٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَاء وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ }. لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر، وهدى الله المؤمن ضرب لهم مثلاً بالبصير والأعمى، فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر أعمى، وفي تفسير الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في تكثير الأمثلة ههنا حيث ذكر الأعمى والبصير، والظلمة والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات؟ فنقول الأول مثل المؤمن والكافر فالمؤمن بصير والكافر أعمى، ثم إن البصير وإن كان حديد البصر ولكن لا يبصر شيئاً إن لم يكن في ضوء فذكر للإيمان والكفر مثلاً، وقال الإيمان نور والمؤمن بصير والبصير لا يخفى عليه النور، والكفر ظلمة والكافر أعمى فله صاد فوق صاد، ثم ذكر لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور، فالمؤمن بإيمانه في ظل وراحة والكافر بكفره في حر وتعب، ثم قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَاءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ } مثلاً آخر في حق المؤمن والكافر كأنه قال تعالى حال المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير، فإن الأعمى يشارك البصير في إدراك ما. والكافر غير مدرك إدراكاً نافعاً فهو كالميت ويدل على ما ذكرنا أنه تعالى أعاد الفعل حيث قال أولاً: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } وعطف الظلمات والنور والظل والحرور، ثم أعاد الفعل، وقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَاءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ } كأنه جعل هذا مقابلاً لذلك. المسألة الثانية: كرر كلمة النفي بين الظلمات والنور والظل والحرور والأحياء الأموات، ولم يكرر بين الأعمى والبصير، وذلك لأن التكرير للتأكيد والمنافاة بين الظلمة والنور والظل والحرور مضادة، فالظلمة تنافي النور وتضاده والعمى والبصر كذلك، أما الأعمى والبصير ليس كذلك بل الشخص الواحد قد يكون بصيراً وهو بعينه يصير أعمى، فالأعمى والبصير لا منافاة بينهما إلا من حيث الوصف، والظل والحرور والمنافاة بينهما ذاتية لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد فلما كانت المنافاة هناك أتم، أكد بالتكرار، وأما الأحياء والأموات، وإن كانوا كالأعمى والبصير من حيث إن الجسم الواحد يكون حياً محلاً للحياة فيصير ميتاً محلاً للموت ولكن المنافاة بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير، كما بينا أن الأعمى والبصير يشتركان في إدراك أشياء، ولا كذلك الحي والميت، كيف والميت يخالف الحي في الحقيقة لا في الوصف على ما تبين في الحكمة الإلهية. المسألة الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحرور، وأخره في مثلين وهو البصر والنور، وفي مثل هذا يقول المفسرون إنه لتواخي أواخر الآي، وهو ضعيف لأن تواخي الأواخر راجع إلى السجع، ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ، فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملاً له على تغيير المعنى، وأما القرآن فحكمة بالغة والمعنى فيه صحيح واللفظ فصيح فلا يقدم ولا يؤخر اللفظ بلا معنى، فنقول الكفار قبل النبـي صلى الله عليه وسلم كانوا في ضلالة فكانوا كالعمى وطريقهم كالظلمة ثم لما جاء النبـي صلى الله عليه وسلم وبين الحق، واهتدى به منهم قوم فصاروا بصيرين وطريقتهم كالنور فقال وما يستوي من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان، فلما كان الكفر قبل الإيمان في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، والكافر قبل المؤمن قدم المقدم، ثم لما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لقوله في الإلهيات سبقت رحمتي غضبـي، ثم إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق من جميع الوجوه فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَاءُ } أي المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل الله والأموات الذين تليت عليهم الآيات البينات، ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافرين المعاندين، وقدم الأعمى على البصير لوجود الكفار الضالين قبل البعثة على المؤمنين المهتدين بعدها. المسألة الرابعة: فإن قلت قابل الأعمى بالبصير بلفظ المفرد وكذلك الظل بالحرور وقابل الأحياء بالأموات بلفظ الجمع، وقابل الظلمات بالنور بلفظ الجمع في أحدهما والواحد في الآخر، فهل تعرف فيه حكمة؟ قلت: نعم بفضل الله وهدايته، أما في الأعمى والبصير والظل والحرور، فلأنه قابل الجنس بالجنس، ولم يذكر الأفراد لأن في العميان وأولى الأبصار قد يوجد فرد من أحد الجنسين يساوي فرداً من الجنس الآخر كالبصير الغريب في موضع والأعمى الذي هو تربية ذلك المكان، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد ولا يقدر البصير عليه، أو يكون الأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البليد البصير، فالتفاوت بينهما في الجنسين مقطوع به فإن جنس البصير خير من جنس الأعمى، وأما الأحياء والأموات فالتفاوت بينهما أكثر، إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حياً من الأحياء، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد، وأما الظلمات والنور فالحق واحد وهو التوحيد والباطل كثير وهو طرق الإشراك على ما بينا أن بعضهم يعبدون الكواكب وبعضهم النار وبعضهم الأصنام التي هي على صورة الملائكة، وإلى غير ذلك والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد بين، فقال الظلمات كلها إذا اعتبرتها لا تجد فيها ما يساوي النور، وقد ذكرنا في تفسير قوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام:1] السبب في توحيد النور وجمع الظلمات، ومن جملة ذلك أن النور لا يكون إلا بوجود منور ومحل قابل للاستنارة وعدم الحائل بين النور والمستنير. مثاله الشمس إذا طلعت وكان هناك موضع قابل للاستنارة وهو الذي يمسك الشعاع، فإن البيت الذي فيه كوة يدخل منها الشعاع إذا كان في مقابلة الكوة منفذ يخرج منه الشعاع ويدخل بيتاً آخر ويبسط الشعاع على أرضه يرى البيت الثاني مضيئاً والأول مظلماً، وإن لم يكن هناك حائل كالبيت الذي لا كوة له فإنه لا يضيء، فإذا حصلت الأمور الثلاثة يستنير البيت وإلا فلا تتحقق الظلمة بفقد أي أمر كان من الأمور الثلاثة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ } وفيه احتمال معنيين الأول: أن يكون المراد بيان كون الكفار بالنسبة إلى سماعهم كلام النبـي والوحي النازل عليه دون حال الموتى فإن الله يسمع الموتى والنبـي لا يسمع من مات وقبر، فالموتى سامعون من الله والكفار كالموتى لا يسمعون من النبـي والثاني: أن يكون المراد تسلية النبـي صلى الله عليه وسلم فإنه لما بين له أنه لا ينفعهم ولا يسمعهم قال له هؤلاء لا يسمعهم إلا الله، فإنه يسمع من يشاء ولو كان صخرة صماء، وأما أنت فلا تسمع من في القبور، فما عليك من حسابهم من شيء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي الكافر والمؤمن والجاهل والعالم. مثل: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}تفسير : [المائدة: 100]. {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } قال الأخفش سعيد: «لا» زائدة؛ والمعنى ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور. قال الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسَّموم يكون بالليل، وقيل بالعكس. وقال رُوْبة بن العجاج: الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون بالليل خاصة، حكاه المهدوِيّ. وقال الفرّاء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. النحاس: وهذا أصح؛ لأن الحرور فعول من الحرّ، وفيه معنى التكثير، أي الحرّ المؤذي. قلت: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قالت النار ربِّ أكل بعضي بعضاً فأذَنْ لي أتنفس فأذِن لها بنَفَسين نَفَسٍ في الشتاء ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نَفَس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم»تفسير : . وروي من حديث الزهريّ عن سعيد عن أبي هريرة: «حديث : فما تجدون من الحرّ فمن سمومها وشدّة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها»تفسير : وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن السموم والحرور يكون بالليل والنهار؛ فتأمله. وقيل: المراد بالظل والحرور الجنة والنار؛ فالجنة ذات ظل دائم، كما قال تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} تفسير : [الرعد: 35] والنار ذات حرور، وقال معناه السُّدّي. وقال ابن عباس: أي ظل الليل، وحرّ السموم بالنهار. قُطرُب: الحرور الحر، والظل البرد. {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} قال ابن قُتيبة: الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي يُسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} أي الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم؛ أي كما لا تُسمع من مات، كذلك لا تُسمع من مات قلبه. وقرأ الحسن وعيسى الثقفيّ وعمرو بن ميمون: «بِمُسْمِعِ مَن فِي القبورِ» بحذف التنوين تخفيفاً؛ أي هم بمنزلة (أهل) القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة؛ كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، وهذا مثل ضربة الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله تعالى: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} تفسير : [الأنعام: 122] وقال عز وجل: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}تفسير : ؟ [هود: 24] فالمؤمن بصير سميع في نور، يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ} أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة، لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: بشيراً للمؤمنين، ونذيراً للكافرين، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي: وما من أمة خلت من بني آدم، إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7] وكما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} تفسير : [النحل: 36] الآية، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تبارك وتعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات {وَبِٱلزُّبُرِ} وهي الكتب {وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ} أي: الواضح البين {ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاؤوهم به، فأخذتهم، أي: بالعقاب والنكال، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيماً شديداً بليغاً، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } الكافر والمؤمن.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ..} الآية. فيه قولان: أحدهما: أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، كما لا يستوي الأعمى والبصير، ولا تستوي الظلمات ولا النور، ولا يستوي الظل ولا الحرور لا يستوي المؤمن والكافر، قاله قتادة. الثاني: أن معنى قوله وما يستوي الأعمى والبصير أي عمى القلب بالكفر وبصره بالإيمان، ولا تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا يستوي ظل الجنة وحرور النار، قاله السدي. والحرور الريح الحارة كالسموم، قال الفراء: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار. وقال الأخفش: الحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل والنهار. قال قطرب: الحرور الحر، والظل البرد. ومعنى الكلام: أنه لا يستوي الجنة والنار. قوله عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، كما أنه لا يستوي الأحياء والأموات فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، قاله قتادة. الثاني: أن الأحياء المؤمنون الذين أحياهم الإيمان.والأموات الكفار الذين أماتهم الكفر وهذا مقتضى قول السدي. الثالث: أن الأحياء العقلاء، والأموات الجهال، قاله ابن قتيبة وفي {لاَ} في هذا الموضع وفيما قبله قولان: أحدهما: أنها زائدة مؤكدة. الثاني: أنا نافية لاستواء أحدهما بالآخر. {إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي يهدي من يشاء. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله، كما أنك لا تُسمع الموتى في القبور كذلك لا تسمع الكافر. الثاني: أن الكافر قد أماته الكفر حتى أقبره في كفره فلذلك لا يسمع، وقيل إن مراد الله تعالى بهذه الآية الإخبار أن بين الخير فروقاً، كما أن بين الشر فروقاً، ليطلب من درجات الخير أعلاها ولا يحتقر من درجات الشر أدناها، وهو الظاهر من قول علي ابن عيسى. قوله عز وجل: {إنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً} أي بالقرآن بشرى بالجنة. {وَنَذِيراً} من النار. {وَإن مَّنْ أُمَّةِ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي سلف فيها نبي، قال ابن جريج: إلا العرب.
ابن عطية
تفسير : مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله {ولا النور} ودخول {لا} فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال {ولا الظلمات} والنور، {ولا النور} ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه، و {الحرور} شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج {الحرور} بالليل والسموم بالنهار، وليس كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار و {الحرور} يقال في حر الليل وفي حر النهار، وتأول قوم {الظل} في هذه الآية الجنة، و {الحرور} جهنم، وشبه المؤمنين بـ {الأحياء} والكفرة بـ {الأموات} من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله {إن الله يسمع من يشاء}، وقوله {وما أنت بمسمع من في القبور} تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين. قال القاضي أبو محمد: فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد على أولئك أرواحهم في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما أنتم بأسمع منهم" تفسير : ، وأما عائشة فمذهبها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمعهم وأنه إنما قصد توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلاً واحتجت بها، فمثل الله تعالى في هذه الآية الكفرة بالأشخاص التي في القبور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "بمسمع من" على الإضافة، ثم سلاه بقوله {إن أنت إلا نذير} أي ليس عليك غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى و {بشيراً} معناه بالنعيم الدائم لمن آمن، {ونذيراً} معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات التي تتضمن أن قريشاً لم يأتهم نذير، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم فإنما ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله، ثم سلى نبيه بما سلف من الأمم لأنبيائهم، و {البينات والزبر والكتاب المنير} شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته و {الزبر} من زبرت الكتاب إذا كتبته، ثم توعد قريشاً بذكره أخذ الأمم الكافرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى} [فيه قولان أحدهما: أن هذا مثل ضربه الله ـ تعالى ـ للمؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير ولا تستوي الظلمات ولا النور ولا يستوي الظل ولا الحرور لا يستوي المؤمن والكافر. قاله قتادة. الثاني: أن معنى قوله وما يستوي الأعمى والبصير أي عمى القلب بالكفر وبصره بالإيمان ولا تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ولا يستوي] ظل الجنة وحرور النار، والحرور: الريح الحارة كالسموم قال الفراء: الحرور بالليل والنهار والسموم [لا يكون إلا بالنهار] وقال: لا يكون الحرور إلا مع شمس النهار والسموم يكون بالليل والنهار وقيل: الحرور الحر والظل البرد.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ؛ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ. و{ٱلْحَرُورُ}: شدة الحر. قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار و {ٱلْحَرُورُ} يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار. وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ؛ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه. وقوله سبحانه: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين؛ في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور؛ فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم؛ فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ. وقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} معناه: أن دعوةَ اللّه تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ؛ فهو ممن بلغته؛ لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم و {البينات} و {الزبر} و {الكتاب المنير}: شيء واحد؛ لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ...} الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال: جُدَدٌ في جمع «جديد»، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع؛ جُدَدْتَ الشيء؛ إذا قطعتَه، انتهى. وقوله: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى؛ لكنَّ الكلامَ العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال؛ سودَ غرابيبُ، ورُوِي عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنَّ اللّهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ»تفسير : ؛ يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ}، أي: خَلقٌ مختلِفٌ ألوانهُ. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ} يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين. ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي؛ خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك {إنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰؤاْ}، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ أشدُّكُم لَهُ خشية»تفسير : ؛ وقال صلى الله عليه وسلم «حديث : رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ اللّه».تفسير : وقال الرَّبِيع بن أنس: مَنْ لم يخشَ اللّه فليسَ بعالمٍ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور؛ «رأس الحكمة خشيةُ اللّه»، وقال ابن مسعود: كفى بخشيةِ اللّه علماً، وبالاغترارِ به جهلاً. وقال مجاهد والشعبي: إنما العالمَ مَنْ يخْشَى اللّهَ. و {إِنَّمَا} في هذه الآية تَخْصِيصٌ لِلعلمَاء؛ لاَ للحصر. قال ابن عطاء اللّه في «الحِكم»: العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه؛ والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ؛ وإلا؛ فَعَلَيْكَ. وقال في «التنوير»: ٱعلم أن العلمَ؛ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السنة؛ فإنما المرادُ به العلمْ النافعُ الذي تُقَارِنُه الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء} فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية. انتهى. قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم»: واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف؛ إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ اللّه تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة» انتهى. وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره؛ رضي اللّه عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم. قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقية»: العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك. وقال ـــ رحمه اللّه ـــ: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً. انتهى.
القشيري
تفسير : كما لا يستوي الأعمى والبصير لا تستوي الظلمات والنور، ولا يستوي الظلُّ والحرور، ولا الأحياء والأموات.. وكذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنَّا، والمجذوبُ إلينا، والمحجوبُ عنَّا، ولا يستوي مَنْ اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه بحكم الأزل، ولا يستوي من أشهدناه حقَّنا ومن أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا: شعر : أحبابنا شتان: وافٍ وناقِضُ ولا يستوي قطُّ مُحِبٌّ وباغِضُ
اسماعيل حقي
تفسير : {وما يستوى الاعمى والبصير} تمثيل للكافر والمؤمن فان المؤمن من ابصر طريق الفوز والنجاة وسلكه بخلاف الكافر فكما لا يستوى الاعمى والبصير من حيث الحس الظاهرى اذ لا بصر للاعمى كذلك لا يستوى الكافر والمؤمن من حيث الادراك الباطنى ولا بصيرة للكافر بل الكافر اسوأ حالا من الاعمى المدرك للحق اذ لا اعتبار بحاسة البصر لاشتراكها بين جميع الحيوانات. وفيه اشارة الى حال المحجوب والمكاشف فان المحجوب اعمى عن مطالعة الحق فلا يستوى هو والمكاشف الذى كوشف له عن وجه السر المطلق. وقال الكاشفى {وما يستوى الاعمى} [وبرابر نيست نابينا يعنى كافر يا جاهل يا كمراه] {والبصير} وبينا يعنى مؤمن يا عالم يا راه يافته]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما يستوي الأعمى والبصيرُ} أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، أو الجاهل والعالم. وقيل: هما مثلان للصنم والله تعالى. {ولا الظلماتُ} كالكفر والجهل، {ولا النورُ} كالإيمان والمعرفة، {ولا الظلُّ} كنعيم الجنان، {ولا الحَرورُ} كأليم النيران. والحَرور: الريح الحارّ كالسموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. قاله الفرّاء. {وما يستوي الأحياءُ ولا الأمواتُ} تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء والجهال. وزيادة "لا" في الجميع للتأكيد، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع، وبعضها وترأً إلى وتر. {إِن الله يُسْمِعُ من يشاء} بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها. {وما أنت بمُسْمِعٍ مَن في القبور} شبّه الكفار بالموتى، حيث لا ينتفعون بمسموعهم، مبالغة في تصاممهم، يعني أنه تعالى عَلِمَ مَن يدخل في الإسلام ممن لا يدخل، فيهدي مَن يشاء هدايته، وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين، فإنذارهم كإنذار مَن في القبور من الموتى. قال ابن عطية: الآية تمثيل بما يحسّه البشر، ويعهده جميعنا من أنَّ الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح؛ فلا نقول: إنها في القبر، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجِّين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور، فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر، إنما سمعت أرواحهم، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب. هـ. ثم قال تعالى: {إِن أنت إِلا نذيرٌ} أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه، وإن كان من المصريين فلا عليك. {إِنَّا أرسلناك بالحق} أي: محقاً، أو: محقين: أو: إرسالاً مصحوباً بالحق، فهو حال من الفاعل، أو المفعول، أو صفة لمصدر محذوف، {بشيراً} لمَن آمن {ونذيراً} لمَن كفر، {وإِن من أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ} أي: ما من أمة من الأمم الماضية، قبل أمتك، إلا فيها نذير؛ نبيّ، أو عالم، يخوفهم. ويقال لأهل كل عصر: أمة. والمراد هنا: أهل العصر. قال ابن عطية: معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمَّت جميع الخلق، وإن كان فيهم مَن لم تباشره النِّذارة، فهو ممن بَلَغَته الدعوة، لأن آدم بُعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم. والآية تتضمن أن قريشاً لم يأتهم نذيرٌ، ومعناه: نذيرٌ مباشر، وما ذكر المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه توجد أُمةً لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. هـ. وذكر في الإحياء، في باب التوبة: أنه يشبه أن يكون مَن لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، وعاشوا على البله وعدم المعرفة، فلم تكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة، ولا معصية، هم أهل الأعراف؛ لأنه لا وسيلة تقربهم، ولا جناية تُبعدهم، فما هم من أهل الجنة، ولا من أهل النار، ويُتركون في منزلة بين المنزلتين، ومقام بين المقامين. هـ. وقال ابن مرزوق في شرح حديث هرَقْل: الدين الحق هو الإسلام، وما سواه باطل، عقلاً ونقلاً، فلا عذر لمنتحليه بالإجماع، كان متأولاً مجتهداً، أو مقلداً جاهلاً؛ لأن أدلة الإسلام واضحة قطعية، ومخالف مقتضاها مخطىء قطعاً. هـ. وقال ابن عطية أيضاً، ما نصه: آدم عليه السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله تعالى دعاءً عاماً، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن الشرع، الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك، بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير الله، فمَن فرضناه لم يجد سبيلاً إلى العلم، فأولئك أهل الفترات، الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فَعَبَد صنماً أو غيره، وكفر، فهذا ترك الواجب عليه، مستوجب للعقاب بالنار. هـ. وقال أيضاً: إنما صاحب الفترة بفرض أنه آدمي، لم يصل إليه: أن الله بعث رسولاً، ولا دعا إلى دين ـ وهذا قليل الوجود ـ إلا إن شذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. هـ. والحاصل: أن مَن بلغه خبر الشرائع السابقة، والدعاء إلى توحيد الله، لا عذر له، وإنما بُعثت الرسل بعد ذلك تجديداً، ومبالغة في إزاحة العذر، وإكمال البيان. قاله المحشي. الإشارة: وما يستوي الأعمى، الذي لا يرى إلا حس الكائنات، والبصير، الذي فتحت بصيرته، فشاهد المكوّن، ولم يقف مع حس الكون، ولا الظلمات: المعاصي والغفلة ودائرة الحس، ونور اليقظة والعفة والمعرفة، ولا ظل برْد الرضا والتسليم، وحرور التدبير والاختيار، وما يستوي الأحياء، وهم العارفون بالله، الذاكرون الله، والأموات الجاهلون، أو الغافلون. قال القشيري: {وما يستوي الأعمى والبصير...} الآية، كذلك لا يستوي الموصول بنا والمشغول عنَّا، والمجذوبُ إلينا والمحجوبُ عنَّا، ومَن أشهدناه حقَّنا، ومَن أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا. هـ. وقوله تعالى: {وإِن من أُمةٍ إِلا خلا فيها نذير} النذير على قسمين: نذير من وبال الذنوب، ونذير من وبال العيوب. فوبال الذنوب: العذاب، ووبال العيوب: الحجاب، فمَن تطهَّر من الذنوب استوجب نعيم الجنان، ومَن تطهّر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان. فالنذير الأول عالم بأحكام الله، والثاني عارف بالله الأول مقتصد، والثاني سابق، ولا يخلو الدهر منهما، حتى يأتي أمر الله، فالشريعة باقية قائمة بقيام العلماء، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين بالله، أهل التربية النبوية، بالاصطلاح، والهمة، والحال. ومَن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال. ثم سلّى نبيه لأنه لمَّا أنذر قومه قابلوه بالتكذيب فقال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ...}
الجنابذي
تفسير : فى تميز الاشياء وفى تميز الحسن والقبيح والضّارّ والنّافع حتّى يتساوى الّذين لا يخشون ربّهم مع الّذين يخشون فى الانذار.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} وهذا تبع للكلام الأول: {وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}، {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}، {وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} وهذا كله مثل للمؤمن والكافر؛ كما لا يستوي البحران العذب والمالح وكما لا يستوي الأعمى والبصير وكما لا تستوي الظلمات والنور فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر. قوله: {وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ} يعني ظلّ الجنة، والحرور، يعني النار. وقوله: {وَمَا يَسْتَوِى الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} الأحياء هم المؤمنون، أي: الأحياء في الدين كقوله: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتاً} تفسير : [الأنعام: 122] أي: كافراً{أية : فَأَحْيَيْنَاهُ}تفسير : [الأنعام: 122] أي: بالإِيمان والأموات هم الكفار، أي: أموات في الدين. {إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي: يهديه للإِيمان {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ} أي: وما أنت بمسمع الكفار، أي: هم بمنزلة الأموات من أهل القبور لا يسمعون منك الهدى سمع قبول، أي: لا يقبلون منك ما تدعوهم إليه كما أن الذين في القبور لا يسمعون. قال: {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} أي: تنذر الناس، ليس عليك غير ذلك، والله يهدي من يشاء، أي: يمنّ عليه بالقبول لما يدعوه إليه من دين الله فيقبله. {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن {بَشِيراً وَنَذِيراً} أي: بشيراً بالجنة ونذيراً من النار {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [يعني الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر]. وقال بعضهم: [أي: وإن من أمة ممن أهلكنا إلا خلا فيها نذير]. يحذّر المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما كذّبت الأُممُ رسلَها.
اطفيش
تفسير : {وما يستوي الأعمى والبصير} الكافر والمؤمن أو الصنم والله أو الجاهل والعالم وذلك إما على الحقيقة بمعنى ان الاعمى والكافر او الصنم او الجاهل والبصير المؤمن او الله او العالم من نيابة لفظ عن لفظ كما تقول القمح وتقول البر والمعنى واحد وانما اردت بالحقيقة نفس الشيء الذي لم يعبر عنه بكناية لا الحقيقة المقابة للمجاز فان اطلاق العمى على الكفر او عدم الرؤية فمن لا عين له كالصنم او الجهل مجاز والبصر بمعنى الايمان او الخبرة بالاشياء او العلم مجاز ايضا واما على الكناية على طريقة ان المراد بالاعمى الذي لا تبصر عيناه وبالبصير الذي تبصر ملوحا بهما الى من عمي قلبه بكفر او جهل او من لا يوصف بخير فعله وهو الصنم والى من له نور في قلبه نور ايمان او علم او من يتصف بالخبرة والافعال المحكمة الحسنة وهو الله، واما على طريق المجاز بان شبه الكفر او الجهل او عدم آلة البصر بعمي آلة البصر وشبه الايمان او العلم بالابصار بالعين فافهم وهكذا يظهر ولك مثله فيما يأتي.
اطفيش
تفسير : {وما يَسْتَوي الأعْمَى والبَصيرُ} عطف قصة على أخرى، أو على ما يستوى البحران، أى المؤمن والكافر، وقيل الصنم والله.
الالوسي
تفسير : عطف على قوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ } تفسير : [فاطر: 12] والأعمى والبصير مثلان للكافر والمؤمن كما قال قتادة والسدى وغيرهما. وقيل: هما مثلان للصنم عز وجل فهو من تتمة قوله تعالى: {أية : ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ }تفسير : [فاطر: 13] والمعنى لا يستوي الله تعالى مع ما عبدتم.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ}. أربعة أمثال للمؤمنين والكافرين، وللإِيمان والكفر، شبه الكافر بالأعمى، والكُفر بالظلمات، والحرور والكافر بالميّت، وشبه المؤمن بالبصير وشبه الإِيمان بالنور والظل، وشبه المؤمن بالحي تشبيه المعقول بالمحسوس. فبعد أن بيّن قلة نفع النذارة للكافرين وأنها لا ينتفع بها غير المؤمنين ضرب للفريقين أمثالاً كاشفة عن اختلاف حاليهما، وروعي في هذه الأشباه توزيعها على صفة الكافر والمؤمن، وعلى حالة الكفر والإِيمان، وعلى أثر الإِيمان وأثر الكفر. وقدم تشبيه حال الكافر وكفره على تشبيه حال المؤمن وإيمانه ابتداء لأن الغرض الأهم من هذا التشبيه هو تفظيع حال الكافر ثم الانتقالُ إلى حسن حال ضده لأن هذا التشبيه جاء لإِيضاح ما أفاده القصر في قوله: { أية : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } تفسير : [فاطر: 18] كما تقدم آنفاً من أنه قصر إضافي قصرَ قلب، فالكافر شبيه بالأعمى في اختلاط أمره بين عقل وجهالة، كاختلاط أمر الأعمى بين إدراك وعدمه. والمقصود: أن الكافر وإن كان ذا عقل يدرك به الأمور فإن عقله تمحض لإِدراك أحوال الحياة الدنيا وكان كالعدم في أحوال الآخرة كقوله تعالى: { أية : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } تفسير : [الروم: 7]، فحاله المقسم بين انتفاع بالعقل وعدمه يشبه حال الأعمى في إدراكه أشياء وعدم إدراكه. والعمى يعبر به عن الضلال، قال ابن رواحة: شعر : أرانا الهدى بعد العَمَى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع تفسير : ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبيّن للأشياء، فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتقادية، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى، كما لو وصفت الطريق للسائر في الظلام. وجي في {الظلمات} بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون الظلمة إلا بصيغة الجمع. وقد تقدم في قوله: { أية : وجعل الظلمات والنور } تفسير : في الأنعام (1). وضُرِب الظِلّ مَثَلاً لأثر الإِيمان، وضدُّه وهو الحرور مثلاً لأثر الكفر؛ فالظل مكان نعيم في عرف السامعين الأولين، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي تتطلب الظل للنعيم غالباً إلا في بعض فصل الشتاء، وقوبل بالحَرور لأنه مُؤْلِم ومعذّب في عرفهم كما علمت، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه بالظل في حالة استطابته. و{الحرور} حر الشمس، ويطلق أيضاً على الريح الحارة وهي السموم، أو الحَرور: الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار. وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة {الحرور}. وفواصل القرآن من متممات فصاحته، فلها حظ من الإِعجاز. فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر، وتصدر فيه الأعمال عن تبصر وتريّث وإتقان. وحال الكافر يشبه الحَرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن معه العقول من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجَّلة متفككة. واعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطْف وأدوات نفي؛ فكلّ من الواوين اللذين في قوله: {ولا الظلمات} الخ، وقوله: {ولا الظل} الخ عاطف جملة على جملة وعاطف تشبيهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين. والتقدير: ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظِّل والحرور، وقد صرح بالمقدر أخيراً في قوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات}. وأما الواوات الثلاثة في قوله: {والبصير} {ولا النور} {ولا الحرور} فكل واو عاطف مفرداً على مفرد، فهي ستة تشبيهات موزعة على كل فريق؛ فــــ{البصير} عطف على {الأعمى}، و{النور} عطف على {الظلمات}، و{الحرور} عطف على {الظل}، ولذلك أعيد حرف النفي. وأما أدوات النفي فاثنان منها مؤكدان للتغلب الموجه إلى الجملتين المعطوفتين المحذوف فعلاهما {ولا الظلمات ولا الظل}، واثنان مؤكدان لتوجه النفي إلى المفردين المعطوفين على مفردين في سياق نفي التسوية بينهما وبين ما عطفا عليهما وهما واو {ولا النور}، وواو {ولا الحرور}، والتوكيد بعضه بالمثل وهو حرف {لا} وبعضه بالمرادف وهو حرف {ما} ولم يؤت بأداة نفي في نفي الاستواء الأول لأنه الذي ابتدىء به نفي الاستواء المؤكد من بعد فهو كله تأييس. وهو استعمال قرآني بديع في عطف المنفيات من المفردات والجمل، ومنه قوله تعالى: { أية : لا تستوي الحسنة ولا السيئة } تفسير : في سورة فصّلت (34). وجملة {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} أظهر في هذه الجملة الفعل الذي قدّر في الجملتين اللتين قبلها وهو فعل {يستوي} لأن التمثيل هنا عاد إلى تشبيه حال المسلمين والكافرين إذ شبه حال المسلم بحال الأحياء وحال الكافرين بحال الأموات، فهذا ارتقاء في تشبيه الحالين من تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى إلى تشبيه المؤمن بالحي والكافر بالميّت، ونظيره في إعادة فعل الاستواء قوله تعالى في سورة الرعد (16): { أية : قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور }. تفسير : فلما كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلها وكان الموت قاطعاً للمدارك والمساعي شبه الإِيمان بالحياة في انبعاث خير الدنيا والآخرة منه وفي تلقي ذلك وفهمه، وشبه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات النافعة كلها وفي عدم تلقي ما يلقى إلى صاحبه فصار المؤمن شبيهاً بالحي مشابهة كاملة لمَّا خرج من الكفر إلى الإِيمان، فكأنه بالإِيمان نفخت فيه الحياة بعد الموت كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الأنعام (122) { أية : أو من كان ميّتاً فأحييناه }، تفسير : وكان الكافر شبيهاً بالميت ما دام على كفره. واكتُفي بتشبيه الكافر والمؤمن في موضعين عن تشبيه الكفر والإِيمان وبالعكس لتلازمهما، وأوتي تشبيه الكافر والمؤمن في موضعين لكون وجه الشبه في الكافر والمؤمن أوضح، وعُكس ذلك في موضعين لأن وجه الشبه أوضح في الموضعين الآخرين. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ}. لما كان أعظم حرمان نشأ عن الكفر هو حرمان الانتفاع بأبلغ كلام وأصدقه وهو القرآن كان حال الكافر الشبيهُ بالموت أوضح شبهاً به في عدم انتفاعه بالقرآن وإعراضه عن سماعه { أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والْغوا فيه لعلكم تغلبون } تفسير : [فصلت: 26]، وكان حال المؤمنين بعكس ذلك إذ تَلَقّوا القرآن ودرسوه وتفقهوا فيه { أية : الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللَّه } تفسير : [الزمر: 18]، وأعقب تمثيل حال المؤمنين والكافرين بحال الأحياء والأموات بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم معذرة له في التبليغ للفريقين، وفي عدم قبول تبليغه لدى أحد الفريقين، وتسلية له عن ضياع وابل نصحه في سباخ قلوب الكافرين فقيل له: إن قبول الذين قبلوا الهدى واستمعوا إليه كان بتهيئة الله تعالى نفوسَهم لقبول الذكر والعلم، وإن عدم انتفاع المعرضين بذلك هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم الأموات في القبور وأنت لا تستطيع أن تُسمع الأموات، فجاء قوله: {إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} على مقابلة قوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} مقابلة اللفِّ بالنشر المرتب. فجملة {إن الله يسمع من يشاء} تعليل لجملة { أية : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } تفسير : [فاطر: 18]، لأن معنى القصر ينحلّ إلى إثبات ونفي فكان مفيداً فريقين: فريقاً انتفع بالإِنذار، وفريقاً لم ينتفع، فعلل ذلك بــــ{إن الله يسمع من يشاء}. وقوله: {وما أنت بمسمع من في القبور} إشارة إلى الذين لم يشأ الله أن يسمعهم إنذارك. واستعير {من في القبور} للذين لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات بـــ{من في القبور} لأن من في القبور أعرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات لأن بينهم وبين المنادي حاجز الأرض. فهذا إطناب أفاد معنى لا يفيده الإِيجاز بأن يقال: وما أنت بمسمع الموتى. وجيء بصيغة الجمع {الأحياء} و{الأموات} تفنناً في الكلام بعد أن أورد الأعمى والبصير بالإِفراد لأن المفرد والجمع في المعرف بلام الجنس سواء إذا كان اسماً له أفراد بخلاف النور والظل والحرور، وأما جمع {الظلمات} فقد علمت وجهه آنفاً. وجملة {إن أنت إلا نذير} أفادت قصراً إضافياً بالنسبة إلى معالجة تسميعهم الحقَ، أي أنت نذير للمشابهين مَن في القبور ولسْت بمُدْخِل الإِيمان في قلوبهم، وهذا مسوق مساق المعذرة للنبي صلى الله عليه وسلم وتسليته إذ كان مهتَمًّا من عدم إيمانهم. والنذير: المنبىء عن توقع حدوث مكروه أو مؤلم. والاقتصار على وصفه بالنذير لأن مساق الكلام على المصمِّمين على الكفر.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا إيضاحه بالآيات في أوّل سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيع} تفسير : [هود: 24] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما يستوي الأعمى والبصير: أي لا يستويان فكذلك الكافر والمؤمن لا يستويان. ولا الظلمات ولا النور: أي لا يستويان فكذلك الكفر والإِيمان لا يستويان. ولا الظل ولا الحرور: أي لا يستويان فكذلك الجنة والنار لا يستويان. وما يستوي الأحياء ولا الأموات: فكذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون. وما أنت بمسمع من في القبور: أي فكذلك لا تسمع الكفار فإنهم كالأموات. إن أنت إلا نذير: ما أنت إلا منذر فلا تملك أكثر من الإِنذار. إنا أرسلناك بالحق: أي بالدين الحق والهدى والكتاب. وإن من أمة إلا خلا فيها نذير: أي سلف فيها نبيٌّ ينذرها. جاءتهم رسلهم بالبينات: أي بالحجج والأدلة الواضحة. وبالزبر وبالكتاب المنير: أي وبالصحف كصحف إبراهيم وبالكتاب المنير كالتوراة والإِنجيل. فكيف كان نكير: أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإِهلاك والجواب هو واقع موقعه والحمد لله. معنى الآيات: لمّا تقدم في السياق الكريم أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينتفع به إلا المؤمن المقيم للصلاة وإن الكافر المكذب الجاحد لا ينتفع به ذكر تعالى هنا مثلا للكافر والمؤمن وإنهما لا يستويان فقال {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} فالأعمى الكافر والبصير المؤمن وهما لا يستويان في عقل ولا شرع {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} أي ولا تستوي الظلمات ولا النور كما لا يستوي الكفر والإِيمان ولا الظل ولا الحرور، فبرودة الجو، لا تستوي مع حرارته فكذلك الجنّة لا تستوى مع النار، وقوله {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} أي ولا المؤمنون مع الكافرين كذلك وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} هذا شروع في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل ما يجد في نفسه من إعراض قومه وعدم استجابتهم لدعوته، فأخبره ربه بأنه تعالى قادر على أن يسمع من يشاء إسماعه وذلك لقدرته على خلقه أما أنت أيها الرسول فإنك لا تسمع الأموات وإنما تسمع الأحياء، والكفار شأنهم شأن الأموات في القبور فلا تقدر على إسماعهم. ولا يحزنك ذلك فإنك ما أنت إلا نذير، والنذير ينذر ولا يُسأل عمن أجابه ومن لم يجبه. وقوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} بهذا الخبر يقرر تعالى رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً لمن آمن به واتبع هداه بالجنة، ونذيراً لمن كفر به وعصاه بالنار. وقوله {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}، يخبر تعالى أن رسوله محمداً ليس الرسول الوحيد الذي أرسل في أمة بل إنه ما من أمة من الأمم إلا مضى فيها نذير، فلا يكون إرساله عجباً لكفار قريش إذ هذه سنة الله تعالى في عباده يرسل إليهم من يهديهم إلى نجاتهم وسعادتهم ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم معزياً له مسلياً {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} فلم يكونوا أول من كذب فقد كذب الذين من قبلهم {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي جاءتهم رسلهم بالحجج القواطع والبراهين السواطع، والمعجزات الخوارق، وبالصحف والكتب المنيرة لسبيل الهداية وطريق النجاة والفلاح. ومنهم من آمن ومنهم من كذب وكفر وبعد إمهال وإنظار دَلَّ عليه العطف بثم أخذ الذين كفروا بعذاب ملائم لكفر الكافرين. {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة الشديدة والإِهلاك التام إنه كان واقعاً موقعه، موافيا لطالبه بكفره وعناده. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال للكشف عن الحال وزيادة البيان. 2- الكفار عمى لا بصيرة لهم، وأموات لا حياة فيهم، والدليل عدم انتفاعهم بحياتهم ولا بأسماعهم ولا أبصارهم. 3- تقرير نُبوَّة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيد رسالته. 4- تسلية الدعاة ليتدرّعوا بالصبر ويلتزموا الثبات. 5- بيان سنة الله في المكذبين الكافرين وهي أخذهم عند حلول أجلهم.
القطان
تفسير : استوى هذا وذاك: تساويا. الظل: الفيء جمعه ظلال. الحرور: الريح الحارة، السموم. خلا: سلف ومضى. الزُّبُر: مفردها زبور: الكتب. نكيري: انكاري لعملهم. جدد: واحدها جدة، وهي الطرق المختلفة الألوان في الجبل ونحوه. غرابيب: واحدها غربيب وهو شديد السواد. ليس يتساوى الأعمى الذي لا يهتدي والبصيرُ الذي آمن واهتدى، ولا ظلمات الكفر مع نور الايمان، وما يستوي أحياءُ القلوب بالإيمان بالله ورسوله مع أمواتِ القلوب بالكفر والعناد. {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا؟}تفسير : [الأنعام:126]. {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} ان الهداية والتوفيق بيده سبحانه. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} جعل الله المشركين كالأموات الذين في القبور لا يسمعون. وما انت ايها لرسول الا نذير تبلّغ وتنذر. إنا أرسلناك أيها الرسول بالإيمان بي وحدي مبشراً بالجنة من صدَّقك، ومنذرا بالعقاب من كذَّبك، وما من أمة من الأمم الماضية الا جاءها من عند الله من ينذرها. وإن يكذِّبْك قومك فقد كذّب الذين من قبلهم رسُلهم حين {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ}. ثم أخذتُ الذين كفروا أخذاً شديدا، فانظر كيف كان إنكاري لعملهم وغضبي عليهم!! ثم يقول الله تعالى منبهاً الى كمال قدرته. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} الم تشاهد أيها الرائي أنا خلقنا الاشياءَ المختلفة من الشيء الواحد، فأنزلنا من السماءِ ماءً وأخرجنا به ثمراتٍ مختلفةً ألوانُها وطعمها ورائحتها. {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} وخلق في الجبال طرقاً بيضاً وحمرا وذات الوان اخرى، وجعل منها جبالاً سودا حالكة. هذا كما خلق من الناس والدوابّ والإبل والبقر والغنم الواناً مختلفة كذلك في الشكل والحجم واللون. ولم عدّد الله آياتِه وأعلامَ قدرته وآثارَ صنعه بيّن انه لا يعرف ذلك حقَّ المعرفة الا العلماءُ بأسرار الكون، العالمون بدقائق صنعه، فهم الذين يخشون ربهم حقَّ الخشية: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}.
د. أسعد حومد
تفسير : (19) - وَمَا يَسْتَوي الأَعْمَى عَنِ الحَقِّ، وَعَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، مَعَ البَصِيرِ الذِي اهْتَدَى بِهَدْي الرَّسُولِ، فَآمَنَ بِاللهِ، وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ، وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالاَتُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه حقائق يقررها الحق سبحانه، فالمتناقضان لا يستويان، لأن الأعمى لا يعرف مواقع الأشياء من حركته، والبصير يعرف مواقع الأشياء من حركته، البصير يرى مواقع الأشياء ويتفادى الأخطار، أما الأعمى فلا بُدَّ له من مرافق يتطوع بصداقة عينه السليمة للعين الغائبة، لذلك نقول: إنْ أعطى الأعمى للعمى حقه صار مبصراً، كيف؟ لأنه لا يتكبر أن يستعين بالمبصر، فحين ينادي على مَنْ يأخذ بيده تتسابق إليه كل العيون من حوله لتساعده، أما إنْ تعالى فسرعان ما (يندب) على وجهه. والعمى والبصر حِسِّيات توضح المعنوي، فالمراد لا يستوي الجاهل والعالم؛ لأن حركة الحياة تنقسم إلى حركة مادية: تأتي وتذهب، تزرع وتقلع .. إلخ وحركة قيمية معنوية، وهي الروحانيات والأخلاقيات العالية، مثل معاني: الإيمان، الصدق، الوفاء، العدل، الرحمة .. إلخ. وإذا كانت الحركة المادية الحسية تحتاج إلى نور حسيٍّ يهديك حتى لا تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه، فكذلك الحركة القيمية المعنوية الروحية تحتاج إلى نور معنوي يهدي خُطَاك كي لا تضلّ، هذا النور المعنوي هو المنهج الذي قال الله فيه: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة: 15-16]. فالشمس هي النور الحسي، والقرآن هو النور المعنوي؛ لذلك قلنا في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35] أي: مُنوِّرهما بالنُّوريْن. الحق سبحانه سبق أنْ ذكر لنا التقابل بين الماءيْنِ العذب والمالح، فقال سبحانه: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [فاطر: 12] نعم، لا يستويان، لكن العلاقة بينهما علاقة تقابل كالليل والنهار، لا علاقة تضادٍّ كالأعمى والبصير، بدليل أن الله جمعهما معاً، فقال: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [فاطر: 12] فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما متساندان لا متعاندان. وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى والبصير يقول: {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20]، لأن النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئاً في الظلمة. هذا في العمى والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر؛ لذلك يقول تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]، فقد يكون الرجل مبصراً وهو أعمى بصيرة. والأعمى في المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، والبصير هو العالم بهذه الأحكام. وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد فيهما ملمحاً من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} [فاطر: 19] قرنت بين الاثنين باستخدام واو العطف، أما الأخرى {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20] فذكرت (لا) النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يَقُل الحق سبحانه كما في الأولى: ولا الظلمات والنور، لماذا؟ قالوا: لأن العمى والبصر صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غداً، قد يكون جاهلاً ويتعلم، أو كافراً ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان؛ لذلك لم يؤكد معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان. كما تلحظ في دقة الأداء القرآني؛ لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال: {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20] فالظلمات جمع والنور مفرد؛ لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا يعبد الملائكة .. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه. لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّم أصحابه هذا الدرس خَطَّ لهم خطاً مستقيماً، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153]. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} [فاطر: 21] وهما أيضاً متقابلان لا يجتمعان، كذلك {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] وتلحظ هنا أن الحق سبحانه أعاد ذكر الفعل المنفي {وَمَا يَسْتَوِي} [فاطر: 22] لتأكيد عدم الاستواء بين الحي والميت. وكذلك ذكر (لا) النافية الدالة على التوكيد؛ لأن كلمة الأحياء تعني المؤمنين الإيمانَ الحق، الذين يستحقون حياة أبدية باقية تتصل بحياتهم الدنيوية الفانية، أما الأموات فهم الكفار الذين تأبَّوْا على منهج الله. أو: أن الأحياء هم الذين عرفوا أن الحياة الحقة هي العيش بمنهج ربهم الذي يؤدي بهم إلى الحياة الحقيقية الباقية التي قال الله عنها: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة المرادة في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24] كيف وهو يخاطبهم وهم أحياء بالفعل؟ إذن: المعنى يُحييكم الحياة الحقيقية التي لا تنتهي بموت، ولا تُسلب منها نعمة. ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ..} تفسير : [الأنعام: 122]. ومن المعاني التى نفهمها من عدم استواء الأحياء والأموات أن الحيَّ خلقه الله وأمدَّه بأجهزة نفسية: عقلاً، وأعصاباً، وعضلات، وسمعاً وبصراً.. الخ وهذه الأعضاء لها قيمة، ولها مهمة، وعليه أنْ يستخدم هذه النعم استخداماً يجعلها وسائل لِنِعَم أخرى، ثم ليعلم أنه في رحلة حياته لا بُدَّ أنه سيموت، لكن ربه عز وجل أبهم له أجله ليكون ذلك عَيْن البيان، وليظل على ذِكْر له طوال الوقت وينتظره في كل لحظة، فعمرك محسوب بعدٍّ تنازلي، وسهم الموت أُطلِق في اتجاهك بالفعل، وعمرك بقدر وصوله إليك. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الحال في التكليفات فقال: لا يستوي الأعمى الجاهل بأصول دينه والبصير العالم بها، ولا يستوي نور الإيمان والهداية مع ظلمات الضلال، يتكلم سبحانه عن المآل، فيقول: {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} [فاطر: 21] الظل كناية عن نعيم الجنة، وفي موضع آخر قال: {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً} تفسير : [النساء: 57] والحَرُور كناية عن العذاب وشدة حَرِّه. ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم ومُسلِّياً له: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] النبي صلى الله عليه وسلم جاء على كفر وجهالة من قومه، فكانت دعوته أنْ يخرجهم من العمى والجهالة إلى ما ينير بصائرهم ويُخرِجهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان. وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية قومه يكاد يُهلك نفسه في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. كذلك هنا يخاطبه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} [فاطر: 22] أي سماع هداية إقبال، وإلا فَهُمْ جميعاً يسمعون، لكن هناك سماعُ إعراضٍ وسماعُ إقبال، منهم مَنْ يقبل ويؤمن ويتأثر بكلام الله، ومنهم مَنْ يسمع ثم يُعرض وينصرف عما سمع؛ لذلك قال الله فيهم: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23]. إذن: يا محمد، لقد أديتَ ما عليك نحوهم، وخاطبتَهم خطابَ هداية، وخطابَ تهديد ووعيد، فلم يسمعوا {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] فجعلهم الله لعدم سماعهم كالأموات، وإلا حديث : فرسول الله خاطب أهل قليب بدر من الكفار حين وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: "يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل أليس وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً". فقال عمر: أتكلمهم وقد جَيَّفوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: "والله، ما أنتم بأسمعَ منهم، ولكنهم لا يتكلمون" . تفسير : فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تُسمع مَنْ في القبور؛ لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت. لكن إذا كان رسول الله لا يُسمع مَنْ في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها: {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ} معناه الكافرُ {وَٱلْبَصِيرُ} معناه المؤمنُ. و: {ٱلظُّلُمَاتُ}: الكفرُ. و: {ٱلنُّورُ} الإِيمانُ و: {ٱلأَحْيَآءُ}: المؤمنونَ. و: {ٱلأَمْوَاتُ}: الكفارُ. وقوله تعالى: {وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ} فالحَرورُ بالنَّهارِ وقال: الحَرور بالليلِ، والسُمومُ بالنَّّهارِ. وهما شِدةُ الحَرِّ ووهجُهُ. وقال الظّلُّ: الجَنةُ. والحَرورُ: النَّارُ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لكن {مَا يَسْتَوِي} في القرب والرتبة بالنسبة إليه سبحانه {ٱلأَعْمَىٰ} الغافل الجاهل عن كيفية الرجوع والتوجه {وَٱلْبَصِيرُ} [فاطر: 19] العارف العالم بأمارات الصعود والعروج. {وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ} المتراكمة المتكاثفة بعضها فوق بعض، وهي: ظلمة الطبيعة وظلمة الهيولي وظلمة التعينات، والهويات الممتزجة المتكاثفة إلى حيث يصير حجاباً غليظاً وغشاء كثيفاً يعمي أبصار المجبولين على الإبصار، والاعتبار على متقضى الشئون القهرية الجلالية {وَلاَ ٱلنُّورُ} [فاطر: 20] المتشعشع المتجلي من وحدة الذات حسب شئونه اللطيفة الجمالية. {وَلاَ ٱلظِّلُّ} الإلهي، والمروح لأرواح أرباب المحبة والولاء بنفحات نسائم أنواع الفتوحات والكرامات {وَلاَ ٱلْحَرُورُ} [فاطر: 21] أي: السموم المهلكة المنشأة من فوحان الأماني الإمكانية، الممتزجة بيحموم الطبيعة المتصاعدة من أبخرة الأهوية ونيران الشهوات. {وَ} بالجملة: {مَا يَسْتَوِي} عند الله العليم الحكيم {ٱلأَحْيَآءُ} بحياة المعرفة والإيمان واليقين والعرفان، حياة أزلية أبدية سرمدية، لا أمر لها حتى تنقضي ولا حدوث لها حتى تنعدم {وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} بموت الجهل والضلال، وأنواع الغفلة والنسيان، الهالكين في هوية الإمكان، الخالدين في زاوية نيران الخمول والحرمان {إِنَّ ٱللَّهَ} العليم الحكيم المتقن في أفعاله {يُسْمِعُ} ويهدي {مَن يَشَآءُ} من عباده؛ عنايةً لهم وامتناناً عليهم إلى صراط توحيده {وَمَآ أَنتَ} يا أكمل الرسل {بِمُسْمِعٍ} هاد مرشد {مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] أي: من كان راسخاً متمكناً في هاوية الجهل المركب، وجحيم الإمكان وأحداث الغفلة والنسيان؛ إذ هم مجبولون على الغواية الفطرية الجهالة والجبلية لا يتأتى لك إهداؤهم وإرشادهم أصلاً. بل {إِنْ أَنتَ} أي: ما أنت أيها المختار لتبليغ الرسالة {إِلاَّ نَذِيرٌ} [فاطر: 23] لهم من قبلنا، فلك أن تبلغ الإنذارات والوعيدات الهائلة النالزة منا إياهم، ولا تجتهد في هدايتهم وقبولهم؛ إذ ما عليك إلا البلاغ الحساب. {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ} من كمال لطفنا معك ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} الصدق المطابق للواقع، داعياً لعموم عبادنا إلى توحيدنا {بَشِيراً} بما أعددنا لهم من المراتب العلية والمقامات السنية {وَنَذِيراً} لهم أيضاً بما أعتدنا من دركات النيران الموجبة لزفرات القلوب وحسرات الجنان {وَ} إرسالنا إياك ليس ببدع منا، بل {إِن مِّنْ أُمَّةٍ} أي: ما من أمة من ألامم الماضية {إِلاَّ خَلاَ} ومضى {فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ينذرهم عا لا يعنيهم. {وَ} بعدما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت {إِن يُكَذِّبُوكَ} أولئك الكفرة المصرون على الشرك والعناد، وأنكروا بك وبكتابك، لا تبال بهم وبإنكارهم {فَقَدْ كَذَّبَ} الكفرة {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} أي: قبل هؤلاء المشركين رسلهم مع أنه {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم} المبعوثون إليهم حال كونهم مؤيدين {بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي: الدلائل الواضحات من المعجزات المثبتة لنبوتهم ورسالاتهم {وَبِٱلزُّبُرِ} والصحف المنزلة إليهم، المشتملة على أصول أديانهم وبيان طرقهم {وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} [فاطر: 25] المظهر لسرائر التوحيد بحججه وبراهنيه القاطعة وحكمه وأحكامه الساطعة آثارها. {ثُمَّ} بعدما كذكبوا رسلهم وأنكروا الكتب التي جاءوا بها من عندنا على مقتضى وحيينا، وأصروا على كفرهم وشركهم {أَخَذْتُ} بمقتضى عزتي وقدرتي {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أعرضوا عن الحق مستكبرين، مصرين على الباطل {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 26] أي: إنكاري بالنسبة إلى إنكار أولئك الهلكى، العاجزين في تيه الغفلة والضلال، وإهلاكي إياهم بحيث لم يبق منهم أحد يخلفهم، ويحيي اسمهم ورسمهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} [فاطر: 19-22] يشير إلى حقائق التخلية يعني قبل التزكية والتخلية كان أعمى فصار بصيراً وكان في الظلمات فصار في النور وكان في حرقة جهنم البعد فصار في ظل جنات القرب وكان ميتاً فصار حيّاً {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ} [فاطر: 22] كلام {مَن يَشَآءُ} [فاطر: 22] بعد إحيائه بنور صفاته. {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} [فاطر: 22] يعني ميتا لم يحييه الله بنور صفاته {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} [فاطر: 23] ليس إليك الإحياء ولا الإسماع {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 24-26] وباقي الآيات تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 26].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه لا يتساوى الأضداد في حكمة اللّه، وفيما أودعه في فطر عباده. { وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى } فاقد البصر { وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ } فكما أنه من المتقرر عندكم، الذي لا يقبل الشك، أن هذه المذكورات لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى. فلا يستوي المؤمن والكافر، ولا المهتدي والضال، ولا العالم والجاهل، ولا أصحاب الجنة وأصحاب النار، ولا أحياء القلوب وأمواتها، فبين هذه الأشياء من التفاوت والفرق ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ينبغي أن يتنافس في تحصيله من ضده، فليختر الحازم لنفسه، ما هو أولى به وأحقها بالإيثار. { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } سماع فهم وقبول، لأنه تعالى هو الهادي الموفق { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } أي: أموات القلوب، أو كما أن دعاءك لا يفيد سكان القبور شيئا، كذلك لا يفيد المعرض المعاند شيئا، ولكن وظيفتك النذارة، وإبلاغ ما أرسلت به، قبل منك أم لا. ولهذا قال: { إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ } أي مجرد إرسالنا إياك بالحق لأن اللّه تعالى بعثك على حين فترة من الرسل وطموس من السبل واندراس من العلم وضرورة عظيمة إلى بعثك فبعثك اللّه رحمة للعالمين. وكذلك ما بعثناك به من الدين القويم والصراط المستقيم حق لا باطل وكذلك ما أرسلناك به من هذا القرآن العظيم وما اشتمل عليه من الذكر الحكيم حق وصدق { بَشِيرًا } لمن أطاعك بثواب اللّه العاجل والآجل { وَنَذِيرًا } لمن عصاك بعقاب اللّه العاجل والآجل ولست ببدع من الرسل. فما { مِنْ أُمَّةٍ } من الأمم الماضية والقرون الخالية { إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ } يقيم عليهم حجة اللّه {أية : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ }.
همام الصنعاني
تفسير : 2440- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ}: [الآيات: 19-21]، قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن يقول: كما لا يسْتَوي هذا، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):