٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } متعلق بما قبله، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبـي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذباً في دعائه لكان مذنباً وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول: أكابركم {أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } تفسير : [العنكبوت:12] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وٰزِرَةٌ } أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول: فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر: وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى، قد يجتمع معها أن لا تزر وزراً أصلاً كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزراً رأساً فقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير وأما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف. ثم قال تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } إشارة إلى أن أحداً لا يحمل عن أحد شيئاً مبتدئاً ولا بعد السؤال، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال. المسألة الثانية: في قوله: {مُثْقَلَةٌ } زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولاً: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } فيظن أن أحداً لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادراً على حمله، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه، وأما إذا كان الحمل ثقيلاً قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال: {مُثْقَلَةٌ } يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلاً للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء. المسألة الثالثة: زاد في ذلك بقوله: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } أي المدعو لو كان ذا قربـى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل، أو الأجنبـي الذي يرى أجنبياً تحت حمل لا يحمل عنه فقال: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة، لو كان المسؤول قريباً فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به، ولم يفدهم، فلا تنذر إنذاراً مفيداً إلا الذين تمتلىء قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله: {ٱلَّذِينَ آمنواْ } إشارة إلى عمل القلب {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } إشارة إلى عمل الظواهر فقوله: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } في ذلك المعنى، ثم لما بين {أَن لا تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } بين أن الحسنة تنفع المحسنين. فقال: {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } أي فتزكيته لنفسه. ثم قال تعالى: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلاً فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله.
القرطبي
تفسير : تقدم الكلام فيه، وهو مقطوع مما قبله. والأصل «تَوْزَر» حذفت الواو اتباعاً ليزر. {وَازِرَةٌ} نعت لمحذوف، أي نفس وازرة. وكذا {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} قال الفرّاء: أي نفس مثقلة أو دابة. قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنساناً إلى حملها وهو ذنوبها. والحملْ ما كان على الظهر، والحمَلْ حمل المرأة وحملة النخلة؛ حكاهما الكسائيّ بالفتح لا غير. وحكى ابن السِّكيت أن حمل النخلة يفتح ويكسر. {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} التقدير على قول الأخفش: ولو كان الإنسان المدعوّ ذا قربى. وأجاز الفرّاء ولو كان ذو قربى. وهذا جائز عند سيبويه، ومثله {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280] فتكون «كان» بمعنى وقع، أو يكون الخبر محذوفاً؛ أي وإن كان فيمن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير؛ على هذا. وخيراً فخير؛ على الأوّل. وروي عن عكرمة أنه قال: بلغني أن اليهودي والنصرانيّ يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك يداً؛ ألم أكن قد أحسنت إليك؟ فيقول بلى. فيقول: انفعني؛ فلا يزال المسلم يسأل الله تعالى حتى ينقص من عذابه. وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك باراً، وعليك مشفقاً، وإليك محسناً، وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك، أو احمل عني سيئة؛ فيقول: إن الذي سألتني يسير؛ ولكني أخاف مثل ما تخاف. وأن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيرد عليه نحواً من هذا. وأن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن أحسن العِشرة لك، فاحملي عني خطيئة لعلي أنجو؛ فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه. ثم تلا عكرمة: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. وقال الفُضيل بن عياض: هي المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء؛ فيقول: بلى يا أماه؛ فتقول: يا بنيّ، قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنباً واحداً؛ فيقول: إليكِ عني يا أماه، فإني بذنبي عنكِ مشغول. قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى. وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يۤس: 11]. قوله تعالى: {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. وقرىء: «ومنِ ازَّكَّى فإنما يَزّكَّى لِنفسِهِ». {وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي إليه مرجع جميع الخلق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَزِرُ } نفس {وازِرَةٌ } آثمة، أي لا تحمل {وِزْرَ } نفس {أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ } نفس {مُثْقَلَةٌ } بالوزر {إِلَىٰ حِمْلِهَا } منه أحداً ليحمل بعضه {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ } المدعوّ {ذَا قُرْبَىٰ } قرابة كالأب والابن، وعدم الحمل في الشقين حكم من الله {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ } أي يخافونه وما رأوه لأنهم المنتفعون بالإِنذار {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } أداموها {وَمَن تَزَكَّىٰ } تطهّر من الشرك وغيره {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } فصلاحه مختص به {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع فيجازي في الآخرة بالعمل.
البقاعي
تفسير : ولما أنهى سبحانه بيان الحق بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة بالتهديد بالأخذ، وكان الأخذ على وجه التهديد عقاباً، وكان العقاب لا يكون حكمه إلا عند الذنب، قال دالاً على أنه لا ينفك أحد عما يستحق به العقاب: {ولا} أي يذهبكم عقوبة لكم بأوزاركم وقدرة عليكم والحال أنه لا {تزر} أي تحمل يوم القيامة أو عند الإذهاب، ولما لم تكن نفس متأهلة للحمل تخلو من وزر تحمله، والمعصوم من عصم الله، قال: {وازرة} دون نفس، أي لا تحمل حاملة من جهة الإثم {وزر} أي حمل وثقل {أخرى} لتعذب به، بل كان واحد منكم له مما كسبت يداه ما ثقوم به عليه الحجة في الأخذ مباشرة وتسبباً مع تفاوتكم في الوزر، ولا يحمل أحد إلا ما اقترفه هو، لا تؤخذ نفس بذنب أخرى الذي يخصها كما تفعل جبابرة الدنيا. ولما أثبت أنه لا يؤخذ أحد إلا بوزر، ونفى أن يحمل أحد وزر غيره، وكان ربما أوهم أن ذلك خاص ببعض الأحوال أو الأشخاص، وكان عظم الوزر يوجب عظم الأخذ، نفى ذلك الإيهام ودل القدرة على المفاوتة بينهم في الأجر وإن كان أخذهم في آن واحد بقوله: {وإن تدع} أي نفس {مثقلة} أي بالذنوب سواء كانت كفراً أو غيره، أحداً {إلى حملها} أي الخاص بها من الذنوب التي ليست على غيرها بمباشرة ولا تسبب ليخفف عنها فيخفف العذاب بسبب خفته {لا يحمل} أي من حامل ما {منه شيء} أي لا طواعية ولا كرهاً. بل لكل امرئ شأن يغنيه أصلاً وتسبباً {ولو كان} ذلك الداعي أو المدعو للحمل {ذا قربى} لمن دعاه، وحاصل الأولى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره بل بذنب نفسه، والثانية أنه لا يحط عن أحد ذنبه ليسلم. ولما كان هذا أمراً - مع كونه جلياً - خالعاً للقلوب، فكان بحيث يشتد تعجب السامع ممن يسمعه ولا يخشى، فقال مزيلاً لهذا العجب على سبيل النتيجة: {إنما تنذر} أي إنذاراً يفيد الرجوع عن الغيّ، فلاختصاصهم بالنفع كانوا كأنهم مختصون بالإنذار، وهو كما قال القشيري: الإعلام بموضع المخافة. {الذين يخشون} أي يوقعون هذا الفعل في الحال ويواظبون عليه في الاستقبال. ولما كان أعقل الناس من خاف المحسن لان أقل عقابة قطع إحسانه قال: {ربهم}. ولما كان أوفى الناس عقلاً وأعلاهم همة وأكرمهم عنصراً من كانت غيبته مثل حضوره، وكان لا يحتاج - مع قول الداعي وما يظهر له من سمته وحسن قوله وفعله - إلى آية يظهرها ولا خارقة يبرزها، وإنما إيمانه تصديقاً للداعي في إخباره بالأمر المغيب من غير كشف غطاء قال: {بالغيب} أي حال كونهم غائبين عما دعوا إليه وخوفوا به، أو حال كونه غائباً عنهم أو غائبين عمن يمكن مراءاته، فهم مخلصون في خشيتهم سواء بحيث لا يطلع عليهم إلا الله، ولا نعلم أحداً وازى خديجة والصديق رضي الله عنهما في ذلك. ولما كانت الصلاة جامعة لخضوع الظاهر والباطن، فكانت أشرف العبادات، وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص، قال معبراً بالماضي لأن مواقيت الصلاة مضبوطة: {وأقاموا} أي دليلاً على خشيتهم {الصلاة} في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن. ولما كان التقدير: فمن كان على غير ذلك تدسى، ومن كان على هذا فقد تزكى، ومن تدسى فإنما يتدسى على نفسه، عطف عليه قوله، مشيراً بأداة التفعل إلى أن النفس أميل شيء إلى الدنس، فلا تنقاد إلى أحسن تقويم إلا باجتهاد عظيم. {ومن تزكّى} أي تطهر وتكثر بهذه المحاسن. ولما كان الإنسان ليفيده بالأسباب القريبة قد يغفل عن أن هذا نفع له وخاص به أكده فقال: {فإنما يتزكّى لنفسه} فإنه لا يضر ولا ينفع في الحقيقة غيرها {وإلى الله} الذي يكشف عن جميع صفاته أتم كشف تحتمله العقول يوم البعث لا إلى غيره {المصير *} كما كان منه المبدأ فيجازي كلاًّ على فعله فينصف بينك وبين من خشي ربه بإنذارك ومن أعرض عن ذلك. ولما كان التقدير: فما يستوي في الطبع والعقل المتدسي الذي هو أعمى بعصيانه في الظلمات ولا المتزكي الذي هو بطاعاته بصير في النور وإن استويا في الإنسانية، عطف عليه ما يصلح أمثلة للمتدسي والمتزكي وما يكون به التدسية والتزكية، دلالة على تمام قدرته الذي السياق له من أول السورة، وتقريراً لأن الخشية والقسوة بيده إبطالاً لقول من يسند الأمور إلى الطبائع قوله: {وما يستوي} أي في حالة من الأحوال. ولما كان المقام لوعظ المشركين، وكان المتدسي قبل المتزكي على ما قرر قبله، ناسب أن ينظم على هذا الترتيب قوله مثالاً للكافر والمؤمن والجاهل والعالم، وقدم مثال الجاهل لأن الأصل عن الإرسال الجهل: {الأعمى والبصير *} أي لا الصنفان ولا أفرادهما ولا أفراد صنف منهما، وأغنى عن إعادة النافي ظهور المفاوتة بين أفراد كل صنف من الصنفين، فالمعنى أن الناس غير مستوين في العمى والبصر بل بعضهم أعمى وبعضهم بصير، لأن افتعل هنا لمعنى تفاعل، ولعله عبر به دلالة على النفي ولو وقع اجتهاد في أن لا يقع، أو دلالة على أن المنفي إنما هو التساوي من كل جهة، لا في أصل المعنى ولو كان ذلك مستنداً إلى الطبع لكانوا على منهاج واحد بل وأفراد كل متفاوتون فتجد بعض العمى يمشي بلا قائد في الأزقة المشكلة، وآخر لا يقدر على المشي في بيته إلا بقائد، وآخر يدرك من الكتاب إذا جسه كم مسطرته من سطر، وهل خطه حسن أو لا، وآخر يدرك الدرهم الزيف من غيره، ويميز ضرب كل بلد من غيره، وربما نازعه أحد مغالطة فلا يقبل التشكيك، وآخر في غاية البعد عن ذلك، وأما البصراء فالأمر فيهم واضح في المفاوتة في أبصارهم وبصائرهم، وكل ذلك دليل واضح على أن الفاعل قادر مختار يزيد في الخلق ما يشاء، وإلا لتساوت الأفراد فكانوا على منهاج واحد. ولما كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه، نبه على غرابته ومزيد ظهور القدرة فيه بتكرير النافي في أشباهه وعلى أن الصبر لا ينفذ إلا في الظلمة، تنبيهاً على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيراً، وقدم الظلمة لأنها أشد إظهاراً لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما قرر، فقال في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعاً تنبيهاً على أن طرق الضلال يتعذر حصرها: {ولا الظلمات} التي هي مثال للأباطيل؛ وأكد بتكرير النافي كالذي قبله لأن المفاوتة بين أفراد الظلمة وأفراد النور خفية، فقال منبهاً على أن طريق الحق واحدة تكذيباً لمن قال من الزنادقة: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق: {ولا النور *} الذي هو مثال للحق، فما أبدعهما على هذا التضاد إلا الله تعالى الفاعل المختار، وفاوت بين أفراد النور وأفراد الظلمة، فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا شيء منهما نور غيرهما من النجوم ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك من الأنوار، وإذا اعتبرت أفراد الظلمات وجدتها كذلك، فإن الظلمات إنما هي ظلال، وبعض الظلال أكثف من بعض.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في حجة الوداع ألا لا يجني جان إلا على نفسه. لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال لأبي: "حديث : ابنك هذا؟ قال: أي ورب الكعبة قال: أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله {وإن تدع مثقلة إلى حملها} قال: إن تدع نفس مثقلة من الخطايا ذا قرابة أو غير ذي قرابة {لا يحمل} عنها من خطاياها شيء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} يكون عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} كنحو {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن، يوم القيامة فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يداً قد عرفت كيف كنت في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه حتى يرده إلى منزلة دون منزلة وهو في النار. وأن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً فيقول: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت؟ ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً. ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً فيقول لها: فإني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين. قالت: ما أيسر ما طلبت! ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت. يقول الله {وإن تدع مثقلة إلى حملها....}. ويقول الله {أية : يوم لا يجزي والد عن ولده} تفسير : [لقمان: 133] و {أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه...} تفسير : [عبس: 34]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإن تدع مثقلة إلى حملها} أي إلى ذنوبها {لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} قال: قرابة قريبة لا يحمل من ذنوبه شيئاً، ويحمل عليها غيرها من ذنوبها شيئاً {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخشون النار، والحساب. وفي قوله {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} أي من عمل عملاً صالحاً فإنما يعمل لنفسه. وفي قوله {وما يستوي...}. قال: خلق فضل بعضه على بعض، فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل. والكافر عبد ميت الأثر، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وما يستوي الأعمى والبصير....} قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن يقول: كما لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وما يستوي الأعمى والبصير...} قال: الكافر والمؤمن {ولا الظلمات} قال: الكفر {ولا النور} قال: الايمان {ولا الظل} قال: الجنة {ولا الحرور} قال: النار {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} قال: المؤمن والكافر {إن الله يسمع من يشاء} قال: يهدي من يشاء. وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أية : فإنك لا تسمع الموتى} تفسير : [الروم: 52] {وما أنت بمسمع من في القبور} قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على القتلى يوم بدر ويقول: "حديث : هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً يا فلان ابن فلان. ألم تكفر بربك؟ ألم تكذب نبيك؟ ألم تقطع رحمك؟ فقالوا: يا رسول الله أيسمعون ما نقول؟ قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول. فأنزل الله {فإنك لا تسمع الموتى} {وما أنت بمسمع من في القبور} ومثل ضربه الله للكفار أنهم لا يسمعون لقوله . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما أنت بمسمع من في القبور} فكذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع. وفي قوله {وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير} يقول كل أمة قد كان لها رسول جاءها من الله. وفي قوله {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم} قال: يعزي نبيه {جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير، ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} قال: شديد والله لقد عجل لهم عقوبة الدنيا ثم صيرهم إلى النار.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} أي لا تحملٌ نفسٌ آثمةٌ {وِزْرَ أُخْرَىٰ} إثمَ نفسٍ أُخرى بل إنَّما تحملُ كلُّ منهما وزرَها. وأمَّا ما في قولِه تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [سورة العنكبوت: الآية 13] من حملِ المضلِّين أثقالاً غيرَ أثقالِهم فهو حملُ أثقالِ إضلالِهم مع أثقالِ ضلالِهم وكلاهما أوزارُهم ليس فيها من أوزارِ غيرِهم شيء {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي نفسٌ أثقلَها الأوزارُ {إِلَىٰ حِمْلِهَا} لحملِ بعضِ أوزارِها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء} لم تُجبَ بحملِ شيءٍ منه {وَلَوْ كَانَ} أي المدعُو المفهوم من الدَّعوةِ {ذَا قُرْبَىٰ} ذا قرابةٍ من الدَّاعي. وقُرىء ذُو قُربى. وهذا نفيٌ للحملِ اختياراً والأوَّلُ نفيٌ له إجباراً {إِنَّمَا تُنذِرُ} استئنافٌ مسوق لبـيان من يتَّعظُ بما ذُكر أي إنَّما تنذر بهذه الإنذاراتِ {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ} أي يخشَونَه تعالى غائبـينَ عن عذابِه أو عن النَّاسِ في خلواتِهم أو يخشَون عذابَه وهو غائبٌ عنهم {وَأَقَامُوا ٱلصَّلاَةَ} أي راعَوها كما ينبغي وجعلوها مَنَاراً منصوباً وعَلَماً مرفُوعاً أي إنما ينفعُ إنذارُك وتحذيرُك هؤلاءِ من قومِك دُون مَن عداهُم من أهل التَّمرد والعنادِ {وَمَن تَزَكَّىٰ} أي تطهرَ من أوضار الأوزارِ والمعاصِي بالتَّاثرِ من هذهِ الإنذاراتِ {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} لاقتصارِ نفعِه عليها كما أنَّ مَن تدنَّس بها لا يتدنَّس إلا عليها. وقُرىء من ازكَّى فإنَّما يزكَّى، وهو اعتراضٌ مقررٌ لخشيتهم وإقامِتهم الصَّلاةَ لأنَّها من معظمِ مبادِي التزكِّي {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} لا إلى أحدٍ غيرهِ استقلالاً أو اشتراكاً فيجازيهم على تزكِّيهم أحسنَ الجزاء. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي الكافرُ والمؤمنُ {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} أي ولا الباطلُ ولا الحقُّ وجمع الظلمات مع أفرادِ النُّورِ لتعدُّدِ فنونِ الباطلِ واتِّحاد الحقِّ {وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} أي ولا الثَّوابُ ولا العقابُ. وإدخالُ لا على المتقابلينِ لتذكيرِ نفيِ الاستواءِ وتوسيطُها بـينهُما للتَّأكيدِ. والحرَرورُ فَعولٌ من الحرِّ غلب على السَّمومِ وقيل: السَّمومُ ما يهبُّ نهاراً والحَرورُ ما يهبُّ ليلاً {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَاء وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تمثيلٌ آخرُ للمؤمنينَ والكافرينَ أبلغُ من الأوَّلِ ولذلك كُرِّر الفعلُ وأُوثر صيغةُ الجمعِ في الطَّرفينِ تحقيقاً للتَّباينَ بـين أفرادِ الفريقينِ وقيل: تمثيلٌ للعُلماءِ والجَهَلةِ {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء} أنْ يُسمَعه ويوفِّقه لفهم آياتِه والاتَّعاظِ بعظاتِه {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ} ترشيحٌ لتمثيل المصرِّينَ على الكُفرِ بالأمواتِ وإشباعٌ في إقناطِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من إيمانِهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. كُلٌّ مُطَالَبٌ بعمله، وكلٌّ محاسَبٌ عن ديوانه، ولكلِّ معه شأن، وله مع كلِّ أحدٍ شأن. ومن العبادات ما تجري فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجري النيابة؛ فلو أن عبداً عاصياً منهمكاً في غوايته فاتته صلاةٌ مفروضةٌ، فلو قضى عنه ألفُ وليٍّ وألفُ صَفِيِّ تلك الصلاةَ الواحدةَ عن كل ركعةًٍ ألفَ ركعةٍ لم تُقْبَلْ منه إِلاَّ أنْ يجيءَ هو: معاذ الله أن نأخذ إلا مِمَّن وجدنا متاعنا عنده! فعتابُك لا يجري مع غيرِك والخطابُ الذي معك لا يسمعه غيرُك: شعر : فَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي مكانُكَ من قلبي عليكَ مصونُ تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والخشيةُ هي المخافة؛ فمعنى الآية، لا ينفع التخويف إلاَّ لمن صَاحَبَ الخوفَ - وطيرُ السماءِ على أشكالها تَقَعُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تزر وازرة وزر اخرى} يقال وزر يزر من الثانى وزرا بالفتح والكسر ووزر يوزر من الرابع حمل. والوزر الاثم والثقل والوازرة صفة للنفس المحذوفة وكذا اخرى والمعنى لا تحمل نفس آثمة يوم القيامة اثم نفس اخرى بحيث تتعرى منه المحمول عنها بل انما تحمل كل منهما وزرها الذى اكتسبته بخلاف الحال فى الدنيا فان الجبابرة يأخذون الولى بالولى والجار بالجار واما فى قوله تعالى {أية : وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم} تفسير : من حمل المضلين اثقالهم واثقالا غير اثقالهم فهو حمل اثقال ضلالهم مع اثقال اضلالهم وكلاهما اوزارهم ليس فيها شئ من اوزار غيرهم ألا يرى كيف كذبهم فى قولهم {أية : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} تفسير : بقوله {أية : وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ} تفسير : ومنه يعلم وجه تحميل معاصى المظلومين يوم القيامة على الظالمين فان المحمول فى الحقيقة جزاء الظلم وان كان يحصل فى الظاهر تخفيف حمل المظلوم ولا يجرى الا فى الذنب المتعدى كما ذكرناه فى اواخر الانعام. وفيه اشارة الى ان الله تعالى فى خلق كل واحد من الخلق سرا مخصوصا به وله مع كل واحد شان آخر فكل مطالب بما حمل كما ان كل بذر ينبت بنبات قد اودع فيه ولا يطالب بنبات بذر آخر لانه لا يحمل الا ما حمل عليه كما فى التأويلات النجمية: قال الشيخ سعدى شعر : رطب ناورد جوب خر زهره بار جه تخم افكنى برهمان جشم دار تفسير : {وان تدع} صيغة غائبة اى ولو دعت: وبالفارسية [واكر بخواند] {مثقلة} اى نفس اثقلتها الاوزار والمفعول محذوف اى احدا. قال الراغب الثقل والخفة متقابلان وكل ما يترجح عما يوزن به او يقدّر به يقال هو ثقيل واصله فى الاجسام ثم يقال فى المعانى اثقله الغرم والوزر انتهى. فالثقل الاثم سمى به لانه يثقل صاحبه يوم القيامة ويثبطه عن الثواب فى الدنيا {الى حملها} الذى عليها من الذنوب ليحمل بعضها. قيل فى الاثقال المحمولة فى الظاهر كالشئ المحمول على الظهر حمل بالكسر وفى الاثقال المحمولة فى الباطن كالولد فى البطن حمل بالفتح كما فى المفردات {لا يحمل منه شئ} لم تجب لحمل شئ منه {ولو} للوصل {كان} اى المدعو المفهوم من الدعوة وترك ذكره ليشمل كل مدعو {ذا قربى} ذا قرابة من الداعى كالاب والام والولد والاخ ونحو ذلك اذ لكل واحد منهم يومئذ شأن يغنيه وحمل يعجزه. ففى هذا دليل انه تعالى لا يؤاخذ بالذنب الا جانيه وان الاستغاثة بالاقربين غير نافعة لغير المتقين عن ابن عباس رضى الله عنهما يلقى الاب والام ابنه فيقول يا بنى احمل عنى بعض ذنوبى فيقول لا استطيع حسبى ما علىّ وكذا يتعلق الرجل بزوجته فيقول لها انى كنت لك زوجا فى الدنيا فيثنى عليها خيرا فيقول قد احتجت الى مثقال ذرة من حسناتك لعلى انجوبها مما ترين فتقول ما ايسر ما طلبت ولكن لا اطيق انى اخاف مثل ما تخوفت شعر : هيج رحمى نه برادر به برادر دارد هيج خيرى نه بدر را به بسر مى آيد دختر ازبهلوى مادر بكند قصد فرار دوستى از همه خويش بسرمى آيد تفسير : قال فى الارشاد هذا الآية نفى للتحمل اختيارا والاولى نفى له اجبارا. والاشارة ان الطاعة نور والعصيان ظلمة فاذا اتصف جوهر الانسان بصفة النور او بصفة الظلمة لا تنقل تلك الصفة من جوهره الى جوهر انسان آخر اياما كان ألا ترى ان كل احد عند الصراط يمشى فى نوره لا يتجاوز منه الى غيره شئ وكذا من غيره اليه {انما تنذر} يا محمد بهذه الانذارات. والانذار الابلاغ مع التخويف {الذين يخشون} يخافون {ربهم} حال كونهم {بالغيب} غائبين عن عذابه واحكام الآخرة او عن الناس فى خلواتهم: يعنى [در خلوتها اثر خشيت برايشان ظاهرت نه در صحبتها] فهو حال من الفاعل او حال كون ذلك العذاب غائبا عنهم فهو حال من المفعول {واقاموا الصلاة} اى راعوها كما ينبغى وجعلوها منارا منصوبا وعلما مرفوعا. قال فى كشف الاسرار وغاير بين اللفظين لان اوقات الخشية دائمة واوقات الصلاة معينة منقضية. والمعنى انما ينفع انذارك وتحذيرك هؤلاء من قومك دون من عداهم من اهل التمرد والفساد وان كنت نذيرا للخلق كلهم وخص الخشية والصلاة بالذكر لانهما اصلا الاعمال الحسنة الظاهرية والباطنية. اما الصلاة فانها عماد الدين. واما الخشية فانها شعار اليقين وانما يخشى المرء بقدر علمه بالله كما قال تعالى {أية : انما يخشى الله من عباده العلماء} تفسير : فقلب لم يكن عالما خاشيا يكون ميتا لا يؤثر فيه الانذار كما قال تعالى {أية : لينذر من كان حيا} تفسير : ومع هذا جعل تأثير الانذار مشروطا بشرط آخر وهو اقامة الصلاة وامارة خشية قلبه بالغيب محافظة الصلاة فى الشهادة وفى الحديث "حديث : ان بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" تفسير : {ومن} [وهركه] {تزكى} تطهر من اوضار الاوزار والمعاصى بالتأثر من هذه الانذارات واصلح حاله بفعل الطاعات {فانما يتزكى لنفسه} لاقتصار نفعه عليها كما ان من تدنس بها لا يتدنس الا عليها ويقال من يعطى الزكاة فانما ثوابه لنفسه {والى الله المصير} اى الرجوع لا الى غيره استقلالا واشتراكا فيجازيهم على تزكيهم احسن الجزاء. واعلم ان ثواب التزكى عن المعاصى هو الجنة ودرجاتها وثواب التزكى عن التعلق بما سوى الله تعالى هو جماله تعالى كما اشار اليه بقوله {والى الله المصير} فمن رجع الى الله بالاختيار لم يبق له بمادونه قرار: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ندادند صاحب دلان دل ببوست وكرا بلهى داد بى مغز اوست مى صرف وحدت كسى نوش كرد كه دنيى وعقبى فراموش كرد تفسير : والاصل هو العناية. وعن ابراهيم المهلب السائح رضى الله عنه قال بينا انا اطوف واذا بجارية متعلقة باستار الكعبة وهى تقول بحبك لى ألا رددت علىّ قلبى فقلت يا جارية من اين تعلمين انه يحبك قالت بالعناية القديمة جيش فى طلبى الجيوش وانفق الاموال حتى اخرجنى من بلاد الشرك وادخلنى فى التوحيد وعرفنى نفسى بعد جهلى اياها فهل هذا يا ابراهيم الا لعناية او محبة قلت وكيف حبك له قالت اعظم شئ واجله قلت وكيف هو قالت هو ارق من الشراب واحلى من الجلاب. وانما تتولد معرفة الله من معرفة النفس بعد تزكيتها كما اشار اليه (من عرف نفسه فقد عرف ربه) ففى هذا ان الولد يكون اعظم فى القدر من الوالد فافهم رحمك الله واياى بعنايته
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "وازرة": صفة لمحذوف، أي: نفس آثمة. و "إن تدع": شرط، و "لا يُحمل": جواب، و"لا" النافية لا تمنع الجواب من الجزم. يقول الحق جلّ جلاله: {ولا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أُخرى} أي: ولا تحمل نفس آثمة إثمَ نَفْسٍ أخرى، والوزر والوِقر أخوان، ووزَر الشيء: حمله. والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، فلا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى، كما تأخذ جبابرةُ الدنيا الظلمةُ الجارَ بجريمة الجار، والقريبَ بالقريب، فذلك ظلم محض. وأما قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 13] ففي الضالّين المضلّين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وأثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم، ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. ألا ترى كيف كذّبهم الله تعالى في قوله: {أية : اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [العنكبوت: 12]. قال ابن عطية: مَن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة ـ كفعل زياد ونحوه، فإن ذلك، لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة، أو مواصلة، أو اطلاع على حاله، أو تقرير له، فهذا قد أخذ من الجُرم بنصيب. وهذا هو المعنى بقوله تعالى: {وليحملن أثقالهم...} الآية؛ لأنهم أغروهم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن سنَّ سُنَّة حسنة.." تفسير : الحديث، فراجعه. قلت: لا يجوز الإقدام على ظلم أحد بمجرد الظن، فالصواب حسم هذا الباب، والتصريح بتحريمه؛ لكثرة جوز الحُكام. ثم قال تعالى: {وإِن تَدْعُ} نفس {مثقلةً} بالذنب أحداً {إِلى حِمْلِها} أي: إلى حمل ثِقل ذنوبها، ليتحمل عنها بعض ذلك، {لا يُحْمَل منه شيءٌ ولو كان} المدعو، المفهوم من قوله: {وإِن تدع} ، {ذا قُربى} ذا قرابة قريبة، كأب، وولد، وأخ. والفرق بين معنى قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وبين قوله: {إِن تدع مثقلة إلى حِمْلها لا يُحمل منه شيء} أنَّ الأول دالّ على عدل الله في حكمه، وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني: في بيان أنه لا غياث يومئذ لمَن استغاث، فمَن أثقلته ذنوبه ثم استغاث بأحد لم يُغثه، وهذا غاية الإنذار. ثم بيّن مَن ينتفع به بقوله: {إِنما تُنذِرُ الذين يخشون ربهم} أي: إنما ينتفع بإنذارك مَن خشي ربه {بالغيب} أي: يخشون ربهم غائبين عنه، أو: يخشون عذابه غائباً عنهم، فهو حال، إما من الفاعل أو المفعول المحذوف. أو: يخشون ربهم في حال الغيب، حيث لا اطلاع للغير عليهم، فيتقون الله في السر، كما يتقون في العلانية. {وأقاموا الصلاةَ} أتقنوها في مواقيتها، {ومَن تزكَّى} أي: تطهّر بفعل الطاعات، وترك المنهيات، {فإِنما يتزكَّى لنفسه} إذ نفعه يعود لها، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم، وإقامتهم الصلاة؛ لأنها من جملة التزكي. {وإِلى الله المصيرُ} المرجع، فيجازيهم على تزكيتهم، وهو وعد للمتزكِّين بالثواب. الإشارة: وبال الوزر خاص بصاحبه، إلا إذا كان مقتدى به، فإنَّ عيبه أو نقصه يسري في أصحابه، حتى يطهر منه؛ أن الصحبة صيرت الجسدين واحداً. وراجع ما تقدّم عند قوله: {أية : واتَّقُوا فِتْنَةً...}تفسير : [الأنفال: 25] الآية. قال القشيري: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كلٌّ مُطَالَبٌ بعمله، ومحاسبٌ عن ديوانه. ولكلٍّ معه شأن، وله مع كلِّ أحدٍ شأن، ومن العبادات ما تجري فيها النيابة، ولكن في المعارف لا تجري النيابة؛ ولو أن عبداً عاصياً منهمكاً في غوايته فاتته صلاةٌ مفروضةٌ، فلو قضى عنه ألفُ وليٍّ، وألفُ صَفِيٍّ، تلك الصلاة الواحدة، عن كل ركعةٍ ألف ركعةٍ لم تُقْبَلْ. هـ. وقال في قوله تعالى: {إِنما تُنذر...} الخ: الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة. والخشيةُ هي المخافة، فمعنى الآية: لا ينتفع بالتخويف إلا صَاحِبُ الخوف ـ طيرُ السماء على إلافها تقع. هـ. ثم ضرب المثل ومن لم يترك، فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ...}
الطوسي
تفسير : ست آيات حجازي وكوفي وخمس آيات شامي واربع آيات بصري عد الحجازيون والكوفي والشامي {البصير} و {النور} ولم يعده البصري وعد الحجازيون والعراقيون {القبور} ولم يعده الشامي. يقول الله تعالى مخبراً حسب ما تقتضيه حكمته وعدله أنه {لا تزر وازرة وزر أخرى} معناه أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى من الذنب، والوزر الثقل، ومنه الوزير لتحمله ثقل الملك بما يتحمله من تدبير المملكة، وتقديره أنه لا يؤاخذ احد بذنب غيره، وإنما يؤاخذ كل مكلف بما يقترفه من الاثم. وقوله {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} معناه وإن تدع مثقلة بالآثام غيرها لتحمل عنها بعض الاثم لا يحمل عنها شيئاً من آثامها، وإن كان أقرب الناس اليها، لما في ذلك من مشقة حمل الآثام ولو تحملته لم يقبل تحملها، لما فيه من مجانبة العدل ومنافاته له، فكل نفس بما كسبت رهينة، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ولا يؤخذ إلا بجنايته. وقوله {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} معناه ليس ينتفع بتخويفك يا محمد إلا الذين يخافون ربهم في غيبتهم وخلواتهم فيجتنبون معاصيه في سرهم ويصدقون بالآخرة. وقوله {وأقاموا الصلاة} قال ابو عبيدة في مجازه: اي ويقيمون، فوقع الماضي مقام المستقبل، والمعنى يديمون فعلها ويقومون بشرائطها. وإنما عطف الماضي على المستقبل إشعاراً باختلاف المعنى، لان الحسنة لازمة في كل وقت والصلاة لها اوقات مخصوصة، واضاف الانذار إلى الذين يخشون ربهم من حيث كانوا هم المنتفعون بها، وإن كان النبي صلى الله عليه وآله ينذر كل مكلف. ثم قال {ومن تزكى} أي فعل الطاعات وقام بما يجب عليه من الزكاة وغيرها من الواجبات فانما يتزكى لنفسه، لان ثواب ذلك ونفعه عائد عليه. وقوله {وإلى الله المصير} معناه يرجع الخلق كلهم إلى حيث لا يملك الأمر والنهي إلا الله، فيجازي كل مكلف على قدر عمله. وقوله {وما يستوي الأعمى والبصير} معناه لا يتساوى الأعمى عن طريق الحق والعادل عنها، والبصير الذي يهتدي إليها قط، لأن الأول يستحق العقاب، والثاني يستحق الثواب {ولا الظلمات ولا النور} يعني وكذلك لا يستوي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي فشبه الايمان بالنور والكفر بالظلمات، وكذلك لا يستوي {الظل ولا الحرور} فالظل هو الستر عن موقع الشمس ومنه الظلة، وهي السترة عن موقع الشمس، ومنه قولهم: ظل يفعل كذا إذا فعل نهاراً في الوقت الذي يكون للشمس ظل، والحرور السموم وهو الريح الحارة في الشمس، وقال الفراء: الحرور يكون بالليل والنهار والسموم لا يكون إلا بالنهار. وقيل: الظل الجنة والحرور النار {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} أي هما ايضاً لا يتساويان ولا يتماثلان، فالاسواء حصول أحد الشيئين على مقدار الآخرة، ومنه الاستواء في العود والطريق خلاف الاعوجاج، لممره على مقدار أوله من غير انعدال. وهذه الأمثال أمثال ضربها الله لعبادة الله وعبادة الأوثان، وبين أنه كما لا تتماثل هذه الاشياء، ولا تتشاكل ولا تتساوى، فكذلك عبادة الله لا تشبه عبادة الاصنام. ثم قال تعالى {إن الله يسمع من يشاء} ومعناه أن الله ينفع باسماع ذلك من يشاء ممن يعلم أن له لطفاً يفعله به دون غيره {وما أنت بمسمع من في القبور} أي لانك لا تقدر على نفع الكفار باسماعك إياهم إذا لم يقبلوا، كمالا تسمع من في القبور من الأموات {إن أنت إلا نذير} أي لست إلا نذيراً مخوفاً بالله. شبه الكفار في تركهم قبول ما يسمعون وذهابهم عن تفهمه وتدبره بالموتى، كما شبههم بالصم والعمي، يقال: أصمهم وأعمى أبصارهم ليس أنهم كانوا لا يسمعون ولا يفهمون أو كان النبي صلى الله عليه وآله لا ينذرهم لكن على ما بيناه من التشبيه. وقيل في (لا) قولان: أحدهما - أنها زائدة مؤكدة للنفي. الثاني - انها باقية لاستواء كل واحد منهما لصاحبه على التفصيل. فمن قال: إنها زائدة قال في مثل قولهم لا يستوي زيد ولا عمرو في هذا المعنى، فلا تكون هنا إلا زائدة. ومن قال: ليست زائدة، قال تقديره لا يستوي الاعمى والبصير ولا يساوي البصير الاعمى.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} اى نفس قابلة لان تزر وزراً {وِزْرَ أُخْرَىٰ} فلا تغترّوا بما قيل لكم: نحن نحمل خطاياكم، وقوله تعالى وليحملنّ اثقالهم واثقالاً مع اثقالهم لا ينافى ذلك لانّ معناه ليحملنّ أثقالاً ناشئة من اضلالهم مع انّه لا يخفّف من اثقال من اضلّوهم شيءٌ لا انّهم يحملون اثقال من اضلّوهم فيصير الاتباع خالين من الاثقال {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} اى ان تدع نفس مثقلة من الاوزار {إِلَىٰ حِمْلِهَا} الحمل بالكسر ما يحمل يعنى ان تدع كلّ ما يمكن ان يدعى من الله وخلفائه ومن الشّركاء لله ومن الشّركاء فى الولاية ومن كلّ نفسٍ بشريّة ومن كلّ ما يحمل شيئاً من اصناف الحيوان {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ} المدعوّ {ذَا قُرْبَىٰ} له رحيماً عليه بفطرة قرابته {إِنَّمَا تُنذِرُ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما لهم لا يخافون من سوء العاقبة مع هذه الانذارات؟- فقال: انّما تنذر يا من ينذر، او يا محمّد (ص) {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} يعنى تنذر من كان فطرته الانسانيّة الّتى شأنها خشية الرّبّ باقية فيهم حال كونهم بالغيب من الرّبّ او حالكون الرّبّ بالغيب منهم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} الفطريّة الّتى هى الحبل من الله الّذى هو الولاية التّكوينيّة يعنى انّ الانذار من جهات الكفر لا ينفع الاّ من كان هذه حاله لا غيره {وَمَن تَزَكَّىٰ} فى مقام وآتوا الزّكٰوة لكنّه عدل الى هذا لافادة هذا المعنى مع شيءٍ زائدٍ {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} فيجازيهم على اقامة الصّلٰوة وايتاء الزّكٰوة.
اطفيش
تفسير : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} اي لا تذنب نفس مذنبة ذنب نفس اخرى اي لا تتصف بذنب غيرها ولا تحمله ولا تؤاخذ به كما تصنع الظلمة من اخذ الولي بالولي والجار بالجار. وان قلت: لم قال {لا تزر وازرة وزر أخرى} دون لا تزر نفس وزر اخرى؟. قلت: تلويحا الى معنى قولك ان النفس التي تراها حملت الذنوب لا شيء من الذنوب التي حملتها ذنبا لغيره بل كلها ذنوب لها واما قوله جل وعلا {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} تفسير : فمعناه انهم يحملون الذنوب التي باشروها بابدانهم وجوارحهم حتى السنتهم وبقلوبهم والذنوب التي تكون من سنهم سننا سيئة مضلة وليس من ذلك شيء ذنبا لغيرهم فمن امر احدا بالزنا فعليه من الذنب مثل ذنب الزاني. {وإن تدع مثقلة} بالاوزار. {إلى حملها} الى ما حملت من الاوزار ليحمل عنها مدعوها بعضها. {لا يحمل منه شيء} اى لا يحمل مدعوها منه شيئا كما يحمل عليه من وزر غيره شيء. {ولو كان} المدعو المقبول من تدع. {ذا قربى} كالام والاب والابن قال ابن عباس - رضي الله عنهما - يلقي الاب او الام الابن فيقول او تقول يا بني احمل عني بعض ذنوبي؟ فيقول لا استطيع حسبي ما عليّ. وقرىء {ذو قربى} اما على ان كان ناقصة محذوفة الخبر اي ولو كان ذو قربى المدعوا ولو كان ذو قربى الداعي واما على انها تامة اي ولو حصل ذو قربى وحضر لم يكن شيء من حملها محمولا عنها بعد دعائها الى حملها. {إنما تنذر الذين يخشون ربهم} يخافونه. {بالغيب} متعلق بيخشون والباء بمعنى في اي يخافونه في غيبهم الذي هو عدم رؤيتهم اياه او في عيبهم عن العذاب او عن الناس او بمحذوف حال من الواو او من ربهم على حذف مضاف اي عذاب ربهم وانما خص هؤلاء لانهم المنتفعون بالانذار واما غيرهم فانهم مع انذارهم اياهم ووجوب انذارهم عليه كأنه غير منذر لهم لعدم تأثره فيهم او استعمل الانذار في اثره اي انما يتأثر انذارك في الذين يخشون ربهم بالغيب او يقدر انما تنذر الانذار النافع الذين يخشون ربهم بالغيب. {وأقاموا الصلٰوة} المفروضة اداموها على الوجه الحسن ولعله عبر في الخشية بالمضارع وفي الاقامة بالماضي بما ان الخشية مستمرة في قلوبهم تكون مادة للاقامة فهم قد أقاموها وتركوها منارا لمن يأتي بعدهم وهذا صفة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الكلام متصل بقوله {إن يشأ يذهبكم} الآتي على طريق الغضب المعقب بذكر الوعيد وأهوال القيامة ولم ينفع ذلك فقال {انما تنذر} الخ. {ومن تزكى} تطهر من الشرك والمعاصي. {فإنما يتزكى لنفسه} فان ثواب تركيه له وقرى {ومن ازكى فانما يزكى لنفسه} بابدال التاء زايا وادغام الزاي في الزاي بعدها وجلب همزة الوصل لسكون اول الكلمة وجملة {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} مؤكدة للخشية والاقامة فان للخشية والاقامة والتزكي من واد واحد. {وإلى الله المصير} للجزاء.
اطفيش
تفسير : {ولا تَزرُ} لا تحمل، والوزر، حمل ما شغل، وسمى الوزير لأنه يحمل ثقل الرأى واستخراجه مع السلطان، فليس يختص بالذنب {وزارةٌ} نفس ذات ذنب {وِزْر أُخْرى} مفعول به لتزر، أى لا تحمل ذنب نفس أخرى أو حملها وهو الذنب، ويجوز حمل تزر على معنى تذنب، فيكون وزر مفعولا مطلقا، أى لا تذنب ذنبها، أو لا تتصف به فتخلو عنه الأخرى وتنجو، بل تزر وزر نفسها وهو خلالها، ووزر الإضلال هو أيضا فعله من غير أن ينقص من وزر الضال التابع له شىء، فللضال ذنبه، وللضال المضل ذنبان كقوله تعالى: "أية : وليحملنَّ أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم"تفسير : [العنكبوت: 13] فكل ما فعله الضال فمثله لمضله، وكذلك لا تزر غير الوازرة، وزر الوازرة، بل تنجو الا ان ضلت الأخرى باضلالها، فعليها مثل وزرها، لأنها أضلتها، وخصت الآية بذكر الوازرة لأنها نزلت فى شأن المذنب الحامل لغيره على الذنب، كما روى أن الوليد لعنه الله قال لقوم من المؤمنين: اكفروا بمحمد وعلىَّ وزركم. {وإنْ تَدْع مُثْقلةٌ} نفس أثقلها حملها نفسا أخرى وازرة أو غير وازرة {إلى حِمْلهِا} بأن تحمله عنها كله أو بعضه {لا يُحْمل منْه شيءٌ} لا تحمل منه شيئا، ومن باب أولى لا تحمل منه شيئا إن لم تدع الى الحمل، وأما حمل الكل ففى قوله: {لا تزر وازرة وزر أخرى} واندفع التكرار بذلك، ولا حاجة الى دفعه بأن الأول فى نفى الاجبار على الحمل، والثانى فى نفى الحمل اختيارا إذ لا دليل على الاجبار إلا ما يتوهم من أن المراد لا يحكم الله بحمل الوازرة وزر الأخرى، وأيضا الأول نزل فى اختيار الوليد لمن يدعوه الى الضلال، وأيضا مضمون الأول الدلالة على عد الله، والثانية أنه لا يستغاث من هول ذلك اليوم، وإذا قيل ضرب ضارب زيدا، فليس هناك إلا ضرب واحد، والمعنى ذات حدث منها ضرب. {ولَوْ كان} أى النفس، وجاز تذكيره لأن المراد الانسان مثلها، أو الشخص أو المكلف، أو ولو كان الداعى المعلوم من تدع {ذا قُرْبى} أى قرابة من المدعو، وهذا أولى من أن يقال: ولو كان المدعو ذا قرابة من الداعى، لأن المذكور هو المثقلة، فرد الضمير اليها بالمعنى أولى وهى الداعى، ولا ذكر للمدعوة هنا، {إنَّما تُنذر الَّذين يخْشَون ربَّهم} أى يؤثر انذارك فيهم لا فى سائر من تنذر، فاستعمل السبب فى المسبب، وما خرج الا من هو شقى، فكل من أنذر واتبعه فهو خاش لربه، الا إن ختم له بالشقوة أو أفسد خشيته بترك اقامة الصلاة أو بغير ذلك {بالغَيْب} حال من الواو، أى ثابتين فى الغيب عن عذاب الله أو عن الناس، أو من رب، أى غائبا عنهم لا يرونه، أو غائبا عذابه اذا لم يحضر. {وأقامُوا الصَّلاة} راعوها بشروطها وشطورها، أو رفعوها بذلك كنار على علم ولو فى الغيب عن الناس {ومَن تَزكَّى} تطهر من الأوزار باجتنابها، والخشبة واقامة الصلاة والتوبة من صغائرها وكبائرها {فإنَّما يتزكَّى لنَفْسه} لعود نفع تزكية اليه، ومن تدنَّس فعليه {وإلى الله} لا الى غيره ولا اليه والى غيره {المَصيرُ} الصيرورة، فيجدد عنده لنفسه أو على نفسه ما قدم من خير أو شر يجازى به.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } أي لا تحمل نفس آثمة {وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي اثم نفس أخرى بل تحمل كل نفس وزرها. ولا منافاة بين هذا وقوله تعالى في سورة العنكبوت [13]{أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ }تفسير : فإنه في الضالين المضلين وهم يحملون إثم إضلالهم مع إثم ضلالهم وكل ذلك آثامهم ليس فيها شيء من آثام غيرهم، ولا ينافيه قوله سبحانه {مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } لأن المراد بأثقالهم ما كان بمباشرتهم وبما معها ما كان بسوقهم وتسببهم فهو للمضلين من وجه وللآخرين من آخر. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي نفس أثقلتها الأوزار {إِلَىٰ حِمْلِهَا } الذي أثقلها ووزرها الذي بهضها ليحمل شيء منه ويخفف عنها، وقيل: أي إلى حمل حملها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء } لم تجب بحمل شيء منه. والظاهر أن {وَلاَ تَزِرُ } الخ نفي للحمل الاختياري تكرماً من نفس الحامل رداً لقول المضلين {أية : وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } تفسير : [العنكبوت: 12] ويؤيده سبب النزول فقد روي أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعليَّ وزركم فنزلت. وهذا نفي للحمل بعد الطلب من الوازرة أعم من أن يكون اختياراً أو جبراً وإذا لم يجبر أحد على الحمل بعد الطلب والاستعانة علم عدم الجبر بدونه بالطريق الأولى فيعم النفي أقسام الحمل كلها، وكذا الحامل أعم من أن يكون وازراً أم لا، وجاء العموم من عدم ذكر المدعو ظاهراً، وقد يقال مع ذلك: إن في الأولى نفي حمل جميع الوزر بحيث يتعرى منه المحمول عنه، وفي الثاني نفي التخفيف فلا اتحاد بين مضموني الجملتين كما لا يخفى، وقيل في الفرق بينهما: إن الأول نفي الحمل إجباراً والثاني نفي له اختياراً، وتعقب بأن المناسب على هذا ولا يوزر على وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها أحداً لا يحمل منه شيئاً، وأيضاً حق نفي الاجبار أن يتعرض له بعد نفي الاختيار، وقيل: أن الجملة الأولى كما دلت على أن المثقل بالذنوب لا يحمل أحد من ذنوبه شيئاً دلت على عدله تعالى الكامل، والجملة الثانية دلت على أنه لا مستغاث من هول ذلك اليوم أيضاً وهما المقصودان من الآيتين / فالفرق باعتبار ذلك، ولعل ما ذكرناه أولا أولى. وذكر بعض الأفاضل في الجملة الأولى ثلاثة أسئلة قال في الأخيرين منها: لم أر من تفطن لهما وقد أجاب عن كل، الأول أن عدم حمل الغير على الغير عام في النفس الآثمة وغير الآثمة فلم خص بالآثمة مع أن التصريح بالعموم أتم في العدل وأبلغ في البشارة وأخصر في اللفظ وذلك بأن يقال: ولا تحمل نفس حمل أخرى، وجوابه أن الكلام في أرباب الأوزار المعذبين لبيان أن عذابهم إنما هو بما اقترفوه من الأوزار لا بما اقترفه غيرهم، الثاني أن معنى وزر حمل الوزر لا مطلق الحلم على ما في «النهاية الأثيرية» حيث قال: «يقال وزر يزر فهو وازر إذا حمل ما يثقل ظهره من الأشياء المثقلة ومن الذنوب» فكيف صح ذكر وزر مع يزر؟ وجوابه أنه من باب التجريد، الثالث أن {وٰزِرَةٌ } يفهم من تزر كما يفهم ضارب من يضرب مثلا فأي فائدة في ذكره؟ وجوابه أنه إذا قيل ضرب ضارب زيداً فالذي يستفاد من ضرب إنما هو ذات قام بها ضرب حدث من تعلق هذا الفعل بتلك الذات ولما عبر عن شيء بما فيه معنى الوصفية وعلق به معنى مصدري في صيغة فعل أو غيرها فهم منه في عرف اللغة أن ذلك الشيء موصوف بتلك الصفة حال تعلق ذلك المعنى به لا بسببه كما حققه بعض أجلة شراح «الكشاف» فيجب أن يكون معنى ضارب في المثال متصفاً بضرب سابق على تعلق ضرب به وكذا يقال في {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } وهذه فائدة جليلة ويزيدها جلالة استفادة العموم إذا أورد اسم الفاعل نكرة في حيز نفي، وبذلك يسقط قول العلامة التفتازاني إن ذكر فاعل الفعل بلفظ اسم فاعله نكرة قليل الجدوى جداً انتهى. وأنت تعلم أنه من مجموع الجملتين يستفاد ما ذكره في السؤال الأول من العموم، وفي خصوص هاتين الجملتين وذكرهما معاً ما لا يخفى من الفائدة، وفي «القاموس» وزره كوعده وزرا بالكسر حمله، وفي «الكشاف» وزر الشيء إذا حمله، ونحوه في «البحر»، وعلى ذلك لا حاجة إلى التجريد فلا تغفل. وأصل الحمل ما كان على الظهر من ثقيل فاستعير للمعاني من الذنوب والآثام، وقرأ أبو السمال عن طلحة وإبراهيم عن الكسائي {لاَّ تَحْمِلُ } بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الميم وتقتضي هذه القراءة نصب شيء على أنه مفعول به لتحمل وفاعله ضمير عائد على مفعول {تدع} المحذوف أي وإن تدع مثقلة نفساً إلى حملها لم تحمل منه شيئاً. {وَلَوْ كَانَ } أي المدعو المفهوم من الدعوة {ذَا قُرْبَىٰ } ذا قرابة من الداعي، وقال ابن عطية: اسم كان ضمير الداعي أي ولو كان الداعي ذا قرابة من المدعو، والأول أحسن لأن الداعي هو المثقلة بعينه فيكون الظاهر عود الضمير عليه وتأنيثه. وقول أبـي حيان ذكر الضمير حملاً على المعنى لأن قوله تعالى: {مُثْقَلَةٌ } لا يراد بها مؤنث المعنى فقط بل كل شخص فكأنه قيل وإن يدع شخص مثقل لا يخفى ما فيه. وقرىء {ولو كان ذو قربى} بالرفع، وخرج على أن {كَانَ } ناقصة أيضاً و {ذو قربى} اسمها والخبر محذوف أي ولو كان ذو قربـى مدعواً، وجوز أن تكون تامة. وتعقب بأنه لا يلتئم معها النظم الجليل لأن الجملة الشرطية كالتتميم والمبالغة في أن لا غياث أصلاً فيقتضي أن يكون المعنى أن المثقلة إن دعت أحداً إلى حملها لا يجيبها إلى ما دعته إليه ولو كان ذو القربـى مدعواً، ولو قلنا إن المثقلة إن دعت أحداً إلى حلمها لا يحمل مدعوها شيئاً ولو حضر ذو قربـى لم يحسن ذلك الحسن، وملاحظة كون ذي القربـى مدعواً بقرينة السياق أو تقدير فدعته كما فعل أبو حيان خلاف الظاهر فيخفى عليه أمر الانتظام. {إِنَّمَا تُنذِرُ } الخ استئناف مسوق لبيان من يتعظ بما ذكر أي إنما تنذر بهذه الإنذارات ونحوها {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } أي يخشونه / تعالى غائبين عن عذابه سبحانه أو عن الناس في خلواتهم أو يخشون عذاب ربهم غائباً عنهم فالجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل أو من المفعول {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي راعوها كما ينبغي وجعلوها مناراً منصوباً وعلماف مرفوعاً أي إنما ينفع إنذارك وتحذيرك هؤلاء من قومك دون من عداهم من أهل التمرد والعناد، ونكتة اختلاف الفعلين تعلم مما مر في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً } تفسير : [فاطر: 9] فتذكر ما في العهد من قدم. {وَمَن تَزَكَّىٰ } تطهر من أدناس الأوزار والمعاصي بالتأثر من هذا الإنذارات {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } لاقتصار نفعه عليها كما أن من تدنس بها لا يتدنس إلا عليها، والتزكي شامل للخشية وإقامة الصلاة فهذا تقرير وحث عليهما. وقرأ العباس عن أبـي عمرو {ومن يزكى فإنما يزكى} بالياء من تحت وشد الزاي فيهما وهما مضارعان أصلهما ومن يتزكى فإنما يتزكى فأدغمت التاء في الزاي كما أدغمت في {أية : يَذَّكَّرُونَ} تفسير : [الأنعام: 126]، وقرأ ابن مسعود وطلحة {ومن ازكى} بادغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وطلحة أيضاً {فَإِنَّمَا تَزَكَّىٰ } بادغام التاء في الزاي. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } لا إلى أحد غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازيهم على تزكيهم أحسن الجزاء.
ابن عاشور
تفسير : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. لما كان ما قبل هذه الآية مسوقاً في غرض التهديد وكان الخطاب للناس أريدت طمْأنة المسلمين من عواقب التهديد، فعقب بأن من لم يأت وزراً لا يناله جزاء الوَازر في الآخرة قال تعالى: { أية : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً } تفسير : [مريم: 72]. وقد يكون وعداً بالإِنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل بالمهدَّدين الإِذهابُ والإِهلاكُ مثلما أهلك فريقَ الكفار يوم بدر وأنجى فريق المؤمنين، فيكون هذا وعداً خاصاً لا يعارضه قوله تعالى: { أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } تفسير : [الأنفال: 25] وما ورد في حديثحديث : أمّ سلمة قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخُبْث» تفسير : . فموقع قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كموقع قوله تعالى: { أية : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } تفسير : [يوسف: 110]. ولهذا فالظاهر أن هذا تأمين للمسلمين من الاستئصال كقوله تعالى: { أية : وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون } تفسير : [الأنفال: 33] بقرينة قوله عقبه {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأوْلى ويجوز أن يكون المراد: ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة، أي إن يشأ يذهبكم جميعاً ولا يعذب المؤمنين في الآخرة، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ثم يحشرون على نياتهم » تفسير : . والوجه الأول أعم وأحسن. وأيَّامًّا كان فإن قضية {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كلية عامة فكيف وقد قال الله تعالى: { أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } تفسير : في سورة العنكبوت (13)، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفَت أن يحمل أحد وزر آخر لا مشاركةَ له للحامل على اقتراف الوزر، وأما آية سورة العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موّهوا الضلالة وثبتوا عليها، فإن أول تلك الآية { أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } تفسير : [العنكبوت: 12]، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه الإِقبال على الإِيمان بالأحرى. وأصل الوِزر بكسر الواو: هو الوِقْر بوزنه ومعناه. وهو الحِمل بكسر الحاء، أي ما يحمل، ويقال: وَزَر إذا حمل. فالمعنى: ولا تحمل حاملة حِمل أخرى، أي لا يحمل الله نفساً حملاً جعله لنفس أخرى عدلاً منه تعالى لأن الله يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته. وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس. ووجه اختيار الإِسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإِضمار على التذكير بتأويل الشخص، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى: { أية : ولا تكسب كل نفس إلا عليها } تفسير : في سورة الأنعام (164)، وقوله: { أية : كل نفس بما كسبت رهينة } تفسير : في سورة المدثر (38)، وغير ذلك من الآيات. ثم نبّه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة بالأوزار مَن ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئاً، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه، فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يُضر بالمنجد. ومن أمثالهم "لو دُعي الكريم إلى حتفه لأجاب"، وقال ودّاك بن ثُمَيْل المازني: شعر : إذا استُنْجدوا لم يَسألوا من دَعاهُم لأَيَّة حرب أم بأي مكان تفسير : ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة. وحذف مفعول {تدع} لقصْد العموم. والتقدير: وإن تدع مثقلة أيَّ مدعوّ. وقوله: {إلى حملها} متعلق بــــ{تدع}، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته. فالتقدير: وإن تدع مثقلة أحداً إليها لأجل أن يَحمل عنها حملها، فحذف أحدُ متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف. وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة، أي لو استصرخت نفس مَن يحمل عنها شيئاً من أوزارها، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم، لا تجد من يجيبها لذلك. وقوله: {ولو كان ذا قربى} في موضع الحال من {مثقلة}. و{لو} وصلية كالتي في قوله تعالى: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } تفسير : في سورة آل عمران (91). والضمير المستتر في {كان} عائد إلى مفعول {تدع} المحذوف، إذ تقديره: وإن تدع مثقلة أحداً إلى حِملها كما ذكرنا. فيصير التقدير: ولو كان المدعوّ ذَا قربى، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في سياق الإِثبات عموماً بَدَليًّا. ووجه ما اقتضته المبالغة من {لو} الوصلية أن ذا القربى أرق وَأشفق على قريبه، فقد يُظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام. والإِطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى: { أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه } تفسير : [عبس: 34، 35]. وهذا إبطال لاعتقاد الغَناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيعلّلون أنفسهم إذا هُدّدوا بالبعث بأنه إن صح فإن لهم يومئذٍ شفعاء وأنصاراً، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم هو بعمومه ينسحب حكمهُ على جميع أهل المحشر، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه. وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث، كما تقدم في سورة سبأ، فإنها إنما تكون بإذن الله تعالى إظهاراً لكرامة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولا ينافي ما جعله الله للمؤمنين من مكفّرات للذنوب كما ورد أن أفراط المؤمنين يشفعون لأمهاتهم، فتلك شفاعة جعلية جعلها الله كرامة للأمهات المصابة من المؤمنات. {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}. استئناف بياني لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطر في نفسه التعجب من عدم تأثر أكثر المشركين بإنذاره فأجيب بإن إنذاره ينتفع به المؤمنون ومن تهيّأوا للإِيمان. وإيراد هذه الآية عقب التي قبلها يؤكد أن المقصد الأول من التي قبلها موعظة المشركين وتخويفهم، وإبلاغ الحقيقة إليهم لاقتلاع مزاعمهم وأوهامهم في أمر البعث والحساب والجزاء. فأقبل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب ليشعر بأن تلك المواعظ لم تُجْدِ فيهم وأنها إنما ينتفع بها المسلمون، وهو أيضاً يؤكد ما في الآية الأولى من التعريض بتأمين المسلمين بما اقتضاه عموم الإِنذار والوعيد. وأطلق الإِنذار هنا على حصول أثره، وهو الانكفاف أو التصديق به، وليس المراد حقيقة الإِنذار، وهو الإِخبار عن توقع مكروه لأن القرينة صادقة عن المعنى الحقيقي وهي قرينةُ تكرر الإِنذار للمشركين الفيْنَة بعد الفيْنة وما هو ببعيد عن هذه الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنذر المشركين طول مدة دعوته، فتعين أن تعلق الفعل المقصور عليه بــــ{الذين يخشون ربهم بالغيب} تعلّقٌ على معنى حصول أثر الفعل. فالمقصود من القصر أنه قصر قلب لأن المقصود التنبيه على أن لا يظُنّ النبي صلى الله عليه وسلم انتفاع الذين لا يؤمنون بنذارته، وإن كانت صيغة القصر صالحة لِمعنى القصر الحقيقي لكن اعتبار المقام يعين اعتبار القصر الإِضافي. ونظير هذه الآية قوله في سورة يس (11) { أية : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب } تفسير : وقوله: { أية : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } تفسير : في سورة ق (45)، مع أن التذكير بالقرآن يعم الناس كلهم. والغيب: ما غاب عنك، أي الذين يخشون ربهم في خلواتهم وعند غيبتهم عن العيان، أي الذين آمنوا حقاً غير مرائين أحداً. و{أقاموا الصلاة} أي لم يفرطوا في صلاة كما يؤذن به فعل الإِقامة كما تقدم في أول سورة البقرة. ولما كانت هاتان الصفتان من خصائص المسلمين صار المعنى: إنما تنذر المؤمنين، فعُدل عن استحضارهم بأشهر ألقابهم مع ما فيه من الإِيجاز إلى استحضارهم بصلتين مع ما فيهما من الإِطناب، تذرعاً بذكر هاتين الصّلتين إلى الثناء عليهم بإخلاص الإِيمان في الاعتقاد والعمل. وجملة {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} تذييل جار مجرى المثل. وذكر التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيَّل داخل في التذييل بادىء ذي بدء مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يُخص العام به، فالمعنى: أن الذين خَشُوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممّن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم، فالمعنى: إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه. والمقصود من القصر في قوله: {فإنما يتزكى لنفسه} أن قبولهم النذارة كان لفائدة أنفسهم، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبأوا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم بها فكان تركهم ضراً على أنفسهم. وجملة {وإلى الله المصير} تكميل للتذييل، والتعريف في {المصير} للجنس، أي المصير كله إلى الله سواء فيه مصير المتزكّي ومصير غير المتزكي، أي وكل يُجازَى بما يناسبه. وتقديم المجرور في قوله: {وإلى الله المصير} للاهتمام للتنبيه على أنه مصير إلى من اقتضى اسمه الجليل الصفات المناسبة لإِقامة العدل وإفاضة الفضل مع الرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الجواب عن بعض الأسئلة الواردة على الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25] ووجه الجمع بين أمثال هذه الآية وبين قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] ونحوها من الآيات. قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنّ إنذاره صلى الله عليه وسلم محصور في الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة، وهذا الحصر الإضافي، لأنهم هم المنتفعون بالإنذار، وغير المنتفع بالإنذار، كأنه هو والذي لم ينذر سواء بجامع عدم النفع في كلّ منهما. وهذا المعنى جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: {أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يس: 10ـ11] الآية. وقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} تفسير : [النازعات: 45] ويشبه معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45] وقد قدمنا معنى الإنذار وأنواعه موضحاً في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 2].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 18- ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس أخرى، وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب شخصاً ليحمل عنها لا يحمل هذا الشخص من ذنوبها شيئاً، ولو كان ذا قرابة بها، لاشتغال كل بنفسه، ولا يحزنك - أيها النبى - عناد قومك، إنما ينفع تحذيرك الذين يخافون ربهم فى خلواتهم، وأقاموا الصلاة على وجهها، ومن تطهر من دنس الذنوب فإنما يتطهر لنفسه، وإلى الله المرجع فى النهاية، فيعامل كلا بما يستحق. 19، 20، 21- وما يستوى الذى لا يهتدى إلى الحق لجهله، والذى يسلك طريق الهداية لعلمه، ولا الباطل ولا الحق، ولا الظل ولا الريح الحارة. 22- ولا يستوى الأحياء بقبول الإيمان، ولا الأموات الذين عطلت حواسهم وأغلقت قلوبهم عن سماع الحق، إن الله يهدى من يشاء إلى سماع الحجة سماع قبول، وما أنت - أيها النبى - بمسمع أموات القلوب بالعناد والكفر، كما أنك لا تسمع الموتى فى القبور. 23- ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر. 24- إنا أرسلناك - أيها النبى - للناس جميعاً بالدين الحق، مبشراً من آمن به بالجنة، ومُنْذرا من كفر به بعذاب النار، وما من أمة من الأمم الماضية إلا جاءها من قبل الله من يحذرها عقابه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} (18) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ تَحْمِلُ نَفْسٌ مُذْنِبَةٌ ذَنْبَ نَفْسٍ أُخْرَى، بَلْ تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ وِزْرَهَا فَحَسْبُ، وَإِنْ تَسْأَلْ نَفْسٌ تُثْقِلُهَا الذُّنُوبُ نَفْساً أُخْرى، لِتَحْمِلَ عَنْهَا شَيْئاً مِنْ ذُنُوبِها لَمْ تَجِدْ مَنْ يُجِيبُها إِلى مَا تَطْلُبُ، وَلَوْ كَانَ المَدْعُوُّ إلى الحَمْلِ قَريباً مِنَ النَّفْسِ السَّائِلَةِ: كَأَبٍ أَوْ أَخٍ، لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَشْغُولٌ فِي ذَلِكَ اليَومِ بِمَا فِيهِ {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}،تفسير : وَلا يَحْزُنْكَ أَيُّها النَّبِيُّ عِنَادُ قَوْمِكَ، فَإِنَّما يَنْفَعُ النُّصْحُ مَعَ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ، وَيَخَافُونَ شَدِيدَ عِقَابِهِ يَومَ القِيَامَةِ، إيمَاناً وَتَصدِيقاً بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعَايِنُوه بِأَنْفُسِهِم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيبِ)، وَهُمْ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ بِخُشُوعٍ تَامٍّ، وَيُتِمُّونَها بِرُكُوعِها وَسُجُودِها (أَقَامُوا الصَّلاة). وَمَنْ تَطَهَّرَ مِنْ أَرْجَاسِ الشِّرْكِ، وَجَانَبَ المَعَاصِي فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُ ذَلِكَ عَلَيهِ. وَيَصِيرُ الخَلْقُ جَميعاً إِلى اللهِ تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيجْزِيَ كُلَّ وَاحِدٍ بعَمَلِهِ فِي الدُّنيا. لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ - لاَ تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ. مُثْقَلَةٌ - نَفْسٌ أَثْقَلَتْها الذُّنُوبُ. تَزَكَّى - تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} [فاطر: 18] لا تحمل نفس آثمة {وِزْرَ أُخْرَىٰ} [فاطر: 18] حِمْل نفس أخرى؛ لأنها هي الأخرى مُثْقَلة بحِمْلها، والوزر هو الحِمْل الثقيل الذي لا يطيقه الظهر، ومنه قوله تعالى في مسألة الوحي: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الشرح: 2-3] يعني: أتعبك نتيجة التقاء الملائكية بالبشرية. لذلك حديث : كان صلى الله عليه وسلم يتفصَّد جبينه عرقاً من لقاء جبريل، وهو الذي قال مُصوِّراً هذا اللقاء: "ضمَّني حتى بلغ مني الجهد" وعاد إلى أهله يقول: زملوني زملوني، دثروني دثرونيتفسير : . ومع هذا كله لما فتر الوحي اشتاق إليه وتمناه أنْ يجيء، لأنه ذاق حلاوته، وحلاوة الشيء تُنسيك ما تلاقيه من المتاعب في سبيله. والمعنى: لا تحمل وزر وذنب نفس أخرى مُثْقَلة بالذنوب والآثام، وقد شرح الحق لنا هذا المعنى فى قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37] فكلٌّ مشغول بنفسه، مُرْتهَنٌ بعمله، لا وقت للمجاملة؛ لذلك يقول الوالد لولده: يا بني حِمْلي ثقيل عليَّ، فخُذْ عني شيئاً منه. فيقول الولد: حسبي حِمْلي يا أبي. كذلك هنا {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا} [فاطر: 18] أي: نفسي مُثْقَلة بالآثام تطلب مَنْ يحمل عنها شيئاً من ذنوبها ولكن هيهات {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} [فاطر: 18] أي: لو كان هذا النداء لأقرب الناس إليها ما أجاب وما حمل عنها، وكيف تحمل نفسٌ وِزْر نفس أخرى، وهي مشغولة بحِمْلها مثقلة به؟ لذلك يُكذِّب الحق سبحانه قَوْل الذين كفروا حين يتعرَّضون لحمل خطايا أتباعهم، فيقول سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [العنكبوت: 12-13]. إذن: هذه مسألة واضحة، فكلٌّ مشغول بنفسه {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} تفسير : [المدثر: 38]. فالإنسان في الدنيا مرتبط إما بقرابة لها حقوق عليه، وإما بإخوان وأصدقاء، وإما بمنقذ يستنجد به، وإنْ لم يكن قريباً ولا صديقاً، لكن يوم القيامة ستنحلُّ كل هذه العُرَى؛ لأن الموقف لا يحتمل المجاملات ولا التضحيات. لذلك لما سمعتْ السيدة عائشة رضي الله عنها سيدنا رسول الله وهو يُحدِّثهم عن القيامة، ويذكر أن الشمس تدنو من الرؤوس والخَلْق يقفون عرايا، استاءتْ وسألت رسول الله: كيف يقف الناس عرايا ينظر بعضهم إلى عورة بعض؟ فأجابها رسول الله أن كل امرئ مشغول بنفسه، وأن الأمر أعظم من أنْ ينظر أحد لعورة أحد في هذا الموقف. ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} [فاطر: 18] يعني: إنذارك يا محمد وتحذيرك لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم بالغيب، أما الآخرون فقد ظلموا أنفسهم حين حرموها الخير الكثير الذي أراده الله لهم، ظلموها حين غرَّتهم الدنيا بنعيمها الفاني، وشغلتهم عن نعيم الآخرة الباقي الدائم. والإنذار: التخويف من شَرٍّ قبل أوانه لتتوقَّاه، والفرصة سانحة قبل أنْ يداهمك، فأنت مثلاً حين تريد أن تحثَّ ولدك على المذاكرة وتحذره من الإهمال الذي يؤدي إلى الفشل لا تقول له هذا ليلة الامتحان، إنما قبله بوقت كافٍ ليتدارك أمره، ويصحح ما عنده من قصور أو إهمال. والإنذار والتخويف لا يُجدي إلا مع مَنْ يؤمن بما تخوِّفه به، فحين ينذر رسول الله بعذاب الآخرة لا ينتفع بهذا الإنذار إلا مَنْ يؤمن بالله ويؤمن بالقيامة. ومعنى {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [فاطر: 18] الخشية هي الخوف، لكن بحب وتوقير، لا خوف بكراهية، فأنت تخاف مثلاً من بطش جبار ظالم. لكن تخافه وأنت كاره له، إنما خَوْفك من الله خَوْف ناتج عن حب وتوقير، لذلك يصحب هذا الخوف رجاء وطمع في رحمته تعالى، فأنت تسير في رحلة حياتك بجناحين: خوف من العذاب، ورجاء في الرحمة. والإنسان ينبغي ألاَّ ينظر إلى الفعل في ذاته، بل ينظر إلى الفعل وإلى قابل، فقد يكون الفعل واحداً لكن يختلف مستقبل الفعل، فالقرآن مثلاً سمعه قوم عند رسول الله، فحكى الله عنهم: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16]. في حين سمعه آخر فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه. وسمعه عمر فَلاَنَ قلبه ورَقَّ فأسلم، فالقرآن واحد، لكن فَرْق بين مَنْ يسمعه وهو له كاره، فيغلق عليه وبين مَنْ يستقبله بقلب وَاعٍ مفتوح لإشراقات القرآن وتجلياته. ألاَ ترى أن الحديد يستجيب لك حين تطرقه وهو ساخن، فيصير كالعجينة في يدك، أما إنْ طرقْته وهو بارد فإنه لا يتفاعل معك، كذلك قلنا مثلاً: إنك في اليوم البارد تنفخ في يدك لتشعر بالدفء، وتنفخ أيضاً في كوب الشاي مثلاً لتبرده، فكيف تجتمع هذه المتضادات لفعل واحد؟ نقول: لأن الفاعل وإنْ كان واحداً إلا أن المستقبل للفعل مختلف. كذلك إنذاره صلى الله عليه وسلم إنذار واحد، لكن استقبله قوم بخضوع ورغبة في الهداية فآمنوا، واستقبله قوم بعناد وإصرار فلم يستفيدوا منه ولم ينتفعوا بثمرته. وقوله {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} [فاطر: 18] دلتْ على أن الإيمان اكتمل في نفوس هؤلاء اكتمالاً يستوي فيه مشهد الحكم بغيبه. ومن ذلك قول الإمام على رضي الله عنه: لو انكشف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. حديث : ولما سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر: "كيف أصبحتَ يا أبا ذر؟" قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: "فإن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزفَتْ نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها، وكأنِّي أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، فقال له رسول الله: "عرفتَ فالزم" ". تفسير : ثم يذكر الحق سبحانه صفة أخرى للذين استجابوا لإنذار رسول الله وانتفعوا به: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [فاطر: 18] فهم مع خشيتهم لله خشية أوصلتهم إلى إيمان يستوي فيه الغيب بالمشاهدة، هم أيضاً يقيمون الصلاة أي: يؤدونها على أكمل وجه، والصلاة كما ذكرنا هي العبادة الوحيدة التي لا تسقط عن المكلَّف بِحال، فقد يطرأ عليك ما يُسقِط الزكاة أو ما يُسقط الصيام أو الحج فلم تَبْقَ إلا شهادة ألاَّ إله إلا الله محمد رسول الله. وهذه يكفي أنْ تقولها ولو مرة واحدة. أما الصلاة فهي العبادة الوحيدة الملازمة للمسلم؛ لأن الصلاة في حقيقتها استدامة الولاء لله تعالى، فَرَبُّك يدعوك إلى لقائه خمس مرات في اليوم والليلة يناديك لتعرض الصنعة على صانعها، وما بالك بصنعة تُعرض على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة؟ أيكون بها عَطَب بعد ذلك؟ أما إذا أردتَ مقابلة عظيم من عظماء الدنيا فَدُونه أبواب وحُرَّاس ومواعيد وإجراءات صارمة، ولا تملك أنت من عناصر هذا اللقاء شيئاً، بل يحدد لك الموعد والموضوع وحتى ما تقوله، إنك تستأذن في أوله ولا تملك الانصراف في آخره. أما لقاؤك بربك فخلاف ذلك، ففي يدك أنت كل عناصر اللقاء، فأنت تبدؤه متى تحب، وتنهيه كما تحب، وتناجي ربك فيه بما تريد، تبثُّه شكواك، وتعرض عليه حاجتك، فيسمع ويجيب. وبعد أنْ ذكر الحق سبحانه هذه العبارة الدائمة يقرر هذه الحقيقة {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} [فاطر: 18] يعني: عبادتك عائدة إليك أنت لا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. فهو سبحانه غني عَنَّا، ونحن بعبادتنا لله لم نزده سبحانه صفة كمال لم تكن له؛ لأنه بصفة الكمال أوجدنا وبصفة الكمال كلَّفنا. لذلك جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسَكم وجِنَّكم، وشاهدكم وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً، ذلك أنِّي جَوَاد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقول له كن فيكون ". تفسير : إذن: نحن صَنْعة الله، وما رأينا صانعاً يعمد إلى صَنْعته فيحطمها أو يعيبها، إنما يصلحها ويُهذِّبها ويعتني بها، حتى إنْ أصابك عطب أو إيلام فاعلم أنه في النهاية لصالحك. {وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} [فاطر: 18] يعني: المرجع والمنقلب يوم القيامة ليفصل بين الخصوم، ولينال كل ما يستحق، فمَنْ أفلت من العقاب في الدنيا فهناك مصير سيرجع إليه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} [أَي مثقلة ذنوباً] {إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} [الآية: 18]. قال: هو كقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأَنعام: 164]. أَنا عبد الرحمن، [نا إِبراهيم]، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الظالم لنفسه": أَصحاب المشأَمة، "والمقتصد": أَصحاب الميمنة، والسابق بالخيرات: السباقون من الأُمم كلها [الآية: 32]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا محمد بن اسماعيل بن أَبي فديك، عن إِبراهيم بن الفضل عن ابن أَبي حسين المكي، حديث : عن عطاءٍ عن ابن عباس: قال رسول الله، صلى الله عليه [وسلم]: إِذا كان يوم القيامة قيل: [أَين أَبناءُ الستين] تفسير : وهو العمر الذي قال الله، عز وجل: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} [الآية: 37]. قال ابن أَبي فديك، وحدثه الحسن بن عبد الله بن عطية عن من حدثه، عن ابن عباس قال: يعني به الشيب [الآية: 37].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):