولما ذكر من متاعه ما هو غاية في اللين، أتبعه من ذلك ما هو غاية في الصلابة فقال: {وتستخرجون} أي تطلبون أن تخرجوا من الملح دون العذب وتوجدون ذلك للإخراج، قال البغوي: وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الملح عيون عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك. {حلية تلبسونها} أي نساؤكم من الجواهر: الدر والمرجان وغيرهما، فما قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار. ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب، ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمراً غريباً، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم بإدراك أنه من أكبر الايات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر، خص بالخطاب فقال: {وترى الفلك} أي السفن تسمى فلكاً لدورانه وسفينة لقشره الماء، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال: {فيه} أي كل منهما غاطسة إلا قليلاً منها. ولما تم الكلام، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال: {مواخر} أي جواري مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر: وقال مجاهد: تمخر السفن الريح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام؛ وقال صاحب القاموس: مخرت السفينة كمنع مخراً ومخوراً: جرت أو استقبلت الريح في جريتها، والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق الماء بجآجئها أو المقبلة والمدبرة بريح واحدة، وفي الحديث: إذ أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، وفي لفظ: استمخروا الريح، أي اجعلو ظهوركم إلى الريح فإنه إذا ولاها شقها بظهره فأخذت عن يمينه ويساره، وقد يكون استقبالها تمخراً غير أنه في الحديث استدبار - انتهى كلام القاموس. ثم علق بالمخر معللاً قوله: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً شديداً. ولما تقدم الاسم الأعظم في الآية قبلها، أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه الآية بالتي قبلها فقال: {من فضله} أي الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك، وفي سورة الجاثية ما ينفع هنا {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكون حالكم بهذه النعم الدالة على عظيم قدرة الله ولطفه حال من يرجى شكره.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {من كان يريد العزة} قال: بعبادة الأوثان {فلله العزة جميعاً} قال: فليتعزز بطاعة الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله. إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض عليهن ملك يضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن، ثم قرأ {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله {إليه يصعد الكلم الطيب} قال: ذكر الله {والعمل الصالح يرفعه} قال: أداء الفرائض فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه وكلامه على عمله، وكان عمله أولى به. وأخرج آدم بن أبي أياس والبغوي والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد رضي الله عنه {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال: هو الذي يرفع الكلام الطيب. وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله {إليه يصعد الكلم الطيب} قال: القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر رضي الله عنه في قوله {إليه يصعد الكلم الطيب} قال: الدعاء. وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله {إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، ويعرض القول على العمل، فإن وافقه رفع وإلا رد. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب في الآية قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن سعد قال: إن الرجل ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله وقد أضاع ما سواها، فما زال الشيطان يمنيه فيها، ويزين له حتى ما يرى شيئاً دون الجنة، فقبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ما تريدون بها، فإن كانت خالصة لله فامضوها، وإن كانت لغير الله فلا تشقوا على أنفسكم، ولا شيء لكم فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، فإنه قال تبارك وتعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والعمل الصالح يرفعه} قال: لا يقبل قول إلا بعمل. وقال الحسن: بالعمل قبل الله. وأخرج ابن المبارك عن قتادة رضي الله عنه {والعمل الصالح يرفعه} قال: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتخلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. من قال حسناً، وعمل غير صالح، رده الله على قوله. ومن قال حسناً، وعمل صالحاً، رفعه العمل ذلك، لأن الله قال {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه سئل: أتقطع المرأة، والكلب، والحمار، الصلاة؟ فقال {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فما يقطع هذا، ولكنه مكروه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله {والذين يمكرون السيئات} قال: هم أصحاب الرياء وفي قوله {ومكر أولئك هو يبور} قال: الرياء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شهر بن حوشب في قوله {والذين يمكرون السيئات} قال: يراؤون {ومكر أولئك هو يبور} قال: هم أصحاب الرياء لا يصعد عملهم. وأخرج عن ابن زيد في قوله {والذين يمكرون السيئات} قال: هم المشركون {ومكر أولئك هو يبور} قال: بار فلم ينفعهم، ولم ينتفعوا به وضرهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والذين يمكرون السيئات} قال: يعملون السيئات {ومكر أولئك هو يبور} قال: يفسد. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومكر أولئك هو يبور} قال: يهلك فليس له ثواب في الآخرة.
التستري
تفسير : قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[10] قال: ظاهرها الدعاء والصدقة، وباطنها الذكر، عملاً بالعلم، وإقبالاً بالسنة، يرفعه أي يوصله بالإخلاص فيه لله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [الآية: 10]. قال سهل رحمه الله: العمل ظاهر الدعاء والصدقة، وباطنه عمل بالعلم والاقتداء بالسنة يرفعه أو يوصله للإخلاص. وقال ابن طاهر بن أبى بكر: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ} يرفع الكلام الطيب.
القشيري
تفسير : مَنْ كان يريد العزة بنفسه فَلْيَعْلَمْ أَنَّ العزةَ بجملتها لله، فليس للمخلوق شيءٌ من العِزَّة. ويقال مَنْ كان يريد العزةَ لنفسه فللَّه العِزَّةُ جميعاً، أي فليطلبها من الله، وفي آية أخرى أثبت العزة للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين، وقال ها هنا {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}؛ وَوَجْهُ الجميع بينها أن عِزَّ الربوبية لله وَصْفاً، وعزَّ الرسول، وعزّ المؤمنين لهم فضلاً من الله ولطفاً؛ فإذاً العِزَّةُ لله جميعاً. وعزُّه سبحانه - قُدْرتَُه. أو ويقال العزيز هو القاهر الذي لا يُقْهَرُ؛ فيكون من صفات فعله على أول القولين.. ومن صفات ذاته على القول الآخر. ويقال العزيز هو الذي لا يُوصَلُ إليه مِنْ قولِهم: أرضٌ عَزاز إذا لم تستقر عليها الأقدام، فيرجع معناه إلى جلال سلطانه. ويقال العزيز الذي لا مِثْلَ له؛ من قولهم؛ عَزَّ الطعام في اليد. فيرجع إلى استحقاقه لصفات المجد والعلو. قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}: الكلم الطيب هو الصادرُ عن عقيدةٍ طيبةٍ - يعني الشهادتين - عن إخلاص. وأراد به صعودَ قَبُولٍ، لأنَّ حقيقةَ الصعود في اللغة بمعنى الخروج - ولا يجوز في صفة الكلام. {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}: أي يقبله. ويقال العملُ الصالحُ يرفع الكَلِمَ الطيب. ويقال الكَلِمُ الطيبُ ما يكون موافقاً للسُّنَّة، ويقال هو ما يشهد بِصِحَّتِه الإذنُ والتوقيف. ويقال هو نُطْقُ القلبِ بالثناء على ما يستوجبه الربُّ. ويقال هو ما يكون دُعاءً للمسلمين. ويقال ما يتجرد حقاً للحقِّ ولا يكون فيه حَظٌّ للعبد. ويقال ما هو مُسْتَخْرَجٌ من العبد وهو فيه مفقود. ويقال هو بيانُ التنصُّل وكلمة الاستغفار. ويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يُطْلَبُ عليه عِوَضٌ. قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}. أي يَقْلِبُ عليهم مَكْرَهم فيما يتوهمونه من خيرٍ لهم يَقْلِبُه محنةً عليهم. ويقال: تَخْلِيَتُه إياهم ومَكْرَهم - مع قدرته على عصمتهم، وكَوْنُه لا يعصمهم هي عذابهم الشديد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} سهل الله سبحانه طريق الوصول الى العزة القديمة لطلاب العزة وهو الاتصال بصفاته والخلق يخلقه فاذا عرفه بالعزة صار منورا بنور عزته عزيزاً بما كساه الحق من سناء عزته فاذا كان مزينا بنور العزة صار سلطانا من الحق بذل عنده جبابرة العالم ولا يكون ذلك الا بعد فنائه فى بقاء اشتمال سهل العزة النصرة فليطلب ذلك من عند الله وموالاه اوليائه ومعاداة اعدائه ثم بين سبحانه الا يصل اليه الا ما بدا منه بقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} الكلم الطيب ما تلقفه الارواح القدسية فى بدو الازل من الحق سبحانه حين قال الست بربكم قالوا بلى ولا يصل ذلك الا رائيه لان الحدثان ولا يكون محل الافراد الفردانية بل الازلية مصادر التوحيد الا ترى كيف قال اليه يصعد يغنى لا الى غيره والعمل الصالح عمل القلب وهو محبة الله والشوق الى لقائه والمحبة والشوق ايضا مصدرهما صفة الحق فيصحبان الكلمة لان الكلمة والمحبة خرجتا من معدن الالوهية فمن بدا واليه يعود قال سهل ظاهر الدعاء والصدقة وباطنه عمل بالعمل والافتداء بالسنة يرفعه او يوصله الاخلاص.
اسماعيل حقي
تفسير : {من كان} [هركه باشد] {يريد العزة} الشرف والمنعة بالفارسية [ارجمندى]. قال الراغب العز حالة مانعة للانسان من ان يغلب من قولهم ارض عزاز اى صلبة والعزيز الذى يقهر ولا يقهر والعزة يمدح بها تارة كما قال تعالى {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : ويذم بها اخرى كعزة الكافرين وذلك ان العزة التى لله ولرسوله وللمؤمنين هى الدائمة الباقية وهى العزة الحقيقية والعزة التى للكافرين هى التعزز وهو فى الحقيقة ذل والمراد بما فى الآية المشركون المتعززون بعباده الاصنام والمنافقون المتعززون بالمشركين {فلله} وحده لا لغيره {العزة} حال كونها {جميعا} اى عزة الدنيا وعزة الآخرة لا يملك غيره شيئا منها اى فليطلبها من عنده تعالى بطاعته وتقواه لا من عند غيره فاستغنى عن ذكره بذكر دليله ايذانا بان اختصاص العزة به تعالى موجب لتخصيص طلبها به تعالى ونظيره قولك من اراد العلم فهو عند العلماء اى فليطلبه من عندهم لان الشئ لا يطلب الا عند صاحبه ومالكه فقد اقمت الدليل مقام المدلول واثبت العزة فى آية اخرى لله ولرسوله وللمؤمنين وجه الجمع بينهما ان عز الربوبية والالهية لله تعالى وصفا وعز الرسول وعز المؤمنين له فعلا ومنة وفضلا فاذا العزة لله جميعا. قال الكاشفى [وبعزة او رسول ومؤمنان متعززند عزت در موافقت اوست ومذلت در مخالفت او] شعر : عزيزى كه هركه از درش سربتافت بهر دركه شد هيج عزت نيافت تفسير : وفى الحديث "حديث : ان ربكم يقول كل يوم انا العزيز فمن اراد عز الدارين فليطع العزيز" تفسير : ثم بين ما يطلب به العزة وهو الايمان والعمل الصالح فقال {اليه يصعد الكلم الطيب} الضمير الى الله تعالى وهو الظاهر. والصعود الذهاب فى المكان العالى استعير لما يصل من العبد الى الله كما استعير النزول لما يصل من الله الى العبد. والكلم بكسر اللام جنس كنمر كما ذهب اليه الجمهور ولذا وصف بالمذكر لا جمع كلمة كما ذهب اليه البعض واصل الطيب الذى به يطلب العزة لا الى الملائكة الموكلين باعمال العباد فقط وهو يعز صاحبه ويعطى مطلوبه بالذات. وقال بعضهم الكلم يتناول الدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والذكر من قوله "حديث : سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر" تفسير : ونحو ذلك مما كان كلاما طيبا. وقيل اليه يصعد اى الى سمائه ومحل قبوله وحيث يكتب الاعمال المقبولة لا الى الله كما قال {أية : ان كتاب الابرار لفى عليين} تفسير : وقال الخليل {أية : انى ذاهب الى ربى سيهدين} تفسير : اى ذاهب الى الشام الذى امرنى بالذهاب اليه. فالظاهر ان الكتبة يصعدون بصحيفته الى حيث امر الله ان توضع او يصعد هو بنفسه. قال بعض الكبار بعض الاعمال ينتهى الى سدرة المنتهى وبعضها يتعدى الى الجنة وبعضها الى العرض وبعضها يتجاوز العرش الى عالم المثال وقد يتعدى من عالم المثال الى اللوح ثم الى المقام القلمى ثم الى العماء وذلك بحسب تفاوت مراتب العمال فى الصدق والاخلاص وصحة التصور والشهود والعيان. فعلى هذا فبعض الاعمال يتجاوز السماء وعالم الاجسام كلها فيكون محل قبوله ما فوقها مما ذكر فسدر الانتهاآت اذا كثيرة بعضها فوق بعض الى مرتبة العماء نسأل الله قبول الاعمال وصحت توجه البال وقوة الحال {والعمل الصالح يرفعه} الرفع يقال تارة فى الاجسام الموضوعة اذا اعليتها عن مقرها وتارة فى البناء اذا طولته وتارة فى الذكر اذا نوهته وتارة فى المنزلة اذا شرفتها كما فى المفردات. وفى مرجع المستكن فى يرفعه وجوه. الاول انه للكلم فان العمل لا يقبل الا بالتوحيد ويؤيده القراءة بنصب العمل يعنى ان التوحيد يصعد بنفسه ويرفع العمل الصالح بان يكون سببا لقبوله ألا ترى ان اعمال الكفار مردودة محبطة لوجود الشرك. والثانى انه للعمل فانه يحقق الايمان ويقويه ولا ينال الدرجات العالية الا به كما فى الارشاد. قال الشيخ التوحيد انما قبل بسبب الطاعة اذ هو مع العصيان لا ينفع اى لا يمنع العقاب والاولى ما فى الارشاد فان الاعمال كالمراقى وقول بلا عمل كثريد بلا دسم وسحاب بلا مطر وقوس بلا وتر. وقال الكاشفى فى الآية [وعمل شايسته برميدارد آنرا وبمحل قبول ميرساند جه مجرد قول بى عمل صالح كه اخلاصست نافع نيست. يا كلم طيب دعاست وعمل صالح صدقه مساكين ودر غالب اجابت دعوات بتصدقاتست. يا كلم طيب دعاى ائمه است وعمل تأمين جماعتيان. يا كلم تكبير غزاست وعمل شمشير زدن. يا كلم استغفاراست وعمل ندم ودرين همه صور بردارنده كلمه عمل است]. والثالث انه لله تعالى يعنى يتقبله. قال ابن عطية وهذا ارجح الاقوال وتخصيص العمل بهذا الشرف على هذا الوجه لما فيه من الكلفة. وقال فى حل الرموز قالوا كلمة "لا اله الا الله محمد رسول الله" تصعد الى الله بنفسها وغيرها من الاذكار والاعمال ترفعها الملائكة كما قال تعالى {والعمل الصالح يرفعه} اى يرفعه الحق ويقبله على ايدى الملائكة من الحفظة والسفرة وقد روى ان دعوة اليتيم وكذا دعوة المظلوم تصعد الى الله بنفسها اى من غير ملائكة. وفيه معنى آخر وهو ان يرفعه بمعنى يجعله ذا قدر وقيمة مثل ثوب رفيع ومرتفع: يعنى [قدر ومرتبه او رفيع سازد مراد عمل موحد مخلص است كه هيج جيزى بقيمت آن نيست وكاريرا كه بآن آميخته باشد ازهمه جيزى خوارتر وبى مقدار تراست] شعر : كرت بيخ اخلاص در بوم نيست ازين در كسى جون تومحروم نيست زر قلب آلوده بى قيمت است زريرا كه خالص بود حرمت است تفسير : وفى التأويلات النجمية بقوله {من كان يريد العزة} يشير الى ان الانسان خلق ذليلا مهينا محتاجا الى كل شئ ولا يحتاج شئ الى شئ كاحتياج الانسان الى الاشياء كلها ولا يحتاج الى كل شئ الا الانسان والذلة قرين الحاجة فمن ازدادت حاجته ازدادت مذلته {فلله العزة جميعا} لعدم احتياجه وكل شئ ذليل له لاحتياجه اليه فكلما كان احتياج الانسان كاملا كان ذله كاملا فقال تعالى من كان الى آخره اى لا يطلب العزة من غير الله لانه ذليل ايضا لله فبقدر قطع النظر عن الاشياء وطلب العزة منها تنقص ذلة العبد وتزيد عزته الى ان لا يبقى له الاحتياج الى غير الله ولا يزول الاحتياج والافتقار الى غير الله من القلوب الا بنفى لا اله واثبات الا الله فبالنفى تنقطع تعلقاته عن الكونين وبالاثبات يتوجه بالكلية الى الحق تعالى فاذا لم يبق له تعلق ترجع حقيقة الكلمة الى الحضرة كما ان النار تستنزل من الفلك الاثير باصطكاك الحجر والحديد ثم يوقد بها شجرة فالنار تأكل الشجرة وتفنيها من الحطبية وتبقيها بالنارية الى ان تفنى الشجرة بالكلية فلما لم يبق من وجود الحطب شئ ترجع النار الى الاثير وهذا سر قول الله {اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} والعمل الصالح هو اركان الشريعة فاول ركن منها كمال استنزال نار نور الله من اثير الحضرة باصطكاك حديد "لا اله الا الله" وحجر القلب القاسى فلما وقعت النار فى شجرة الوجود الانسانى عمل العبد بركن من الاركان الخمسة التى بنى الاسلام عليها والاركان الاربعة الباقية هى العمل الصالح الذى يقلع اصل الشجرة من ارض الدنيا ويقطعها قطعا تستعد به لقبولها النار واشتعالها بالنار واحتراقها بها لتقع النار الى ان تحترق الشجرة بالكلية وترفع بالعبور عن الشجرة الى اثير الحضرة ولما كانت الشجرة مشتعلة بتلك النار آنس موسى عليه السلام من جانب الطور نارا فلما اتاها نودى من شاطئ الوادى الايمن فى البقعة المباركة من الشجرة على لسان الشعلة {أية : انى انا الله رب العالمين} تفسير : تأمله تفهم ان شاء الله تعالى {والذين يمكرون السيئات} المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة. وفى القاموس المكر الخديعة وهذا بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيئ واهلهما بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح وانتصاب السيآت على انها صفة للمصدر المحذوف فان يمكر لازم لا ينصب المفعول به اى يمكرون المكرات السيآت وهى مكرات قريش بالنبى عليه السلام فى دار الندوة وتدارؤهم الرأى فى احدى الثلاث التى هى الاثبات والقتل والاخراج كما حكى الله عنهم فى سورة الانفال بقوله {أية : واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك} تفسير : {لهم} بسبب مكراتهم {عذاب شديد} فى الدنيا والآخرة لا يدرك غايته ولا يبالى عنده بما يمكرون به {ومكر اولئك} المفسدين الذين ارادوا ان يمكروا به عليه السلام. وضع اسم الاشارة موضع ضميرهم للايذان بكمال تميزهم بما هم فيه من الشر والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك {هو} خاصة دون مكر الله بهم. وفى الارشاد لا من مكروا به {يبور} يهلك ويفسد فان البوار فرط المكساد ولما كان فرط الكساد يؤدى الى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر بالبوار عن الهلاك والفساد ولقد ابارهم الله تعالى ابارة بعد ابارة مكراتهم حيث اخرجهم من مكة وقتلهم واثبتهم فى قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التى اكتفوا فى حقه عليه السلام بواحدة منهن قل كل يعمل على شاكلته. فللمكر السيئ قوم اشقياء غاية امرهم الهلاك وللكلم الطيب والعمل الصالح قوم سعداء نهاية شانهم النجاة. قال مجاهد وشهر بن حوشب المراد بالآية اصحاب الرياء. وفى التأويلات النجمية بقوله {والذين يمكرون السيئات} يشير الى الذين يظهرون الحسنات بالمكر ويخفون السيآت من العقائد الفاسدة ليحسبهم الخلق من الصالحين الصادقين {لهم عذاب شديد} وشدة عذابهم فى تضعيف عذابهم فانهم يعذبون بالسيآت التى يخفونها ويضاعف لهم العذاب بمكرهم فى اظهار الحسنات دون حقيقتها كما قال تعالى {ومكر اولئك هو يبور} اى مكرهم يبوّرهم ويهلكهم انتهى وانما تظهر الكرامات بصدق المعاملات. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره [كفت شبى خانه روشن كشت كفتم اكر شيطانست من ازان عزيز ترم وبلند همت كه اورا در من طمع افتد واكر ازنزديك تست بكذار تا ازسراى خدمت بسراى كرامت رسم] فالخدمة فى طريق الحق بالخلوص وسيلة الى ظهور الانوار وانكشاف الاسرار. وقد قيل ليس الايمان بالتمنى يعنى لا بد للتصديق من مقارنة العمل ولا بد لتحقيق التصديق من صدق المعاملة فمن وقع فى التمنى المجرد فقد اشتهى جريان السفينة فى البر شعر : كر همه علم عالمت باشد بى عمل مدعى وكذابى تفسير : حفظنا الله واياكم من ترك المحافظة على الشرائع والاحكام وشرفنا بمراعاة الحدود والآداب فى كل فعل وكلام انه ميسر كل مراد ومرام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {من كان يريدُ العِزَّةَ} أي: الشرف والمنعة على الدوام، في الدنيا والآخرة، {فللّه العزةُ جميعاً} فليطلبها من عنده، بالتقوى، والعلم، والعمل الصالح، كالزهد في الدنيا، والتبتُّل إلى الله، أي: فالعزة كلها مختصة بالله، عز الدنيا وعز الآخرة. وكان الكفار يتعززون بالأصنام، كما قال تعالى: {أية : وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزًّا}تفسير : [مريم: 81]، والمنافقون كانوا يتعزّزون بالمشركين، كما قال تعالى: {أية : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً}تفسير : [النساء: 139]، فبيَّن أن العزة إنما هي لله بقوله: "فإن العزة لله" فليطلبها مَن أرادها من عنده. فوضع قوله: {فلله العزةُ} موضعه، استغناء به عنه؛ لدلالته؛ لأن الشيءَ لا يُطلب إلا من عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: مَنْ أراد النصيحة؛ فهي عند الأبرار، أي: فليطلبها من عندهم. وفي الحديث: "حديث : إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمَن أراد عزّ الدارين فليُطِعِ العزيز ". تفسير : ثم ذكر ما يطلب به العز، وهو العمل المقبول، بقوله: {إِليه يَصْعدُ الكَلِمُ الطيبُ} كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وما يلحقها من الأذكار، والدعاء، والقراءة. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو سُبحان الله والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ. إذا قالها العبدُ عَرَجَ بها الملكُ إلى السماء، فحَيّا بها وَجْهَ الرحمن تفسير : .وكان القياس: الطيبة، ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يُذكّر ويؤنّث. ومعنى الصعود: القبول والرضا، وكل ما اتصف بالقبول وُصف بالرفعة والصعود. {والعملُ الصالحُ} كالعبادة الخالصة {يرفعه} الله تعالى، أي: يقبله. أو: الكلم الطيب، فالرافع على هذا الكلم الطيب، والمرفوع العمل الصالح، أي: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب؛ لأن العمل متوقف على التوحيد، المأخوذ من الكلم الطيب؛ وفيه إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع، والكَلِم الطيب يصعد بنفسه، ففيه ترجيح الذكر على سائر العمل. وقيل: بالعكس، أي: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فإذا لم يكن عمل صالح فلا يقبل منه الكلم الطيب. وقيل: والعمل الصالح يرفعُ العامل ويشرفه، أي: مَن أراد العزّة والرفعة فليعمل العمل الصالح؛ فإنه هو الذي يرفع العبد. ثم ذكر سبب الذل في الدارين، فقال: {والذين يمكرون} المكرات {السيئاتِ} فالسيئات: صفة لمصدر محذوف؛ لأن "مكر" لا يتعدى بنفسه. والمراد: مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال: 30] الآية. {لهم عذاب شديد} في الآخرة، {وَمَكْرُ أولئك هو يَبورُ} أي: يفسد ويبطل، دون مكر الله بهم، فالضمير يفيد الاختصاص. الإشارة: العز على قسمين: عز الظاهر، وعز الباطن، فعز الظاهر هو تعظيم الجاه وبُعد الصيت، واحترام الناس لصاحبه، ولمَن تعلّق به، وسببه: التقوى، والعلم، والعمل، ومكارم الأخلاق؛ كالسخاء، والتواضع، وحسن الخلق، والإحسان إلى عباد الله. وعز الباطن: هو الغنى بالله، وبمعرفته، والتحرُّر من رق الطمع، والتحلّي بحلية الورع. وسببه الذل لله، يُظهر ذلك بين أقرانه، كما قال الشاعر: شعر : تذلَّلْ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً فكم عزةٍ نالها المرء بالذُّلِّ إذا كان مَن تَهْوى عزيزاً ولم تكن ذليلاً له فاقْرِ السلامَ على الوَصْلِ تفسير : وغايته: الوصول إلى معرفة الشهود والعيان. فإذا تعزّز القلب بالله لم يلتفت إلى شيء، ولم يفتقر إلى شيء، وكان حرًّا من كل شيء، عبداً لله في كل شيء. وقد يجتمع للعبد العزان معاً، إذا كان عارفاً بالله عاملاً، وقد ينفرد عز الظاهر في أهل الظاهر، وينفرد عز الباطن في بعض أهل الباطن، يتركهم تحت أستار الخمول، حتى يلقوه وهم عرائس الأولياء، ضنّ بهم الحق تعالى عن خلقه، فلم يُظهرهم لأحد، حتى قدموا عليه، وهم الأولياء الأخفياء الأتقياء، كما ورد مدحهم في الحديث. وكلا العزين لله، وبيد الله، فلا يُطلب واحد منهما إلا منه سبحانه. قال القشيري: وقال في آية أخرى: {أية : وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8] فأثبت العزة لغيره، والجمع بينهما: أن عِزَّة الربوبية لله وَصْفاً، وعزَّة الرسول والمؤمنين لله فضْلاً، ومنه لطفاً، فإذاً العزة لله جميعاً. والكلم الطيب هو الذي يصدر عن عقيدة طيبة، وقلب طيب، لا كدر فيه ولا أغيار، وقيل: ما ليس فيه حظ للعبد، وقيل: ما يستخرج من العبد، وهو فيه مفقود، وقيل: ما ليس فيه حاجة، ولا يطلب عليه عوض، وقيل: ما يشهد بصحته الإذن والتوقيف. انظر القشيري. ويؤخذ من قوله: {والعملُ الصالحُ يرفعه} أن العمل إذا بقي بين عين العبد يلحظه، وينظر إليه، فهو علامة على عدم قبوله، إذ لو قُبل لرفع عن نظره، فلا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده، ويختفي لديك وجوده. والذين يمكرون بالأولياء، المكرات السيئات، لهم عذاب شديد، وهو البُعد من الله، ومكر أولئك هو يبور. وأما الأولياء فهم في حجاب مستور، من كل مكر وخداع وغرور. ثم ذكر أصل نشأتهم ليتحققوا ضعفهم ووهنهم فقال: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...}
الجنابذي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً لابداء حكم ونصحٍ، او جوابٌ لسؤالٍ ناشٍ من سابقه كأنّه قيل: فما يفعل من كان يريد العزّة ايطلبه من غير الله؟ من انّ احياء نبات الارض بيده او لا يطلبه الاّ من الله؟- فقال: من كان يريد العزّة فلا يوجد العزّة الاّ عند الله {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} فلا يطلب العزّة احدٌ من احدٍ الاّ من الله لعدم وجدانه عند احدٍ غير الله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} الكلم لكونه اسم جنس جمعىّ يعامل معه معاملة المفرد المذكّر والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لا يمكن لنا الوصول الى الله حتّى نطلب العزّة من عنده، فقال: ان كان لا يمكن لكم الوصول الى الله بذواتكم يصل اليه كلماتكم الطّيّبة والاقوال الصّالحة من الاذكار العالية واقوالكم لاصلاح ذات البين والنّصح للعباد والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر وتعليم العلوم وهداية الخلق الى الطّريق وغير ذلك من الاقوال {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ} الاركانىّ {يَرْفَعُهُ} فقولوا قولاً طيّباً واعملوا عملاً صالحاً تُعزّوا، وعن الصّادق (ع): الكلم الطّيّب قول المؤمن: لا اله الاّ الله، محمّد رسول الله (ص)، علىّ ولىّ الله (ع) وخليفة رسول الله (ص)، والعمل الصّالح الاعتقاد بالقلب انّ هذا هو الحقّ من عند الله لا شكّ فيه من ربّ العالمين، وعنه (ع) فى هذه الآية قال: ولايتنا اهل البيت، واومى بيده الى صدره، فمن لم يتولّنا لم يرفع الله له عملاً، وعن الباقر (ع) قال: قال رسول الله (ص): حديث : انّ لكلّ قولٍ مصداقاً من عملٍ يصدّقه او يكذّبه فاذا قال ابن آدم وصدّق قوله بعملٍ رفع قوله بعمله، واذا قال وخالف عمله قوله ردّ قوله على عمله الخبيث وهوى فى النّارتفسير : ، ولمّا كان اصل جميع الكلم الطّيّب هو كلمة الولاية والقول بها والاعتقاد بها صحّ تفسير الكلم بالولاية، ولمّا كان اصل جميع الصّالحات هو عمل الولاية الّتى هى البيعة الخاصّة الولويّة الّتى يترتّب عليها جميع الخيرات وجميع الاعمال الصّالحات ولا يصير الصّالح صالحاً الاّ بها صحّ تفسير العمل الصّالح بها مع انّ الآية عامّة لجميع الكلمات وجميع الاعمال {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال: فالّذين يعملون الصّالحات يرفع أقوالهم وأعمالهم الى الله ويعزّون بها والّذين يمكرون السّيّئات كقريشٍ ومكرهم فى دار النّدوة، او كمنافقى الامّة ومكرهم فى دفع خلافة علىّ (ع) ولكلّ من يمكر السّيّئة بالنّسبة الى العباد والى قوى نفسه واهل مملكته، فانّ كلّ من يعصى ربّه فهو يمكر فى ارتكاب معصيته لاخفاء النّفس قبح فعله عليه واظهارها حسنةً لديه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} بالفعل لكنّه لا يحسّ به مثل صاحب الخدر الّذى يحرق عضوه النّار ولا يحسّ به فانّ السّيّئة نفسها عذاب عاجل للطّيفة السّيّارة الانسانيّة ولاختفائها تحت فعليّات النّفس لا تحسّ به {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} يهلك او يفسد لانّه من النّفس والنّفس ولوازمها هالكة فاسدة، تسلية للرّسول (ص) فى مكرهم به او بعلىّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً} قال بعضهم: من كان يريد العزَّة فليتعزَّر بطاعة الله. وتفسير الحسن: أن المشركين عبدوا الأوثان لتعزّهم، كقوله: (أية : وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) تفسير : [مريم: 81]. قال: من كان يريد العزة فليعبد الله حتى يعزّه. قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} هو التوحيد {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي: يرفعه التوحيد. أي: لا يرتفع العمل الصالح إلا بالتوحيد، ولا التوحيد إلا بالعمل الصالح؛ كقوله: {أية : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [الأسراء: 19 ] والإِيمان قول وعمل، لا ينفع القول دون العمل. {أية : فَأُوْلَئِكَ} تفسير : [الأسراء: 19 ] أي: الذين هذه صفتهم (أية : كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) تفسير : [الإِسراء: 19] أي: كانوا عملهم مقبولاً، يعني من وحد الله وعمل بفرائضه. قال: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: يعملون الشرك والنفاق {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: عذاب جهنم. {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي: وعمل أولئك هو يبور؛ أي: هو يفسد عند الله، أي: لا يقبل الله الشرك والنفاق، ولا يقبل العمل من المشرك والمنافق، أي: لا يقبل العمل إلا من المؤمنين، وقال في آية أخرى: (أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) تفسير : [المائدة: 27].
اطفيش
تفسير : {من كان يريد العزة} الشرف والنجاة. {فلله العزة جميعا} حال من ضمير الاستقرار لا شيء منها بيد غيره فلتعبد الله وحده يعززه دينا واخرى وفي ذلك ازراء بعبدة الاصنام رجاء ان تعزهم ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا واتخذوا من دون الهة الخ، فما العزة الا لله ورسوله ولمن يتناولها بالايمان والعمل الصالح وهذا قول قتادة وقال مجاهد من كان يريد العزة الكاملة فليس منها افإنها ليست الا لله عز وجل والاول قول الجمهور واولي كما قال: {إليه يصعد الكلم} وقرىء {يصعد} بالبناء للمفعول من اصعد المتعدي بالهمزة الكلم وقرىء {يصعد} بضم الياء وكسر العين أي الله من اصعد كذلك ونصب الكلم ويصعد بفتح الياء. {الطيب والعمل الصالح} أداء الفرائض وصعودهما قبول الله اياهما او صعود الملائكة بصحيفتهما وجملة. {يرفعه} مستأنفة او حال من العمل او من الكلم والمستتر فيه عائد إلى الله والمنصوب للكلم او للعمل او المستتر للكلم ويدل له قراءة نصب العمل على الاشتغال وهذه القراءة تدل على وجه اخر وهو كون العمل مبتأ وان قلت كيف يكون الكلم رافعا للعمل الصالح؟. قلت: صحيح هذا الوجه فان العمل الصالح لا يقبل ولا يكتب ولا يرفع الى السماء الا بالكلم الطيب وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق وان قلت فكيف يكون العمل الصالح رافعا للكلم الطيب في الوجه الاخر قلت وجهه انه مقو للايمان ومحقق له فانه بلا عمل كالعدم. قال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم وسحاب بلا مطر وقوس بلا وتر وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة ويجوز كون المستتر عائد للمتكلم بالكلم والمنصوب للعمل او عائدا للملك والمنصوب للعمل. وقيل: المراد بالكلم الطيب كل قول حسن ككلمة الاخلاص والذكر والدعاء وقراءة القرآن والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : هو قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الى السماء فاذا لم يكن عمل صالح لم يقبل ". تفسير : وروي ذلك عن ابن مسعود بزيادة: وتبارك الله بعد قوله: الله اكبر. وقال: انه ما يقولهن مسلم الا اخذهن ملك تحت جناحه فلا يمر بهن على ملك الا استغفر لقائلهن. وقال أبي: لا أحدثكم بحديث إلا انبأتكم بمصداقه من كتاب الله قال ومصداق ذلك قوله عز وجل {إليه يصعد الكلم الطيب} وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقبل الله قولا بلا عمل ولا قولا وعملا وبلا نية ولا قولا وعملا ونية بلا إصابة السنة ". تفسير : {والذين يمكرون السيئات} نعت لمصدر محذوف اي المكرات السيئات ومتعلق المكر محذوف اي يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم والذين يمكرون به هم قريش فإنهم يمكرون به انواعا من المكرات السيئات ومن ذلك انهم اجتمعوا في دار الندوة وتداولوا الرأي اما ان يحبسوه او يقتلوه او يجلوه وقاموا على ان يجتمع القبائل على قتله كما مر في محله {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}. تفسير : وقيل: المعنى والذين يعملون السيئات وهي الاشراكات وقيل المراد اصحاب الرياء. {لهم عذاب شديد} هو عذاب جهنم لا يساويه عذاب وهو جزاء على مكرهم مع انه لا ينفد كما قال: {ومكر أولئك هو يبور} لا ينفد لان الامور بقضاء الله وقدره ولا يقع شيء لم يرد الله ان يقع وقد بار مكرهم ووقع عليهم اذ اخرجهم الله عز وجل من مكة وقتلهم واثبتهم في قليب بدر ولا يحيق المكر السيء الا باهله.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كانَ يُريدُ العزَّة} بالمعصية كالتكبر على الغير بلا حق، وكما يتعزز الكفار بالأصنام كما قال تعالى: "أية : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً" تفسير : [مريم: 81] وكما يتعزز المنافقون بالمشركين، كما قال جل وعلا: "أية : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة" تفسير : [النساء: 139] والجواب محذوف أى يخب أو يذل، أو فليطلبها من الله بالطاعة، أو فهو مغلوب، أو فليطع العزيز لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز"تفسير : نابت عنه علته فى قوله تعالى: {فللَّه العزَّة جميعاً} أى لأن العزة لله جميعا، وأما قوله تعالى: "أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" تفسير : [المنافقون: 8] فلا يرد على ذلك، لأن تعزز الرسول والمؤمنين ليس بطريق المعصية، بل بالتقرب الى الله عز جل. فى الآية حصران: أحدهما بتقديم {الله} والآخر بـ {جميعا} وإن جعلنا أل فى العزة للاستغراق كان حصرا آخر، لا إن جعلناها للحقيقة ولا يصح جعل أل فى الأول للاستغراق، ولا للفرد الكامل لأنه لا يعتاد ذلك فى الناس، فضلا عن أن يقال من كان ذلك الا ما شذ وقل، مع أنه لا يخلو قلب صاحبه من خلاف ذلك، إلا أن يقال: ذكر الله ذلك ليذكر اختصاصه تعالى به لا لصدور ارادته من أحد، وجميعا حال من الضمير فى لله. {إليْه يصْعَد الكَلِمُ الطَّيبُ} الخ بيان لما تحصل به العزة عند الله للانسان، وبيان لكون العزة كلها له تعالى، وهى بالطاعة، ولا يعتد بها مالم تقبل، وأجيز أن يكون استئنافا، واذا أمكن التعلق للجملة بما قبلها، وأمكن الاستئناف، فالتعلق أولى لزيادة الفائدة، والكلم الطيب: لا إله إلا الله لأنه يستطيبه العقل لأنه منجاة، والشرع والملائكة، وكل كلمة منه طيبة، لأنه يتوطل بلا وبإله الى الاستثناء، فكلاهما حسن فى العبارة، ولا يخفى أن ذكر الألوهية لغير الله، تنفى أمر حسن، وإن قلنا: الكلمة هنا بمعنى الكلام التام المفيد مجازا على المشهور، كقوله تعالى: "أية : وتمت كلمة ربك" تفسير : [الأنعام: 115] "أية : كلا إنها كلمة"تفسير : [المؤمنون: 100] وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل كلمة قالها شاعر قول لبيد:" شعر : ألا كل شىء ما خلا الله باطل تفسير : الخ فالجمع باعتبار الناطقين، وعلى التجوز تكون القرينة الوصف بالطيب، لأن الأصل فى الطيب الكلام التام المستلذ، وعن ابن مسعود موقوفا: "هو سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله أكبر، وتبارك الله، يصعد بهن ملك لا يمر على جماعة من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن" وعن أبى هريرة ذلك الى والله أكبر، وقيل: ذكر الله مطلقا، وقيل: القرآن، وقيل: كل كلام لله عز وجل من ذكر وأمر ونهى ووعظ، ونعت الكلم بالمفرد لجواز ذلك فى اسم الجمع، ولأن أصله فعيل فقدم الياء وأدغم، وفعيل بوزن مصدر السير، والصوت يصلح، والمصدر للقليل والكثير، والصعود مجاز مرسل عن القبول، لعلاقة الاعتبار بالصاعد أصلى، اشتق منه يصعد على طريق المجاز المرسل التبعى، أو استعارة أصليه للقبول بعلاقة الاعتبار، واشتق منه يصعد على طريق البعية، أو الكلم مجاز عن نحو الورقة التى كتب هو فيها لحلول متضمن الكلم فيه، أو يقدر مضاف أى صحيفة الكلم، أو شبه وجوده فى الأرض وكتبه فى السماء بالصعود. {والعَمَل الصالح} الفرائض أو مع النفل {يرفعه} ضمير يرفع للعمل، والهاء للكلم الطيب، فمن تكلم بالطيب وعمل سوءاً لم يقبل كلامه، والرفع القبول، أو يرفع الى السماء، ويعتبر موته، فان مات مصراً رد، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة"تفسير : ألا ترى الى قوله تعالى: "أية : إلا من تاب" تفسير : إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلك المصرون" تفسير : وألا ترى الى محبطات الأعمال كالرياء، وقيل: ضمير يرفع للكلم، والهاء للعمل، على أن الكلم كلمات التوحيد، ولا يرفع عمل لمشرك، وفيه جريان الخبر على غير ما هو له مع غير البروز بلا قرينة، فلا يجوز هذا القول، وقراءة ابن أبى عبلة وعيسى بنصب العمل على الاشتغال، لا يكون قرينة، لأن ما يحتاج فيه الى قرينة لتصحيح العبارة يكون فى تلك العبارة لا فى عبارة أخرى وقيل: الضميران للعمل على حذف مضاف، أى العمل الصالح يرفعه عامله، أى يشرفه وهو خلاف الظاهر. {والَّذين يمْكُرون السَّيئات} مفعول مطلق أى المكرات السيئات، أو مفعول به على تضمين يمكر معنى يعمل {لهُم عذابٌ شَديدٌ} نزلت فى الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فى دار الندوة "أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" تفسير : [الأنفال: 30] فالمضارع فى الآيتين لحكاية الحال الماضية، وجمع المكرات إذ قال السيئات، لأنها متعددة على سبيل البدلية والقتل والاخراج، ويجوز أن يراد هنا العموم، ويدخل هؤلاء بالأولى. {ومَكْر أولئك} بالنبى صلى الله عليه وسلم، أراد ومكر أولئك البعداء فى الشر، الممتازين بالمبالغة فيه، ولذلك لم يقل ومكرهم {هو} لا مكرنا بهم {يَبُور} يضيع ولا يؤثر، فانهم لم يقتلوه صلى الله عليه وسلم، ولا أخرجوه ولا حبسوه بعد أن بالغوا فى فعل أحد الثلاثة، وفعل بهم الثلاثة جميعا: أخرجهم من مكة، وقتلهم وحبسهم فى قليب بدر "أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" تفسير : [آل عمران: 54] "أية : ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله"تفسير : [فاطر: 43] وعن مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب، أن قوله تعالى: {والذين يمكرون} الى {يبور} فى أصحاب الرياء، بمعنى الذين يغرون الناس بأعمالهم، يوهمونهم أنها لله عز وجل، لهم عذاب شديد على ذلك، ومكرهم بائر لا يرفع أعمالهم، وقد ظن الناس وهم أنها ترفع، وزاد دليلا آخر على صحة البعث بقوله: {والله خَلقَكُم مِن تُرابٍ} فى ضمن خلق آدم منه فهم مخلوقون من تراب بوسائط الآباء والأمهات، أو بوسائط الدم المتولد من الثمار المتولدة من التراب، أو مضاف، أى خلق أَباكم آدم {ثُم من نُطْفةٍ ثُم جَعَلكم أزْواجاً} ذكرانا وإناثا كما قال: "أية : أو يزوجهم ذكرانا وإناثا"تفسير : [الشورى: 50] أو زوج الذكور بالإناث بالذكور، ويناسب هذا ذكر النطفة وقوله تعالى: {وما تَحْمل من أنْثى} جنينا {ولا تَضَع} لا تضعه حيا أو ميتا نطفة أو علقة أو مضغة أو عظاما أو مصورا {إلا بعِلْمه} حال من الفاعل وهو أنثى أى إلا ملتبسة بعلمه بها علما كليا بذاتها وجنينها، واحوالها كلها. {وَمَا يُعمَّر مِن مُعمَّر} المعمر لا يزاد عمرا آخر، ولا يوجد تعميره الحاصل، لأن ايجاد الموجود بعد وجوده تحصيل للحاصل وهو محال، فاما أن يكون يعمَّر بمعنى الماضى، أى ما عمر من حصل تعميره، أى فكذلك التعمير الماضى إلا بعلمه، وإما أن يكون معمَّر بمعنى من شأنه التعمير، أو مآله اليه، ومن ذلك حديث: "حديث : من قتل قتيلا فله سلبه"تفسير : ومن مجاز المآل مثل: "أية : إني أراني أعصر خمراً" تفسير : [يوسف: 36] {ولا يُنْقص من عُمُره} لهاء عائد الى معمر المذكور لفظا مرادا بها غيره، معنى على طريق الاستخدام، أى من عمر معمر آخر، كدرهم ونصفه، وذلك استخدام حقيق لا شيبه به، ويجوز تقدير مضاف أى من عمر مثله، والمزيد فى عمره لا يكون منقوصاً من عمره، ومعنى تعمير المعمر إطالة عمره، ومعنى نقص العمر خلقه قصيرا من أول كقولك: أطل البناء ووسع فم البئر، أى اجعل البناء من أول أمره على الاطالة، واجعل فم البئر واسعا من أول. ويجوز عود الهاء الى المعمر تحقيقا بدون استخدام، على أن المعمَّر صاحب العمر مطلقا طال أو قصر، أى لا يجعل لصاحب العمر عمره طويلا، ولا ناقضا إلا بعلمه، أو على أن النقص بمعنى المضى من بعض عمره، مثل لحظة وساعة، ويوم وشهر وسنة، أو على معنى أنه إن فعل كذا طال عمره، وان لم يفعله نقص ففعله فيطول أو لا يفعله فينقص، وقد قضى الله قبله أن يفعله، أو قضى أن لا يفعله، وهو تعالى لا يجهل ولا يتغير قضاؤه، ولا يحدث له علم، لأن علمه أزلى عام لا يخرج عنه شىء، فبذلك جاز الدعاء بطول العمر للمتأهل له، وبنقصه للمتأهل له، والأجل واحد مبرم ولا يتغير، ويحتمل تفسير إطالة العمر بالبركة، ونقصه بعدمها، قيل: أو على أنه لا ينقص من عمر المعمر لغيره، فمعمر بمعنى مبقى على عمره، وفيه أنه يقتضى أنه قد ينقص من عمره لغيره بعلمه تعالى، وهو محال، ولعل قائله أراد أن البقاء على العمر، وعدم النقص منه للغير متصور بعلمه، وقيل: الهاء للمنقوص من عمره، ولو لم يجر له ذكر للعلم به، أى لا ينقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصا. {إلا في كتاب} عظيم القدر بالضبط، وهو اللوح المحفوظ أو صحيفة الإنسان، أو علم الله الرحمن الرحيم، ويناسب ذلك كله إلا أنه بالثانى أنسب قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يدخل الملك على النطفة فى الرحم بعد أربعين أو خمسين وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقى أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله تعالى، ويكتب، ثم يكتب عمله ورزقه وأجله، وأثره ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها"تفسير : {إنَّ ذلك} المذكور من الخلق وما بعده، مع أنه تحير فيه العقول {عَلى الله} لا على غيره، وليس المقام لذكر الحصر، لأنه لا يتصور لغيره بعسر ولا يسر، إلا أن يقال: المعنى لا يعده يسيراً إلا الله، وأما غيره فيعد بحسب بادىء الرأى صعبا على الله عز وجل {يَسيرٌ} لأنه بمجرد توجه الإرادة الأزلية، لا بعمل أو احتياج الى سبب يتوقف عليه، فكذلك البعث، والله الرحمن الرحيم الموفق.
الالوسي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } الشرف والمنعة من قولهم أرض عزاز أي صلبة وتعريفها للجنس، والآية في الكافرين كانوا يتعززون بالأصنام كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً }تفسير : [مريم: 81] والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } تفسير : [النساء: 139] و(مَن) اسم شرط وما بعده فعل الشرط، والجمع بين (كان) و(يريد) للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، وقوله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } دليل الجواب ولا يصح جعله جواباً من حيث الصناعة لخلوه عن ضمير يعود على (مَن)، وقد قالوا: لا بد أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفاً، والتقدير من كان يريد العزة فليطلبها من الله تعالى فلله وحده لا لغيره العزة فهو سبحانه يتصرف فيها كما يريد فوضع السبب موضع المسبب لأن الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها مسبب عنه. وتعريف العزة للاستغراق بقرينة {جَمِيعاً } وانتصابه على الحال، والمراد عزة الدنيا والآخرة، وتقديم الخبر على المبتدأ للاختصاص كما أشرنا إليه. ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] لأن ما لله تعالى وحده العزة بالذات وما للرسول صلى الله عليه وسلم العزة بواسطة قربه من الله تعالى وما للمؤمنين العزة بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكأنه للإشارة إلى ذلك أعيد الجار، وقدر بعضهم الجواب فليطع الله تعالى، وأيد بما رواه أنس كما في «مجمع البيان» عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز»تفسير : ومن قدر فليطلبها من الله تعالى قال: إن الطلب منه تعالى إنما يكون بالطاعة والانقياد، وعن الفراء المعنى من كان يريد علم العزة أي القدرة على القهر لمن هي فلينسبها إلى الله تعالى فهي له تعالى وحده، وقيل: المعنى من كان يريد العزة أي الغلبة فهو مغلوب لأن الغلبة لله تعالى وحده ولا تتم إلا به عز وجل ونسب هذا إلى مجاهد، وقيل: تعريف العزة الأولى للاستغراق أيضاً أو للعهد والمراد الفرد الكامل، والمعنى من كان يريد العزة جميعها أو الفرد الكامل منها وهي العزة التي لا يشوبها ذلة من وجه فهو لا ينالها فإنها لله تعالى وحده، وهذا القول أحسن من القولين قبله، وأظهر الأقوال عندي الأول وهو منسوب إلى قتادة. وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } إلى آخره كالبيان لطريق تحصيل العزة وسلوك السبيل إلى نيلها وهو الطاعة القولية والفعلية، وقيل: بيان لكون / العزة كلها لله تعالى وبيده سبحانه لأنها بالطاعة وهي لا يعتد بها ما لم تقبل، وقيل: استئناف كلام، وعلى الأول المعول. و {ٱلْكَلِمُ } اسم جنس جمعي عند جمع واحده كلمة. والمراد بالكلم الطيب على ما في «الكشاف» و «البحر» عن ابن عباس لا إله إلا الله، ومعنى كونه طيباً على ما قيل أن العقل السليم يستطيبه ويستلذه لما فيه من الدلالة على التوحيد الذي هو مدار النجاة والوسيلة إلى النعيم المقيم أو يستلذه الشرع أو الملائكة عليهم السلام، وقيل: إنه حسن يقبله العقل ولا يرده، وإطلاق الكلم على ذلك إن كان واحده الكلمة بالمعنى الحقيقي ظاهر لتضمنه عدة كلمات لكن في وصفه بالطيب بالنظر إلى غير الاسم الجليل خفاء؛ ولعل ذلك باعتبار خصوصية التركيب، وإن كان واحده هنا الكلمة بالمعنى المجازي كما في قوله تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ }تفسير : [الأنعام: 115]، و {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } تفسير : [المؤمنون: 100] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد» تفسير : وقولهم لا إله إلا الله كلمة التوحيد إلى ما لا يحصى كثرة فإطلاق الكلم على ذلك لتعدده بتعدد القائل. وكأن القرينة على إرادة المعنى المجازي للكلمة الصادق على الكلام الوصف بالطيب بناءً على أن ما يستطيب ويستلذ هو الكلام دون الكلمة العرية عن إفادة حكم تنبسط منه النفس أو تنقبض. أو يقال: إن كثرة إطلاق الكلمة على الكلام وشيوعه فيما بينهم حتى قال بعضهم كما نقل الحمصي في «حواشي التصريح» عن بعض شراح «الآجرومية» أنه حقيقية لغوية تغني عن القرينة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن الحبر أنه فسر الكلم الطيب بذكر الله تعالى، وقيل: هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهو ظاهر أثر أخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبـي هريرة. وقيل: هو سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، وهو ظاهر أثر أخرجه جماعة عن ابن مسعود، وأخرجه ابن أبـي حاتم عن شهر بن حوشب أنه القرآن، وقيل: هو الثناء بالخير على صالحي المؤمنين، وقيل: هو الدعاء الذي لا ظلم فيه، وقال الإمام وبه أقتدي: المختار أنه كل كلام هو ذكر الله تعالى أو هو لله سبحانه كالنصيحة والعلم، وأما ما أفاده كلام الملا صدرا في «أسفاره» من أنه النفوس الطاهرة الزكية فإنه تطلق الكلمة على النفس إذا كانت كذلك كما قال تعالى في عيسى عليه السلام: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } تفسير : [النساء: 171] فلا ينبغي أن يعد في عداد أقوال المفسرين كما لا يخفى. وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم أو استعارة بتشبيه القبول بالصعود، وجوز أن يجعل الكلم مجازاً عما كتب فيه بعلاقة الحلول أو يقدر مضاف أي إليه يصعد صحيفة الكلم الطيب أو يشبه وجوده الخارجي هنا ثم الكتابـي في السماء بالصعود ثم يطلق المشبه به على المشبه ويشتق منه الفعل على ما هو المعروف في الاستعارة التبعية، وقيل: لا مانع من اعتبار حقيقة الصعود للكلم فلله تعالى تجسيد المعاني، وكون الصعود إليه عز وجل من المتشابه والكلام فيه شهير، والكلام بعد ذلك كناية عن قبوله والاعتناء بشأن صاحبه، وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه والسلمي وإبراهيم {يصعد} من أصعد الكلام الطيب بالنصب، وقال ابن عطية: وقرأ الضحاك {يصعد} بضم الياء ولم يذكر مبنياً للفاعل ولا مبنياً للمفعول ولا إعراب ما بعده، وفي «الكشاف» وقرىء {إليه يصعد ٱلكلم ٱلطيب} على البناء للمفعول و {إليه يصعد ٱلكلم ٱلطيب} من أصعد والمصعد هو الرجل أي يصعد إلى الله عز وجل الكلم الطيب، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {إليه يصعد} من صعد الكلام بالرفع. {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } مبتدأ وخبر على المشهور، واختلف في فاعل {يَرْفَعُ } فقيل ضمير يعود على (العمل / الصالح) وضمير النصب يعود على {ٱلْكَلِمُ } أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد والضحاك وشهر بن حوشب على ما أخرجه عنه سعيد بن منصور وغيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه فسر العمل الصالح بأداء الفرائض ثم قال: فمن ذكر الله تعالى وأدى فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى فصعد به إلى الله تعالى ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وكان عمله أولى به، وتعقب ذلك ابن عطية فقال: هذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي بترك فرائضه إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً كتب له ذلك وتقبل منه وعليه وزر ترك الفرائض، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك انتهى. ولعل المراد برفع العمل الصالح الكلم الطيب رفع قدره وجعله بحيث يترتب عليه من الثواب ما لم يترتب عليه إذا كان بلا عمل، وحديث (حديث : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا يقبل قولاً وعملاً إلا بنية ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة) تفسير : المذكور في «الكشاف» لا أظن صحته، وقيل: إنه لو سلم صحته فالمراد نفي القبول التام؛ ويجوز أن يكون المراد برفعه إياه تحقيقه وتقويته وذلك باعتبار أن الكلام الطيب هو الإيمان فإنه لا شك أن العمل الصالح يثبت الإيمان ويحققه بإظهار آثاره إذ به يعلم التصديق القلبـي. وقيل: الفاعل ضمير يعود على (الكلم الطيب) وضمير النصب يعود على (العمل الصالح) أي يرفع الكلم الطيب العمل الصالح. ونسب أبو حيان هذا القول إلى أبـي صالح وشهر بن حوشب، وأيد بقراءة عيسى وابن أبـي عبلة {وٱلعمل ٱلصـٰلح} بالنصب على الاشتغال، وفيه بحث لعدم تعين ضمير {ٱلكلم } للفاعلية عليها، ومعنى رفع الكلم الطيب العمل الصالح قيل أن يزيده بهجة وحسناً. ومن فسر الكلم الطيب بالتوحيد قال: معنى ذلك جعله مقبولاً فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد. وقيل: الفاعل ضميره تعالى وضمير النصب يعود على العمل، وأخرج ذلك ابن المبارك عن قتادة أي والعمل الصالح يرفعه الله تعالى ويقبله. قال ابن عطية: هذا أرجح الأقوال عندي. وقيل: ضمير الفاعل يعود على العمل وكذا الضمير المنصوب والكلام على حذف مضاف أي والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه، ونسب ذلك أبو حيان إلى ابن عباس ثم قال: ويجوز عندي أن يكون {العمل} معطوفاً على {ٱلكلم} و {يرفعه} استئناف اخبار أي يرفعهما الله تعالى، ووحد الضمير لاشتراكهما في الصعود والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة فيكون لفظه مفرداً والمراد به التثنية فكأنه قيل: ليس صعودهما من ذاتهما بل ذلك برفع الله تعالى إياهما اهـ، وهو خلاف الظاهر جداً، ومثله ما نسبه إلى ابن عباس وأنا لا أظن صحة نسبته إليه، وعلى التسليم يحتمل أنه رضي الله تعالى عنه أراد بقوله (العمل الصالح) يرفع عامله ويشرفه بيان ما تشير إليه الآية في الجملة. والذي يتبادر إلى ذهني من الآية ما روي عن قتادة واختاره ابن عطية. وتخصيص العمل الصالح برفع الله تعالى إياه على ذلك قيل لما فيه من الكلفة والمشقة إذ هو الجهاد الأكبر، وظاهر هذا أن العمل أشرف من الكلام ولا كلام في ذلك إذا أريد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبـي كالتصديق، ولعل الكلام عليه نظير قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا }تفسير : [الأعراف: 143] وقوله سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1] وكلام الإمام صريح في أن الكلم الطيب المفسر بالذكر أشرف من العمل حيث جعل صعود الكلم بنفسه دليل ترجيحه على العمل الذي يرفعه غيره، وقال في وجه ذلك: الكلام شريف فإن امتياز الإنسان عن كل حيوان بالنطق والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره والشريف إذا وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب، ويدل على هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة / أمن من عذاب الدارين إن كان ذلك عن صدق وأمن في نفسه ودمه وحرمه في الدنيا إن كان ظاهراً ولا كذلك العمل بالجوارح، وأيضاً إن القلب هو الأصل وما فيه لا يظهر إلا باللسان وما في اللسان لا يبين صدقه إلا بالفعل فالقول أقرب إلى القلب من الفعل فيكون أشرف منه، اهـ وفي القلب منه شيء فتدبر. {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } أي المكرات السيآت أو أصناف المكرات السيآت على أن {السيآت} صفة لمحذوف وليس مفعولاً به ليمكرون لأن مكر لازم، وجوز أن يكون مفعولاً على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى الأول فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصد المكر أو هو إشارة إلى عدم تأثير مكرهم، والموصول مبتدأ وجملة قوله تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } خبره أي لهم بسبب مكرهم عذاب شديد لا يقادر قدره ولا يعبأ بالنسبة إليه بما يمكرون. والآية على ما روي عن أبـي العالية في الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } تفسير : [الأنفال: 30] والمضارع لحكاية الحال الماضية، ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم في قوله سبحانه: {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ } للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على ترامي أمرهم في الطغيان وبعد منزلتهم في العدوان أي ومكر أولئك المفسدين المشهورين {هُوَ يَبُورُ } أي يفسد، وأصل البوار فرط الكساد أو الهلاك فاستعير هنا للفساد عدم التأثير لأن فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد أو لأن الكاسد يكسد في الغالب لفساده ولأن الهالك فاسد لا أثر له. و {مَكَرَ } مبتدأ خبره جملة {هُوَ يَبُورُ } وتقديم الضمير للتقوي أو الاختصاص أي مكرهم هو يفسد خاصة لا مكرنا بهم، وأجاز الحوفي وأبو البقاء كون الخبر جملة {يَبُورُ } و {هُوَ } ضمير فصل. وتعقبه في «البحر» ((بأن ضمير الفصل لا يكون ما بعده فعلاً ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمنا إلا عبد القاهر الجرجاني في «شرح الإيضاح» له فإنه أجاز في كان زيد هو يقوم أن يكون هو فصلاً. ورد ذلك عليه)) وجوز أبو البقاء أيضاً كون {هُوَ } تأكيداً للمبتدأ، والظاهر ما قدمناه، وقد أبار الله تعالى أولئك الماكرين بعد إبارة مكرهم حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه عليه الصلاة والسلام بواحدة منهن وحقق عز وجل فيهم قوله سبحانه: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 54] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43]. ووجه ارتباط الآية بما قبلها على ما ذكره شيخ الإسلام أنها بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيء وأهلهما بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح. وقال في «الكشف»: كأنه لما حصر سبحانه العزة وخصها به تعالى يعطيها من يشاء وأرشد إلى نيل ما به ينال ذلك المطلوب ذكر على سبيل الاستطراد حال من أراد العزة من عند غيره عز وجل وأخذ في إهانة من أعزه الله تعالى فوق السماكين قدراً وما رجع إليهم من وبال ذلك كالاستشهاد لتلك الدعوى وهو خلاصة ما ذكره الطيبـي في وجه الانتظام، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب أن الآية في أصحاب الرياء وهي متصلة بما عندها على ما روي عن شهر حيث قال: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي يراؤن {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ هُوَ يَبُورُ } هم أصحاب الرياء عملهم لا يصعد، وقال الطيبـي: إن الجملة على هذه الرواية عطف على جملة الشرط والجزاء أعني قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ } الخ فيجب حينئذٍ مراعاة التطابق بين القرينتين والتقابل بين الفقرتين بحسب الإمكان بأن يقدر في كل منهما ما يحصل به التقابل بدلالة المذكور في الأولى على المتروك في الأخرى وبالعكس اهـ / ولا يخفى بعده، وأياً ما كان فالمضارع للاستمرار التجددي.
ابن عاشور
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}. مضى ذكر غرورين إجمالاً في قوله تعالى: { أية : فلا تغرنكم الحياة الدنيا } تفسير : [فاطر: 5]، { أية : ولا يغرنكم بالله الغرور } تفسير : [فاطر: 5] فأُخذ في تفصيل الغرور الثاني من قوله تعالى: { أية : إن الشيطان لكم عدو } تفسير : [فاطر: 6] وما استتبعه من التنبيه على أَحجار كيده وانبعاث سموم مكره والحذرِ من مَصارع متابعته وإبداء الفرق بين الواقِعين في حبائله والمعافَيْن من أدوائه، بداراً بتفصيل الأهم والأصللِ، وأبقى تفصيل الغرور الأول إلى هنا. وإذ قد كان أعظم غرور المشركين في شركهم ناشئاً عن قبول تعاليم كبرائهم وسادتهم وكان أعظم دواعي القادة إلى تضليل دهمائهم وصنائعهم، هو ما يجدونه من العزة والافتنان بحب الرئاسة فالقادة يجلبون العزة لأنفسهم والأتباعُ يعتزُّون بقوة قادتهم، لا جرم كانت إرادة العزّة مِلاك تكاتف المشركين بعضهم مع بعض، وتألبهم على مناوأة الإِسلام، فوُجّه الخطاب إليهم لكشفِ اغترارهم بطلبهم العزة في الدنيا، فكل مستمسك بحبل الشرك معرضضٍ عن التأمل في دعوة الإِسلام، لا يُمَسِّكُه بذلك إلا إرادة العزة، فلذلك نادى عليهم القرآن بأن من كان ذلك صارفَه عن الدين الحق فليعلم بأن العزة الحق في اتباع الإِسلام وأن ما هم فيه من العزةِ كالعدم. و{مَن} شرطية، وجعل جوابها {فلله العزة جميعاً}، وليس ثبوت العزة لله بمرتب في الوجود على حصول هذا الشرط فتعين أن ما بعد فاء الجزاء هو علة الجواب أقيمت مُقامه واستُغني بها عن ذكره إيجازاً، وليحصل من استخراجه من مطاوي الكلام تقرُّره في ذهن السامع، والتقديرُ: من كان يريد العذاب فليستجِبْ إلى دعوة الإِسلام ففيها العزة لأن العزة كلها لله تعالى، فأما العزة التي يتشبثون بها فهي كخيط العنكبوت لأنها واهية بالية. وهذا أسلوب متبع في المقام الذي يراد فيه تنبيه المخاطب على خطإ في زعمه كما في قول الربيع بن زياد العبسي في مقتل مالك بن زهير العبسي: شعر : من كَان مسروراً بمقتل مالك فليأتتِ نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبْنَه بالليل قبل تبلُّج الإِسفار تفسير : أراد أن من سَرَّه مقتل مالك فلا يتمتع بسروره ولا يحسب أنه نال مبتغاه لأنه إن أتى ساحة نسوتنا انقلب سروره غمّاً وحزناً إذ يجد دلائل أخذ الثأر من قاتِله بادية له، لأن العادة أن القتيل لا يندبه النساء إلا إذا أُخذ ثأره. هذا ما فسره المرزوقي وهو الذي تلقيتُه عن شيخنا الوزير وفي البيتين تفسير آخر. وقد يكون بالعكس وهو تثبيت المخاطب على علمه كقوله تعالى: { أية : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ } تفسير : [العنكبوت: 5]. وقريب من هذا الاستعمال ما يقصد به إظهار الفرق بين من اتصف بمضمون الشرط ومن اتصف بمضمون الجزاء كقول النابغة: شعر : فمن يكن قد قضى من خُلّةٍ وطراً فإنني منككِ ما قضَّيْتُ أوطاري تفسير : وقول ضابىء بن الحارث: شعر : ومن يك أمسى بالمدينة رَحله فإني وَقَيَّار بها لغريب تفسير : وقول الكلابي: شعر : فمن يُكلَم يَغْرَضْ فإني ونَاقتي بحَجْرٍ إلى أهل الحِمى غَرِضَان تفسير : فتقديم المجرور يفيد قصراً وهو قصر ادعائي، لعدم الاعتداد بما للمشركين من عزة ضئيلة، أي فالعزة لله لا لهم. ومنه ما يكون فيه ترتيب الجواب على الشرط في الوقوع، وهو الأصل كقوله تعالى: { أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } تفسير : [الإسراء: 18] الآية، وقوله: { أية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } تفسير : [هود: 15]. و{جميعاً} أفادت الإِحاطة فكانت بمنزلة التأكيد للقصر الادعائي فحصلت ثلاثة مؤكدات؛ فالقصر بمنزلة تأكيدين و{جميعاً} بمنزلة تأكيد. وهذا قريب من قوله { أية : أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً } تفسير : [النساء: 139] فإن فيه تأكيدين: تأكيداً بـــ(إنّ) وتأكيداً بــــ{جميعاً} لأن تلك الآية نَزَلت في وقت قوة الإِسلام فلم يحتج فيها إلى تقوية التأكيد. وتقدم الكلام على {جميعاً} عند قوله تعالى: { أية : ويوم يحشرهم جميعاً } تفسير : في سورة سبأ (40). وانتصب {جميعاً} على الحال من {العزة} وَكأنه فعيل بمعنى مفعول، أي العزة كلها لله لا يَشذ شيء منها فيثبتُ لغيره، لأن العزة المتعارفة بين الناس كالعدم إذ لا يخلو صاحبها من احتياج ووهن والعزة الحق لله. وتعريف {العزة} تعريف الجنس. والعزة: الشرف والحصانة من أن ينال بسوء. فالمعنى: من كان يريد العزة فانصرف عن دعوة الله إبقاء على ما يخاله لنفسه من عزة فهو مخطىء إذ لا عزة له فهو كمن أراق ماء للمع سراب. والعزة الحق لله الذي دعاهم على لسان رسوله. وعزة المولى ينالُ حِزبَه وأولياءَه حظ منها فلو اتبعوا أمر الله فالتحقوا بحزبه صارت لهم عزة الله وهي العزة الدائمة؛ فإن عزة المشركين يعقبها ذلّ الانهزام والقتل والأسر في الدنيا وذلّ الخزي والعذاب في الآخرة، وعزة المؤمنين في تزايد الدنيا ولها درجات كمال في الآخرة. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ}. كما أتبع تفصيل غرور الشيطان بعواقبه في الآخرة بقوله: { أية : إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } تفسير : [فاطر: 6] الآية، وبذكر مقابل عواقبه من حال المؤمنين، كذلك أتبع تفصيل غرور الأنفس أهلها بعواقبه وبذكر مقابله أيضاً ليلتقيَ مآلُ الغرورين ومقابلهما في ملْتقىً واحدٍ، ولكن قدم في الأول عاقبة أهل الغرور بالشيطان ثم ذُكرت عاقبة أضدادهم، وعكس في ما هنا لجريان ذكر عزة الله فقدم ما هو المناسب لآثار عزة الله في حزبه وجنده. وجملة {إليه يصعد الكلم الطيب} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً بمناسبة تفصيل الغرور الذي يوقع فيه. والمقصود أن أعمال المؤمنين هي التي تنفع ليعلم الناس أن أعمال المشركين سعي باطل. والقربات كلُّها ترجع إلى أقوال وأعمال، فالأقوال ما كان ثناء على الله تعالى واستغفاراً ودعاء، ودعاء الناس إلى الأعمال الصالحة. وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: { أية : وقولوا قولاً سديداً } تفسير : في سورة الأحزاب (70). والأعمال فيها قربات كثيرة. وكان المشركون يتقربون إلى أصنامهم بالثناء والتمجيد كما قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَل، وكانوا يتحنثون بأعمال من طواف وحج وإغاثة ملهوف وكان ذلك كله مشوباً بالإِشراك لأنهم ينوون بها التقرب إلى الآلهة فلذلك نصبوا أصناماً في الكعبة وجعلوا هُبَل وهو كبيرهم على سطح الكعبة، وجعلوا إِسافاً ونائلة فوق الصفا والمروة، لتكون مناسكهم لله مخلوطة بعبادة الآلهة تحقيقاً لمعنى الإِشراك في جميع أعمالهم. فلما قدم المجرور من قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} أفيد أن كل ما يقدم من الكلم الطيب إلى غير الله لا طائل تحته. وأما قوله: {والعمل الصالح يرفعه} فـــ{العمل} مقابل {الكلم}، أي الأفعال التي ليست من الكلام، وضمير الرفع عائد إلى معاد الضمير المجرور في قوله: {إليه} وهو اسم الجلالة من قوله {فلله العزة جميعاً}. والضمير المنصوب من {يرفعه} عائد إلى {العمل الصالح} أي الله يرفع العمل الصالح. والصعود: الإِذهاب في مكال عال. والرفع: نقل الشيء من مكان إلى مكان أعلى منه، فالصعود مستعار للبلوغ إلى عظيم القدر وهو كناية عن القبول لديه. والرفع: حقيقته نقل الجسم من مقرّه إلى أعلى منه وهو هنا كناية للقبول عند عظيم، لأن العظيم تتخيله التصورات رفيع المكان. فيكون كلٌّ من (يَصعد) و(يرفعُ) تبعتيْن قرينتي مكنية بأَن شُبه جانب القبول عند الله تعالى بمكان مرتفع لا يصله إلا ما يصعد إليه. فقوله: {العمل} مبتدأ وخبره {يرفعه}، وفي بناء المسند الفعلي على المسند إليه ما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند، فإذا انضم إليه سياق جملته عقب سياق جملة القصر المشعرُ بسريان حكم القصر إليه بالقرينة لاتحاد المقام إذ لا يتوهم أن يقصر صعود الكلم الطيب على الجانب الإِلهي ثم يجعل لغيره شركة معه في رفع العمل الصالح، تعين معنى التخصيص، فصار المعنى: الله الذي يقبل من المؤمنين أقوالهم وأعمالهم الصالحة. وإنما جيء في جانب العمل الصالح بالإِخبار عنه بجملة {يرفعه} ولم يعطف على {الكلم الطيب} في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين: أولاهما: الإِيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعاً من معظم الكلم الطيب (عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة) فلذلك أسند إلى الله رفعه بنفسه كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من تصدّق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقّاها الرحمان بيمينه، وكلتا يديه يمين، فيربيها له كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تصير مثل الجبل » تفسير : . وثانيهما: أن الكلم الطيب يتكيف في الهواء فإسناد الصعود إليه مناسب لماهيته، وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا يناسبه إسناد الصعود إليه وإنما يحسن أن يجعل متعلقاً لرفع يقع عليه ويسخره إلى الارتفاع. {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَـٰئِكَ هُوَ يَبُورُ}. هذا فريق من الذين يريدون العزة من المشركين وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: { أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } تفسير : [الأنفال: 30] الآية قاله أبو العالية فعطفهم على {من كان يريد العزة} تخصيص لهم بالذكر لما اختصوا به من تدبير المكر. وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام بذكره. والمكر: تدبيرُ إلحاقِ الضر بالغير في خفية لئلا يأخذ حذره، وفعله قاصر. وهو يتعلق بالمضرور بواسطة الباء التي للملابسة، يقال: مكر بفلان، ويتعلق بوسيلة المكر بباء السببية يقال: مكر بفلان بقتله؛ فانتصاب {السيئات} هنا على أنه وصف لمصدر المكر نائباً مناب المفعول المطلق المبيِّن لنوع الفعل فكأنه قيل والذين يمكرون المكر السيِّىء. وكان حقّ وصف المصدر أن يكون مفرداً كقوله تعالى: { أية : ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } تفسير : [فاطر: 43] فلما أريد هنا التنبيه على أن أولياء الشيطان لهم أنواع من المكر عُدل عن الإِفراد إلى الجمع وأتي به جمع مؤنث للدلالة على معنى الفَعَلاَت من المكر، فكل واحدة من مكرهم هي سيئة، كما جاء ذلك في لفظ (صالحة) كقول جرير: شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني تفسير : أي صالحات كثيرة، وأنواع مكراتهم هي ما جاء في قوله تعالى: { أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } تفسير : [الأنفال: 30]. والتعريف في {السيئات} تعريف الجنس. وجيء باسم الموصول للإِيماء إلى أن مضمون الصلة علّة فيما يرد بعدها من الحكم، أي لهم عذاب شديد جزاء مكرهم. وعبر بالمضارع في الصلة للدلالة على تجدد مكرهم واستمراره وأنه دَأبهم وهِجِّيراهم. ولما توعدهم الله بالعذاب الشديد على مكرهم أنبأهم أن مكرهم لا يروج ولا ينفِق وأن الله سيبطله فلا ينتفعون منه في الدنيا، ويضرون بسببه في الآخرة فقال {ومكر أولئك هو يبور}. وعبر عنهم باسم الإِشارة دون الضمير الذي هو مقتضى الظاهر لتمييزهم أكمل تمييز، فيكنى بذلك عن تمييز المكر المضاف إليهم ووضوحه في علم الله وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بما أعلمه الله به منه، فكأنما أشير إليهم وإلى مكرهم باسم إشارة واحد على سبيل الإِيجاز. والضمير المتوسط بين {مكر أولئك} وبين {يبور} ضمير فصل إذ لا يحتمل غيره. ومثله قوله تعالى: { أية : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } تفسير : [التوبة: 104]. والراجح من أقوال النحاة قول المازني: إن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع، وحجته قوله: {ومكر أولئك هو يبور} دون غير المضارع، ووافقه عبد القاهر الجرجاني في «شرح الإِيضاح» لأبي على الفارسي، وخالفهما أبو حيان وقال: لم يذهب أحد إلى ذلك فيما علمنا. وأقول: إن وجه وقوع الفعل المضارع بعد ضمير الفصل أن المضارع يدل على التجدد فإذا اقتضى المقام إرادة إفادة التجدد في حصول الفعل من إرادة الثبات والدوام في حصول النسبة الحكمية لم يكن إلى البليغ سبيل للجمع بين القصدين إلا أن يأتي بضمير الفصل ليفيد الثبات والتقوية لتعذر إفادة ذلك بالجملة الإسلامية. وقد تقدم القول في ذلك عند قوله: { أية : وأولئك هم المفلحون } تفسير : [البقرة: 5]، فالفصل هنا يفيد القصر، أي مكرهم يبور دون غيره، ومعلوم أن غيره هنا تعريض بأن الله يمكر بهم مكراً يصيب المحزّ منهم على حد قوله تعالى: { أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } تفسير : [آل عمران: 54]. والبوار حقيقته: كساد التجارة وعدم نَفاق السلعة، واستعير هنا لخيبة العمل بوجه الشبه بين ما دبروه من المكر مع حرصهم على إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بضرّ وبين ما ينمِّقه التاجر وما يخرجه من عيابه ويرصفه على مِبْنَاتِه وسط اللَّطِيمة مع السلع لاجتلاب شَرَه المشترين. ثم لا يُقبِل عليه أحد من أهل السوق فيرجع من لطيمته لطيمَ كف الخيبة، فارغ الكف والعيبة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً}. بيّن جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنّ من كان يريد العزّة فإنها جميعها لله وحده، فليطلبها منه وليتسبب لنيلها بطاعته جل وعلا، فإنّ من أطاعة أعطاه العزّة في الدنيا والآخرة، أما الذين يعبدون الأصنام لينالوا العزّة بعبادتها، والذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبتغون عندهم العزّة، فإنهم في ضلال وعمى عن الحق، لأنهم يطلبون العزّة من محلّ الذّل. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} تفسير : [مريم: 81ـ82] وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 139] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يونس: 65]. وقوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} تفسير : [المنافقون: 8] الآية وقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الصافات: 180] والعزّة: الغلبة والقوة، ومنه قول الخنساء: شعر : كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ذاك من عزيزا تفسير : أي من غلب استلب، ومنه قوله تعالى: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 23] أي غلبني وقوي عليّ في الخصومة. وقول من قال من أهل العلم: إن معنى الآية: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّة} أي يريد أن يعلم لمن العزة، أصوب منه ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} الآية. قد تقدّم بعض الكلام عليه في سورة النحل مع إعراب السيئات. وقد قدمنا في مواضع أخر أن من مكرهم السيئات كفرهم بالله وأمرهم أتباعهم به، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } تفسير : [سبأ: 33] وكقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} تفسير : [نوح: 22ـ23] العلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {1649;لصَّالِحُ} {أُوْلَئِكَ} (10) - مَنْ كَانَ يُريدُ أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، فَلْيَلْزَمْ طَاعَةَ اللهِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِذَلِكَ مَا يُريدُ، لأنَّ اللهَ مَالكُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَلَهُ العِزَّةُ جَميعاً. واللهُ تَعَالَى يَقْبَلُ طَيِّبَ الكَلامِ (كَالتَّوحِيدِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ القُرآنِ). وَالعَمَلُ الصَّالِحُ الذِي أَخْلَصَ العَبْدُ فِيهِ النِّيَّةَ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ إِلى اللهِ، لِيُثِيبَ العَبْدَ عَلَيهِ (أَوْ وَاللهُ يَرْفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ فَيَقْبَلُهُ). أَمَّا العَمَلُ الذِي لا إِخلاصَ فِيهِ فَلاَ ثَوَابَ عَليهِ. والذينَ يَمْكُرُونَ المَكْرَ السَّيِّءَ بِالمُسْلِمِينَ، وَيَعْمَلُونَ مَا يُسيىءُ إِلَيْهِمْ، وَمَا يُضْعِفِ أَمَرَهُمْ وَيُشَتِّتُ جَمْعَهُمْ وَيُفَرِّقُ كَلِمَتَهُمْ، فَإِنَّ اللهَ يُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أليماًـ وَمَكْرُهُمْ يَذْهَبُ وَيَضْمَحِلُّ، وَلا يُحَقِّقُ غَرَضاً، لأَِنَّهُ سَيَنْكَشِفُ عَمَّا قَريبٍ. الكَلِمُ الطِّيِّبُ - كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَاتُ اللِّسَانِ. العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ - يَرْفَعُ اللهُ العَمَلَ الصَّالِحَ وَيَقْبَلُهُ. يَبُورُ - يَفْسُدُ وَيَبْطُلُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التأبِّي على الرسالات تأبٍّ على أن يكون المؤمن الذي يُكلَّف بتكليفات تِبَعاً لرأي غيره وطَوْع أمره، والرسول ما جاء إلا ليقول لنا (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، وبعض الناس يرى في هذه الطاعة خَدْشاً لكرامته وعزته، فهو يريد أنْ يكون الأعلى الذي لا يأمره أحد ولا ينهاه، وهؤلاء الذين تتحدث عنهم الآية يريدون أن تكون لهم العِزَّة في نفوسهم. والحق - سبحانه وتعالى - هنا يُصحِّح لهم معنى العزة ويُبيِّن غباءهم، فيقول سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} [فاطر: 10] أي: العزة الحقيقية لا المدَّعاة: {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] فالعزة الحقيقية ألاَّ تكون مغلوباً ولا مقهوراً لأحد، وهذه العزة لا وجودَ لها إلا في رحاب الله، فمهما بلغ الإنسانُ في الدنيا من القوة والجبروت لا بُدَّ أنْ يُغلب، ولا بُدَّ أنْ يقهره الموت، فإنْ كنتَ مغرماً بعزة لا تزول، فهي من جنب الله. لذلك فالله تعالى يُعلِّمنا الحكمة، فيقول: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58] يعني: أنا أعلم بك وأعلم بضعفك، وأنك في حاجة إلى مَنْ تتوكل عليه ليقضي لك الأمور التي فوق طاقتك، فإياك أنْ تلجأ إلى غيري، فأنا الباقي الذي لا يموت، فإنْ توكلْتَ على ضعيف مثلك، فربما مات قبل أنْ يقضى لك حاجتك، كذلك مَنْ أراد العزة فليكُنْ في حضن الله يعتزُّ بِعزَّته، ويتقوَّى بقوته، ومَنْ كان في حضن الله يخلع الله عليه من صفاته ويفيض عليه. لذلك سيدنا رسول الله يعطينا هذا الدرس، حديث : وهو في الغار، ومعه الصِّدِّيق - رضي الله عنه - فيقول الصِّديق: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول سيدنا رسول الله وهو واثق بربه: "يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما"" تفسير : وحكى عنه القرآن قوله: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} تفسير : [التوبة: 40]. فهذه الطمأنينة التي ملأتْ قلب رسول الله منشؤها معية الله له ولصاحبه، وهذه المعية تقتضي أنْ يخلع الله عليهما من صفاته سبحانه، فإذا كان تعالى لا يُرى، فمَنْ كان في معيته كذلك لا يُرى. ومعنى {ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] يعني: كل ألوان العزة، وهذه المسألة من المسائل التي تكلَّم فيها المستشرقون، يلتمسون فيها مأخذاً على كلام الله، يقولون: إن الله يقول {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] وفي آية أخرى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون: 8]. ولا تعارض بين الآيتين؛ لأن العزة في الأصل لله، وعِزَّة الرسول من التحامه بالعزيز، وعزة المؤمنين من التحامهم بعزيز العزيز، فهي عزة موصولة من الله تعالى لمَنِ اعتزَّ به، وأول مَنِ اعتزَّ بالله رسوله، ثم المؤمنون به. ثم يقول سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} [فاطر: 10] دائماً نخاطب الله على جهة العلو، مع أنه سبحانه في كل مكان، وليس له مكان، لذلك يحتج البعض على هذه المسألة فيقول: كيف أن الله ليس له مكان، وسيدنا رسول الله لما أراد الله أنْ يُكلِّمه أصعده إلى السماء السابعة؟ نقول: كان الصعود لمكان الرائي لا لمكان المرئي، فالرائي لا يرى إلا من هذا المكان، فمثلاً لو أننا سمعنا الآن ضجة خارج المسجد، وهذه النافذة التي تُطِل على هذه الضجة عالية، فماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تعرف ما يدور بالخارج، لا بُدَّ لك أنْ تصعد هذا العلو لترى ما يحدث، فالأحداث هي هي، لكن مكان الرائي يختلف. ومعنى {ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} [فاطر: 10] هذا وصف عام لكل كلام يدلُّ على منهج الخير، وقد أعطانا القرآن مثالاً لذلك في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 24-25]. وقد حاول العلماء تحديد هذه الكلمة، فقالوا هي: كلمة لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولكن هذا التحديد يُضيِّق المعنى الواسع الذي أراده الله تعالى منها، والأصوب أن نقول الكلمة الطيبة: كل كلام يؤدي إلى خير. وقوله تعالى: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] بعد أن تكلم سبحانه عن صعود الكلم الطيب يتكلم عن رفع العمل الصالح؛ لأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة الطيبة دون أن تُؤدي مطلوبها، ودون أنْ يترجمها إلى عمل، وربما قالها نفاقاً مثلاً، كالذين قالوا لا إله إلا الله نفاقاً وفراراً من القتل، ومع ذلك تصعد إلى الله، فيقول الله احموه بهذه الكلمة دنياه، ولا تتعرضوا له ما دام نطق بها، إنما ليس له عليها جزاء في الآخرة؛ لأن الجزاء يتأتَّى من العمل الذي يخدم مدلول الكلمة، فالعبرة إذن بالعمل والعمل الصالح، فهو الذي يُرفع إلى الله، ويحميك في الدنيا، ويحميك في الآخرة، ويجمع لك الخيرين. ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى المقابل: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] الفعل مكر يتعدى بحرف الجر نقول: مكر بفلان ومَكَره يعني: خدعه ويتعدَّى بنفسه كما في {يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} [فاطر: 10] وأصلها يمكرون المكْرات السيئات، فهي وصف لمصدر مأخوذ من مادة الفعل مثل: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [النساء: 122] أي: الأعمال الصالحات. أو مكر: فعل مكراً، فيكون المعنى: والذين فعلوا السيئات. ثم يبين سبحانه جزاء المكر السيء: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 10] لماذا؟ لأنك حين تمكر، كأنك تريد أنْ تسرق شيئاً من الله، وتظن أنه لن يدري بك، وغفلتَ أنك تُبيِّت المكر سِرًّا، وهو سبحانه يعلم السِّر والنَّجْوى، وأنك حين تمكر وحين تُبيِّت تُبيِّت على قدر إمكاناتك، وربك عز وجل كذلك يمكر ويُبيِّت على قدر إمكاناته، وقدرته تعالى: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. لذلك يبوء هذا المكر بالخسران وبالبوار، كما قال سبحانه: {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] فهو مَكْر بائر، كالأرض البَوَار التي لا تنبت ولا تنتج، ومنه قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} تفسير : [إبراهيم: 28]. فهذا المكر الذي ظنه صاحبه ينفعه، ويرفعه على خَصْمه، ويجعل نفسه عالية عليه، إذا به يبور، ولا يؤتى ثماره، ولَيْته يبور وتنتهى المسألة، إنما ينقلب عليه ويجرُّ على صاحبه العذاب الشديد. ومعنى {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 10] اللام تفيد الملكية، فهنا قلب يعني: لهم عذاب أي: استحقوه وكأن العذاب يحرص عليهم كما يحرص الإنسان على ما يملك، فهو عذاب ملازم لهم لا ينفك عنهم.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} [الآية: 10]. يعني: بعبادة الأَوثان. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [الآية: 10]. يقول: العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [الآية: 13]. قال: القمطير لفافة النواة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} معناه وكَسبُهُم هو يَبورُ: معناه يَهلِكُ، ويذهَبُ باطلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} [فاطر: 10] يشير إلى أن الإنسان خلق ذليلاً مهيناً محتاجاً إلى كل شيء ولا يحتاج شيء إلى شيء كاحتياج الإنسان إلى الأشياء كلها واحتياج كل شيء لشيء دون شيء إلا الإنسان والذلة قدر الحاجة، فمن ازدادت حاجته ازدادت مذلته {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} لعدم احتياجه وكل شيء ذليل لاحتياجه إليه فلما كان احتياج الإنسان كاملاً مكان ذله كاملاً. قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] أي: لا تطلب العزة من غير الله؛ لأنه ذليل أيضاً لله فبقدر قطع النظر عن الأشياء وطلب العزة منه ينقص ذلة العبد ويزيد عزته إلى أنه لا يبقى له الاحتياج إلى غير الله ولا يزيل الاحتياج والافتقار إلى غير الله من القلوب إلا بنفي لا إله، وإثبات إلا الله، فبالنفي يقطع تعلقاته عن الكونين، وبالإثبات يتوجه بالكلية إلى الحق تعالى، فإذا لم يبق له تعلق ترجع حقيقة الكلمة إلى الحضرة، كما أن النار تستنزل من الفلك الأثير باصطكاك الحجر والحديد، ثم يوقد بها شجرة فالنار تأكل الشجرة وتفنيها من الحطيبة وتبقيها بالنارية إلى أن تفنى الشجرة بالكلية فلما لم يبق من وجود الحطب شيء ترجع النار إلى الأثير وهذا سر قول الله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]. والعمل الصالح هو أركان الشريعة فأول ركن منها كمال استنزال نار نور الله من أثير الحضرة باصطكاك حديد "لا إله إلا الله" وحجر القلب القاسي فلما وقعت النار في شجرة الوجود الإنساني عمل العبد بركن من الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها، والأركان الأربعة الباقية هي العمل الصالح الذي يقلع أصل الشجرة من أرض الدنيا ويقطعها قطعاً تستعد به لقبولها النار واشتعالها بالنار واحتراقها بها لتقع النار إلى أن تحترق الشجرة بالكلية، وترفع بالعبور عن الشجرة إلى أثير الحضرة ولما كانت الشجرة مشتعلة بتلك النار آنس موسى عليه السلام من جانب الطور ناراً {أية : فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [القصص: 30] على لسان الشعلة: {أية : إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [القصص: 30] تأمله تفهم إن شاء الله تعالى. وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} [فاطر: 10] فيشير إلى الذين يظهرون الحسنات بالمكر ويخفون السيئات من العقائد الفاسدة؛ ليحسبوهم الخلق من العالمين الصادقين. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 10] وشدة عذابهم في تضعيف عذابهم، فإنهم يعذبون بالسيئات التي يخفونها ويضاعف لهم العذاب بمكرهم في إظهار الحسنات دون حقيقتها، كما قال تعالى: {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] أي: مكرهم يهلكهم. وبقوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [فاطر: 11] يشير إلى أنكم أبعد شيء من المخلوقات إلى الحضرة؛ لأن التراب أسفل المخلوقات وكثيفها فإن فوقها ماء وهو الطبيعة، وفوق الماء هواء وهو ألطف من الماء وفوق الهواء الأثير وهو ألطف من الهواء، وفوق الأثير السماء وهي ألطف من الأثير ولكن لا تشبه لطافة السماء بلطافة ما تحتها من العناصر؛ لأن لطافة العناصر من لطافة الأجسام ولطافة السماء من لطافة الأجرام فالفرق بينهما أن لطافة الأجسام تقبل الخرق والالتئام ولطافة السماوات لا تقبل الخرق والالتئام إلا أن يشاء الله وفوق كل سماء ما هو ألطف منه إلى الكرسي وهو ألطف من السماوات وفوقه العرش وهو ألطف من الكرسي، وفوقه عالم الروح وهو ألطف من العرش ولكن لا تشبه لطافة الأرواح بلطافة العرش والسماوات؛ لأنها لطافة الأجرام فالفرق بينهما أن لطافة الأجرام قابلة للجهات الست، ولطافة الأرواح غير قابلة للجهات وفوقه الله {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}تفسير : [الأنعام: 18] وهو ألطف من الأرواح ولكن لطافته لا تشبه لطافة الأرواح؛ لأن لطافة الأرواح نورانية علوية محيطة بما دونها إحاطة العلم بالمعلوم والله منزه عن هذه الأوصاف {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11]. قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [فاطر: 11] أي: ثم خلقكم من نطفة، يشير إلى أنه خلقكم من أسفل المخلوقات وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركب ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، فهي أسفل سافلين المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله من أصناف المخلوقات كما أن أصناف آخر شيء على الشجرة آخر شيء يخلقه الله تعالى وهو البذر الذي يصلح أن يؤخذ من الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة. وقوله: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} [فاطر: 11] يشير إلى ازدواج الروح والقالب، فالروح على أعلى مراتب القهر والقالب من أسفل دركات البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين؛ ليكونا بالروح والفناء وأبعد الأبعدين ورتب للقالب على ظاهره الحواس الخمس وفي باطنه قوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية؛ ليكون بالروح والقالب مدركاً لعالم الغيب والشهادة. وبقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] يُشير إلى أن كل أنثى ووضع حملها إنما هو بتقديره وبعلمه بكيف وكيفية على وفق حكمته وإرادته {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} إلا وله في تعميره إلى أجل يعمر بأمر حكمة بالغة {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من عمره التام {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: الحكمة في تمام عمر من عمَّر عمراً تاماً، وفي نقص من عمَّر عمراً ناقصاً في أيام أم الكتاب الذي عنده لا يزيد فيه ولا ينقص {إِنَّ ذَلِكَ} [فاطر: 11] أي: في رعاية تلك الحكمة وإمضائها {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. ثم أخبر عن تلون الإنسان في تكونه بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} [فاطر: 12] يشير إلى بحر الروح {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [فاطر: 12] أي: صفاته حميدة {سَآئِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12] أي: جائز عند الخلق والخالق يعني مشروبه مقبول محمود {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] أي: بحر النفس وصفاتها ذميمة {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] أي: من البحرين، أما من بحر الروح فلحمه الطَّري هو الواردات الربانية، وأما بحر النفس فلحمها الطري هي شهوات {وَتَسْتَخْرِجُونَ} [فاطر: 12] منه أي: من بحر الروح {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] من شواهد الحق ومعارفه. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ} [فاطر: 12] يعني سفينتي الشريعة والطريقة {مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] تجري إحداهما وهي سفينة الشريعة من بحر الروح إلى بحر النفس فيها أعمال الأوامر والنواهي، وثانيهما وهي سفينة الطريقة تجري من بحر الروح إلى الحضرة فيها أعمال الأسرار والحقائق والمعاني {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [فاطر: 12] وهو الوصول إلى الحضرة على قدمي الشريعة والطريقة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} في طلب الزيادة. {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [فاطر: 13] أي: يغلب نهار الروحانية على ليل البشرية وكذلك الفيض مرة يغلب على البسط على القبض وكذلك في الصحو والسكر وكذلك الفناء والبقاء وكذلك السر والتجلي وكذلك الأنس والهيبة {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ} [فاطر: 13] شمس التوحيد {وَٱلْقَمَرَ} [فاطر: 13] قمر المعرفة على ما يريد إظهارها على القلوب {كُلٌّ يَجْرِي} في مقامات القلوب والأرواح {لأَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر: 13] لنهاية مقدرة. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} [فاطر: 13] ملك القدرة على الوصول {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} [فاطر: 13] من العالمين {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] من هذه المقامات والدرجات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد اللّه، ولا تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل وكل كلام حسن طيب، فيرفع إلى اللّه ويعرض عليه ويثني اللّه على صاحبه بين الملأ الأعلى { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ } من أعمال القلوب وأعمال الجوارح { يَرْفَعُهُ } اللّه تعالى إليه أيضا، كالكلم الطيب. وقيل: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فهي التي ترفع كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى اللّه تعالى، فهذه الأعمال التي ترفع إلى اللّه تعالى، ويرفع اللّه صاحبها ويعزه. وأما السيئات فإنها بالعكس، يريد صاحبها الرفعة بها، ويمكر ويكيد ويعود ذلك عليه، ولا يزداد إلا إهانة ونزولا ولهذا قال: { والعمل الصالح يرفعه وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } يهانون فيه غاية الإهانة. { وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } أي: يهلك ويضمحل، ولا يفيدهم شيئا، لأنه مكر بالباطل، لأجل الباطل.
همام الصنعاني
تفسير : 2435- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}: [الآية: 10]، قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، قال: فإذَا كَانَ كلام طيب وعمل سيء، رُدَّ القولُ عَلَى العمل، وكان عملك ألحق بك من قولك. 2436- قال معمر، قال قتادة: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ}، قال: يرفع الله العمل الصَّالِح لِصاحِبِه. 2437- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {هُوَ يَبُورُ}: [الآية: 10]، قال: يفسد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):