Verse. 3672 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرٰنِ۝۰ۤۖ ھٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَاۗىِٕــغٌ شَرَابُہٗ وَ ھٰذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ۝۰ۭ وَمِنْ كُلٍّ تَاْكُلُوْنَ لَحْمًا طَرِيًّا وَّتَسْتَخْرِجُوْنَ حِلْيَۃً تَلْبَسُوْنَہَا۝۰ۚ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيْہِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوْا مِنْ فَضْلِہٖ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ۝۱۲
Wama yastawee albahrani hatha AAathbun furatun saighun sharabuhu wahatha milhun ojajun wamin kullin takuloona lahman tariyyan watastakhrijoona hilyatan talbasoonaha watara alfulka feehi mawakhira litabtaghoo min fadlihi walaAAallakum tashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما يستوي البحران هذا عذب فرات» شديد العذوبة «سائغ شرابه» شربه «وهذا ملح أجاج» شديد الملوحة «ومن كل» منهما «تأكلون لحما طريا» هو السمك «وتستخرجون» من الملح، وقيل منهما «حلية تلبسونها» هي اللؤلؤ والمرجان «وترى» تُبصر «الفلك» السفن «فيه» في كل منهما «مواخر» تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة «لتبتغوا» تطلبوا «من فضله» تعالى بالتجارة «ولعلكم تشكرون» الله على ذلك.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح الأجاج. ثم على هذا، فقوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع إذا اللحم الطري يوجد فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجري فيهما، ولا نفع في الكفر والكافر، وهذا على نسق قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الأعراف:179] وقوله: {أية : كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [البقرة:74] والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج، ولو كان ذلك بإيجاب لما اختلف المستويان، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة، فإن اللحم الطري يوجد فيهما، واللحية تؤخذ منهما، ومن يوجد في المتشابهين اختلافاً ومن المختلفين اشتباهاً لا يكون إلا قادراً مختاراً. وقوله: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ } إشارة إلى أن عدم استوائهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة لا يقال في ماء البحر إذا كان فيه ملوحة مالح، وإنما يقال له ملح، وقد يذكر في بعض كتب الفقه يصير بها ماء البحر مالحاً، ويؤاخذ قائله به. وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقى فيه ملح حتى ملح لا يقال له إلا مالح، وماء ملح يقال للماء الذي صار من أصل خلقته كذلك، لأن المالح شيء فيه ملح ظاهر في الذوق، والماء الملح ليس ماء وملحاً بخلاف الطعام المالح فالماء العذب الملقى فيه الملح ماء فيه ملح ظاهر في الذوق، بخلاف ما هو من أصل خلقته كذلك، فلما قال الفقيه الملح أجزاء أرضية سبخة يصير بها ماء البحر مالحاً راعى فيه الأصل فإنه جعله ماء جاوره ملح، وأهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه ملح جعلوه كذلك من أصل الخلقة، والأجاج المر، وقوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } من الطير والسمك {وتستخرجون حلية تلبسونها} من اللؤلؤ والمرجان {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } أي ماخرات تمخر البحر بالجريان أي تشق، وقوله: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يدل على ما ذكرناه من أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} فيه أربع مسائل: الأولى: قال ابن عباس: «فُراتٌ» حلو، و«أُجَاجٌ» مرّ. وقرأ طلحة: «هذا مَلِح أجاج» بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف. وأما المالح فهو الذي يجعل فيه الملح. وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق «سيغ شرابه» مثل سيد وميت. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} لا اختلاف في أنه منهما جميعاً. وقد مضى في «النحل» الكلام فيه. الثانية: قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح، فقيل منهما لأنهما مختلطان. وقال غيره: إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدرّ وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون، فهو مأخوذ منهما؛ لأن في البحر عيوناً عذبة، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج. وقيل: من مطر السماء. وقال محمد بن يزيد قولاً رابعاً، قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة. النحاس: وهذا أحسنها وليس هذا عنده، لأنهما مختلطان، ولكن جمعا ثم أخبر عن أحدهما كما قال جل وعز: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73]. وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيراً وشَرًّا. وكما تقول: لو رأيت الأصمعي وسيبويه لملأت يدك لغة ونحواً. فقد عرف معنى هذا، وهو كلام فصيح كثير، فكذا: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} فاجتمعا في الأوّل وانفرد الملح بالثاني. الثالثة: وفي قوله: {تَلْبَسُونَهَا} دليل على أن لباس كل شيء بحسبه؛ فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل. وفي البخاري والنسائي عن ابن سِيرين قال قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال نعم. وفي الصحاح عن أنس «فقمت على حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس». الحديث. الرابعة: قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} قال النحاس: أي ماء الملح خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما. وقد مَخَرت السفينة تَمْخُر إذا شقت الماء. وقد مضى هذا في «النحل». {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} قال مجاهد: التجارة في الفُلك إلى البلدان البعيدة في مدّة قريبة؛ كما تقدّم في «البقرة». وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على ما آتاكم من فضله. وقيل: على ما أنجاكم من هَوْله.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره، والأجاج الذي يحرق بملوحته. وقرىء «سيغ» بالتشديد و «سيغ» بالتخفيف و {مِلْحٌ} على فعل. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم، أو تمام التمثيل والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته، لا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك فيه العذب من المنافع. والمراد بـ {ٱلْحِلْيَةِ } اللآلىء واليواقيت. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ} في كل. {مَوَاخِرَ} تشق الماء بجريها. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من فضل الله بالنقلة فيها، واللام متعلقة بـ {مَوَاخِرَ }، ويجوز أن تتعلق بما دل عليه الأفعال المذكورة. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } على ذلك وحرف الترجي باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} هي مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ } الإِشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. وفيها إشعار بأن فاعليته لها موجبة لثبوت الأخبار المترادفة، ويحتمل أن يكون {لَهُ ٱلْمُلْكُ } كلاماً مبتدأ في قرآن. {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} للدلالة على تفرده بالألوهية والربوبية، والقطمير لفافة النواة. {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ} لأنهم جماد {وَلَوْ سَمِعُواْ} على سبيل الفرض. {مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} لعدم قدرتهم على الإِنفاع، أو لتبرئهم منكم مما تدعون لهم. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } بإشراككم لهم يقرون ببطلانه أو يقولون {أية : مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }تفسير : [يونس: 28] {وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} ولا يخبرك بالأمر مخبر {مِثْلُ خَبِيرٍ} به أخبرك وهو الله سبحانه وتعالى، فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ } في أنفسكم وما يعن لكم، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإِضافة إلى فقرهم غير معتد به ولذلك قال: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً }تفسير : [النساء: 28] {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} المستغني على الإِطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } بقوم آخرين أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه. {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} بمتعذر أو متعسر. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وأما قوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } نفس أثقلها الأوزار. {إِلَىٰ حِمْلِهَا } تحمل بعض أوزارها. {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ} لم تجب لحمل شيء منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } ولو كان المدعو ذا قرابتها، فأضمر المدعو لدلالة إن تدع عليه. وقرىء «ذو قربى» على حذف الخبر وهو أولى من جعل كان التامة فإنها لا تلائم نظم الكلام. {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} غائبين عن عذابه، أو عن الناس في خلواتهم، أو غائباً عنهم عذابه. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } فإنهم المنتفعون بالإِنذار لا غير، واختلاف الفعلين لما مر من الاستمرار. {وَمَن تَزَكَّىٰ} ومن تطهر من دنس المعاصي. {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} إذ نفعه لها، وقرىء «ومن أزكى فإنما يزكي» وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } فيجازيهم على تزكيهم. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الكافر والمؤمن، وقيل هما مثلان للصنم ولله عز وجل. {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } ولا الباطل ولا الحق. {وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} ولا الثواب ولا العقاب، ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد. و {ٱلْحَرُورُ } فعول من الحر غلب على السموم. وقيل السموم ما يهب نهاراً والحرور ما تهب ليلاً. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَاء وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل. وقيل للعلماء والجهلاء. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ} هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته. {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ} ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم. {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} فما عليك إلا الإِنذار وأما الإِسماع فلا إليك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم. {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ} محقين أو محقاً، أو إرسالاً مصحوباً بالحق، ويجوز أن يكون صلة لقوله: {بَشِيراً وَنَذِيراً} أي بشيراً بالوعد الحق ونذيراً بالوعيد الحق. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ } أهل عصر. {إِلاَّ خَلاَ} مضى. {فِيهَا نَذِيرٌ} من نبي أو عالم ينذر عنه، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قرينة البشارة سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإِنذار هو الأهم المقصود من البعثة. {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم. {وَبِٱلزُّبُرِ} كصحف إبراهيم عليه السلام. {وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} كالتوراة والإِنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منبهاً على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة؛ خلق البحرين: العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس؛ من كبار وصغار؛ بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران، والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك، {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مر، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعافاً مرة، ولهذا قال: {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مر. ثم قال تعالى: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} يعني: السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} كما قال عز وجل: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ فَبِأَىِّ ءَالاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ }تفسير : ؟ [الرحمن: 22 ــــ 23] وقوله جل وعلا: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي: تمخره وتشقه بحيزومها، وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير، وهو صدره، وقال مجاهد: تمخر الريح السفن، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام. وقوله جل وعلا: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، الجميع من فضله ورحمته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } شديد العذوبة {سَآئِغٌ شَرَابُهُ } شربه {وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة {وَمِن كُلٍّ} منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } هو السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ } من الملح، وقيل منهما {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } هي اللؤلؤ والمرجان {وَتَرَىٰ } تبصر {ٱلْفُلْكَ } السفن {فِيهِ } في كل منهما {مَوَاخِرَ } تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لِّتَبْتَغُواْ } تطلبوا {مِن فَضْلِهِ } تعالى بالتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ذلك.

الماوردي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يستويان في أنفسهما. الثاني: في منافع الناس بهما. {هذَا عَذْبٌ فُراتٌ} والفرات هو العذب وذكره تأكيداً لاختلاف اللفظين كما يقال هذا حسن جميل. {سَآئَغٌ شَرَابُهُ} أي ماؤه. {وَهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي مُرٌّ مأخوذ من أجة النار كأنه يحرق من شدة المرارة، قال الشاعر: شعر : دُرَّةٌ في اليمين أخرجها الغا ئص من قعر بحر ملح أجاج تفسير : {وَمِن كُلٍّ تَأكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} يعني لحم الحيتان مأكول من كلا البحرين. {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} اللؤلؤ والمرجان يستخرج من الملح، ويكون المراد أحدهما وإن عطف بالكلام عليهما. وقيل: بل هو مأخوذ منهما لأن في البحر عيوناً عذبة، وما بينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج وقيل من مطر السماء. ثم قال: {تَلْبَسُونَهَا} وإن لبسها النساء دون الرجال لأن جمالها عائد عليهم جميعاً. {وَتَرى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} فيه خمسة أوجه: أحدها: مقبلة ومدبرة وريح واحدة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: مواقر، قاله الحسن. قال الشاعر: شعر : تراها إذا راحت ثقالاً كأنها مواخر فلك أو نعام حوافل تفسير : الثالث: معترضة، قاله أبو وائل. الرابع: جواري، قاله ابن قتيبة. الخامس: تمخر الماء أي تشقه في جريها شقاً، قاله علي بن عيسى. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} قال مجاهد: التجاة في الفلك. ويحتمل وجهاً آخر ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتان. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فيه وجهان]: أحدهما: على ما آتاكم من نعمه. الثاني: على ما آتاكم من فضله. ويحتمل ثالثاً: على ما أنجاكم من هوله.

ابن عطية

تفسير : هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، و {البحران} يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و"الفرات" الشديد العذوبة، و"الأجاج" الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي "سيّغ شرابه" بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة "مَلِح" بفتح الميم وكسر اللام، و"اللحم الطري" الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك {الفلك} تجري في البحرين، وبقيت "الحلية" وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : [الرحمن: 22]، وكما قال {أية : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} تفسير : [الأنعام: 128]، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج جوهره بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضاً فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضاً فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعاً. قال القاضي أبو محمد: وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر: [الطويل] شعر : فجاء بها ما شئت من لطمية وجهها ماء الفرات يموج تفسير : وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، و {الفلك} في هذا الموضع جمع بدليل صفته بجمع، و {مواخر} جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم "المواخر" التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. قال القاضي أبو محمد: هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون {الفلك} هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى: {لتبتغوا} يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي.

ابن عبد السلام

تفسير : {فُرَاتٌ} أي عذب كقولهم حسن جميل {أُجَاجٌ} مُرّ من أجة النار كأنه يحرق لمرارته {لَحْماً طَرِيّاً} الحيتان منهما {وَتَسْتَخْرِجُونَ} الحلية من الملح دون العذب، أو في البحر الملح عيون عذبة يخرج اللؤلؤ فيما بينهما عند التمازج، أو من مطر السماء و {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بالتجارة في الفلك. {وَلا تَزِرُ} لا تحمل نفس ذنوب أخرى ومنه الوزير لتحمله أثقال الملك بتدبيره {وَإِن تَدْعُ} نفس مثقلة بالذنوب إلى تحمل ذنوبها لم تجد من يحمل عنها شيئاً وإن كان المدعو للتحمل قريباً مناسباً ولو تحمل ما قبل تحمله لقوله ـ تعالى ـ {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ} {بِالْغَيْبِ} في السر حيث لا يراه أحد أو في التصديق بالآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال‏:‏ ‏"‏حديث : الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج‏} ‏ قال‏:‏ الأجاج المر ‏{‏ومن كل تأكلون لحماً طريا‏ً} ‏ أي منهما جميعاً ‏{‏وتستخرجون حلية تلبسونها‏} ‏ هذا اللؤلؤ ‏ {‏وترى الفلك فيه مواخر‏}‏ قال‏:‏ السفن مقبلة ومدبرة تجري بريح واحدة ‏ {‏يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل‏} ‏ قال‏:‏ نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل‏ {‏وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى‏} ‏ قال‏:‏ أجل معلوم، وحد لا يتعداه ولا يقصر دونه ‏ {‏ذلكم الله ربكم‏}‏ يقول‏:‏ هو الذي سخر لكم هذا‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر فقال‏:‏ بحران لا يضرك من أيهما توضأت‏.‏ ماء البحر، وماء الفرات‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏ومن كل تأكلون لحماً طرياً‏} ‏قال‏:‏ السمك ‏ {‏وتستخرجون حلية تلبسونها‏}‏ قال‏:‏ اللؤلؤ من البحر الأجاج‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {‏ما يملكون من قطمير‏} ‏ قال‏:‏ القطمير القشر، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏من قطمير‏} ‏ قال‏:‏ الجلدة البيضاء التي على النواة قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول‏: شعر : لم أنل منهم بسطاً ولا زبداً ولا فوفة ولا قطميرا تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ القطمير الذي بين النواة والتمرة، القشر الأبيض‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏قطمير‏} ‏ قال‏:‏ لفافة النواة كسحاة البصلة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏ {‏من قطمير‏} ‏ قال‏:‏ رأس التمرة يعني القمع‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} مَثلٌ ضُرب للمؤمنِ والكافرِ. والفُراتُ: للذي يكسرُ العطشَ والسَّائغُ الذي يَسهلُ انحدارُه لعذوبتِه. والأُجاج الذي يحرقُ بملوحتِه. وقُرىء سيِّغ كَسيِّد وسَيْغٌ بالتَّخفيفِ. ومَلِح ككَتِفٍ. وقوله تعالى: {وَمِن كُلّ} أي من كلِّ واحدٍ منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ} أي من المالحِ خاصَّةً {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} إمَّا استطرادٌ في صفةِ البحرينِ وما فيهما من النِّعمِ والمنافعِ، وإمَّا تكملةٌ للتَّمثيلِ. والمعنى كما أنَّهما وإن اشتركا في بعضِ الفوائدِ لا يتساويانِ من حيثُ أنَّهما متفاوتانِ فيما هو المقصودُ بالذَّاتِ من الماءِ لمَّا خالطَ أحدهما ما أفسدَه وغيَّره عن كمال فطرته لا يساوي الكافرُ المؤمنَ وإنْ شاركه في بعض الصِّفاتِ كالشَّجاعةِ والسَّخاوةِ ونحوهما لتباينهما فيما هو الخاصيَّةُ العُظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصليَّةِ وحيازتِه لكماله اللائقِ دون الآخر أو تفضيلٌ للأُجاجِ على الكافرِ من حيثُ أنَّه يشارك العذبَ في منافعَ كثيرةٍ والكافرُ خِلْوٌ من المنافعِ بالكُلِّية على طريقةِ قوله تعالى: { أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللهِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 74] والمرادُ بالحلية اللؤلؤُ والمرجانُ {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ} أي في كلَ منهما. وإفرادُ ضميرِ الخطابِ مع جمعِه فيما سبقَ وما لحقَ لأنَّ الخطابَ لكُلِّ أحدٍ تتأتَّى منه الرُّؤيةُ دونَ المنتفعينَ بالبحرينِ فَقَطْ {مَوَاخِرَ} شواقَّ للماءِ بجريها مقبلةً ومدبرةً بريحٍ واحدةٍ {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} من فضلِ الله تعالى بالنقلة فيها واللام متعلِّقة بمواخرَ وقد جُوِّز تعلُّقها بما يدلُّ عليه الأفعالُ المذكورةُ أي فعلَ ذلك لتبتغُوا من فضلِه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولتشكُروا على ذلك. وحرفُ التَّرجِّي للإيذانِ بكونِه مرضياً عند الله تعالى. {يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} بزيادةِ أحدِهما ونقصِ الآخرِ بإضافةِ بعضِ أجزاءِ كلَ منهما إلى الآخرِ {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} عطفٌ على يُولج. واختلافُهما صيغةً لما أنَّ إيلاجَ أحدِ المَلَوينِ في الآخر متجددٌ حيناً فحيناً، وأمَّا تسخِّيرُ النيرِّينِ فأمرٌ لا تعدُّدَ فيه وإنَّما المتعددُ والمتجددُ آثارُه. وقد أُشير إليهِ بقولِه تعالى: {كُلٌّ يَجْرِى} أي بحسبِ حركتِه الخاصَّةِ وحركتِه القسريةِ على المداراتِ اليوميَّةِ المُتعدِّدةِ حسب تعدُّدِ أيَّام السَّنةِ جَرياناً مستمرَّاً {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} قدَّره الله تعالى لجريانهما وهو يومُ القيامةِ كما رُوي عن الحسنِ رحمه الله وقيل: جريانُهما عبارةٌ عن حركتيهما الخاصَّتينِ بهما في فلكيهما، والأجلُ المُسمَّى هو منتهى دورتيهما، ومدَّةُ الجريانِ للشَّمسِ سنةٌ وللقمرِ شهرٌ وقد مرَّ تفصيلُه في سُورة لقمانُ {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى فاعلِ الأفاعيلِ المذكورةِ، وما فيهِ من معنى البُعدِ للإيذانِ بغايةِ العظمةِ وهو مبتدأٌ وما بعدَه أخبارٌ مترادفةٌ أي ذلكُم العظيُم الشَّأنِ الذي أبدعَ هذه الصَّنائعَ البديعةَ {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} وفيه من الدِّلالةِ على أنَّ إبداعَه تعالى لتلك البدائعِ ممَّا يُوجبُ ثبوتَ تلك الأخبارِ له ما لا يخفى، ويجوزُ أنْ يكونَ الأخيرُ كلاماً مُبتدأً في مقابلةِ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} للدِّلالةِ على تفرُّدِه تعالى بالأُلوهيَّةِ والرُّبوبـيَّةِ. وقُرىء يَدعُون بالياءِ التحتانيةِ. والقطميرُ لفافةُ النَّواةِ وهو مَثَلٌ في القلَّةِ والحقارةِ.

القشيري

تفسير : لا تستوي الحالتان: هذه إقبالٌ على الله، واشتغالٌ بطاعته، واستقلال بمعرفته... وهذه إِعْراضٌ عن الله، وانقباضٌ عن عبادته، واعتراض - على الله - في قسمته وقبضته. هذه سبب وصاله، وهذه سببُ هَجْرِه وانفصاله، وفي كلِّ واحدةٍ من الحالتين يعيش أهلها، ويُزْجِي أصحابُها وقتَها. ولا يستوي الوقتان: هذا بَسطٌ وصاحبُه في رَوْح، وهذا قبضٌ وصاحبه في نَوْح. هذا خوفٌ وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاءٌ وصاحبه في ارتياح. هذا فَرْقٌ وصاحبُه بوصف العبودية، وهذا جَمْعٌ وصاحبُه في شهود الربوبية. {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}: كذلك كُلٌّ يتقرَّبُ في حالته لربِّه، ويتزَيَّنُ على بابه، وهو حِلْيَتُه التي بها يتحلّى من طَرَبٍ أو حَرَبٍ، من شَرَفٍ أو تَلْفٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما يستوى البحران} اصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير ويقال للمتوسع فى العلم بحر. وفى القاموس البحر الماء الكثير عذبا او ملحا. وقال بعضهم البحر فى الاصل يقال للملح دون العذب فقوله وما يستوى البحران الخ انما سمى العذب بحرا لكونه مع الملح كما يقال للشمس والقمر قمران. قال فى اخوان الصفا فان قيل ما البحار يقال هى مستنقعات على وجه الارض حاصرة للمياه المجتمعة فيها {هذا} البحر {عذب} طيب بالفارسية [شيرين] {فرات} بليغ عذوبته بحيث يكسر العطش. قال فى تاج المصادر [الفروتة: خوش شدن آب] والنعت فعال ويقال للواحد والجمع {سائغ شرابه} سهل انحدار مائه فى الحلق لعذوبته فان العذب لكونه ملائما للطبع تجذبه القوة الجاذبة بسهولة. والسائغ بالفارسية [كوارنده] يقال ساغ الشراب سهل مدخله والشراب ما شرب والمراد هنا الماء {وهذا} البحر الآخر {ملح} [تلخست]. قال فى المفردات الملح الماء الذى تغير طعمه التغير المعروف وتجمد ويقال له ملح اذا تغير طعمه وان لم يتجمد فيقال ماء ملح وقلما تقول العرب مالح ثم استعير من لفظ الملح الملاحة فقيل رجل مليح {اجاج} شديد ملوحته بحيث يحرق بملوحته وهو نقيض الفرات. قال فى خريدة العجائب الحكمة فى كون ماء البحر ملحا اجاجا لا يذاق ولا يساغ لئلا ينتن من تقادم الدهور والازمان وعلى ممرّ الاحقاب والاحيان فيهلك من نتنه العالم الارضى ولو كان عذبا لكان كذلك ألا ترى الى العين التى بها ينظر الانسان الارض والسماء والعالم والالوان وهى شحمه مغمورة فى الدمع وهو ماء مالح والشحم لا يصان الا بالملح فكان الدمع مالحا لذلك المعنى انتهى. واما الانهار العظيمة العذبة فلجريانها دائما لم يتغير طعمها ورائحتها فان التغير انما يحصل من الوقوف فى مكان {ومن كل} اى من كل واحد من البحرين المختلفين طعما {تأكلون} ايها الناس {لحما طريا} غضا جديدا من الطراء [والطراوة: والفارسية ميخوريد كوشتى تازه يعنى ما هى] وصف السمك بالطراوة وهى: وبالفارسية [تارة شدن] لتسارع الفساد اليه فيسارع الى اكله طريا ومضى باقى النقل فى سورة النحل {وتستخرجون} اى من المالح خاصة ولم يقل منه لانه معلوم {حلية} زينة اى لؤلؤا ومرجانا. وفى الاسئلة المقحمة اراد بالحلية اللآلى واللآلى انما تخرج من ملح اجاج لا من عذب فرات فكيف اضافها الى البحرين والجواب قد قيل ان اللآلى تخرج من عذب فرات وفى الملح عيون من ماء عذب ينعقد فيه اللؤلؤ والمرجان انتهى. قال فى الخريدة اللؤلؤ يتكون فى بحر الهند وفارس والمرجان ينبت فى البحر كالشجر واذا كلس المرجان عقد الزئبق فمنه ابيض ومنه احمر ومنه اسود وهو يقوى العين كحلا وينشف رطوبتها {تلبسونها} اى تلبس تلك الحلية نساؤكم ولما كان تزينهن بها لاجل الرجال فكأنها زينتهم ولباسهم ولذا اسند اليهم وفى الحديث "حديث : كلم الله البحرين فقال للبحر الذى بالشام يا بحر انى قد خلقتك واكثرت فيك من الماء وانى حامل فيك عبادا لى يسبحوننى ويحمدوننى ويهللوننى ويكبروننى فما انت صانع بهم قال اغرقهم قال الله تعالى فانى احملهم على ظهرك بأسك نواصيك" وقال للبحر الذى باليمن "انى قد خلقتك واكثرت فيك الماء وانى حامل فيك عبادا يسبحوننى ويحمدوننى ويهللوننى ويكبروننى فما انت صانع بهم قال اسبحك واحمدك واهللك واكبرك معهم واحملهم على ظهرى قال الله تعالى فانى افضلك على البحر الآخر بالحلية والطرى" تفسير : كذا فى كشف الاسرار {وترى الفلك} السفينة {فيه} اى فى كل منهما وافراد ضمير الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق لان الخطاب لكل احد يأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط {مواخر} يقال سفينة ماخرة اذا جرت تشق الماء مع صوت والجمع المواخر كما فى المفردات والمعنى شواق للماء بجريها مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لتبتغوا} [تاطلب كنيد] واللام متعلق بمواخر {من فضله} اى من فضل الله تعالى بالنقلة فيها. قال فى بحر العلوم ابتغاء الفضل التجارة وهى اعظم اسباب سعة الرزق وزيادته قال عليه السلام "حديث : تسعة اعشار رزق امتى فى البيع والشراء" تفسير : {ولعلكم تشكرون} اى ولتشكروا على ذلك الفضل وحرف الترجى للايذان بكونه مرضيا عنده تعالى. وفى بحر العلوم وكى تعرفوا نعم الله فتقوموا بحقها سيما انه جعل المهالك سببا لوجود المنافع وحصول المعايش. واعلم ان الله تعالى ذكر هذه الآية دلالة على قدرته وبيانا لنعمته. وقال بعضهم ضرب البحر العذب والملح مثلا للمؤمن والكافر فكما لا يستوى البحران فى الطعم فكذا المؤمن والكافر [يكى ازحلاوت ايمان عين عذب عرفانست وديكر از مرارت عصيان بحر اجاج كفر وطغيان آن آب حيات آمد واين نقش سرابست اين عين خطا باشد وآن محض صوابست] فقوله ومن كل الخ اما استطراد فى صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع او تفضيل للاجاج على الكافر من حيث انه يشارك العذب فى منافع كثيرة كالسمك وجرى الفلك ونحوهما والكافر خلا من المنافع بالكية على طريقة قوله تعالى {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة او اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله} تفسير : ورحم الله ابا الليث حيث قال فى تفسيره ومن كل يظهر شئ من الصلاح يعنى يلد الكافر المسلم مثل ما ولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد وابو جهل عكرمة بن ابى جهل. والاشارة بالبحر العذب الى الروح وصفاته الحميدة ومشربه الواردات الربانية وبالملح الى النفس وصفاتها الذميمة ومشربها الشهوات الحيوانية ولنا سفينتان الشريعة والطريقة فسفينة الشريعة تجرى من بحر الروح الى بحر النفس فيها احمال الاوامر والنواهى وسفينة الطريقة تجرى من بحر الروح الى الحضرة فيها احمال الاسرار والحقائق والمغانى والمقصود الوصول الى الحضرة على قدمى الشريعة والطريقة. وفى كشف الاسرار [اين دودرياى مختلف يكى فرات ويكى اجاج. مثال دو درياست كه ميان بنده وخداست يكى درياى هلاك ديكر درياى نجات. دردرياى هلاك بنج كشتى روانست. يكى حرص. وديكر رياست. ديكر اصرار برمعاصى. جهارم غفلت بنجم قنوط. هركه در كشتئ حرص نشيند بساحل حسرت رسد. هركه در كشتئ قنوط نشيند بساحل كفر رسد. اما درياى نجات بساحل عطارسد. دركشتىء زهد نشيند بساحل قربت رسد هركه دركشتئ معرفت نشيند بساحل انس رسد. هركه در كشتئ توحيد نشيند بساحل مشاهده رسد. بيرطريقت موعظتى بليغ كفته ياران ودوستان خودرا كفت اى عزيزان وبرادران هنكام آن آمد كه ازين درياى هلاك نجات جوييد واز ورطة فترت برخيزيد نعيم باقى باين سراى فانى نفروشيد نفس بخدمت بيكانه است بيكانه را مبروريد دل بى يقظت غول است تابغول صحبت مدار يد نفس بى آكاهى باداست باباد عرم مكذرانيد باسمى ورسمى ازحقيقت قانع مباشيد از مكر نهانى ايمن منشينيد ازكار خاتمه ونفس باز بسين همواره برحذر باشيد شيرين سخن ونيكو نظمى كه آن جوانمرد كفته است] شعر : اى دل ار عقبيت بايد جنك ازين دنيا بدار باك بازى بيشكه كير وراه دين كه اختيار باى دردنيا نه وبردوز جشم نام وننك دست در عقبى زن وبربندراه فخر وعار جون زنان تاكى نشينى براميدرنك وبوى همت اندر راه بند كامزن مردانه وار جشم آن نادان كه عشق آوردبر رنك صدف والله آرديدش رسد هركز بدرشاهوار تفسير : قال بعض اهل المعرفة {وما يستوى البحران} اى الوقتان هذا بسط وصاحبه فى روح وهذا قبض وصاحبه فى نوح هذا فرق وصاحبه يوصف بالعبودية وهذا جمع وصاحبه فى شهود الربوبية [بنده تادر قبض است خوابش جون خواب غرق شدكان خوردش جون خورد بيماران عيشش جون عيش زندانيان بسزاى نياز خويش مى زيد بخوارى وراه مى برد بزارى زبزبان تذلل مى كويد برآب دوجشم وبر آتش جكرم برباد دودستم وبرازخاك سرم جون زارى وخوارى بغايت رسد وتذلل وعجزى ظاهر كردد رب العزة تدارك دل وى كند دربسط وانبساط بردل وى كشايد وقت وى خوش كردد دلش بامولى بيوسته وسر باطلاع حق آراسته وبزبان شكر ميكويد الهى محنت من بودى دولت من شدى اندوه من بودى راحت من شدى داغ من بودى جراغ من شدى جراحت من بودى مرهم من شدى] نسأل الله الخلاص من البرازخ والقيود والوصول الى الغاية القصوى من الوجدان والشهود انه رحيم ودود

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما يستوي البحرانِ} في العذوبة والملوحة، بل هما مختلفان، والماء واحد، {هذا عذب فُرات} أي: شديد العذوبة. وقيل: هو الذي يَكْسر العطش؛ لشدة برودته، {سائغ شَرابُهُ} أي: سهل الانحدار، مريء، لعذوبته، {وهذا مِلحٌ أُجاج} شديد الملوحة، وقيل: الذي تُحرِق ملوحته. {ومن كُلِّ} أي: من كل واحد منهما {تأكلون لحماً طرياً} وهو السمك، {وتستخرجون حِليةً} وهي اللؤلؤ والمرجان. قيل: من الملح فقط. وقيل: منهما. قال بعضهم: نسب استخراج الحلية إليهما؛ لأنه تكون في البحر عيون عذبة، تمتزج بماء الملح، فيكون اللؤلؤ من ذلك. هـ. {تلبسونها} أي: نساؤكم؛ لأن القصد بالتزيُّن هو الرجال. {وترى الفلكَ} السفن، {فيه مواخِرَ} شواقّ للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء: شَقَّته، وهي جمع ماخرة، {لتبتغوا من فضله} من فضل الله، ولم يتقدم له ذكر في الآية؛ ولكن فيما قبلها، ولو لم يجرِ له ذكر، لم يشكل لدلالة المعنى عليه. {ولعلكم تشكرون} الله على ما أولاكم من فضله. وقيل: هو ضرب مثل للكافر والمؤمن، فالمؤمن يجري عذب فُرات، والكافر ملحٌ أُجاج. ثم ذكر ـ على سبيل الاستطراد ـ ما يتعلق بالبحرين من نِعَم الله وعطائه. ويحتملُ أن يكون على غير الاستطراد، وهو أن يشبّه الجنسيْن، ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر، وهو ما خصّ به من المنافع، كاستخراج اللؤلؤ، والمرجان، والسمك، وجري الفلك فيه، وغير ذلك. والكافر خلوّ من المنافع بالكلية، فهو على طريقة قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ثم قال: {أية : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهَ الأَنْهَارُ...}تفسير : [البقرة: 74]. الإشارة: بحر الشريعة عذب فُرات، سائغ شرابه، وبحر الحقيقة مِلح أُجاج؛ لأنه مُرّ على النفس، يحتاج ركوبه إلى بذل المُهج والنفوس، وحط الرؤوس، وبذل الأموال، ورفض الأوطان والدنيا وأهلها. بخلاف الشريعة، فلا تحتاج إلى هذا كله، وإن كانت متوقفة على مشاق التعلُّم والتدريس، ولن تُنال مع بقاء عز النفس والمال والجاه، وغير ذلك. ومن كُلٍّ تأكلون لحماً طرياً، فبحر الشريعة يُنال منه حلاوة المعاملة الظاهرة، وبحر الحقيقة يُأكل منه حلاوة الشهود والمعرفة. وترى سُفن الأفكار في بحار الأحدية، مواخر، تجول في عظمة بحر الجبروت والملكوت، ولِتبتغوا من فضله تمامَ معرفته، ولتكونوا من الشاكرين أي: ممن يعبد شُكراً، لا قهراً. قال القشيري: وما يستوي الوقتان، هذا بسط، وصاحبه في رَوْح، وهذا قبضٌ، وصاحبه في نَوْح. هذا خوفٌ وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاءٌ وصاحبه في ارتياح. قلت: الرجاء عذب. والخوف ملح، خلاف ما يقتضي كلامه. ثم قال: هذا فرق، وصاحبه بوصف العبودية، وهذا جمع، وصاحبه بشهود الربوبية. ثم ذكر دليلاً آخر فقال: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} قد مضى فى سورة الفرقان بيان للبحرين {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} الفلك المواخر الّتى يسمع صوت جريها او تشقّ الماء بجؤجؤها، او المقبلة والمدبرة بريحٍ واحدةٍ {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} اى من فضل الله بالتّجارات الرّابحة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النّعمة الّتى اودعها الله تعالى فى الفلك والبحرين.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي: حلو {سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مالح مر. {وَمِن كُلٍّ} أي: من العذب والمالح {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} يعني الحيتان {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني اللؤلؤ {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي: مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في البحر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: ولكي تشكروا هذه النعم. قوله تعالى: {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمّىً} لا يعدوه. {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يقوله للمشركين، يعني أوثانهم. {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} وهي القشرة، السحاءة، البيضاء التي تكون على النواة. {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} أي: بعبادتكم إياهم {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. وهو الله. قال: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: المستحمد إلى خلقه، استوجب عليهم أن يحمدوه. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: يهلككم بعذاب الاستئصال {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} هو أطوع له منكم. كقوله: (أية : إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ) تفسير : [المعارج: 40-41]. قال: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} أي: أن يفعل ذلك بكم. قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنب أحد. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي: من الذنوب {إِلَى حِمْلِهَا} ليحمل عنها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أي: لا يحمل القريب عن قريبه شيئاً من ذنوبه {إِنَّمَا تُنذِرُ} أي: إنما يقبل نِذارتك {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} أي: في السّر حيث لا يطّلع عليهم أحد {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} أي: المفروضة {وَمَن تَزَكَّى} اي: عمل صالحاً {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} أي: يجد ثوابه، {وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} أي: المرجع.

اطفيش

تفسير : {وما يستوي البحران} العذب والمالح مثل المؤمن والكافر. {هذا عذب} حلو. {فرات} شديد العذوبة كسار للعطش. {سائغ شرابه} سهل انحداره في الحلق خفيف فالشراب بمعنى الشرب وقرىء {سيغ} بالتشديد والاسكان. {وهذا ملح} وقرىء بفتح الميم وكسر اللام شديد الملوحة وقيل مر. {أجاج} يحرق الحلق بملوحته. {ومن كل} من البحرين. {تأكلون لحما طريا} السمك هذا وما بعده استطراد خارج عن المثل في صفة البحرين وما فيهما من النعم ويجوز ان يكون تماما للمثل لا استطرادا فيكون ذما للكافر واحترازا عن ان يكون فيه نفع كما كان في المالح فان في المالح كالعذب اللحم الطري وفيهما ما ذكره الله بقوله. {وتستخرجون حلية} اللآليء، واليواقيت. {تلبسونها} تتزينون بها وتعلقونها على اجسادكم كما تعلقون اللباس فكر بعضهم ان في المالح عيونا عذبة تتمزج بالمالح فيكون اللؤلؤ والياقوت منهما فصح انهما من البحرين اي الماء العذب والماء المالح والاولى عندي ان استخراج الحلية مختص بالمالح عائد اليه وحده دون تكلف باعتبار العيون العذبة في البحر المالح وتكلف ان المالح بحر عذب وبحر مالح لتلك العيون فيه وفي البحر المالح ايضا كالعذب ما ذكره بقوله. {وترى الفلك فيه} اي في كل من البحرين. {مواخر} فوق الماء اي تشقه يجري بها فيه مقبلة ومدبرة بالريح ولا منفعة في الكافر فالبحر المالح افضل منه ويجوز ان يكون ذلك من تمام المثل كما مر لكن على طريق اخرى هي ان الماء العذب باق على اصله من الحلاوة وفيه المنافع غيرها ايضا والمالح متغير عن اصل خلقته بالملوحة المفسدة له المبطلة للمنفعة العظمى والعهد الاول والكافر متغير وناقض ولو اشتركا في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة. {لتبتغوا من فضله} اي من فضل الله بالتجارة عليها واللام متعلقة بمواخر فتكون للصيرورة او بمحذوف تقديره سخرناها او فعلنا ذلك فتكون للتعليل. {ولعلكم تشكرون} الله على نعمته فلعل هنا للتعليل ومن الشكر الاقرار بالوحدانية وهو مطلوب كما يقتضيه المقام.

اطفيش

تفسير : {وما يَسْتَوي البَحران} تمثيل للتفاوت بين المؤمن والكافر، وأل لحقيقة البحر العذب والبحر الملح، لتعدد كل منهما، والبحر الماء المغرق ولو كان يجرى، وكذا الإشارتان للحقيقة فى قوله: {هَذا} الخ {عَذبٌ} طيب {فُراتٌ} شديد العذوبة، كأسود حالك، وأصفر ناقع، وأبيض يقق، وقيل: كاسر للعطش ومزيله، ولعله تفسير باللازم، فمن شأن شديد العذوبة ازالة العطش ازالة شديدة {سائغ شرابُه} سهل انحداره لموافقته للطبع، وخلوه من مكدر {وهَذا مِلْحٌ} مُغاير للطبع المغايرة المعروفة كملح الطعام اذا كثر فى طعام أو شراب، ويقال أيضا على القلة مالح، وليس لغة رديئة كما قيل، وقيل: الملح ما ملح بالخلقة، والمالح ما ملح بمخالطة شىء {أجاجٌ} شديد الملوحة كأنه يحرق بملوحته، والمؤمن كالبحر العذب، والكفار كالبحر الملح، واستأنف كلاما خارجا عن التمثيل بقوله: {ومِن كُل تأكُلون لحماً طرياً وتَسْتخرجُون حِليَةً تلْبسُونها} كما خرج عن التمثيل قوله تعالى: {وتَرى الفُلْك فيه مَواخِر} وذلك لأنه لا فائدة تحصل من الكافر، كما تحصل من المؤمن، وتستخرجون حليةً تلبسونها خارج عن التمثيل، فانه لا حلية من البحر العذب، فقوله: {وتستخرجون حلية تلبسونها} عائد الى الملح، أى وتستخرجون من الملح حلية، أو ذلك مجموع، وكل لا كلية كما فى قوله تعالى: "أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان"تفسير : [الرحمن: 22] ويدل لذلك افراد الضمير فى فيه، فان أمر الفلك فى الملح أعظم منه فى العذب والمتبادر، رد الهاء الى الملح، وقد يقال: الفائدة من الكافر أخذ ماله وذريته، أو الجزية. ولا يكفى جوابا ما قيل: ان بعض الصخر التى فى مجرى السيل تكسر، ويخرج منها حجر الماس، وهو حلية، اذ لا ندرى أصح ذلك أم لا، بل هو حجر متقوم كحجوزة وأصغر لا أكبر، يكسر جميع الأجساد الحجرية، وإمساكه فى الفم يكسر الأسنان، ولا تعمل فيه النار والحديد، وانما يكسره الرصاص ويستحقه، ويثقب به الدر وغيره، واذ ليس ذلك من البحر المتبادر، ولا ما قيل: إنه يستخرج منه سمك يؤخذ من عظامه مقابض السيوف والخناجر، اذ لا تدرى صحته، واذ ليس ذلك زينة تلبس، ولا ما قيل: لعل فى العذب لؤلؤ لا نراه، اذ لا نعمل تمثل هذا الترجى مع وجود مسلك غيره فحاصل الكلام تشبيههما بالبحر العذب والملح، وتفضيل المؤمن بمزيد الفائدة كلؤلؤ الملح ومرجانه، وبأنه لم يتغير عن طبعه وخلقته، كما تغير الكافر عنها، واللحم الطرى السمك، واختار له اسم اللحم لأنه لا يحتاج الى الزكاة، ولا غسل دم، ولا عزل شىء منه بالتحريم، كما أنه حلال ولو بصورة انسان، ولو يحيا فى البر أيضا ولو بصورة خنزير. وذلك أولى مما قيل: اختار له اسم اللحم الطرى لانحصار منفعته فى الأكل اذ فيه أدوية، وفى عظامه حلية وغير ذلك، ومما قيل: إنه سماه بذلك لسرعة فساده ان لم يعجل بأكله، لأنه يصلح للبقاء بالتشريح كما يشاهد، ومن خلف لا يأكل اللحم حنث به، واختلف فيه على عرف لا يسمى فيه لحما، والصحيح، عدم الحنث فى ذلك العرف، ولو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث، مع قوله عز وجل: "أية : إن شرَّ الدواب عند الله الذين كفروا" تفسير : [الأنفال: 55] ومعنى تلبسونها: أنتم ونساؤكم، ولو اختلفت كيفية اللبس، وأنه ألبس النساء لأجل الرجال، وأيضا هن منهم، والخطاب فى ترى لمن يصلح للرؤية ورأى، والنبى صلى الله عليه وسلم لم ير البحر. وإن قلت: الرؤية علمية لا بصرية خصوصا فالخطاب يعمه صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن الله قد كشف له فرآه ببصره، ورأى مخر الفلك أى شق السفن فيه الماء ذاهبة وراجعة، وقيل: المخر صوتهن مع الماء، والماء على كل حال أصل، والمفرد ماخر، وأخر هنا لأن المراد أن تقع الرؤية عليها فيه، فيتعلق بترى، وأخر فى النحل لأن المراد أن تقع الرؤية للمخر فيه، فيتعلق بمواخر فذلك معنيان، وأولى من هذا أنه قدم هنا لأن المخر ذكر استطرادا أو تتميما للتمثيل، لا تمثيلا حقيقياً، وقدم المخر فى النحل لأن الكلام فى تعداد النعم، وشق الماء للوصول، وإيصال الأموال والنجاة نعم "أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" تفسير : [إبراهيم: 34، النحل: 18] ولذلك قال فيها: "ولتبتغوا" بالواو، وهنا قال: {لِتبتغُوا} بلا واو، وهو متعلق بمواخر، أو بمحذوف، أى سخرها لتبتغوا، أو سخر البحرين لتبتغوا، أو فعل ذلك لتبتغوا {من فَضْله} أى من فضل الله، ولو لم يجر له ذكر فى الآية لجرية له قبلها، ولدلالة المعنى عليه عز شأنه، ولو لم يجر له ذكر فيها ولا قبلها. {ولعلَّكُم تشْكُرون} نعمه بطاعته، والاعتراف بها، ولعل للترجية أو للتعليل أو للترجى بمعنى أن صورة الانعام عليكم كصورة من فعل لكم ما يرجو به منكم الشكر، فتكون الاستعارة التمثيلية فى الجملة، أو تكون الاستعارة التبعية فى لعل.

الالوسي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ } طيب {فُرَاتٌ } كاسر العطش ومزيله. وقال الراغب: الفرات الماء العذب يقال للواحد والجمع، ولعل الوصف على هذا على طرز أسود حالك وأصفر فاقع {سَائِغٌ شَرَابُهُ } سهل انحداره لخلوه مما تعافه النفس. وقرأ عيسى {سيغ} كميت بالتشديد، وجاء كذلك عن أبـي عمرو وعاصم، وقرأ عيسى أيضاً {سيغ} كميت بالتخفيف {وَهَـٰذَا مِلْحٌ } متغير طعمه التغير المعروف، وقرأ أبو نهيك وطلحة {مِلْحٌ } بفتح الميم وكسر اللام، قال أبو الفتح الرازي: وهي لغة شاذة، وجوز أن يكون مقصوراً من مالح للتخفيف، وهو مبني على ورود مالح والحق وروده بقلة وليس بلغة رديئة كما قيل. وفرق الإمام بين الملح والمالح بأن الملح الماء الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة كماء البحر والمالح الماء الذي وضع فيه ملح فتغير طعمه ولا يقال فيه إلا مالح ولم أره لغيره، وقال بعضهم: لم يرد مالح أصلاً وهو قول ليس بالمليح {أُجَاجٌ } شديد الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار وأجتها، ومن هنا قيل هو الذي يحرق بملوحته، وهذا مثل ضرب للمؤمن والكافر. وقوله تعالى: {وَمِن كُلّ } أي من كل واحد منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } أي غضا جديداً وهو السمك على ما روي عن السدي، وقيل الطير والسمك واختار كثير الأول، والتعبير عن السمك باللحم مع كونه حيواناً قيل للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيه على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارع إليه الفساد كما ينبىء عنه جعل كل من البحرين مبدأ أكله. واستدل مالك والثوري بالآية حيث سمي فيها السمك لحما على حنث من حلف لا يأكل لحماً وأكل سمكاً، وقال غيرهما: لا يحنث لأن مبني الأيمان على العرف وهو فيه لا يسمى لحماً ولذلك لا يحنث من حلف لا يركب دابة فركب كافراً مع أن الله تعالى سماه دابة في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 55] ولا يبعد عندي أن يراد بلحماً لحم السمك ودعوى التلويح بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنها تامّة. {وَتَسْتَخْرِجُونَ } ظاهره ومن كل تستخرجون {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } والحلية التي تستخرج من البحر الملح اللؤلؤ والمرجان ويلبس ذلك الرجال والنساء وإن اختلفت كيفية اللبس، أو يقال عبر عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لبسهن لأجلهم، ولا نعلم حلية تستخرج من البحر العذب، ولا يظهر هنا اعتبار إسناد ما للبعض إلى الكل كما اعتبر ذلك في قوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمٰن: 22] وكون بعض الصخور التي في مجاري السيول قد تكسر فيوجد فيها ماس وهو حلية تلبس إن صح لا ينفع اعتباره هنا إذ ليس فيه استخراج الحلية من البحر العذب ظاهراً، وقيل: لا يبعد أن تكون الحلية المستخرجة من ذلك عظام السمك التي يصنع منها قبضات للسيوف / والخناجر مثلاً فتحمل ويتحلى بها، وفيه ما فيه لا سيما إذا كانت الحلية كالحلي ما يتزين به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، وقال الخفاجي: لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة وإن لم نره، ولا يخفى ما فيه من البعد. وذهب بعض الأجلة للخلاص من القيل والقال أن المراد وتستخرجون من البحر الملح خاصة حلية تلبسونها ويشعر به كلام السدي يحتمل ثلاثة أوجه، الأول أنه استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع. والثاني أنه تتميم وتكميل للتمثيل لتفضيل المشبه به على المشبه وليس من ترشيح الاستعارة كما زعم الطيبـي في شيء بل إنما هو استدراك لدعوى الاشتراك بين المشبه والمشبه به يلزم منه أن يكون المشبه أقوى وهذا الاستدراك مخصوص بالملح، وإيضاحه أنه شبه المؤمن والكافر بالبحرين ثم فضل الأجاج على الكافر بأنه قد شارك الفرات في منافع والكافر خلو من النفع فهو على طريقة قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }تفسير : [البقرة: 74] ثم قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 74] والثالث أنه من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين وإن اشتركا في بعض الفوائد تفاوتاً فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما لم يبقه على صفاء فطرته كذلك المؤمن والكافر وان اتفق اتفاقهما في بعض المكارم كالشجاعة والسخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر فجملة {وَمِن كُلّ } الخ حالية. وعندي خير الأوجه الثلاثة أوسطها، وعلى كل يحصل الجواب عما قيل كيف يناسب ذكر منافع البحر الملح وقد شبه به الكافر؟ وقال أبو حيان: إن قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ } الخ لبيان ما يستدل به كل عاقل على أنه مما لا مدخل لصنم فيه. وقال الإمام: الأظهر أنه دليل لكمال قدرة الله عز وجل، وما ذكرنا أولاً من أنه تمثيل للمؤمن والكافر هو المشهور رواية ودراية وفيه من محاسن البلاغة ما فيه. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ } السفن {فِيهِ } أي في كل منهما وانظر هل يحسن رجوع الضمير للبحر الملح لانسياق الذهن إليه من قوله سبحانه: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } بناء على أن المعروف استخراجها منه خاصة وأمر الفلك فيه أعظم من أمرها في البحر العذب ولذا اقتصر على رؤية الفلك فيه على الحال التي ذكر الله تعالى، وأفرد ضمير الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق لأن الخطاب لكل أحد تتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط {مَوَاخِرَ } شواق للماء بجريها مقبلة ومدبرة بريح واحدة فالمخر الشق. قال الراغب: يقال مخرت السفينة مخراً ومخوراً إذا شقت الماء بجؤجئها، وفي «الكشاف» ((يقال: مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب بنات مخر لأنها تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره)) وقيل المخر صوت جري الفلك وجاء في سورة النحل [14] {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} تفسير : بتقديم {مَوَاخِرَ } وتأخير {فِيهِ } وعكس هٰهنا فقيل في وجه لأنه علق {فِيهِ } هنا بترى وثمت بمواخر، ولا يحسم مادة السؤال. والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }تفسير : [إبراهيم: 34] فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطراداً أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفاً فقدم فيه {فِيهِ } إيذاناً بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، وكأن الاهتمام بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية {وَلِتَبْتَغُواْ } بالواو، ومخالفة ما هنا لذلك / اقتضت ترك الواو في قوله سبحانه: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي من فضل الله تعالى بالنقلة فيها وهو سبحانه وإن لم يجر له ذكر في الآية فقد جرى له تعالى ذكر فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه عز شأنه. واللام متعلقة بمواخر، وجوز تعلقها بمحذوف دل عليه الأفعال المذكورة كسخر البحرين وهيأهما أو فعل ذلك لتبتغوا من فضله. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تعرفون حقوقه تعالى فتقومون بطاعته عز وجل وتوحيده سبحانه. ولعل للتعليل على ما عليه جمع من الأجلة وقد قدمنا ذلك، وقال كثير: هي للترجي ولما كان محالاً عليه تعالى كان المراد اقتضاء ما ذكر من النعم للشكر حتى كأن كل أحد يترجاه من المنعم عليه بها فهو تمثيل يؤل إلى أمره تعالى بالشكر للمخاطبين.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد الله تعالى بالإِلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، على عظيم مخلوقات الله تعالى، فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالاً على دقيق صنع الله تعالى كقوله: { أية : تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } تفسير : [الرعد: 4] ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما. فالتقدير: وخلق البحرين العذب والأُجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى. وفي «الكشاف»: ضرب البحرين العذب والمالح مثلاً للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه {ومن كل تأكلون لحماً طرياً}. والبحر في كلام العرب: اسم للماء الكثير القار في سعة، فالفرات والدجلة بَحْران عذْبان وبحر خليج العجم ملح. وتقدم ذكر البحرين عند قوله تعالى: { أية : وهو الذي مرج البحرين } تفسير : في سورة الفرقان (53) وقد اتحدا في إخراج الحيتان والحلية، أي اللؤلؤ والمرجان، وهما يوجد أجودُهما في بحر العجم حيث مصبّ النهرين، ولماء النهرين العذب واختلاطه بماء البحر الملح أثر في جودة اللؤلؤ كما بيّناه فيما تقدم في سورة النحل، فقوله: {ومن كل تأكلون لحماً طرياً} كُلِّيّةٌ، وقوله: {وتستخرجون حلية} كلُّ لاَ كلية لأن من مجموعها تستخرجون حلية. وكلمة {كل} صالحة للمعنيين، فعطف {وتستخرجون} من استعمال المشترك في معنييه. فالاختلاف بين البحرين بالعذوبة والملوحة دليل على دقيق صنع الله. والتخالف في بعض مستخرجاتهما والتماثل في بعضها دليل آخر على دقيق الصنع وهذا من أفانين الاستدلال. والعذب: الحلو حلاوة مقبولة في الذوق. والملح بكسر الميم وسكون اللام: الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ملح فيه، فأما الشيء الذي يلقى فيه الملح حتى يكتسب ملوحة فإنما يقال له: مَالح، ولا يقال: ملح. ومَعنى: {سائغ شرابه} أن شربه لا يكلف النفس كراهة، وهو مشتق من الإِساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره. قال عبد الله بن يَعرب: شعر : فساغ لي الشراب وكنت قبْلاً أكاد أغُصّ بالماء الحميم تفسير : والأجاج: الشديد الملوحة، وتقدم ذكر البحر في قوله تعالى: { أية : ويعلم ما في البر والبحر } تفسير : في سورة الأنعام (59)، وبقية الآية تقدم نظيره في أول سورة النحل. وتقديم الظرف في قوله: {فيه مواخر} على عكس آية سورة النحل، لأن هذه الآية مسوقة مساق الاستدلال على دقيق صنع الله تعالى في المخلوقات وأُدمج فيه الامتنان بقوله: {تأكلون.... وتستخرجون حلية} وقوله: {لتبتغوا من فضله} فكان المقصد الأول من سياقها الاستدلال على عظيم الصنع فهو الأهم هنا. ولما كان طُفُو الفلك على الماء حتى لا يَغْرِق فيه أظهرَ في الاستدلال على عظيم الصنع من الذي ذكر من النعمة والامتنان قدم ما يدل عليه وهو الظرفية في البحر. والمخر في البحر آية صنع الله أيضاً بخلق وسائل ذلك والإِلهام له، إلاّ أن خطور السفر من ذلك الوصف أو ما يتبادر إلى الفهم فأخر هنا لأنه من مستتبعات الغرض لا من مقصده فهو يستتبع نعمة تيسير الأسفار لقطع المسافات التي لو قطعت بسير القوافل لطالت مدة الأسفار. ومن هنا يلمعُ بارقُ الفرقِ بين هذه الآية وآية سورة النحل في كون فعل {لتبتغوا} غير معطوف بالواو هنا ومعطوفاً نظيره في آية النحل لأن الابتغاء علق هنا بــــ{مواخر} إيقافاً على الغرض من تقديم الظرف، وفي آية النحل ذكر المخر في عداد الامتنان لأنه به تيسيرَ الأسفار، ثم فصل بين {مواخر} وعلته بظرف {فيه}، فصار ما يؤمىء إليه الظرفُ فصلاً بغرض أُدمج إدماجاً وهو الاستدلال على عظيم الصنع بطُفوّ الفلك على الماء، فلما أريد الانتقال منه إلى غرض آخر وهو العود إلى الامتنان بالمخر لنعمة التجارة في البحر عطف المغاير في الغرض.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}. تقدم إيضاحه في سورة الفرقان في الكلام على قول تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [الفرقان: 53]. قوله تعالى: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}. قد تقدم الكلام عليه مع بسط أحكام فقهية تتعلق بذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَاَ} تفسير : [النحل: 14]. وتقدّم في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130]. أن قوله في آية فاطر هذه {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} دليل قرآني واضح على بطلان دعوى من ادّعى من العلماء أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلاّ من البحر الملح خاصة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: عذب فرات: أي شديد العذوبة. وهذا ملح أجاج: أي شديد الملوحة. ومن كل تأكلون : أي ومن كل منهما. لحماً طريا: أي السمك. حلية تلبسونها: أي اللؤلؤ والمرجان. مواخر: أي تمخر الماء وتشقه عند جريانها في البحر. لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا الرزق بالتجارة من فضل الله تعالى. ولعلكم تشكرون: أي رجاء أن تشكروا الله تعالى على ما رزقكم. يولج الليل في النهار: أي يدخل الليل في النهار فيزيد. ويولج النهار في الليل: أي يدخل النهار في الليل فيزيد. وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما. كل يجري لأجل مسمى: أي في فلكه إلى يوم القيامة. والذين تدعون: أي تعبدون بالدعاء وغيره من العبادات وهم الأصنام. ما يملكون من قطمير: أي من لفافة النواة التي تكون عليه وهي بيضاء رقيقة. ولو سمعوا: أي فرضاً ما استجابوا لكم. يكفرون بشرككم: أي يتبرأون منكم ومن عبادتكم إياهم. ولا يُنبئك مثل خبير: أي لا ينبئك أي بأحوال الدارين مثلي فإني خبير بذلك عليم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمة تدبيره لخلقه وهي مظاهر موجبة لله العبادة وحده دون غيره، ومقتضيه للبعث الذي أنكره المشركون قال تعالى {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} أي لا يتعادلان. {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ} أي ماؤه عذب شديد العذوبة {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي ماؤه شديد الملوحة لمرارته مع ملوحته، فهل يستوي الحق والباطل هل تستوي عبادة الأصنام مع عبادة الرحمن؟ والجواب لا. وقوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ} أي ومن كل من البحرين العذب والملح تأكلون لحماً طرياً وهو السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي اللؤلؤ والمرجان. وهي حلية يتحلى بها النساء للرجال، وقوله {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي وترى أيها السامع لهذا الخطاب {ٱلْفُلْكَ} أي السفن مواخر في البحر تمخر عباب البحر وتشق ماءه غادية رائحة تحمل الرجال والأموال، سخرها وسخر البحر {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي الرزق بالتجارة، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي سخر لكم البحر لتبتغوا من فضله ورجاء أَن تشكروا. لم يقل لتشكروا كما قال لتبتغوا لأن الابتغاء حاصل من كل راكب، وأما الشكر فليس كذلك بل من الناس من يشكر ومنهم من لا يشكر، ولذا جاء بأداة الرجاء وهي لعل وقوله {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} أي يدخل جزءاً من الليل في النهار فيطول، ويقصر الليل {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي يدخل جزءاً منه في الليل فيطول كما أنه يدخل النهار في الليل، والليل في النهار بالكلية فإنه إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ويشهد له قوله تعالى {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37] ولازمه والنهار نسلخ منه الليل، فإذا الليل ليل والنهار نهار. وقوله {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذللهما فما يسيران الدهر كله بلا كلل ولا ملل لصالح العباد إذ بهما كان الليل والنهار، وبهما تعرف السنون والحساب وقوله {كُلٌّ يَجْرِي} أي كل منهما يجري {لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى وقت محدد وهو يوم القيامة. ولما عرف تعالى نفسه بمظاهر القدرة قدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته قال للناس {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي بعد أن أقام الحجة وأظهر الدليل لم يبق إلا الإِعلان عن الحقيقة التي يتنكر لها الكافرون فأعلنها بقوله {ذَلِكُمُ} ذو الصفات العظام والجلال والإِكرام هو الله ربكم الذي لا رب لكم سواه له الملك، وليس لغيره فلا يصح طلب شيء من غيره، إذ الملك كله لله وحده، وأما الذين تدعون من دونه أي تعبدونهم من دونه وهي الأصنام والأوثان وغيرها من الملائكة والأنبياء والأولياء فإنهم لا يملكون من قطمير فضلا عن غيره ثمرة فما فوقها لأن الذي لا يملك قطميراً - وهو القشرة الرقيقة على النواة - لا يملك بعيراً. وقوله {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} نعم لا يسمعون لأنهم جمادات وأصنام من حجارة فكيف يسمعون وعلى فرض لو أنهم سمعوا ما استجابوا لداعيهم لعدم قدرتهم على الاستجابة وقوله تعالى {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} فهم إذاً محنة لكم في الدنيا تنحتونهم وتحمونهم وتعبدونهم ويوم القيامة يكونون أعداء لكم وخُصُوماً فيتبرءون من شرككم إياهم في عبادة الله، فتقوم عليكم الحجة بسببهم فما الحاجة إذاً إلى الإِصرار على عبادتهم وحمايتهم والدفاع عنهم وقوله تعالى {وَلاَ يُنَبِّئُكَ} أيها السامع {مِثْلُ خَبِيرٍ} وهو الله تعالى فالخبير أصدق من ينبئ وأصح من يقول فالله هو العليم الخبير وما أخبر به عن الآلهة في الدنيا والآخرة في الدنيا عن عجزها وعدم غناها وفي الآخرة عن براءتها وكفرها بعبادة عابديها. فهو الحق الذي لا مرية فيه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير ربوبية الله المستلزمة لأُلوهيته. 2- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة وبها تقرر ربوبيته تعالى وألوهيته لعباده. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر يوم القيامة وبراءة الآلهة من عابديها. 4- بيان عجز الآلهة عن نفع عابديها في الدنيا وفي الآخرة. 5- تقرير صفات الكمال لله تعالى من الملك والقدرة والعلم، والخبرة التامة الكاملة وبكل شيء.

القطان

تفسير : العذب: الطيب السائغ من الماء والشرب والطعام والكلام. الفرات: الوافر والشديد العذوبة. سائغ: سهل المرور في الحلق. أُجاج: شديد الملوحة. حلية: كل ما يتحلى به الانسان من لؤلؤ ومرجان وغير ذلك.مواخر: جمع ماخرة تشق الماء حين جريانها. يولج: يدخل. القطمير: القشرة الرقيقة التي على نواة التمرة. يكفرون بشرككم: يجحدون باشراككم وعبادتكم لهم. ولا ينبئك مثل خبير: ولا يخبرك بالأمر مثل الخبير به. ولا تزر وازرة وزر اخرى: لا تحمل نفس آثمة اثم نفس اخرى، يعني لا يحمل احد ذنب الآخر، الوزر: الذنب. المثقلة: النفس التي أثقلتها الذنوب. تزكى: تطهر من دنس الأوزار. وما يستوي البحران: أحدُهما ماؤه عذْب شرابه سائغ يجري في الانهار المفيدة للناس فيحيي الاقاليم والامصار، والثاني مالح ساكن تسير فيه السفن. ومن كلٍ منها تأكلون السمك الطري فضلا من الله، كما تستخرجون حلياً، كالدرّ والأصداف والمرجان وغيرها، وتجري السفن في كل منهما تشقه شقا لتطلبوا من فضل الله ما تحصلونه بالتجارة. ولعلّكم تشكرون لربكم هذه النعم. إنه يُدخل الليلَ في النهار ويدخلُ النهارَ في الليل، وسخَّر الشمس والقمر كلٌّ يجري الى موعدٍ مقرر. والذي يصنع هذا كلَّه هو الله ربكم، له الملك التام والسلطان المطلق، أما الذين تعبدونهم من الأصنام والأوثان فإنهم لا يملكون شيئا مهما كان صغيرا تافها. وهذه الآلهة لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرّون، وان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا دعاءَكم ما أجابوكم بشيء مما تطلبون. وهم ينكرون اشراككم لهم مع الله يوم القيامة. {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} ولا يخبرك الحقيقة الا الخبير العليم، الله تعالى: يا ايها الناس: انتم الفقراء المحتاجون إلى الله في كل شيء والله هو الغني عن خلقه المستحق للحمد على كل حال. والله إن شاءَ يهلككم ويأتي بخلْقٍ جديد يطيعونه ويؤمنون به، وليس هذا على الله بمستحيل. ثم أخبرَ عن أحوال يوم القيامة فقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} في ذلك اليوم العصيب يكون كلُّ انسان مسئولاً عن اعماله وعن نفسه، فلا تحمل نفسٌ مذنبةٌ ذَنْبَ نفس اخرى. وان تسأل نفسٌ ذاتُ حَملٍ ثقيل أحداً أن يحمل عنها بعض ذنوبها لن تجد من يجيبها أو يحمل عنها شيئا، وذلك لانشغال كل انسان بنفسه. {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس:37]. ثم سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم قبولهم دعوتَه وإصرارهم على عنادهم فقال: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} لا تحزن ايها النبي لعنادِ قومك، انما ينفع تحذيرُك الذين يخافون ربهم ويقيمون الصلاة، ومن تطهَّرَ فانما يتطهر لنفسه، والى الله المرجع في النهاية.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَآئِغٌ} (12) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالى العِبَادَ إِلى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى خَلْقِ الأَشْياءِ المُخْتَلِفَةِ: فَخَلَقَ المِيَاهَ: مِنْهَا مَا هُوَ عَذْبٌ صَافٍ شَدِيدُ العُذُوبَةِ، تَقْبَلُ النَّفْسُ تَنَاوُلَهُ بِسُهُولَةِ (سَائِغٌ شَرَابُهُ)، وَهِيَ المِيَاهُ التِي تَحْويها الأَنْهَارُ وَأَكْثَرُ البُحَيْراتِ وَالآبَارِ.. فَيَشْرَبُها الإِنْسَانُ وَالحَيَوَانُ، وَتُسْقَى مِنْهَا النَّبَاتَاتُ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مِلْحٌ شَدِيدُ المُلُوحَةِ (أُجَاجٌ)، كمِياهِ البِحَارِ وَبَعْضِ البُحَيراتِ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى إِنَّ البَشَرَ يَسْتَخْرِجُونَ مِنْ كِلاَ المَاءَيْنِ: العَذْبِ وَالمِلْحِ، لَحْماً طَرِيّاً يَتَغَذَّوْنَ بِهِ هُوَ لَحْمُ الأَسْمَاكِ والحَيَوانَاتِ المائِيَّةِ. وَيَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً (لآلِئَ وَمَرْجَاناً وَغَيرَها) يَلْبَسُهَا النّاسُ. وَتَجْرِي السُّفُنُ فِي كلا المَاءَيْنِ (تَمْخُرُ) وَهِيَ تَحْمِلُ النَّاسَ وَالأَنْعَامَ وَالأَقْوَاتَ والبَضَائِعَ مِنْ قُطْرٍ إِلى قُطْرٍ، لِينْتَفِعَ بِهَا النَّاسُ، وَيَتَكَسَّبُوا بِالاتِّجَارِ بِها. وَلاَ يَسْتَوي فِي عِلْمِ اللهِ البَحْرَانِ المِلْحُ وَالعَذْبُ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي بَعْضِ خَصَائِصِهِمَا وَمَنَافِعِهِمَا، وَقَدْ سَخَّرَ اللهُ تَعَالى كُلَّ ذَلِكَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وَيَعْتَبِرُونَ، وَيَشْكُرُونَ اللهَ عَلَى أَنْعُمِهِ وَآلائِهِ. عَذْبٌ فُراتٌ - حُلْوٌ شَدِيدُ العُذُوبَةِ. سَائِغٌ شَرَابُهُ - مَرِيءٌ سَهْلٌ ابْتِلاعُهُ. مِلْحٌ أُجَاجٌ - مِلْحٌ شَدِيدُ المُلُوحَةِ. مَوَاخِرَ - تَشُقُّ عُبَابَ المَاءِ بِحَيَازِيمِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُقرِّب لنا القضية العقلية القيمية فيعرضها لنا في صورة حسية مُشاهدة {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} [فاطر: 12] وكأن الله يقول لنا: كما أن هناك أشياء حسية لا تستوي في الحسِّ، كذلك في القيم أشياء لا تستوي. معنى {ٱلْبَحْرَانِ} [فاطر: 12] البحر معروف، وهو المتسع الذي يحوي الماء المالح، وسُمِّي النهر أيضاً بَحْراً على سبيل التغليب، والنهر يحوي الماء العذب، فهما مختلفان لا يستويان {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [فاطر: 12] {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] إذن: هما وعاء لشيء واحد هو الماء، فهما وإنِ اشتركا في الشيء الواحد وهو الماء فهما مختلفان في النوع: هذا عذب، وهذا مالح، العَذْب وُصِف بأنه {عَذْبٌ فُرَاتٌ} [فاطر: 12] أي: شديد العذوبة {سَآئِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12] سهل المرور في الحَلْق هنيئاً، ووصف المالح بأنه {مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] شديد الملوحة. وبين العَذْب والمالح عجائب في التكوين، ففيهما مثلاً تعيش الأسماك ونأكلها، فلا نفرق بين سمك الماء المالح وسمك الماء العَذْب؛ لأن الله أعدَّ الكائن الحي ليأخذ من الماء مقوِّمات حياته، وينفي ما لا يريد، مثل الشجرة تزرعها، فتأخذ من الأرض العناصر اللازمة لها وتطرد ما لا تحتاج إليه. ففي التربة الواحدة تزرع مثلاً شجرة (شطة) وعود القصب، فتتغذى الشجرتان بنفس العناصر، وتُسْقى بنفس الماء، لكن يخرج الطَّعْم مختلفاً تماماً، كما قال سبحانه: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} تفسير : [الرعد: 4]. وهذه فطرة وغريزة جعلها الله في كل الكائنات الحية، أن تأخذ من الغذاء ما تحتاج إليه فقط، ولما أراد العلماء أنْ يُقرِّبوا لنا عملية التغذية في النبات قالوا: إنها تعتمد على خاصية الأنابيب الشعيرية، فالشعيرات الجذرية تمتصُّ الماء والغذاء من التربة وتُوصِّله بهذه الخاصية إلى الساق والأوراق، لكن فاتَهُم أن الأنابيب الشعيرية تمتص الماء دون تفرقة ودون تمييز لعنصر دون عنصر، ودون انتخاب لمادة دون أخرى. إذن: ليست هي الخاصية الشعيرية، إنما هي الغريزة والفطرة الإلهية التي أودعها الله في الكائن الحي. والإنسان تطرأ عليه مسائل غريزية، ومسائل عاطفية، ومسائل عقلية: فالمسائل العاطفية مثل الحب أو البغض لا دخْلَ للتشريع فيها؛ لأن الإنسان لا يملك التحكم فيها، فأحبِبْ مَنْ شئتَ، واكره مَنْ شئتَ، لكن شريطة ألاَّ يُخرِجك الحب أو الكُرْه عن حَدِّ الاعتدال إلى الظلم والتعدي، كما قال سبحانه: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ..} تفسير : [المائدة: 8]. كذلك المسائل الغريزية لا يتدخَّل فيها الشرع، فالجوع والعطش مثلاً غرائز يعرفها المرء بنفسه وبالتجربة، فأنت لا تُعلِّم ولدك الجوع أو العطش، بل هو يعرفه بنفسه حين يجوع وحين يعطش. لذلك عجيب الآن أنْ تسمع مَنْ ينادي بتعليم الأولاد والبنات في المدارس الأمور الجنسية، ويريدون مادة جديدة تسمى (التربية الجنسية) يتعلَّمها الأطفال منذ الصِّغَر، ونقول: سبحان الله متى يُسمح للصغار بتعلُّم الغرائز، الغرائز لا تُعلم، بل يعرفها الإنسان في وقتها المناسب. ومن عجائب الخَلْق أن الماء العَذْب لا يختلط بالماء المالح، كما قال سبحانه {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 20] وهذا دليل إعجاز، فالماء المالح في البحار والمحيطات الكبيرة دائماً ما نجد منسوب المياه فيها أقلَّ من منسوب مياه الأنهار، ولو كان العكس لَطَغى الماء المالح على الأنهار وعلى اليابسة. ومعنى ذلك أنْ تموت المزروعات وتفسد التربة؛ لذلك شاءتْ حكمة الخالق سبحانه أن يكون منسوب الأنهار أعلى، وأن يكون لها مَصبَّات تنتهي إلى البحار لتفرغ فيها الماء الزائد عن الحاجة. وللخالق سبحانه حكمة في الماء العَذْب ليكون صالحاً للشرب ولسَقْي الزرع ويروي العطش، أما المالح فالله يحفظه بنسبة الملوحة فيه حتى لا يفسد ويعطن؛ لأن البحار والمحيطات هي مخازن الماء العَذْب، فمنها يتبخر ماء المطر الذي تجري به الأنهار، وتلحظ أن درجة الملوحة تختلف حسب طبيعة المكان، فمثلاً تجد الماء في بحر البلطيق أقلَّ ملوحة، لأنه مصبٌّ لعدة أنهار، ويقع في منطقة كثيرة المطر، وهذا كله يُقلِّل من مُلوحته. أما البحر الميت مثلاً، فهو أكثر البحار ملوحة، لدرجة أن الأسماك لا تعيش فيه، والسبب أنه لا توجد أنهار تصبُّ فيه، ويقع في منطقة حارة، قليلة المطر، فيكثر تبخُّر الماء منه، أما بقية المياه الملتقية في البحار والمحيطات فتكاد ملوحتها تكون واحدة. وسبق أنْ ذكرنا الحكمة من اتساع مساحة الماء المالح في البحار والمحيطات، وقُلْنا: إن اتساع سطح الماء يزيد في نسبة البخر ليتوفر الماء العَذْب الصالح للريّ وللشرب، ومثَّلْنا لهذه العملية بكوب الماء تتركه على المكتب لمدة شهر وتعود فتجده كما هو تقريباً، أما إنْ سكبْتَهُ على أرض الحجرة فإنه يجفّ قبل أنْ تغادرها، لماذا؟ لأنك وسَّعت مساحة التبخر. إذن: وسَّع اللهُ سطحَ المالح ليعطينا المطر الكافي لاستمرار الحياة، إذن: لا يُذَمُّ الماء المالح إنْ قُوبل بالعَذْب؛ لأنه أصل وجوده. لذلك قال الشاعر في المدح: شعر : أهدى لمجلسِهِ الكَريم وإنَّما أهدى له ما حُزْت من نَعْمائهْ كَالبَحْرِ يُمطِره السَّحَابُ ومَا لَهُ فَضْلٌ عليهِ لأنه مِنْ مَائِهْ تفسير : ومعلوم أن الماء في الكون له دورة معروفة، قال الله فيها: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً * فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} تفسير : [الذاريات: 1-3]. فالماء الذي خلقه الله في الكون هو هو لا يزيد ولا ينقص، فما يستهلكه الإنسان مثلاً من الماء يُخرجه على شكل فضلات وبول وعرق .. إلخ وما تبقَّى في جسمه من نسبة المائية وهي 90 في المائة من وزنه تمتصها الأرض بعد موته، كذلك الزرع والحيوان، فهي إذن دورة معروفة مشاهدة، كذلك فالحياة دورة فحين نقول لك: إن الله قادر على إعادتها فَخُذْ من المُشَاهَد دليلاً على صِدْق ما غاب. وقوله سبحانه: {وَمِن كُلٍّ ..} [فاطر: 12] أي: ما من الماءيْنِ العذب والمالح {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] والمراد السمك، وهو في الماء العَذْب كما في الماء المالح، والطَّعْم واحد، ولم تجد مثلاً أسماك الماء المالح مالحة كالفسيخ مثلاً أو السردين، ذلك لأن الكائن الحيَّ يمتصُّ ما يحتاج إليه، ويترك العناصر الأخرى. وكلمة {لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] إشارة إلى أن السمك ينبغي أنْ يُؤكل طرياً طازجاً، فإن يبُسَ وخرج عن طراوته فلا تأكله، وقد اشتهر عن العرب اللحمُ القديد، حيث كانوا يُجفِّفون لحم الأنعام في حَرِّ الشمس ويقددونه ليعيش فترة أطول، فهي طريقة من طرق حفظ اللحوم تناسب لحوم الأنعام، أما لحوم الأسماك فتفسد إنْ خرجتْ عن هذا الوصف {لَحْماً طَرِيّاً..} [فاطر: 12]. ثم يذكر الحق سبحانه نعمة أخرى من نِعَم البحر: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] والحلية ما يُتزيَّن به من اللؤلؤ والمرجان وغيرهما مما يخرج من البحر، وهذه زينة عامة للرجال وللنساء على خلاف حلية الذهب التي تحرم على الرجال، فللرجل أنْ يتحلَّى بما يشاء من حلية البحر، فلا نَهْي عن شيء منها، وحتى حلية الذهب للنساء، فإن المرآة تتحلى بها لمن؟ للزوج. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] أي: السفن في البحر {مَوَاخِرَ} [فاطر: 12] يعني: تشقّ البحر شَقّا في رحلات الصيد أو رحلات السفر، وهنا مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني، فالخطاب في القرآن أول مُخَاطَب به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تخاطب أمته من باطن خطابه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر ولا رآه. فحين يقول القرآن على لسانه: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24] يعني: كالجبال الشامخة. نقول: ومتى ظهرتْ السفن العملاقة التي تُوصَف بهذا الوصف؟ إنها لم تظهر إلا في العصر الحديث، وكانت قَبْلُ سفناً عادية بدائية، فمن الذي أخبر سيدنا رسول الله بهذا التقدم الجاري الآن في صناعة السفن، حتى إنه لَيُخيَّل لك أنها مدينة متحركة على أمواج البحر. وقوله: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [فاطر: 12] تطلبوا رزق الله وفضل الله في حركة السفن، سواء كانت للصيد أو للسفر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] كلمة لعل كما نعلم تدل على الرجاء، والمعنى: لعلكم بعد كل هذه النعم تقابلونها بالشكر، وفي هذا إشارة إلى قِلَّة مَنْ يشكر. بعد ذلك ينتقل بنا السياق إلى ظاهرة أخرى وآية من آيات الكون: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} معناه أعذبُ العَذبِ {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} معناه أملحُ المُلوحةِ. وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} معناه جَوارٍ تَجري فيهِ تَشُقُّ الماءَ.

الجيلاني

تفسير : ثم مثَّل سبحانه كلا الفريقين المؤمن والكافر بالبحرين العذب والمالح، فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} في النفع والفائدة الحاصلة منهما؛ إذ {هَـٰذَا} أي: المؤمن المصدق لبحر الإيمان والعرفان، المترشح من بحر الوحدة الذاتية {عَذْبٌ} حلو في كمال الحلاوة {فُرَاتٌ} يكسر غليل أكباد المتعطشين في سراب الدنيا ببرد اليقين {سَآئِغٌ شَرَابُهُ} أي: سهل انحداره للمجبولين على فطرة التوحيد. {وَهَـٰذَا} أي: الكافر المتوغل في بحر الغفلة {مِلْحٌ} لا مصلح يصلح من يذوق منه، بل {أُجَاجٌ} مر مفسد للمزاج، من ذاق منه هلك هلاكاً أبدياً بحيث لا نجاة له، بل {وَ} البحر الأجاج له نفع، ولا نفع للكفر والضلال أصلاً؛ إذ {مِن كُلٍّ} من البحرين {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} مثل السمك وغيرها {وَتَسْتَخْرِجُونَ} منهما {حِلْيَةً} أي: أنواعاً من التزيينات اللاتي {تَلْبَسُونَهَا} وإنما أباح لكم سبحانه أيها المكلفون منافع بره وبحره {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] أي: رجاء أن تشكروا نعمه، وتزيدوا على أنفسكم مزيد كرمه. ومن كمال فضل الله عليكم ورحمته أنه {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ} أي: يدخل ظلمته {فِي} في {ٱلنَّهَارِ} فيطول أجزاء النهار بإيلاج أجزاء الليل في الصيف؛ تتميماً لمصالح معيش عباده {وَ} كذا في الشتاء {يُولِجُ ٱلنَّهَارَ} أي: أجزاء منه {فِي ٱلْلَّيْلِ} فيطوله بأجزائه؛ تسكيناً للقوى النامية، وتمكيناً لها؛ ليجددها للخدمة المفوضة إليها {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أيضاً؛ تتميماً لمصالح عباده إلى حيث {كُلٌّ} منهما {يَجْرِي} ويدور بإذن الله وإلهامه {لأَجَلٍ مُّسَمًّى} هي من مبدأ دوره إلى منتهاه، أو إلى انقراض نشأة الدنيا {ذَلِكُمُ} المتصرف بالاستقلال والاختيار، المدبر بكمال العلم والخبرة ووفور الحكمة والدرية، هو {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} الذي أظهركم من كتم العدم، ورباكم بأنواع النعم والكرم، كيف لا يربيكم سبحانه بعدما أبدعكم؛ إذ لا متصرف في الكائنات إلا هو {لَهُ ٱلْمُلْكُ} لا مالك له سواه ولا مدبر غيره. {وَ} المحجوبون {ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} وتدعون {مِن دُونِهِ} من التماثيل الباطلة والأظلال الهالكة العاطلة تعنتاً وعناداً، مع أو ما يسمون أولئك الجاهلون آلهة سواه سبحانه، ويسندون الأمور إليهم مكابرة {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] أي: ليس لهم أن يتصرفوا في قشرة رقيقة ملتفة على ظهر النواة، وهذه مثل في القلة عند العرب فيكف في غيرها؛ إذ الألوهية مسبوقة بوجوب الوجود بالصفات الكاملة الذاتية والأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى. وليس لهؤلاء الأظلال الهالكة وجود في أنفسها، ومن أين يتأتى منهم الألوهية؟! بل هم من أدنى الممكنات وأدون المكونات؛ لكونهم جمادات لا شعور لهم أصلاً إلى حيث {إِن تَدْعُوهُمْ} وتلتجئوا نحوهم {لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} إذ ليس لهم قابلية السماع والاستماع {وَلَوْ سَمِعُواْ} يعني: لو فُرض أنه سمعوا على سبيل الفرض المحال {مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} إذ ليس لهم القدرة والإرادة والأوصاف الكاملة اللازمة للألوهية والربوبية {وَ} مع عدم نفعهم إياكم أنتم أيها الجاهلون {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ} ويؤاخذون {بِشِرْكِـكُمْ} وإشراككم؛ أي: اتخاذكم إياهم شركاء مع الله، وهم يتبرءون عنكم وأنتم عنهم {وَلاَ يُنَبِّئُكَ} ويخبرك أيها المخاطب النبيه الفطن أحوال النشأة الأخرى، وما سيجري بينك وبين شركائك من البراءة والملاعنة {مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] وهو الله العليم الحكيم، الذي لا يعزب عن إحاطة حضرة علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، لا في الأولى ولا في الأخرى، وعنده مفاتح الغيب ومقاليد الأمور لا يعلمها إلاَّ هو.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته، أنه جعل البحرين لمصالح العالم الأرضي كلهم، وأنه لم يسوِّ بينهما، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبة فراتا، سائغا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحا أجاجا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ، ولهذا قال: { وَمِنْ كُلٍ } من البحر الملح والعذب { تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك المتيسر صيده في البحر، { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } من لؤلؤ ومرجان وغيرهما، مما يوجد في البحر، فهذه مصالح عظيمة للعباد. ومن المصالح أيضا والمنافع في البحر، أن سخره اللّه تعالى يحمل الفلك من السفن والمراكب، فتراها تمخر البحر وتشقه، فتسلك من إقليم إلى إقليم آخر، ومن محل إلى محل، فتحمل السائرين وأثقالهم وتجاراتهم، فيحصل بذلك من فضل اللّه وإحسانه شيء كثير، ولهذا قال: { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. ومن ذلك أيضا، إيلاجه تعالى الليل بالنهار والنهار بالليل، يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، كلما أتى أحدهما ذهب الآخر، ويزيد أحدهما وينقص الآخر، ويتساويان، فيقوم بذلك ما يقوم من مصالح العباد في أبدانهم وحيواناتهم وأشجارهم وزروعهم. وكذلك ما جعل اللّه في تسخير الشمس والقمر، الضياء والنور، والحركة والسكون، وانتشار العباد في طلب فضله، وما فيهما من تنضيج الثمار وتجفيف ما يجفف وغير ذلك مما هو من الضروريات، التي لو فقدت لَلَحِقَ الناس الضرر. وقوله: { كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى } أي: كل من الشمس والقمر، يسيران في فلكهما ما شاء اللّه أن يسيرا، فإذا جاء الأجل، وقرب انقضاء الدنيا، انقطع سيرهما، وتعطل سلطانهما، وخسف القمر، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم. فلما بين تعالى ما بيَّن من هذه المخلوقات العظيمة، وما فيها من العبر الدالة على كماله وإحسانه، قال: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ } أي: الذي انفرد بخلق هذه المذكورات وتسخيرها، هو الرب المألوه المعبود، الذي له الملك كله. { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } من الأوثان والأصنام { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } أي: لا يملكون شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، حتى ولا القطمير الذي هو أحقر الأشياء، وهذا من تنصيص النفي وعمومه، فكيف يُدْعَوْنَ، وهم غير مالكين لشيء من ملك السماوات والأرض؟ ومع هذا { إِنْ تَدْعُوهُمْ } لا يسمعوكم لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم. { وَلَوْ سَمِعُوا } على وجه الفرض والتقدير { مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } لأنهم لا يملكون شيئا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } أي: يتبرأون منكم، ويقولون: {أية : سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ }. تفسير : { وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } أي: لا أحد ينبئك، أصدق من الله العليم الخبير، فاجزم بأن هذا الأمر، الذي نبأ به كأنه رَأْيُ عين، فلا تشك فيه ولا تمتر. فتضمنت هذه الآيات، الأدلة والبراهين الساطعة، الدالة على أنه تعالى المألوه المعبود، الذي لا يستحق شيئا من العبادة سواه، وأن عبادة ما سواه باطلة متعلقة بباطل، لا تفيد عابده شيئا.

همام الصنعاني

تفسير : 2438- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادى في قوفه: {ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ}: [الآية: 12]، قال: تجري مقبلةً ومدْبِرَةً بِريح واحد.