٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : لما كثر الدعاء من النبـي صلى الله عليه وسلم والإصرار من الكفار وقالوا إن الله لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمراً بالغاً ويهددنا على تركها مبالغاً فقال تعالى: {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التعريف في الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ معرفة وهو معقول وذلك لأن المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر لا يكون عند المخبر به علم أو في ظن المتكلم أن السامع لا علم له به، ثم أن يكون معلوماً عند السامع حتى يقول له أيها السامع الأمر الذي تعرفه أنت فيه المعنى الفلاني كقول القائل زيد قائم أو قام أي زيد الذي تعرفه ثبت له قيام لا علم عندك به، فإن كان الخبر معلوماً عند السامع والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيهاً لا تفهيماً يحسن تعريف الخبر غاية الحسن، كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا، حيث عرف كون الله رباً، وكون محمد نبياً، وههنا لما كان كون الناس فقراء أمراً ظاهراً لا يخفى على أحد قال: {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ }. المسألة الثانية: قوله: {إلى ٱللَّهِ } إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقراً إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره، ثم قال: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } أي هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم من احتياجكم لا تجيبونه ولا تدعونه فيجيبكم. المسألة الثالثة: في قوله: {ٱلْحَمِيدُ } لما زاد في الخبر الأول وهو قوله: {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ } زيادة وهو قوله: {إِلَى ٱللَّهِ } إشارة لوجوب حصر العبادة في عبادته زاد في وصفه بالغني زيادة وهو كونه حميداً إشارة إلى كونكم فقراء وفي مقابلته الله غني وفقركم إليه في مقابلة نعمه عليكم لكونه حميداً واجب الشكر، فلستم أنتم فقراء والله مثلكم في الفقر بل هو غني على الإطلاق ولستم أنتم لما افتقرتم إليه ترككم غير مقضي الحاجات بل قضى في الدنيا حوائجكم، وإن آمنتم يقضي في الآخرة حوائجكم فهو حميد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} أي المحتاجون إليه في بقائكم وكل أحوالكم. الزمخشرِيّ: «فإن قلت لِم عرّف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدّة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرِهم؛ لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر؛ وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله: {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}، وقال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} تفسير : [الروم: 54] ولو نكَّر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل «الفقراء» بـ«الغنيّ» فما فائدة «الحميد»؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غنيّ نافعاً بغناه إلا إذا كان الغنيّ جواداً منعماً، وإذا جاد وأنعم حمده المنعَم عليهم واستحق عليهم الحمد ـ ذكر «الحميد» ليدلّ به على أنه الغنيّ النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه». وتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل، ويجوز تخفيف الأولى وحدها وتخفيفهما وتحقيقهما جميعاً. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } تكون «هو» زائدة، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مبتدأة فيكون موضعها رفعاً.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال عز وجل: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وقوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: لو شاء، لأذهبكم أيها الناس، وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع، ولهذا قال تعالى: {وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}. وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي: يوم القيامة {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار، أو بعضه، {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي: وإن كان قريباً إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله. قال عكرمة في قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني؟ وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يداً، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يرده إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً، فيقول له: يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثلما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة أو يا هذه أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي؛ لعلي أنجو بها ممن ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} الآية، ويقول تبارك وتعالى: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} تفسير : [لقمان: 33] ويقول تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34 ــــ 37] رواه ابن أبي حاتم رحمه الله عن أبي عبد الله الطهراني عن حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة به. ثم قال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنُّهى، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} أي: ومن عمل صالحاً، فإنما يعود نفعه على نفسه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ } بكل حال {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن خلقه {ٱلْحَمِيدُ } المحمود في صنعه بهم.
الشوكاني
تفسير : ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ } أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق، و {هُوَ ٱلْغَنِىُّ } على الإطلاق {ٱلْحَمِيدِ } أي: المستحقّ للحمد من عباده بإحسانه إليهم. ثم ذكر سبحانه نوعاً من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه، واستغناؤه عنهم، فقال: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: إن يشأ يفنكم، ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه، ولا يعصونه، أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العالم غير ما تعرفون {وَمَا ذٰلِكَ } إلاّ ذهاب لكم، والإتيان بآخرين {عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي: بممتنع، ولا متعسر، وقد مضى تفسير هذا في سورة إبراهيم {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي: نفس وازرة، فحذف الموصوف للعلم به، ومعنى تزر: تحمل. والمعنى: لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، أي: إثمها بل كل نفس تحمل وزرها، ولا تخالف هذه الآية قوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13]؛ لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، والكلّ من أوزارهم، لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا حديث: «حديث : من سنّ سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»تفسير : فإن الذين سنّ السنة السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدّم الكلام على هذه الآية مستوفى. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا } قال الفرّاء: أي: نفس مثقلة، قال: وهذا يقع للمذكر، والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنساناً إلى حملها، وهو: ذنوبها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ } أي: من حملها {شَىْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } أي: ولو كان الذي تدعوه ذا قرابة لها، لم يحمل من حملها شيئاً. ومعنى الآية: وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفساً أخرى إلى حمل شيء من ذنوبها معها لم تحمل تلك المدعوّة من تلك الذنوب شيئاً، ولو كانت قريبة لها في النسب، فكيف بغيرها مما لا قرابة بينها، وبين الداعية لها؟ وقرىء: (ذو قربى) على أن كان تامة، كقوله: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } تفسير : [البقرة: 280]. وجملة {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ } مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار، ومعنى {يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ }: أنه يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه، وهو غائب عنهم، أو يخشونه في الخلوات عن الناس. قال الزجاج: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار، كقوله: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] وقوله: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [يسۤ: 11]. ومعنى {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}: أنهم احتفلوا بأمرها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم. {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } التزكي: التطهر من أدناس الشرك، والفواحش، والمعنى: أن من تطهر بترك المعاصي، واستكثر من العمل الصالح، فإنما يتطهر لنفسه، لأن نفع ذلك مختصّ به كما أن وزر من تدنس لا يكون إلاّ عليه لا على غيره. قرأ الجمهور: {ومن تزكى فإنما يتزكى} وقرأ أبو عمرو: «فإنما يزكى» بإدغام التاء في الزاي، وقرأ ابن مسعود، وطلحة: (ومن أزكى فإنما يزكى). {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } لا إلى غيره، ذكر سبحانه أوّلاً: أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، ثم ذكر ثانياً: أن المذنب إن دعا غيره، ولو كان من قرابته إلى حمل شيء من ذنوبه لا يحمله، ثم ذكر ثالثاً: أن ثواب الطاعة مختصّ بفاعلها ليس لغيره منه شيء. ثم ضرب مثلاً للمؤمن، والكافر، فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ } أي: المسلوب حاسة البصر {وَٱلْبَصِيرُ } الذي له ملكة البصر، فشبه الكافر بالأعمى، وشبه المؤمن بالبصير {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } أي: ولا تستوي الظلمات ولا النور، فشبه الباطل بالظلمات، وشبه الحقّ بالنور. قال الأخفش: و"لا" في قوله: {ولا النور}، {ولا الحرور} زائدة، والتقدير وما يستوي الظلمات والنور، ولا الظلّ والحرور، والحرور شدّة حرّ الشمس. قال الأخفش: والحرور لا يكون إلاّ مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل. وقيل: عكسه. وقال رؤبة بن العجاج: الحرور يكون بالليل خاصة، والسموم يكون بالنهار خاصة. وقال الفراء: السموم لا يكون إلاّ بالنهار، والحرور يكون فيهما. قال النحاس: وهذا أصح. وقال قطرب: الحرور الحرّ، والظلّ البرد، والمعنى: أنه لا يستوي الظلّ الذي لا حرّ فيه، ولا أذى، والحرّ الذي يؤذي. قيل: أراد الثواب والعقاب، وسمي الحرّ حروراً مبالغة في شدّة الحرّ، لأن زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى. وقال الكلبي: أراد بالظلّ الجنة، وبالحرور النار. وقال عطاء: يعني: ظل الليل، وشمس النهار. قيل: وإنما جمع الظلمات، وأفرد النور لتعدّد فنون الباطل، واتحاد الحقّ. ثم ذكر سبحانه تمثيلاً آخر للمؤمن، والكافر، فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَاء وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ }، فشبه المؤمنين بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات. وقيل: أراد تمثيل العلماء، والجهلة. وقال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال، أي: كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء } أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته، ووفقهم لطاعته {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ } يعني: الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي: كما لا تسمع من مات كذلك لا تسمع من مات قلبه، قرأ الجمهور بتنوين: {مسمع} وقطعه عن الإضافة. وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي، وعمرو بن ميمون بإضافته {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } أي: ما أنت إلاّ رسول منذر ليس عليك إلاّ الإنذار، والتبليغ، والهدى، والضلالة بيد الله عزّ وجلّ. {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } يجوز: أن يكون {بالحقّ} في محل نصب على الحال من الفاعل، أي: محقين، أو من المفعول، أي: محقاً، أو نعت لمصدر محذوف، أي: إرسالاً ملتبساً بالحقّ، أو هو متعلق بـ {بشيراً}، أي: بشيراً بالوعد الحقّ، ونذيراً بالوعد الحقّ، والأولى: أن يكون نعتاً للمصدر المحذوف، ويكون معنى بشيراً: بشيراً لأهل الطاعة، ونذيراً لأهل المعصية {وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } أي: ما من أمة من الأمم الماضية إلاّ مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها، واقتصر على ذكر النذير دون البشير، لأنه ألصق بالمقام. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وعزّاه، فقال: {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: كذب من قبلهم من الأمم الماضية أنبياءهم {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: بالمعجزات الواضحة، والدلالات الظاهرة {وَبِٱلزُّبُرِ } أي: الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم {وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } كالتوراة، والإنجيل، قيل: الكتاب المنير داخل تحت الزبر، وتحت البينات، والعطف لتغاير المفهومات، وإن كانت متحدة في الصدق، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ، والكتاب بما فيه شرائع، وأحكام، {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وضع الظاهر موضع الضمير يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة، ويشعر بعلة الأخذ {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: فكيف كان نكيري عليهم، وعقوبتي لهم، وقرأ ورش عن نافع وشيبة بإثبات الياء في: {نكير} وصلاً ولا وقفاً، وقد مضى بيان معنى هذا قريباً. وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «حديث : ألا لا يجني جانٍ إلاّ على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال لأبي: ابنك هذا؟ قال: أي، وربّ الكعبة، قال: أما أنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء } قال: يكون عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى} أي لا تحمل نفس ما تحمله نفس أخرى من ذنوبها، ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال الملك بتدبيره. {وَإن تَدَعُ مُثْقَلَةٌ إلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَل مِنْهُ شَيْءٌ} قال مجاهد مثقلة بالذنوب، ومعنى الكلام أن النفس التي قد أثقلتها ذنوبها إذا دعت يوم القيامة من يتحمل الذنوب عنها لم تجد من يتحمل عنها شيئاً من ذنوبها. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ولو كان المدعو إلى التحمل قريباً مناسباً، ولو تحمله عنها ما قُبل تحمله، لما سبق من قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. {إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهَم بِالْغَيْبِ} فيه وجهان: أحدهما: في السر حيث لا يطلع عليه أحد، قاله يحيى بن سلام. الثاني: في التصديق بالآخرة، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: يخشونه في ضمائر القلوب كما يخشونه في ظواهر الأفعال.
ابن عطية
تفسير : هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته غني على الإطلاق، و {الحميد} المحمود بالإطلاق، وقوله تعالى {بعزيز} أي بممتنع، و {تزر} معناه تحمل، والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد ابن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها أحد عن أحد، ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب، وهذا هو المعنى في قوله تعالى {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} تفسير : [العنكبوت: 13] لأنهم أغووهم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده" تفسير : وأنثت {وازرة} لأنه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت {مثقلة}، و"الحمل" ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار للمعاني كالذنوب ونحوها، فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوباً إلى اليد، واسم {كان} مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما ينذر أهل الخشية وهم الذين يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله {بالغيب} أي وهو بحال غيبة عنهم إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيهاً عليها وتشريفاً لها، ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة "ومن أزكى فإنما يزكي"، ثم توعد بعد ذلك بقوله {وإلى الله المصير}. قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك كتاب الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.
النسفي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ } قال ذو النون: الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به وبقاؤهم به! {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن الأشياء أجمع {ٱلْحَمِيدُ} المحمود بكل لسان، ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني جواداً منعماً وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسر إليه ومنقطعاً عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع وعلامته أن لا يسأل من أحد. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنياً بالله وكلما ازداد افتقاراً ازداد غنى. وقال يحيـى: الفقر خير للعبد من الغنى لأن المذلة في الفقر والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع، والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لا بكم في القدم {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو بدون حمدكم حميد {وَمَا ذٰلِكَ } الأنشاء والإفناء {عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. والوزر والوقر أخوان، ووزر الشيء إذا حمله، والوازرة صفة للنفس، والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار. وإنما قيل {وٰزِرَةٌ } ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى، لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها. وقوله {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ }تفسير : [العنكبوت: 13] وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم{أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ }تفسير : [العنكبوت: 12] بقوله {أية : وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء }تفسير : [العنكبوت: 12] {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي نفس مثقلة بالذنوب أحداً {إِلَىٰ حِمْلِهَا } ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ } أي المدعو وهو مفهوم من قوله {وَإِن تَدْعُ } {ذَا قُرْبَىٰ } ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ. والفرق بين معنى قوله {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ومعنى {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء } أن الأول دال على عدل الله في حكمه وأن لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى إن نفساً قد أثقلتها الأوزار لودعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث وإن كان المدعو بعض قرابتها {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء {بِٱلْغَيْبِ } حال من الفاعل أو المفعول أي يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائباً عنهم. وقيل: بالغيب في السر حيث لا اطلاع للغير عليه {وَأَقَامُوا الصَّلَٰوةَ} في مواقيتها {وَمَن تَزَكَّىٰ } تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع وهو وعد للمتزكي الثواب. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } مثل للكافر والمؤمن أو للجاهل والعالم. {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ } مثل للكفر {وَلاَ ٱلنُّورُ } للإيمان {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ } الحق والباطل أو الجنة والنار. والحرور الريح الحار كالسموم إلا أن السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار. عن الفراء {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ } مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه وزيادة. «لا» لتأكيد معنى النفي. والفرق بين هذه الواوات أن بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها وتراً إلى وتر {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ } يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه فيهدي من يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين. شبه الكفار بالموتى حيث لا ينتفعون بمسموعهم {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع وإن كان من المصرين فلا عليك {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} حال من أحد الضميرين يعني محقاً أو محقين أو صفة للمصدر أي إرسالاً مصحوباً بالحق {بَشِيراً } بالوعد {وَنَذِيرًا } بالوعيد {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ } وما من أمة قبل أمتك. والأمة: الجماعة الكثيرة وجد عليه أمة من الناس ويقال لأهل كل عصر أمة، والمراد هنا أهل العصر وقد كانت آثار النذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام فلم تخل تلك الأمم من نذير، وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث محمد عليه السلام {إِلاَّ خَلاَ } مضى {فِيهَا نَذِيرٌ } يخوفهم وخامة الطغيان وسوء عاقبة الكفران، واكتفى بالنذير عن البشير في آخر الآية بعدما ذكرهما لأن النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم } حال و«قد» مضمرة {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات {وَبِٱلزُّبُرِ } وبالصحف {وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } أي التوراة والإنجيل والزبور. ولما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم ـ وهي البينات ـ وبعضها في بعضهم ـ وهي الزبر والكتاب ـ وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ أَخَذْتُ } عاقبت {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بأنواع العقوبة {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} إنكاري عليهم وتعذيبي لهم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } طرق مختلفة جدة كمدة ومدد {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } جمع غربيب وهو تأكيد للأسود. يقال: أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب. وكان من حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك «أصفر فاقع» إلا أنه أضمر المؤكد قبله والذي بعده تفسير للمضمر، وإنما يفصل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً، ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال {ثمرات مختلفاً ألوانها}. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ } يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه {كَذٰلِكَ } أي كاختلاف الثمرات والجبال. ولما قال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰؤُا} أي العلماء به الذين علموه بصفاته فعظموه ومن ازداد علماً به ازداد منه خوفاً ومن كان علمه به أقل كان آمن. وفي الحديث «حديث : أعلمكم بالله أشدكم له خشية»تفسير : وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن أن معناه أن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله: {أية : وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 39] وبينهما تغاير، ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء، وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله تعالى. وقرأ أبو حنيفة وابن عبد العزيز وابن سيرين رضي الله عنهم {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءَ} والخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى إنما يعظم الله من عباده العلماء {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المثيب حقه أن يخشى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ} الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى اللّه ـــ تعالى ـــ في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها؛ لاَ يَسْتَغني عنه طرفةَ عَيْنٍ؛ وهو به مستغنٍ عن كل أحدٍ، {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي: المحمود بالإطلاق. وقوله: {بِعَزِيزٍ} أي: بمُمْتَنِعٍ و{تَزِرُ} تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ {وَازِرَةٌ} لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت {مُثْقَلَةٌ}، واسم {كَانَ} مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي. ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ. ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية. ثم توعد بعد ذلك بقوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. قال * ع *: وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللّهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثَرَ منْه في مواضِعَ؛ بحَسْبِ تَقْصِيرنا.
ابن عادل
تفسير : قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} (أي) إلى فضل الله. والفقير هو المحتاج {وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ} عن خلقه "الحَمِيدُ" أي المحمود في إحسانه إليهم. واعلم أنه لما كثر الدعاء من النبي - عليه السلام - والإصرار من الكفار قالوا إن اللَّهَ لعله محتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمراً بالغاً ويهددنا على تركها مبالغاً فقال الله. {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم. فصل التعريف في الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة والمبتدأ معرفة لأن المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر يعلمه المخبر أو في ظن المتكلم أن السامع لا علم له به ثم إنَّ المبتدأ لا بدّ وأن يكون معلوماً عند السامع حتى يقول له: أيها السامع الأمر الذي تعرفه ثَبَتَ له قيامٌ لا علم عندك به فإن الخبرَ معلوم عند السامع والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيهاً لا تفهيماً فإنه يحسن تعريف الخبر كقول القائل: "اللَّهُ رَبُّنَا ومُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا" حيث عرف كون الله ربنا وكون محمد نبينا وههنا لما كان كون الناس فقراء أمراً ظاهراً لا يخفى على أحد قال: "أَنْتُم الفُقراء" وقوله: "إلى الله" إعلام بأنه لا افتقارَ إلا إليه ولا اتِّكالَ إلا عليه. وهذا يوجب عبادته لكونه مُفْتَقَراً إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره ثم قال: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي هو مع استغنائه يدعوكم كل الدعاء وأنتم مع احتياجكم لا تجيبونه. قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} وهذا بيان لِغناه وفيه بلاغة كاملة لأن قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ} أي ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إنْ شَاءَ فُلاَنٌ هَدَمَ دَارَهُ، وإنما يقال: لَوْلاَ حَاجَةُ السُّكْنَى على الدار لِبعْتُها، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله: {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} يعني إن كان يتوهم متوهم أنَّ هذا الملك كمال وعظمة فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا (وأجْمَلَ). {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي الإذهاب والإتيان. واعمل أن لفظة "العزيز" استعمله الله تارة في القائم بنفسه فقال في حق نفسه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} تفسير : [الأحزاب:25] وقال في هذه السورة: "عَزِيزٌ غَفُورٌ" واستعملة تارة في القائم بغيره فقال: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} وقال: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} تفسير : [التوبة:128] فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فنقول: العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخصٌ يقال: هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله: {وما ذلك على الله بعزيز} أي ذلك الفِعل لا يغلبه بل هو هَيِّنٌ على الله وقوله: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} تفسير : [التوبة:128] أي يحزنه ويؤذيه كالشُّغْل (الشَّاغِل) الغَالِبِ. قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} أي نَفْسٌ وازة بحذف الموصوف للعمل به. ومعنى "تَزِرُ" تحمل، أي لا تحمل نَفْسٌ حاملةٌ حِمْلَ نَفْسٍ أخرى. قوله: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي نفس مثقلة بالذنوب نفساً إلى حملها فحذف المفعول به للعلم به. والعامة "لا يُحْمَلُ" مبنياَ للمفعول و "شَيْءٌ" قائم مقام الفاعل، وأبو السَّمَّال وطلحةُ - وتُرْوى عن الكسائي - بفتح التاء من فوق وكسر الميم. أسند الفعل إلى ضمير النفس المحذوفة التي هي مفعولة "لِتَدْعُ" أي لا تَحْمِلُ تلك النفسُ الدَّعْوَة (و) شيئاً مفعول "بلاَ تَحْمِلْ". قوله: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي ولو كان المَدْعو ذَا قُرْبَى، وقيل التقدير ولو كان الدَّاعِي ذَا قربى، والمعنيان حَسَنَان، وقرىء: "ذُو" بالرفع على أنها التامة أي ولو حَضَرَ ذُو قُربى نحو: قَدْ كان من مَطَرْ، {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} تفسير : [البقرة:280]. قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمةً للنَّاقِصَةِ لأن المعنى على أن المثقلة إذا دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان مَدْعُوهَا ذا قربى وهو ملتئم ولو قلت: ولو وُجِدَ ذو قربى لخرج عن التئامه، قال أبو حيان: وهو ملتئم على المعنى الذي ذكرناه. قال شهاب الدين: والذي قال هو ولو حضر إذْ ذاكَ ذُو قربى. ثم قال: وتفسيره "كان" وهو مبني للفاعل بـ "وُجِدَ" وهو مبني للمفعول تفسير معنى والذي يفسر النَّحْويُّ به كان التامة نحو: حَدَثَ وحَضَرَ ووَقَعَ. فصل المعنى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ بذنوبها غيرَها إلى حِمْلها أي يَحْمِلُ ما عليه من الذنوب لا يُحْمَل منْه شَيْءٌ ولو كان المَدْعو ذا قَرَابة له ابنَة أو أبَاه أو أمَّة أو أَخَاه. قال ابن عباس: يَلْقَى الأبُ أو الأمُّ ابنه فيقول يا بني احْمِلْ عني بَعْضَ ذُونُوبي فيقول لا أستطيع حَسْبِي ما عَلَيَّ. قوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} ولم يروه. قال الأخفش: تأويله إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب. قوله: "بالغيب" حال من الفاعل أي يَخْشَوْنَه غائبين عنه. أو من المفعول أي غائباً عنهم. وقوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ في المعنى. قوله: "وَمَن تَزَكَّى" قرأ العامة "تَزَكَّى" تَفَعَّلَ "فَإنما يَتَزَكَّى" يتفعل. وعن أبي عمرو "ومَنْ يَزَّكَّى فَإنَّما يَزَّكَّى" والأصل فيهما يَتَزَكَّى فأدغمت التاء في الزاي كما أدغمت في الدال نحو "يَذَّكَّرُونَ" في "يتَذَكَّرُونَ"، وابن مسعود وطلحة: "وَمَن ازَّكَّى" والأصل تَزَكَّى فأُدْغِمَ (باجْتلابِ همزة الوصل "فَإنَّمَا يَزَّكَّى" أصله "يَتَزكَّى فأُدْغِمَ") كأبي عمرو في غير المشهور عنه. فصل معنى "ومَنْ تزكَّى" صلى وعمل خيراً {فإنَّما يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ} لها ثوابه. "وَإلَى اللَّهِ المَصِيرُ" أي التزكي إن لم تظهر فائدته عاجلاً فالمصيرُ إلى الله يظهر عنده يوم القيامة في دار البقاء. والوازرُ إنْ لم تظهر تبعةُ وِزْرِهِ في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصيرُ إلى الله. ثم لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر وهدى الله المؤمن ضرب له مثلاً بالبصير والأعمى فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر أعْمَى. قوله: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} استوى من الأفعال التي لا يكتفي فيها بواحد لو قلت: اسْتَوَى زيدٌ لم يصح فمن ثَمَّ لزم العطف على الفاعل أو تعدده و "لا" في قوله: {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ} إلى آخره مكررة لتأكيد النفي. وقال ابن عطية: دخول "لا" إنما هو على نية التكرار كأنه قال: ولا الظلمات والنور والظلمات فاستغنى بذكر الأوائل عن الثَّوَانِي ودل مذكور الكلام على متروكه. قال أبو حيان: وهذا غير محتاج إليه لأنه إذا نفي استؤاؤهما أولاً فأي فائدة في نفي استوئهما ثانياً؟ وهو كلام حسن إلا أن أبا حيان هنا قال: فدخول "لا" في النفي لتأكيد معناه كقوله: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} تفسير : [فصلت: 34] وللناس في هذه الآية قولان: أحدهما: ما ذكر. والثاني: أنها غير مؤكدة إذ يراد بالحسنة الجنس وكذلك السَّيِّئَة فكل واحد منهما متفاوت في جنسه لأن الحسنات درجات متفاوتة وكذلك السيئات. وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى. فعلى هذا يمكن أن يقال بهذا هنا في الظاهر؛ إذ المراد مقابلة هذه الأجناس بعضها ببعض لا مقابلة بعض أفراد كل جنس على حدته ويرجح هذا الظاهر التصريح بهذا في قوله أولاً: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} حيث لم يكررها وهذا من المواضع الحسنة المفيدة. "والْحَرُورُ" شدة حر الشمس، وقال الزمخشري: الحرور السَّمُوم إلا أنّ السًّمُومَ بالنهار والحرور فيه وفي الليل. قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الفراء وغيره. وقيل السموم بالنهار والحرور بالليل خاصة. نقله ابن عطية عن رؤبة. وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قال الفراء. وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللِّسان بقول من يأخذ عنهم؟ وقرأ الكسائي - في رواية زَاذَانَ - عنه "وَمَا تَسْتَوِي الأَحْيَاءُ" بالتأنيث على معنى الجماعة. وهذا الأشياء جيء بها على سَبيل الاستعارة والتمثيل فالأعمى والبصير الكافر والمؤمن والظلمات والنور الكفر والإيمان والظَّلُّ والحَرُورُ الحقُّ والباطل والأحياء والأموات لم دخل في الإسلام ولمن لم يدخل فيه. وجاء ترتيب هذه المَنْفِيَّات على أحسن الوجوه فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للكافر والمؤمن عقبة بما كل منهما فيه فالكافر في ظلمة والمؤمن في نور لأن البصير وإن كان حديد النظر لا بدّ له من ضوء يبصر فيه وقدم الأعمى؛ لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما هو فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور ولأن النور فاصل. ثم ذكر ما لكلّ منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور، وأخّر الحرور لأجل الفاصلة كما تقدم. وقولنا: لأجل الفاصلة هنا وفي غيره من الأماكن أحسن من قيل بعضهم لأجل السجع لأن القرآن يُنَزّه عن ذلك. وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع، وإنما كرر الفعل في قوله: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ} مبالغة في ذلك لأن المنافَاةَ بين الحياة والموت أتم من المنافاة المتقدمة وقدم الأحياء لشرف الحياة ولم يُعِد "لا" تأكيداً في قوله الأعمى والبصير وكررها في غيره لأن منافاة ما بعده أتمّ فإن الشخص الواحد قد يكون بصيراً ثم أعمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظِّلِّ والحَرُور والظلمات والنور فإنها متنافية أبداً لا تجتمع اثنان منهما في مَحَلِّ فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمةٌ. فإن قيل: الحياةُ والموت بمنزلة العَمَى والبَصَر فإن الجسم قد يكون متصفاً بالحياة ثم يتصف بالموت! فالجواب: أن المنافة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك الحي والميت فالمنافاة بينهما أتمّ. وأفرد "الأعمى والبصير" لأنه قابل الجِنْسَ بالجنس إذ قد يوجد في أفراد العُمْيَان ما يساوي بعض أفراد البُصَراء كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيراً بليداً فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأَفْرَادِ. وجمع الظلمات لأنها عبارة عن الكفر والضلال وَطُرُقُهُمَا كثيرة متشعبة. ووحد النور لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد فالتفاوت بين كل فرد من أفراد الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى الظلمات كلها لا تجد فيها ما يساوي هذا الواحد. قال شهاب الدين: كذا قيل. وعندي (أنه) ينبغي أنْ يقال: إن هذا الجمع لا يساوي هذا الواحد فنعلم انتفاء مساواة (فردٍ منه) (لـِ) هذا الواحد بطريق أولى وإنما جمع الأحْيَاءَ والأموات لأن التفاوت بينهما أكثر إذ ما من ميِّتٍ يساوي في الإدراك حيًّا فذكر أن الأَحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس أم الفرد بالفرد. فصل قال ابن الخطيب: قدم الأشْرَف في مثلين وهو الظّل والحيّ وأخّره في مثلين وهو البصر والنور في مثل هذا يقول المفسرون: إنه لتواخي أواخر الآيات. وهذا ضعيف لأن تواخي الأواخر راجع إلى السجع ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملاً له على تغيير المعنى وأما القرآن فحكمة بلغة المعنى فيه صحيح واللفظ يصح فلا يقدم ويؤخر اللفظ بلا معنى فنقول: الكفار قبل النبي - عليه الصلاة والسلام - كانوا في ضلالة فكانوا كالعُمْي وطريقتهم كالظلمة ثُمَّ لما جاء النبي - عليه (الصلاة و) السلام - وبين الحق واهتدى به منهم قوم فصاروا بَصِيرينَ وطريقتم كالنُّور فقال: "لاَ يَسْتَوِي" من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان فلما كان الكفر قبل الإيمان في زمان محمد - عليه (الصلاة و) السلام - والكافر قبل المؤمن قدم المقدم. ثم لما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لقوله - عليه (الصلاة و) السلام - في الإلهيات: "حديث : سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي"تفسير : ، ثم إن الكافر المصر بعد البعث صار أضلَّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق من جميع الوجوه فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ} أي المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل الله والأموات الذين تُلِيَتْ عليهم تُلِيَتْ عليهم الآياتُ البينات ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا بعد الإيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافرين المعاندين. وقدم الأعمى على البصير لوجود الكفار الصالِّين قبل البعثة على المؤمنين المهتدين بها. فصل قال المفسرون: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَى وَٱلْبَصِرُ} (يعني) الجاهل والعالم. وقيل الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى أي المؤمن والمشرك {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} يعني الكفر والإيمان {وَلاَ الظِّلُّ ولا الحَرُورُ} يعني الجنة والنار {ومَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَاءُ وَلا ٱلأَمْوَاتُ} يعني المؤمنين والكفار. وقيل: العلماء الجهال. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَآءُ} حتى يتعظ ويجيب {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} يعني الكفار شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا {إِنْ أَنْتَ إلاَّ نَذِيرٌ} ما أنت إلا منذر فخوِّفْهُم بالنار.
التستري
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ}[15] قال: يعني أنتم إليه في أنفسكم، فإن الله تعالى لما خلق الخلق حكم لعباده بالفقر إليه، وهو الغني، فمن ادعى الغنى حجب عن الله عزَّ وجلَّ، ومن أظهر فقره إليه أوصل الله فقره بغناه، فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً إليه في السر، منقطعاً عن غيره، حتى تكون عبوديته محضة، إذ العبودية المحضة هي الذل والخضوع. فقيل له: وكيف يفتقر إليه؟ قال: إظهار الفقر في ثلاث: فقرهم القديم، وفقرهم في حالهم، وفقرهم في موت أنفسهم من تدبيرهم؛ ومن لم يكن كذلك فهو مدّعٍ في فقره. وقال: الفقير الصادق الذي لا يسأل ولا يرد ولا يحبس. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: صفة أولياء الله عزَّ وجلَّ ثلاثة أشياء: الثقة بالله تعالى في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 15]. قال سهل: لما خلق الله تعالى الخلق حكم لنفسه بالغناء ولهم بالفقر فمن ادعى الغناء حُجب عن الله، ومن أظهر فقره إلى الله أوصل فقره بغنائه ويصح إظهار الفقر فى ثلاثة، فقرهم القديم، وفقرهم فى حالهم، وفقرهم فى موت أنفسهم من تدبيرهم، ومن لم يكن كذا فهو مدعٍ فى فقره. قال يحيى بن معاذ: الفقر خير للعبد من الغنى لأن المذلة فى الفقر والكبر مع الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. قال الواسطى رحمة الله عليه: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزَّز بالله لا يذل. قال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غناه بالله فى كل شىء والفقر إليه فى كل شىء والرجوع إليه فى كل شىء. قال الواسطى رحمة الله عليه: أفقر الفقراء من ستر الحق حقيقة حقه والغنى من كاشف الحق حقيقة حقه له. قال سهل رحمة الله عليه: أنتم الفقراء إليه فى كل نفس، ينبغى للعبد أن يكون مفتقرًا إليه بالسر ومنقطعًا إليه من غيره حتى تكون عبوديته محضة، والعبودية هى الفقر والذل والخضوع. قال الجنيد رحمة الله عليه: قد عجزت عن علم العبودية كيف تدرك علم الربوبية، والربوبية: العلم والقدرة والقهر، والمشيئة، والعبودية العجز والفاقة والضعف والضرورة ولا يستطيع أن يدفع الضرورة من ضعفه ومن عجزه، ولا يقدر على دفع فاقته. قال ذو النون رحمة الله عليه: الخلق محتاجون إليه فى كل نفس وخطرة ولحظة. سمعت يوسف بن إسماعيل يقول: سمعت أبا بكر بن إسحاق يقول: سمعت الجنيد رحمة الله عليه يقول: رأيت محمد بن عبد الوهاب فقال لى: يا أبا القاسم أيش أنت فقلت أنا الفقير فقال الفقر سر الله لا يودعه من يظهره قلت: وكيف ذا يا سيدى؟ قال: لأن الله تعالى كفى أولياءه وأغناهم به. وقال الجوزجانى: الفقر والفاقة دار العصمة وبابها معرفة المنة. وقال الشبلى: الفقر بحر البلاء وبلاؤه كله عز. وقال الجنيد رحمة الله عليه: خلق الخلق وأفقره إليه بغناه عنهم فقال: {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} ثم قال: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} دليل على أن فقر كل شىء إليه فإنه غنى عن الأشياء أجمع. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت القناد يقول: سمعت الجنيد رحمة الله عليهم يقول: وقد سئل عن الافتقار الى الله أتم أم الاستغناء به؟ فقال: إذا صح الافتقار الى الله كمل الغنى بالله، ولا يقال أيهما أتم لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلاَّ بالآخر فمن صح له الافتقار إليه صح له الغنى به. وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الجرير يقول: سمعت الجنيد رحمة الله عليه وعليهم يقول فى قوله: {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} فقال: الفقر يليق بالعبودية والغنى يليق بالعبودية. وقال سعد: الفقير الصادق لا يسأل ولا يدخر ولا يحبس. سئل الخواص ما علامة الفقر الصادق؟ قال: ترك الشكوى وإخفاء أثر البلوى. وسئل رويم عن الفقر؟ فقال: عدم كل موجود ويكون فى الأشياء دخوله لغيره لا له. سمعت أبا الفرج يقول: سمعت إبراهيم بن أحمد السياجى يقول: سمعت محمد بن الحسين الخطيب يقول: سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: الفقر مخزون مكنون للمؤمن مثل الشهادة لا ينالها إلاَّ من أحبه الله من عباده. قال أبو سعيد الخراز: حقيقة الفقر أخذ شىء منه واختيار القليل على الكثير عند الحاجة. وقيل: لإبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه ما الذى ورثك الدخول فى الفقر؟ قال: الصبر عليه. قال عمرو المكى: الفقر ظاهرة ظاهر البلوى وباطنه باطن النعمة وقد وقع عليه كريم الوعد بالجزاء فوجب على العبد إظهار ما بطن من النعمة وإخفاء ما ظهر من البلوى.
القشيري
تفسير : الفقر على ضربين: فقر الخِلْقة وفقر الصفة؛ فأمَّا فقر الخِلْقَة فهو عامٌّ لكلِّ أحدٍ؛ فكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إلى خالقه، فهو قد حَصَلَ من العَدَمَ، فهو مفتقر إليه ليبديه وينْشيه، ثم بعد ذلك مفتقرٌ - في حال بقائه إليه - لِيُديمَه ويقيه. فاللَّهُ - سبحانه - غنيٌّ، والعبدُ فقير؛ العبدُ فقيرٌ بعينه واللَّهُ غنيٌّ بعينه. وأمَّا فقر الصفة فهو التجرُّد، ففقرُ العوامِ التجرُّدُ من المال، وفقر الخواص التجرد من الأعلال لِيَسْلَمَ لهم الفقر. والفقر على أقسام: فقر إلى الله، وفقر إلى شيء هو من الله، معلوم أو مرسوم وغير ذلك. ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء؛ فالفقيرُ إلى اللَّه هو الغنيُّ بالله، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله، والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله. ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُّبر، وشَرَفُ العبد في فقره، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيٌّ:- شعر : وإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً مِنَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها تفسير : ومن الفقر المذموم، أن يَسْتُرَ الحقُّ على صاحبه مواضعَ فقره إلى ربِّه، ومن الفقر المحمود أن يُشْهِدَه الحقُّ مواضعَ فَقْرِه إليه. ومن شرط الفقير المخلص ألا يملكَ شيئاً ويملك كلَّ شيءٍ. ويقال: الفقير الصادق الذي لا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق إظهارُ التَّشَكُّرِ عند كمالِ التكَسُّر. ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى. ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى. وحقيقة الفقر المحمود تجرُّد السِّرِّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله. ويقال: الفقر المحمود العَيْشُ مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقتِ من غير استكراه شيءٍ منه بكلِّ وجْهٍ. قوله: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}: الإشارة منه أن يُعْطِي حتى يُحْمَد. ويقال الغنيُّ إذا أظهر غِنَاه لأحدٍ فإمَّا للمفاخرة أو للمكاثرة - وجَلَّ قَدْرُ الحقِّ عن ذلك - وإمَّا ليجود ويتفضَّل على أحدٍ. ويقال: لا يقول لنا أَنتم الفقراءُ للإزرار بنا - فإنَّ كَرَمَه يتقدَّسُ عن ذلك - وإنما المقصود أنه إذا قال: والله الغني، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا. ويقال إذا لم تَدَّعِ ما هو صفته - من استحقاق الغِنَى - أولاك ما يُغْنِيك، وأعطاكَ فوق ما يكفيك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} فطرة الانسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة الى الازل بنعت الافتقار اليه كانجذب الحديث الى المغناطيس لانها بنعت وقعت ولعشق والعاشق مفتقر الى معشوقه انفعلا فمن عرفه بالازلية والابدية يفتقر اليه افتقار قطعيا لان بقاءه لا يكون لانه واذا كان كذلك صار غنيا بالله متصفا بغناه غنى به عن غيره مفتقر اليه فاذا كان فى محل الصحو يكون مفتقر اليه واذا كان فى محل السكن بقى فى رؤية غناه عنه فصار محجوباً عنه ولا يدرى قال الحسين على مقدار افتقار العبد الى الله يكون غناءه بالله وكلما ازداد وافتقار ازداد غنى قال الواسطى من استغنى بالله لا يفتقرو من يتعزز بالله لا يذل وقال جعفر الصادق انتم الفقراء بذل العبودية والله الغنى بعز الربوبية لان الربوبية القهر والغلبة والعبودية الخضوع والاستكانة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله} الفقراء جمع فقير كالفقائر جمع فقيرة والفقير المكسور الفقار والفقر [بشت كسى شكستن] ذكره فى تاج المصادر فى باب ضرب وجعله فى القاموس من حد كرم. وقال الراغب فى المفردات يقال افتقر فهو مفتقر وفقير ولا يكاد يقال فقر وان كان القياس يقتضيه انتهى. وفهم من هذا ان الفقير صيغة مبالغة كالمفتقر بمعنى ذى الاحتياج الكثير والشديد والفقر وجود الحاجة الضرورية وفقد ما يحتاج اليه وتعريف الفقراء للمبالغة فى فقرهم فانهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب وان افتقار سائر الاخلاق بالنسبة الى فقرهم بمنزلة العدم. والمعنى يا ايها الناس انتم المحتاجون الى الله تعالى بالاحتياج الكثير الشديد فى انفسكم وفيما يعرض لكم من امر مهم او خطب ملم فان كل حادث مفتقر الى خالقه ليبديه وينشئه اولا ويديمه ويبقيه ثانيا ثم الانسان محتاج الى الرزق ونحوه من المنافع فى الدنيا مع دفع المكاره والعوارض والى المغفرة ونحوها فى العقبى فهو محتاج فى ذاته وصفاته وافعاله الى كرم الله وفضله. قال بعض الكبار ان الله تعالى ما شرّف شيئا من المخلوقات بتشريف خطاب انتم الفقراء الى الله حتى الملائكة المقربين سوى الانسان وذلك ان افتقار المخلوقات الى افعال الله تعالى من حيث الخلق ونحوه وافتقار الانسان الى ذات الله وصفاته فجميع المخلوقات وان كانت محتاجة الى الله تعالى لكن الاحتياج الحقيقى الى ذات الله وصفاته مختص بالانسان من بينها كمثل سلطان له رعية وهو صاحب جمال فيكون افتقار جميع رعاياه الى خزائنه وممالكه ويكون افتقار عشاقه الى عين ذاته وصفاته فيكون غنى كل مفتقر بما يفتقر اليه فغنى الرعية يكون بالمال والملك وغنى العاشق يكون بمعشوقه شعر : كام عاشق دولت ديدار يار قصد زاهد جنت ونقش ونكار هرجه جز عشق حقيقى شدوبال هرجه جز معشوق باقى شد خيال هست در وصلت غنا اندر غنا هست درفرقت غمم وفقر وعنا تفسير : ومن الكمالات الانسانية الاحتياج الى الاسم الاعظم من جميع وجوه الاسماء الالهية بحسب مظهريته الكاملة واما غيره من الموجودات فاحتياجهم انما هو بقدر استعدادهم فهو احتياج بوجه دون وجه ولذا ورد (الفقر فخرى وبه افتخر) وهذا صحيح بمعناه وان اختلف فى لفظه كما قال عليه السلام "حديث : اللهم اغننى بالافتقار اليك ولا تفقرنى بالاستغناء عنك " تفسير : قال فى كشف الاسرار [صحابه فقرا نام نهاد] حيث قال {أية : للفقراء المهاجرين} تفسير : وقال {للفقراء الذين احصروا فى سبيل الله} [وآن تلبيس توانكرى حال ايشانست تاكس توانكرئ ايشان ندانداين جنانست كه كفته اند] شعر : ارسلانم خوان تاكس به نداندكه كه ام تفسير : [بيران طريقت كفته اند بناى دوستى برتلبيس نهاده اندسليمانرا نام ملكى تلبيس فقربود آدم را نام عصيان تلبيس صفوت بود ابراهيم را التباس نعمت تلبيس خلت بود زيرا كه شرط محبت غير تست ودوستان حال خود بهركس ننمايند كسى كه ازكون ذره ندارد وبكونين نظرى ندارد وهمواره نظر الله بيش جشم خود دارد اورا فقير كويند از همه درويش است وبحق توانكر "انما الغنى غنى القلب" توانكرى درسينه مى بايد نه درخزينه فقيرا اوست كه خودرادر دوجهان جز ازحق دست آويزنكند ونظر خود ندارد جهار تكبير برذات وصفات خود كند جنانكه آن جوانمرد كفت] شعر : نيست عشق لا يزالى را دران دل هيج كار كاو هنوزاندر صفات خويش مانداست استوار هركه در ميدان عشق ليكوان نامى نهاد جار تكبيرى كند برذات او ليل ونهار تفسير : {والله هو} وحده {الغنىّ} المستغنى على الاطلاق فكل احد يحتاج اليه لان احد لا يقدر ان يصلح امره الا بالاعوان لان الامير ما لم يكن له خدم واعوان لا يقدر على الامارة وكذا التاجر يحتاج الى المكارين والله الغنىّ عن الاعوان وغيرها. وفى الاسئلة المقحمة معناه الغنىّ عن خلقه فلو لم يخلقهم لجاز ولو ادام حياتهم لابتلاهم كلفهم او لم يكلفهم فالكل عنده بمثابة واحدة لانه غنى عنهم خلافا للمعتزلة حيث قالوا لو لم يكلفهم معرفته وشكره لم يكن حكيما وهذا غاية الخزى ويفضى الى القول بان خلقهم لنفع او دفع وهو قول المجوس بعينه حيث زعموا وقالوا خلق الله الملائكة ليدفع بهم عن نفسه اذى الشيطان انتهى. {الحميد} المنعم على جميع الموجودات حتى استحق عليهم الحمد على نعمته العامة وفضله الشامل فالله الغنىّ المغنى. قال الكاشفى [ببايد دانست كه ماهيات ممكنه درو جود محتاجند بفاعل {وانتم الفقراء} اشارة با آنست وحق سبحانه وتعالى بحسب كمال ذاتى خود ازوجود عالم وعالميان مستغنيست {والله هو الغنىّ} عبارت از آنست وجون ظهور كمال اسمانى موقوفست بروجود اعيان ممكنات بس درايجاد آن كه نعمتيست كبرى مستحق حمداست وثنا كلمه {الحميد} بدان ايمايى مينمايد وازين رباعى بى بدين معنى توان برد] شعر : تاخود كردد بجمله اوصاف عيان واجب باشدكه ممكن آيد بميان ورنه بكمال ذاتى از آدميان فردست وغنى جنانكه خود كردبيان
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناس أنتم الفقراءُ إِلى الله} في دقائق الأمور وجليلها، في كل لحظة لا يستغني أحد عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك؛ إذ لا قيام للعبد إلا به، فهو مفتقر إلى الله، إيجاداً وإمداداً. قال البيضاوي: وتعريف الفقراء؛ للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير مُعتد به، ولذلك قال: {أية : وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء:28] قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: {والله هو الغنيُّ الحميدُ}. وقال ذو النون رضي الله عنه: الخلقُ محتاجون إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة، ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به؟ {والله هو الغنيُّ} عن الأشياء كلها، {الحميدُ} أي: المحمود بكل لسان. ولم يَسمِّهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم؛ لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني؛ أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر "الحميد" ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خَلْقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كلّ غنيّ نافعاً بغناه، إلا إذا كان الغنيُّ جواداً منعماً، وإذا جاد وأنعم، حمده المُنعَم عليهم. ولَمَّا ذكر افتقارم إلى نعمة الإيجاد، ذكر افتقارهم إلى نعمة الإمداد، بقوله: {إِن يشأ يُذهبكم} أي: إن يشأ يُفنيكم كلكم، ويردكم إلى العدم؛ فإنَّ غناه بذاته، لا بكم، {ويأتِ بخلقٍ جديدٍ} يكون أطوع منكم، أو بعالَم آخر غير ما تعرفون. {وما ذلك} أي: الإفناء والإنشاء {على الله بعزيز} بممتنع. وعن ابن عباس: يخلق بعدكم مَن يعبده، لا يشرك به شيئاً. قال القشيري: فقر الخِلْقَة عام لكلِّ أحدٍ، في أول حال وجوده؛ ليُبديه وينْشيه، وفي ثاني حال بقائه؛ ليُديمَه ويُبقيَه. هـ. قلت: وإليه أشار في الحِكَم بقوله: "نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل موجود منهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أنعم أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد". الإشارة: الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله. فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوُّذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلاَّ فمذموم، ويشمله التعوُّذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: "أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك" وهو ينشأ عن التحقُّق بالفقر ظاهراً وباطناً؛ لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمَن تحقق بوصفه أمدّه الله بوصفه، "تحقق بوصفك يُمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه". وقال القشيري: بعد كلام ـ: والفقراءُ على أقسام: فقير إلى الله، وفقير إلى شيء هو من الله؛ معلومٍ ومرسوم. ومَن افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء، فالفقير إلى الله هو الغني بالله، فالافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله. فالفقير إليه مُسْتَغْنٍ به، والمستغنى به فقيرٌ إليه. ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكبُّر. وشَرَفُ العبد وعزه في فقره، وذُلُّه وصغاره في توهمه الغنى، وأنشدوا: شعر : وإذا تذلّلَت الرقابُ تَقَرُّباً منَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها تفسير : ومن شرط الفقير: ألا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء. ومن آداب الفقير الصادق: إظهارُ التكثُّر عند وجود التقتُّر، والشكر على البلوى، والبُعد عن الشكوى. ويقال: الفقر المحمود: العيش مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقت، من غير استكراه شيء منه بكلِّ وجْهٍ. هـ. ملخصاً. قال الورتجبي: فطرة الإنسانية وقعت من الغيب مضطربة متحركة إلى الأزل، بنعت الافتقار إليه، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس؛ لأنها وقعت بنعت العشق، والعاشق مفتقر إلى معشوقه، انفعالاً، فمَن عرفه بالأزلية والأبدية يفتقر إليه افتقاراً قطعيًّا؛ لأن بقاءه لا يكون إلا به. وإذا كان كذلك صار غنيًّا بالله، متصفاً بغناه، غنيًّا به عن غيره، مفتقراً إليه. فإذا كان في محل الصحو يكون مفتقراً إليه، وإذا كان في محل السكر بقي في رؤية غناه عنه، فصار محجوباً عنه، ولا يدري. هـ. وقال سهل رضي الله عنه: لَمَّا خلق الله الخلقَ حَكَمَ لنفسه بالغِنى، ولهم بالفقر، فمَن ادّعى الغِنى، حُجب عن الله، ومَن أظهر فقره أوصله فَقْرُه إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسرّ إليه، ومنقطعاً عن الغير إليه، حتى يكون عبوديّته لله محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع. هـ. وقال الواسطي: مَن استغنى بالله لا يفتقر، ومَن يتعزّز بالله لا يَذل. وقال يحيى بن معاذ: الفقرُ خير للعبد من الغِنى؛ لأن الذلة في الفقر، والكبر في الغِنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بكثرة الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء. وكيف يفتقر العبد إلى العبد وهو لا يغني عنه شيئا، قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} ناداهم تلطّفاً بهم وتثبيتاً لغناه وفقرهم {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} تعريف المسند لارادة الحصر ردّاً لمن قال: انّ الله فقير ونحن اغنياء {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} اعلم، انّ الفقر والحاجة فى الممكن عين ذاته الوجوديّة، بمعنى انّ وجوده وجود تعلّقىّ والتّعلّق عين ذاته لا انّ وجوده شيءٌ والتّعلّق صفة له وهذا النّحو من الوجود لا يكون له شأن الاّ الفقر والفاقة والتّعلّق، وانّ وجوده تعالى وجود غنىّ بذاته عن كلّ ما سواه وانّ الغنى عين ذاته تعالى كسائر صفاته وهذا النّحو من الوجود لا شأن له سوى الغنى ولا يتجاوز الغناء عنه الاّ به تعالى وكلّ من كان الغناء عين ذاته يكون حميداً على الاطلاق بمعنى انّه لا يكون حميد الاّ وهو هو لانّه لو وجد صفة كمال لم تكن هى لله تعالى كان مفتقراً اليها فاقداً لها ولم يكن غنيّاً على الاطلاق.
الأعقم
تفسير : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي المحتاجون إليه {والله هو الغني} لا يحتاج إلى شيء {الحميد} المستحق للحمد فله الحمد كثيراً بكرة وأصيلاً {إن يشأ يذهبكم} أي لا يبعد عليه ان يشأ يهلككم {ويأت بخلق جديد} {وما ذلك على الله بعزيز} أي متعزز {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تؤاخذ بذنب أحد {وإن تدع مثقلة} أي حاملة حملاً ثقيلاً {إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} وإن كان أقرب الناس إليه {إنما تنذر الذين يخشون ربهم} إنما خصّهم لقبولهم وانتفاعهم به وإلا فهو منذر للجميع، ومعنى يخشون يخافون الله تعالى {بالغيب وأقاموا الصلاة} أداموها {ومن تزكّى} قيل: تطهر من المآثم، وقيل: صلح وعمل خيراً {فإنما يتزكى لنفسه} لأن جزاؤه يصل إليه {وإلى الله المصير} المرجع للجزاء {وما يستوي الأعمى والبصير} قيل: الأعمى عن الدين والبصير به، وقيل: المؤمن والكافر {ولا الظلمات ولا النور}، قيل: هو النور والظلمة بعينها، وقيل: ظلمات الكفر ونور الايمان {ولا الظل ولا الحررو} قيل: الجنة والنار، وقيل: هو مثل للحق والباطل {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} قيل: أراد المؤمن والكافر {إن الله يسمع من يشاء} من عباده مواعظ فيتعظ بها وهو من له لطف {وما أنت بمسمع من في القبور} وهم الأموات شبّههم بالأموات حيث لاينتفعُون بما يسمعون {إن أنت إلا نذير} مخوف {إنا أرسلناك بالحق بشيراً} للمؤمنين {ونذيراً} للكافرين {وإن من أمة} من الأمم الماضية {إلا خلا فيها نذير} {وإن يكذبوك} فلا يغمك تكذيبهم إياك {فقد كذّب الذين من قبلهم} من الأمم {جاءتهم رسلهم بالبينات} بالحجج {وبالزبر} بالكتب {وبالكتاب المنير} الواضح نحو التوراة والانجيل والزبور {ثم أخذت الذين كفروا} بالعقاب {فكيف كان نكير} {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء} وهو المطر {فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} أجناساً من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرهما ما لا يحصر {ومن الجبال} التي خلقها {جدد} طرائق {بيض وحمر مختلف ألوانها} الجبال {وغرابيب سود} أي بعضها أسود كالغراب، يعني ومن الجبال مختلف ألوانه كما قيل ثمرات مختلف ألوانه {ومن الناس والدواب والأنعام} الابل والبقر والغنم {مختلف ألوانه} بيض وسود وحمر وصفر ذلك {كذلك} أي جعلناه مختلفاً كما جعلنا الجبال والثمار مختلفاً وذلك يدل على صانع حكيم مدبر {إنما يخشى الله من عباده العلماء} الذين علموا بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه قدره وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، وفي الحديث: "حديث : أعلمكم بالله أشدكم خشية" تفسير : وقال رجل للشعبي: افتني أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله {إن الله عزيز} قادر {غفور} يغفر ذنوب عباده.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} فضل الله واحسانه ما من احد الا هو فقير في ذاته ومعيشته ولباسه وغير ذلك وغير الناس كالملائكة والجن والدواب كالناس فى الافتقار ولكن لشدة افتقار الناس جعل افتقار غيرهم كلا افتقار حتى انه اتى بصيغة الحصر اذ عرف الطرفين. {والله هو الغني} عن خلقه والغنى على الاطلاق بمعنى انه لا يصيبه افتقار اصلا. {الحميد} الذي وجب له الحمد على خليقته لانعامه عليهم وفي ذكر الحميد دلالة على ان غناه نافع للخليقة. قال بعضهم: من ادعى الغنى حجب عن الله ومن اظهر فقره اليه سبحانه وتعالى اوصل الله فقره بغناه. فليكن العبد في جميع احواله منقطعا عن غيره حتى تكون عبوديته محضة ويجوز ان يكون المراد بالحمد انه لا يفعل الا ما هو مقبول عدل صواب لا جور.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النَّاس} مطلقا أو المعهودون بقوله: "أية : ذلكم الله ربكم له الملك" تفسير : [فاطر: 13] أى ذلكم المعبود الموهوب بصفات الجلال، لا الذين تدعون من دونه وأنتم الفقراء اليه عز وجل كما قال: {أنتُم الفُقراءُ إلى الله} فى ابقائكم وجميع ما تحتاجون اليه، أو الناس الجنس أو للاستغراق والحصر مبالغة لا تحقيق، لأن غير الناس المعهودين، أو غير الناس مطلقا فقير إلى الله عز وجل أيضا، كأنه لكثرة افتقارهم وشدته هم والفقراء وحدهم، وافتقار غيرهم كلا افتقار كذا قيل: وفيه أن افتقارهم ليس بأشد من غيرهم، وافتقار الخلق كلهم اليه على حد سواء، ومن اعتقد غير ذلك أشرك الا اعتقاده كثرة الحوائج وقلتها، مثل: احتجنا الى الأكل والشرب، والجماد لا يحتاج إليهما، والظاهر أنه لا حصر إلا بكثرة الحوائج، فان الجن لا يأكلون ولا يشربون إلا قليلا من الطعام أو شراب، أو يكتفون بالشم، وأيضا الكلام مع من يظهر العناد أو المرد بالناس ما يشمل الجن أو الخلق كلهم اطلاقا لاسم البعض على الكل، وتغليبا بخطاب العاقل، أى أنتم أيها الخلق المحتاجون الى الله عز وجل لا الله محتاج اليكم. {والله هُو الغنيُّ} عما سواه عبادة وغيرها {الحَميدُ} المتأهل لأن يحمده ما سواه على نعمه، اذ هو النافع للمحتاج لجوده، وذلك العموم أولى من أن يقال هو غنى عن عبادتكم أيها الناس المخصوصون، أو المطلقون بعبادة غيرهم، وهم الملائكة، ولا ينافى العموم ما روى أنه لما ألح صلى الله عليه وسلم عليهم بالدعاء الى الله عز وجل قالوا: لعل الله يحتاج الى عبادتنا فنزلت الآية، وأكد الغنى عن الخلق بقوله عز وجل: {إنْ يشَأ} إذهابكم {يُذْهبكُم} أيها المشركون أو العرب {ويأتِ بخَلْق جَديدٍ} يعبدونه على استمرار، أو يذهبكم أيها الناس مطلقا أو الخلق تغليبا لأولى العقل، ويأت بعالم آخر يعبدونه إذ هو مستغن قادر.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ } في أنفسكم وفيما يعن لكم من أمر مهم أو خطب ملم، وتعريف (الفقراء) للجنس أو للاستغراق إذ لا عهد، وعرف كذلك للمبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم بمنزلة العدم ولذلك قال تعالى: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً }تفسير : [النساء: 28] ولا يرد الجن إذ هم لا يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه فلا حاجة إلى إدخالهم في (الناس) تغليباً على أنه قيل لا يضر ذلك إذ الكلام مع من يظهر القوة والعناد من الناس، والقول أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا يخفى ما فيه، وقال صاحب «الفرائد»: الوجه أن يقال والله تعالى أعلم المراد الناس وغيرهم وهو على طريقة تغليب الحاضر على الغائب وأولي العلم على غيرهم، وهو بعيد جداً. وقال العلامة الطيبـي: الذي يقتضيه النظم الجليل أن يحمل التعريف في (الناس) على العهد وفي (الفقراء) على الجنس لأن المخاطبين هم الذين خوطبوا في قوله تعالى: {أية : ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ } تفسير : [فاطر: 13] الآية أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه عز وجل ولا يخلو عن حسن. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن كل شيء لا غيره {ٱلْحَمِيدِ } المنعم على جميع الموجودات المستحق بانعامه سبحانه للحمد، وأصله المحمود وأريد به ذلك على طريق الكناية ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغني لا ينفع الفقير إلا إذا كان جواداً منعماً ومثله مستحق للحمد، وهذا كالتكميل لما قبله كما في قول كعب الغنوي:شعر : حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب تفسير : ويدخل في عموم المستغنى عنه المخاطبون وعبادتهم، وفي كلام الطيبـي رائحة التخصيص حيث قال ما سمعت / نقله وهو سبحانه غني عنكم وعن عبادتكم لأنه تعالى حميد له عباد يحمدونه وإن لم تحمدوه أنتم والأولى التعميم. وما روي في سبب النزول من أنه لما كثر من النبـي صلى الله عليه وسلم الدعاء وكثر الإصرار من الكفار قالوا لعل الله تعالى محتاج لعبادتنا فنزلت لا يقتضي شيئاً من التخصيص في الآية كما لا يخفى.
سيد قطب
تفسير : مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم؛ ويرجع إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال ـ كالشأن في المقطع الثاني من السورة ـ ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصالة الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً؛ كما أن بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير. {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز}.. إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى، ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات إلى نور الله وهداه. في حاجة إلى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله. وأن الله غني عنهم كل الغنى. وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم، وهو المحمود بذاته. وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض، فإن ذلك عليه يسير.. الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله ـ جل وعلا ـ يعنى بهم، ويرسل إليهم الرسل؛ ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة إلى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور. ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على الله! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملكه تعالى! والله هو الغني الحميد. وإن الله سبحانه يمنح العباد من رعايته، ويفيض عليهم من رحمته، ويغمرهم بسابغ فضله ـ بإرسال رسله إليهم، واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم، وثباتهم على الدعوة إلى الله بعد الإعراض والإيذاء.. إن الله سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً وكرماً ومناً. لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته. لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم، أو ينقصون من ملكه بعماهم. ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال، فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل. وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل الله ومنه وكرمه، حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر، الضعيف العاجز، ينال من عناية الله ورعايته كل هذا القدر الهائل! والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض. والأرض تابع صغير من توابع الشمس. والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم. والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة ـ على ضخامتها الهائلة ـ متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده. وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق الله! ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية.. ينشئه، ويستخلفه في الأرض، ويهبه كل أدوات الخلافة ـ سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته ـ ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره. فيرسل الله إليه الرسل، رسولاً بعد رسول، وينزل على الرسل الكتب والخوارق. ويطرد فضل الله ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصاً يحدث بها الناس، ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم، ويحدثهم عن ذوات أنفسهم، ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات، ومن عجز وضعف، بل إنه ـ سبحانه ـ ليحدث عن فلان وفلان بالذات، فيقول لهذا: أنت فعلت وأنت تركت، ويقول لذاك: هاك حلاً لمشكلتك، وهاك خلاصاً من ضيقتك! كل ذلك. وهذا الإنسان هو الساكن الصغير من سكان هذه الأرض، التابعة الصغيرة من توابع الشمس، التائهة في هذا الوجود الكبير حتى ما تكاد تحس! والله ـ سبحانه ـ هو فاطر السماوات والأرض، وخالق هذا الوجود بما فيه ومن فيه بكلمة. بمجرد توجه الإرادة. وهو قادر على أن يخلق مثله بكلمة وبمجرد توجه الإرادة.. والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته. وليستحيوا أن يستجيبوا للفضل الخالص والرعاية المجردة والرحمة الفائضة بالإعراض والجحود والنكران. فهي من هذه الناحية لمسة وجدانية موحية، إلى جانب أنها حقيقة صادقة واقعة. والقرآن يلمس بالحقائق قلوب البشر؛ لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس؛ ولأنه هو الحق وبالحق نزل. فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يقنع إلا بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير بغير الحق.. ولمسة أخرى بحقيقة أخرى. حقيقة فردية التبعة، والجزاء الفردي الذي لا يغني فيه أحد عن أحد شيئاً. فما بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حاجة إلى هدايتهم يحققها لنفسه، فهو محاسب على عمله وحده، كما أن كلاً منهم محاسب على ما كسبت يداه، يحمل حمله وحده، لا يعينه أحد عليه. ومن يتطهر فإنما يتطهر لنفسه، وهو الكاسب وحده لا سواه؛ والأمر كله صائر إلى الله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى}.. {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه. وإلى الله المصير}.. وحقيقة فردية التبعة والجزاء ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي، وفي السلوك العملي سواء. فشعور كل فرد بأنه مجزيٌّ بعمله، لا يؤاخذ بكسب غيره، ولا يتخلص هو من كسبه، عامل قوي في يقظته لمحاسبة نفسه قبل أن تحاسب! مع التخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه أحد بشيء، أو أن يحمل عنه أحد شيئاً. كما أنه ـ في الوقت ذاته ـ عامل مطمئن، فلا يقلق الفرد خيفة أن يؤخذ بجريرة الجماعة؛ فيطيش وييئس من جدوى عمله الفردي الطيب. ما دام قد أدى واجبه في النصح للجماعة ومحاولة ردها عن الضلال بما يملك من وسيلة. إن الله ـ سبحانه ـ لا يحاسب الناس جملة بالقائمة! إنما يحاسبهم فرداً فرداً؛ كل على عمله. وفي حدود واجبه. ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده. فإذا قام بقسطه هذا فلا عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها، فإنما هو محاسب على إحسانه. كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح. فالله لا يحاسب عباده بالقائمة كما أسلفنا! والتعبير القرآني يصور هذه الحقيقة على طريقة التصوير في القرآن، فتكون أعمق وأشد أثراً. يصور كل نفس حاملة حملها. لا تحمل نفس حمل أخرى. وحين تثقل نفس بما تحمل ثم تدعو أقرب الأقرباء ليحمل عنها شيئاً، فلن تجد من يلبي دعاءها ويرفع عنها شيئاً مما يثقلها! إنه مشهد القافلة كل من فيها يحمل أثقالها ويمضي في طريقه، حتى يقف أمام الميزان والوزّان! وهي في وقفتها يبدو على من فيها الجهد والإعياء، واهتمام كل بحمله وثقله، وانشغاله عن البعداء والأقرباء! وعلى مشهد القافلة المجهدة المثقلة، يلتفت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة}.. فهؤلاء هم الذين يفلح فيهم الإنذار. هؤلاء الذين يخشون ربهم ولم يشاهدوه. ويقيمون الصلاة ليتصلوا بربهم ويعبدوه. هؤلاء هم الذين ينتفعون بك، ويستجيبون لك. فلا عليك ممن لا يخشى الله ولا يقيم الصلاة. {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه}.. لا لك. ولا لغيرك. إنما هو يتطهر لينتفع بطهره. والتطهر معنى لطيف شفاف. يشمل القلب وخوالجه ومشاعره، ويشمل السلوك واتجاهاته وآثاره. وهو معنى موح رفاف. {وإلى الله المصير}.. وهو المحاسب، والمجازي، فلا يذهب عمل صالح، ولا يفلت عمل سيء. ولا يوكل الحكم والجزاء إلى غيره ممن يميلون أو ينسون أو يهملون.. ولن يستوي عند الله الإيمان والكفر، والخير والشر، والهدى والضلال؛ كما لا يستوي العمى والبصر، والظلمة والنور، والظل والحرور، والحياة والموت. وهي مختلفة الطبائع من الأساس: {وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات}.. وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة. كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة.. إن الإيمان نور، نور في القلب ونور في الجوارح، ونور في الحواس. نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد. فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله، فيرى تلك الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته! والإيمان بصر، يرى. يرى رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة. ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان. والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل! والإيمان حياة. حياة في القلوب والمشاعر. حياة في القصد والاتجاه. كما أنه حركة بانية. مثمرة. قاصدة. لا خمود فيها ولا همود. لا عبث فيها ولا ضياع. والكفر عمى. عمى في طبيعة القلب. وعمى عن رؤية دلائل الحق. وعمى عن رؤية حقيقة الوجود. وحقيقة الارتباطات فيه. وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء. والكفر ظلمة أو ظلمات. فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال. ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشيء من الأشياء. والكفر هاجرة. حرور. تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير. ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك! والكفر موت. موت في الضمير. وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل. وانفصال عن الطريق الواصل. وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي، المؤثرين في سير الحياة! ولكل طبيعته ولكل جزاؤه، ولن يستوي عند الله هذا وذاك. وهنا يلتفت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعزيه ويسري عنه، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة الله. وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء: {إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا. فكيف كان نكير؟}.. إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس. واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة الله أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى، والظل والحرور، والظلمات والنور، والحياة والموت. ووراء ذلك كله تقدير الله وحكمته. وقدرته على ما يشاء. وإذن فالرسول ليس إلا نذيراً. وقدرته البشرية تقف عند هذا الحد. فما هو بمسمع من في القبور. ولا من يعيشون بقلوب ميتة فهم كأهل القبور! والله وحده هو القادر على إسماع من يشاء، وفق ما يشاء، حسبما يشاء. فماذا على الرسول أن يضل من يضل، ويعرض من يعرض متى أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، فسمع من شاء الله أن يسمع، وأعرض من شاء الله أن يعرض؟ ومن قبل قال الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم:ـ {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات }. تفسير : لقد أرسله الله بالحق بشيراً ونذيراً. شأنه شأن إخوانه من الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ وهم كثير. فما من أمة إلا سبق فيها رسول: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}. فإن لقي من قومه التكذيب، فتلك هي طبيعة الأقوام في استقبال الرسل؛ لا عن تقصير من الرسل، ولا عن نقص في الدليل: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم. جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير}.. والبينات الحجج في صورها الكثيرة، ومنها الخوارق المعجزة التي كانوا يطلبون أو يتحداهم بها الرسول. والزبر الصحف المتفرقة بالمواعظ والنصائح والتوجيهات والتكاليف. والكتاب المنير. الأرجح أنه كتاب موسى. التوراة. وكلهم كذبوا بالبينات والزبر والكتاب المنير. هذا كان شأن أمم كثيرة في استقبال رسلهم وما معهم من دلائل الهدى. فالأمر إذن ليس جديداً، وليس فريداً، إنما هو ماض مع سنة الأولين. وهنا يعرض على المشركين مصائر المكذبين. لعلهم يحذرون: {ثم أخذت الذين كفروا}.. ويسأل سؤال تعجيب وتهويل: {فكيف كان نكير؟}.. ولقد كان النكير شديداً، وكان الأخذ تدميراً. فليحذر الماضون على سنة الأولين، أن يصيبهم ما أصاب الأولين! إنها لمسة قرآنية ينتهي بها هذا المقطع. وتختم بها هذه الجولة. ثم تبدأ جولة جديدة في واد جديد..
ابن عاشور
تفسير : لما أشبع المقام أدلّةً، ومواعظَ، وتذكيراتٍ، مما فيه مقنع لمن نصب نفسه منصب الانتفاع والاقتناع، ولم يظهر مع ذلك كله من أحوال القوم ما يتوسم منه نزعهم عن ضلالهم وربما أحدث ذلك في نفوس أهل العزّة منهم إعجاباً بأنفسهم واغتراراً بأنهم مرغوب في انضمامهم إلى جماعة المسلمين فيزيدهم ذلك الغرورُ قبولاً لتسويل مكائد الشيطان لهم أن يعتصموا بشركهم، ناسب أن ينبئهم الله بأنه غني عنهم وأن دينه لا يعْتزّ بأمثالهم وأنه مُصيِّرهم إلى الفناء وآت بناس يعتز بهم الإِسلام. فالمراد بــــ{يا أيها الناس} هم المشركون كما هو غالب اصطلاح القرآن، وهم المخاطبون بقوله آنفاً { أية : ذلكم الله ربكم له الملك } تفسير : [فاطر: 13] الآيات. وقبل أن يوجه إليهم الإِعلام بأن الله غنيّ عنهم وجه إليهم إعلام بأنهم الفقراء إلى الله لأن ذلك أدخل للذلة على عظمتهم من الشعور بأن الله غنيّ عنهم فإنهم يوقنون بأنهم فقراء إلى الله ولكنهم لا يُوقنون بالمقصد الذي يفضي إليه علمهم بذلك، فأريد إبلاغ ذلك إليهم لا على وجه الاستدلال ولكن على وجه قرع أسماعهم بما لم تكن تقرع به من قبل عسى أن يستفيقوا من غفلتهم ويتكعكعوا عن غرور أنفسهم، على أنهم لا يخلو جمعهم من أصحاب عقول صالحة للوصول إلى حقائق الحق فأولئك إذا قرعت أسماعَهم بما لم يكونوا يسمعونه من قبل ازدادوا يقيناً بمشاهدة ما كان محجوباً عن بصائرهم بأستار الاشتغال بفتنة ضلالهم عسى أن يؤمن من هيّأه الله بفطرته للإِيمان، فمن بقي على كفره كان بقاؤه مشوباً بحيرة ومرَّ طعْمُ الحياة عنده، فأيْنَ ما كانت تتلقاه مسامعهم من قبل تمجيدهم وتمجيد آبائهم وتمجيد آلهتهم، ألا ترى أنهم لما عاتبوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مراجعتهم عَدُّوا عليه شتم آبائهم، فحصل بهذه الآية فائدتان. وجملة {أنتم الفقراء} تفيد القصر لتعريف جزأيْها، أي قصر صفة الفقر على الناس المخاطبين قصراً إضافياً بالنسبة إلى الله، أي أنتم المفتقرون إليه وليس هو بمفتقر إليكم وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم } تفسير : [الزمر: 7] المشعر بأنهم يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قبول دعوته. فالوجه حمل القصر المستفاد من جملة {أنتم الفقراء} على القصر الإِضافي، وهو قصر قلب، وأما حمل القصر الحقيقي ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه. وإتباع صفة {الغني} بــــ{الحميد} تكميل، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه لما كان غنياً عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه، فنبه على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الآخرى { أية : إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم } تفسير : [الزمر: 7] بقوله: { أية : وإن تشكروا يرضه لكم } تفسير : [الزمر: 7]. ومن المحسنات وقوع {الحميد} في مقابلة قوله: {إلى الله} كما وقع {الغني} في مقابلة قوله: {الفقراء} لأنه لما قيد فقرهم بالكون إلى الله قيدّ غنى الله تعالى بوصف {الحميد} لإفادة أن غناه تعالى مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه.
الشنقيطي
تفسير : بيّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنّه غنيّ عن خلقه وأنّ خلقه مفتقر إليه: أي فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضرّ بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جلّ وعلا الغنيّ لذاته الغنيّ المطلق. وما دّلت عليه هذه الآية الكريمة مع كونه معلوماً من الدّين بالضرورة، جاء في مواضع كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} تفسير : [محمد: 38] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] إلى غير ذلك من الآيات. وبذلك تعلم عظم افتراء الذين قالوا إن الله فقير ونحن الأغنياء، وقد هدّدهم الله على ذلك بقوله: {أية : سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [آل عمران: 181].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنتم الفقراء إلى الله: أي المحتاجون إليه في كل حال. والله هو الغني الحميد: أي الغني عنكم أيها الناس وعن سائر خلقه، المحمود بأفعاله وأقواله وحسن تدبيره فكل الخلائق تحمده لحاجتها إليه وغناه عنها. ويأت بخلق جديد: أي بدلا عنكم. وما ذلك على الله بعزيز: أي بشديد ممتنع بل هو سهل جائز الوقوع. ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي في حكم الله وقضائه بين عباده أنّ النفس المذنبة الحاملة لذنبها لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل وازرة تحمل وزرها وحدها. وإن تدع مثقلة: أي بأوزارها حتى لم تقدر على المشي أو الحركة. لا يحمل منه شيء: أي لا تجد من يستجيب لها ويحمل عنها بعض ذنبها حتى لو دعت ابنها أو أباها أو أمها فضلا عن غيرهم، وبهذا حكم الله سبحانه وتعالى. يخشون ربهم بالغيب: أي لأنهم ما رأواه بأعينهم. ومن تزكى: أي طهَّر نفسه من الشرك والمعاصي. فإنما يتزكَّى لنفسه: أي صلاحه واستقامته على دين ثمرتها عائدة عليه. معنى الآيات: بعد تلك الأدلة والحجج التي سيقت في الآيات السابقة وكلها مقررة ربوبية الله تعالى وألوهيته وموجبة توحيده وعبادته نادى تعالى الناس بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} ليعلمهم بأنه وإن خلقهم لعبادته وأمرهم بها وتوعد بأليم العذاب لمن تركها ولم يكن ذلك لفقر منه إليها ولا لحاجة به إليهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} إن عبادة الناس لربهم تعود عليهم فيكملون عليها في أخلاقهم وأرواحهم ويسعدون عليها في دنياهم وآخرتهم أما الله جل جلاله فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. وهو الغني عن كل ما سواه {ٱلْحَمِيدُ} أي المحمود بنعمه فكل نعمة بالعباد موجبة له الحمد والشكر. وقوله {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} وهذا دليل غناه؛ وافتقارهم كما هو دليل قدرته وعلمه، وقوله: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي إذهابهم والإِتيان بخلق جديد غيرهم ليس بالأمر العزيز الممتنع ولا بالصعب المتعذر بل هو اليسير السهل عليه تعالى. وقوله تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} هذا مظهر عدالته تعالى فهو مع قدرته وقهره لعباده ذو عدل فيهم فلا يؤاخذ بغير جرم، ولا يحمل وزر نفس نفساً أخرى لم تذنب ولم تزر بل كل نفس تؤخذ بذنبها إن كانت مذنبة هذه عدالته تتجلى لعباده يوم يعرضون عليه في يوم كله هول وفزع يدل عليه قوله {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي بذنوبها {إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ} من تدعوه {ذَا قُرْبَىٰ} كالولد والبنت. وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي إنما تنذر يا رسولنا ويقبل إنذارك وينتفع به من يخشون ربهم ويخافون عذابه بالغيب وأقاموا الصلاة، أما غيرهم من أهل الكفر والعناد والجحود فإنهم لا يقبلون إنذارك ولا ينتفعون به لظلمة جهلهم وكفرهم وقساوة قلوبهم، ومع هذا فأنذر ولا عليك في ذلك شيء فإن من تزكَّى بالإِيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي فإنما يتزكَّى لنفسه لا لك ولا لنا، ومن أبى فعليه إباؤه، وإلينا مصير الكل وسنجزي كلاً بما كسب من خير وشر. هذا ما دل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فقر العباد إلى ربهم وحاجتهم إليه وإِزالة فقرهم وسد حاجتهم يكون باللجوء إليه والاطراح بين يديه يعبدونه ويسألونه. 2- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة. 3- بيان صعوبة الموقف في عرصات القيامة لا سيما عند وضع الميزان ووزن الأعمال. 4- بيان أن الإِنذار والتخويف من عذاب الله لا ينتفع به غير المؤمنين الصالحين. 5- تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة. 6- تقرير حقيقة وهي أن من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (15) - يَا أَيُّها النَّاسُ أَنْتُم مُحْتَاجُونَ إِلى اللهِ تَعَالى فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْكُم، وَعَنْ عِبَادَتِكُمْ، فَكُلُّ نِعْمَةِ بِكُمْ فَهِيَ مِنْهُ، فَلَهُ الحَمْدُ والشُّكرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، سئل الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 13] فقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} طوعاً {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 13] كرهاً. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ} يعني وإن تدع نفس مثقلة بذنوب غيرها إلى حملها، أي حمل ما عليها من الذنوب {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}: ولو كان المدعوّ ذا قربى له: ابنه أو أُمه أو أباه أو أخاه. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عن أحمد بن محمد بن رزمة القزويني عن محمد بن عبد ابن عامر السمرقندي قال: حدّثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قوله سبحانه: {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} قال: يعني الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول: يا بني ألم تكن بطني لك وعاء؟ ألم يكن لك ثديي سقاء؟ فيقول: بلى يا أُماه. فتقول: يا بُني قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني ذنباً واحداً. فيقول: يا أُماه إليكِ عني، فإني اليوم عنكِ مشغول. {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي يخافونه ولم يروه، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ} صلح عمل خيراً وصالحاً {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} يعني: الجاهل والعالم، {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} يعني: الكفر والإيمان، {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} يعني: الجنة والنار، والحرور: الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار، وقال بعضهم: الحرور: بالنهار مع الشمس، {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} يعني: المؤمنين والكفار. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ}، حتى يتعظ ويجيب {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} يعني: الكفار شبههم بالأموات، وقرأ أشهب العقيلي: (بمسمع من في القبور) بلا تنوين على الإضافة. {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ * إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} كرر وهما واحد لاختلاف اللفظين. {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} قدم النعت على الاسم فلذلك نصب. {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ}: طرق، واحدها جُدّة نحو مدة و(مدد)، وأما جمع الجديد فجدُد (بضم الدال) مثل: سرير وسُرُر {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}، قال الفراء: فيه تقديم وتأخير، مجازه: سود غرابيب، وهي جمع غربيب، هو الشديد السواد يشبّهها بلون الغراب قال الشاعر يصف كرماً: شعر : ومن تعاجيب خلق الله غاطية البعضُ منها ملاحيٌّ وغربيب تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} قال: المؤرخ: إنما {أَلْوَانُهُ} لأجل {مِنَ}، وسمعت أُستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن عياش يقول: إنما قال: {أَلْوَانُهُ} ؛ لأجل أنها مردودة إلى «ما» في الإضمار، مجازه: ومن الناس والدوابّ والأنعام ما هو مختلف ألوانه. {كَذَلِكَ} تمام الكلام هاهنا، أي ومن هذه الأشياء مختلف ألوانه باختلاف الثمرات، ثم ابتدأ فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} روى عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ (إنما يخشى اللهُ) رفعاً و (العلماءَ) نصباً، وهو اختيار أبي حنيفة على معنى يعلم الله، وقيل: يختار، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه عن إسحاق بن صدقة قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم عن سيف بن عمر قال: حدّثنا عباس بن عوسجة عن عطاء الخراساني رفع الحديث قال: ظهر من أبي بكر خوف حتى عرف فيه فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله سبحانه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} في أبي بكر رضي الله عنه وفي الحديث: "حديث : أعلمهم بالله أشدهم له خشية ". تفسير : وقال مسروق: كفى بالمرء علماً أنْ يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الربيعي قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المحرمي قال: حدثنا صالح بن مالك الأزدي قال: حدّثنا عبيد الله بن سعد عن صالح بن مسلم الليثي قال: أتى رجل الشعبيَّ فقال: أفتني أيها العالم؟ فقال: العالم من خشي الله عز وجل. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} الآية قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: حدّثنا ابن شاذان قال: حدثنا جيعويه قال: حدّثنا صالح بن محمد عن عبد الله بن عبد الله عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي أنه قال: قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" حديث : يا رسول الله، ما لي لا أُحبُّ الموت؟ قال: "ألك مال؟". قال: نعم. قال: "فقدمه". قال: لا أستطيع. قال: فإنّ قلب المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخّره أحب أن يتأخر معه ". تفسير : {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}، قال الفراء: قوله {يَرْجُونَ} جواب لقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ}. {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ * وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ} مردود إلى ما قبله من كتب الله في قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، أي قبله من الكتب السالفة، أي أنزلنا تلك الكتب، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا} هذا {ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، ويجوز أن تكون {ثُمَّ} بمعنى الواو أي (وأورثنا) كقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البلد: 17] أي وكان ومعنى و {أَوْرَثْنَا}: أعطينا؛ لأنّ الميراث عطاء، قاله مجاهد، وقال بعض أهل المعاني: {أَوْرَثْنَا} أي أخرنا، ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن عن الأُمم السالفة وأعطيناكموه وأهّلناكم له، وقال عنترة: شعر : وأورثت سيفي عن حصين بن معقل إلى جده إني لثأري طالب تفسير : أي أخرت، وفي هذا كرامة لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال لهم: {أَوْرَثْنَا} وقال: لسائر الأُمم {أية : وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [الأعراف: 169] الآية يعني القرآن. {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم). ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قيّد اللفظ وعَلّق الظلم بالنفس؛ فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه. فإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل؟ فالجواب عنه أن نقول: إنما أُخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله تعالى. ومنهم من قال: إنما جعل ذلك؛ لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل. كقوله تعالى: {أية : َإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الرعد: 6] {أية : وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 165] [الأعراف: 167]، وقال: {أية : يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ}تفسير : [الحج:61]، وقال: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ}تفسير : [الشورى: 49] وقال: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}تفسير : [الملك: 2]. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر الصادق (عليه السلام): «بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلاّ بصرف رحمته وكرمه، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين؛ لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله وكلّهم في الجنة بحرمه كلمة الإخلاص». وقال بعضهم: قدم الظالم؛ لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه إلاّ رحمة الله فاعتمد على الله واتكل على رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته وطاعته. وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء؛ لأنّ الاصطفاء أوجب الإرث لا الإرث أوجب الاصطفاء؛ لذلك قيل: صحح النسبة ثم اطمع في الميراث. وقال أبو بكر الوراق: إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأنّ أحوال العبد ثلاث: معصية، وغفلة، ثم توبة وقربة. فإذا عصى دخل في حيّز الظالمين، وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة اتصل بالله ودخل في عداد السابقين. واختلف المفسرون والمتأوّلون في معنى الظالم والمقتصد والسابق فأكثروا، وأنا ذاكر نصوص ما قالوا وبالله التوفيق: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن الحسين بن عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا برهان ابن علي الصوفي والفضل بن الفضل الكندي قالا: أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي ثابت أنّ رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي ويسر لي جليساً صالحاً. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ}، فقال: "حديث : أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيُحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة، فهم [الذين] قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ...} إلى قوله: {لُغُوبٌ} ". تفسير : قال الكندي والأعمش عن رجل عن أبي ثابت: وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدّثني أبي عن إسحاق بن عيسى حدّثني أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عتبة عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ}، فأما الذين سبقوا بالخيرات فأُولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأُولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأُولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقّاهم الله برحمته فهم الذين يقولون: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} إلى قوله: {لُغُوبٌ} ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الذرار قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب بن الحسن المقرئ بواسط قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا فرج بن فضالة عن أزهر بن عبد الله الحرازي قال: حدّثني من سمع عثمان بن عفان تلا هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، فقال: سابقنا: أهل جهادنا، ومقتصرنا: أهل حضرنا، وظالمنا: أهل بدونا. وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد قال: حدّثنا داوُد عن الصلت بن دينار قال: حدّثنا عقبة بن صهبان قال: دخلت على عائشة فسألتها عن قول الله عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقالت لي: يا بني كلّهم في الجنة؛ أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد والحسن وقتادة: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قالوا: هم أصحاب المشأمة، {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} هم أصحاب الميمنة {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} هم السابقون المقربون من الناس كلهم. قال قتادة: فهذا في الدنيا على ثلاث منازل وعند الموت قال الله تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 90] إلى قوله: {أية : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 94]، وفي الآخرة أيضاً، قال عز وجل: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}تفسير : [الواقعة: 7-8] إلى قوله: {أية : ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 11] . وقال ابن عباس: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بنعمة الله غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، وسمعت أبا محمد شيبة بن محمد بن أحمد الشعبي يقول: سمعت أبا بكر بن عبد يقول: قالت عائشة: السابق: الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد: الذي أسلم بعد الهجرة، والظالم: نحن. وقال بكر بن سهل الدمياطي: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، والمقتصد: الذي لم يصب كبيرة، والسابق بالخيرات: الذي لم يعصِ الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعن الحسن أيضاً قال: السابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوى حسناته وسيئاته، والظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته. سهل بن عبد الله: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل، وعنه أيضاً: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعادة عن معاشه، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب العقبى، والسابق، طالب المولى. وقيل: الظالم: المسلم، والمقتصد: المؤمن، والسابق: المحسن. وقيل: الظالم: المرائي في جميع أعماله، والمقتصد: من تكون أعماله بعضها رياءً وبعضها إخلاصاً، والسابق: المخلص في أفعاله كلها، وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالاً كان أو حراماً، والمقتصد: من يجتهد في طلب الحلال، والسابق: الذي ترك الدنيا جملةً وأعرض عنها. أبو عثمان الحبري: الظالم: من وجد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص في عمله، وقيل: السابقون: هم المهاجرون الأولون، والمقتصدون: عامة الصحابة، والظالمون: التابعون. وسمعت محمد بن الحسين السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز بمصر يقول: قال ابن عطا: الظالم: الذي تحبه من أجل الدُّنيا، والمقتصد: الذي تحبه من أجل العقبى، والسابق: الذي أسقط مراده بمراد الحق، فلا يرى لنفسه طلباً ولا مراداً لغلبة سلطان الحق عليه، وقيل: الظالم: من كان ظاهره خيراً من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: الذي باطنه خيرٌ من ظاهره. وقيل: الظالم: الذي يعبد الله خوفاً من النار، والمقتصد: الذي يعبده طمعاً في الجنة، والسابق: الذي يعبده لا لسبب، وقيل: الظالم: الزاهد، والمقتصد: العارف، والسابق: المحب، وقيل: الظالم: الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد: الذي يصبر عند البلاء، والسابق: الذي يتلذذ بالبلاء، وقيل: الظالم: الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة ورؤية المنة، وقيل: الظالم: الذي أُعطي فمنع، والمقتصد: الذي أُعطي فبذل، والسابق: الذي مُنع فشكر، وقيل: الظالم: غافل، والمقتصد: طالب، والسابق واجد، وقيل: الظالم: من استغنى بماله، والمقتصد: من استغنى بدينه، والسابق: من استغنى بربه، وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد: القارئ له والعالم به، والسابق: القارئ لكتاب الله العالم بكتاب الله العامل به، وقيل: السابق: الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد: الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم: الذي يدخل المسجد وقد أُقيم، وقيل: الظالم: الذي يحب نفسه، والمقتصد: الذي يحب ربه، والسابق: الذي يحبه ربه، وقيل: الظالم: مريد، والمقتصد: مُراد، والسابق: مطلوب، وقيل: الظالم: مدعو، والمقتصد مأذون له، والسابق: مقرب، وقيل: الظالم: عيوف، والمقتصد: ألوف، والسابق: حليف. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الظالم: ينتصف ولا ينصف، والمقتصد: ينصف وينتصف، والسابق ينصف ولا ينتصف. ذو النون المصري: الظالم: الذي لا يذكر الله بلسانه، والمقتصد: الذي يذكره بقلبه، والسابق: الذي لا ينسى ربه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الظالم: صاحب الأقوال، والمقتصد: صاحب الأفعال، والسابق: صاحب الأحوال. ثم جمعهم الله سبحانه وتعالى في دخول الجنة فقال سبحانه وتعالى:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن زرعة قال: حدّثنا يوسف بن عاصم الرازي قال: حدّثنا أبو أيُّوب سليمان بن داوُد المنقري المعروف بالشاذكوي عن حصين ابن نمير أبو محصن عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أُسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} الآية قال: "حديث : كلهم في الجنة ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن علي بن الحسين الفأفاء القاضي قال: حدّثنا بكر بن محمد المروزي قال: حدّثنا أبو قلابة قال: حدّثنا عمرو بن الحصين عن الفضل بن عميرة عن ميمون الكردي عن أبي عثمان الهندي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفورٌ له"تفسير : . قال أبو قلابة: فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشير قال: حدثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد بن أُمِّ سعيد قال: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدّثنا أسيد بن موسى عن ابن ثومان عن عطاء ابن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً لكان ما يحليه الله سبحانه به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً ". تفسير : {وَقَالُواْ} أي يقولون إذا دخلوا الجنة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} أخبرني الحسين بن محمد العدل قال: حدّثنا محمد بن المظفر قال: حدّثنا علي بن إسماعيل بن حماد البغدادي قال: حدّثنا عمرو بن علي الفلاس قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال حدّثني أبي عن عمرو بن مالك عن ابن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قال: حزن النار. وأخبرني الحسين بن محمد عن محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي داوُد الحراني قال: حدّثنا جرير عن أشعث بن قيس عن شمر بن عطية في قول الله عز وجل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قال حزن الخبز. عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات، وقيل: حزن الموت، وقيل: حزن الجنة والنار لا يُدرى إلى أيهما يصير. الثمالي: حزن الدنيا. الضحاك: حزن إبليس ووسوسته. ذو النون: حزن القطيعة. الكلبي: يعني الحزن الذي يحزننا في الدنيا من يوم القيامة، وقيل: حزن العذاب والحساب، وقيل: حزن أهوال الدنيا وأوجالها، وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب وخوف العاقبة. وسمعت السلمي يقول: سمعت النصرآبادي يقول: ما كان حزنهم إلاّ تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم، فلما نجوا منها حمدوا {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}، أخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: أخبرني أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عبد الرَّحْمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليس على أهل (لا إله إلاّ الله) وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل (لا إله إلاّ الله) يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} ". تفسير : {ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ} أي الإمامة {مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} أي كلال وإعياء وفتور، وقراءة العامة بضم اللام، وقرأ السلمي بنصب اللام وهو مصدر أيضاً كالولوع، وقال الفراء: كأنه جعله ما يلغب مثل لغوب. أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن مهدي قال: أبو عبد الله محمد بن زكريا بن محمدويه الرجل الصالح عن عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي قال: حدّثنا عاصم بن عبد الله قال: حدّثني إسماعيل عن ليث بن أبي سليم عن الضحاك بن مزاحم في قول الله سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قال: إذا دخل أهل الجنة استقبلهم الولدان والخدم كأنهم اللؤلؤ المكنون. قال: فيبعث الله ملكاً من الملائكة معه هدية من رب العالمين وكسوة من كسوة الجنة فيلبسه. قال: فيُريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت فيقف ومعه عشرة خواتيم من خواتيم الجنة هدية من رب العالمين فيضعها في أصابعه. مكتوب في أول خاتم منها: {أية : طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]، وفي الثاني مكتوب: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ}تفسير : [ق: 34]، وفي الثالث مكتوب: "رفعت عنكم الأحزان والهموم"، وفي الرابع مكتوب: "زوجناكم الحور العين"، وفي الخامس مكتوب: "ادخلوها بسلام آمنين"، وفي السادس مكتوب: {أية : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ}تفسير : [المؤمنون: 111]، وفي السابع مكتوب: "إنهم هم الفائزون"، وفي الثامن: "صرتم آمنين لا تخافون"، وفي التاسع مكتوب: "رافقتم النبيين والصديقين والشهداء"، وفي العاشر مكتوب: "سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران". ثم تقول الملائكة: "ادخلوها بسلام آمنين". فلما دخلوا بيوتاً ترفع وَ{قَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ..} إلى قوله: {لُغُوبٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : النداء في {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [فاطر: 15] نداء عام للناس جميعاً، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [فاطر: 15] هذه حقيقة يُذِل الله بها كبرياء الذين تأبَّوْا على الإيمان بالله، وتمردوا على منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: ما دُمتم قد أَلِفْتم التمرد فتمردوا أيضاً على الفقر إنْ أفقرتُكم، وعلى المرض إنْ نزل بكم، تمردوا على الموت إن حان أجلكم، إذن: أنتم مقهورون لربوبية الله، لا تنفكون عنها. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [فاطر: 15] أي: الغِنَى المطلق، ومعنى {ٱلْحَمِيدُ} أي: المحمود كثيراً، والغنى لا يُحمد إلا أن أعطى، وكان عطاؤه سابغاً، فالغنى الممسِك لا يُحمد بل يُذَم. ثم يُذكِّرهم الحق سبحانه بحقيقة أخرى غابت عنهم {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 16] كما قال في موضع آخر: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38] ومعنى: خلق جديد: الشيء الجديد هو قريب العهد بالعمل فيه، مثل الثوب الجديد يعني الذي فُرِغ من خياطته ولم يُلْبَس بعد. وإعادة الخَلْق أو الإتيان بخَلْق جديد أمر هيِّن على الله {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 17] يعني: ليس صعباً، لكن الحق سبحانه يريد أنْ يأتي له الخَلْق طواعية، ويؤمنون به سبحانه، وهم قادرون على الكفر ولهم مُطْلق الاختيار، وهذا الاختيار موطن العظمة في دين الله. وسبق أنْ مثَّلنا هذه القضية بأنه لو أن لك عبدين أمسكتَ الأول إليك بسلسلة، وتركتَ الآخر حراً، وإنْ ناديتَ على أحدهما لبَّى وأجاب، فأيهما يُعَدُّ الأطوع لك. كذلك الحق سبحانه يريدنا طائعين عن رضا وعن اختيار، لا عن قهر وكراهية، فالله سبحانه كما قلنا لا يريد قوالبَ تخضع، إنما يريد قلوباً تخشع. والإتيان بخَلْق جديد أمر هَيِّن يسير على الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكُنْ فيكون، وهذا من الله تعالى لا يحتاج إلى زمن. ولو أردتَ أن تستقصي هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] تجد أن الشيء في الحقيقة موجود بالفعل، لكن في عالم الغيب والأمر، له أن يظهر لنا في عالم الواقع؛ لذلك لما سُئِلَ أحد العارفين قال: أمور يبديها، ولا يبتديها. وتلحظ في قوله تعالى {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [فاطر: 15] ذكر ضمير الفصل (هو) فلم يَقُلْ الحق سبحانه: والله الغني، وهذا الضمير أفاد توكيد الخبر وقصر الغِنَى على الله سبحانه وتعالى، لذلك قلنا: إن هذا الضمير لا يأتي إلا فى المواضع التي تحتمل شبهة المشاركة، كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 78-80]. فجاء هنا بضمير الغائب (هو) لأن الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء من المرض كلها مظنة أنْ يشاركه فيها أحد من الخَلْق، أما في الحديث عن الموت فقال: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 81] ولم يأتِ هنا بضمير الغائب؛ لأن الموت والإحياء لله وحده، ولا شبهةَ فيهما، ولم يدَّعهِما أحد لنفسه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ إِنَّمَا تُنذِرُ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمَّا عدَّد تعالى نعمه على العباد، وأقام الأدلة والبراهين على قدرته وعزته وسلطانه، ذكَّرهم هنا بحاجتهم إِليه، واستغنائه جل وعلا عن جميع الخلق، وضرب الأمثال للتفريق بين المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، بالأعمى والبصير، والظلام والنور، "فبضدّها تتميز الأشياء". اللغَة: {وِزْرَ} الوزرُ: الجبل المنيع الذي يعتصم به ومنه {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ}تفسير : [القيامة: 11] ثم قيل للثقيل: وِزْرٌ تشبيهاً له بالجبل، ثم استعير للذنب لما فيه من إثقال كاهل الإِنسان {تُنذِرُ} تخوف، والإِنذار التخويف {ٱلْغَيْبِ} ما غاب عن الإِنسان ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: شعر : وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يُصلُّون للأوثان قبل محمد تفسير : {ٱلْحَرُورُ} شدة حر الشمس قال في المصباح: الحرُّ خلاف البرد والاسم الحرارة، وحرَّت النار: توقَّدت واستعرت، والحَرور: الريح الحارة {جُدَدٌ} جمع جدَّة بالضم وهي الطريقة والعلامة قال الجوهري: والجُدَّة: الخُطَّة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجُدة الطريقة والجمع جدد وهي الطرائق المختلفة الألوان، قال القرطبي: قال الأخفش: لو كان جمع جديد لقال "جُدُد" بضم الجيم والدال نحو سُرر {غَرَابِيبُ} جمع غربيب وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب أي شديد السواد قال امرؤ القيس: شعر : العينُ طامحةٌ، واليدُ سابحةٌ والرجلُ لافحةٌ، والوجه غربيب تفسير : التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} الخطاب لجميع البشر لتذكيرهم بنعم الله الجليلة عليهم أي أنتم المحتاجون إليه تعالى في بقائكم وكل أحوالكم، وفي الحركات والسكنات {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي وهو جل وعلا الغنيُّ عن العالم على الإِطلاق، المحمودُ على نعمه التي لا تُحْصى قال أبو حيان: هذه آيةُ موعظةٍ وتذكير، وأن جميع الناس محتاجون إلى إحسان الله تعالى وإِنعامه، في جميع أحوالهم، لا يستغنى أحدٌ عنه طرفة عين، وهو الغنيُّ عن العالم على الإِطلاق، المحمود على ما يسديه من النعم، المستحق للحمد والثناء، ثم قرر اسغناءه عن الخلق بقوله {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي لو شاء تعالى لأهلككم وأفناكم وأتى بقومٍ آخرين غيركم، وفي هذا وعيدٌ وتهديد {وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي وليس ذلك بصعبٍ أو ممتنع على الله، بل هو سهر يسير عليه سبحانه، لأنه يقول للشيء كنْ فيكون {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي لا تحمل نفسٌ آثمةٌ إثم نفسٍ أخرى، ولا تعاقب بذنبٍ غيرها كما يفعل جبابرة الدنيا من أخذ الجار بالجار، والقريب بالقريب {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي وإِن تدع نفس مثقلةٌ بالأوزار أحداً ليحمل عنها بعض أوزارها لا يتحمل عنها ولو كان المدعو قريباً لها كالأب والابن، فلا غياث يومئذٍ لمن استغاث، وهو تأكيد لما سبق في أن الإِنسان لا يتحمل ذنب غيره، قال الزمخشري: فإِن قلت فما الفرق بين الآيتين؟ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني في أنه لا غياث يومئذٍ لمن استغاث {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي إِنما تنذر يا محمد بهذا القرآن الذين يخافون عقاب ربهم يوم القيامة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي وأدوا الصلاة على الوجه الأكمل، فضموا إلى طهارة نفوسهم طهارة أبدانهم بالصلاة المفروضة في أوقاتها {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} أي ومن طهَّر نفسه من أدناس المعاصي فإِنما ثمرة ذلك التطهر عائدة عليه، فصلاحه وتقواه مختص به ولنفسه {وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي إليه تعالى وحده مرجع الخلائق يوم القيامة فيجازي كلاً بعمله، وهو إخبار متضمنٌ معنى الوعيد {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} هذا مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر أي كما لا يتساوى الأعمى مع البصير فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام، {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} أي لا يتساوى كذلك الكفر والإِيمان، كما لا يتساوى النور الظلام {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} أي وكذلك لا يستوي الحقُّ والباطل، والهدى والضلال كما لا يستوي الظل الظليل مع شدة حر الشمس المتوهجة، قال المفسرون: ضرب الله الظل مثلاً للجنة وظلها الظليل، وأشجارها اليانعة تجري من تحت الأنهار، كما جعل الحرور مثلاً للنار وسعيرها، وشدة أوارها وحرها، وجعل الجنة مستقراً للأبرار، والنار مستقراً للفجار كما قال تعالى {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الحشر: 20] ثم أكد ذلك فقال {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} أي كما لا يستوي العقلاء والجهلاء قال أبو حيان: وترتيب هذه الأشياء في بيان عدم الاستواء جاء في غاية الفصاحة، فقد ذكر الأعمى والبصير مثلاً للمؤمن والكافر، فذكر ما عليه الكافر من ظلمة الكفر، وما عليه المؤمن من نور الإِيمان، ثم ذكر مآلهما وهو الظلُ والحرور، فالمؤمن بإِيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب، ثم ذكر مثلاً آخر على أبلغ وجه وهي الحيُّ والميت، فالأعمى قد يكون فيه بعض النفع بخلاف الميت، وجمع الظلمات لأن طرق الكفر متعددة، وأفرد النور لأن التوحيد والحق واحدٌ لا يتعدد، وقدَّم الأشرف في المثلين الأخيرين وهما "الظل، والحيُّ" وقدَّم الأوضح في المثلين الأولين وهما "الأعمى، والظلمات" ليظهر الفرق جلياً، ولا يقال ذلك لأجل السجع لأن معجرة القرأن ليست في مجرد اللفظ، بل في المعنى أيضاً، فللّه سرُّ القرآن، ثم زاد في الإِيضاح والبيان فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} أي إن الله يسمع من يشاء إسماعه دعوة الحق، فيحبِّبه بالإِيمان ويشرح صدره للإِسلام، وما أنت يا محمد بمسمع هؤلاء الكفار، لأنهم أموات القلوب لا يدركون ولا يفقهون قال ابن الجوزي: أراد بمن في القبور الكفار، وشبههم بالموتى، أي فكما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله وينتفع بمواعظه، فكذلك من كان ميّت القلب لا ينتفع بما يسمع {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} أي ما أنتَ إلا رسول منذر، تخوّف هؤلاء الكفار من عذاب النار {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي بعثناك بالهدى ودين الحق، بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي ما من أمةٍ من الأمم في العصور والأزمنة الخالية إلا وقد جاءها رسول {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي بالأنبياء في الصبر على تحمل الأذى والبلاء، قال الطبري: أي وإِن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة رسلهم {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي جاءتهم الرسل بالمعجزات البينات، والحجج الواضحات فكذبوهم وأنكروا ما جاؤوا به من عند الله {وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي وجاءوهم بالزُّبُر أي الصحف المنزلة على الأنبياء، وبالكتب السماوية المقدسة المنيرة الموضحة وهي أربعة: "التوراة، والإِنجيل، والزبور، والفرقان" ومع ذلك كذبوهم وردّوا عليهم رسالتهم فاصبر كما صبروا {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ثم بعد إمهالهم أخذتُ هؤلاء الكفار بالهلاك والدمار {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي فكيف كانت عقوبتي لهم وإنكاري عليهم؟ ألم آخذهم أخذ عزيز مقتدر؟ ألم أبدِّل نعمتهم نقمة، وسعادتهم شقاوة، وعمارتهم خراباً؟ وهكذا أفعل بمن كذَّب رسلي، ثم عاد إلى تقرير وحدانية الله بالأدلة السماوية والأرضية فقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي ألم تر أيها المخاطب أن الله العظيم الكبير الجليل أنزل من السحاب المطر بقدرته؟{فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع النباتات والفواكه والثمار، المختلفات الأشكال والألوان والطعوم قال الزمخشري: أي مختلف أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يُحصر، أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} أي وخلق الجبال كذلك فيها الطرائق المختلفة الألوان - وإِن كان الجميع حجراً أو تراباً - فمن الجبال جُدَد - أي طرائق - مختلفة الألوان، بيضٌ مختلفة البياض، وحمر مختلفة في حمرتها {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} أي وجبال سودٌ غرابيب أي شديدة السواد، قال ابن جزي: قدَّم الوصف الأبلغ وكان حقه أن يتأخر، وذلك لقصد التأكيد وكثيراً ما يأتي مثلُ هذا في كلام العرب، والغرضُ بيان قدرته تعالى، فليس اختلاف الألوان قاصراً على الفواكه والثمار بل إن في طبقات الأرض وفي الجبال الصلبة ما هو أيضاً مختلف الألوان، حتى لتجد الجبل الواحد ذا ألوانٍ عجيبة، وفيه عروق تشبه المرجان، ولا سيما في صخور "المرمر" فسبحان القادر على كل شيء {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} أي وخلق من الناس، والدواب، والأنعام، خلقاً مختلفاً ألوانه كاختلاف الثمار والجبال، فهذا أبيض، وهذا أحمر، وهذا أسود، والكلُّ خلق الله فتبارك الله أحسن الخالقين.. ثم لما عدَّد آياتِ الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعه، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس أتبع ذلك بقوله {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} أي إِنما يخشاه تعالى العلماء لأنهم عرفوه حقَّ معرفته، قال ابن كثير: أي إِنما يخشاه حقَّ خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} أي غالب على كل شيء بعظمته، غفور لمن تاب وأناب من عباده، ثم أخبر عن صفات هؤلاء الذين يخافون الله ويرجون رحمته فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} أي يدامون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أدوها على الوجه الأكمل في أوقاتها، بخشوعها وآدابها، وشروطها وأركانها {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي وأنفقوا بعض أموالهم في سبيل الله وابتغاء رضوانه في السر والعلن {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} أي يرجون بعملهم هذا تجارة رابحة، لن تكسد ولن تهلك بالخسران أبداً {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي ليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وثواب ما فعلوا من صالح الأعمال، ويزيدهم - فوق أجورهم - من فضله وإِنعامه وإِحسانه قال في التسهيل: توفية الأجور هو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة: التضعيف فوق ذلك أو النظر إلى وجه الله {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} أي مبالغ في الغفران لأهل القرآن، شاكر لطاعتهم قال ابن كثير: كان مطرف إذا قرأ هذه الآية قال: هذه آية القراء {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ} أي والذي أوحيناه إليك يا محمد من الكتاب المنزَّل - القرآن العظيم - هو الحق الذي لا شك فيه، ولا ريب في صدقه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي حال كونه مصدقاً لما سبقه من الكتب الإِلهية المنزلة كالتوارة والإِنجيل والزبور قال أبو حيان: وفي الآية إِشارة إلى كونه وحياً، لأنه عليه السلام لم يكن قارئاً ولا كاتباً وأتى ببيان ما في كتب الله، ولا يكون ذلك إلا من الله {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} أي هو جل وعلا خبير بعباده محيط ببواطن أمورهم وظواهرها، بصيرٌ بهم لا تخفى عليه خافية من شؤونهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1ـ الطباق بين {يُذْهِبْ ..و.. يَأْتِ} وبين {ٱلأَعْمَىٰ ..و.. ٱلْبَصِيرُ} و{ ٱلظُّلُمَاتُ ..و.. ٱلنُّورُ} و{ٱلظِّلُّ ..و.. ٱلْحَرُورُ} و{ٱلأَحْيَآءُ ..و.. ٱلأَمْوَاتُ} وبين {نَذِيراً .. وبَشِيراً} وبين {سِرّاً .. وَعَلاَنِيَةً}. 2ـ جناس الاشتقاق {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} {حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}. 3ـ الاستعارة التصريحية {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ..} الآية شبه الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق وعدم الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه به {ٱلأَعْمَىٰ} للكافر، واستعار {وَٱلْبَصِيرُ} للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية. 4ـ الالتفات من الغيبة إلى التكلم {أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا} بدل فأخرجنا لما في ذلك من الفخامة ولبيان كمال العناية بالفعل، لما فيه من الصنع البديع، المنبىء عن كمال قدرة الله وحكمته. 5ـ قصر صفة على موصوف {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} فقد قصر الخشية على العلماء. 6ـ الاستفهام التقريري وفيه معنى التعجب {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً..} الآية. 7ـ الاستعارة {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} استعار التجارة للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية وهي معاملة الخلق بالبيع والشراء لنيل الربح ثم رشحها بقوله {لَّن تَبُورَ}. 8ـ توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام ورونقه ووقعه في النفس مثل {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} ومثل {وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} وهكذا.
الجيلاني
تفسير : ثم نادى سبحانه عموم عباده على سبيل الاستغناء عنهم وعن أعمالهم وعن محامدهم وأثنيتهم الجارية على ألسنتهم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسون عهود الله ومواثيقه التي واثقكم بها ربكم مع أنكم تنسون نعمه، وتذهلون عن حقوق كرمه {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} المحتاجون بالذات المقصورون على الافتقار {إِلَى ٱللَّهِ} الذي أظهركم من كتم العدم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، ورباكم بأنواع النعم، سيما العقل المفاض، الذي هو مذكركم عن مبدئكم ومنشئكم، فلم تشكروا نعمة مبدعكم ومربيكم أيها الغافلون الجاهلون مع أنكم محتاجون إليه. {وَٱللَّهُ} المنزه بذاته عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} المنحصر على الغنى الذاتي، بحيث لا احتياج له ولا استكمال أصلاً؛ إذ كمالاته سبحانه كلها بالفعل بحيث لا ترقب في شئونه مطلقاً {ٱلْحَمِيدُ} [فاطر: 15] المحمود في نفسه على الوجه الذي يليق بشأنه؛ إذ لا يتأتى عن مصنوعاته الحمد الحقيقي بذاته، وإنما أظهركم أيها الأظلال الهالكة بمقتضى جماله ولطفه؛ لتواظبوا على عبادته وعرفانه، كي تصلوا إلى توحيده صاعدين من حضيض الإمكان إلى أوج الوجوب الذاتي علماً وعيناً وحقاً، فأنتم تتكاسلون وتتمايلون إلى أهوية نفوسكم البهيمية ومشتهيات قواكم البشرية، أَمَّا تخافون وتتأملون أيها المغرورون؟!. {إِن يَشَأْ} سبحانه {يُذْهِبْكُـمْ} عن فضاء البروز بالمرة إلى كمون العدم {وَيَأْتِ} بدلكم {بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 16] أي: بمخلوق سواكم؛ تتميماً لحكمة العبادة والمعرفة. {وَ} اعلموا أيها الهالكون في تيه الغفلة أنه {مَا ذَلِكَ} التبديل والإتيان {عَلَى ٱللَّهِ} القادر المقتدر على إظهار جميع ما لاح عليه برق علمه وإرادته {بِعَزِيزٍ} [فاطر: 17] غير متعذر، بل عنده ويجنب سرعة نفوذ قضائه سهل يسير. {وَ} بعدما عرفتم قدرة الله وسمعتم كمال استغنائه، فلكل منكم الإتيان بمأموراته والاجتناب عن منهياته؛ إذ {لاَ تَزِرُ} تحمل نفس {وَازِرَةٌ} آثمة عاصية {وِزْرَ} نفس عاصية {أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ} تطلب نفسه {مُثْقَلَةٌ} بالأوزار والمعاصي {إِلَىٰ حِمْلِهَا} أي: حمل بعض من الأوزار المحمول عليها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} أي: لا يحمل أحد شيئاً من أوزاره، وإن رضي بحملها على مقتضى العدل الإلهي {وَلَوْ كَانَ} المدعو للحمل {ذَا قُرْبَىٰ} أي: من قرابة الداعي، بل كل واحد من النفوس يومئذ رهينة ما اقترفت من المعاصي، ما حملت إلا عليها وما حوسبت بها إلا هي. ثم قال سبحانه مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم في شأن عباده: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} يعني: ما تفيد إنذاراتك التي تلوت يا أكمل الرسل على هؤلاء الغفلة إلا القوم الذين يخافون من الله، ومن عذابه وعقابه حال كونهم غائبين عنه، سامعين له، خاشعين من نزوله، خائفين من حلوله بغتة {وَ} مع ذلك {أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} المأمورة، المقربة لهم إلى جانب قدسه، المخلصين فيها، المطهرين نفوسهم عن الميل إلى ما سوى الحق {وَمَن تَزَكَّىٰ} وظهر نفسه عن الميل إلى البدع والأهواء {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} إذ نفع تزيكته عائد إليه، مفيد له في أولاه وأخراه {وَ} بعد تزكيته عن لوازم بشريته ومقتضيات بهيميته العائقة عن الوصول إلى مبدأ فطرته {إِلَى ٱللَّهِ} المنزه عن مطلق النقائص، المبرء عن جملة الرذائل {ٱلْمَصِيرُ} [فاطر: 18] أي: المنقلب والمآب يعني: مرجع الكل إلأيه، ومقصده دونه سبحانه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم [بها]، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل [لهم] من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني في حمده]. { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } يحتمل أن المراد: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بغيركم من الناس، أطوع للّه منكم، ويكون في هذا تهديد لهم بالهلاك والإبادة، وأن مشيئته غير قاصرة عن ذلك. ويحتمل أن المراد بذلك، إثبات البعث والنشور، وأن مشيئة اللّه تعالى نافذة في كل شيء، وفي إعادتكم بعد موتكم خلقا جديدا، ولكن لذلك الوقت أجل قدره اللّه، لا يتقدم عنه ولا يتأخر. { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } أي: بممتنع، ولا معجز له. ويدل على المعنى الأخير، ما ذكره بعده في قوله: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي: في يوم القيامة كل أحد يجازى بعمله، ولا يحمل أحد ذنب أحد. { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي: نفس مثقلة بالخطايا والذنوب، تستغيث بمن يحمل عنها بعض أوزارها { لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } فإنه لا يحمل عن قريب، فليست حال الآخرة بمنزلة حال الدنيا، يساعد الحميم حميمه، والصديق صديقه، بل يوم القيامة، يتمنى العبد أن يكون له حق على أحد، ولو على والديه وأقاربه. { إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } أي: هؤلاء الذين يقبلون النذارة وينتفعون بها، أهل الخشية للّه بالغيب، أي: الذين يخشونه في حال السر والعلانية، والمشهد والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها، لأن الخشية للّه تستدعي من العبد العمل بما يخشى من تضييعه العقاب، والهرب مما يخشى من ارتكابه [ ص 688 ] العذاب، والصلاة تدعو إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر. { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } أي: ومن زكى نفسه بالتنقِّي من العيوب، كالرياء والكبر، والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتحلَّى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء. { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } فيجازي الخلائق على ما أسلفوه، ويحاسبهم على ما قدموه وعملوه، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):