Verse. 368 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَمِنْ اَھْلِ الْكِتٰبِ مَنْ اِنْ تَاْمَنْہُ بِقِنْطَارٍ يُّؤَدِّہٖۗ اِلَيْكَ۝۰ۚ وَمِنْھُمْ مَّنْ اِنْ تَاْمَنْہُ بِدِيْنَارٍ لَّا يُؤَدِّہٖۗ اِلَيْكَ اِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْہِ قَاۗىِٕمًا۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّھُمْ قَالُوْا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْاُمِّيّٖنَ سَبِيْلٌ۝۰ۚ وَيَقُوْلُوْنَ عَلَي اللہِ الْكَذِبَ وَ ھُمْ يَعْلَمُوْنَ۝۷۵
Wamin ahli alkitabi man in tamanhu biqintarin yuaddihi ilayka waminhum man in tamanhu bideenarin la yuaddihi ilayka illa ma dumta AAalayhi qaiman thalika biannahum qaloo laysa AAalayna fee alommiyyeena sabeelun wayaqooloona AAala Allahi alkathiba wahum yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار» أي بمال كثير «يؤدَّه إليك» لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأعادها إليه «ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك» لخيانته «إلا ما دمت عليه قائما» لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده «ذلك» أي ترك الأداء «بأنهم قالوا» بسبب قولهم «ليس علينا في الأميين» أي العرب «سبيل» أي إثم لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم ونسبوه إليه تعالى، قال تعالى «ويقولون على الله الكذب» في نسبة ذلك إليه «وهم يعلمون» أنهم كاذبون.

75

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين، الأول: أنه - تعالى - حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية، ما لم يؤتَ أحد غيرُهم مثلَه، ثم إنه تعالى بيّن أن الخِيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان، وهم مصرون عليها، فدل هذا على كذبهم والثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا {أية : لاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 73] حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين: بعضهم أهل الأمانة، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول: أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113] مع قوله{أية : مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }تفسير : [آل عمران: 110] الثاني: أن أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود، والدليل عليه ما ذكرنا، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث: قال ابن عباس: أودع رجل عبد الله بن سلاّم ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية. المسألة الثانية: يقال أمنته بكذا وعلى كذا، كما يقال مررت به وعليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى: على استعلاء الأمانة، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه، واتصاله بحفظه وحياطته، وأيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه، وقولك أمنتك عليه، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له. المسألة الثالثة: المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } تفسير : [النساء: 20] وعلى هذا الوجه، فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول: إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا: لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني: روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث: قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم، وقد تقدم القول في تفسير القنطار. المسألةالرابعة: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر {يُؤَدّهِ } بسكون الهاء، وروي ذلك عن أبي عمرو، وقال الزجاج: هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في {بَارِئِكُمْ } بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال: الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل، وقال الفراء: من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها. فيقول: ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون (ميم) أنتم وقمتم وأصلها الرفع، وأنشد:شعر : لـما رأى أن لا دعـه ولا شبـع تفسير : وقرىء أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء، وقرىء بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل. ثم قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في لفظ (القائم) وجهان: منهم من حمله على حقيقته، قال السدي: يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له، والمعنى: أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن أنظرت وأخرت أنكر، ومنهم من حمل لفظ (القائم) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة، قال ابن قتيبة: أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه، دليل قوله تعالى: {أية : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } تفسير : [آل عمران: 113] أي عامله بأمر الله غير تاركه، ثم قيل: لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني: قال أبو علي الفارسي: القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: {أية : يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } تفسير : [البقرة: 3] ومنه قوله {أية : دِينًا قِيَمًا } تفسير : [الأنعام: 161] أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال. المسألة الثانية: يدخل تحت قوله {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } و {بِدِينَارٍ } العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالاً كثيراً عند عبد الله بن سلام، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء، فخان هذا اليهودي في القليل، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «حديث : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرِّ والفاجر» تفسير : الثاني: أن اليهود قالوا{أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } تفسير : [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة. المسألة الثانية: نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام. قال تعالى: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } تفسير : [التوبة: 91] وقال: {أية : وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } تفسير : [النساء: 141] وقال: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ } تفسير : [الشورى: 41, 42]. المسألة الثالثة: {ٱلامّىّ } منسوب إلى الأم، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أُمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب، وقيل: نسب إلى مكة وهي أم القرى. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم. ثم قال تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ }. اعلم أن في {بَلَىٰ } وجهين أحدهما: أنه لمجرد نفي ما قبله، وهو قوله {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } فقال الله تعالى راداً عليهم {بَلَىٰ } عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج، قال: وعندي وقف التمام على {بَلَىٰ } وبعده استئناف والثاني: أن كلمة {بَلَىٰ } كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده، وذلك لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: نحن أحباء الله تعالى، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على {بَلَىٰ } وقوله {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ } مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في {بِعَهْدِهِ } يجوز أن يعود على اسم {ٱللَّهِ } في قوله {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } ويجوز أن يعود على {مِنْ } لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان: السؤال الأول: بتقدير {أن} يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو {مِنْ } فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى. الجواب: الأمر كذلك، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة، لاتقوه في ترك الكذب على الله، وفي ترك تحريف التوراة. السؤال الثاني: أين الضمير الراجع من الجزاء إلى {مِنْ }؟. الجواب: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله، ولما أمر الله به، كان الوفاء به تعظيماً لأمر الله، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} مثل عبدِ الله ابن سَلاَم. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} وهو فنحاص بن عازوراء اليهوديّ، أودعه رجل ديناراً فخانه. وقيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقرأ ٱبن وَثّاب والأشهب العقيلي «مَنْ إنْ نِيْمَنْه» على لغة من قرأ «نِستعين» وهي لغةَ بكر وتميم. وفي حرف عبد الله «مالك لاَ تِيْمَنّا على يوسف» والباقون بالألف. وقرأ نافع والكِسائي «يؤدِّ هِي» بياء في الإدراج. قال أبو عبيد: وٱتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء، فقرءوا «يؤدّهْ إليك». قال النحاس: بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه ألبتَّةَ ويَرى أنه غلط ممن قرأ به، وأنه توهّم أن الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجلّ من أن يجوز عليه مثل هذا. والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء؛ وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع. وقال الفرّاء: مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربتهْ ضرباً شديداً؛ كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع؛ كما قال الشاعر:شعر : لما رأى ألاّ دَعَهْ وَلا شِبَعْ مال إلى أرْطَاة حِقْفٍ فاضطّجعْ تفسير : وقيل: إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة. وقرأ أبو المُنْذر سلاّم والزُّهريّ «يؤدّهُ» بضم الهاء بغير واو. وقرأ قَتادة وحُميد ومجاهد «يؤدِّهُو» بواو في الإدراج، ٱختِير لها الواو لأن الواو من الشّفة والهاء بعيدة المخرج. قال سيبويه: الواو في المذكّر بمنزلة الألف في المؤنّث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها. الثانية: أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائنَ والأمينَ، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي ٱجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذّكر وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأنّ الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والله أعلم. وقد مضى تفسير القنطار. وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعة ٱثنتان وسبعون حبة، وهو مُجْمَع عليه. ومن حفِظ الكثير وأدّاه فالقليل أوْلى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. وهذا أدلّ دليل على القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلاف (كثير) مذكور في أُصول الفقه. وذكر تعالى قسمين: من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دُمت عليه قائماً. فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف وأبو عبد الرحمن السُّلمي وغيرهما «دِمت» بكسر الدال وهما لغتان، والكسر لغةُ أزْد السَّراة؛ من «دِمْت تدام» مثل خفت تخاف. وحكى الأخفش دِمت تدوم، شاذّاً. الثالثة: ٱستدلّ أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغَريم بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} وأباه سائر العلماء، وقد تقدّم في البقرة. وقد ٱستدل بعض البَغْداديّين (من علمائنا) على حبس المِديان بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل؛ إن معنى «إلا ما دمت عليه قائماً» أي بوجهك فيهَابُك ويستحي منك، فإن الحياء في العينين؛ ألا ترى إلى قول ٱبن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ويقال: «قائماً» أي ملازماً له؛ فإن أنظرته أنكرك. وقيل: أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام. والدِّينار أصله دِنّار فعوّضت من إحدى النونين ياء طلباً للتخفيف لكثرة ٱستعماله. يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دُنَيْنِير. الرابعة: الأمانة عظيمة القَدْر في الدِّين، ومن عِظم قدرها أنها تقوم هي والرَّحِم على جَنَبَتَي الصراط؛ كما في صحيح مسلم. فلا يُمَكّن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدّثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة، قال: «حديث : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه»تفسير : الحديث. وقد تقدم بكماله أوّل البقرة. وروى ٱبن ماجه حدّثنا محمد ٱبن المُصَفَّى حدّثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سِنان عن أبي الزاهريّة عن أبي شجرة كثير ٱبن مُرة عن ٱبن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تَلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً فإذا لم تلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً نُزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تَلقه إلا خائناً مُخَوَّناً فإذا لم تلقه إلا خائناً مخوّناً نُزعت منه الرحمة فإذا نُزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجِيماً ملعناً فإذا لم تَلقه إلا رجِيماً مُلْعَناً نزعت منه رِبْقة الإسلام»تفسير : . وقد مضى في البقرة معنى قولِه عليه السلام: «حديث : أدّ الأمانة إلى من ٱئتمنك ولا تخن من خانك»تفسير : . والله أعلم. الخامسة: ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ لأن فُسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولاً. فطريق العدالة والشهادة ليس يجزىء فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة؛ ألا ترى قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} فكيف يعدل من يعتقد ٱستباحة أموالنا وحَريمنا بغير حرج عليه؛ ولو كان ذلك كافياً في تعديلهم لسُمعت شهادتهم على المسلمين. السادسة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} يعني اليهود {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قيل: إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا في الأُمِّيِّينَ سبيل ـ أي حرج في ظلمهم ـ لمخالفتهم إيّانا. وٱدّعوا أن ذلك في كتابهم؛ فأكذبهم الله عز وجل وردّ عليهم فقال: «بلى» أي بَلَى عليهم سبيل العذاب بكذبهم وٱستحلالهم أموال العرب. قال أبو إسحاق الزجاج: وتمّ الكلام. ثم قال {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى}. ويقال: إن اليهود كانوا قد ٱستدانوا من الأعراب أموالاً فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس لكم علينا شيء، لأنكم تركتم دِينكم فسقط عنا دَينكم. وٱدّعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى: «بلى» ردّا لقولهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. أي ليس كما تقولون، ثم ٱستأنف فقال: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} الشركَ فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله. السابعة: قال رجل لابن عباس: إنّا نُصيب في العَمْد من أموال أهل الذمّة الدّجاجة والشاة ونقول: ليس علينا في ذلك بأس. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب {ليس علينا في الأميِّين سبيل} إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طِيب أنفسهم؛ ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ عن صَعْصعة أن رجلاً قال لابن عباس؛ فذكره. الثامنة: قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يدل على أن الكافر لا يُجعل أهلاً لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب. وفيه ردّ على الكفرة الذين يحرِّمون ويحلّلون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع. قال ابن العربي: ومن هذا يخرج الردّ على من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ولست أعلم أحداً من أهل القِبْلة قاله. وفي الخبر: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البَرّ والفاجر».

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} أي: من المال {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك. وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية عن زياد بن الهيثم، حدثنا مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار، وقيل: معناه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار. ومناسب أن يذكر ههنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً. قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يركبها ليقدم عليه في الأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعهما، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني شهيداً، فقلت: كفى بالله شهيداً، وسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بذلك، وأني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لينظر لعل مركباً يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما كسرها، وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل هذا، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف دينار راشداً، هكذا رواه البخاري في موضع معلقاً بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عنه. ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولاً، عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث به، ورواه البزار في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، كذا قال، وهو خطأ؛ لما تقدم. وقوله: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا، قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة بن يزيد، أن رجلاً سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا يعقوب، حدثنا جعفر عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قال نبي الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر» تفسير : ثم قال تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى} أي: لكن من أوفى بعهده، واتقى منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله، واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيدهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } أي بمال كثير {يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأدّاهَا إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } لخيانته {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا } لا تفارقه، فمتى فارقته أنكره، ككعب بن الأشرف استودعه قرشيّ دينارا فجحده {ذٰلِكَ } أي ترك الأداء {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } بسبب قولهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِينَ } أي العرب {سَبِيلٌ } أي إثم لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم ونسبوه إليه تعالى، قال تعالى {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } في نسبة ذلك إليه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون.

الشوكاني

تفسير : هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين. والجار والمجرور في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } في محل رفع على الابتداء على ما مرّ في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } تفسير : [البقرة: 8] وقد تقدم تفسير القنطار. وقوله: {تَأْمَنْهُ } هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن وثاب، والأشهب العقيلي: «تيمنه» بكسر التاء الفوقية على لغة بكر، وتميم، ومثله قراءة من قرأ: «أية : نستعين»تفسير : [الفاتحة: 5] بكسر النون. وقرأ نافع، والكسائي: {يُؤَدّهِ } بكسر الهاء في الدرج. قال أبو عبيد: واتفق أبو عمرو، والأعمش، وحمزة، وعاصم في رواية أبي بكر على إسكان الهاء. قال النحاس: إسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه ألبتة، ويرى أنه غلط من قرأ به، ويوهم أن الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجلّ من أن يجوز عليه شيء من هذا، والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء. وقال الفراء: مذهب بعض العرب يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، فيقولون ضربته ضرباً شديداً، كما يسكنون ميم أنتم، وقمتم، وأنشد:شعر : لما رأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مال إلى أرْطاة حِقْفٍ فاضَّطجَع تفسير : وقرأ أبو المنذر سلام، والزهري: «يؤده» بضم الهاء بغير واو. وقرأ قتادة، وحمزة، ومجاهد: «يؤدهو» بواو في الإدراج، ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدى أمانته، وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته، وإن كانت حقيرة، ومن كان أميناً في الكثير، فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائناً في القليل، فهو في الكثير خائن بالأولى. وقوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } استثناء مفرغ، أي: لا يؤده إليك في حال من الأحوال إلا ما دمت عليه قائماً مطالباً له مضيقاً عليه متقاضياً لردّه، والإشارة بقوله {ذلك} إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله: {لاَّ يُؤَدِّهِ }. والأميون هم العرب الذين ليسوا أهل كتاب، أي: ليس علينا في ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا، وادّعوا لعنهم الله أن ذلك في كتابهم، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. {بلى} أي: بلى عليهم سبيل؛ لكذبهم واستحلالهم أموال العرب، فقوله: {بَلَىٰ } "إثبات لما نفوه من السبيل". قال الزجاج: تمّ الكلام بقوله: {بَلَىٰ } ثم قال: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى } وهذه جملة مستأنفة، أي: من أوفى بعهده، واتّقى، فليس من الكاذبين. أو فإن الله يحبه، والضمير في قوله: {بِعَهْدِهِ } راجع إلى "من"، أو إلى الله تعالى، وعموم المتقين قائم مقام العائد إلى "مَن"، أي: فإن الله يحبه. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } أي: يستبدلون، كما تقدّم تحقيقه غير مرة. وعهد الله هو ما عاهدوه عليه من الإيمان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، والأيمان: هي التي كانوا يحلفون أنهم يؤمنون به، وينصرونه، وسيأتي بيان سبب نزول الآية {أُوْلَـٰئِكَ } أي: الموصوفون بهذه الصفة {لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأخِرَةِ } أي: لا نصيب {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } بشيء أصلاً، كما يفيده حذف المتعلق من التعميم، أو لا يكلمهم بما يسرهم {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } نظر رحمة، بل يسخط عليهم، ويعذبهم بذنوبهم، كما يفيده قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } قال: هذا من النصارى {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ } قال: هذا من اليهود {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } قال: إلا ما طلبته، واتبعته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلامّيِينَ سَبِيلٌ } قال: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من مال العرب سبيل. وأخرج ابن جرير، عن السديّ نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأمّيِينَ سَبِيلٌ } قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا، وهو تحت قدميّ هاتين، إلا الأمانة، فإنها مؤدّاة إلى البرّ، والفاجر»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن صعصعة أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك من بأس، قال: هذا، كما قال أهل الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأمّيِينَ سَبِيلٌ } إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب نفوسهم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى } يقول: اتقى الشرك: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يقول الذين يتقون الشرك. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امريء مسلم لقي الله، وهو عليه غضبان. تفسير : فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك، كان بيني، وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألك بينة؟ تفسير : قلت: لا، قال حديث : لليهودي: احلف، تفسير : فقلت: يا رسول الله إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } إلى آخر الآية". وقد روى: أن سبب نزول الآية أن رجلاً كان يحلف بالسوق: لقد أعطى بسلعته ما لم يعط بها. أخرجه البخاري، وغيره. وقد روي أن سبب نزولها مخاصمة كانت بين الأشعث، وامرىء القيس، ورجل من حضرموت. أخرجه النسائي، وغيره.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِن أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّه إِلَيكَ} اختلفوا في دخول الباء على القنطار والدينار على قولين: أحدهما: أنها دخلت لإلصاق الأمانة كما دخلت في قوله تعالى: {أية : وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ} تفسير : [الحج:29]. والثاني: أنها بمعنى (على) وتقديره: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه على قنطار. {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِماً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إلا ما دمت عليه قائماً بالمطالبة والإقتضاء، وهذا قول قتادة، ومجاهد. والثاني. بالملازمة. والثالث: قائماً على رأسه، وهو قول السدي. {ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا: لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِينَ سَبِيلٌ} يعني في أموال العرب، وفي سبب استباحتهم له قولان: أحدهما: لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب، وهو قول قتادة، والسدي. والثاني: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وهذا قول الحسن وابن جريج، وقد روى سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَذَّبَ اللهُ أَعْدَاءَ اللهِ، مَا مِن شَيءٍ كَانَ في الجَاهِليَّةِ إلاَّ وَهُوَ تَحتَ قَدَميَّ إلاَّ الأمَانَةَ فَإنَّها مُؤَدَّاةٌ إِلَى الَبرِّ وَالفَاجِرِ ".

ابن عبد السلام

تفسير : {بِقِنطَارٍ} "الباء" فيه، وفي الدينار لإلصاق الأمانة به، أو بمعنى "على" {قَآئِمًا} بالاقتضاء، أو ملازماً، أو قائماً على رأسه. {الأُمِّيِّينَ} العرب، قالوا لا سبيل علينا في أموالهم لإشراكهم، أو لتحولهم عن الدين الذي عاملناهم عليه، ولما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : كذب أعداء الله ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر ".

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ...} الآية: أخبر تعالَىٰ عن أهْل الكتاب؛ أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في ٱستحلالهم أموالَ العَرَبِ. قال الفَخْرَ وفي الآية ثلاثةُ أقوال: الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة؛ لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله. الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارَىٰ، وأهل الخيانة هم اليهودُ. الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية. اهـــ. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ»: قال الطبريُّ: وفائدةُ هذه الآيةِ النهْيُ عن ٱئتمانِهِمْ علَىٰ مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا علَىٰ دِينٍ؛ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ}، والصحيحُ عندي: أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ. قال ابنُ العربيِّ: فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلَىٰ من ٱئتمنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية؛ وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ. قال البخاريُّ: باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ. اهـــ. والقِنْطَارُ؛ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ؛ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه: ثَبَثَ. وقوله: {قَائِمَاً}: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج: معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم. وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنَىٰ قَائِماً: عَلَىٰ رأسه. وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِينَ سَبِيلٌ} الآية: الإشارة بـــ «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متَىٰ قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عَالِمُونَ بمواضعِ الصِّدْق. قال * ص *: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: جملةٌ حاليَّةٌ. اهـــ. ثم ردَّ اللَّه تعالَىٰ في صَدْر قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا}؛ بقوله: {بَلَىٰ}؛ أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر؛ علَىٰ جهة الشرط؛ أنَّ مَنْ أوفَىٰ بالعَهْد، وٱتَّقىٰ عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ...} الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلَىٰ يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها؛ بحَسَب جريمتِهِ. قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه»: وقد ٱختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ ٱمْرِىء مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»تفسير : ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلاً...} الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ؛ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ٱبْنِ عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: حديث : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وذَكَرَ الحديثتفسير : . اهـــ. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: يَلْوُونَ: معناه: يحرِّفون ويتحيَّلون؛ لتبديل المعانِي من جهة ٱشتباهُ الألفاظ، وٱشتراكِهَا، وتشعُّب التأويلات؛ كقولهم: {أية : رٰعِنَا } تفسير : [البقرة:104]، {أية : وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} تفسير : [النساء:46] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها؛ ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ؛ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين. وقوله: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه؛ كما ٱدَّعَوْا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراعِ، والإيجاد، ومنهم بالتكسُّبِ.

ابن عادل

تفسير : لما حكى خيانَتَهم في باب الدِّين ذكرها - أيضاً - في الأموال. قوله: "مَنْ" مبتدأ، و {وَمِّنْ أَهْلِ} خَبَرُه، قُدِّمَ عليه، و "مَنْ" إما موصولة، وإما نكرة. و "إن تأمنه بقنطار يؤده" هذه الجملة الشرطية، إما صلة، فلا محل لها، وإما صفة فمحلّها الرفع. وقرأ بعضهم: {تِئْمنه}، و {مَا لَكَ لاَ تِئْمَنَّا} [يوسف: 11]. بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي، إلا أنهما أبْدَلاَ الهمزة ياءً. وجعل ابن عطية ذلك لغة قُرَيْشٍ، وغلَّطه أبو حيّان وقد تقدّمَ الْكَلاَمُ في كسر حرف المضارعةِ، وشرطه في الفاتحة يقال: أمنته بكذا، وعلى كذا، فالباءُ للإلصاق بالأمانة، و "على" بمعنى استيلاء المودع على الأمانة. وقيل: معنى: أمنته بكذا، وثقت به فيه، وأمنته عليه: جعلته أميناً عليه. والقنطارُ والدينار: المراد بهما العددُ الكثيرُ، والعدد القليل، يعني: أن فيهم مَنْ هو في غاية الأمانة، حتى أنه لو ائتمِن على الأموال الكثيرة أدَّى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة، حتى لو ائتُمِن على الشيء القليل فإنه يخون فيه. واختلف في القنطار، فقيل: ألف ومائتان أوقية؛ لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب، فردَّه، ولم يَخُنْ فيه. ورُوِي عن ابن عباس أنه مِلْءُ جلد ثور من المال. وقيل: ألف ألف دينار، أو ألف ألف درهم - وقد تقدم -. والدينار: أصله: دِنَّار - بنونين - فاستثقل توالي مثلَيْن، فأبدلوا أولهما حرفَ علة، تخفيفاً؛ لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رَدُّه إلى النونين - تكسيراً وتصغيراً - في قولهم: دَنَانير ودُنَيْنِير. ومثله قيراط، أصله: قِرَّاط، بدليل قراريط وقُرَيْرِيط، كما قالوا: تَظَنَّيْتُ، وقصَّصْتُ أظفاري، يريدون: تظنّنت وقصّصت - بثلاث نونات وثلاث صاداتٍ - والدِّينار مُعرَّب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصْلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قِيراطٍ ثلاث شعيرات معتدلاتٍ، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرةً. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم "يُؤَدِّهْ" بسكون الهاء في الحرفين. وقرأ قالون "يُؤَدِّهِ" بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء، وعن هشام وجهان: أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة. أما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرَّجوها على أوجه، أحسنها أنه سكنت هاء الضمير، إجراءً للوصْل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو: {أية : يَتَسَنَّهْ}تفسير : [البقرة: 259] و {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى. وأنشد ابنُ مجاهد على ذلك: [البسيط] شعر : 1516- وأشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا تفسير : وأنشد الأخفش: [الطويل] شعر : 1517- فَبتُّ لَدَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أخِيلُهُ وَمِطْوايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقَان تفسير : إلا أن هذا يخصُّه بعضهم بضرورة الشعر، وليس كما قال، لما سيأتي. وقد طعن بعضهم على هذه القراءةِ، فقال الزَّجَّاجُ: هذا الإسكان الذي رُوِيَ عن هؤلاء غلط بَيِّنٌ؛ وأن الفاء لا ينبغي أن تُجْزَم، وإذا لم تُجْزَم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأُراه كان يختلس الكسرة، فغلط عليه كما غلط عليه في "باريكم". وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً، يعني يكسر في {أية : بَارِئِكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] كسراً خفيًّا، فظنه الراوي سكوناً. قال شهابُ الدينِ: وهذا الرد من الزجَّاج ليس بشيءٍ لوجوه: منها: أنه فَرَّ من السكون إلى الاختلاس، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نص على أنَّ الاختلاس - أيضاً - لا يجوز إلا في ضرورة، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس، قال: ليُجْرَى الوصلُ مجرى الوقف إجراء كاملاً، وجعل قوله: [البسيط] شعر : 1518-.......................... إلاَّ لأن عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا تفسير : أحسن من قوله: [البسيط] شعر : 1519-.......................... مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتَمَرَا تفسير : حيث سكن الأول، واختلس الثاني. ومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء - حكى الكسائيُّ عن بني عقيل وبني كلابٍ {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود} تفسير : [العاديات: 6] - بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع -. ويقولون: لَهُ مال، ولَهْ مالٌ - بالإسكان والاختلاس. قال الفراء: من العرب مَنْ يجزم الهاء - إذا تحرَّك ما قبلَها - نحو ضَرَبْتُهْ ضرباً شديداً، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم "أنتم" و "قمتم" وأصلها الرفع. وأنشد: [الرجز] شعر : 1520- لمَّا رَأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مَالَ إلَى أرْطَاةِ حِقف فالطَجَعْ تفسير : قال شهاب الدينِ: وهذا عجيب من الفرَّاء؛ كيف يُنْشِد هذا البيت في هذا المَعْرِض؛ لأن هذه الفاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل، فقلبها هاءً ساكنة في الوصل؛ إجراءً له مُجْرَى الوقف وكلامنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيثِ؛ لأن هاء التانيثِ لا حَظَّ لها في الحركة ألبتة، ولذلك امتنع رومها وإشمامُها في الوقف، نَصُّوا على ذلك، وكان الزجاج يُضَعَّف في اللغة، ولذلك رد على ثعلب - في فصيحه - أشياء أنكرها عن العرب، فردَّ الناسُ عليه رَدَّه، وقالوا: قالتها العربُ، فحفظها ثعلب ولم يحفظْها الزجَّاج. فليكن هذا منها. وزعم بعضهم أن الفعلَ لما كان مجزوماً، وحلت الهاءُ محلّ لامِهِ جرى عليها ما يَجْرِي على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديدٍ. وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1521- لَهُ زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ إذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1522- أنَا ابْنُ كِلابٍ وابْنُ أوْسٍ فَمَنْ يَكُنْ قِنَاعُهُ مغْطِيًّا فَإنِّي لَمُجْتَلى تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 1523- أوْ مَعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبي عَنْ وَلِيَّتِهِ مَا حَجَّ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا وَلا اعْتَمَرَا تفسير : وقد تقدم أنها لغة عقيل، وكلاب أيضاً، وأما قراءة الباقين فواضحة وقرأ الزهريُّ "يُؤَدِّهو" بضم الهاء بعدها واو، وهذا هو الأصل في هاء الكتابة، وقرأ سَلاَّم كذلك إلا أنه ترك الواوَ فاختلس، وهما نظيرتا قراءتي "يؤدهي" و {يُؤَدِّهِ} - بالإشباع والاختلاس مع الكسرِ واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم، أو أمر معتلِّ الآخر، جَرَى فيها هذه الأوجُه الثلاثة أعني السكون والإشباع والاختلاس - كقوله: {أية : نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران: 145] وقوله: {أية : يَرْضَهُ لَكُمْ}تفسير : [الزمر: 7] وقوله: {أية : مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّم} تفسير : [النساء: 115]، وقوله: {أية : فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم} تفسير : [النمل: 28] وقد جاء ذلك في قراءة السبعة - أعني: الأوجه الثلاثة - في بعض هذه الكلمات وبعضها لم يأت فيه إلا وجه - وسيأتي مفصَّلاً في مواضعه إنْ شاء الله. وليس فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرَّك فالفصيح فيها الإشباع، نحو "إنَّهُ، لَهُ، بِهِ"، وإن سبقها ساكن، فالأشهر الاختلاس - سواء كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً - نحو فيه، منه وبعضهم يفرق بين المعتلْ والصحيح وقد تقدم ذلك أول الكتاب. إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرِّك، فحقها أن تشبع حركتها موصولةً بالياء، أو الواو، وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مُجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن - وهو حَرْفُ العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات. قوله {بِدِينَارٍ} في هذه الباء ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها للإلصاق، وفيه قَلَقٌ. الثاني: أنها بمعنى "في" ولا بد من حذف مضاف، أي: في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار. الثالث: أنها بمعنى "على" وقد عُدِّيَ بها كثيراً، كقوله: {أية : مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 11] وقوله: {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ} تفسير : [يوسف: 64] وكذلك هي في {بِقِنطَارٍ}. قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} استثناء مفرَّغ من الظرف العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع المُددِ والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه، متوكِّلاً به و "دُمْتَ" هذه هي الناقصةُ، ترفع وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك [ولا ينصرف، فأما قولهم: "يدوم" فمضارع "دام" التامة بمعنى بقي، ولكونها صلة لـ "ما" الظرفية] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر، ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكياً ولو قلت ما دام زيد قائماً من غير شيء لم يكن كلاماً. وجوز أبو البقاء في "ما" هذه أن تكون مصدرية فقط، وذلك المصدر - المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال، وهو استثناءٌ مفرَّغ - أيضاً - من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير: إلا في حال ملازمتك له، وعلى هذا، فيكون "دَامَ" هنا تامة؛ لما تقدم من أن تقدُّم الظرفية شرط في إعمالها، فإذا كانت تامة انتصب "قَائماً" على الحال، يقال: دام يدُوم - كقام يقوم - و "دُمت قائماً" بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، وتميم يقولون: دِمْت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثّابٍ والأعمشُ وطلحة والفياضُ بن غزوان وهذه لغة تميم، ويجتمعون في المضارع، فيقولون: يدوم يعني: أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضمومُ الْعَيْنِ، وكان قياسُ تميم أن تقول يُدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند الحجازيين فعَل - بفتح العين - وعند التميمين فِعل بكسرها هذا نقل الفراء. وأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون: دِمْتُ أدام - كخِفت أخاف - نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري. وأصل هذه المادة: الدلالة على الثبوت والسكون، يقل: دام الماء، أي سكن. وفي الحديث: "حديث : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" تفسير : وفي بعضه بزيادة: الذي لا يجري، وهو تفسير له، وأدَمْت القِدْرَ، ودومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه: دامَ الشيء، إذا امتدَّ عليه الزمان، ودوَّمت الشمس: إذا وقعت في كبد السماء. قال ذو الرمة: [البسيط] شعر : 1524-.......................... وَالشَّمْسُ حيْرَى لَهَا في الْجَوِّ تَدْوِيمُ تفسير : هكذا أنشد الراغبُ هذا الشطر على هذا المعنى، وغيره ينشده على معنى أن الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حول الشيء، ومنه الدوام، وهو الدُّوَار الذي يأخذ الإنسان في دماغه، فيرَى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضاً - قول علقمة بن عَبدَة: [البسيط] شعر : 1525- تَشْفِي الصُّدَاعَ وَلاَ يُؤْذِيكَ سَالِيهَا وَلاَ يُخَالِطُهَا فِي الرَّأْسِ تَدْوِيمُ تفسير : ومنها: دوَّم الطائر، إذا حَلَّق ودار. قوله: "عَلَيْهِ" متعلق بـ "قائِماً" وفي المراد بالقيام - هنا - وجهان: الأول: الحقيقة، وهو أن يقوم على رأس غريمه، ويلازمه بالمطالبة، وإن أخَّره أنكر. قال القرطبيُّ: استدل أبو حنيفةَ على مذهبه في ملازمة الغريمِ بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} وأباه سائر العلماء واستدلَّ بعضهم على حَبْس المِدْيان بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} فإذا كان له ملازمته، ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل معنى: إلا ما دمت عليه قائماً أي: بوجهك، فيهابك، ويستحيي منك، فإن الحياء في العينين ألا ترى قول ابن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين وإذا طلبتَ من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك، حتى يستحيي فيقضيها. الثاني: المجاز. قال ابن عباس: المرادَ من هذا القيام، الإلحاح، والخصومة، والتقاضي، والمطالبة، قال ابن قُتَيْبَة: أصله أن المطالبَ للشيء يقوم فيه، والتارك له يَبْعُد عنه، بدليل قوله تعالى: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} تفسير : [آل عمران: 113] أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. ثم قيل لكل مَنْ واظب على مطالبة أمر: قام به - وإن لم يكن ثَمَّ قيام - وقال: أبو علي الفارسي: القيام - في اللغة - بمعنى الدوام والثبات، كما ذكرناه في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النمل: 3] ومنه قوله: {أية : دِينًا قِيَمًا} تفسير : [الأنعام: 161]، أي: دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى الآية: دائماً، ثابتاً في مطالبتك. فصل دلَّت الآية على انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أهل أمانة، وأهل خيانة. فقيل: أهل الأمانة هم الذين أسلموا، وأهل الخيانة: هم الذين لم يُسْلِموا. وقيل: أهل الأمانة هم النصارى وأهل الخيانة: هم اليهود. وروى الضحاك عن ابن عباس - في هذه الآية {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني عبد الله بن سلام، [أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب، فأداه. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني: فنحاص بن عازوراء]، استودعه رجل من قريش ديناراً، فخانه. فصل يدخل تحت هذه الآية العَيْنُ والدَّيْنُ؛ لأن الإنسانَ قد يأتمن غيره على الوديعة، وعلى المبايعة، وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين، ونُقِل عن ابنِ عباس أنه حمله على المبايعة، فقال ومنهم من تبايعه بثمن القنطار، فيؤديه إليك، ومنهم من تبايعه بثمنِ الدينارِ، فلا يؤديه إليك ونقلنا - أيضاً - أن الآية نزلت في رجل أودعَ مالاً كثيراً عبد الله بن سلام فأدَّاه، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء فلم يؤده، فثبت أن اللفظ محتمل لجميع الأقسام. قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً: أحدها: أنهم يبالغون في التعصُّب لدينهم، فلذلك يقولون: يحل لنا قتل المخالف، وأخذ ماله بأي طريق كان، وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَذَبَ أعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ إلا وهُو تَحْتَ قدَميَّ، إلاَّ الأمَانَةَ، فإنَّهَا مُؤدَّاة إلى البَرِّ والْفَاجِرِ ". تفسير : الثاني: أن اليهود قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا، إذا أكلنا أموال عبيدنا. الثالث: قال القرطبيُّ: قالت اليهود: إن الأموال كانت كلُّها لنا، فما في أيدي العرب منها، فهو لنا؛ ظلمونا وغصبونا، فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. الرابع: قال الحسنُ وابنُ جريجٍ ومقاتلٍ: إن اليهودَ إنما ذكروا هذا الكلامَ لمن خالفهم من العرب الذين آمنوا بالرسول خاصَّةً، وليس لكل من خالفهم. ورُوي أنهم بايعوا رجالاً في الجاهلية، فلما أسلموا طالبوهم بالأموال، فقالوا: ليس علينا حَقٌّ؛ لأنكم تركتم دينكم. وادَّعَوْا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. قال ابن الخطيبِ: "ومن المحتملِ أنه كان من مذهب اليهود، أن مَن انتقل من دين باطلٍ إلى دين آخرَ باطلٍ كان في حكم المرتدِّ، فهم - وإن اعتقدوا أن العرب كُفار، إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كُفر - حكموا على العرب الذي أسلموا بالرِّدَّةِ. قوله: {لَيْسَ عَلَيْنَا} يجوز أن يكون في "ليس" ضمير الشأنِ - وهو اسمها - وحينئذ يجوز أن يكون "سبيل" مبتدأ، و "عَلَيْنَا" الخبر، والجملة خبر ليس. ويجوز أن يكون "عَلَيْنَا" وحده هو الخبر، و {سَبِيلِ} مرتفع به على الفاعلية. ويجوز أن يكون {سَبِيلِ} اسم "ليس" والخبر أحد الجارين أعني: {عَلَيْنَا} أو {فِي ٱلأُمِّيِّينَ}. ويجوز أن يتعلق {فِي ٱلأُمِّيِّينَ} بالاستقرار الذي تعلق به "عَلَيْنَا" وجوّز بعضهم أن يتعلق بنفس "ليس" نقله أبو البقاء، وغيرُه، وفي هذا النقل نظر؛ وذلك أن هذه الأفعال النواقص في عملها في الظروف خلاف، وَبَنَوُا الخلافَ على الخلاف في دلالتها على الحدث، فمن قال: تدل على الحدث جوز إعمالها في الظرف وشبهه، ومن قال: لا تدل على الحدث منعوا إعمالها. واتفقوا على أن "ليس" لا يدل على حدث ألبتة، فكيف تعمل؟ هذا ما لا يُعْقَل. ويجوز أن يتعلق {فِي ٱلأُمِّيِّينَ} بـ "سَبيلٌ"، لأنه استعمل بمعنى الحرجِ، والضمانِ، ونحوها. ويجوز أن يكون حالاً منه فيتعلق بمحذوف. قال: فالأمي منسوب إلى الأم، وسُمِّي النبي صلى الله عليه وسلم أمياً؛ قيل: لأنه كان لا يكتب، وذلك لأن الأمَّ: أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بَقِي على أصله في أن لا يكتب. وقيل: نسبة إلى مكة، وهي أمُّ القُرَى. قوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ} فيه وجوهٌ: أحدها: هو قولهم: أن جواز الخيانةِ مع المخالف مذكور في التوراة، وكانوا كاذبين في ذلك، وعالمين بكونهم كاذبين. [ومن كان كذلك كانت خيانته أعظمَ، وجرمُه أفحش] فيه. وثانيها: أنهم يعلمون كون الخيانة مُحَرَّمَةٌ. وثالثها: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم. فصل في رد شهادة الكافر قال القرطبيُّ: "دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ الكافرَ لا يُجعل أهلاً لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بالكذب، وفي الآية رَدٌّ على الكَفَرَةِ الذين يُحَلِّلُون ويُحَرِّمون من غير تحليل الله وتحريمه ويجعلون ذلك من الشرع، قال ابن العربيّ: ومِنْ هذا يخرج الرَّدُّ على مَنْ يحكم بالاستحسان مِن غير دليل، ولست أعلم أحداً من أهل القبلةِ قاله". قوله: {عَلَى اللَّهِ} يجوز أن يتعلق بالكذب - وإن كان مصدراً - لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيرهما ومَنْ منع علَّقه بـ "يَقُولُونَ" متضمِّناً معنى يفترون، فعُدِّي تعديته. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "الْكَذِب"، وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة حالية، ومفعول العلم محذوف اقتصاراً، أي: وهم من ذوي العلم، أو اختصاراً، أي: وهم يعلمون كذبهم وافتراءهم، وهو أقبح لهم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} قال: هذا من النصارى {ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك} قال: هذا من اليهود {إلا ما دمت عليه قائماً} قال: إلا ما طلبته واتبعته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك} قال: كانت تكون ديون لأصحاب محمد عليهم فقالوا: ليس علينا سبيل في أموال أصحاب محمد إن أمسكناها. وهم أهل الكتاب أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك ين دينار قال: إنما سمي الدينار لأنه دين، ونار، قال: معناه أن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذ بغير حقه فله النار. وأخرج الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدرهم لمَ سمي درهماً، وعن الدينار لمَ سمي ديناراً؟ قال: أما الدرهم فكان يسمى دارهم، وإما الدينار فضربته المجوس فسمي ديناراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {إلا ما دمت عليه قائماً} قال: مواظباً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {إلا ما دمت عليه قائماً} يقول: يعترف بأمانته ما دمت عليه قائماً على رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي والذي يجحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} قال قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: يقال له ما بالك لا تؤدي أمانتك؟؟ فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال "حديث : لما نزلت {ومن أهل الكتاب} إلى قوله {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤدَّاة إلى البر والفاجر ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن صعصعة. أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك من بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب {ليس علينا في الأميين سبيل} إنهم إذا أدُّوا الجزية لم تحلَّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} . وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس {بلى من أوفى بعهده واتقى} يقول: اتقى الشرك {فإن الله يحب المتقين} يقول الذين يتقون الشرك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} الآية. أخبر أنهم - مع ضلالتهم وكفرهم - متفاوتون في أخلاقهم، فكُلُّهمْ خَوَنَةٌ في أمانة الدِّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة، ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك في إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب؛ إذ الكفار مُطَالَبُون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا في كفرهم أقلَّ ذنباً كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلَّ عذاباً، وإن كانت عقوبتهم أيضاً مؤبَّدة. ثم بيَّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا: {قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. فلا تجري عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن اهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار} يقال امنته بكذا فالباء للاصاق بالامانة فان من ائتمن على شىء صار ذلك الشىء فى معنى الملصق به لقربه منه واتصاله بحفظه والمراد بالقنطار ههنا العدد الكثير {يؤده اليك} من غير جحد ونقص كعبد الله بن سلام استودعه قرشى الفا ومائتى اوقية ذهبا فادها اليه فاهل الامانة من اهل الكتاب هم الذين اسلموا {ومنهم من ان تأمنه بدينا} والمراد بالدينار ههنا العدد القليل {لا يؤده اليك} وهو كعب بن الاشرف استودعه رجل من قريش دينارا فلم يؤده وجحده فذمه تعالى فاهل الخيانة منهم هم الذين بقوا على اليهودية والنصرانية والمعنى ان فيهم من هو فى غاية الامانة حتى لو اؤتمن على الاموال الكثيرة ادى الامانة فيها ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى لو اؤتمن فى الشىء القليل فانه يخون {الاما دمت عليه قائما} استثناء مفرغ من اعم الاحوال والاوقات اى لا يؤده اليك فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات الا فى حال دوام قيامك او فى وقت قيامك على رأسه مبالغا فى مطالبته بالتقاضى واقامة البينة {ذلك} اى تركهم اداء الحقوق {بانهم} اى بسبب انهم {قالوا ليس علينا فى الاميين} اى فى شأن من ليس من اهل الكتاب {سبيل} اى عتاب ومؤاخذة ونفى السبيل نفى المطالبة فان المطالب لا يتمكن من المطالبة الا اذا وجد السبيل الى المطلوب. والامى منسوب الى الام وسمى النبى عليه السلام اميا لانه كان لا يكتب وذلك لان الام اصل الشىء فمن لا يكتب فقد بقى على اصل حاله فى ان لا يكتب. وقيل لانه عليه السلام نسب الى مكة وهى ام القرى {ويقولون على الله الكذب} بادعائهم ان ذلك فى كتابهم {وهم يعلمون} انهم كاذبون مفترون على الله وذلك لانهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا لم يجعل فى التوراة فى حقهم حرمة فقد كذبوا فى ذلك على الله فان اداء الامانة واجب فى الاديان كلها وحبس مال الغير والاضرار به والخيانة اليه حرام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الباء في {بقنطار}، بمعنى على، و {يؤده}: جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف، فجزمه عوضاً عنه، وقال الفراء: مذهب بعض العرب: يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ضرباً شديداً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن أهل الكتاب} من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان {إن تأمنه} على {قنطار} من المال أو أكثر أداه إليك، ولم يخن منه شيئاً. وفي الحديث:"حديث : من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء"تفسير : . {ومنهم} من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران، {إن تأمنه} على {دينار} فأقل {لم يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً} على رأسه، مبالغاً في مطالبته. نزلت في عبد الله بن سلام، استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً، فأداها إليه، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي، استودعه قرشي آخر ديناراً، فجحده. وقيل: في النصارى واليهود، فإن النصارى: الغالب عليهم الأمانة، واليهود الغالب عليهم الخيانة. وذلك الاستحلال بسبب أنهم {قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} أي: ليس علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب، ولم يكونوا على ديننا، حرج في أخذ مالهم وجحدها، ولا إثم، {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} أنهم كاذبون؛ لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم، وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل: عَاملَ اليهودُ رجلاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم، فقالوا: سقط حقكم حيث تركتم دينكم. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : كَذَبَ أَعْدَاءُ اللّهِ، مَا مِنْ شَيءٍ فِي الجاهِلية إلاّ وَهُو تَحْتَ قَدَمَي، إِلاَّ الأمَانَةَ فإِنهَا مُؤداةٌ إلى الْبَر والفَاجِر ". تفسير : ثم كذَّبهم الحقّ - تعالى - فقال: {بلى}؛ عليهم في ذلك سبيل، فإن {من أوفى بعهده واتقى} الشرك والمعاصي {فإن الله يحب المتقين} ومن أحبّه الله كيف يباح ماله وتسقط حرمته؟! بل من أسقط حرمته فقد حارب الله ورسوله، أو {من أوفى}، بعهد الله من أهل الكتاب، فآمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - {واتقى} الخيانة، وأدى الأمانة، {فإن الله يحب المتقين}. وأوقع المظهر موقع الضمير العائد إلى "من"؛ لعمومه، فإن لفظ المتقين عام يصدق برد الودائع وغيره، إشعاراً بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة الشريعة، فتساهل في أموال الناس وسقطت لديه حرمة العباد، حتى لا تثق به في حفظ مال ولا أهل، فإذا أودعته شيئاً أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية. لا يرضاها أدنى الناس، فما بالك بمن يدعي أنه أعلى الناس، وفي بعض الحكم: [كَمَالُ الديانة ترك الخيانة]، وأعظم الإفلاس خيانة الناس، وفي الحديث:"حديث : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُواَ مُنَافقٌ، وإنْ صَلَّى وإن صَامَ وزَعم أنه مُؤْمن، إذ حدَّثّ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خَانَ"تفسير : . فإذا احتج لنفسه الأمارة، وقال: لا سبيل علينا في متاع العوام، فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام، واستحق أن يعلو مفرقه الحُسام. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أبو عمرو "يؤده إليك" باسكان الهاء. الباقون باشباعها. قال الزجاج: هذا غلط من الراوي كما غلط في "بارئكم" باسكان الهمزة، وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة فيما رواه الضباط عنه كسيبويه وغيره. وإنما لم يجز حذف الحركة، كما لم يجز في هذا غلام فاعلم، لأنه لما حذفت الياء تركت الكسرة لتدل عليها. المعنى، واللغة: والقنطار: قد ذكرنا الخلاف في مقداره، فانه على قول الحسن ألف ومأتا مثقال. وفي قول أبي نضرة ملأ مسك ثور ذهباً. وقيل سبعون ألفاً عن مجاهد. وعن أبي صالح أنه مئة رطل. والفرق بين {تأمنه بقنطار} وتأمنه على قنطار أن معنى الباء الصاق الأمانة، ومعنى على استعلاء الأمانة، وهما يتعاقبان في هذا الموضع، لتقارب المعنى، كما يقال: مررت به ومررت عليه. وقوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} قيل في معناه قولان: أحدهما - {إلا ما دمت عليه قائماً} بالتقاضي والمطالبة في قول قتادة، ومجاهد و [الثاني] قال السدي إلا ما دمت عليه قائماً بالاجتماع معه، والملازمة. ومعناه إلا ما دمت عليه قائماً على رأسه. ودِمت ودُمت لغتان مثل مت ومت لكن من كسر الدال والميم قال في المستقبل: تدام وتمات، وهي لغة ازد السراة، ومن جاورهم. وقوله: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال قتادة والسدي: قالت اليهود ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل، لأنهم مشركون. و [الثاني] قال الحسن وابن جريج: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وقوله: {وهم يعلمون} معناه يعلمون هذا الكذب على الله تعالى، فيقدمون عليه، والحجة قائمة عليهم فيه. وقال قوم: قوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} يعني النصارى، لأنهم لا يستحلون أموال من خالفهم، وعنى بقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار} اليهود لأنهم يستحلون مال كل من خالفهم في حل السبت. وعلى هذا يسقط سؤال من يقول أي فائدة في ذكر ذلك، لأن من المعلوم في كل حال من كل أمة أن فيها من يؤدي الامانة وفيها من لا يؤديها، فلا فائدة في ذلك؟ فان هذا ميز بين الفريقين. ومن قال بالأول يمكنه أن يقول فائدة الآية القطع على أن فيهم هؤلاء، وهؤلاء وسائر الناس يجوز أن لا يكون فيهم إلا أحد الفريقين، فلذلك فائدة بينة. ويمكن أيضاً أن تكون الفائدة أن هؤلاء لا يؤدون الأمانة لاستحلالهم ذلك بقوله: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} وسائر الفرق وإن كان منهم من لا يؤدي الامانة، لا نعلم أنه يستحلها وذلك فائدة.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال: من اهل الكتاب من يحتال بالحيل الشّيطانيّة ومنهم من يكون سالماً من الحيل، ومن اهل الكتاب فى مقام الامانة والخيانة {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} الباء للتّعدية والقنطار اربعون وقيّة من الذّهب او الف ومأتا دينار او ثمانون الف درهم، او مئة رطل من الذّهب او الفضّة، او الف دينار او ملء مسك ثور ذهباً او فضّة، او الف ومأتا وقيّة، او سبعون الف دينار والمراد مدح بعضهم بأنّك ان تأمنه بكثيرٍ من المال لا يخنه و {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} قيل: المراد بهذا البعض النّصارى {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} اصله دنّار بدليل دنانير والمقصود المال القليل يخنه و {لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} اى الاّ ما لم تغب عن نظره وقيل: المراد بهذا البعض اليهود والحقّ انّه لا اختصاص لشيءٍ منهما بفرقة منهما {ذٰلِكَ} المذكور من عدم الاداء {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي} حقّ {ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} يعنى ليس علينا عقوبة فى التّقصير فى حقوق من ليسوا من اهل الكتاب والمراد بالامّيّين امّا اهل مكّة او اهل الاسلام لانتسابهم الى محمّد (ص) المبعوث من مكّة، او محمّد (ص) الّذى لم يقرأ ولم يكتب، او المراد كلّ من لم يكن له كتاب وشريعة وملّة الهيّة وذلك انّهم استحلّوا ظلم من خالفهم وقالوا: لم يجعل لهم فى التّوراة حرمة وعن النّبىّ (ص) انّه لمّا قرأ هذه الآية قال: "حديث : كذب اعداء الله ما من شيءٍ كان فى الجاهليّة الاّ وهو تحت قدمى الاّ الامانة فانّها مؤدّاة الى البرّ والفاجر"تفسير : {وَيَقُولُونَ} اى يعلّقون بقولهم هذا {عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انّه كذب وهذا تعريض بالامّة وما أحدثوه بعد وفاة الرّسول (ص) من الاختلاف وانكار كلّ فرقةٍ حرمة الاخرى كما هو واقع فى زماننا بين المنتحلين للتّشيّع والمقرّين بالائمّة الاثنى عشر حيث يكفّر ويلعن بعضهم بعضاً ويستحلّون أموالهم ودماءهم وفروج المحصنات من نسائهم بادّعاء كلٍّ انّ المخالف لمذهبنا لا حرمة له فى نفسه وماله وعرضه.

الأعقم

تفسير : {ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يُؤَده إليك} نزلت في عبدالله بن سلام، أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقيَّة ذهباً فأدّاه إليه، وفي فنحاص اليهودي أودعه رجل قُرَيشي ديناراً فجحده عن ابن عباس، وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، فالذي يؤدي الأمانة النصارى، والذي لا يؤديها اليهود، وقيل: قالت اليهود: الأموال كلها لنا فيما في أيدي العرب لنا ظلمونا وغصبونا، فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم {إلا ما دمت عليه قائماً} إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه متوكلاً عليه بالمطالبة أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين} يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والاضرار بهم، لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون ما لم يجعل له في كتابنا حرمة، وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس علينا حق {ويقولون على الله الكذب} بادعائهم أن ذلك في كتابهم {وهم يعلمون} أنهم كاذبون {بلى} إثبات لما نفوه من السبيل {من أوفى بعهده} لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتبهم من الايمان برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصدقاً لما معهم {فإن الله يحب المتّقين} نزلت في عبد الله بن سلام {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} نزلت في أبي رافع بن حيي بن اخطب حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذوا الرشوة على ذلك، وقيل: جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً، فقالوا: لعله شبّه علينا فانطلقوا وكتبوا صفته غير صفته، ثم رجعوا وقالوا: قد غلطنا وليس هو الذي بعث ففرح وأمارهم {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} بكلام يسرهم {ولا ينظر إليهم} أي لا يرحمهم ولا يحسن إليهم {ولا يزكيهم} أي لا يريد بهم خيراً ولا يثني عليهم، وقوله تعالى: {ولا ينظر إليهم} مجاز عن الاستهانة والسخط عليهم، {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب} يعني يحرفونه {ويقولون هو من عند الله} فأكذبهم الله بقوله: {وما هو من عند الله} وفي الآية دليل واضح على أن أفعال العباد منهم وبطلان قول المحبرة لأن عندهم أنها مخلوقة، والآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجماعة من أحبار اليهود وأشرافهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني من آمن منهم. قال بعضهم: كنا نُحَدَّثُ أن القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق. قال: {وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} بالطلب، أي إلا ما طلبته واتَّبعته. قال الكلبي: إن سألته حين تعطيه إياه رده إليك، وإن أنظرته به أياماً ذهب به. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. قال الحسن: يعنون بالإِميين مشركي العرب. قالوا: إنما كانت لهم هذه الحقوق وتجب لنا، وهم على دينهم، فلما تحوّلوا عن دينهم الذي بايعناهم عليه لم يثبت لهم علينا حق. وقال: بعضهم: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل، أي إثم. قال الله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ} أي يقولون لأصحابهم هذا كذباً على الله. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون. قوله: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} قال الكلبي: يقول: من كان [وفيا بعهده] فأدوا إليه الأمانة. وقال الحسن: بلى من أدّى الأمانة وآمن {فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}. هم أهل الكتاب كتبوا كتباً بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، فاشتروا به ثمناً قليلاً، أي عرضاً من الدنيا يسيراً، وحلفوا لهم أنه من عند الله. وكان ما ادّعوا من قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل ما اشتروا به من عند الله وأيمانهم ثمناً قليلاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم لقى الله وهو عليه غضبانتفسير : . قال عمر: إن ذلك لفي كتاب الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}.... إلى آخر الآية. ذكروا عن الحسن أنه قال: ذكرت الكبائر عند النبي عليه السلام فقال: حديث : فأين تجعلون اليمين الغموس . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا رأيتم الرجل يريد أن يحلف في يمين وجبت عليه، فاقرأوا عليه هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}... إلى آخر الآية. قوله: {أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} [أي لا نصيب لهم من الجنة] {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ} أي بما يحبون، وقد يكلّمهم ويسألهم عن أعمالهم. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} نظر رحمة {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: ولا يطهّرهم من ذنوبهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} كعبد الله بن سلام استودعه قريشى ألفاً وماينى أوقية ذهباً فأداه إليه. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً}: كفنحاص بن عازور، استودعه قريشى آخر ديناراً فجحده، وذلك مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكل من عبد الله ابن سلام، وفنحاص من اليهود، ولكن عبد الله أسلم. وتقدم الكلام فى القنطار وأما الأوقية الشرعية فأربعون درهما، وأما فى العرف فعشرة دراهم، وعبارة بعضهم انعقد الإجماع أن الأوقية العرفية عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، والمراد فى الآية: أن أهل الكتاب من لا يخون ولو اؤتمن على الكثير مع الخيانة من الكثير متيسرة، لأنها تخفى، ومنهم من يخون ولو اؤتمن على القليل فالقنطار تمثيل للكثير، ولو أقل من قنطار أو أكثر، والدينار من ثمثيل القليل، ولو أقل من الدينار، أو أكثر، وخصا بالذكر تمثيل لواقعة عبد الله بن سلام وفنحاص، وقيل: المراد بمن يؤده إليك من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وبمن لا يؤده إليك من بقى على كفره كفنحاص، وكعب بن الأشرف، وكل من الفريقين من اليهود، وقيل: المراد بم يؤديه إليك النصارى، لأن الغالب فيهم - قبحهم الله - الأمانة فى المال، إذا ائتمنوا عليه، وبمن لا يؤديه إليك اليهود - لعنهم الله - لأنهم يدينون أن من خالفهم فى الدين واستحل السبت حل ماله ودمه، وذلك غالب أيضاً فى اليهود، وإنما أشبعت كسرة الهاء فى يؤده، ولا يؤده، لعدم مراعاة الساكن المحذوف قبلها، وقرأ أبو بكر وأبو عمر وأبو حمزة: يؤده ولا يؤده {أية : نؤته منها} تفسير : فى الموضعين، وقوله وخصله فى النساء، و{أية : نؤته منها} تفسير : فى "حم عسق" بإسكان الهاء، وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهن، وكذا روى الحلوانى عن هشام فى الباب كله، والباقون بإشباع الكسرة والمصدر من قوله ما دمت عليه قائماً، ظرف متعلق بيؤده الثانى، أى إلا دوام قيامك عليه، أى: إلا مدة قيامك على رأسه ما فى مطالبته بالتقاضى والترافع، إلى الحكم وإقامة البينة، والقيام عنده حقيق، لأنه يستحى بحضوره، لأن الحياء فى العينين، قال ابن عباس رضى الله عنهما: لا تطلبوا من الأعمى حاجة، فإن الحياء من العينين، وإذا طلبت من أخيك حاجة فاظر إليه بوجهك، حتى يستحى فيقضيها، ويجوز أن يكون المراد بالقيام عليه الإلحاح وشدة المطالبة بما أمكن، ثم رأيته لابن عباس وقتادة ومجاهد والزجاج، ورأيت الأول للسدى والحسن، وقيل المراد القيام الحقيقى، لكن على معنى أنك إن ائتمنته على دينار لم يرده عليك إلا أن لم تغب عنه، وبقيت عنده تطلبه بالرد، وعليه متعلق بقائماً، وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الدال، دمت من دام يدام لغة، ودام يدوم، وكذا قرأ يحيى بن وثاب تيمته فى الموضعين بكسر التاء. {ذلِك}: المذكور من عدم التأدية. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}: أى سبب أنهم أى أن من لا يؤدى، وهم اليهود، اعتقدوا أنه لا حرج عليهم فى أخذ مال العرب، وهو المراد بالأميين، سموا لأنهم كمن ولد من أمة لا يكتب ولا يقرأ الكتابة، ولا يحسب، كانوا كذلك فى الغالب، ثم صاروا أكتب وأقرأ، وأحسب، وكذلك يقولون: فى كل من خالف دينهم، وخص العرب بالذكر لأنهم جاوروهم، وقد فسر بعضهم الأميين هنا بكل من خالف دينهم استحلوا مال ودم كلِّ من خالفهم فى الدين، ونسبوا ذلك إلى التوراة، وقالوا: لم يجعل الله لهم حرمة، وقال الحسن: أرادوا بالأميين: العرب الذين أسلموا. قالوا: ما لهم من حقوق وديون، وهم على دينهم، ولما تحولوا عن دينهم الذى بايعناهم عليه إلى دين محمد، لم يثبت لهم علينا حق، وانقطع العهد بيننا، وادعوا أن ذلك فى التوراة، وقيل: إن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد، فلا سبيل علينا، إذا أكلنا أموال عبيدنا، وإن ذلك فى التوراة، وقيل إنهم قالوا: إن الأموال كلها كانت لنا، فما فى أيدى العرب فهو لنا، وإنما هو ظلمونا، وغصبوها منا، فلا سبيل علينا فى أخذها منهم، بأى طريق كان، ونسبوا ذلك للتوراة من حيث أن فيها خذ مالك ممن غصبه منك بأى وجه، أو رعموا عن التوراة: أن الأموال لهم وغصبها العرب، وكذبهم الله سبحانه وتعالى فى نسبتهم ذلك إلى التوراة، وفى تخريجهم على حكمها، ما لم يصدق حكمها عليه بقوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}: بادعائهم أن ذلك فى التوراة وأنها حكمت به. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون، ولما نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم "حديث : كذب أعداء الله، ما من شىء فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى إلا الأمانة إنها مؤداة إلى البر والفاجر" تفسير : يعنى صلى الله عليه وسلم بالأمانة: ما يشمل الدين، لأنه ليس بغضب، وسأل رجل ابن عباس رضى الله عنهما أن نصيب فى الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة؟ قال: فماذا تقولون قال: نقول ليس علينا فى ذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب {لَيسَ عَلَينَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيل} إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم، وفى الأميين متعلق به علينا أو بعلينا بنيابته عن المتعلق.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ أَهلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَأْمَنْهُ بِقْنطَارٍ} ألف ومائتا أوقية، أو مائة ألف دينار، أو ملء جلد ثور، أو غير ذلك من أقوال مرت، أو المال الكثير {يُؤَدِّهِ إلَيْكَ} لأمانته، كعبد الله بن سلام، أودعه رجل من قريش الفا ومائتى أوقية ذهبا فأداها إليه، وكالنصارى، فإن الغالب فيهم الأمانة على الكثير، والقليل أولى بأدائه، الأمانة كل مال فى يدك تحفظه بلا ضمان إلا بتضيع، فدخل الرهن والعارية ويجوز ذلك، والقنطار تمثيل للكثير لا قيد {وَمِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} تمثيل لنقلة، لا قيد، وهو أربعة وعشرون قيراطا، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلة، فالمجموع اثنتان وسبعون حبة، قيل، لم يختلف جاهلية ولا إسلاما، وأصله دنار، بتشديد النون، قلبت الأولى ياء، بدليل دنانير ودنينير، فإن التكسير والتصغير يردان الشىء إلى أصله، وما قيل عن مالك بن دينار أن أصله دين ونار لمن أخذه بحقه ولمن أخذه بغير حقه، وكذا كنزه، أو ذو نار، تكلم بالإشارة ولا صحة له فى اللغة {لاّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} لخيانته، بل يأخذه كله أو بعضه وينكر، كفنحاص بن عازوراء، بوزو قرطاس، اليهود، أو كعب بن الشرف اليهودى استودعه قرشى دينارا فجحده، وكسائر اليهود فالغالب فيهم الخيانة فى القليل، ولا سيما للكثير، وكيف وقد استحلوا مال من لم يتهود {إلاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئماً} رقيبا، خوف الجحد، أو ملحَّاً أو ملازما، والمصدر ظرف ففرغ إليه، ألا لا يؤده إليك وقتا إلا دوامك عليه قائما، أى لا وقت دوامك الخ {ذَلِكَ} المذكور من انتفاء التأدية {بِأَنَّهُمْ} لأنهم {قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ} من لا كتاب له من العرب وغيرهم {سَبِيلٌ} إلى العقاب واللوم والتأثيم على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كل ذلك حلال لأنهم لم يتهودوا، وما قال ذلك واعتقده دينا إلا اليهود، فهم المراد فى الآية، بخلاف قوله: من إن تأمنه بقنطار، فإنه لا يختص بالنصارى، إذ لم يذكر ما يخصهم، وقد شمل عبد الله بن سلام فإنه لا يخون ولو قبل إسلامه {وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} إذ قالوا، إن الله قد أباح فى التوراة لنا دماء من لم يهّود وماله وعرضه، أو نحن أبناء الله وأحباؤه، وغيرنا عبيدنا، ومال العبد لسيده، أو مال العرب غصب منا فهو حلال لنا، أو أسلم من كان من العرب فى دينهم، فقاضوهم ديونا، فقالوا، إنا لا نؤديها لنقضكم العهد بإسلامكم، وأن ذلك فى التوراة، وروى أنهم قالوا لمن بدل دينه بالإسلام أيضا ولو يكن أولا على دينهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون، لو قالوا ذلك عن جهل لم يعذروا، فكيف وقد قالوه عمدا، قال صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية: حديث : كذب أعداء الله، ما من شىء فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى، أى متروك، إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر، والفاجرتفسير : ، رواه الطبرانى وغيره من حديث سعيد بن جبير مرسلا، والآية على أنه لا يشرط الكذب العمد بل مخالفة الواقع.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } شروع في بيان نوع آخر من معايبهم، و {تَأْمَنْهُ } من أمنته بمعنى ائتمنته والباء قيل: بمعنى على، وقيل: بمعنى في أي في حفظ قنطار والقنطار تقدم ـ قنطار من الكلام فيه ـ يروى أن عبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } كفنحاص بن عازوراء فإنه يروى أنه استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده، وقيل: المأمون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة، وروي هذا عن عكرمة. و ـ الدينار ـ لفظ أعجمي وياؤه بدل عن نون وأصله دنار فأبدل أول المثلين ياءاً لوقوعه بعد كسرة، ويدل على الأصل جمعه على دنانير فإن الجمع يردّ الشيء إلى أصله، وهو في المشهور أربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة قالوا: ولم يختلف جاهلية ولا إسلاماً، ومن الغريب ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن مالك بن دينار أنه قال: إنما سمي الدينار ديناراً لأنه ـ دين ونار ـ ومعناه أن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار، ولعله إبداء إشارة من هذا اللفظ لا أنه في نفس الأمر كذلك كما لا يخفى على ـ مالك درهم من عقل فضلاً عن مالك دينار ـ وقرىء {يُؤَدّهِ } بكسر الهاء مع وصلها بياء في اللفظ وبالكسر من غير ياء، وبالإسكان إجراءاً للوصل مجرى الوقف وبضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ وبضمها من غير واو. {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات أي: لا يؤده إليك في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك، أو في وقت دوام قيامك، والقيام مجاز عن المبالغة في المطالبة، وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالإلحاح، والسدي بالملازمة والاجتماع معه، والحسن بالملازمة والتقاضي، والجمهور على ضم دال ـ دمت ـ فهو عندهم كقلت، وقرىء بكسر الدال فهو حينئذٍ على وزان خفت وهو لغة، والمضارع على اللغة الأولى: يدوم كيقوم، وعلى الثانية: يدام كيخاف. {ذٰلِكَ } أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله سبحانه وتعالى: {لاَّ يُؤَدِّهِ }. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } ضمير الجمع عائد على {مَنْ } في {مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ } وجمع حملاً على المعنى والباء للسببية أي بسبب قولهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِِّينَ سَبِيلٌ } أي ليس علينا فيما أصبناه من أموال العرب عتاب وذم. / أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أنهم كاذبون، وقال الكلبـي: قالت اليهود: الأموال كلها كانت لنا فما في أيدي العرب منها فهو لنا وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم، وأخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } إلى قوله سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلامّيِينَ سَبِيلٌ } قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر» تفسير : والجار والمجرور متعلق بيقولون، والمراد يفترون، ويجوز أن يكون حالاً من {الكذب } مقدماً عليه، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه به لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وأجازه غيره لأنه كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : وقالت طائفة من أهل الكتاب}تفسير : [آل عمران: 72] أو على قوله: {أية : ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم}تفسير : [آل عمران: 69] عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم. وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين: فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم، قيل: ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} فلذلك كان المقصود هو قوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه. وإنما قدّم عليه قوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} إنصافاً لحقّ هذا الفريق، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم، فقد صار النعيُ عليهم، والتعبيرُ بهذا القول لازمَاً لجميعهم أمينهم وخائنهم، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات. وتقديم المسند في قوله: {ومن أهل الكتاب} في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما: ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله: {ذلك بأنهم قالوا} فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حالٍ. وعُدّي {تأمنه} بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله: {أية : هل آمنكم عليه}تفسير : [يوسف: 64]، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسٍ بن مِرداس: شعر : أربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه تفسير : وهو محمل بعيد، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى: {ببطن مكة}[الفتح: 24]. وقرأ الجمهور {يؤدّهِ} إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر. وقرأه أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وأبُو جعفر: بإسكان هاء الضمير في يؤدّه، فقال الزجاج: هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل (هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء). وقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل، قال الزجاج: وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس، واللغة أوسع من ذلك، والقراءة حجة. وقرأه هشام عن ابن عامر، ويعقوب باختلاس الكسر. وحكى القرطبي عن الفرّاء: أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز: شعر : لَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع مَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع تفسير : والقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى: {أية : والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة}تفسير : [آل عمران: 14] والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية. وقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار. وقوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة: كقوله: {أية : قائماً بالقسط}تفسير : [آل عمران: 18] أي لا يفعل إلاّ العدل. وعديّ «قائماً» بحرف (على) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة. و(ما) من قوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية. وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف، ولكنها مستفادة من موقع (مَا) في سياق كلام يؤذن بالزمان، ويكثر ذلك في دخول (ما) على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها. و(ما) في هذه الآية كذلك فالمعنى: لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه. والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت. والاستثناء من قوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع (مَا) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد (إلاّ) نصباً على الظرفِ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى (ما) المصدرية، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً. وقدّم المجرور على متعلقه في قوله: {عليه قائماً} للاهتمام بمعنى المجرور، ففي تقديمه معنى الإلحاح، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك. والإشارة في قوله: {ذلك بأنهم قالوا} إلى الحكم المذكور وهو {إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب. والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها، وعبّر عن ذلك بالقول، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب. وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة. وحرف (في) هنا للتعليل. وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف (في) والتقدير في معاملة الأمّيّين. ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام. فالسبيل هنا طريق المؤاخذة، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى: {أية : مَا على المحسنين من سبيل}تفسير : [التوبة: 91] وقال: {أية : إنما السبيل على الذين يستأذنوك}تفسير : [التوبة: 93] وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور: شعر : وهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة من السرْح موجود عليَّ طريق تفسير : وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم. أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة، أي الجاهلين: كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام. وأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه. والظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر: «في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرىء كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه. الأجنبيَّ تُطالِب، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة» وجاء في «الإصحاح» 23 منه: «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا» ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة. وعن ابن الكلبي قالت اليهود: الأموال كلّها كانت لنا، فما في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم. وهذان الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب، في حين لا حرب ولا ضرب. وقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال: {ويقولون على الله الكذب} قال المفسرون: إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه} - إلى قوله - {وهم يعلمون} قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر"تفسير : . وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب: إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد. و(بَلى) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم: {أية : ليس علينا في الأميين سبيل}تفسير : [آل عمران: 75]. و(بلى) غير مختصّة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره: توفيراً للمعنى، وقصْداً في اللفظ، فقال: {من أوفى بعهده} أي لم يخن، لأنّ الأمانة عهد، {واتقى}» ربه فلم يدحَض حق غيره {أية : إنّ الله يحبّ المحسنين}تفسير : [المائدة: 13] أي الموصوفين بالتقوى، والمقصود نفي محبة الله عن ضدّ المذكور بقرينة المقام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن تأمنه: ائتمنه على كذا وضعه عنده أمانة وأمنه عليه فلم يخفه. قنطار: وزن معروف والمراد هنا أنه من ذهب بدليل الدينار. إلا ما دمت عليه قائماً: أي ملازماً له تطالبه به ليل نهار. الأمّيين: العرب المشركين. سبيل: أي لا يؤاخذنا الله إن نحن أكلنا أموالهم لأنهم مشركون. بلى: أي ليس الأمر كما يقول يهود من أنه ليس عليهم حرج ولا إثم في أكل أموال العرب المشركين بل عليهم الإِثم والمؤاخذة. لا خلاق لهم: أي لاحظ ولا نصيب لهم في خيرات الآخرة ونعيم الجنان. لا يزكيهم: لا يطهرهم من ذنوبهم ولا يكفرها عنهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هتك أستار أهل الكتاب وبيان نفسيّاتهم المريضة وصفاتهم الذميمة ففي هذه الآية [75] يخبر تعالى أن في اليهود من إن أمنته على أكبر مال أداه إليك وافياً كاملاً، ومنهم من إذا أمنته على دينار فأقل خانك فيه وأنكره عليك فلا يؤديه إليك إلا بمقاضاتك له وملازمتك إياه.. فقال تعالى في خطاب رسوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} ويعلل الرب تعالى سلوكهم هذا بأنهم يقولون {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أي لا حرج علينا ولا إثم في أكل أموال العرب لأنهم مشركون فلا نؤاخذ بأكل أموالهم وكذّبهم الله تعالى في هذه الدعوة الباطلة فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي أنه كذب على الله ولكن يكذبون ليسوِّغوا كذبهم وخيانتهم. وفي الآية الثانية [76] يقول تعتالى: {بَلَىٰ} أي ليس الأمر كما يدعون بل عليهم الإِثم والحرج والمؤاخذة، وإنما لا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة على من أوفى بعهد الله تعالى فآمن برسوله وبما جاء به، واتقى الشرك والمعاصي فهذا الذي يحبه الله فلا يعذبه لأنه عز وجل يحب المتقين. وأما الآية الأخيرة [77] فيتوعد الرب تعالى بأشد أنواع العقوبات أولئك الذين يعاهدون ويخونون ويحلفون ويكذبون من أجل حطام الدنيا ومتاعها القليل فيقول {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي لا حظ ولا نصيب لهم في نعيم الدار الآخرة ولا يكلمهم تشريفاً لهم وإكراماً، ولا يزكيهم بالثناء عليهم ولا بتطهيرهم من ذنوبهم، ولهم عذاب مؤلم في دار الشقاء وهو عذاب دائم مقيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- يجب أن لا يُغْتَّر باليهود ولا يوثق فيهم لما عرفوا به من الخيانة. 2- من كذب على الله أحرى به أن يكذب على الناس. 3- بيان اعتقاد اليهود في أن البشرية غير اليهود نجس وأن أموالهم وأعراضهم مباحة لليهود حلال لهم؛ لأنهم المؤمنون في نظرهم وغيرهم الكفار. 4- عظم ذنب من يخون عهده من أجل المال، وكذا من يحلف كاذباً لأجل المال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين يستحق بها مالاً وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ".

القطان

تفسير : القنطار: مائة رطل والمراد هنا العدد الكثير. الأميون: غير اليهود، وهنا العرب. ليس علينا في الأميين سبيل: لا مؤاخذة علينا مهما اغتصبنا من حقوقهم. بعد أن بيّن الله سلوك أهل الكتاب في الاعتقاد، بيّن لنا هنا سلوكهم في المال والمعاملات، فقال: ان منهم طائفة تشاكس المسلمين وتكيد لهم ليرجعوا عن دينهم، وأخرى تستحلّ أكل أموالهم. وهي تزعم ان توراتهم لم تنههم الا عن خيانة بني اسرائيل وحدهم. لكن ذلك ليس عاماً، فمنهم أفراد كعبد الله ابن سلام، استودعه قرشيّ الفاً ومائتي أوقية من الذهب فأداها اليه. ومع هذا فان اغلب اليهود يستحلّون مال كل من لم يكن يهودياً. ينطلقون في ذلك من زعم أن غيرهم من العرب محتقر، فلا حقوق لهم، وليس على اليهود ذنب في أي إجرام يأتونه ضدهم. وهذه حال إسرائيل في الوقت الحاضر. ومعها النصارى المتهّودون في امريكا، وعملاؤهم من الحكام في دول أخرى. روى ابن جرير في التفسير، قال: "بايع اليهودَ رجال من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضَوهم ثمن بضاعتهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم غيّرتم دينكم الذي كنتم عليه. وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم". وروى عن سعيد بن جبير ان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: "حديث : كذب أعداءُ الله: ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فانها مؤداة الى البر والفاجر ". تفسير : ويقولون على الله الكذب متعمّدين في ذلك، لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابهم التوراة، وهي بين أيديهم، وليس فيها خيانة غير اليهود ولا أكل أموالهم بالباطل. بل إن في كتابهم "عليكم في الأميين سبيل"، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات. ومن أدى حق غيره في وقته وخاف فلم يُنقص ولم يماطل، فانه يكون من الذين أحبهم الله مع المتقين. والقرآن لا يظلم اليهود بهذا القول، فإن التلمود عندم مقدّس أكثر من التوراة، وفيه جاءت هذه النصوص. يقول الدكتور روهلنج في كتابه "الكنز المرصود في قواعد التلمود" ترجمة الدكتور يوسف نصر الله: "لم يكتفِ اليهود بما جاء في توراتهم من تعاليم خبيثة تبيح الغدر والمكر وسفك الدماء، فأخذ الربيّون والحاخامات يفسرون التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يرضي غرائزهم الشريرة ونزوعَهم الى عمل المنكرات واستعلاءهم على بقية أجناس البشر... الخ..." ويقدّس اليهود التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة. وهم يرون أن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت، وانه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة وحدها، لأن أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى. وقد أورد الدكتور روهلنج في كتابه المذكور نخبة من تعاليم التلمود تفضح اليهود وتبين فساد عقيدتهم، ومنها ما معناه ""ليس علينا في الأميّين سبيل" هذه. ومن النصوص التي اوردها الدكتور روهلنج ما يأتي: "الاسرائيلي عند الله أرفع من الملائكة، فاذا ضرب أميّ اسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلَهية، ويستحق الموت. ولو لم يُخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض ولما خُلقت الأمطار والشمس. والفرق بين درجة الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب". وهذا ما يطبقه النصارى المتهّودون في اوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر. أما نصارى العرب فمواطنون لنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وهناك نصوص كثيرة تقشعر منها الأبدان، فمن أراد الزيادة فليرجع الى كتاب "الكنز المرصود" وأمثاله. قراءات: قرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو "يؤده" و"لا يؤده" باسكان الهاء، وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهما. وكذا روي عن حفص. وقرأ الباقون بإشباع الكسرة في الهاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {قَآئِماً} {ٱلأُمِّيِّينَ} (75) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ خِيَانَةِ اليهُودِ، وَيُحَذِّرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الاغْتِرَارِ بِهِمْ، فَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ أمَنَاءُ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ قِنْطَاراً مِنَ المَالِ. وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ فِي الأمَانَة، فَلاَ يُؤَدُّونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، إلا بِالمُلاَزَمَةِ وَالإِلْحَاحِ، لاسْتِخْلاَصِ الحَقِّ مِنْهُمْ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ دِينَاراً وَاحِداً. وَالَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَيهِمْ فِي أكْلِ أمْوَالِ العَرَبِ (الأُمِّيِّينَ)، وَاعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ اللهَ أحَلَّ لَهُمْ أكْلَ أمْوَالِ النَّاسَ مِمَّنْ هُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ بِأيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ، بِالحِقِّ أوْ بِالبَاطِلِ. وَقَوْلُهُمْ هَذا كَذِبٌ، واعْتِقَادُهُمْ بَاطِلٌ، لأنَّ اللهَ حَرَّمَ أكْلَ الأمْوَالِ إلاَّ بِحَقِّهَا، وَإنَّما هُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَ قَوْلِهِمْ هَذا، كَمَا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ. (وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ جَمَاعَةً مِنَ المُسْلِمينَ بَاعُوا إلى اليَهُودِ بَعْضَ السِّلَعِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أسْلَمُوا وَتَقَاضَوْهُمُ الثَّمَنَ قَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَينَا أمَانَةٌ، وَلا قَضَاءَ لَكُمْ عِنْدَنَا، لأنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الذِي كُنْتُمْ عَلَيهِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ). تَأمَنْهُ - تَأتَمِنْهُ مِنَ الأمَانَةِ. الأمِّيُّونَ - العَرَبُ لأنَّهُمْ لا يَقْرَؤُونَ وَلاَ يَكْتُبُونَ. السَّبِيلُ - المُؤَاخَذَةُ أو الإِثْمُ أوِ الجُرْمُ. عَلَيهِ قَائِماً - مُلاَزِماً لَهُ تُطَالِبُهُ وَتُقَاضِيهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}: الآية: قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر اللّه تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة. والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل. فإن قيل: فأيّ فائدة في هذه الأخبار وقد علمنا أنّ النّاس كلّهم لم يزالوا كذلك منهم الأمين ومنهم الخائن. قلنا: تحذير من اللّه تعالى للمؤمنين أن يأتمونهم على أموالهم أو يغترّوا بهم لاستحلالهم أموال المؤمنين. وهذا كما روي في الخبر: أتراعون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يحذره النّاس. وقال بعضهم: الأمانة راجعة إلى من أسلم منهم، والخيانة راجعة إلى من لم يسلم منهم. وقال مقاتل: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}: عبد اللّه بن سلام أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من الذّهب فأدّاه إليه فمدحه اللّه. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}: في مخاض بن عازورا وذلك أنّ رجلاً من قريش استودعه ديناراً فخانه. وفي بعض التفاسير: إنّ الذّي يؤدّي الأمانة في هذه الآية هم النصارى، والذين لا يؤدّونه هم اليهود. وفي قوله {تأمنه}: قراءتان. قرأ الأشهب العقيلي: تِيمنهُ بكسر التاء وهي لغة بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود مالك لا تيمنّا. وقراءة العامّة تأمنه بالالف. والدينار أصله دنّار فعوّض من إحدى النّونين ياء طلباً للخفّة لكثرة استعماله، يدلّ عليه أنّك تجمعه دنانير. وفي قوله {يؤدّه} وأخواته خمس قراءات. فقرأها كلّها أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة: ساكنة الهاء. وقرأ أبو جعفر ويعقوب: مختلسة مكسورة. وقرأ سلام: مضمومة مختلسة. وقرأ الزهري: مضمومة مشبعة. وقرأ الآخرون: مكسورة مشبعة فمّن سكّن الهاء فإنّ كثيراً من النحاة خطّئوه، لأن الجزم ليس في الهاء إذا تحرك ما قبلها والهاء اسم المكنّى و الأسماء لا تجزم. قال الفرّاء: هذا مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها فيقول: ضربته ضرباً شديداً، كما يسكّنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع. وأنشد: شعر : لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع مال إلى أرطأة حقف فاضطجع تفسير : وقال بعضهم: إنّما جاز إسكان الهاء في هذه المواضع لأنّها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهب، ومن اختلس فإنّه اكتفى بالضمّة عن الواو وبالكسر عن الياء وأنشد الفرّاء: شعر : أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن قناعه مغطيّا فإنّي لمجتلى تفسير : وأنشد سيبويه: شعر : فإن يكن غثّاً أو سميناًفإنّه سيجعل عينيه لنفسه مغمضاً تفسير : ومن أشبع الهاء فعلى الأصل لما كان الحرف ضعيفاً قوي بالواو في الضم وبالياء في الكسر. قال سيبويه: يجيء بعد هاء المذّكر واو كما يجيء بعد هاء المؤنّث ألف. ومن ضمّ الهاء فعلى الأصل ؛ لأنّ أصل الهاء الضمّة مثل هو، وهُما وهُم، ومن كسر فقال ؛ لأنّ قبله ياء وإن كان محذوفاً فلأنّ ما قبلها مكسور. {إلا ما دُمتَ عليه قائماًَ}: قرأ يحيى وثابت والأعمش وطلحة بكسر الدّال، والباقون بالضّم. من ضمّ فهو من دام يدوم، ومن لغة العالية. ومن كسر فله وجهان، قال بعضهم: هو أيضاً من دام يدوم إلا أنّه على وزن فعل يفعل، يقول دمت تدوم مثل مت تموت، قاله الأخفش. وليس في الأفعال الثلاثيّة فعِل يفعِلُ بكسر العين في الماضي وضمّها في الغابر من الصحيح الآخر فإنّ فضِل يفضُل، ونعِم ينعُم، ومن المعتّل متُّ أموتُ ودمتُ أدوم وهما لغة تميم. قال أكثر العلماء: من كرام يدام فعِل يفعل مثل خاف يخاف، وهاب يهاب. {قَآئِماً}: قال ابن عبّاس: مُلحاً. مجاهد: مواظباً. سعيد بن جبير: مرابطاً. قتادة: قائماً تقتضيه. السّدي: قائماً على رأسه. العتيبي: مواظباً بالإقتضاء وأصله إنّ المطالب للشيء يقوم فيه والتّارك له يقعد عنه، ودلالة قوله: أُمّة قائمة أي: عاملة بأمر اللّه غير تاركة. أبو روق: يعترف بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن سألته إيّاه في الوقت حينما تدفعه إليه يردّه عليك وإن أنظرته وأخّرته أنكر وذهب به وذلك الاستحلال والخيانة. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ}: أي في حال العرب. نظيره {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2] {سَبِيلٌ}: إثم وحرج دليله قوله: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} تفسير : [التوبة: 91] وذلك؛ إنّ اليهود قالوا لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلّها اللّه لنا ؛ لأنّهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم في دينهم يقولون لم يجعل اللّه لهم في كتابنا حرمة. الكلبي: قالت اليهود إنّ الأموال كلّها كانت لنا فما كانت في أيدي العرب منها فهو لنا وإنّما ظلمونا وغصبونا ظلماً فلا سبيل علينا في أخذنا إيّاه منهم. الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالاً من المسلمين في الجاهلية فلمّا أسلموا تقاضوهم بقيمة أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حقّ ولا عندنا قضاء لكّم تركتم الدّين الذي كنتم عليه وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادّعوا إنّهم وجدوا ذلك في كتابهم فكّذّبهم اللّه تعالى فقال: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وفي الحديث: لما نزلت الآية قال النبّي صلى الله عليه وسلم حديث : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنّها موفاة إلى البرّ والفاجر ". تفسير : وروى أبو إسحاق الهمداني عن صعصعة: إنّ رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنّا نصيب في الغزو من أموال أهل المدينة الدّجاجة أو الشاة قال ابن عبّاس: ويقولون ماذا ؛ قال: يقولون: ليس علينا بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ثمّ قال اللّه تعالى ردّاً عليهم: {بَلَىٰ}: أي ليس كما قالوا ولكن {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ}: الذي عاهد اللّه في التوراة من الإيمان بمحمّد والقرآن وأداء الأمانة. والهاء في قوله {بِعَهْدِهِ} راجعة إلى اللّه عزّ وجّل قد جرى ذكره في قوله {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}. ويجوز أن تكون عائدة إلى {أَوْفَىٰ} . {وَاتَّقَى}: من الكفر والخيانة ونقض العهد. {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}: من هذه صفته. وعن الحسن: قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى و صام وزعم أنّه مؤمن، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان ". تفسير : وعن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ائتمن على أمانة فأدّاها ولو شاء لم يؤدّها زوجّه الله من الحور العين ما شاء ". تفسير : الحسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "حديث : التّاجر الصّدوق الأمين مع النبييّن والصدّيقين والشهداء ". تفسير : وهب عن حذيفة قال: حدّثني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا: "حديث : إنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجّال، ونزل القرآن فتعلّموا من القرآن وتعلّموا من أصل السّنة ". تفسير : ثم حدّثنا عن رفعهما فقال: "حديث : ينام الرّجل النومة فينزع الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتثراً وليس فيه شيء"تفسير : . ثم أخذ حذيفة حصاة فدحرجها على ساقه قال: فيصبح النّاس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتّى يقال له: فلان رجلا أميناً، وحتّى يقال للرّجل: ما أجلده، ما أعقله، وأظرفه وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ حين ولا أبالي أيّكم بايعت لئن كان مسلماً ليردّن على إسلامه ولئن كان يهودياً أو نصرانياً ليردّنّ على ساعيه فأنا اليوم فما كنت لأبايع رجلاً منكم إلاّ فلاناً وفلاناً. وقيل: أكمل الدّيانة ترك الخيانة، وأعظم الجناية خيانة النّاس. {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}: اختلفوا في نزول هذه الآية: فقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود كتبوا ما عهد اللّه إليهم في التوراة في شأن محمّد صلى الله عليه وسلم وبدّلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا إنّه من عند اللّه لئلا يفوتهم الرّشى والمأكل التي كانت لهم على أتباعهم. وقال الكلبي: إنّ ناساً من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سِنَة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرجّل رسول اللّه في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد اللّه ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم اللّه خيراً كثيراً. قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويداً حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي اللّه صلى الله عليه وسلم فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول اللّه فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الذّي نُعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل اللّه عزّ وجّل هذه الآية، نظيرها قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 174] الآية. وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد اللّه: من حلف على عين يستحقّ بها مالاً وهو فيها فاجر لقي اللّه عزّ وجّل وهو عليه غضبان. فأنزل اللّه تعالى تصديق ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} الآية. وقال الأشعث بن قيس: فيّ نزلت، وكانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: "شاهداك أو يمينه". فقلت: إنّه إذاً يحلف ولا يبالي. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على عين يستحقّ بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله تعالى وهو عليه غضبان"تفسير : . فأنزل اللّه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ...} الآية. وقال ابن جريج: حديث : إنّ الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك ليعزّره في الجاهلية: فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "أقم بيّنتك؟ ". قال الرجل: ليس يشهد لي على الأشعث بن قيس أحد. قال: "لك يمينه". فقام الأشعث وقال: أُشهد اللّه وأُشهدكم أنّ خصمي صادق. فرّدَّ إليه أرضه وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة مخافة أن يبقى في يده شيء من حقّه فهو لعقب ذلك الرجل من بعده . تفسير : وروى بادان عن ابن عباس قال: نزلت في امرىء القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع أمرىء القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لك عليها الجنّة. وقال مجاهد والشعبي: أقام رجلاً سلعته أوّل النّهار فلمّا كان آخره جاء رجل فساومه فحلف لقد منعها أوّل النّهار من كذا ولولا المساء لما باعها به. فأنزل اللّه تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ}: أي يستبدلون بعهد اللّه وإيفاء الأمانة {وَأَيْمَانِهِمْ} الكاذبة {ثَمَناً قَلِيلاً}. {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ}: ونعيمها وثوابها ولا يكلمهم اللّه كلاماً ينفعهم ويسرّهم. قاله المفسرون، وقال المفضل: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ}: بقبول حجّة يحتجّون بها. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}: أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيراً. يُقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه. قال الشاعر: شعر : فقلت انظري ما أحسن النّاس كلّهم لبني غلّة صدبان قد شفّهُ الوجد تفسير : وعن أبي عمرو الجوني قال: ما نظر اللّه إلى شيء إلا رحمه ؛ ولو قضى أن ينظر إلى (أهل) النّار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم. روى عبد اللّه بن كعب عن أبي أمامة الخازني: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اقتطع حقّ امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النّار وحرّم عليه الجنّة"، فقال رجل وإن كان شيئاً يسيراً قال: "وإن كان قضيباً من أراك ". تفسير : وروى محمد بن زيد القرشي عن عبد اللّه بن أبي أمامة الخازني عن عبد اللّه بن أنس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس. والذي نفسي بيده لا يحلف أحد وإن كان على مثل جناح بعوضة إلا كانت وكنة في قلبه إلى يوم القيامة ". تفسير : {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: رجل على فضل ما بالطريق فمنع ابن السّبيل، ورجل بايع رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له و إلاّ لم يفِ لهُ، ورجل يساوم سلعته بعد العصر. فحلف باللّه لقد أعطي بها كذا وكذا فصدّقه الآخر وأخذها. وروى الحارث الأعور عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إيّاكم واليمين الفاجرة. فإنّها تدع الدّيار بلاقع من أهلها ". تفسير : وروى معمّر في رجل من بني تميم عن أبي الأسود قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اليمين الفاجرة تعقم الرحم ". تفسير : العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب ". تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ}: يعني من أهل الكتاب الذين تقدّم ذكرهم وهم اليهود. {لَفَرِيقاً}: طائفة وهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصّف، وحيي بن الأخطب، وأبو ياسر وحيي وسبعة بن عمرو الشاعر. {يلوون}: قرأ أهل المدينة {يلوون} مضمومة الياء مفتوحة اللام مشدّدة الواو على التكثير. وقرأ حميد: {يلون} بواو واحدة على نية الهمز، ثم ترك الهمزة ونقل حركتها إلى اللام. وقرأ الباقون بواوين ولام ساكنة مخففة ومعناها جميعاً يعطفون {ألسنتهم}: بالتحريف المتعنّت وهو ما غيّروا من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرّجم. يقال: لوى لسانه عن كذا أي غيّره، ولوى الشيء عمّا كان عليه إذا غيّره إلى غيره، ولوى فلاناً عن رأيه، إذا أماله عنه، ومنه: ليُّ الغريم، قال النابغة الجعدي: شعر : لوى اللّه علم الغيب عم سواءه ويعلم منه ما مضى وتأخرا تفسير : ونظيره قوله: {أية : وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ...} تفسير : [النساء: 135] الآية. {لِتَحْسَبُوهُ}: لتظنّوا ما حرّفوا {مِنَ ٱلْكِتَابِ}: الذي أنزله اللّه. {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: إنّهم كاذبون. وروى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعاً والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن اللّه تعالى كذبهم للمؤمنين. {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} الآية. قال الضحّاك ومقاتل: ما كان لبشر يعني عيسى (عليه السلام) {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ} يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران. وقال ابن عباس وعطاء: ما كان لبشر يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أن يؤتيه اللّه الكتاب: يعني القرآن؛ وذلك أنّ أبا رافع القرظي من اليهود والرئيس من نصارى أهل نجران قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني"تفسير : . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال الحسن: بلغني أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "حديث : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحق لأهله"تفسير : . فأنزل اللّه {مَا كَانَ لِبَشَرٍ}: يعني ما ينبغي لبشر، كقوله {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} تفسير : [النساء: 92] وكقوله {أية : مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} تفسير : [النور: 16]: يعني ما ينبغي. وقال أهل المعاني: هذه اللام منقولة وأن بمعنى اللام، وتقدير الآية: ما كان لبشر ليقول ذلك نظير قوله: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} تفسير : [مريم: 35] أي ما كان الله ليتخذ ولداً وقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] أي ما كان لنبىّ ليغلّ. والبشر جميع بني آدم لا واحد من لفظه: كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع. {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ}: يعني الفهم والعلم، وقيل أيضاً الأحكام عن اللّه تعالى، نظير قوله تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} تفسير : [الأنعام: 89]. {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ}: نصب على العطف، وروى محبوب عن أبي عمرو: ثُمّ يقولُ بالرفع على الإستئناف. {كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ}: قال ابن عباس: هذه لغة مُزينة تقول للعبيد عباد. {وَلَـٰكِن كُونُواْ}: أي ولكن يقول كونوا، فحذف القول. {رَبَّانِيِّينَ}: إختلفوا فيه: فقال عليّ وابن عباس والحسن والضحّاك: كونوا فقهاء علماء. مجاهد: فقهاء وهم دون الأحبار. أبو رزين وقتادة والسّدّي: حكماء علماء، وهي رواية عطية عن ابن عباس. وروى سعيد بن جبير عنه: فقهاء معلّمين. وقال مرّة بن شرحبيل: كان علقمة من الرّبانييّن الذين يعلّمون النّاس القرآن. وروى الفضل بن عياض عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير: حكماء أتقياء. ابن زيد: ولاة النّاس، وقادتهم بعضهم متعبدين مخلصين. عطاء: علماء حكماء نصباء للّه في خلقه. أبو عبيد: لم يعرف العرب الرّبانييّن. أبو [عبيد]: سمعتُ رجلاً عالماً يقول: الرّباني: العالم بالحلال والحرام و الأمر والنهي. العارف بأنباء الأمّة وما كان وما يكون. المؤرّخ: كونوا ربّانييّن تدينون لرّبكم، كأنّه فعلاني من الربوبية. وقال بعضهم: كان في الأصل ربّي، فأدخلت الألف للتضخيم وهو لسان السريّانية، ثم أدخلت النون لسكون الألف كما قيل: صنعاني وبحراني وداراني. المبرّد: الرّبانيوّن: أرباب العلم واحدها ربّان وهو الذي يرث العلم ويربّب النّاس أي يعلّمهم ويصلحهم فيقوم بأمرهم، و الألف والنون للمبالغة. كما قالوا: ريّان وعطشان وشبعان وغوثان ونعسان من النّعاس ووسنان ثم ضُمّ إليه ياء النسبة كما قيل. وقال الشاعر: شعر : لو كنت مرتهناً في الحقّ أنزلني منه الحديث وربّاني أحباري تفسير : وقد جمع علي (رضي الله عنه) هذه الأقاويل أجمع فقال: هو الّذي يُربى علمه بعمله. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: مات ربّاني هذه الأمّة. {بِمَا كُنتُمْ}: معناه الوجوب أي: بما أنتم. كقوله {أية : وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} تفسير : [مريم: 5]: أي وامرأتي، وقوله {أية : مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29] أي من هو في المهد صبيّاً. {تعلّمون الكتاب}: قرأ السلمي والنخعي وابن جبير والضحّاك وأهل الكوفة: تعلّمون بالتشديد من التعليم، واختاره أبو عبيدة، وقرأ الباقون تعلمون بالتخفيف من العلم، واختاره أبو حاتم، وقال أبو عمرو: وتصديقها {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} فلم يقل يدرسون وقرأ الحسن تعلّمون، التاء والعين وتشديد اللام على معنى تعلمون، وقرأ أبو عبيدة: تدرسون من أدرسَ يُدرس. وقرأ سعيد بن جبير: تدرّسون من التدريس. الباقون: يدرسون من الدرس أي يقرأون، نظيره في سورة الأعراف {أية : وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} تفسير : [الآية: 169]. جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مؤمن ذكر ولا أُنثى حرَ ولا عبد مملوك إلاّ وللّه عزّ وجّل عليه حقّ واجب أن يتعلّم من القرآن ويتفقّه فيه، ثم تلا هذه الآية {ولكن كونوا ربّانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} ". تفسير : {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ}: قرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة: {وَيَأْمُرَكُمْ} بالنصب عطفاً على قوله {ثُمَّ يَقُولَ}. وقيل: على إضمار أنّ وهو على هذه القراءة مردود على البشر. وقرأ الباقون بالرفع على الإستئناف والإنقطاع من الكلام الأوّل، يدلّ عليه قراءة عبد اللّه وطلحة {ولن يأمركم} ثمّ اختلفوا فيه، فقرأ الأكثر على معناه {ولا يأمركم الله}. وقال ابن جريج: ولا يأمركم محمد عليه الصّلاة والسّلام، وقيل: ولا يأمركم البشر. {أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً}: كقول قريش وبني مليح حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه، واليهود والنّصارى حيث قالوا في المسيح وعُزير ما قالوا. {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}: على ظهر التعجّب والإنكار، يعني: لا يفعل هذا. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ}، قرأ سعيد بن جبير {لَّمًّا} بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي بجرّ اللام وتخفيف الميم. وأما الباقون: بفتح اللام وتخفيف الميم، فمن فتح اللام وخفّف الميم فقال الأخفش: هي لام الابتداء أدخلت على ما الخبر كقول القائل: لزيد أفضل منك، وما آتيتكم والذي بعده صلة له وجوابه في قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِِ} فإن شئت جعلت خبر ما من كتاب الله وتقول من زائدة معناها: لما آتيتكم كتاب وحكمة، ثم ابتدأ فقال: {ثم} يعني: ثم يجيئكم، وإن شئت قلت: ثم أن جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به. {وَلَتَنصُرُنَّهُ}: اللام لام القسم تقديره: والله لتؤمننّ به. فأكدّ في أول الكلام بلام التأكيد، وفي آخر الكلام بلام القسم. وقال الفرّاء: من فتح اللام جعلها لاماً زائدة لقوله: اليمين إذا وقعت على جملة صيّرت فعل ذلك الجزاء على هيئة فعل، وصيّرت جوابه كجواب اليمين، والمعنى: أي كتاب آتيتكم ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، للاّم في قوله لتؤمننّ به. وقال المبرّد والزجّاج: هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء كما تدخل على أن، ومعناه: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، اللام في قوله لتؤمننّ به جواب الجزاء كقوله: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ} تفسير : [الإسراء: 86] ونحوه. وقال الكسائي: لتؤمننّ: متصل بالكلام الأول وجواب الجزاء في قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}، ومن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما الذي، ومعناه: الذي آتيتكم يعني: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي أمامهم من كتاب وحكمة ثم أن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق؛ لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف، وهو كما نقول في الكلام أخذت ميثاقك لتفعلن كذا وكذا كأنك قلت: استحلفتك لتفعلن. وقال صاحب النظم: من كسر اللام فهو بمعنى بعد يعني: بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة، كقول النابغة: شعر : توهّمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع تفسير : أي: بعد ستة أعوام، ومن شدد الميم فمعناه: حين آتيتكم لقوله تعالى {آتَيْتُكُم}. قرأ أهل الكوفة: آتيناكم على التعظيم، وقرأ الآخرون: آتيتكم على التفريد، وهو الاختيار لموافقة الخط كقوله: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ} [آل عمران: 81] والقول مثمر في الآية على الأوجه الثلاثة تقديرها: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين). واختلف المفسّرون في معنى هذه الآية، فقال قوم: إنّما أخذ الميثاق على الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى آخر بالتصديق، وهذا قول سعيد بن جبير وطاووس وقتادة والحسن والسدّي، يدل عليه ظاهر الآية، وقال علي (رضي الله عنه): لم يبعث الله نبياً آدم ومن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم وأمره بأخذ العهد على قومه لتؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنّه، وقال آخرون: إنّما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين، وهو قول مجاهد والربيع. قال مجاهد: هذا خلط من الكتاب وهو من قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب، قالوا: ألا ترى إلى قوله ثم {جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} وإنّما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى أهل الكتاب دون النبيين. وقال بعضهم: إنّما أخذ الميثاق على النبيين وأُممهم [ليؤمنن به]، ففرد الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس وهذا أولى بالصواب. قال الله: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} أي وقبلتم على ذلك عهدي، نظير قوله تعالى: {أية : إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} تفسير : [المائدة: 41] أي فاقبلوه، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 48] أي لا يقبل منها فداء، وقوله: {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة: 104] أي يقبلها، {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا}. قال الله: {فَٱشْهَدُواْ} على أنفسكم وعلى أتباعكم {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم. قال ابن عباس: فاشهدوا: يعني فاعلموا، قال الزجّاج: فاشهدوا أي فبيّنوا لأن الشاهد هو الذي عين دعوى المدّعي، وشهادة الله للنبيين بيّنوا أمر نبوتهم بالآيات والمعجزات، وقال سعيد بن المسيب: قال الله تعالى للملائكة: فاشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور. {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} الإقرار والإشهاد {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} العاصون، الخارجون عن الإيمان. {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} الآية. قال ابن عباس: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم (عليه السلام)كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي صلى الله عليه وسلم كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} وهو قراءة الحسن وحميد ويعقوب وسلام وسهل وصفوان بالياء لقوله: {أُولَاكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وقرأ أبو عمرو: يبغون بالياء وترجعون بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام؛ ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى، وقرأ الباقون: بالتاء فيهما على الخطاب لقوله: {لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ}. {وَلَهُ أَسْلَمَ} خضع وانقاد من في السماوات والأرض {طَوْعاً} والطوع الانقياد والاتباع بسهولة من قولهم: فرسٌ طوع العنان، أي منقاد {وَكَرْهاً} والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس، كرهاً بضم الكاف وهما مصدران وضعا موضع الحال، كأنّه قال: وله أسلم من في السماوات والأرض طائعين وكارهين، واختلفوا في قوله طوعاً وكرهاً، فروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال: "حديث : الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض ". تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبّوا أصحابي فإنّ أصحابي أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف السيف ". تفسير : وقال الحسن والمفضّل: الطوع لأهل السماوات خاصة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعاً ومنهم من أسلم كرهاً. ابن عباس: عبادتهم لله أجمعين طوعاً وكرهاً وانقياداً له. الربيع عن أبي العالية في قول الله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال: كل بني آدم أقرّ على نفسه أنّ الله ربّي وأنا عبده، فهذا الإسلام لو استقام عليه، فلمّا تكلّم به صار حجة عليه، ثم أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومنهم من شهد أنّ الله ربّي وأنا عبده، ثم أخلص العبودية فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال الضحّاك: هذا حين أخذ منه الميثاق وأقرّ به. مجاهد: طوعاً: ظل المؤمن وكرهاً: ظل الكافر، يدلّ عليه قوله: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}تفسير : ، [الرعد: 15] وقوله: {أية : يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ} تفسير : [النحل: 48]. الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. قتادة: المؤمن أسلم طائعاً والكافر كارهاً؛ فإما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم كارهاً في وقت البأس والمعاينة حتى لا يقبل منه ولا ينفعه، يدل عليه قوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. الكلبي: طوعاً: الذين ولدوا في الإسلام، وكرهاً: الذين أجبروا على الإسلام. عكرمة: وكرهاً: من اضطرته [الحجة] إلى التوحيد، يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87]، وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [العنكبوت: 61]. ابن كيسان: وله أسلم أي خضع من في السماوات والأرض فيما صيّرهم عليه وصوّرهم فيه وما يحدث فهم لا يمتنعون عليه، كرهوا ذلك أو أحبوه. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموساً فليقرأ في أذنها هذه الآية. {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} إلى قوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} الآية نزلت في اثني عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفاراً منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنه مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضاً من مكر أهل الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء، لا، بل منهم مَنْ يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل. إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها، فهو يعلم أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قد نزلت رحمة للناس أجمعين، ويخاطب بها العالم كله بمن فيه من أهل الكتاب، وهم الذين يعرفون الآيات والعلامات التي تدل على مجيء رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم أناس قد جعلوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في بؤرة شعورهم ليدرسوها ويؤمنوا بها. ولو أن الله قد جعل الحملة على كل أهل الكتاب، لقال الذين كفروا في الإيمان برسول الله: "كنا نفكر في أن نؤمن، ونحن نريد أن ننفذ تعاليم الله لنا لكن محمداً يشن حملة على كل أهل الكتاب ونحن منهم". فساعة يقول الله إن بعضاً من أهل الكتاب يتميزون بالأمانة فإن من تراوده فكرة الإسلام يقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا عن نور من ربه، لكن لو عمم القرآن الحكم على الكل، لتساءل الذين ينشغلون برغبة الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم "لماذا يعم الحكم الجميع ونحن نسير في الطريق إلى الإيمان؟". ولهذا يضع الحق القول الفصل في أن منهم أناساً يتجهون إلى الإيمان: {أية : لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}تفسير : [آل عمران: 113]. وفي هذا ما يطمئن الذين شغلوا أنفسهم بدراسة هذا الدين والتفكير في أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. لو كان القرآن قد نزل بلعنتهم جميعاً لقال الذين يفكرون منهم في الإيمان "نحن لسنا كذلك ولا نستحق اللعنة، فلماذا يأتي محمد بلعنتنا؟". لذلك نرى القول بأن {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] العدل المطلق في الإنصاف: وقد قال بعض المفسرين: إن القرآن يقصد هنا من "أهل الكتاب" النصارى؛ لأن منهم أصحاب ضمير حي، ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وفي هذا التفسير إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في قرآنه الذي يُتلى إلى يوم الدين، وذلك ليصدق أيضاً أهل الكتاب أيَّ أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن، لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف. فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقاً عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها. وعندما يقول الحق سبحانه: "ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك" فالقنطار هنا للمبالغة في القدر الكبير من المال، وكلمة الأمانة حينما نستعرضها في كتاب الله عز وجل نجد أنها مرة تتعدى بالباء، كمثل هذه الآية {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] ومرة تتعدى بـ "على": {أية : قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}تفسير : [يوسف: 11]. وقوله الحق: {أية : قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [يوسف: 64]. إن مادة الأمانة تأتي متعدية مرة بالباء، ومرة متعدية بـ "على". وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة، فالمتكلم هو الله. إن الأمانة هي شيء يأتمن فيه مؤتمِن على مؤتمَن ولا حجة لصاحب الشيء المؤتَمَن عليه إلا ذمة المؤتمَن، فإن كانت العلاقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد، أو شهود فهذه ليست أمانة، إنما الأمانة هي ما يعطيها إنسان لآخر فيما بينهما، وبعد ذلك فالمؤتمَن بعد ذلك إما أن يُقِرّ بها وإمّا لا يُقِرَّ بها. وقلنا سابقاً: إن على المؤمن الحق أن يحتاط للأمانة، لأن هناك وقتاً تتحمل فيه الأمانة، وهناك وقت آخر تؤدى فيه الأمانة إن طلبها صاحبها. ومثال تحمل الأمانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغاً من المال، ويقول: "احفظ هذا المبلغ أمانة عندك" فتقول له: نعم سأفعل. وتأخذ المبلغ، إن هذا الفعل يسمى "التحمل"، وعندما يأتي صاحب المال ليطلبه فهذا اسمه "الأداء" والكل يضمنون أنفسهم وقت التحمل، وقد تكون النية هكذا بالفعل، ولكن المؤمن الحق لا يأمن ظروف الأغيار، فمن المحتمل أنه عندما يأتي صاحب المال ليطلبه من المؤتمَن يجد المؤمن نفسه وقد انشغل بالأغيار، فقد تكون ظروف الحياة قد داهمته مما دفعه ليتصرف في الأمانة أو أن تكون نفسه قد تحركت، وقالت له: وماذا يحدث لو تصرفت في الأمانة؟ إن المؤمن الحق لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإن ضمن نفسه وقت التحمل. إذن يجب أن نلحظ في الأمانة ملحوظتين هما "الأداء" و"التحمل". والذين يأخذون الأمانة وفي نيتهم أن يؤدوها ضمنوا أنفسهم وقت التحمل، لكنهم لا يضمنون أنفسهم وقت الأداء لذلك فالمؤمن المحتاط يقول لنفسه: ولماذا أعرض نفسي لذلك، فقد يأتي وقت الأداء فلا أستطيع ردّها لصاحبها. لذلك يقول لصاحب الأمانة: أرجوك ابتعد عني فأنا لن أحمل هذه الأمانة. إنه خائف من وقت الأداء وذلك ما حدث في أمانة التكليف والاختيار والتي قال عنها الحق سبحانه: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. إن السماء والأرض والجبال طلبوا ألا يكون لهم اختيار وأن يظلوا مقهورين؛ لأنهم لا يضمنون لحظة الأداء، أما الإنسان فلأنه ظلوم جهول فقد قال: "لا، إنني عاقل وسأرتب الأمور" فالإنسان ظلوم لنفسه، وجهول لأنه لم يعرف ماذا يفعل وقت الأداء. لذلك نرى هنا القول الحق: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] ونجد الأمانة متعدية بالباء، فمعنى الباء - في اللغة - الإلصاق، أي التصق القنطار بأمانته، فأصبح هناك ارتباط وامتزاج، وإياك ساعة الأداء أن تفصل الأمانة عن القنطار، فساعة يغريك قنطار الذهب ببريقه فعليك أن تلصق الأمانة بالقنطار، وإياك أن يغريك القنطار فتترك أمانتك لأنك إن نظرت إلى القنطار دون أن تنظر إلى الأمانة فهذه هي الخيبة. أما استعمال "على" مع الأمانة، فـ"على" في اللغة تأتي للاستعلاء والتمكن، أي اجعل الأمانة مستعلية على القنطار، وبذلك تصير أمانتك فوق القنطار، فساعة تحدثك نفسك بأن تأخذ القنطار لأنه يدير لك حركة حياتك، ولأنه يخرجك إلى دنيا عريضة مغرية فتذكر عز الأمانة، ولهذا نجد الفقهاء قد قالوا بقطع يد السارق في ربع دينار، وجعلوا دية قطع يد إنسان لم يسرق خمسمائة دينار وتساءل البعض قائلاً: شعر : يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تفسير : فقال فقيه رداً على ذلك المعترض: شعر : عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري تفسير : إذن قول الحق سبحانه وتعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] هذا القول جاء بالباء ليلصق الأمانة بالمؤتمن عليه، وجاد بالمؤتمن عليه وهو القنطار وهو أضخم شيء في عالم الموازين وكان من الذهب وهو أثمن المعادن وأغلاها ليؤكد على كل مؤتمن أن يلصق الأمانة بما أؤتمن عليه ولا يفصل بينهما أبداً لأنه لو فصل الأمانة وعِزَّها عن القنطار ربما سولت له نفسه أن يأخذ القنطار ويترك الأمانة. وكذلك عندما تأتي الأمانة متعدية بعلى، تكون الأمانة فوق الشيء المؤتمن عليه، فالأمانة يجب أن تكون مستعلية على الشيء مهما غلت قيمته، ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [آل عمران: 75] أي أن تكون دائم السؤال عن دينارك الذي ائتمنت عليه ذلك الإنسان، وأن تلح في طلب دينارك. ومن بعد ذلك يقول الحق: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] وقد قام بعض من بني إسرائيل على عهد رسول الله، يخديعة الأميين من العرب المؤمنين فأنكروا حقوقهم. والمقصود بالأميين هنا المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب، أو هم المنسوبون إلى الأم كما قال الحق: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. أو أن يكون المقصود "بالأميين" أهل مكة، فقد كانوا يسمونهم كذلك لأنهم منسوبون إلى أم القرى "مكة المكرمة". من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج في معاملة الناس؟ ومن الذي وضع هذا المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الأميين؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف في المعاملة من إنسان إلى آخر؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن كانت ليهودي؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود، ويقرض اليهود دون ربا؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة، هنا فضيلة، وهناك لا فضيلة، لا، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ولكل إنسان، ولا ينبغي أن تتنوع. من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله الله عليهم بل هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه، فالكتاب السماوي الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين: صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى، وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم. لقد أرخ لهم رسول الله بالنص المنزل عليه من الله التأريخ الصادق والعادل، في هذا القول الكريم الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام. وهذا التأريخ لم يصدر فيه الله حكماً واحداً يشملهم جميعاً، بل أنصف أصحاب الحق منهم، وإن كانوا على دين اليهودية، وبذلك استقر في أذهان المنصفين منهم أن الإسلام قد جاء بكل الحق، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول الله أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان بالإسلام، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود: نحن نفكر في أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه المهاجمة؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطي كل ذي حق حقه. وهؤلاء هم الذين يؤرخ الله لهم بالقول: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] وتلك شهادة على صدق اليقين من هؤلاء، أما الذين طغت عليهم المادية فهؤلاء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [آل عمران: 75] وهذا هو التأريخ الصادق لمن طغت عليهم المادة فلا يرد الإنسان منهم ما عليه إلا بعد الملاحقة والمطاردة، وهكذا يبلغنا القرآن التاريخ بصدق. والعلة في أن الذي يؤتمن على قنطار يؤديه، والذي يؤتمن على دينار لا يؤديه هي علة واضحة فالمؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمام إله موصوف باسم الحق، ولا يريد الله من عباده إلا أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق. وأكرر هنا مرة أخرى، إن كلمة "الأمانة" ترد في القرآن الكريم مرة وهي متعدية بـ "على"، ومرة أخرى وهي متعدية بالباء، لأن الباء تأتي في اللغة لإلصاق شيء بشيء آخر، فكأنك إذا اؤتمنت أيها المسلم فلا بد أن تلتصق بالأمانة حتى تؤديها، وكذلك جاءت الأمانة متعدية بـ "على"، أي أنك أيها المؤمن إذا اؤتمنت فعليك أن تستعلي على الشيء الذي اؤتمنت عليه. فإذا ما اؤتمنت على مائة جنيه مثلاً فلا تنظر إلى ما يعود عليك من نفع إذا ما تصرفت في هذا المبلغ، بل يجب أن تستعلي على تلك المنفعة. فإياك أن تغش نفسك أيها المؤمن بفائدة ونفاسة الشيء الذي تختلسه من الأمانة، بل قارن هذا الشيء بالأمانة فستجد أن كفة الأمانة هي الراجحة. والذين استباحوا خيانة الأمانة من أهل الكتاب، إنما عميت بصيرتهم عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نال الشهرة بالأمانة سواء قبل الرسالة أو بعدها. وعميت أبصارهم، إن الدين الحق لا يفرق في أداء الأمانة بين صنف من البشر، وصنف آخر؛ فالدين الحق يضم تشريعاً من إله خلق الجميع وهكذا نجد أن تشريعهم بالتفرقة في أداء الأمانة هو تشريع من عند أنفسهم، وليس من الرب المتولي شئون خلقه جميعاً، ويدحض الحق القضية التي حكموا بوساطتها أن يعاملوا الأميين معاملة تختلف عن معاملتهم لأهل الكتاب، فقال سبحانه: {ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75]. يعلمون ماذا؟ يعلمون ان قولهم كذب، فهم يعرفون الحكم الصحيح وينحرفون عنه، وياليتهم قالوا: إن ذلك الحكم من عند أنفسهم، لكنهم ينسبون ذلك إلى تعاليم دينهم، وتعاليم الدين - كما قلنا - مأخوذة من الله، وهم بذلك - والعياذ بالله - يفترون على الله كذباً بأنه خلق خلقاً ثم صنفهم صنفين: صنفاً تؤدى الأمانة له، وصنفاً لا تؤدى الأمانة له، وهكذا كذبوا على الله وعلموا أنهم كاذبون، وهذا هو الافتراء. وهم أيضاً يعلمون العقوبة التي تلحق بمن يكذب على الله ورغم ذلك كذبوا. لقد حذف الحق في هذه الآية المفعول به لم يقل: "يعلمون كذا". الحق حين يحذف "المفعول" فهو يريد أن يعمم الفهم ويريد أن يعمم الحركة، إنه سبحانه يريد أن يبلغنا بأن هؤلاء يعلمون أن قولهم هذا كذب، ويعلمون عقوبة ذلك الكذب .. وساعة تأتي قضية منفية ثم يأتي بعدها كلمة "بلى" فإنها تنقض القضية التي سبقتها ومعنى ذلك أنها تُثْبِت ضدها. لقد قالوا: "ليس علينا في الأميين سبيل" وهذه قضية منفية بـ "ليس"، والحق يقول في الآية التالية: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى قبائح أهل الكتاب، وما هم عليه من الخبث والكيد والمكر، أعقبه بذكر بعض أوصاف اليهود خاصة وهي خيانتهم من الناحيتين: المالية والدينية، فقد خانوا الله والناس بتحريفهم كلام الله عن معناه، واستحلالهم أكل أموال الناس بالباطل. اللغَة: {قِنْطَارٍ} القنطار المالُ الكثير وقد تقدم {قَآئِماً} ملازماً ومداوماً على مطالبته {ٱلأُمِّيِّينَ} المراد بهم العرب وأصلُ الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب والعربُ كانوا كذلك {يَلْوُونَ} من الليّ وهو اللّف والفتل تقول: لويتُ يده إِذا فتلتها والمراد أنهم يفتلون ألسنتهم ليميلوها عن الآيات المنزلة إِلى العبارات المحرّفة {لاَ خَلاَقَ} أي لا نصيب لهم من رحمة الله {رَبَّانِيِّينَ} جمع رباني وهو المنسوب إِلى الربّ قال الطبري معناه: كونوا حكماء علماء. سَبَبُ النّزول: عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرض فجحدني فقدمته إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك بيّنة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلفْ قلت: إِذاً يحلف فيذهب بما لي فأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ...} الآية. التفسِير: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} أي من اليهود من إِذا ائتمنته على المال الكثير أدّاه إليك لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه قرشي ألف أوقية ذهباً فأداها إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} أي ومنهم من لا يؤتمن على دينار لخيانته كفنحاص بن عازوراء ائتمنه قرشي على دينار فجحده {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} أي إِلا إِذا كنت ملازماً له ومُشهداً عليه {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أي إِنما حملهم على الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين - يعني العرب - روي أن اليهود قالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُِ} تفسير : [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحدٍ علينا إِذا أكلنا أموال عبيدنا، وقيل إِنهم قالوا إِن الله أباح لنا مال من خالف ديننا {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون، روي أنهم لما قالوا {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إِلا هو تحت قدميَّ هاتين إِلا الأمانة فإِنها مؤداة إِلى البرّ والفاجر، ثم قال تعالى {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إِثم لكنْ من أدّى الأمانة منهم وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتقى الله واجتنب محارمه فإِن الله يحبه ويكرمه {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} أي يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي ليس لهم حظ ولا نصيب من رحمة الله تعالى {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لا يكلمهم كلام أنسٍ ولطف، ولا ينظر إِليهم بعين الرحمة يوم القيامة {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لا يطهرهم من أوضار الأوزار، ولهم عذاب مؤلم على ما ارتكبوه من المعاصي {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد منه قال ابن عباس: يحرفونه بتأويله على غير مراد الله {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} أي لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي ينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كذبوا وافتروا على الله، ثم قال تعالى رداً على النصارى لما زعموا أن عيسى أمرهم أن يعبدوه {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} أي لا يصح ولا ينبغي لأحدٍ من البشر أعطاه الله الكتاب والحكمة والنبوة {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ثم يقول للناس اعبدوني من دون الله، والنفيُ في مثل هذه الصيغة {مَا كَانَ} إِنما يؤتى به للنفي العام الذي لا يجوز عقلاً ثبوتُه والغرض أنه لا يصح أصلاً ولا يتصور عقلاً صدور دعوى الألوهية من نبي قط أعطاه الله النبوة والشريعة فضلاً عن أن يحصل ذلك بالفعل لأن الرسول سفير بين الله وخلقه ليرشد الناس إِلى عبادة الله فكيف يدعوهم إِلى عبادة نفسه؟ {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} أي ولكن يقول لهم كونوا ربانيّين قال ابن عباس: حكماء علماء حلماء والمعنى: لا أدعوكم إِلى أن تكونوا عباداً لي ولكن أدعوكم أن تكونوا علماء فقهاء مطيعين لله {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} أي بتعليمكم الناس الكتاب ودراستكم إيّاه {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً} أي وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء - لأنَّ مهمة الرسل الدعوة إِلى الله وإِخلاص العبادة له {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ والاستفهام إِنكاري تعجبي. البَلاَغَة: 1- {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} الإِشارة بالبعيد للإِيذان بكمال غلوهم في الشر والفساد. 2- {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} فيه إِيجاز بالحذف أي ليس علينا في أكل أموال الأميين سبيل. 3- {يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} فيه استعارة فقد استعار لفظ الشراء للاستبدال. 4- {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} مجاز عن شدة غضبه وسخطه تعالى عليهم وكذلك في الآتي بعدها. 5- {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} قال الزمخشري: مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم لأن من اعتد بإِنسانٍ التفت إِليه وأعاره نظر عينيه. 6- بين لفظ {اتَّقَى} و {الْمُتَّقِينَ} جناس الاشتقاق وبين لفظ {ٱلْكُفْرِ} و {مُّسْلِمُونَ} طباقٌ. فَائِدَة: روي أن رجلاً قال لابن عباس: "إِنّا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قالوا نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} إِنهم إِذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إِلا بطيب أنفسهم" ذكره ابن كثير.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} معناهُ مُلازِمٌ، [لما] يَقْتَضِيهِ إِيّاهُ.

الأندلسي

تفسير : {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ} الآية ظاهرة أن أهل الكتاب منهم أمين ومنهم خائن. قال ابن عباس: من أن تأمنه بقنطار هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهباً فأداها إليه. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} وهو فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه. "انتهى". ولا ينحصر الشرط في ذينك المعنيين بل كل منهما فرد ممن يندرج تحت من ألا ترى كيف جمع في قوله: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا وفي قصة السَمَؤل بن عاديا اليهودي، ووديعة امرىء القيس عنده وطلب الحارث بن أبي شمر الغساني ذلك منه دليل على الوفاء التام منه وإن كان يهودياً حتى ضرب به المثل فقيل أوفى من السمؤل والخطاب في تأمنه ظاهره انه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: و{بِقِنْطَارٍ} كناية عن المال الكثير. و{بِدِينَارٍ} كناية عن المال القليل. وقرأ أبي تَيْميَة في الحرفين بتاء مكسورة وياء ساكنة. (قال) ابن عطية: وما أراها إلا لغة قرشية وهي كسر النون التي للجماعة كنستعين، وألف المتكلم كقول: ابن عمر لا اخاله وتاء المخاطب كهذه الآية ولا يكسرون الياء في الغائب. "انتهى". لم يبين ما تكسر فيه حروف المضارعة بقانون كليّ وما ظنه من أنها لغة قرشية فليس كما ظن وقد بينا ذلك في كتابنا الكبير البحر في قوله: نستعين. وقرىء يؤده بالواو بوالهمزة ووصل الهاء بياء وباختلاس الحركة وبسكون الهاء وقائماً ظاهره القيام وكني به عن قيام الإِنسان على أشغاله واجتهاده والجزم فيها بأن لا تضيع فكأنه قائم على رأس المؤتمن على الدينار. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} الآية روى أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان فلما جاء الإِسلام وأسلم من أسلم من العرب بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد فنزلت. وذلك إشارة إلى عدم أداء ما أؤتمن عليه والخيانة فيه. {فِي ٱلأُمِّيِّينَ} أي في أخذ أموال الأميين وخيانتهم. {سَبِيلٌ} أي اعتراض. {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي القول الكذب يفترونه على الله بادعائهم ان ذلك في كتابهم. قال السدي وابن جريج وغيرهما: ادعت طائفة من أهل الكتاب أن في التوراة إحلال الله تعالى لهم أموال الأميين كذباً منهم وهي عالمة بكذبها فيكون الكذب المقول هنا هو الكذب المخصوص في هذا الفصل والظاهر أنه أعم من هذا فيندرج هذا فيه أي هم يكذبون على الله في غير ما شيء وهم علماء بموضع الصدق. {بَلَىٰ} جواب لقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، والمعنى بلى عليهم في الأميين سبيل، {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} جواب من أوفى فيحتمل أن يكون المتقين عاماً يندرج فيه من أوفى أو كن بالمتيقن عمّن أوفى فكأنه قال: يحبهم، ونبه على الصفة التي يحبهم لأجلها وهي التقوى. {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} نزلت في اليهود. {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} أضاف المصدر إلى الفاعل أي بعهد الله إياهم وهو ما أخذه عليهم من الإِيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم أو مضافاً إلى المفعول أي بعهده الله. وتقدم تفسير شبيه هذه الآية في البقرة. {وَإِنَّ مِنْهُمْ} أي من أهل الكتاب. {لَفَرِيقاً يَلْوُونَ} أي يفتلون. {أَلْسِنَتَهُمْ} بقراءته عن الصحيح إلى المحرف: قاله الزمخشري. وعن ابن عباس أيضاً: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم. وقال ابن عطية: يحرفون ويتحيلون لتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها؛ ومثال ذلك قولهم: راعناً واسمع غير مسمع، ونحو ذلك. وليس التبديل المحض. "انتهى". والذي يظهر أن اللّي وقع: {بِٱلْكِتَابِ} أي بألفاظه لا بمعانيه وحدها كما يزعم بعض الناس بل التحريف والتبديل وقع في ألفاظ التوراة والمعاني تبع للألفاظ، ومن طالع التوراة علم يقينا أن التبديل في الألفاظ والمعاني لأنها تضمنت أشياء يجزهم العاقل أنها ليست من عند الله ولا ان ذلك يقع في كتاب الهي من كثرة التناقض في الاخبار والاعداد، ونسبة أشياء إلى الله تعالى من الأكل والمصارعة وغير ذلك، ونسبة أشياء إلى الأنبياء من الكذب والسكر بالخمر والزنا ببناتهم وغير ذلك من القبائح التي ينزه العاقل نفسه عن أن يتصف بشيء منها فضلاً عن منصب النبوة. وقد صنف الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن خطاب الباجي رحمه الله كتاباً في السؤالات على ألفاظ التوراة ومن طالعه رأى فيه عجائب وغرائب وجزم بالتبديل لألفاظ التوراة ومعانيها هذا مع خلوها من ذكر الآخرة والبعث والحشر والنشر والعذاب والنعيم الآخرويين والتبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأين هذا من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157] الآية. وقوله تعالى وقد ذكر محمد وأصحابه: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ}تفسير : [الفتح: 29] وقد نص القرآن على ما يقتضي إخفاءهم لكثير من التوراة قال تعالى: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}تفسير : [الأنعام: 91]. وقال تعالى: {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [المائدة: 15]. فدلت هاتان الآيتان على أن الذي أخفوه من الكتاب كثير ودل بمفهوم الصفة ان الذي أبدَوه من الكتاب قليل. وقد صنف الشيخ العلامة أبو نصر السمؤل بن يحيى بن عباس المغربي وكان من الذي هداهم الله الى الإسلام كتاباً جليلاً في الرد على شيعته سماه "إقحام اليهود" وفرغ من تصنيفه في يوم عرفه سنة ثمان وخمسين وخمس مائة وأمعن في الرد على اليهود وذكر مخازيهم وألزمهم اتباع شريعة الإِسلام حسب ما تضمنته التوراة، وبين وجود النص في التوراة، ويسرد فيه ألفاظ التوراة باللسان العبراني، ثم يفسره بالعربي، وكان الباجي طالع كلام هذا الرجل وقد كتبنا كتاب هذا الرجل وكتاب الباجي بخطنا. وقرىء يلوون مضارع لوي ويلوّون مضارع لوى مشدداً ويلون بضم اللام. وقرىء: لتحسبوه بالتاء خطاباً للمسلمين. وقرىء بياء الغيبة، والضمير المنصوب عائد على ما دل عليه ما قبله من المحرّف ويحتمل أن يكون قوله بالكتاب على حذف مضاف أي يلوون ألسنتهم يشبه الكتاب فيعود الضمير على ذلك المضاف المحذوف. {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ} لم يكتفوا بالحسبان حتى صرحوا أن المحرف هو من عند الله جرأة منهم على الله عز وجل ثم أخبر أن شأنهم وعادتهم قول الكذب على الله. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما في ذلك من الذنب العظيم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من تفاوت الاستعدادات، واختلاف القابليات الفطرية ترى {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ} ثقة عليه واعتماداً له {بِقِنْطَارٍ} مال كثير مفضل مخرون {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} على الوجه الذي ائتمنت عليه بلا تغيير وخيانة؛ لصفاء فطرته وحسن استعداده وقابليته {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} أو أقل {لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} لخباثة طينته وقبح قابليته {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} دائماً مطالباً أمانتك منه على وجه الإلحاح والإتمام، نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه قريشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً، فأداه إليه، وفنخاص بن عاذوراء استودعه أيضاً قريشي آخر ديناراً، أنكر عليه وجحد، مع اتفاقهما في الكفر والضلال، وأنهماكهما في الإصرار والفساد. {ذٰلِكَ} أي: ترك البعض اليهودي {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم استحلوا مال من ليس على دينهم {قَالُواْ لَيْسَ} في كتابنا المنزل {عَلَيْنَا} من ربنا {فِي} حق {ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أي: طريق معاتبة ومؤاخذة؛ لأنهم ليسوا من أهل الكتاب {وَ} هم بهذا القول {يَقُولُونَ} ويفترون {عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ} لأنه ليس في كتابهم هذا الباطل بل يفترونه عناداً {وَهُمْ} أيضاً {يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75] أنه افتراء منهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزول هذه الآية: "كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية إلا هو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر". {بَلَىٰ} للحق سبيل معاتبة وانتقام معهم في حق كل واحد من عباده على أي دين كان وملة كانت إذا صدر عنهم التعدي إلا {مَنْ أَوْفَىٰ} منهم {بِعَهْدِهِ} الذي عهد مع الله ومع عباده {وَاتَّقَى} من غضب الله بعدم الفواء، فهو من المحبوبين عند الله {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] ويرضى عنهم، يوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ} يستبدلون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الذين عهدوا مع رسوله {وَأَيْمَانِهِمْ} المغلظة الصادرة منهم على وفائه، كقولهم: والله، ليؤمنن به ولينصرنه {ثَمَناً قَلِيلاً} من متاع الدنيا، مثل أخذ الرشاوى وإبقاء الرئاسة {أُوْلَـٰئِكَ} المستبدلون الخاسرون هم الذين {لاَ خَلاَقَ} لا نصيب ولا حظ {لَهُمْ فِي} النشأة {ٱلآخِرَةِ} التي هي دار الوصول والقرار {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} تكليمه من استخلفه عن مقتضيات جميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بنظر الرحمة حتى ينعكس بروق أنواع الوحدة الذاتية المتلأئمة المشعشعة من عالم العماء التي هي السواد الأعظم المشار إليه في الحديث النبوي - صلوات الله على قائله - على مرائي قلوبهم {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} ولا يثني عليهم ولا يلتفت إليهم حين ثنائه. والتفاته على خلَّص عباده المستصقلين مرايا قلوبهم عن صداء الالتفات إلى الغير مطلقاً؛ لينعكس فيها أشعة التجليات الجمالية والجلالية اللطفية والقهرية، حتى تعتدلوا وتستقيموا على الصراط المستقيم الذي هو صراط توحيد الله {وَلَهُمْ} في تلك الحالة {عَذَابٌ} طرد وخذلان {أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] مؤلم لا إيلام أعظم منه؛ إذ حرمان الوصول إلى غاية ما يترتب على الوجود والحصول من أشد المؤلمات والمؤذيات. نعوذ بالله من غضب الله، لا حول إلا بالله.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحاناً بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخباراً {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [آل عمران: 75]، بهذه المقالة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ} [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، {وَاتَّقَى} [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [فاطر: 32]، {أية : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} تفسير : [ص: 47]، فافهم جيداً. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمناً قليلاً من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } [آل عمران: 77]، تقريباً وتكريماً وتفهيماً {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبداً {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. {وَإِنَّ مِنْهُمْ} [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة {لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] ولا يعلمون، {أية : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقياً من أهل القصة، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، {وَلَـٰكِن} [آل عمران: 79]، يقول لهم {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة {أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً} [آل عمران: 80]، فضلاً عن أنفسهم {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ} [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال، لما ذكر خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق، فأخبر أن منهم الخائن والأمين، وأن منهم { من إن تأمنه بقنطار } وهو المال الكثير { يؤده } وهو على أداء ما دونه من باب أولى، ومنهم { من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وهو على عدم أداء ما فوقه من باب أولى وأحرى، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم بأنهم زعموا أنه { ليس } عليهم { في الأميين سبيل } أي: ليس عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد قد احتقروهم غاية الاحتقار، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة، وهم الأذلاء الأحقرون، فلم يجعلوا للأميين حرمة، وأجازوا ذلك، فجمعوا بين أكل الحرام واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله، لأن العالم الذي يحلل الأشياء المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه، وذلك هو الكذب، فلهذا قال { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم، ثم رد عليهم زعمهم الفاسد. فقال { بلى } أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه ليس عليكم في الأميين حرج، بل عليكم في ذلك أعظم الحرج وأشد الإثم. { من أوفى بعهده واتقى } والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه، وهو جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه، ويشمل العهد الذي بينه وبين العباد، والتقوى تكون في هذا الموضع، ترجع إلى اتقاء المعاصي التي بين العبد وبين ربه، وبينه وبين الخلق، فمن كان كذلك فإنه من المتقين الذين يحبهم الله تعالى، سواء كانوا من الأميين أو غيرهم، فمن قال ليس علينا في الأميين سبيل، فلم يوف بعهده ولم يتق الله، فلم يكن ممن يحبه الله، بل ممن يبغضه الله، وإذا كان الأميون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله وعدم التجرئ على الأموال المحترمة، كانوا هم المحبوبين لله، المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم، بخلاف الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء { لا خلاق لهم في الآخرة } أي: لا نصيب لهم من الخير { ولا يكلمهم الله } يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم { ولا يزكيهم } أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم { ولهم عذاب أليم } أي: موجع للقلوب والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية.

همام الصنعاني

تفسير : 413- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [الآية: 75]، قال: القنطار مائة رجل من ذهب أو ثمانون ألف درهم من وَرِق. 414- قال معمر وقال الكلبي: القنطار مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ ذهباً. 415- عبد الرزاق قال: أنبأنا عمر من حوشب عن عطاء الخراساني قال: سُئِلَ ابن عمر: كم القنطار؟ قال: سبعون ألفاً. 416- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [الآية: 75]، قال: تقتضيه إياه. 417- عبد الرزاق، قال: حثدنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}: [الآية: 75]، قال: ليس علينا في المُشركين سبيل، يَعنون من ليس من أهل الكتاب. 418- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة بن معاوية أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل المذمّة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قالوا: نقول ليس علينا بأسٌ في ذلك، قال: هذا كما قال أهل الكتاب {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}: [الآية: 75]، إنهم إذا أدُّوا الجزية لم تحلل لكم أموالهم إلاّ بطيبِ أنفسهم.