Verse. 3673 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

يُوْلِجُ الَّيْلَ فِي النَّہَارِ وَيُوْلِجُ النَّہَارَ فِي الَّيْلِ۝۰ۙ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ۝۰ۡۖ كُلٌّ يَّجْرِيْ لِاَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۭ ذٰلِكُمُ اللہُ رَبُّكُمْ لَہُ الْمُلْكُ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِہٖ مَا يَمْلِكُوْنَ مِنْ قِطْمِيْرٍ۝۱۳ۭ
Yooliju allayla fee alnnahari wayooliju alnnahara fee allayli wasakhkhara alshshamsa waalqamara kullun yajree liajalin musamman thalikumu Allahu rabbukum lahu almulku waallatheena tadAAoona min doonihi ma yamlikoona min qitmeerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يولج» يدخل الله «الليل في النهار» فيزيد «ويولج النهار» يدخله «في الليل» فيزيد «وسخر الشمس والقمر كل» منهما «يجري» في فلكه «لأجل مسمى» يوم القيامة «ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون» تعبدون «من دونه» أي غيره وهم الأصنام «ما يملكون من قِطْمير» لفاقة النواة.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقد ذكرناه مراراً، وذكرنا أن قوله تعالى بعده: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } جواب لسؤال يذكره المشركون وهو أنهم قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسي الواقعة فوق الأرض وتحتها، فإن في الصيف تمر الشمس على سمت الرؤوس في بعض البلاد الماثلة في الآفاق، وحركة الشمس هناك حمائلية فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة زمان مكثها تحت الأرض فيقصر الليل وفي الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال الله تعالى: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } يعني سبب الاختلاف وإن كان ما ذكرتم، لكن سير الشمس والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك. ثم قال تعالى: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ }. أي ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فطر السموات والأرض وإرسال الأرواح وإرسال الرياح وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو لذاته الكامل ولكونه ملكاً والملك مخدوم بقدر ملكه، فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها، ثم بين ما ينافي صفة الإلهية، وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ }، وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى ذكر لنفسه نوعين من الأوصاف أحدهما: أن الخلق بالقدرة الإرادة والثاني: الملك واستدل بهما على أنه إله معبود كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 1-3] ذكر الرب والملك ورتب عليهما كونه إلهاً أي معبوداً، وذكر فيمن أشركوا به سلب صفة واحدة وهو عدم الملك بقوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } ولم يذكر سلب الوصف الآخر لوجهين أحدهما: أن كلهم كانوا معترفين بأن لا خالق لهم إلا الله وإنما كانوا يقولون بأن الله تعالى فوض أمر الأرض والأرضيات إلى الكواكب التي الأصنام على صورتها وطوالعها فقال: لا ملك لهم ولا ملكهم الله شيئاً ولا ملكوا شيئاً وثانيهما: أنه يلزم من عدم الملك عدم الخلق لأنه لو خلق شيئاً لملكه فإذا لم يملك قطميراً ما خلق قليلاً ولا كثيراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدّم في «آل عمران» وغيرها. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} تقدّم في «لقمان» بيانه. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} أي هذا الذي من صنعه ما تقرّر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر؛ فهو الذي يعبد. {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام. {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقِطمير: القشرة الرقيقة البيضاء التي بين الثمرة والنواة؛ قاله أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة؛ وهو اختيار المبَرِّد، وقاله قتادة. وعن قتادة أيضاً: القِطمير القِمْع الذي على رأس النواة. الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه، والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا، فيزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا، ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفاً وشتاء، {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السمٰوات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر؛ تقديراً من عزيز عليم {كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمّـىً} أي: إلى يوم القيامة {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتاده وغيرهم: القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي: لا يملكون من السمٰوات والأرض شيئاً، ولا بمقدار هذا القطمير. ثم قال تعالى: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم؛ لأنها جماد لا أرواح فيها، {وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} أي: لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} أي: يتبرؤون منكم؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 5 ــــ 6] وقال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم: 81 ــــ 82]. وقوله تعالى: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها، وما تصير إليه، مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُولِجُ } يدخل الله { ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ} فيزيد {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ } يدخله {فِى ٱلَّيْلِ } فيزيد {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ } منهما {يَجْرِى } في فلكه {لأَجَلٍ مُّسَمًّى } يوم القيامة {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِهِ } أي غيره وهم الأصنام {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } لفافة النواة.

ابن عطية

تفسير : {يولج} معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من {الليل} زاد {في النهار}، فكأنه دخل فيه، وكذلك ما نقص من {النهار} يدخل {في الليل} والألف واللام في {الشمس والقمر} هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و"الأجل المسمى" هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، فـ"أجل" على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس "تدعون" بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب "يدعون" بالياء من تحت، و"القطمير" القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جوبير عن رجاله "القطمير" القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب، ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها،: أولها أنها لاتسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله {يكفرون} يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكاً يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : وقفت على ربع لمية ناطق يخاطبني آثاره وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه تفسير : وهذا كثير، وقوله {ولا ينبئك مثل خبير} قال المفسرون قتادة وغيره "الخبير" هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله {ولا ينبئك مثل خبير} من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال {ولا ينبئك مثل خبير} عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه اختلاف الذوات الدال على بديع صنعه، أتبعه تغييره المعاني آية على بليغ قدرته، فقال في موضع الحال من فاعل "خلقكم" إشارة إلى أن الله تعالى صور آدم حين خلق الأرض قبل أن يكون ليل أو نهار ثم نفخ فيه الروح آخر يوم الجمعة بعد أن خلق النور يوم الأربعاء، فلم يأت على الإنسان حين من الدهر وهو مقدار حركة الفلك إلا وهو شيء مذكور: {يولج} أي يدخل على سبيل الجولان {الّيل في النهار} فيصير الظلام ضياء. ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب، وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفاً فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة: نبه عليه بإعادة الفعل فقال: {ويولج النهار في الّيل} فيصير ما كان ضياء ظلاماً، وتارة يكون التوالج بقصر هذا وطول هذا، فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. ولما ذكر الملوين ذكر ما ينشأ عنهما فقال: {وسخر الشمس والقمر} ثم استأنف قوله: {كل} أي منهم {يجري} ولما كان مقصود السورة تمام القدرة، والسياق هنا لقسر المتنافرات على ما يزيد، ولذلك ختم الآية بالملك الناظر إلى القسر والقهر لم يصلح لهذا الموضع حرف الغاية فقال: {لأجل} أي لأجل أجل {مسمى} مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا جاء ذلك الأجل غرب، هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم، فيختل جميع هذا النظام بأمر الملك العلام، ويقيم الناس ليوم الزحام، وتكون الأمور العظام. ولما دل سبحانه على أنه الفاعل المختار القادر على كل ما يريد بما يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره، وختم بما تتكرر مشاهدته في كل يوم مرتين، أنتج ذلك قطعاً قوله معظماً بأداة البعد وميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها {الله} أي الذي له صفة كمال؛ ثم نبههم على أنه لا مدبر لهو سواه بخبر آخر بقوله: {ربكم} أي الموجد لكم من العدم المربي بجميع النعم لا رب لكم سواه؛ ثم استأنف قوله: {له} أي وحده {الملك} أي كله وهو مالك كل شيء {والذين تدعون} أي دعاء عبادة، ثم بيّن منزلتهم بقوله: {من دونه} أي من الأصنام وغيرها وكل شيء فهو دونه سبحانه {ما يملكون} أي في هذا الحال الذي تدعونهم فيه وكل حال يصح أن يقال فيه لكم هذا الكلام؛ وأغرق في النفي فقال: {من قطمير *} وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها، كناية عن أدنى الأشياء، فكيف بما فوقه وليس لهم شيء من الملك، فالآية من الاحتباك: ذكر الملك أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، والملك ثانياً دليلاً على حذفه أولاً؛ ثم بين ذلك بقوله: {إن تدعوهم} أي المعبودات من دونه دعاء عبادة او استغاثة {لا يسمعوا} أي بحس السمع في وقت من الأوقات {دعاءكم} لأنهم جماد {ولو سمعوا} في المستقبل {ما استجابوا لكم} لأنهم إذ ذاك يعلمون أن إجابتكم لا ترضي الله، وهم مما أبى أن يحمل الأمانة ويخون فيها بالعمل بغير ما يرضي الله سبحانه، أو يكون المعنى: ولو فرض أنه يوجد لهم سمع، أو ولو كانوا سامعين - ليدخل فيه من عبد من الأحياء - ما لزم من السماع إجابة، لأنه لا ملازمة بين السمع والنطق، ولا بين السمع والنطق مع القدرة على ما يراد من السامع، فإن البهائم تسمع وتجيب، والمجيبون غيره يجيبون ولا قدرة لهم على أكثر ما يطلب منهم. ولما ذكر ما هو على سبيل الفرض، ذكر ما يصير إليه بينهم وبينهم الأمر فقال: {ويوم القيامة} أي حين ينطقهم الله {يكفرون بشرككم} أي ينكرونه ويتبرؤون منه. ولما كان التقدير: قد أنبأكم بذلك الخبير، وكانوا لا يقرون بذلك ولا يفهمونه حق فهمه ولا يعملون به، صرف الخطاب عنهم إلى من له الفهم التام والطاعة الكاملة، فقال عاطفاً على هذا الذي هدى إلى تقديره السياق: {ولا ينبئك} أي إنباء بليغاً عظيماً على هذا الوجه بشيء من الأشياء، {مثل خبير *} أي بالغ الخبر، فلا يمكن الطعن في شيء مما أخبر به، وأما غيره فلا يخبر خبراً إلا يوجه إليه نقص. ولما اختص سبحانه بالملك ونفى عن شركائهم النفع، أنتج ذلك قوله: {يا أيها الناس} أي كافة {أنتم} أي خاصة {الفقراء} أي لأنكم لاتساع معارفكم وسريان أفكاركم وانتشار عقولكم تكثر نوازغكم وتتفرق دواعيكم فيعظم احتياجكم لشدة ضعفكم وعجزكم عظماً يعد معه احتياج غيركم عدماً، ولو نكر الخبر لم يفد هذا المعنى {إلى الله} أي الذي له جميع الملك؛ قال القشيري: والفقر على ضربين: فقر خلقة، وفقر صفة، فالأول عام فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبديه وينشيه، وفي ثانية ليديمه ويبقيه، وأما فقر الصفة فهو التجرد، ففقر العوام التجرد من المال، وفقر الخواص التجرد من الإعلال، فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات. ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي، أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم على قرب العهد بذكر الإشارة إلى الجهة التي بها وصف بما يذكر، وهي الإحاطة بأوصاف الكمال فقال: {والله هو} أي وحده {الغني} أي الذي لا يتصور أن يحتاج لا إليكم ولا إلى عبادتكم ولا إلى شيء أصلاً. ولما كان الغنى من الخلق لا يسع غناه من يقصده، وإن وسعهم لم يسعهم عطاؤه لخوف الفقر أو لغير ذلك من العوارض، ولا يمكنه عموم النعمة في شيء من الأشياء فلا ينفعك من نوع ذم، وكان الحمد كما قال الحرالي في شرح الأسماء: حسن الكلية بانتهاء كل أمر وجزء، وبعض منها إلى غاية تمامه، فمتى نقص جزء من كل عن غاية تمامه لم يكن ذلك الكل محموداً، ولم يكن قائمه حميداً، وكان الله قد خلق كل شيء كما ينبغي، لم يعجل شيئاً عن إناه وقدره، وكان الذم استنقاضاً يلحق بعض الأجزاء عند من لم يرها في كلها ولا رأى كلها، فكان الذم لذلك لا يقع إلا متقيداً متى أخذ مقتطعاً من كل، والحمد لا يقع إلا في كل لم يخرج عنه شيء, فلا حمد في بعض ولا ذم في كل, ولا حمد إلا في كل، ولذلك قال الغزالي: الحميد من العباد من حمدت عوائده وأخلاقه وأعماله كلها من غير مثنوية. وكان سبحانه قد أفاض نعمه على خلقه، وأسبغها ظاهرة وباطنة، وجعل لهم قدرة على تناولها. لا يعوق عنه إلا قدرته {وما كان عطاء ربك محظوراً} وكان لا ينقص ما عنده، كان إعطاؤه حمداً ومنعه حمداً، لأنه لا يكون مانعاً لغرض بل لحكمة تدق عن الأفكار فقال: {الحميد *} أي كل شيء بنعمته عنده والمستحق للحمد بذاته، فأنتج ذلك قطعاً تهديداً لمن عصاه وتحذيراً شديداً: {إن يشأ يذهبكم} أي جميعاً {ويأت بخلق جديد *} أي غيركم لأنه على كل شيء قدير {وما ذلك} أي الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان {على الله} المحيط بجميع صفات الكمال خاصة {بعزيز *} أي بممتنع ولا شاق، وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد.

القشيري

تفسير : تغلب النَّفْسُ مرةً على القلب، ويغلب القلبُ مرةً على النَّفْس. وكذلك القبضُ والبسط فقد يستويان، ومرةً يغلب القبضُ على البسطَ، ومرةً يغلب البسطُ على القبض، وكذلك الصحو والسُّكْرُ، وكذلك الفناء والبقاء. وسَخّرَ شموسَ التوحيد وأقمارَ المعرفة على ما يريد من إظهاره على القلوب. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ}: فأروني شظيةً من النفي أو الإثبات لما تدعونه من دونه! وإِذْ لم يُمْكِنْكُم ذلك.. فَهَلاَّ أَقْرَرْتـُم، وفي عبادته أخلصتم، وعن الأَصنام تَبَرَّأْتُم؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {يولج الليل فى النهار} اى يدخل الله الليل فى النهار باضافة بعض اجزاء الليل الى النهار فينقص الاول ويزيد الثانى كما فى فصلى الربيع والصيف {ويولج النهار فى الليل} باضافة بعض اجزاء النهار الى الليل كما فى فصلى الخريف والشتاء {وسخر الشمس والقمر} [ورام كرد آفتاب وماه را يعنى مسخر فرمان خود ساخت]. وفى بحر العلوم معنى تسخير الشمس والقمر تصييرهما نافعين للناس حيث يعلمون بمسيرهما عدد السنين والحساب انتهى. يقول الفقير ومنه يعلم حكمة الايلاج فانه بحركة النيرين تختلف الاوقات وتظهر الفصول الاربعة التى تعلق بها المصالح والامور المهمة. ثم قوله وسخر عطف على يولج واختلافهما صيغة لما ان ايلاج احد الملوين فى الآخر متجدد حينا فحينا واما تسخير النيرين فلا تعدد فيه وانما المتتعدد والمتجدد آثاره وقد اشير اليه بقوله تعالى {كل} اى كل واحد من الشمس والقمر {يجرى} اى بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية على المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد ايام السنة جريا مستمرا {لاجل} وقت {مسمى} معين قدره الله تعالى لجريانها وهو يوم القيامة فحينئذ ينقطع جريهما. وقال بعضهم يجرى الى اقصى منازلهما فى الغروب لانهما يغربان كل ليلة فى موضع ثم يرجعان الى ادنى منازلهما فجريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين بهما فى فلكيهما. والاجل المسمى عبارة عن منتهى دوريتهما ومدة الجريان للشمس سنة وللقمر شهر فاذا كان آخر السنة ينتهى جرى الشمس واذا كان آخر الشهر ينتهى جرى القمر. قال فى البحر والمعنى فى التحقيق يجرى لادراك اجل على ان الجرى مختص بادراك اجل {ذلكم} مبتدأ اشارة الى فاعل الافاعيل المذكورة اشارة تجوّز فان الاصل فى الاشارة ان تكون حسية ويستحيل احساسه تعالى وما فيه من معنى البعد للايذان بغاية العظمة اى ذلك العظيم الشان الذى ابدع هذه الصنائع البديعة {الله} خبر {ربكم} خبر ثان {له الملك} خبر ثالث اى هو الجامع لهذه الاوصاف من الالهية والربوبية والمالكية لما فى السموات والارض فاعرفوه ووحدوه واطيعوا امره {والذين تدعون} [وآنانرا كه مى خوانيد ومى برستيد] {من دونه} اى حال كونكم متجاوزين الله وعبادته {ما يملكون من قطمير} هو القشرة البيضاء الرقيقة الملتفة على النواة كاللفافة لها وهو مثل فى القلة والحقارة كالنقير الذى هو النكتة فى ظهر النواة ومنه ينبت النخل والفتيل الذى فى شق النواة على هيئة الخيط المفتول والمعنى لا يقدرون على ان ينفعوكم مقدار القطمير

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يُولج الليلَ في النهار ويُولج النهارَ في الليل} أي: يُدخل من ساعات أحدهما في الآخر، حتى يصير الزائدُ منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعاً. {وسخَّر الشمسَ والقمرَ} ذللها لِمَا يُراد منهما، {كُلٌّ يجري لأجلٍ مسمى} أي: يوم القيامة، فينقطع جريهما، {ذلكم اللهُ ربكم} الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء، وهي: مبتدأ، و "الله" وما بعده: أخبار، {له الملكُ} له التصرف التام. {والذين تَدْعُون من دونه} من الأصنام، أي: تعبدونهم، {ما يملكون من قِطْمِير} وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، كما أن النقير: النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره. {إِن تدْعُوهُم} أي: الأصنام {لا يسمعوا دعاءَكم} لأنهم جماد، {ولو سَمِعُوا} على سبيل الفرض {ما استجابوا لكم} لأنهم لا يدّعون ما تدّعون لهم من الإلهية، بل يتبرؤون منها. {ويومَ القيامة يكفرون بشِرْكِكم} بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم. ويقولون: {أية : مَّا كُنتُم إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [يونس: 28]. {ولا يُنبئك مِثْلُ خبيرٍ} أي: ولا يخبرك بالأمر على حقيقته مخبر مثل خبير به، وهو الله تعالى؛ فإنه خبير به على الحقيقة، دون سائر المخبرين. والمراد: تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدعون لها. أو: ولا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقها، أي: لا يخبرك بالأمور مخبر هو خبير عالم به، يريد أنَّ الخبير بالأمور وحده هو الذي يُخبرك بالحقيقة، دون سائر المخبرين. والمعنى: أنَّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق؛ أنه خبيرٌ بما أخبرتُ به. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ: أبو العباس المرسي رضي الله عنه: يُولج الليل في النهار، ويولج النهارَ في الليل. يُولج المعصية في الطاعة، ويُولج الطاعة في المعصية. يعمل العبد الطاعة فيُعجب بها، ويعتمد عليها، ويستصغر مَن لم يفعلها، ويطلب من الله العوض عليها، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات. ويُذنب العبدُ الذنبَ، فيلتجىء إلى الله فيه، ويعتذر منه، ويستصغر نفسه، ويُعظم مَن لم يفعله، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات، فأيتهما الطاعة، وأيتهما المعصية؟ هـ. أو: يولج ليلَ القبض في نهار البسط، وبالعكس، أو: يولج ليلَ الحجبة في نهار الكشف، ونهارَ الكشف في ليل القطيعة، يتواردان إلى حال طلوع شمس العرفان، فلا غروب لها، كما قال الشاعر: شعر : طلعت شمسُ من أُحب بليلٍ واستنارت فما تلاها غروب إنَّ شمسَ النهارِ تَغْربُ بالليـ ـل وشمس القلوبِ ليستْ تغيبُ تفسير : قال القشيري: يُولج الليل في النهار، تغلب النَّفسُ مرةً على القلب، وبالعكس، وكذلك القبضُ والبسط، فقد يستويان، وقد يغلب أحدُهما، وكذلك الصحو والسُكْرُ، والفناء والبقاء، وآثار شموس التوحيد، وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهارها على القلوب. فهذه كلها يولج أحدها في الآخر. ولا يعرف هذا إلا مَن تحقق بفقره إلى الله تعالى. كما قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ...}

الجنابذي

تفسير : {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} قد مضى بيان هذه الكلمة فى اوّل سورة آل عمران {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} قد مضى الآية فى اوّل الرّعد وفى غيرها {ذَلِكُمُ} الموصوف بتلك الاوصاف {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} عالم الملك مقابل الملكوت، او الملك بمعنى كلّ مملوكٍ لا شركة لغيره فى عالم الملك كما يقوله الثّنويّة، ولا فى شيءٍ من المماليك كما يقوله بعض العابدين للملائكة وجميع الثّنويّة {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} من دون اذنه كمن يدعو مقابلى ولىّ الامر او حال كونهم بعضاً من غيره لكلّ معبودٍ سواه ولم يأذن تعالى فى اشراكه {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} اى الجلدة الرّقيقة الّتى تكون على ظهر النّواة، او شقّ النّواة، او القشرة الّتى تكون فيه او النّكة البيضاء الّتى فى ظهرها.

اطفيش

تفسير : {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل} منهما. {يجري لأجل مسمى} هو مدة دوره او منتهاه او يوم القيامة. {ذلكم الله ربكم له الملك} اسم الاشارة راجع الى فاعل ذلك والله خبره وربكم خبر ثان وله الملك خبر ثالث وفي معاني هذه الاخبار تقرير اثبات لفعله ذلك او جملة له الملك مستأنفة. {والذين تدعون} تعبدون او تطلبون او تسمونهم آلهة وقرى بالتحية. {من دونه} وهم الاصنام. {ما يملكون من قطمير} ما يلف به النوى وهو المشهور. قال الضحاك وغيره: القطمير القمع الذي على التمر فالله سبحانه هو المتفرد بالالوهية والروبية.

اطفيش

تفسير : {يُولج الليل في النَّهار} بإدخاله فيه شيئا فشيئا، فيقصر ويطول النهار {ويُولج النَّهار في الليل} عكس ذلك، والمضارع للتجدد {وسخَّر الشَّمْس والقَمَر} الماضى لعدم التجدد، ولو كانت آثرهما تتجدد {كلّ يجري} من المغرب الى المشرق، إلا أن الفلك يدركهما فى طريقهما، ويتحرك بهما الى المغرب، وهما مستمران الى المشرق كنملة تجرى إلى أسفل اللوح، وأنت تجذب اللوح إليك {لأجل مسمى} هو يوم القيامة أو سنة للشمس وشهر للقمر. {ذلكم} أى العالى الشأن، الفاعل ما لا يفعله غيره، وأخبر عنه بثلاثة أخبار فى قوله: {الله ربُّكم لهُ المُلْك} الأولان مفردان، والثالث جملة، ولا يجوز أن يكون الله نعتا لأنه علم إلا بتأويل المتأهل للعبادة، ويجوز الإبدال، على الوجهين النعت بالتأويل، والبدل يكون خبران لا ثلاثة، ولا يجوز عطف بيان لأنه لا خفاء فى المعطوف عليه، اللهم الا أن يكون على طريقة عطف البيان لا حقيقته، أو لجواز أن يشار الى غير الله عند السامع، ولا يتعين أن الاشارة اليه تعالى حتى يذكر ما يختص به، فجاز البيان قبل ذكر ما يختص به، ومن الجائز أن يكون له الملك مستأنفا مقابلا به قوله تعالى: {والَّذين تَدْعُون} تعبدونهم أو تطلبونهم فى حوائجكم {من دُونه} صيغة العقلاء للأصنام معتبرة باعتقادهم لعنهم الله. {ما يَمْلكون من قِطْميرٍ} قشرة رقيقة بيضاء على النواة على المشهور، أو القمع الذى على رأس النواة من خارج، أو ما بين القمع والنواة ممتداً منه إليها، أو القشرة على رأسها، أو النقطة على ظهرها، أو قشرة الثوم، والمعنى: الإله يملك كل شىء والذين تدعون لا يملكون شيئا فليسوا آلهة.

الالوسي

تفسير : {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } بزيادة أحدهما ونقص الآخر بإضافة بعض أجزاء كل منهما إلى الآخر {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } عطف على {يُولِجُ } واختلافهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حيناً فحيناً وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه وإنما المتعدد والمتجدد آثاره، وقد أشير إليه بقوله تعالى: {كُلٌّ } من الشمس والقمر {يَجْرِى } أي بحسب حركته على المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة أو بحسب حركتيه: الخاصة وهي من المغرب إلى المشرق والقسرية التي هي من المشرق إلى المغرب جرياناً مستمراً {لأَِجَـلٍ مُّسَـمًّى } قدره الله تعالى لجريانهما وهو يوم القيامة كما روي عن الحسن. وقيل جريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين بهما والأجل المسمى عبارة عن مجموع مدة دورتيهما أو منتهاها وهي للشمس سنة وللقمر شهر وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلاً. {ذٰلِكُمُ } إشارة إلى فاعل الأفاعيل المذكورة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بغاية العظمة وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم العظيم الشأن الذي أبدع هذه الصنائع البديعة {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ } وفيه من الدلالة على أن إبداعه تعالى لتلك البدائع مما يوجب ثبوت تلك الأخبار له تعالى، وفي «الكشاف» ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله تعالى صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و {بِكُمْ } خبراً لولا أن المعنى يأباه اهـ. قال في «الكشف»: فيه نظر لأن الاسم الجليل جار مجرى العلم فلا يجوز أن يقع وصفاً لاسم الإشارة البتة لا لفظاً ولا معنى، وكأنه فرض على تقدير عدم الغلبة، وأما إباء المعنى على تقدير تجويز الوصف فقد قيل: إن المقصود أنه تعالى المنفرد بالإلهية لا أن المنفرد بالإلهية هو ربكم لأن المشركين ما كانوا معترفين بالمنفرد على الاطلاق. وأما عطف البيان فقيل لأنه يوهم تخييل الشرك ألا ترى أنك إذا قلت ذلك الرجل سيدك عندي ففيه نوع شركة لأن ذا اسم مبهم، وكأنه أراد أن البيان حيث يذهب الوهم إلى غيره ويحتمل الشركة مناسب لا في مثل هذا المقام، وأفاد الطيبـي أن (ذلك) يشار به إلى ما سبق للدلالة على جدارة ما بعده بسبب الأوصاف السابقة ولو كان وصفاً أو بياناً لكان المشار إليه ما بعده، وهذا في الأول حسن دون الثاني اللهم إلا أن يكون قوله: أو عطف بيان إشارة إلى المذهب الذي يجعل الجنس الجاري على المبهم غير وصف فيكون حكمه حكم الوصف إذ ذاك، وبعد أن تبين أن المقام للإشارة إلى السابق فاسم الإشارة قد يجاء به لأغراض آخر اهـ. وأبو حيان منع صحة الوصفية للعلمية ثم قال: لا يظهر إباء المعنى ذلك. ويجوز أن يكون قوله تعالى: {لَهُ ٱلْمُلْكُ } / جملة مبتدأة واقعة في مقابلة قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } ويكون ذلك مقرراً لما قبله من التفرد بالإلهية والربوبية واستدلالاً عليه إذ حاصله جميع الملك والتصرف في المبدأ والمنتهى له تعالى وليس لغيره سبحانه منه شيء، ولذا قيل إن فيه قياساً منطقياً مطوياً. وجوز أن يكون مقرراً لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ }تفسير : [فاطر: 11] الخ وقوله تعالى: {يُولِجُ } الخ فجملة {ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } الخ عليه إما استئنافية أيضاً وهي معطوفة على جملة {له الملك} وإما حال من الضمير المستقر في الظرف أعني (له) وعلى الوجه الأول هي معطوفة على جملة {ذلكم الله} الخ أو حال أيضاً. والقطمير على ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد لفافة النواة وهي القشر الأبيض الرقيق الذي يكون بين التمر والنواة وهو المعنى المشهور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر أنه القمع الذي هو على رأس التمرة، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه القشرة على رأس النواة وهو ما بين القمع والنواة، وقال الراغب ((إنه الأثر على ظهر النواة)) وقيل هو قشر الثوم، وأياً ما كان فهو مثل للشيء الدنيء الطفيف، قال الشاعر:شعر : وأبوك يخصف نعله متوركا ما يملك المسكين من قطمير تفسير : وقرأ عيسى وسلام ويعقوب (يدعون) بالياء التحتانية.

ابن عاشور

تفسير : {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى}. استدلال عليهم بما في مظاهر السماوات من الدلائل على بديع صنع الله في أعظم المخلوقات ليتذكروا بذلك أنه الإِله الواحد. وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة لقمان، سوى أن هذه الآية جاء فيها {كل يجري لأجل} فعدي فعل {يجري} باللام وجيء في آية سورة لقمان تعدية فعل {يجري} بحرف (إلى)، فقيل اللام تكون بمعنى (إلى) في الدلالة على الانتهاء، فالمخالفة بين الآيتين تفنن في النظم. وهذا أباه الزمخشري في سورة لقمان وردّه أغلظ ردّ فقال: ليس ذلك من تعاقب الحرفين ولا يَسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العَطن ولكن المعنيين أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه يبلغه، وقوله: {يجري لأجل} تريد لإِدراك أجل ا هــــ. وجعل اللام للاختصاص أي ويجري لأجْل أَجَل، أي لبلوغه واستيفائه، والانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم للغرض، أي فمآل المعنيين واحد وإن كان طريقه مختلفاً، يعني فلا يعد الانتهاء معنى للام كما فعل ابن مالك وابن هشام، وهو وإن كان يرمي إلى تحقيق الفرق بين معاني الحروف وهو مما نميل إليه إلا أننا لا نستطيع أن ننكر كثرة ورود اللام في مقام معنى الانتهاء كثرة جعلت استعارة حرف التخصيص لمعنى الانتهاء من الكثرة إلى مساويه للحقيقة، اللهم إلا أن يكون الزمخشري يريد أن الأجل هنا هو أجل كل إنسان، أي عمره وأن الأجل في سورة لقمان هو أجل بقاء هذا العالم. وهو على الاعتبارين إدماج للتذكير في خلال الاستدلال ففي هذه الآية ذكَّرهم بأن لأعمارهم نهاية تذكيراً مراداً به الإِنذار والوعيد على نحو قوله تعالى في سورة الأنعام (60) { أية : ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى }. تفسير : واقتلاعُ الطغيان والكبرياء من نفوسهم. ويريد ذلك أن معظم الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين، ألا ترى إلى قوله بعدها: والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وَفي سورة لقمان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو عامّ لكل مخاطب من مؤمن وكافر فكان إدماج التذكير فيه بأن لهذا العالم انتهاء أنسب بالجميع ليستعدَّ له الذين آمنوا وليرغم الذين كفروا على العلم بوجود البعث لأنّ نهاية هذا العالم ابتداء لعالم آخر. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. استئناف موقعه موقع النتيجة من الأدلة بعد تفصيلها. واسم الإِشارة موجه إلى من جرت عليه الصفات والأخبار السابقة من قوله: { أية : والله الذي أرسل الرياح } تفسير : [فاطر: 9] الآيات فكان اسمه حريّاً بالإِشارة إليه بعد إجراء تلك الصفات إذ بذكرها يتميز عند السامعين أكمل تمييز حتى كأنه مشاهد لأبصارهم مع ما في اسم الإِشارة من البعد المستعمل كناية عن تعظيم المشار إليه، ومع ما يقتضيه إيراد اسم الإِشارة عقب أوصاف كثيرة من التنبيه على أنه حقيق بما سيرد بعد الإِشارة من أجل تلك الصفات فأخبر عنه بأنه صاحب الاسم المختص به الذي لا يجهلونه، وأخبر عنه بأنه رب الخلائق بعد أن سجل عليهم ما لا قبل لهم بإنكاره من أنه الذي خلقهم خلقاً من بعد خلق، وأن خلقهم من تراب، وقدر آجالهم وأوجد ما هو أعظم منهم من الأحوال السماوية والأرضية مما يدل على أنه لا يعجزه شيء فهو الرب دون غيره وهو الذي الملكُ والسلطان له لا لغيره أفاد ذلك كله قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك}، فانتهض الدليل. وعطف عليه التصريح بأن أصنامهم لا يملكون من الملك شيئاً ولو حقيراً وهو الممثَّل بالقطمير. والقطمير: القشرة التي في شَقّ النواة كالخيط الدقيق. فالمعنى: لا يملكون شيئاً ولو حقيراً، فكونهم لا يملكون أعظَم من القطمير معلوم بفحوى الخطاب، وذلك حاصل بالمشاهدة فإن أصنامهم حجارة جاثمة لا تملك شيئاً بتكسب ولا تحوزه بهبة، فإذا انتفى أنها تملك شيئاً انتفى عنها وصف الإِلهية بطريق الأوْلى، فنُفي ما كانوا يزعمونه من أنها تشفع لهم. وجملة {إن تدعوهم} خبر ثان عن {والذين تدعون من دونه} [فاطر: 13]. والمقصد منها تنبيه المشركين إلى عجز أصنامهم بأنها لا تسمع، وليس ذلك استدلالاً فإنهم كانوا يزعمون أن الأصنام تسمع منهم فلذلك كانوا يكلمونها ويوجهون إليها محامدهم ومدائحهم، ولكنه تمهيد للجملة المعطوفة على الخبر وهي جملة {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} فإنها معطوفة على جملة {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم}، وليست الواو اعتراضية، أي ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم، أي لا ترد عليكم بقبول، وهذا استدلال سنده المشاهدة، فطالما دَعُوا الأصنام فلم يسمعوا منها جواباً وطالما دَعَوْها فلم يحصل ما دعوها لتحصيله مع أنها حاضرة بمرأى منهم غير محجوبة، فعدم إجابتها دليل على أنها لا تسمع، لأن شأن العظيم أن يستجيب لأوليائه الذين يسعون في مرضاته، فقد لزمهم إمّا عجزُها وإما أنها لا تفقه إذ ليس في أوليائها مغمز بأنهم غير مُرْضِينَ لهذا. وهذا من أبدع الاستدلال الموطّأ بمقدمة متفق عليها. وقوله: {ما استجابوا} يجوز أن يكون بمعنى إجابة المنادي بكلمات الجواب. ويجوز أن يكون بمعنى إجابة السائل بتنويله ما سأله. وهذا من استعمال المشترك في معنييه. ولما كشف حال الأصنام في الدنيا بما فيه تأييس من انتفاعهم بها فيها كمِّل كشف أمرها في الآخرة بأن تلك الأصنام ينطقها الله فتتبرأ من شركهم، أي تتبرأ من أن تكون دعت له أو رضيت به. والكفر: جحد في كراهة. والشرك أضيف إلى فاعله، أي بشرككم إياهم في الإِلهية مع الله تعالى. وأجري على الأصنام موصول العاقل وضمائرَ العقلاء {والذين تدعون} [فاطر: 13] إلى قوله: {يكفرون بشرككم} على تنزيل الأصنام منزلة العقلاء مجاراة للمردود عليهم على طريقة التهكم. وقوله: {ولا ينبئك مثل خبير} تذييل لتحقيق هذه الأخبار بأن المخبِر بها هو الخبير بها وبغيرها ولا يخبرك أحد مثل ما يخبرك هو. وعُبّر بفعل الإِنباء لأن النبأ هو الخبر عن حدث خطير مهمّ. والخطاب في قوله: {ينبئك} لكل من يصح منه سماع هذا الكلام لأن هذه الجملة أرسلت مُرسَل الأمثال فلا ينبغي تخصيص مضمونها بمخاطَب معين. و{خبير} صفة مشبهة مشتقة من خَبُر، بضم الباء، فلان الأمرَ، إذا علمه علماً لا شك فيه. والمراد بــــ {خبير} جنس الخبير، فلما أرسل هذا القول مثلاً وكان شأن الأمثال أن تكون موجزة صيغ على أسلوب الإِيجاز فحذف منه متعلِّق فعل (يُنَبِّىء) ومتعلِّق وصف {خبير}، ولم يذكر وجه المماثلة لعلمه من المقام. وجعل {خبير}نكرة مع أن المراد به خبير معيَّن وهو المتكلم فكان حقه التعريف، فعدل إلى تنكيره لقصد التعميم في سياق النفي لأن إضافة كلمة {مثل} إلى خبير لا تفيده تعريفاً. وجعل نفي فعل الإِنباء كناية عن نفي المنبىء. ولعل التركيب: ولا يوجد أحد ينبئك بهذا الخبر يماثل هذا الخبير الذي أنبأك به، فإذا أردف مُخبر خبره بهذا المثل كان ذلك كناية عن كون المخبِر بالخبر المخصوص يريد بــــ{خبير} نفسَه للتلازم بين معنى هذا المثل وبين تمثل المتكلم منه. فالمعنى: ولا ينبئك بهذا الخبر مثلي لأني خَبَرتُه، فهذا تأويل هذا التركيب وقد أغفل المفسّرون بيان هذا التركيب. والمِثل بكسر الميم وسكون المثلثة: المساوي؛ إما في قدر فيكون بمعنى ضِعف، وإما المساوي في صفة فيكون بمعنى شبيه وهو بوزن فِعل بمعنى فاعل وهو قليل. ومنه قولهم: شِبْه، ونِدّ، وخِدْن.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 13- يُدخل الليل فى النهار ويُدخل النهار فى الليل بطول ساعات أحدهما وقصرها فى الآخر. حسب أوضاع محكمة مدى الأعوام والدهور، وسخر الشمس والقمر لمنفعتكم، كل منهما يجرى إلى أجل معين ينتهى إليه. ذلك العظيم الشأن هو الله مدبِّر أموركم، له الملك - وحده - والذين تدعون من غيره آلهة تعبدونها ما يملكون من لفافة نواة، فكيف يستأهلون العبادة؟! 14- إن تدعوا الذين تعبدونهم من دون الله لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا دعاءكم ما أجابوا شيئاً مما تطلبون، ويوم القيامة ينكرون إشراككم لهم مع الله، ولا يخبركم بهذا الخبر من أحوال الآخرة مثل عليم به علماً دقيقاً. 15- يا أيها الناس: أنتم المحتاجون إلى الله فى كل شئ، والله هو الغنى - وحده - عن كل خلقه، المستحق للحمد على كل حال. 16- إن يشأ الله إهلاككم أهلككم لتمام قدرته، ويأت بخلق جديد ترضاه حكمته. 17- وما هلاككم والإتيان بغيركم بممتنع على الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} (13) - وَمِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعَالى: أَنَّهُ جَعَلَ اللَيْلَ وَالنَّهارَ يَتَنَاوَبَانِ الطُّولَ والقِصَرَ، فَيأخُذُ مِنْ طُولِ أَحَدِهِمَا لِيُضِيفَهُ إِلى الآخَرِ، ثُمَّ يَعْتَدِلاَنِ، ثُمَّ يَطُولُ الذِي كَانَ مِنْهُمَا قَصِيراً، وَيَقْصُرُ الآخَرُ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِلْخَلقِ فِي جَرَيَانِهِما، لِمَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنينَ وَالحِسَابِ، وَلِمَدِّ الأَرْضِ بِالحَرَارةِ والنُّورِ والدِّفْءِ المُعْتَدِلِ، لِتَبْقَى الحَيَاةُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ولا تَزَالُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ يَجْرِيَانِ هكَذَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ الأَجَلُ المُسَمَّى لَهُمَا. وَالذِي فَعَلَ هذَا كُلَّهُ هُوَ اللهُ تَعَالى رَبُّ الخَلْقِ كُلِّهِ، الذِي لا تَصِحُّ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، فَهُوَ صَاحِبُ الخَلْقِ، وَصَاحِبُ المُلْكِ. أَمَّا مَنْ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ، مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ فَإِنَّهُمْ لاَ يَمْلكونَ شَيْئاً، حَتَّى الحَقِيرَ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَلِذَلِكَ فإِنَّهُمْ لاَ يَسْتَحِقُّونَ العِبَادَةَ. يُولِجُ - يُدْخِلُ. لأَِجَلٍ مُسَمى - لأَِجلٍ مُقَدَّرٍ لِفَنَائِهِمَا، وَهُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ. قَِطْمِيرٍ - غِلاَلةٍ رَقِيقَةٍ تَلُفُّ نَوَاةَ التَّمْرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : صحيح أن الليل والنهار يتساويان في بعض الأحايين، لكن يطول الليلُ في الشتاء فيأخذ جُزْءاً من النهار، ويطول النهار في الصيف فيأخذ جزءاً من الليل، إذن طُول أحدهما نَقْص من الآخر، هذا معنى {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} [فاطر: 13] يعني: يُدخِل هذا في هذا. وظاهرة إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ناشئة من ميل المحور، فالحق سبحانه كما وزَّع الماء وحفظه في البحر الواسع، كذلك وزَّع الحرارة، فالشمس لولا وجود المحور المائل لاحترقتْ الجهة المقابلة للشمس وتجمدتْ الجهة الأخرى. ومن عجائب الخلق أن الإنسان الذي يعيش عن القطب الشمالي أو القطب الجنوبي حرارته 37 مثل الذي يعيش عند خط الاستواء، لأن الجسم البشري مبنيٌّ على هندسة خاصة تحفظ له حرارته المناسبة أيَّاً كان، بل تحفظ لكل عضو فيه حرارته التي تناسبه مع أن الأعضاء كلها في جسم واحد، والحرارة تُشِعُّ وتستطرق في المكان كله. عجيب أن الكبد مثلاً لا يؤدي وظيفته الطبيعية إلا في درجة حرارة 40، والعين لا تزيد حرارتها عن 7، فمَنْ يمنع حرارة الكبد أن تستطرق في الجسم كله وتصل إلى العين مثلاً؟ إنه الخالق {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} [فاطر: 13] يعني: ذلَّلهما للإنسان، وجعلهما في خدمته دون قدرة له عليهما، ودون إرادة منه، فالشمس والقمر آيتان في الهيكل العام للكون لا دّخْلَ للإنسان فيهما، ولو كان له دَخْل لَفَسد أمرهما وما استقام، وصدق الله: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. فإنْ قُلْت: إفساد الإنسان في الأرض أمر ممكن، فكيف يكون إفساده للسماء؟ قالوا: ألم يتمَنَّ قوم أنْ تسقط السماءُ عليهم، فقالوا: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء: 92] فلو اتبع الحقُّ أهواءَ هؤلاء لَخَرِبَتْ الدنيا. وهذه مسألة تكلمتْ فيها المدرسة الفلسفية في ألمانيا أمام مدرسة أخرى، وكان لهما رأيان متناقضان، وهما في عصر واحد، وكل منهما تتخذ من رأيها دليلاً على الإلحاد وقولاً بعدم وجود إله، وهذا عجيب. فواحدة تقول: لا شذوذ في العالم، فهو يسير على قوانين مستقيمة أشبه ما تكون (بالميكانيكا)، ولو كان لهذا الكون إله خالق لاختلف الخَلْق وحدث فيه شذوذ. والأخرى تقول: إن الكون لا يسير على نظام ثابت، بل يحدث فيه شذوذ في الخَلْق، بدليل أن البعض يُولَد مثلاً مُعوَّقاً، ولو كان للعالم إله خالق لجاء الخَلْق واحداً مستوياً لا اختلافَ فيه. سبحان الله، فهم يريدون الإلحاد على أيِّ وجه، فمزاجهم أنْ يلحدوا. ونقول لهؤلاء: تعالوا نردّكم إلى الصواب وإلى كلمة سواء: يا مَنْ تريد شذوذ الأشياء دليلاً على وجود إله قادر الدليل موجود، ويا مَنْ تريد ثبات الأشياء دليلاً على وجود إله حكيم الدليل موجود، لكن الجهة مُنفكة، كيف؟ النظام الثابت الذي لا شذوذَ فيه موجود في الكون العلوي الذي يسير على رتابة ونظام لا يتخلَّف، فحركة الشمس والقمر والكواكب والأفلاك تسير كلها على نظام واحد لا يختلُّ أبداً، والآن استطعنا مثلاً تحديد لحظة الكسوف والخسوف، وفعلاً نشاهده في وقته بالضبط. إذن: إنْ أردتَ الثبات دليلاً فَخُذْه من الأفلاك العليا؛ لأنها لا بُدَّ أنْ تُبنى على نظام ثابت لا شذوذَ فيه، وإلا لاَخْتلَّ الكون كله. فإنْ كنت تريد الشذوذ فشاهده في الجزئيات؛ لأن شذوذَ الجزئيات لا يؤثر على النظام العام للكون؛ لذلك ترى: هذا سليم، وهذا أعمى، وهذا أعور.. إلخ. إذن: الثبات في موضعه لحكمة والشذوذ في موضعه لحكمة، وهذا وذاك دليلان على وجود الإله الخالق القادر. وقوله تعالى {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر: 13] أي: الشمس والقمر يجري كل منهما إلى وقت معلوم يتم فيه فَنَاؤهما ونهايتهما {ذَلِكُمُ} [فاطر: 13] أي: الذي فعل هذا وقدَّره {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} [فاطر: 13] أي: العالم المحسّ المشَاهَد لك، أما الذي لا تراه من مُلْك الله فهو عَالَم الملكوت، وهو ما غاب عنك، ولا تدركه حواسُّك. لذلك لما نجح سيدنا إبراهيم في الابتلاء كما قال تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] أعطاه الله منزلة عظيمة، وأطلعه على الملكوت الذي غاب عن غيره، فقال سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75] وما يترتب من عالم المُلْك المشاهد لنا ناشئ عن عالم الملكوت الذي لا ندركه. والحق سبحانه وتعالى يشير إلى هذا العالم - عالم الملكوت - في قوله تعالى: {أية : يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29]. كيف، ونحن ما اتقينا الله إلا بالفرقان أي: بالقرآن، فما معنى {أية : يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29]؟ قالوا: الفرقان هنا أن يُريك الله ملكوتَ السماوات والأرض. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] يعني: إنْ كان الإله الحق خلق لكم كذا كذا، وسخَّر لكم الشمس والقمر، فإن آلهتكم المدَّعاة المزعومة {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] فما القطمير؟ المتأمل في القرآن الكريم يجده يُولي اهتماماً كبيراً للنخلة، وأول ما خاطب خاطب العربَ، وهم أول مَنْ وُوجهوا بالإسلام ودُعوا إليه، فخاطبهم القرآن بما يناسبهم، وذكر لهم أمثلة من بيئتهم، والنخلة مشهورة في البيئة العربية، ولها في ديننا منزلة، حتى أنه نُسِب إلى سيدنا رسول الله أنه قال "أكرموا عمتكم النخلة". وهذا القول وإن لم يصح عن رسول الله إلا أن الذي قاله لم يَقُلْهُ من فراغ، ولا بُدَّ أن لهذا القول أصلاً، وأن هناك صلة بين الإنسان والنخلة. وقد صَحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: "حديث : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ". تفسير : فلما سمع عبد الله بن عمر هذا قال لأبيه: لقد وقع في نفسي أنها النخلة، لأنها لا يسقط ورقها، وهي أشبه بالمؤمن، فكل ما فيها نافع فبكَّر عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن ابني عبد الله قال عن الشجرة التي ذكرتَ أنها النخلة. فقال: صدق، فقال عمر: فوالله ما يسرني أنْ يكون لي بها حُمر النعم، يعني: فرح أن يفهم ابنه مقالة رسول الله. وقد حاول العلماء تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان وإثبات النسب بين الإنسان والنخلة، وأنها ربما تكون قد خُلِقَت من بقية طينة سيدنا آدم، فقالوا: إن رائحة طلع النخلة الذي يتم به التلقيح هي نفس رائحة المنيِّ عند الإنسان، وهذا يرجح صِدْق قول مَنْ قال إنها عمَّتنا. وفي خَلْق النخلة على هذه الصورة عجائب وأسرار، ويكفي أن كل ما فيها نافع، ولا يُرْمى منها شيء، وقد جعلها الله موضعاً للمثَل والعبرة، فلما حدَّثَ العرب عن الهلال، قال: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39]. والعرجون هو السُّباطة التي تحمل البلح حين تيبس تلتوي وتتقوَّس، فقرَّب لهم الأعلى بذِكر الأدنى المعروف لهم. خُذْ مثلاً نواة التمرة، وهي أهون ما يكون، إلا أن الله تعالى كرَّمها حين ذكر منها ثلاثة أجزاء جعلها أمثالاً توضيحية. ذكر القطمير الذي معنا في هذه الآية {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] وهو الغشاء الشفاف الذي يحيط بالنواة، ونجد مثله بين بياض البيضة وقشرتها. وذكر النقير في قوله سبحانه: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 124] والنقير تجويف صغير، أو نقرة في ظهر النواة. وذكر الفتيل في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 77] والفتيل خيط أبيض تجده في بطن النواة، وهذه الثلاث: القطمير والنقير والفتيل تُضرب مثلاً للشيء اليسير المتناهي في القلة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} معناه القِشرُ الذي يكونُ عَلَى ظَهرِ النَّواةِ. وقال: إِنها الفُوفةُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 786 : 1 : 4 - سفين عن منصور عن مجاهد عن بن عباس قال، في النواة النقير والفتيل والقطمير. والنقير الذي في وسط النواة، الذي به ينبت النوى منه - والفتيل شق النواة. والقطمير لفافة النواة، القشر الذي يكون عليها. [الآية 13].

همام الصنعاني

تفسير : 2439- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {مِن قِطْمِيرٍ}: [الآية: 13]، قال: هو قشر النَّواةِ.