٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : قد ذكرنا مراراً أن الدلائل مع كثرتها وعدم دخولها في عدد محصور منحصرة في قسمين دلائل الآفاق ودلائل الأنفس، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت:53] فلما ذكر دلائل الآفاق من السموات وما يرسل منها من الملائكة والأرض وما يرسل فيها من الرياح شرع في دلائل الأنفس، وقد ذكرنا تفسيره مراراً وذكرنا ما قيل من أن قوله: {مِّن تُرَابٍ } إشارة إلى خلق آدم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } إشارة إلى خلق أولاده، وبينا أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل {خَلَقَكُمْ } خطاب مع الناس وهم أولاد آدم كلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء، والغذاء بالآخرة ينتهي إلى الماء والتراب، فهو من تراب صار نطفة. وقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ } إشارة إلى كمال العمل، فإن ما في الأرحام قبل الانخلاق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد، كيف والأم الحاملة لا تعلم منه شيئاً، فلما ذكر بقوله: {خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } كمال قدرته بين بقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } كمال علمه ثم بين نفوذ إرادته بقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ } فبين أنه هو القادر العالم المريد والأصنام لا قدرة لها ولا علم ولا إرادة، فكيف يستحق شيء منها العبادة، وقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } أي الخلق من التراب ويحتمل أن يكون المراد التعمير والنقصان على الله يسير، ويحتمل أن يكون المراد أن العلم بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله يسير والأول أشبه فإن اليسير استعماله في الفعل أليق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم عليه السلام، والتقدير على هذا: خلق أصلكم من تراب. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} قال: أي زوّج بعضكم بعضاً، فالذكر زوج الأنثى ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدّتها. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي جعلكم أزواجاً فيتزوّج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شيء عن تدبيره. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} سماه معمّراً بما هو صائر إليه. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّر» إلا كتب عمره، كم هو سنة كم هو شهراً كم هو يوماً كم هو ساعة؛ ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفى أجله. وقاله سعيد بن جبير أيضاً، قال: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره؛ فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد أيضاً: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة: المعمّر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. ومذهب الفرّاء في معنى «وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّرٍ» أي ما يكون من عمره «وَلاَ يُنْقص من عمرِهِ» بمعنى معمر آخر، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب. فالكناية في «عمره» ترجع إلى آخر غير الأوّل. وكنَّى عنه بالهاء كأنه الأوّل، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب. وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أحبّ أن يُبْسَط له في رزقه ويُنْسأ له في أثره فليصِلْ رحمه»تفسير : أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة. فبيّن ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، إنه سيصل رحمه فمن اطلع على الأوّل دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان. وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39] والكناية على هذا ترجع إلى العمر. وقيل: المعنى وما يعمَّر من معمَّر أي هرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب؛ أي بقضاء من الله جل وعز. روي معناه عن الضحاك واختاره النحاس، قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل. وروي نحوه عن ابن عباس. فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمّر، ويجوز أن تكون لغير المعمر. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي كتابة الأعمال والآجال غير متعذر عليه. وقراءة العامة «يُنْقَص» بضم الياء وفتح القاف. وقرأت فرقة منهم يعقوب «يَنقُص» بفتح الياء وضم القاف، أي لا ينقص من عمره شيء. يقال: نقص الشيءُ بنفسه ونقصه غيرُه، وزاد بنفسه وزاده غيره، متعدّ ولازم. وقرأ الأعرج والزهري «مِن عُمْره» بتخفيف الميم. وضمها الباقون. وهما لغتان مثل السُّحْق والسُّحُق. و«يَسِيرٌ» أي إحصاء طويل الأعمار وقصيرها لا يتعذر عليه شيء منها ولا يعزب. والفعل منه: يَسُر. ولو سميت به إنساناً انصرف؛ لأنه فعيل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } بخلق أبيكم آدم منه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي منيّ بخلق ذريته منها {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } ذكوراً وإناثاً {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } حال، أي معلومة له {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي ما يزاد في عمر طويل العمر {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } أي ذلك المعمَّر أو معمَّر آخر {إِلاَّ فِى كِتَٰبٍ } هو اللوح المحفوظ {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } هيِّن.
ابن عطية
تفسير : هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى: {خلقكم من تراب} من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله {ثم من نطفة} أي بالتناسل من مني الرجال، و {أزواجاً} قيل معناه أنواعاً، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} اختلف الناس في عود الضمير في قوله {من عمره}، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على {معمر} الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاماً واحداً أو نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميراً إيجازاً واختصاراً، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من عمر معمر لأن لفظة {معمر} هي بمنزلة ذي عمر. قال القاضي أبو محمد: كأنه قال "ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر"، وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى {ولا ينقص من عمره} أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب. قال القاضي أبو محمد: وروي أنه قال: حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول {أية : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} تفسير : [الأعراف: 34، النحل: 61] فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين "ينقِضُ" على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ "من عمْره" بسكون الميم الحسن وداود، و"الكتاب" المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله {إن ذلك} إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن تُرَابٍ} آدم {مِن نُّطْفَةٍ} نسله {أَزْوَاجاً} زَوَّج بعضكم ببعض أو ذكوراً وإناثاً وكل واحد معه آخر من شكله فهو زوج {وَمَا يُعَمَّرُ} ما يمد عمر أحد حتى يهرم ولا ينقص من عمر آخر فيموت طفلاً، أو ما يعمر معمر قدر الله ـ تعالى ـ أجله إلاَّ كان ما نقص منه من الأيام الماضية في كتاب الله تعالى. قال ابن جبير: كتب الله تعالى الأجل في أول الصحيفة ثم يكتب في أسفلها ذهب يوم كذا ذهب يوم كذا حتى يأتي على أجله، وعمر المعمر ستون سنة، أو أربعون، أو ثماني عشرة {إِنَّ ذَلِكَ} إن حفظه بغير كتاب هين على الله ـ تعالى ـ.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والله خلقكم من تراب} يعني آدم {ثم من نطفة} يعني ذريته {ثم جعلكم أزواجاً} يعني أصنافاً ذكراناً واناثاً وقيل زوج بعضكم بعضاً {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر} يعني لا يطول عمر أحد {ولا ينقص من عمره} يعني عمر آخر، وقيل ينصرف إلى الأول قال سعيد بن جبير، مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان، ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره، وقيل معناه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب قال كعب الأحبار حين حضرت عمر الوفاة والله لو دعا عمر به أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله تعالى يقول {أية : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}تفسير : [الأَعراف: 34] قال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ذلك وقرأ هذه الآية {إلا في كتاب} يعني اللوح المحفوظ {إن ذلك على الله يسير} أي كتابة الآجال والأعمال على الله هين. قوله تعالى {وما يستوي البحران} يعني العذب والمالح ثم وصفهما فقال {هذا عذب فرات} أي طيب يكسر العطش {سائغ شرابه} أي سهل في الحلق هنيء مريءٍ {وهذا ملح أجاج} أي شديد الملوحة يحرق الحلق بملوحته وقيل هو المر {ومن كل} يعني من البحرين {تأكلون لحماً طرياً} يعني السمك {وتستخرجون} يعني من الملح دون العذب {حلية تلبسونها} يعني اللؤلؤ والمرجان وقيل نسب اللؤلؤ إليهما لأنه يكون في البحر المالح عيون عذبة فتمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ منهما {وترى الفلك فيه مواخر} يعني جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لتبتغوا من فضله} يعني بالتجارة {ولعلكم تشكرون} يعني تشكرون الله على نعمه {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه} يعني الأصنام {ما يملكون من قطمير} هو لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة {إن تدعوهم} يعني الأصنام {لا يسمعوا دعاءكم} يعني أنهم جماد {ولو سمعوا} أي على سبيل الفرض والتمثيل {ما استجابوا لكم} أي ما أجابوكم وقيل ما نفعوكم {يوم القيامة يكفرون بشرككم} أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها {ولا ينبئك مثل خبير} يعني نفسه أي لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء قوله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} يعني إلى فضله وإحسانه والفقير المحتاج إلى من سواه والخلق كلهم محتاجون إلى الله فهم الفقراء {والله هو الغني} عن خلقه لا يحتاج إليهم {الحميد} يعني المحمود في إحسانه إليهم المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه {إن يشأ يذهبكم} لاتخاذكم أنداداً وكفركم بآياته {ويأت بخلق جديد} يعني يخلق بعدكم من يعبده ولا يشرك به شيئاً {وما ذلك على الله بعزيز} أي يمتنع {ولا تز وازرة وزر أخرى} يعني أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الي اقترفته لا تؤاخذ بذنب غيرها فان قلت كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم. قلت هذه الآية في الضالين وتلك في المضلين أنهم يحملون أثقال من أضلوه من الناس مع أثقال أنفسهم وذلك كله من كسبهم {وإن تدع مثقلة إلى حملها} معناه وإن تدع نفس مثقلة بذنوبها إلى حمل ذنوب غيرها {ولا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} يعني ولو كان المدعو ذا قرابة كالأب والأم والابن والأخ قال ابن عباس يعلق الأب والأم بالابن فيقول يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} يعني يخافون ربهم {بالغيب} يعني لم يروه والمعنى وإنما ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب {وأقاموا الصلاة ومن تزكى} يعني أصلح وعمل خيراً {فإنما يتزكى لنفسه} يعني لها ثوابه {وإلى الله المصير وما يستوي الأعمى والبصير} يعني الجاهل والعالم وقيل الأعمى عن الهدى وهو الشرك والبصير بالهدى وهو المؤمن.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} الآية. قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في {عُمُرِهِ} قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه أنه عائد على {مُّعَمَّرٍ} الذي ههو اسم جنس؛ والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول؛ فهذا هو النقص. قال ابن جبير: فما مضى من عمره؛ فهو النقص وما يستقبل؛ فهو الذي يعمره. وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تقدم تفسير نظير هذه الآية. وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} الآية. الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة. وقال الضحاك وغيره: القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة، والأول أشهرُ وأصوبُ. ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ: أوَّلُها: أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه؛ لأن القائل متعسف أن يقول: عساها تسمع، والثالثُ: أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة. وقوله تعالى: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} قال المفسرون: الخبيرُ هنا هو اللّه سبحانه فهو الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا؛ فلا شك في وقوعه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والله خلقكم من تراب} يعني خلق آدم من تراب {ثم من نطفة} يعني ذريته، {أية : أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً}تفسير : [الشورى: 50]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وما يعمر من معمر...} الآية. يقول: ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت له ذلك، فإنما ينتهي له الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له. فذلك قوله {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} يقول: لم يخلق الناس كلهم على عمر واحد. لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره، كل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} قال: ما من يوم يعمر في الدنيا إلا ينقص من أجله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} قال: ليس يوم يسلبه من عمره إلا في كتاب كل يوم في نقصان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} إلا في كتاب، قال: مكتوب في أوّل الصحيفة عمره كذا وكذا، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخر عمره. وأخرج ابن أبي حاتم عن حسان بن عطية في قوله {ولا ينقص من عمره} قال: كل ما ذهب من يوم وليلة، فهو نقصان من عمره. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج عن مجاهد في قوله {وما يعمر من معمر} إلا كتب الله له أجله في بطن أمه {ولا ينقص من عمره} يوم تضعه أمه بالغاً ما بلغ يقول: لم يخلق الناس كلهم على عمر واحد. لذا عمر، ولذا عمر هو أنقص من عمر هذا، وكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغاً ما بلغ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: ألا ترى الناس يعيش الإِنسان مائة سنة. وآخر يموت حين يولد، فهو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ليس من مخلوق إلا كتب الله له عمره جملة، فكل يوم يمر به أو ليلة يكتب: نقص من عمر فلان كذا وكذا... حتى يستكمل بالنقصان عدة ما كان له من أجل مكتوب، فعمره جميعاً في كتاب، ونقصانه في كتاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني في الآية قال: لا يذهب من عمر إنسان يوم، ولا شهر، ولا ساعة، إلا ذلك مكتوب، محفوظ، معلوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أما العمر فمن بلغ ستين سنة. وأما الذي ينقص من عمره، فالذي يموت قبل أن يبلغ ستين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما يعمر من معمر} قال: في بطن أمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولا ينقص من عمره} قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول: أي رب أشقي، أم سعيد؟ أذكر، أم أنثى؟ فيقول الله... ويكتبان، ثم يكتب عمله، ورزقه، وأجله، وأثره، ومصيبته، ثم تنطوي الصحيفة فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة: اللهم أمتعني بزوجي النبي صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإنك سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار، أو عذاب القبر، كان خيراً وأفضل ". تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان في بني إسرائيل اخوان ملكان على مدينتين، وكان أحدهما باراً برحمه، عادلاً على رعيته. وكان الآخر عاقاً برحمه، جائراً على رعيته. وكان في عصرهما نبي، فأوحى الله إلى ذلك النبي أنه قد بقي من عمر هذا البار ثلاث سنين، وبقي من عمر هذا العاق ثلاثون سنة، فأخبر النبي رعية هذا، ورعية هذا، فأحزن ذلك رعية العادل، وأفرح ذلك رعية الجائر، ففرقوا بين الأمهات والأطفال، وتركوا الطعام والشراب، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله تعالى أن يمتعهم بالعادل، ويزيل عنهم، الجائر، فأقاموا ثلاثاً، فأوحى الله إلى ذلك النبي: أن أخبر عبادي أني قد رحمتهم، وأجبت دعاءهم، فجعلت ما بقي من عمر هذا البار لذلك الجائر، وما بقي من عمر الجائر لهذا البار، فرجعوا إلى بيوتهم ومات العاق لتمام ثلاث سنين، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} .
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} دليلٌ آخرُ على صحَّةِ البعثِ والنُّشورِ أي خلقكم ابتداءً منه في ضمنِ خلقِ آدمَ عليه السَّلامُ خلقاً إجماليَّاً كما مرَّ تحقيقُه مراراً {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثم خلقكَم منها خلقاً تفصيلياً {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً} أي أصنافاً أو ذُكراناً وإناثاً. وعن قَتادةَ جعل بعضَكم زَوْجاً لبعضٍ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} إلا ملتبسةً بعلمِه تابعةً لمشيئتِه {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي من أحدٍ وإنما سُمِّي معمَّراً باعتبارِ مصيرِه أي وما يُمدُّ في عمرِ أحدٍ {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي من عمرِ أحدٍ على طريقةِ قولِهم لا يُثيب الله عبداً ولا يُعاقبه إلا بحقَ لكنْ لا عَلى معنى لا يُنقص عمره بعد كونِه زائداً على معنى لا يُجعل من الابتداءِ ناقصاً. وقيل الزِّيادةُ والنَّقصُ في عمرٍ واحدٍ باعتبارِ أسبابِ مختلفةٍ أُثبتتْ في اللَّوحِ مثلِ أنْ يكتبَ فيه إنْ حجَّ فلانٌ فعمرُه ستُّونَ وإلا فأربعونَ وإليه أشارَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه: « حديث : الصَّدقة والصِّلةُ تُعمِّرانِ الدِّيارَ وتزيدانِ في الأعمارِ » تفسير : وقيلَ: المرادُ بالنَّقصِ ما يمرُّ من عمرِه وينقصُ فإنَّه يكتب في الصَّحيفةِ عمرُه كذا وكذا سنة ثم يُكتب تحتَ ذلك ذهبَ يومٌ ذهبَ يومانِ وهكذا حتَّى يأتي على آخرِه، وقُرىء ولا يَنقْصُ على البناءِ للفاعلِ ومن عُمْره بسكونِ الميمِ {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أنَّه اللَّوحُ وقيل: عِلمُ الله عزَّ وجلَّ. وقيل: صحيفةُ كلِّ إنسانٍ {إِنَّ ذٰلِكَ} أي ما ذُكر من الخلقِ وما بعدَهُ مع كونِه محاراً للعقولِ والأفهامِ {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} لاستغنائِه عن الأسبابِ فكذلك البعثُ.
القشيري
تفسير : ذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبوا بحالتهم، ثم إن ما يُتَّخَذُ من الطين سريعُ التغيُّر، قليلُ القوة في المُكث، لكنه يَقْبَلُ الانجبار بالماء إذ تنجبر به طينته؛ فإذا جاد الحقُّ عليه بماء الجودِ أعاده بعد انكساره بالذنوب. وإذا كان لا يَخْفى عليه - سبحانه - شيءٌ من أحوالهم في ابتداء خَلْقَتِهِم، فَمَنْ يُبالِ أَنْ يَخْلُقَ مَنْ يعلم أنه يَعْصي فلا يبالي أَنْ يغفِرَ لِمَنْ رآه يعصي.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله خلقكم من تراب} دليل آخر على صحة البعث والنشور اى خلقكم ابتداء من التراب فى ضمن خلق آدم خلقا اجماليا لتكونوا متواضعين كالتراب. وفى الحديث "حديث : ان الله جعل الارض ذلولا تمشون فى مناكبها وخلق بنى آدم من التراب ليذلهم بذلك فابوا الا نخوة واستكبارا ولن يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " تفسير : وقال بعضهم من تراب تقبرون وتدفنون فيه. وفى التأويلات النجمية يشير الى انكم ابعد شئ من المخلوقات الى الحضرة لان التراب اسفل المخلوقات وكثيفها فان فوقه ماء وهو ألطف منه وفوق الماء هواء وهو ألطف منه وفوق الهواء اثير وهو ألطف من الهواء وفوق الاثير السماء وهى الطف من الاثير ولكن لا تشبه لطافة السماء بلطافة ما تحتها من العناصر لان لطافة العناصر من لطافة الاجسام ولطافة السموات من لطافة الاجرام. فالفرق بينهما ان لطافة الاجسام تقبل الخرق والالتئام ولطافة السموات لا تقبل الخرق والالتئام وفوق كل سماء سماء هى ألطف منها الى الكرسى وهو ألطف من السموات وفوقه العرش وهو ألطف من الكرسى وفوقه عالم الارواح وهو الطف من العرش ولكن لا تشبه لطافة الارواح بلطافة العرش والسموات لانها لطافة الاجرام فالفرق بينهما ان لطافة الاجرام قابلة للجهات الست ولطافة الارواح غير قابلة للجهات وفوق الارواح هو الله القاهر فوق عباده وهو ألطف من الارواح ولكن لطافته لا تشبه لطافة الارواح لان لطافة الارواح نورانية علوية محيطة بما دونها احاطة العلم بالمعلوم والله تعالى فوق كل شئ وهو منزه عن هذه الاوصاف ليس كمثله شئ وهو السميع البصير العليم {ثم من نطفة} النطفة هى الماء الصافى الخارج من بين الصلب والترائب قل او كثر اى ثم خلقكم من نطفة خلقا تفصيليا لتكونوا قابلين لكل كمال كالماء الذى هو سر الحياة ومبدأ العناصر الاربعة. وقال بعضهم خلقكم من تراب يعنى آدم وهو اصل الخلق ثم من نطفة ذرية منه بالتناسل والتوالد. وفى التأويلات يشير الى انه خلقكم من اسفل المخلوقات وهى النطفة لان التراب نزل دركة المركبية ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الانسانية ثم دركة النطفة فهى اسفل سافلى المخلوقات وهى آخر خلق خلقه الله تعالى من اصناف المخلوقات كما ان اعلى الشجرة آخر شئ يخلقه الله وهو البذر الذى يصلح ان توجد منه الشجرة فالبذر آخر صنف خلق من اصناف اجزاء الشجرة {ثم جعلكم ازواجا} اصنافا احمر وابيض واسود او ذكرانا واناثا. وعن قتادة جعل بعضكم زوجا لبعض. وفى التأويلات يشير الى ازدواج الروح والقالب فالروح من اعلى مراتب القرب والقالب من اسفل دركات البعد فبكمال القدرة والحكمة جمبع بين اقرب الاقربين وابعد الابعدين ورتب للقالب فى ظاهره الحواس الخمس وفى باطنه القوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية ليكون بالروح والقالب مدركا لعوالم الغيب والشهادة كلها وعالما بما فيها خلافة عن حضرة الربوبية عالم الغيب والشهادة شعر : آدمى شاه وكائنات سباه مظهر كل خليفه الله تفسير : {وما} نافيه {تحمل} [برنكيرد يعنى ازفرزند] {من انثى} [هيج زنى] من مزيدة لاستغراق النفى وتأكيده والانثى خلاف الذكر ويقالان فى الاصل اعبارا بالفرجين كما فى المفردات {ولا تضع} [وننهد آنجه درشكم اوست يعنى نزايد {الا} حال كونها ملتبسة {بعلمه} تابعة لمشيئته. قال فى بحر العلوم بعلمه فى موضع الحال والمعنى ما يحدث شئ من حمل حامل ولا وضع واضع الا وهو عالم به يعلم مكان الحمل ووضعه وايامه وساعاته واحواله من الخداج والتما م والذكورة والانوثة وغير ذلك {وما يعمر من معمر} ما نافية [والتعمير: عمر دادن] والمعمر من اطيل عمره ويقال للمعمر ابن الليالى. وقوله من معمر اى من احد ومن زائدة لتأكيد النفى كما فى من انثى وانما سمى معمرا باعتبار مصيره يعنى هو من باب تسمية الشئ بما يأول اليه والمعنى وما يمد فى عمر احد وما يطول: وبالفارسية [وزندكانى داده نشود هيج درازى عمرى] {ولا ينقص من عمره} العمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة وعن ابن عمر رضى الله عنهما انه قرأه من عمره بجزم الميم وهما لغتان مثل نكر ونكر والضمير راجع الى المعمر والنقصان من عمر المعمر محال فهو من التسامح فى العبارة ثقة بفهم السامع فيراد من ضمير المعمر ما من شأنه ان يعمر على الاستخدام والمعنى ولا ينقص من عمر احد لكن لا على معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدا بل على معنى لا يجعل من الابتداء ناقصا: وبالفارسية [وكم كرده نشود از عمر معمرى ديكر يعنى كه بعمر معمر اول نرسد] {الا فى كتاب} اى اللوح او علم الله او صحيفة كل انسان {ان ذلك} المذكور من الخلق وما بعده مع كونه محارا للعقول والافهام {على الله يسير} لاستغنائه عن الاسباب فكذلك البعث. وفى بحر العلوم ان ذلك اشارة الى ان الزيادة والنقص على الله يسير لا يمنعه منه ولا يحتاج فيه الى احد. واعلم ان الزيادة والنقصان فى الآية بالنسبة الى عمرين كما عرفت والا فمذهب اكثر المتكلمين وعليه الجمهور ان العمر يعنى عمر شخص واحد لا يزيد ولا ينقص. وقيل الزيادة والنقص فى عمر واحد باعتبار اسباب مختلفة اثبتت فى اللوح مثل ان يكتب فيه ان حج فلان فعمره ستون والافاربعون فاذا حج فقد بلغ الستين وقد عمر واذا لم يحج فلا يجاوز الاربعين فقد نقص من عمره الذى هو الغاية وهو الستون وكذا ان تصدق او وصل الرحم فعمره ثمانون والا فخمسون واليه اشار عليه السلام بقوله "حديث : الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان فى الاعمار" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان المرء ليصل رحمه وما بقى من عمره الا ثلاثة ايام فينسئه الله الى ثلاثين سنة وانه ليقطع الرحم وقد بقى من نعمره ثلاثون سنة فيرده الله الى ثلاثة ايام" تفسير : وفى الحديث "حديث : بر الوالدين يزيد فى العمر والكذب ينقص الرزق والدعاء يرد القضاء " تفسير : قال بعض الكبار لم يختلف احد من علماء الاسلام فى ان حكم القضاء والقدر شامل لكل شئ ومنسحب على جميع الموجودات ولوازمها من الصفات والافعال والاحوال وغير ذلك. فما الفرق بين ما نهى النبى عليه السلام عن الدعاء فيه كالارزاق المقسومة والآجال المضروبة وبين ما حرّض عليه كطلب الاجارة من عذاب النار وعذاب القبر ونحو ذلك فاعلم ان المقدورات على ضربين ضرب يختص بالكليات وضرب يختص بالجزيئات التفصيلية فالكليات المختصة بالانسان قد اخبر عليه السلام انها محصورة فى اربعة اشياء وهى العمر والرزق والاجل والسعادة او الشقاء وهى لا تقبل التغير فالدعاء فيها لا يفيد كصلة الرحم الا بطريق الفرض يعنى لو امكن ان يبسط فى الرزق ويؤخر فى الاجل لكان ذلك بالصلة والصدقة فان لهما تأثيرا عظيما ومزّية على غيرهما ويجوز فرض المحال اذا تعلق بذلك الحكمة قال تعالى {قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين} واما الجزئيات ولوازمها التفصيلية فقد يكون ظهور بعضها وحصوله للانسان متوقفا على اسباب وشروط ربما كان الدعاء والكسب والسعى والعمل من جملتها بمعنى انه لم يقّدر حصوله بدون الشرط او الشروط. وقال ابن الكمال اما الذى يقتضيه النظر الدقيق فهو ان المعمر الذى قدر له العمر الطويل يجوز ان يبلغ حد ذلك العمر وان لا يبلغه فيزيد عمره على الاول وينقص على الثانى ومع ذلك لا يلزم التغيير فى التقدير وذلك لان المقدر لكل شخص انما هو الانفاس المعدودة لا الايام المحدودة والاعوام المعدودة ولا خفاء فى ان ايام ما قدر من الانفاس تزيد وتنقص بالصحة والحضور والمرض والتعب فافهم هذا السر العجيب حتى ينكشف لك سر اختيار بعض الطوائف حبس النفس ويتضح وجه كون الصدقة والصلة سببا لزيادة العمر انتهى. وقيل المراد من النقص ما يمر من عمره وينقص فانه يكتب فى الصحيفة عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب تحت ذلك ذهب يوم ذهب يومان وهكذا حتى يأتى على آخره كما قال ابن عباس رضى الله عنهما ان الله تعالى جعل لكل نسمة عمرا تنتهى اليه فاذا جرى عليه الليل والنهار نقص من عمره بالضرورة وقد قيل نقصان العمر صرفه الى غير مرضاة الله تعالى: قال الحافظ قدس سره شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : وقال شعر : اوقات خوش آن بود كه بادوست بسر رفت باقى همه بى حاصلى وبى خبرى بود تفسير : وقال المولى الجامى قدس سره شعر : هردم از عمر كرامى هست كنج بى بدل ميرود كنج جنين هر لحظه برباد آه آه تفسير : وقال الشيخ سعدى قدس سره شعر : هردم از عمر ميرود نفسى جون نكه ميكنم نمانده بسى عر برفست وآفتاب تموز اندكى ماندو خواجه غره هنوز تفسير : ايقظنا الله واياكم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والله خَلَقَكم} أي: أباكم {من تراب، ثم} أنشأكم {من نُطفةٍ ثم جعلكم أزواجاً} أصنافاً، أو: ذكراناً وإناثاً، {وما تحمل من أُنثى ولا تضعُ إِلا بعلمه} إلا معلومة له، وقتاً وكيفية، {وما يُعَمَّرُ من مُعَمَّرٍ} أي: وما يمد في عمر أحد فيكون طويلاً. وإنما سمّاه معمّراً لِمَا هو صائر إليه، {ولا يُنْقَصُ من عُمُرِه} أي: يكون عمره قصيراً {إِلا في كتاب} أي: اللوح المحفوظ، أو: صحيفة الإنسان. وقال ابن جبير: "مكتوب في أول الكتاب: عمره كذا وكذا، ثم يكتب أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، ذهب ثلاثة، حتى ينقطع عمره". ففسر النقص بالذهاب، ولا يذهب شيء من عمره إلا في كتاب. ويمكن أن يُجري على ظاهره، باعتبار المحو والإثبات في غير أم الكتاب، كما ورد في صلة الرحم وقطعها. وانظر عند قوله: {أية : يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ...}تفسير : [الرعد: 40] إلخ. {إِنَّ ذلك على الله يسيرٌ} أي: إحصاء الأعمار، أو زيادتها ونقصانها، سهل على علم الله وقدرته. الإشارة: أصل نشأة الأشباح من الصلصال، وأصل نشأة الأرواح من نور الكبير المتعال، فمَن غلبت طينته على روحانيته، وهواه على عقله، التحق بالبهائم، ومَن غلبت روحانيته على بشريته، وعقله على هواه، التحق بالملائكة الكرام. وقوله تعالى: {وما يُعَمَّرُ من معمر...} الآية، طول العمر وقصره عند الحكماء، ليس هو بكثرة آماده، وإنما هو بكثرة أمداده. وفي الحكم: "رُبّ عمر اتسعت آماده، وقلّتْ أمداده، ورُبّ عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده". والأمداد: ما يجد القلب من معارف الله، وعلومه، وأنواره، وأسراره. فرُبّ قلب استمد في زمان قليل، من العلوم والمعارف والأسرار، ما لم يستمده غيره في أزمنة متطاولة. وقال أيضاً: "مَن بورك له في عمره، أدرك في يسير من الزمان من منن الله تعالى، ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة". والغالب أن هذه الأمداد إنما تُنال بصحبة الرجال العارفين بالله، فإن المدد الذي يحصل له معهم في ساعة واحدة؛ لا يحصل في أزمنة طويلة مع غيرهم، ولو كثرت صلاتهم وصيامهم. وقال في القوت: فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير، بيقظتك، ما فات غيرك في عمره الطويل بعْد، فيرتفع لك في السنة ما لا يرتفع لغيرك في عشرين سنة. وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب إلحاق برفع الدرجات، وتدارُكٌ بما فات عند أذكارهم، وأعمال قلوبهم، اليسيرة، في هذه الأوقات. فكل ذرة من تسبيح، أو تهليل، أو حمد، أو تدبُّر، أو تبصرة، أو تفكُّر وتذكرة، لمشاهدة قرب، ووجد برب، ونظرة إلى حبيب، ودنو من قريب، أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين، الذين هم لنفوسهم واجدون، وللخلق مشاهدون. ومثال العارفين، فيما ذكرناه؛ من قيامهم بشهادتهم ورعايتهم لأماناتهم وعهدهم، في وقت قربهم وحضورهم؛ مثلُ العامل في ليلة القدر، العمل فيها، لمَن وافقها، خير من ألف شهر. وقد قال بعض العلماء: كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر. هـ. منه. ثم ذكر دلائل قدرته تتميماً لقوله {إن ذلك علىالله يسير} فقال:{وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ...}
الطوسي
تفسير : ست آيات بصرى وسبع في ما عداه عدوا {بخلق جديد} ولم يعده البصريون. قرأ يعقوب ولا {ينقص من عمره} بفتح الياء وضم القاف. الباقون على ما لم يسم فاعله. وقرأ قتيبة {والذين تدعون} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. هذا خطاب من الله سبحانه لجميع خلقه من البشر انه خلقهم من تراب، ويريد ان آدم الذى هو ابوهم ومنه انتسلوا خلقه من تراب ومنه توالدوا. وقيل: إن المراد به جميع الخلق، لانهم إذا خلقهم من نطفة والنطفة تستحيل من الغذاء، والغذاء يستحيل من التراب، فكأنه خلقهم من تراب، ثم جعل التراب نطفة بتدريج. وعلى الأول يكون قوله {ثم من نطفة} معناه ثم خلق اولاد آدم من نطفة ثم استثنا منه عيسى في قوله {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} تفسير : فقوله {ثم جعلكم أزواجاً} أي اشكالا لان الزوج هو الذى معه آخر من شكله، والاثنان زوجان {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} معناه ليس تحمل الانثى من حمل يولد ولا تضعه لتمام ولغير تمام إلا والله تعالى عالم به، لا أن علمه آلة في ذلك، ولا يدل ذلك على أن له علماً يعلم به، لأن المراد ما ذكرناه من انه لا يحصل شيء من ذلك إلا وهو عالم به. وقوله {وما يعمر من معمر} والعمر مدة الأجل للحياة وهو تفضل من الله سبحانه وتعالى يختلف مقداره بحسب ما يعلم من مصالح خلقه، كما يختلف الغنى والفقر، والقوة والضعف، والمعنى: وليس يطول عمر احد ولا ينقص من عمره بأن يذهب بعضه بمضي الليل والنهار إلا وذلك في الكتاب المحفوظ أثبته الله تعالى قبل كونه. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: معنى {ولا ينقص من عمره} أي من عمر معمر آخر، وقال ابو مالك: معناه ولا ينقص من عمره ينقضي ما ينقضي منه. وقال الفراء: هو كقولك: عندي درهم ونصفه أي ومثل نصف الدرهم من غيره. ثم قال {إن ذلك على الله يسير} يعني تعمير من يعمره ونقصان من ينقصه وإثبات ذلك في الكتاب سهل على الله غير متعذر. ثم قال تعالى {وما يستوي البحران} أي لا يستويان لان {هذا عذب فرات سائغ شرابه} اي مرئ شهي {وهذا} الآخر {ملح أجاج} فالفرات أعذب العذب والاجاج أشد المر. والاجاج مشتق من أججت النار كأنه يحرق من مرارته. و {أية : اللؤلؤ والمرجان}تفسير : يخرج من الملح دون العذب. وقيل: في الملح عيون عذبة، وفي ما بينهما يخرج اللؤلؤ. ثم قال {ومن كل} يعني من البحرين العذب والاجاج {تأكلون لحماً طرياً} يعني سمكا {وتستخرجون حلية تلبسونها} من اللؤلؤ والمرجان {وترى الفلك} يعني السفن {فيه مواخر} اي تشق الماء في جريانها شقاً. وقيل: معناه إنها تذهب وتجيء، بلغة قريش وهذيل. وقال الحسن: يعني مواقير كقوله {أية : الفلك المشحون}تفسير : {لتبتغوا من فضله} معناه إنه تعالى خلق ذلك لخلقه ليلتمسوا من فضل الله بركوب البحر للتجارة والمسير فيها طلباً للمنافع وما يخرجون منها من انواع الاشياء لكي يشكروا الله على نعمه ويحمدوه على فضله ثم قال {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} معناه انه ينقص من الليل في النهار عند منقلب الصيف، ومن النهار في الليل عند منقلب الشتاء. وقيل: معناه انه يدخل كل واحد منهما على صاحبه ويتعقبه {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} قدره الله لهما بحسب ما علم من مصالح خلقه إلى الوقت الذي يفنيهما الله فيه. فتسخير الشمس نزولها في بروج مخصوصة في أوقات مخصوصة كل فصل منها لنوع آخر من المنافع لا يختلف الحال فيه، وتسخير القمر جريانه على وتيرة واحدة، فيستدل به على السنين والشهور وذلك يدل على أن مدبره عالم حكيم. ثم قال {ذلكم الله ربكم} الذي يقدر على تسخير الشمس والقمر، وايلاج الليل في النهار والنهار في الليل وخلق البحرين العذب والمالح، ومنع احدهما أن يختلط بالآخر لا يقدر عليه غيره {والذين يدعون من دونه} وتوجهون عبادتكم اليهم من الاصنام والاوثان {ما يملكون من قطير} وهو قشر النواة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطية - فدل على أن من لا يملك هذا القدر لا يستحق العبادة ولا يكون إلهاً. ثم قال {إن تدعوهم} يعني الاصنام {لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} لانها جمادات يستحيل ذلك عليها، ولا يقدرون على ضرر ولا نفع {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} قيل: إن الله تعالى يحيي الاصنام يوم القيامة لينكروا على المشركين، ويوبخوهم على عبادتهم إياهم. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به الملائكة وعيسى. وقوله {لا يسمعوا دعاءكم} أي هم بحيث لا يسمعونه او هم مشتغلون عنهم لا يلتفتون اليهم ولا يصغون ويجوز ان يكون المراد بها الاصنام ويكون ما يظهرونه من بطلان ما ظنوه كفراً بشركهم وجحداً له كما حصل ما في الجماد من الدلالة على الله مسبحاً له وهو كقولهم: سل الارض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فان لم تجبك حواراً اجابتك عتباراً {ولا ينبئك} يا محمد بالشيء على حقيقته {مثل خبير} عالم بما اخبر، والله تعالى هو العالم بالاشياء على حقائقها. ثم قال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} اي محتاجون اليه {والله هو الغني} عن جميع المخلوقات لا تجوز عليه الحاجة، لأنه ليس بجسم فالحاجة من صفة الاجسام {الحميد} يعني المحمود المستحق للحمد على جميع افعاله، والله تعالى لا يفعل إلا ما يستحق به حمداً. ثم اخبر تعالى عن قدرته فقال {إن يشأ يذهبكم} معاشر الخلق ويفنيكم {ويأت بخلق} آخر {جديد} وهو ما كان قريب عهد بانقطاع العمل عنه، واصله القطع من جده يجده إذا قطعه. والجد ابو الأب لانقطاعه عن الولادة بالأب والجد المضي فيه بقطعه أولا اولا من غير تفتير {وما ذلك على الله بعزيز} أي بممتنع فالعزيز المنيع بوجه من الوجوه الذي يتعذر معها الفعل.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ} عطف باعتبار المعنى او على مقدّرٍ كأنّه قال: فالله اعزّكم بالكلم الطّيّب والعمل الصّالح، والله اذلّكم بمكر السّيّئات، والله خلقكم {مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} بالذّكورة والانوثة او جعلكم اصنافاً من الذّكر والانثى، والابيض والاسود، والدّميم والحسن، والشّقىّ والسّعيد {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ} منكم او من مطلق الحيوان {وَلاَ تَضَعُ} جنينها {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} فلا يعزب عنه شيءٌ فكيف يعزب عنه مكر اولئك او عمل المؤمنين {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} معناه ما يبلغ عمر معمّر عمره الطّبيعىّ او قريباً منه او ازيد، وما ينقص من عمره الطّبيعىّ والعمر القريب منه الاّ حال كونه ثابتاً فى كتابٍ هو الكتاب الّذى كتبه الملائكة المصوّرة حين تصويره فى رحم امّه، او الكتاب الّذى هو عالم العقول، او الكتاب الّذى هو عالم النّفوس الكلّيّة او الجزئيّة، او المعنى الاّ حال كونه يكتب بعد اعطاء العمر ونقصانه فى كتابٍ هو كتاب اعماله الّذى يكتبه الملائكة الموكّلة عليه، او هو كتاب المحو والاثبات الّذى يكتب فيه ما يظهر من استعداد المستعدّين من اهل عالم الطّبع فيه بعد ظهور الاستعداد، وهذه الآية بهذا الوجه تدلّ على ثبوت البداء الّذى ورد فى اخبارٍ كثيرةٍ. تحقيق البداء اعلم، انّ الآيات والاخبار تدلّ بالصّراحة والاشارة على ثبوت البداء لله وقد ورد فى الاخبار نسبة التّردّد فى الامر اليه تعالى، وورد ما يدلّ على تأثّر الله فمن فعل العباد مثل اجابة الدّعوات وتغيير الامر والعمر بالصّدقات والصّلات والشّكر والكفران وسائر الحسنات والسّيّئات، وكلّ ذلك يدلّ على انّ الله قد يظهر فعلاً تمّ يتركه ويظهر غيره كالنّادم من فعله الاوّل والمظهر لغيره، ويدلّ بعضها على كون فعل الله تابعاً لفعل العباد، ولذلك انكرت الفلاسفة كلّ ذلك وأوّلوا ما ورد فى الآيات والاخبار من امثال ذلك لانّ ذلك كلّه يدلّ على عجز الله ونقصانه فى فعله، وجهله بعاقبة بعض افعاله، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. فنقول: بيان ذلك يستدعى تحقيق العوالم وبيان حقيقة كلّ عالمٍ وبيان انّ العوالم كلّها مراتب علم الله وارادته وانّ بعض العوالم لضيقه لا يسع ظهور جميع فعليّات ما فى العالم الاعلى ولا يظهر فعليّات ما فى العالم الاعلى فيه الاّ على التعاقب، كما انّ عالم الطّبع لا يسع ظهور فعليّات جميع الصّور فيه الاّ على التّعاقب، فاعلم، انّ العوالم بوجهٍ ثلاثة، وبوجهٍ ستّة، وبوجهٍ سبعة، لانّها امّا مجرّدة ذاتاً وفعلاً عن المادّة والتّقدّر، او مجرّدة ذاتاً متعلّقة فعلاً او متعلّقة ذاتاً وفعلاً بالمادّة، والاولى هى عوالم العقول الطّوليّة المعبّر عنها فى لسان الشّرع بالملائكة المقرّبين وعوالم العقول العرضيّة الّتى يعبّر عنها بارباب الطّلسمات والصّافّات صفّاً والثّانية هى عوالم النّفوس الكلّيّة والجزئيّة المعبّر عنها بالمدبّرات امراً، والملائكة الرّكّع والسّجّد، وعوالم المثال العلوىّ والسّفلىّ، والثّالثة هى عوالم الطّبع الّتى وجودها وجود تعلّقىّ مادّىّ، وانّ العوالم كلّها معلولة لله تعالى، وانّ العلّيّة ليست كما توهّمها المتوهّمون مثل علّيّة البنّاء للبناء والنّار للنّار، والشّمس للتّبييض والتّسويد، بل هى بالتّشأنّ بمعنى انّ المعلول لا بدّ وان يكون شأناً من العلّة ومتقوّماً بها لانّ تقابلهما تقابل التّضائف والمتضائفان غير منفكّين فى الخارج وفى الذّهن فلو لم يكن العلّة داخلة فى قوام المعلول والحال انّ المعلوليّة عين ذات المعلول كان تصوّر المعلول لمن تصوّره بكنهه منفكّاً عن تصوّر العلّة، والعلّيّة فى الحقّ الاوّل تعالى عين ذاته كما انّ المعلوليّة فى الممكن عين ذاته، وانّ ذات العلّة علم وارادة كلّه كما انّه وجود كلّه، ولمّا لم يكن قوام المعلول فارغاً من العلّة كان قوامه علماً وارادةً لله تعالى وانّ المجرّدات الصّرفة كلّما كان لها بالامكان كان حاصلاً لها بالفعل لعدم القوّة والاستعداد فيها وانّ النّفوس الكلّيّة من حيث ذواتها وتجرّدها الذّاتىّ كلّما كان فى العقل بالفعل كان فيها ايضاً بالفعل لكن بنحو البساطة والوجود الوُحدانىّ لا بنحو الكثرة ولذلك كانت النّفوس الكلّيّة لوحاً محفوظاً من التّغيّر والتّبدّل لا يتطرّق اليها المحو والاثبات، وانّ النّفوس الجزئيّة العلويّة الّتى لها تعلّق بعالم المادّة بتوسّط عالم المثال العلوىّ لضيقها عن الاحاطة بالجزئيّات الغير المتناهية ليس كلّما فيها بالقوّة يكون بالفعل بل يتعاقب عليها الفعليّات وتخرج من القوى والاستعدادات بحسب قرب استعداداتها الى الفعليّات من اجل تعلّقها بالمادّيّات، او بحسب تقريب تشبّهاتها المتعاقبة بالعلويّات استعداداتها الى الفعليّات كالنّفوس الخياليّة للانسان فى انّها تتعاقب عليها الفعليّات لاجل ضيقها وعدم احاطتها بجملتها دفعةً وقرب استعداداتها الى الفعليّات الطّيّبة او الرّديّة باعداد العبادات والمعاشرين والافكار الطّيّبة والرّديّة وغير ذلك، وانّ النّفوس الجزئيّة العلويّة كالنّفوس الجزئيّة البشريّة لها وجه الى المادّيّات به تتأثّر منها وتستعدّ لاخذ الفعليّات من العلويّات، ووجه الى المجرّدات به تأخذ من المجرّدات ما قرب استعداداتها منه، وكلّما استعدّ مادّىّ من المادّيّات لحصول صورة او كيفيّة فيه يفيض صورة تلك الصّورة او الكيفيّة من المجرّدات على تلك النّفوس الجزئيّة العلويّة ولكن لضيقها لا يثبت فيها جميع شروطها وجميع معدّاتها وموانعها، فاذا اتّصل بعض النّفوس البشريّة كنفوس الانبياء واوصيائهم (ع) فى النّوم او اليقظة بتلك النّفوس الجزئيّة يشاهد فيها ما ثبت فيها من الصّور والكيفيّات ويرى فيها وقوع الحادثة فيخبر احياناً بتلك الحادثة، ثمّ يرى بعد ذلك تخلّف تلك الحادثة وعدم وقوعها ويرى محوها من تلك النّفوس وثبت ضدّها فيها فيقول على سبيل المشاكلة: بدا لله تعالى فيها او يقول حقيقةً: بدا لله تعالى لانّ تلك المرتبة من النّفوس هى علم الله وارادته ومحو الارادة الاولى وثبت الارادة الثّانيّة ليس الاّ البداء وليس ذلك من جهل وعجز فى الفاعل بل هو من ضيق القابل، وقد يثبت فى تلك النّفوس صورة الحادثة مع جميع الشّرائط والمعدّات والموانع لكنّ المتّصل بها لضيق مداركه عن الاحاطة بجميع ما فيها لا يدرك جميع الموانع والشّروط فيخبر بصورة الحادثة ثمّ تتحلّف الحادثة فيقول: بدا لله تعالى، ولمّا كان تلك النّفوس المتأثّرة من المادّيّات وباعداد المادّيّات يفيض عليها من المجرّدات وكانت هى من مراتب ارادته تعالى صحّ نسبة التّردّد بواسطتها الى الله تعالى وصحّ تأثير الصّدقات والدّعوات والصّلات فيها وتغيير ما فيها ومحو المثبت وثبت الغير المثبت فيها بواسطة ذلك، وما قاله الفلسفىّ من: انّها من الاتّفاقيّات ولا تأثّر للعلوىّ من السّفلىّ، لا يصغى اليه، بعد شهود اهل الشّهود وامكان ذلك فيها، وما ورد عن الصّادق (ع) انّه يبعث عبد المطّلب امّةً واحدةً عليه بهاء الملوك وسيماء الانبياء (ع) وذلك انّه اوّل من قال بالبداء فالمقصود انّه اوّل من حقّق البداء فى حقّه تعالى والاّ فأكثر الانبياء (ع) والسّلف كانوا قائلين بالبداء كما وصل الينا من اخبارنا {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} كما ذكرنا انّ ذلك من لوازم وجود النّفوس الجزئيّة العلويّة لا حاجة له فيه الى تعمّلٍ وتمهيد اسبابٍ.
الأعقم
تفسير : {والله خلقكم من تراب} يعني آدم وهو أبوهم {ثم من نطفة} أي خلق البشر من ماء الرجل والمرأة {ثم جعلكم أزواجاً} أي ذكراً وأنثى {ولا تضع إلا بعلمه} يعني هو العالم بحمله وكيفيته ووضعه {وما يعمر من معمر} قيل: لا حياة لأحد مدة طويلة ولا قصيرة إلا بعلمه، ومعناه ما يعمر من أحد وإنما سماه معمر إنما هو صائر إليه {إلا في كتاب} وصورته أن يكتب في اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الصدقة والصلة يعمران الديار ويزيدان في الأعمار" تفسير : وعن كعب أنه قال حين طعن عمر: لو أن عمر دعا الله لأخر في أجله، فقيل لكعب: أليس الله قد قال: {أية : إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}تفسير : [يونس: 49]، قال: قد قال الله: {ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب}، وعن سعيد بن جبير: يكتب في الصحيفة عمر كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخره، عن قتادة: العمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، والكتاب: اللوح، ويجوز أن يريد بكتاب الله علمه أو صحيفة الانسان {وما يستوي البحران} العذب والمالح وهو مثل للمؤمن والكافر، ومن كل واحد منهما {تأكلون لحماً طرياً} وهو السمك {وتستخرجون حليةً} وهو اللؤلؤ والمرجان {وترى الفلك فيه مواخر} أي جواري تشق الماء شقاً {لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} هذه النعمة {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} وهو إدخال أحدهما في الآخر، قيل: بالزيادة والنقصان، وقيل: بإذهاب أحدهما بالآخر {وسخر الشمس والقمر} يجريا كما يريد {كلّ يجري لأجل مسمى} قيل: لوقت معلوم إلى أن تظهر أشراط الساعة {ذلكم الله ربكم} مدبر هذه الأمور {له الملك} في الدنيا والآخرة {والذين تدعون من دونه} أي يدعونه آلهاً وهو الأصنام {ما يملكون من قطمير} أي لا يقدرون على ذلك على قليل ولا كثير، والقطمير قشر النوى عن ابن عباس {إن تدعوهم} أي تدعو الأوثان {لا يسمعوا دعاءكم} لأنهم جماد {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} قيل: هذا على وجه التقدير أي لو أحياهم وأسمعهم ما أجابوا ولا قدروا على معونتهم {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} يحيي الله الأصنام يوم القيامة فتتبرأ منهم، يعني من المشركين، وقيل: المراد به الملائكة وكل معبود {ولا ينبئك مثل خبير} قيل: لا يخبرك بالصدق إلا الله لأنه عالم بكل شيء، قال جار الله: ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم، يريد به أنه المخبر بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاللهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} يعني آدم خلقه من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: من نسل آدم {ثُمَّ جَعَلكُمْ أَزْوَاجاً} يعني ذكراً وأنثى، والواحد زوج. قال: (أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى) تفسير : [النجم: 45]. قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: هيِّن عليه. ذكروا عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قال عن عمر العبد: كتب في أول الصحيفة أجله، ثم يكتب أسفل من ذلك: مضى يوم كذا وكذا، ومضى يوم كذا وكذا، حتى يأتي إلى أجله. وقال عكرمة: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} آخَرَ يعني أن يكون عمره دون عمر الآخر. وتفسير الحسن: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي: حتى يبلغ أرذل العمر {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: ولا ينقص من آخر عمر المعمَّر فيموت قبل أن يبلغ عمر ذلك المعمّر الذي بلغ أرذل العمر {إِلاَّ فِي كِتَابٍ}. وبعضهم يقول: العمر ها هنا ستّون سنة.
اطفيش
تفسير : {والله خلقكم من تراب} اي بواسطة خلق ابيكم ادم منه. {ثم من نطفة} كل من نطفة آية. {ثم جعلكم أزواجا} اصنافا ذكورا واناثا وقيل زوج بعضكم ببعض وهو قول قتادة. {وما تحمل من أنثى} فاعل ومن موكدة. {ولا تضع} حملها. {إلا بعلمه} الا بمصاحبة علمه وحضرته وعند علمه فالعلم باو على المعنى المصدري متعلق بما قبله على طريق التنازع او مجرد الحذف على ما يأتي ان شاء الله تعالى وقيل حال {وما يعمر من معمر} مطول العمر ومن زائدة في النائب للتأكيد. {ولا ينقص من عمره} من زائدة في المفعول ان اجزنا زيادة من في المعرفة ومضير ينقص لله تعالى او متعلقة بمحذوف وقعت لفاعل ينقص اي لا ينقص شيء ثابت من عمره او من مفعوله اي لا ينقص الله شيئا من عمره. {إلا في كتاب} علم الله او اللوح المحفوظ او الصحف متعلق بما قبله على ما مر في الذي قبله او بمحذوف حال من المعمر والعمر باعتبار التعمير والنقص. وان قلت كيف يقال ما يعمر من معمر؟. قلت: على معنى قولك ان كل من عمّره الله فما ذلك التعمير الذي عمّره الله اياه الا في كتاب فاندفع ما قد يتوهم من تحصيل الحاصل او ان كل من مصيره الى الكبر فالتعمير الذي سيبلغه انما هو في كتاب وعلى هذا فتسميته معمرا من مجاز الاول. وان قلت: فما معنى ولا ينقص من عمره؟. الخ قلت: معناه لا ينقص الله عمرا لمعمر لغيره بأن يعطي من عمره لغيره ويجوز ان يكون معنى النقص من عمره جعل عمره ناقصا والضمير لصاحب العمر الناقص المدلول عليه بالمقابلة فهو على معنى قولك ضيقت فم البئر بمعنى نشأته ضيقا ولست تريد انه كان واسعا ثم ضيقته او الضمير للعمر على طريق الاستخدام فالمعمر المذكور بمعنى مطول العمر والضمير الراجع ليه بمعنى الذي اثبت له العمر فان المعمر كما يطلق على طويل العمر يطلق على صاحب العمر مطلقا طويلا او صغيرا والمراد من الضمير الصغير ولك ان تجعل المعمر بمعنى صاحب العمر طويلا او صغيرا والتطويل يفهم من يعمر والتصغير من ينقص هذا ما ظهر لي من الاوجه في تفسير الآية الموافقة للقواعد المعقولة وذكروا ايضا ان المعمر والمنقوص واقعان على شخص واحد باعتبار اسباب مثل ان يكتب في اللوح المحفوظ ان صدق وصلي كان عمره ستين سنة والى كان ثلاثين فان فعل عمّر والا نقص وكان عمره ثلاثين ومثل ان يثبت في اللوح ان حج وغزا فعمره ستون وان فعل احدهما فثلاثون وهذا عندي ضعيف لعدم فائدته فان الله سبحانه عالم بما يفعل الانسان وما يذر وما يكون عمره على القطع لا يزيد ولا ينقص فما فائدة الكتابة على طريق الشك الا ان يقال فائدته التحريض على الطاعة والمبالغة في الاعداد وقد اوصل ذلك إلى الناس كما امر الكافر بالطاعة والايمان وقد علم حاله واما قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الصدقة والصلاة تعمران الديار وتزيدان في الاعمار" تفسير : فمعناه ان من اسباب عمارة الدنيا وزيادة الاعمار الصدقة والصلاة كم ناس كتب الله انهم سيتصدقون ويصلون وان اعمارهم تطول وتكون كذا وكذا بسبب تصدقهم وصلاتهم وليست اعمارهم اقل ثم يزيد فيها كذا يظهر لي ويجوز ان يكون المعنى ما يعطى لصاحب العمر شيء من عمره ولا ينقص من عمره هذا الذي اعطي له وعاشه الا في كتاب يكتب فيه مضى لفلان كذا وكذا من عمره ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخر عمره ويكتب قبل ذلك عمره كذا وكذا سنة ذكره سعيد بن جبير قال ما مضى من عمره هو النقص وما بقي هو الذي يعمره. وعن قتادة: المعمر من يبلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبلها وقرىء {ولا ينقص} بالبناء للمفعول والنائب من عمره او محذوف نائب عنه نعته وهو عمره. {إن ذلك} الحفظ والزيد او النقص. {على الله يسير} سهل وزعموا عن كعب الاحبار انه قال حين طعن عمر - رضي الله عنه - لو ان عمر دعى الله لأخر في اجله، فقيل: اليس قد قال الله: {أية : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. تفسير : قال: كعب: فقد قال: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب}، وفي رواية انه قال حين احتضر عمر: والله لو دعى الله عمر ان يؤخر اجله لاخر فقيل: له ان الله يقول {أية : فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. تفسير : قال هذا اذا حضر الاجل واما قبل ذلك فيجوز ان يزاد وقرأ الآية وقول كعب فيه هذا مردود عليه.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } دليل آخر على صحة البعث والنشور، أي خلقكم ابتداءً منه في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقاً إجمالياً {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي ثم خلقكم منها خلقاً تفصيلياً {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } أي أصنافاً ذكراناً وإناثاً كما قال سبحانه: {أية : أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً } تفسير : [الشورى:50] وأخرجه ابن أبـي حاتم عن السدي، وأخرج هو وغيره عن قتادة أنه قال قدر بينكم الزوجية وزوج بعضكم بعضاً. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } حال من الفاعل و(من) زائدة أي إلا ملتبسة بعلمه تعالى ومعلومية الفاعل راجعة إلى معلومية أحواله مفصلة ومنها حال ما حملته الأنثى ووضعته فجعله من ذلك أبلغ معنى وأحسن لفظاً من جعله من المفعول أعني المحمول والموضوع لأن المفعول محذوف متروك كما صرح به الزمخشري في حم السجدة، وجعله حالاً من الحمل والوضع أنفسهما خلاف الظاهر. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي من أحد أي وما يمد في عمر أحد وسمي معمراً باعتبار الأول نحو {أية : إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا }تفسير : [يوسف: 36] و«من قتل قتيلاً» على ما ذكر غير واحد وهذا لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وجوز أن يقال لأن {يُعَمَّرُ } مضارع فيقتضي أن لا يكون معمراً بعد ولا ضرورة للحمل على الماضي {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } الضمير عائد على معمر آخر نظير ما قال ابن مالك في عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، ولا يضر في ذلك احتمال أن يكون المراد مثل نصفه لأنه مثال وهو استخدام أو شبيه به وإلى ذلك ذهب الفراء وبعض النحويين ولعله الأظهر. وفسروا المعمر بالمزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله تعالى: {وَلاَ يُنقَصُ } الخ وهو الذي دعاهم إلى إرجاع الضمير إلى نظير المذكور دون عينه ضرورة أنه لا يكون المزيد في عمره منقوصاً من عمره، وقيل عليه: هب أن مرجع الضمير معمر آخر أليس قد نسب النقص في العمر إلى معمر وقد قلتم إنه المزاد عمره. أجيب بأن الأصل وما يعمر من أحد فسمي معمراً باعتبار ما يؤول إليه وعاد الضمير باعتبار الأصل المحول عنه فمآل ذلك ولا ينقص من عمر أحد أي ولا يجعل من ابتداء الأمر ناقصاً فهو نظير قولهم ضيق فم الركية، وقال آخرون: الضمير عائد على المعمر الأول بعينه والمعمر هو الذي جعل الله تعالى له عمراً طال أو قصر؛ ولا مانع أن يكون المعمر ومن ينقص من عمره شخصاً واحداً والمراد بنقص عمره ما يمر منه وينقضي مثلاً يكتب عمره مائة سنة ثم يكتب تحته مضى يوم مضى يومان وهكذا حتى يأتي الخ وروي هذا عن ابن عباس وابن جبير وأبـي مالك وحسان بن عطية والسدي، وقيل بمعناه:شعر : حياتك أنفاس تعد فكلما مضى نفس منها انتقصت به جزأ تفسير : وقيل الزيادة والنقص في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح كما ورد في الخبر «الصدقة تزيد في العمر» فيجوز أن يكون أحد معمراً أي مزاداً في عمره إذا عمل عملاً وينقص من عمره إذا لم يعمله، وهذا لا يلزم منه تغيير التقدير لأنه في تقديره تعالى معلق أيضاً وإن كان ما في علمه تعالى الأزلي وقضائه المبرم لا يعتريه محو على ما عرف عن السلف ولذا جاز الدعاء بطول العمر. وقال كعب: لو أن عمر رضي الله تعالى عنه دعا الله تعالى أخر أجله، ويعلم من هذا أن قول ابن عطية: هذا قول / ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين كما ذهبت إليه المعتزلة ليس بشيء. ومن العجيب قول ابن كمال: النظر الدقيق يحكم بصحة أن المعمر أي الذي قدر له عمر طويل يجوز أن يبلغ ذلك العمر وأن لا يبلغ فيزيد عمره على الأول وينقص على الثاني ومع ذلك لا يلزم التغيير في التقدير لأن المقدر في كل شخص هو الأنفاس المعدودة لا الأيام المحدودة والأعوام الممدودة ثم قال: فافهم هذا السر العجيب وكتب في الهامش حتى ينكشف لك سر اختيار حبس النفس ويتضح وجه صحة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار»تفسير : اهـ. وتعقبه الشهاب الخفاجي بأنه مما لا يعول عليه عاقل ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم والنسائي وابن أبـي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود من قول النبـي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة وقد قالت: اللهم امتعني بزوجي النبـي صلى الله عليه وسلم وبأبـي أبـي سفيان وبأخي معاوية، «سألت الله تعالى لآجال مضروبة وأيام معدودة» الحديث وأطال الجلبـي في رده وهو غني عنه اهـ. وقال بعضهم: يجوز أن لا يبلغ من قدر له عمر طويل ما قدر له بأن يغير ما قدر أولاً بتقدير آخر ولا حجر على الله تعالى، ويشير إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث التراويح «حديث : خشيت أن تفرض عليكم» تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت «حديث : وقني شر ما قضيت»تفسير : وخوفه - عليه من الله تعالى آلاف آلاف صلاة وسلام - من قيام الساعة إذا اشتدت الريح مع إخباره بأن بين يديها خروج المهدي والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما لم يحدث بعد، وغاية ما يلزم من ذلك تغير المعلوم ولا يلزم منه تغير العلم على ما بين في موضعه وعلى هذا لا إشكال في خبر «حديث : الصدقة تزيد في العمر» تفسير : ويتضح أمر فائدة الدعاء، وما يحكى عن بعضهم من نفي القضاء المبرم يرجع إليه، وقد رأيت كراسة لبعض الأفاضل أطال الكلام فيها لتشييد هذا القول وتثبيت أركانه. والحق عندي أن ما في العلم الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر لا يتغير ويجب أن يقع كما علم وإلا يلزم الانقلاب، وما يتبادر منه خلاف ذلك إذا صح مؤول، وخبر «حديث : الصدقة تزيد في العمر»تفسير : قيل إنه خبر آحاد فلا يعارض القطعيات، وقيل المراد أن الصدقة وكذا غيرها من الطاعات تزيد فيما هو المقصود الأهم من العمر وهو اكتساب الخير والكمال والبركة التي بها بها تستكمل النفوس الإنسانية فتفوز بالسعادة الأبدية، والدعاء حكمه حكم سائر الأسباب من الأكل والشرب والتحفظ من شدة الحر والبرد مثلاً ففائدته كفائدتها، وقيل هو لمجرد إظهار الاحتياج والعبودية فليتدبر. وقيل الضمير للمعمر والنقص لغيره أي ولا ينقص من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، وقيل الضمير للمنقوص من عمره وهو وإن لم يصرح به في حكم المذكور كما قيل:شعر : وبضدها تتبين الأشياء تفسير : فيكون عائداً على ما علم من السياق أي ولا ينقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصاً. وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى {ولا ينقص} بالبناء للفاعل وفاعله ضمير المعمر أو {عمره } و {من } زائدة في الفاعل وإن كان متعدياً جاز كونه ضمير الله تعالى. وقرأ الأعرج {من عمره } بسكون الميم. {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } عن ابن عباس هو اللوح المحفوظ، وجوز أن يراد به صحيفة الإنسان فقد أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد أذكر أم أنثى فيقول الله تعالى ويكتب ثم يكتب عمله / ورزقه وأجله وأثره ومصيبته ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منهاتفسير : ، وجوز أيضاً أن يراد به علم الله عز وجل. وذكر في ربط الآيات إن قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } الخ مساق للدلالة على القدرة الكاملة وقوله سبحانه: {مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ } الخ للعلم الشامل وقوله عز وجل: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } الخ لإثبات القضاء والقدر، والمعنى وما يعمر منكم خطاباً لأفراد النوع الإنساني وأيد بذلك الوجه الأول من أوجه {وَمَا يُعَمَّرُ } الخ. {إِنَّ ذٰلِكَ } أي ما ذكر من الخلق وما بعده مع كونه محاراً للعقول والأفهام {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لاستغنائه تعالى عن الأسباب فكذلك البعث والنشور.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجاً}. هذا عود إلى سوق دلائل الوحدانية بدلالة عليها من أنفس الناس بعد أن قدم لهم ما هو من دلالة الآفاق بقوله: { أية : والله الذي أرسل الرياح } تفسير : [فاطر: 9]. فهذا كقوله: { أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } تفسير : [فصلت: 53] وقوله: { أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون } تفسير : [الذاريات: 21] فابتدأهم بتذكيرهم بأصل التكوين الأول من تراب وهو ما تقرر علمُه لدى جميع البشر من أن أصلهم وهو البشر الأول، خلق من طين فصار ذلك حقيقة مقررة في علم البشر وهي مما يعبر عنه في المنطق «بالأصول الموضوعة» القائمة مقام المحسوسات. ثم استدرجهم إلى التكوين الثاني بدلالة خلق النسل من نطفة وذلك علم مستقر في النفوس بمشاهدة الحاضر وقياس الغائب على المشاهد، فكما يجزم المرء بأن نسله خلق من نطفته يجزم بأنه خلق من نطفة أبوية، وهكذا يصعد إلى تخلق أبناء آدم وحواء. والنطفة تقدمت عند قوله تعالى: { أية : أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة } تفسير : في سورة الكهف (37). وقوله: {ثم جعلكم أزواجاً} يشير إلى حالة في التكوين الثاني وهو شرطه من الازدواج. فــــ{ثم} عاطفة الجملةَ فهي دالة على الترتيب الرتبي الذي هو أهمّ في الغرض أعني دلالة التكوين على بديع صنع الخالق سبحانه فذلك موزع على مضمون قوله: {ثم من نطفة}. والمعنى: ثم من نطفة وقد جعلكم أزواجاً لتركيب تلك النطفة، فالاستدلال بدقة صنع النوع الإِنساني من أعظم الدلائل على وحدانية الصانع. وفيها غُنية عن النظر في تأمل صنع بقية الحيوان. والأزواج: جمع زوج وهو الذي يصير بانضمام الفرد إليه زوجاً، أي شفعاً، وقد شاع إطلاقه على صنف الذكور مع صنف الإِناث لاحتياج الفرد الذكر من كل صنف إلى أنثاه من صنفه والعكس. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}. بعد الاستدلال بما في بدء التكوين الثاني من التلاقح بين النطفتين استدل بما ينشأ عن ذلك من الأطوار العارضة للنطفة في الرحم وهو أطوار الحمل من أوله إلى الوضع. وأدمج في ذلك دليل التنبيه على إحاطة علم الله بالكائنات الخفية والظاهرة، ولكون العلم بالخفيّات أعلى قُدّم ذكر الحمل على ذكر الوضع، والمقصود من عطف الوضع أن يدفع توهم وقوف العلم عند الخفيّات التي هي من الغيب دون الظواهر بأن يشتغل عنها بتدبير خفيّاتها كما هو شأن عظماء العلماء من الخلق، لظهور استحالة توجه إرادة الخلق نحو مجهول عند مُريده. والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. والباء للملابسة. والمجرور في موضع الحال. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللهِ يَسِيرٌ}. لا جرم أن الحديث عن التكوين يستتبع ذكر الموت المكتوب على كل بشر فجاء بذكر علمه الآجال والأعمار للتنبيه على سعة العلم الإِلهي. والتعمير: جعل الإِنسان عامراً، أي باقياً في الحياة، فإن العَمر هو مدة الحياة يقال: عَمِر فلان كفرح ونصر وضرب، إذا بقي زماناً، فمعْنى عمّره بالتضعيف: جعله باقياً مدة زائدة على المدة المتعارفة في أعمار الأجيال، ولذلك قوبل بالنقص من العمر، ولذلك لا يوصف بالتعمير صاحبه إلا بالمبني للمجهول فيقال: عُمِّر فلان فهو معمَّر. وقد غلب في هذه الأجيال أن يكون الموت بين الستين والسبعين فما بينهما، فهو عُمر متعارف، والمعمّر الذي يزيد عمره على السبعين، والمنقوص عمره الذي يموت دون الستين. ولذلك كان أرجح الأقوال في تعمير المفقود عند فقهاء المالكية هو الإِبلاغ به سبعين سنة من تاريخ ولادته ووقع القضاء في تونس بأنه ما تجاوز ثمانين سنة، قالوا: لأن الذين يعيشون إلى ثمانين سنة غير قليل فلا ينبغي الحكم باعتبار المفقود ميتاً إلا بعد ذلك لأنه يترتب عليه الميراث ولا ميراث بشك، ولأنه بعد الحكم باعتباره ميتاً تزوج امرأته، وشرط صحة التزوج أن تكون المرأة خليةً من عصمة، ولا يصح إعمال الشرط مع الشك فيه. وهو تخريج فيه نظر. وضمير {من عمره} عائداً إلى {معمر} على تأويل {معمَّر} بــــ (أحد) كأنه قيل: وما يُعَمَّر من أحد ولا ينقص من عمره، أي عمر أحد وآخر. وهذا كلام جار على التسامح في مثله في الاستعمال واعتماداً على أن السامعين يفهمون المراد كقوله تعالى: { أية : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين } تفسير : [النساء: 12] لظهور أنه لا ينقلب الميت وارثاً لمن قد ورثه ولا وارث ميتاً موروثاً لوارثه. والكتاب كناية عن علم الله تعالى الذي لا يغيب عنه معلوم كما أن الشيء المكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص، ويجوز أن يجعل الله موجودات هي كالكتب تسطر فيها الآجال مفصلة وذلك يسير في مخلوقات الله تعالى. ولذلك قال: {إن ذلك على الله يسير} أي لا يلحقه من هذا الضبط عُسر ولا كدّ. وقد ورد هنا الإِشكال العام الناشىء عن التعارض بين أدلة جريان كل شيء على ما هو سابق في علم الله في الأزل، وبين إضافة الأشياء إلى أسباب وطلب اكتساب المرغوب من تلك الأسباب واجتناب المكروه منها فكيف يثبت في هذه الآية للأعمار زيادة ونقص مع كونها في كتاب وعلم لا يقبل التغيير، وكيف يرغَّب في الصدقة مثلاً بأنها تزيد في العمر، وأن صلة الرحم تزيد في العمر. والمَخْلص من هذا ونحوه هو القاعدة الأصلية الفارقة بين كون الشيء معلوماً لله تعالى وبين كونه مراداً، فإن العلم يتعلق بالأشياء الموجودة والمعدومة، والإرادة تتعلق بإيجاد الأشياء على وفق العلم بأنها توجد، فالناس مخاطبون بالسعي لما تتعلق به الإِرادة فإذا تعلقت الإِرادة بالشيء علمنا أن الله علم وقوعه، وما تصرفات الناس ومساعيهم إلا أمارات على ما علمه الله لهم، فصدقة المتصدق أمارة على أن الله علم تعميره، والله تعالى يظهر معلوماته في مظاهر تكريم أو تحقير ليتم النظام الذي أسس الله عليه هذا العالم ويلتئم جميع ما أراده الله من هذا التكوين على وجوه لا يخلّ بعضها ببعض وكل ذلك مقتضى الحكمة العالية. ولا مَخلص من هذا الإِشكال إلا هذا الجواب وجميع ما سواه وإن أقنعَ ابتداءً فمآله إلى حيث ابتدأ الإِشكال.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}. قد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5] الآية. قوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8] مع بيان الأحكام المتعلقة بالآية. قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} قد قدمنا بعض الكلام عليه في آخر سورة الأحزاب، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 11- والله أوجدكم من تراب، إذ خلق أباكم آدم منه، ثم خلقكم من نطفة هى الماء الذى يصب فى الأرحام، وهى أيضاً من أغذية تخرج من التراب، ثم جعلكم ذكراناً وإناثاً، وما تحمل من أنثى ولا تضع حملها إلا بعلمه تعالى، وما يمد فى عمر أحد ولا ينقص من عمره إلا مسجل فى كتاب. إن ذلك على الله سهل هين. 12- وما يستوى البحران فى علمنا وتقديرنا وإن اشتركا فى بعض منافعهما، هذا ماؤه عذب يقطع العطش لشدة عذوبته وحلاوته وسهولة تناوله، وهذا ملح شديد الملوحة. ومن كل منهما تأكلون لحماً طريا مما تصيدون من الأسماك وتستخرجون ما تتخذونه زينة كاللؤلؤ والمرجان. وترى - أيها المشاهد - السفن تجرى فيه شاقة الماء بسرعتها، لتطلبوا شيئاً من فضل الله بالتجارة، ولعلكم تشكرون لربكم هذه النعم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجاً} {كِتَابٍ} (11) - وَاللهُ تَعَالى خَلَقَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ يَتَنَاسَلُونَ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ فَيُخْلَقُونَ مِنْ مَاءٍ مَهِينِ يُصَبُّ فِي الأَرْحَامِ، ثُمَّ جَعَلَ البَشَرَ أصنَافاً (أَزْوَاجاً) ذُكُوراً وَإِنَاثاً، وَجَعَلَ لِلأَنْفُسِ أَزْوَاجاً مِنْ جِنْسِها لِيَسْكُنَ بَعْضُها إِلى بَعْضٍ وَيَطْمَئِنَّ، وَجَعَلَ عَدَدَ الإِنَاثِ مُقَارِباً عَدَدَ الذُّكُورِ لِحِفْظِ النَّوعِ، وَلاَ تَكُونُ المُقَارَبَةُ فِي العَدَدِ إِلاّ بِعِلْمٍ وَتَقْدِيرٍ وَتَدْبيرٍ. وَلا تَحْمِلُ الإِنَاثُ وَلاَ تَضَعُ، إِلاَّ بِعِلْمِ اللهِ وَتَقْدِيرِهِ لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شيءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَلاَ يَقْضِي عَلَى أَحَدٍ بِطُولِ العُمُرِ إِلاَّ بَلَغَ مَا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ، لاَ يَزِيدُ عَلَيهِ وَلاَ يَنْقُصُ، وَلا يَقْضي عَلَى أَحَدٍ بِقِصَرِ العُمْرِ إِلا اسْتَوفَى مَا قُدِّرَ لَهُ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلا نُقْصَانٍ. وَكُلُّ ذلِكَ مَكْتُوبٌ فِي أُمِّ الكِتَابِ عِنْدَ اللهِ. وَضَبْطُ هذا النِّظَامِ البَديعِ القَائِمِ فِي الكَوْنِ هُوَ أَمْرٌ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، لأَنَّهُ تَعَالى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. أَزْوَاجاً - ذُكُوراً وَإِنَاثاً. مُعَمَّرٍ - طَوِيلِ العُمْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تعرضت هذه الآية لقضية الخَلْق الأول للإنسان الخليفة، وهذا الخَلْق كان له مراحل، فالإنسان الأول وهو آدم عليه السلام خُلِق خَلْقاً أولياً من مادة الأرض، وهي التراب الذي يُخلط بالماء، فصار طيناً، هذا الطين مَرَّ بأطوار عدة، فالطين إنْ تركْتَهُ حتى يعطن وتكون له رائحة فهو الحمأ المسنون، فإنْ تركته حتى يجفَّ ويتماسك فهو الصلصال، فهذه - إذن - أطوار للمادة الواحدة التي صَوَّر الله منها آدم، ثم نفخ فيه من روحه، وهذا هو الخَلْق الأول الذي أخذ الله منه حواء، ومنهما يتمُّ التناسل والذرية. وقبل أنْ يتكلم الحق سبحانه عن خَلْق الإنسان تكلَّم عَمَّا خلقه الله للإنسان قبل أنْ يُوجد، فتكلَّم سبحانه عن خَلْق السماوات والأرض {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 1] ثم تكلم عن الملائكة الذين ينزلون بالوحي إلى الرسل من البشر، ثم أنزل من السماء ماءً به تنبت الأرض. هذه كلها مُقوّمات حياة الإنسان، أوجدها الله له قبل أنْ يُوجده هو، وضمن له مُقومات حياته المادية والمعنوية الروحية، المادية بالقوت طعاماً وشراباً وهواءً، والروحية بالمنهج والقرآن؛ لذلك قال سبحانه: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-3]. فالإنسان خُلِق لغاية، كالصانع يحدد غاية الشيء المصنوع قبل أنْ يبدأ فيه، وقُلْنا: إن الذي صنع (التليفزيون) أو الثلاجة لم يصنعها ثم قال: انظروا فيمَ تُستخدم هذه الآلة، إنما قدَّر غايتها، وحدَّد هدفها قبل صناعتها، كذلك الحق سبحانه قبل أنْ يخلق الإنسان قدَّر حركته في الحياة وما يسعده فيها، فوضع له منهج القرآن قبل أن يُخْلق، ثم جاء خَلْق المادة بعد وَضْع المنهج. والحق سبحانه حينما يتكلَّم عن خلق الإنسان، يقول: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [فاطر: 11] فجاء الأسلوب كأنه يتحدث عن غائب، ولم يقُلْ سبحانه أنا خلقتُكم، فكأننا نقول: الله خلق الإنسان من تراب؛ ذلك لأن وسائل الخطاب بين متكلم ومخاطب تأتي على ثلاث صور: ضمير المتكلم أنا، أو ضمير المخاطب أنت، أو ضمير الغائب هو. فالمتكلم حين يتكلم يقول: أنا فعلتُ. من الجائز أن يُكذِّب، فإنْ خُوطِب: أنت فعلت. من الجائز أنْ يُنافق، لكن إذا جاء الأسلوب بصيغة الغائب: هو فعل، فقد برئنا من الادعاء في المتكلم، ومن النفاق في المخاطب. وحين نقول هو خلق يعني: ليس هناك غيره، وسبق أن قلنا: إن ضمير الغائب (هو) لا ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى. وإذا استقرأتَ آيات الخَلْق في القرآن الكريم تجدها بأسلوب الغيبة في مائة وسبع آيات، بداية من قوله تعالى فى سورة البقرة: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] وآخره سورة الفلق: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} تفسير : [الفلق: 1-2] وبأسلوب المتكلم في ست وسبعين آية، مثل: {أية : .. إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ..} تفسير : [الحجرات: 13]. وبأسلوب المخاطب في أربعة مواضع هي: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} تفسير : [آل عمران: 191]. وقوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. وقوله: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. فأسلوب الغيبة هو أكثر هذه الأساليب؛ لأن الحديث عن غائب يخلو من ادعاء، ويخلو من نفاق المواجهة، أو نفاق الخطاب. لكن، ما معنى الخلق؟ قال العلماء: الخَلْق إيجاد من عدم لحكمة أو لغاية مُسْبقة، لا مجرد الإيجاد من عدم، كيف؟ أنت إذا أخذت قطعة كبيرة من طين جاف ورميتَها على الأرض، فإنها تتفتتُ قِطَعاً مختلفةَ الأشكال، وربما وجدت منها على شكل هلال، وأخرى على شكل نجمة، وأخرى على شكل وجه إنسان أو حيوان. هذا يُعد إيجاداً، لكن لا يُعَدُّ خَلْقاً؛ لأن الخَلْقَ إيجاد مقصود لغاية مقصودة، وحكمة مرادة، وهذه مهمة الخالق وحده سبحانه. فإنْ قلتَ: كيف واللهُ تعالى يثبت لنا خَلْقاً في قوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. قلنا: إن الخالق سبحانه يُقدِّر مجهودات البشر، ولا يبخسهم حقوقهم؛ لذلك يثبت لهم المشاركة في الخَلْق مع الفارق الواضح بين خَلْق الله وخَلْق غيره، فإذا وُصِف الإنسانُ بأنه خالق، فالله أحسن الخالقين؛ لأن سبحانه يخلق من عدم، وأنت تخلق من موجود، وخَلْقك يثبت على حالة واحدة، ويجمد عليها، أما خَلْق الله فيتطور وتدبّ فيه الحياة فيتغذّى وينمو ويتناسل .. إلخ. ومثَّلْنا لذلك بصانع الزجاج يأخذ مثلاً الرمل المخلوق لله، ثم يعالجه بطريقة معينة، ويُحوِّله إلى زجاج، نعم أنت خلقْتَ شيئاً؛ لأن هذا الكوب لم يكُنْ موجوداً، فأوجدته، لكن من مادة موجودة مخلوقة لله، وعقل فكّر هو من مخلوقات الله، ونار صهرتْ هي من خَلْق الله. ثم إنك لا تستطيع أنْ تمنح هذا الكوب صفة الحياة، فينمو مثلاً، أو يتكاثر، إذن: إن أثبتَ الله لك خَلْقاً فهو سبحانه أحسن الخالقين. والحق سبحانه يقول هنا: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [فاطر: 11] وفي مواضع أخرى قال: {أية : مِّن طِينٍ} تفسير : [الأنعام: 2] وقال {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] وقال: {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمن: 14] ولا تعارضَ بين هذه الأقوال؛ لأنها أطوار للمادة الواحدة كما بيَّنا، كالثوب الذي تلبسه تقول: هذا الثوب من القطن، أو من الغزل، أو من النسيج، فهي مراحل تمر بها المادة الواحدة. فليس في هذا تناقض في المراحل، إنما التناقض في أنْ يكون الشيء مرتبة واحدة، ثم تجعله مراتب، إنما هذه المسألة مراحل للمرتبة الواحدة، كالطفل يصير غلاماً، ثم شاباً، ثم رجلاً، ثم كَهْلاً .. إلخ كلها مراحل لإنسان واحد. الحق سبحانه حكم في كونه بأشياء، ونهى العقل أنْ يفكر في أشياء، قال: أنا خلقتُ لك الكون والمادة، وضمنتُ لك مقوِّمات حياتك، فإنْ أردتَ أن تُرقَّي نفسك فأعمل عقلك في المادة المخلوقة لله، واستنبط منها على قَدْر إمكاناتك، لكن لا تشغل بالك بأمرين لا جدوى من التفكير فيهما، هذان الأمران هما خَلْق السماوات والأَرض وخَلْق الناس؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. فخَلْق السماوات والأرض وخَلْق الإنسان مسألة لم يشهدها أحد منكم، ولم يكُنْ مع الله سبحانه معاون يخبركم بما حدث، لكن احذروا سيأتي في المستقبل مُضِلُّون يُضلُّونكم في هذه المسألة، يقولون لكم - كما يقول المضلون الآن - إن السماوات والأرض كانتا قطعة واحدة ملتهبة، وحدث لها كذا وكذا، أو أن الإنسان أصله الأول قرد تطور إلى إنسان، احذروا هؤلاء، ولا تأخذوا معلوماتكم إلا مِمَّنْ شهدها ويعلمها، وهو الحق سبحانه وتعالى. لكن الحق سبحانه خلق العقل آلة للتفكير، وجعل له منافذ يصل من خلالها إلى الحقيقة، والاستدلال بما رآه على ما غاب عنه، فعلى العقل أنْ يتأمل ما يراه ويستدل به على ما لا يراه. نحن لم نشهد عملية الخَلْق، لكن شهدنا عملية الموت، والموت نَقْضٌ للخَلْق، كما أن الهدم نَقْضٌ للبناء. فهذه قضية فلسفية للعقل فيها دور، فأنت حين تريد بناء عمارة مثلاً من عشرة أدوار تبدأ ببناء الدور الأول، لكن إنْ أردتَ هدمها تبدأ بالدور العاشر، فالهدم على عكس البناء، كذلك الموت نقيض الحياة. فالذي لم نشاهده من عملية الخَلْق أخبرنا الله به في كتابه، فقال: خلقتكم من تراب صار طيناً، ثم صار الطين حمأ مسنوناً، وصار الحمأ المسنون صلصالاً كالفخار، تشكَّل على صورة الإنسان، ثم نفخ فيه اللهُ الروحَ فدبَّتْ فيه الحياة. ونحن شاهدنا الموت ورأيناه يأتي على عكس عملية الخَلْق، فأول شيء في الموت أنْ تفارق الروحُ الجسدَ، فيتصلَّب حتى يكون كالفخار، ثم يرمَّ، وتتغير رائحته كأنها الحمأ المسنون، ثم تمتصُّ الأرضُ ما فيه من مائية ليعود إلى تراب وفُتَات يختلط بتراب الأرض، ويعود إلى أمه التي جاء منها. إذن: خُذْ مما شاهدتَ دليلاً على صدق ما أخبرك الله به مما لم تشاهده. الحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلَّم عن الخلق تكلم عن مرحلتين: الأولى: خَلْق الإنسان الأول آدم عليه السلام من طين، ولكى يتم التكاثر لعمارة الأرض كانت المرحلة الثانية بأنْ خلق له زوجه، فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} تفسير : [الأعراف: 189]. والظنُّ يتسع في هذه المسألة، فيصح أنه سبحانه أخذ قطعة من آدم وخلق منها حواء، ويصح أنْ تكون هذه القطعة كذلك كانت من الطين، لكن اكتفى بالتشريع الأول للرجل، ومن آدم وحواء أنشأ النسل، وتم الاستخلاف في الأرض. ولكي نخرج من المتاهة في هذه المسألة نقول: قوله تعالى {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1] يعني: من جنسها، من جنس خَلْقها، كما قال سبحانه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] يعنى: من جنسكم. لكن، أيخلق الله هذا الخَلْق، ويستخلف خليفته في الأرض، ثم يتركه دون أنْ يُمدَّه بالمنهج الذي حكم حركته حياته؟ لا، لا بُدَّ أنْ يُنْزل له المنهج؛ لأن معنى الخلافة تقتضي أنْ يُوجد هذا المنهج. والحق سبحانه حين يُملِّك خليفته أشياء تأتمر بأمره ربما غرَّه ذلك الملك فقال له: اذكر أنك لستَ أصيلاً، وأنك خليفة، وطالما تتذكر أنك خليفة فلن تطغى، إنما الذي يُطغِيك أن تظنَّ أنك أصيل في الكون، والأصيل في الكون هو الذي يحفظ ما وُهِب له، هو الذي لا يمرض ولا يموت، ولا يوجد معه مَنْ هو أقوى منه. إذن: تذكَّر أنك مُسْتخلف، وما دُمْتَ مستخلفاً فعليك أنْ تنفذ أوامر مَن استخلفك. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الخَلْق الأول من تراب وخَلْق الزوجة، يُحدِّثنا عن الخَلْق العام الذي سيأتي منه البشر جميعاً بعد آدم وحواء، وبالتزاوج يتم الخَلْق عن طريق النطفة، فيقول سبحانه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} [فاطر: 11]. وفي موضع آخر فصَّل مراحل النطفة، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} تفسير : [الحج: 5]. وأول زواج تم بين أولاد آدم تمَّ بالتباعد، فابن هذه البطن يتزوج أخته من بطن أخرى، وهكذا كان التباعد بحسب زيادة النسل قَدْر المستطاع، ومسألة التباعد هذه هي التي أدتْ إلى أول جريمة قَتْل في البشرية، وهي مسألة قابيل وهابيل، فلما اتسعتْ الدنيا، وكَثُر الناس مُنِع زواج الأخت والخالة والعمة. وقد أثبت العلم أهمية التباعد في الزواج، وأن زواج الأقارب يثمر نسلاً أضعف من زواج الأباعد، حتى في الزراعة أثبتوا أن زراعة الحبوب المستخرجة في نفس أرضها يعطي محصولاً أقلَّ؛ لذلك لجئوا في الزراعة إلى عملية التهجين. والنبي صلى الله عليه وسلم يحثُّ على هذا التباعد، فيقول: "حديث : اغتربوا لا تضووا" تفسير : يعني: لا تتزوج شديدة القرابة منك؛ لأن الأقارب خصائص وجودهم واحدة والدم واحد، أما في الاغتراب، فالخصائص مختلفة والدم مختلف؛ لذلك يأتي النسل أقوى؛ لذلك فطن الشاعر العربي إلى هذه المسألة، فقال: شعر : أُنذِرَ مَنْ كَانَ بعيد الهَمِّ تَزْويج أولادِ بناتِ العَمّ فليسَ بنَاجٍ من ضَوى وسَقَم بأَبي وإنْ أَطْعمتَهُ لا يَنْمي تفسير : وقد لاحظوا ضَعْف النسل في الأُسَر التي تزوج أولادها من الأقارب، ومدحوا الاغتراب، فقال الشاعر: شعر : فَتَىً لم تِلدْهُ بنْتُ عَمٍّ قريبة فيضْوَى وقد يَضْوى سَلِيلُ الأقَارِب تفسير : وآخرَ يبتعد عن بنت عمه في الزواج رغم حُبِّه لها، ويقول: شعر : تَجَاوزْتُ بنتَ العَمِّ وهْيَ حَبيبةٌ مَخَافَةَ أنْ يَضْوِيَ عليَّ سَليلُها تفسير : ثم يقول تعالى: {أية : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} تفسير : [فاطر: 11] عملية حَمْل الأنثى تتم نتيجة الالتقاء بين الذكر والأنثى تحت مظلة الشرع ومنهج الله، وللعلماء كلام طويل في مسألة حمل المرأة، أهي المسئولة عنه أم الرجل، وأخيراً سمعنا من التحاليل التي أجرَوْهَا أنَّ الرجل هو المسئول عن ميكروب الذكورة أو الأنوثة، أما المرأة فتحمل البويضة التي تستقبل هذا أو ذاك. وعجيب أن تفطن المرأة العربية القديمة إلى نتائج العلم الحديث الآن، وأن يكون لديها إلمامٌ وفَهْم لهذه المسألة، فالمرأة البدوية التي كانت لا تنجب إلا البنات، فغضب عليها زوجها، وذهب فتزوَّج بأخرى لتنجب له الولد، وهجر الأولى، فأنشدت وقالت: شعر : مَا لأبي حَمْزةَ لا يَأْتِينَا غَضْبانَ ألاَّ نَلِدَ البَنينا تَاللَّه مَا ذَاكَ في أيدينَا ونحن كالأرْضِ لِغَارسِيناَ *نُعطِي لَهُمْ مثْلَ الذِي أُعْطِينَا* تفسير : وعجيب أنْ تتكلم البدوية بما توصَّلَ إليه العلم الحديث في القرن العشرين، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يثبت لنا أن الفطرة السليمة البعيدة عن الهوى قد تصل إلى حقائق الكون، فسداد الرأي لا يجتمع وهوى النفس؛ لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، ومن ذلك ما رُوِي عن سيدنا عمر من أن القرآن كان ينزل على وَفْق ما يراه، وما ذاك إلا لسلامة فطرته. وقوله: {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] هذه مراحل تمر بها المرأة، أولاً، تزوجت ثم حملت، ثم وضعتْ حملها، وهذه كلها مراحل السلامة، ولم يذكر - سبحانه وتعالى - ما يطرأ على الحمل من عطب، فقد تحمل الأم ويسقط جنينها ولا تضعه. والإعجاز الذي يصاحب عملية الحمل أن الدم الذي ينزل من المرأة حال الدورة الشهرية يتحول عندما تحمل إلى غذاء للجنين فكأن هذا الدم ليس رزقاً لها، بل رزق ولدها إنْ قُدِّر لها الحمل، وإن لم يُقدَّر لها حمل نزل منها دون أن تستفيد منه بشيء. والعجيب أن هذا الدم يكفي الجنين الواحد، ويكفي الاثنين والثلاثة، والأكثر من ذلك، وأخيراً سمعنا عن المرأة التي ولدتْ سبعة، ومع ذلك كانت بحالة جيدة يعني: لم ينقص من وزنها شيء، وكأن الخالق عز وجلّ يذكّرنا قبل أنْ تحملوا هَمَّ القوت والأرزاق انظروا ما فعل الله بكم وأنتم في بطون أمهاتكم، فلكُلٍّ منكم رزق لا يتعدَّاه ولا يُخطئه. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ". تفسير : ومع تقدُّم العلم الآن لم يستطيعوا تحديد موعد الولادة بشكل قاطع، وستبقى هذه اللحظة في علم الله {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] لماذا؟ لأننا نعرف نعم مدة الحمل، لكن لا نعرف على وجه التحديد متى التصق (الزيجوت) في الرحم؛ لذلك فإن أطباء الولادة دائماً ما يقولون ستضع الحامل بين كذا وكذا من الأيام. إذن: لحظة الولادة أشبه ما تكون في خفائها بلحظة الموت لا يعلمها إلا الله، ومعنى يعلمها يعني: يعلمها بكل ما يحيط بها من ملابسات وأحداث. وبعد أنْ تضع المرأةُ حملها تتحول إلى مرضعة وحاضنة فيُجري لها الخالق سبحانه رِزْق ولدها لترضعه دون أنْ يأخذ من رزقها شيئاً، لأن إمداد الله لها مستمر، والشيء ينقص إنْ أُخذ منه دون إمداد. ثم يقول سبحانه: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] يُعمّر يعني: يمد الله في عمره، وعندنا في اللغة أفعال ملازمة للبناء للمجهول، فمثلاً نقول: زُكم فلان لأنه لم يجلب لنفسه الزكام، كذلك نقول: فلا عُمِّر. هو لم يُعمِّر نفسه، إنما عمَّره الله، لذلك جاء بصيغة اسم المفعول مُعَمَّر، والمُعمَّر يعني: طويل العمر. وهذا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون معترضين كالعادة، بسبب جهلهم باللغة العربية وأساليبها، قالوا: كيف يُعمَّر بالفعل، فيعيش مائة سنة مثلاً ثم ينقص من عمره؟ نقول: هم معذورون؛ لأنهم لا يعلمون أن في اللغة ضميراً ومرجعاً للضمير. فتقول مثلاً: قابلتُ فلاناً فأكرمتُه، فالهاء في أكرمته تعود على فلان هذا، وتقول: تصدقتُ بدرهم ونصفه. فهل يعني هذا أنك تصدقتَ بدرهم، ثم أعدته ثانية ونصَّفته؟ لا إنما المعنى: تصدقت بدرهم ونصف درهم مثله، فمرة يعود الضمير على ذات واحدة، ومرة يعود على واحد من مثله، كما في: تصدقت بدرهم ونصفه. والإنسان له ذات وله صفات، ذاته هي قوام تكوينه، وصفاته ما يطرأ على الذات من أوصاف، فكَوْنه معمَّراً يعني بلغ سناً كبيرة، وكما يعود الضمير على مثل الأول أو على بعض مثله، كذلك يعود على بعض ذاته، فالمعمَّر ذاتٌ ثبت لها التعمير، فعلامَ يعود الضمير في {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [فاطر: 11] صحيح حينما يصل إلى مائة سنة لا نستطيع أنْ نُميته في سِنِّ العشرين مثلاً. إذن: أعد الضمير على الذات دون الصفة، وما يُعمَّر من مُعمَّر، ولا ينقص من ذاته، فالذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله، فيصير المعنى مثل: تصدَّقْتُ بدرهم ونصفه. والحق سبحانه حدَّثنا عن التعمير عندما تكلم عن اليهود: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]. وقالوا: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80]. فردَّ الله عليهم: إنْ كنتم ضمنتم الجنة، وأنه لا يأخذها منكم أحد، فتمنَّوْا الموت الذي يوصلكم إليها: {أية : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة: 94]. ثم حكم الله عليهم {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 95-96]. فمعنى {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [فاطر: 11] يعني: من عمر ذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله. وقوله {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: في اللوح المحفوظ، فكلُّ ما يحدث في الأعمار وفي فترات الحمل والوضع من الإنقاص أو الزيادة، كله مُسطَّر معلوم في اللوح المحفوظ {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر: 11] فإنْ كان صعباً عليكم وعلى فهمكم فهو يسيرٌ وسهلٌ على الله سبحانه. ألاَ ترى لسيدنا زكريا عليه السلام وهو يدعو الله أنْ يرزقه الولد الصالح الذي يرث النبوة من بعده، مع أنه بلغ من الكِبَر عتياً وامرأته عاقر، وأيّ ذرية بعد هذا السِّن خاصةً إنْ كانت الزوجةَ عاقراً؟ لكن، إنْ كانت بقوانين الله، فالأمر سهل ميسور. واقرأ: {أية : وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 5-9]. إذن: لا تقِسْ المسألة على قدرتك وقانونك؛ لأن الفعل يُنسَب إلى الله، لا إلى بشر. كذلك سيدنا موسى - عليه السلام - لما تبعه فرعون بجنوده حتى حاصره وضيَّق عليه الخناق حتى قال أتباع موسى {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] ولم لا والبحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فقال موسى قولةَ الواثق بربه وقدرته التي لا حدودَ لها {أية : قَالَ كَلاَّ} تفسير : [الشعراء: 62] يعني: لن يدركونا، قالها بما لديه من رصيد الثقة بالله {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] فجاءه الفرج لِتوِّهِ {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]. رأى موسى طريقاً يابساً يشقُّ البحر، فعبر هو وقومه إلى أن أصبح في الجانب الآخر، فأراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته، فلا يعبره فرعون، لكن نهاه ربه، فالمعجزة لم تنتهِ بَعْد، وما زال لها بقية، والله تعالى قادر على أنْ يُنْجي ويُهلِك بالشيء الواحد، وظل الطريق اليابس على يبوسته حتى اغترَّ به فرعون، فعبره ليلحق بموسى، ولما نزل آخر جندي من جنود فرعون أطبقَ اللهُ عليهم الماءَ، وأعاده إلى سيولته، فأغرق فرعونَ وجنوده، هذه طلاقة القدرة التي لا تحدُّها حدود، ولا تخضع للأسباب. كذلك تأمل مسألة الخَلْق والتكاثر تجد جمهرة الناس جاءوا من ذكر وأنثى، وهذه هي القاعدة، لكن قدرة الله لا يُعجزها أنْ تأتي بالخَلْق في كل مراحل القسمة العقلية المنطقية في هذه المسألة، فالخالق سبحانه خلق آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب. إذن: نقول الأمر هَيِّن يسير على الله، وإنْ ظننْتَهُ أنت صعباً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى خلقه الآدمي، وتنقله في هذه الأطوار، من تراب إلى نطفة وما بعدها. { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } أي: لم يزل ينقلكم، طورا بعد طور، حتى أوصلكم إلى أن كنتم أزواجا، ذكرا يتزوج أنثى، ويراد بالزواج، الذرية والأولاد، فهو وإن كان النكاح من الأسباب فيه، فإنه مقترن بقضاء اللّه وقدره، وعلمه، { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ } وكذلك أطوار الآدمي، كلها بعلمه وقضائه. { وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } أي: عمر الذي كان معمرا عمرا طويلا { إِلا } بعلمه تعالى، أو ما ينقص من عمر الإنسان الذي هو بصدد أن يصل إليه، لولا ما سلكه من أسباب قصر العمر، كالزنا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، ونحو ذلك مما ذكر أنها من أسباب قصر العمر. والمعنى: أن طول العمر وقصره، بسبب وبغير سبب كله بعلمه تعالى، وقد أثبت ذلك { فِي كِتَابٍ } حوى ما يجري على العبد، في جميع أوقاته وأيام حياته. { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } أي: إحاطة علمه بتلك المعلومات الكثيرة، وإحاطة كتابه فيها، فهذه ثلاثة أدلة من أدلة البعث والنشور، كلها عقلية، نبه اللّه عليها في هذه الآيات: إحياء الأرض بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى، وتنقل الآدمي في تلك الأطوار. فالذي أوجده ونقله، طبقا بعد طبق، وحالا بعد حال، حتى بلغ ما قدر له، فهو على إعادته وإنشائه النشأة الأخرى أقدر، وهو أهون عليه، وإحاطة علمه بجميع أجزاء العالم، العلوي والسفلي، دقيقها وجليلها، الذي في القلوب، والأجنة التي في البطون، وزيادة الأعمار ونقصها، وإثبات ذلك كله في كتاب. فالذي كان هذا [نعته] يسيرا عليه، فإعادته للأموات أيسر وأيسر. فتبارك من كثر خيره، ونبه عباده على ما فيه صلاحهم، في معاشهم ومعادهم.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سور الملائكة [عليهم السلام] قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [11] 449 - أخبرنا أحمدُ بنُ يحيى بن الوزير بن سُليمان، قال: سمعتُ بن وهبٍ يقولُ: حدَّثني يونسُ، عن ابن شِهابٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "من سَرَّهُ أن يُبسطَ عليهِ رزقهُ أو ينسأَ في أثرِهِ فليصل رحِمَهُ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2454- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن ابن المسيّب، في قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}: [الآية: 11]، قالَ: لما طَعَنَ عمر بن الخطاب، قال كعب: لو أَنَّ عمر دعا الله لأخَّر في أجله، فقال الناس: سبحان الله، أليس قد قال الله: {أية : إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : : [يونس: 49]، فقال كعب: أو ليس قد قال الله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ}، قال الزهري: فنرى أن ذلك يؤخر ما لم يحضر الأجل، فإذا حَضَرَ لَمْ يؤَخَّر، قال الزهري: وليس أحدٌ إلاَّ وله أَجَلٌ مَكْتُوبٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):