Verse. 369 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

بَلٰي مَنْ اَوْفٰى بِعَہْدِہٖ وَاتَّقٰى فَاِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ۝۷۶
Bala man awfa biAAahdihi waittaqa fainna Allaha yuhibbu almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بلى» عليهم فيهم سبيل «من أوفى بعهده» الذي عاهد الله عليه أو بعهد الله إليه من أداء الأمانة وغيره «واتقى» الله بترك المعاصي وعمل الطاعات «فإن الله يحب المتقين» فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي يحبهم بمعنى يثيبهم.

76

Tafseer

القرطبي

تفسير : «من» رفع بالابتداء وهو شرط. و «أوفَى» في موضع جزم. و «ٱتقى» معطوف عليه، أي وٱتقى الله ولم يكْذِب ولم يستحل ما حُرِّم عليه. {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي يُحِب أولئك. وقد تقدّم معنى حب الله لأوليائه. والهاء في قوله «بعهده» راجعة إلى الله عز وجل. وقد جرى ذكره في قوله {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ويجوز أن تعود على الموفيّ ومتّقي الكفر والخيانة ونقض العهد. والعهد مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {بَلَىٰ } عليهم فيه سبيل {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ } الذي عاهد الله عليه أو بعهد الله إليه من أداء الأمانة وغيره {وَٱتَّقَىٰ } الله بترك المعاصي وعمل الطاعات {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي يحبهم بمعنى يثيبهم.

الخازن

تفسير : فقال: {بلى} أي ليس الأمر كما قالوا بل عليهم سبيل ولفظة بلى لمجرد نفي ما قبلها فعلى هذا يحسن الوقوف عليها ثم يبتدئ من أوفى أي ولكن {من أوفى بعهده} أي بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الذي أنزل عليه وبأداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها وقيل الهاء في قوله بعهده راجعة إلى الموفى {واتقى} يعني الكفر والخيانة ونقض العهد {فإن الله يحب المتقين} يعني الذين يتقون الشرك. (ق) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر"تفسير : ، وفي رواية "حديث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"تفسير : . قوله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} قال عكرمة نزلت هذه الآية في أحبار اليهود ورؤسائهم أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب الذين كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرشا والمآكل التي كانوا يأخذونها من أتباعهم وسفلتهم وقيل نزلت في ادعاء اليهود الذين قالوا: إنه ليس علينا في الأميين سبيل وكتبوا ذلك بأيديهم وحلفوا أنه من عند الله وقيل نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له. (ق) عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : قال عبدالله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} إلى آخر الآية وفي رواية قال: "حديث : من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : فأنزل الله تصديق ذلك {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} الآية. فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا كذا وكذا فقال صدق فيَّ نزلت كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شاهداك أو يمينه" تفسير : قلت إنه إذا يحلف لا يبالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : . ونزلت {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} إلى آخر الآية. وأخرجه الترمذي وأبو داود وقالا: إن الحكومة كانت بين الأشعث وبين رجل يهودي. وقيل نزلت هذه الآية في رجل أقام سلعة في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه (خ) عن عبدالله بن أبي أوفى: "أن رجل أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} إلى آخر الآية. وقيل الأقرب حمل الآية على الكل فقوله تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله} يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه العهود والمواثيق المأخوذة من جهة الرسل ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه من عهد وميثاق فكل ذلك من عهد الله الذي يجب الوفاء به. ومعنى إن الذين يشترون يستبدلون بعهد الله يعني الأمانة وأيمانهم يعني الكاذبة ثمناً قليلاً يعني شيئاً يسيراً من حطام الدنيا، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من يعطي، والمأخوذ ثمناً للآخر فهذا معنى الشراء {أولئك} يعني من هذه صفتهم {لا خلاق لهم في الآخرة} أي لا نصيب لهم في الآخرة ونعيمها وجميع منافعها {ولا يكلمهم الله} يعني كلاماً يسرهم به أو ينفعهم. وقيل: هو بمعنى الغضب {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} أي لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيراً {ولا يزكيهم} أي ولا يطهرهم من الذنوب ولا يثني عليهم بجميل {ولهم عذاب أليم} يعني في الآخرة. (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماله فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"تفسير : ، (م) عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" تفسير : "وللنسائي" المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. (م) عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً قال وإن كان قضيباً من أراك ".

ابن عادل

تفسير : قوله: {بَلَىٰ} جواب لقولهم: "لَيْسَ" وإيجاب لما نفوه. وتقدم القول في نظيره. قال ابن الخطيبِ: وعندي الوقف التام على "بَلَىٰ" ثم استأنف. وقيل: إن كلمة "بَلَىٰ" كلمة تُذْكَر ابتداءً لكلام آخرَ يُذكَر بعده؛ لأن قولَهم: ليس علينا فيما نفعل جناحٌ قائمٌ مقام قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] فذكر - تعالى - أن أهل الوفاءِ بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى - لا غيرهم - وعلى هذا الوجه، فلا يَحْسُن الوقف على "بَلَىٰ" اهـ. و "مَنْ" شرطية، أو موصولة، والرابط بين الجملة الجزائية، أو الخبرية هو العموم في {الْمُتَّقِينَ} وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام المضمر يقول ذلك هنا. وقيل: الجزاء، أو الخبر محذوف، تقديره: يحبه الله، ودل على هذا المحذوف قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وفيه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه. قال القرطبيُّ: "مَنْ" رفع بالابتداء، وهو شرط، و "أَوْفَىٰ" في موضع جزم "واتَّقَى" معطوف عليه، واتقى الله، ولم يكذب، ولم يستحل ما حرم عليه {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي يحب أولئك. و "بعهده" يجوز أن يكون المصدر مضافاً لفاعله على أن الضمير يعود على "مَنْ". أو مضافاً إلى مفعوله على أنه يعود على "اللهِ" ويجوز أن يكون المصدر مضافاً للفاعل وإن كان الضمير لله تعالى وإلى المفعول وإن كان الضمير عائداً على "مَنْ" ومعناه واضح عند التَّأمُّلِ. فإن قيل: بتقدير أن يكون الضميرُ عائداً إلى الفاعل، وهو "مَنْ" فإنه يدل على أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانةَ، فإنهم يكتسبونَ محبة اللهِ. فالجواب أن الأمر كذلك، فإنهم إذا وفوا بالعهود، فأول ما يوفون به العهد الأعظم، وهو ما أخذَ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وهو المراد بالعهد في هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانتْ فيه وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خصلَةٌ مِن النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذا ائتُمِنَ خَانَ، وَإذَا حدَّث كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإذَا خَاصَم فَجرَ ".

ابو السعود

تفسير : {بَلَىٰ} إثباتٌ لما نفَوْه أي بلى عليهم فيهم سبـيلٌ، وقولُه تعالى: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} استئنافٌ مقرِّر للجملة التي سد {بَلَىٰ} مسدَّها والضميرُ المجرور لمن أو لله تعالى وعمومِ المتقين نائبٌ منابَ الراجعِ من الجزاء إلى مَنْ ومُشعِرٌ بأن التقوى مَلاكُ الأمرِ، عامٌّ للوفاء وغيرِه من أداء الواجباتِ والاجتنابِ عن المناهي {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ} أي يستبدلون ويأخُذون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} أي بدلَ ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاءِ بالأمانات {وَأَيْمَـٰنِهِمْ} وبما حلفوا به من قولهم: والله لنُؤمِنن به ولننصُرَنّه {ثَمَناً قَلِيلاً} هو حُطامُ الدنيا {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بتلك الصفاتِ القبـيحةِ {لاَ خَلَـٰقَ} لا نصيبَ {لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ} من نعيمها {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ} أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبـيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكة عليهم السلام أو لا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه، والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك لقوله تعالى: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} فإنه مَجازٌ عن الاستهانة بهم والسخطِ عليهم متفرِّعٌ على الكناية في حق من يجوزُ عليه النظرُ لأن مَن اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره بصرَه ثم كثُر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسانِ وإن لم يكن ثَمَّةَ نظَرٌ ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظرُ مجرد المعنى من الإحسان مَجازاً عما وقع كنايةً عنه فيمن يجوزُ عليه النظر، ويومَ القيامة متعلقٌ بالفعلين وفيه تهويل للوعيد {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} أي لا يُثني عليهم أو لا يُطَهِّرهم من أوضار الأوزار {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على ما فعلوه من المعاصي قيل إنها نزلت في أبـي رافعٍ ولُبابةَ بنِ أبـي الحقيق وحُيَـيِّ بنِ أخطَبَ حرّفوا التوراة وبدلوا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا الرِّشوةَ على ذلك. حديث : وقيل: نزلت في الأشعث بنِ قيسٍ حيث كان بـينه وبـين رجل نزاعٌ في بئر فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «شاهداك أو يمينُه» فقال الأشعث: إذن يحلِفُ ولا ببالي، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حلف على يمين يستحِقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ لقِيَ الله وهو عليه غضبان»»تفسير : ، وقيل: في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به. {وَإِنَّ مِنْهُمْ} أي من اليهود المحرِّفين {لَفَرِيقًا} ككعب بنِ الأشرفِ ومالكِ بنِ الصيف وأضرابِهما {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ} أي يفتلونها بقراءته فيُميلونها عن المُنزّل إلى المحرّف أو يعطِفونها بشَبَه الكتاب، وقرىء يُلوّون بالتشديد ويلُون بقلب الواو المضمومة همزةً ثم تخفيفِها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها من الساكن {لِتَحْسَبُوهُ} أي المحرِّفَ المدلولَ عليه بقوله تعالى: {يَلْوُونَ} الخ وقرىء بالياء والضميرُ للمسلمين {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} أي من جملته وقولُه تعالى: {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ} حالٌ من الضمير المنصوبِ أي والحالُ أنه ليس منه في نفس الأمرِ وفي اعتقادهم أيضاً {وَيَقُولُونَ} مع ما ذكر من اللَّيِّ والتحريف على طريقة التصريحِ لا بالتورية والتعريض {هُوَ} أي المحرفُ {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي منزلٌ من عند الله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} حالٌ من ضمير المبتدأ في الخبر أي والحالُ أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضاً وفيه من المبالغة في تشنيعهم وتقبـيحِ أمرِهم وكمالِ جرأتهم ما لا يخفى، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ والكتاب في محل الإضمارِ لتهويل ما أقدموا عليه من القول. {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون ومفترون على الله تعالى وهو تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على الله والتعمُّد فيه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهودُ الذين قدِموا على كعب بنِ الأشرف وغيَّروا التوراةَ وكتبوا كتاباً بدَّلوا فيه صِفةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظةُ ما كتبوا فخلَطوا بالكتاب الذي عندهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ} [الآية: 76]. قال جعفر: من أولى بالعهد الجارى عليه فى الميثاق الأول واتقى وطهر ذلك العهد وذلك الميثاق أن يدنسه بباطل، والوفاء بالعهد والكون معه يقطع ما سواه لذلك. قال النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : أصدق كلمةٍ تتكلم بها العرب كلمة لبيد ": شعر : * ألا كُلّ شئٍ ما خَلا الله باطلٌ * تفسير : ومن أوفى بالعهد سمِّى محبًا والله يحب المتقين.

البقلي

تفسير : {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} العهد ثلثة عهد الازل بنعت الكشف للارواح فى احانين بقلب القلب فى سره فى اوصاف الربوبية مع الاسارار وهو القاء مخاطبة الحق والسنة لكون الادب منه فى جمع عرمه فمن واقى روحه عهد الازل فاز من دركات الشرك وبلغ سر التوحيد ومن وافى قلبه الهام الخاص بالقاء سمع الخاص وسكونه فى جريان الحكم فقد بلغ عين حقيقة الرضا وخلص من درك الفتاو من وافى عقله اوامرا لحق بالوسائل فى ظاهره وباطنه فقد بلغ حسن الادب فى مقام العبودية ويكون مرشد للمريدين وقائد العارفين واتقى خطرات النفوس وطوارق الشهوات فان الله يبلغه مقام حقيقة المحبة قال الاستاد صاحب الوفاء للوصلة متسوجب للتكريم اهل وللرحمة مستحق وصاحب الخطاء بقوت وللهوان اهل واللخجلة معترض والوفاء بالعهد الكون معه بطع ما سواه قال جعفر من اوفى بالعهد الجارى عليه فى الميثاق الاول وابقى وطهر ذلك العهد وذلك الميثاق من تدنسه بباطل لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم اصدق كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد. شعر : الا كل شئ ما خلا الله باطل تفسير : ومن وافى بالعهد سمى محبا والله يحب للتقين

اسماعيل حقي

تفسير : {بلى} اثبات لما نفوه اى بلى عليهم فى الاميين سبيل {من اوفى بعهده} الضمير راجع الى من اى من أتم بعهد الوافى أو بعهد الله الذى عهده اليهم فى التوراة واخذ ميثاقهم عليه من الايمان بمحمد واداء الامانة {واتقى} اى الشرك والخيانة وجواب الشرط وهو من قوله {فان الله يحب المتقين} عن الغدر والخيانة ونقض العهد اى فان الله يحبه فقام عموم المتقين مقام الضمير الراجع من الجزاء الى من يعنى التقوى تعم وفاء ما عاهدوا الله عليه من الايمان بمحمد عليه السلام وبما جاء به مما يتعلق بتكميل القوة النظرية والعملية. ودلت الاية على تعظيم امر الوفاء بالعهد وذلك لان الطاعات مقصورة علىامرين التعظيم لامر الله تعالى والشفقة على خلق الله فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا اذ ذلك سبب لمنفعة الخلق فهو شفقة على خلق الله ولما امر الله به كان الوفاء به تعظيما لامر الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اربع من كن فيه منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا ائتمن"تفسير : اى جعل امينا ووضع عنده امانه "حديث : خان واذا حدث كذب واذا عاهد غدر ".تفسير : اى ترك الوفاء "حديث : واذا خاصم فجر"تفسير : اى مال عن الحق. قال صاحب التحفة وليس الغرض ان آية المنافق محصورة فيها بل كل من ابطن خلاف ما اظهر فهو من المنافقين فصدور العدد من خَير الانام يكون باعتبار اقتضاء المقام والوفاء بالعهد كما يمكن ان يكون فى حق الغير يمكن ايضا فى حق النفس لان الوافى بعهد النفس هو الآتى بالطاعات والتارك للمحرمات لانه عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب. فعلى العاقل ان يوفى بعهده فى السراء والضراء ويجتهد فى محافظته - حكى - ان شابا عقد مع الله عقدا ان لا ينظر الى شىء من مستحسنات الدنيا فمر يوما بسوق فراى منطقة مرصعة بالدر والجوهر فنظر اليها فاعجبته ثم مضى عنها وقد نظر اليه صاحبها فلما ذهب عنه افتقدها فلم يجدها فوثب مسرعا حتى تعلق بالشاب وقال يا عيار انت سارق منطقتى فحمله الى السلطان فلما نظر اليه قال ليس هذا من اهل السرقات فقال بل هو سارق منطقتى وصفتها كيت كيت فامر بتفتيشه فوجدوها على وسطه فقال له السلطان يا فتى أما تستحى تلبس لباس الاخيار وتعمل عمل الفجار فنظر الفتى الى المنطقة فقال مولاى الاقالة الاقالة الهى لا اعود الى مثلها فأمر السلطان ان يضرب فجر ليضربوه فاذاهم بصوت يسمع ولا يرىيقول دعوه ولا تضربوه انما اردنا تأديبه فوثب السلطان الى الفتى وقبله بين عينيه ثم قال اخبرنى عن قصتك فاخبره فتعجب من ذلك ثم قرأ {أية : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} تفسير : [البقرة: 177]. فقال صاحب المنطقة سالتك باله ألا ما قبلتها منى واجعلنى فى حل فقال اليك عنى ليس هذا من صنعتك انما الصنع لصاحب الصنع ولا مؤثر فى الوجود غير الحق وليس فى الدار غيره ديار شعر : جه خوش كفت بهلول فرخنده خوى جو بكذشت بر عارفى جنك جوى كر اين مدعى دوست بشناختى به بيكار دشمن نبرداختى كر از هستىء حق خبر داشتى همه خلق را نيست بنداشتى تفسير : فاذا وقفت على هذاالخبر فقم فى تربية نفسك الى ان تصل الى الهوية المطلقة مميطا لثام الاثنينية مشاهدا وجود الحق فى كل شىء رزقنا الله واياكم مشاهدته.

الطوسي

تفسير : الهاء في قوله: {بعهده} يحتمل أن تكون عائدة على اسم الله في قوله: {ويقولون على الله الكذب} ويحتمل أن تكون عائدة على (من) في قوله: {بلى من أوفى بعهده} لأن العهد يضاف إلى الفاعل، والمفعول. تقول هذا عهد فلان الذي عُهد إليه به، وهذا عهد فلان الذي عهده إلى غيره. ووفى وأوفى لغتان، فأهل الحجاز يقولون أوفيت وأهل نجد يقولون وفيت. وقوله: {بلى} يحتمل معنيين: أحدهما - الاضراب عن الأول على وجه الانكار للاول وعلى هذا الوجه {من أوفى بعهده} تكون مكتفية، نحو قولك: ما قدم فلان، فتقول بلى أي بلى قد قدم. وقال الزجاج: بلى ها هنا وقف تام لأنهم لما قالوا {ليس علينا في الأميين سبيل} قيل {بلى} أي بلى عليهم سبيل. والثاني - الاضراب عن الأول والاعتماد على البيان الثاني وعلى هذا الوجه لا تكون مكتفية، نحو ان تقول قد قدَّم زيد، حدساً لغواً من القول، بلى لو كان متيقناً لعمل على قوله. فكذلك الآية تدل على ما تقدم على إدعائهم خلاف الصواب في التقوى فقيل: {بلى} للاضراب عن الأول، والاعتماد على البيان الثاني. والفرق بين بلى ونعم أن بلى جواب النفي، نحو قوله. {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : فأما أزيد في الدار فجوابه، نعم، أو، لا. وإنما جاز إمالة بلى لمشابهتها الاسم من وجهين أحدهما - أنه يوقف عليها في الجواب، كما يوقف على الاسم نحو من رأيت من النساء، فيقول الحبلى، وكذلك إذا قال أليس زيد في الدار قلت بلى. ولأنها على ثلاثة أحرف وهي أصل العدة التي يكون عليها الاسم ولذلك خالفت (لا) في الامالة. وإنما قال {فإن الله يحب المتقين} ولم يقل فان الله يحبه فيرد العامل إلى اللفظ، لابانة الصفة التي تجب بها محبة الله وإن كان فيه معنى فان الله يحبهم.

الجنابذي

تفسير : {بَلَىٰ} عليهم سبيل فانّ الله لا يدع ظلامة العباد {مَنْ أَوْفَىٰ} ابتداء كلام تعليل لجملة تضمّنتها بلى يعنى عليهم سبيل لانّ كلّ من اوفى {بِعَهْدِهِ} الّذى عاهده مع نبىّ (ص) او وصّى نبىّ (ع) بالبيعة العامّة او الخاصّة والوفاء بسائر العهود من الوفاء بهذا العهد فانّه مأخوذ فيه {وَاتَّقَى} من مخالفة ما عاهد به فى بيعته والامانة جزء ما عاهد به سواء كان امّيّاً او من اهل الكتاب {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بعلّة الحكم فكأنّه قال: فانّ الله يحبّه والمحبّ ينتقم ممّن ظلم محبوبه ويجوز ان يكون بلى تقريراً لسابقه على مرجوحيّة ويكون المعنى: بلى لا سبيل على المؤمن المعاهد بشرط الوفاء بالعهد واتّقاء مخالفة ما وصف فى عهده لانّ من اوفى بعهده واتّقى المخالفة صار محبوباً لله والمحبوب لا يناله مكروه من المحبّ ولا يؤاخذه المحبّ على ما فرط منه بالنّسبة الى عدوّه.

اطفيش

تفسير : {بَلَى}: إثبات لما نفوه فى قولهم: ليس علينا فى الأميين سبيل، أى بل عليهم فى الأميين سبيل. {مَنْ أَوْفَى}: لغة الحجاز، وأما لغة "وفى" بلا همز ولا تشديد. {بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}: جملة مستأنفة تقرر ما أفادته {بلى} من الإثبات، والهاء عائدة إلى من، والمراد بالعهد: ما كلف الله به الإنسان، فإنه للزومه إياه، كأنه أقربه والتزمه، والوفاء: الإيمان أو المراد به: ما أعطى من العهد إذ خرج كذره من ظهر آدم. وقال الحسن: المراد من الأمانة إلى من ائتمنه، وقيل: الهاء عائدة إلى الله والمراد بالعهد جميع ما ذكر، وقيل: المراد من أوفى من اليهود بما عهد الله فى التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن الذى أنزل عليه وعلى عود الهاء لله يكون قوله: فإن الله من وضع الظاهر، موضع المضمر للتلذذ باسم الله، والمراد بالمتقين: من أوفى جميع مراعاة لمعنى من حبى ظاهراً لا ضميراً ليصف الموفى بالتقوى، لأن الإيفاء الحقيقى يشمل اجتناب المعاصى، والرابط هو الظاهر، لقيامه عن المضمر، وإن أريد بمن أوفى من أدى الأمانة، أو من آمن، أو من أوفى بفعل ما يجب فعله، فالمتقين أعم للفعل له، وللترك لما يجب تركه، أو يراد به اجتناب المعاصى، فيكون الرابط خصه من أوفى لفظ المتقين، قال ابن عباس: نزلت فى عبد الله بن سلام وبحيرا الراهب، ونظائرهما من مؤمنى أهل الكتاب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق، حى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خصم فجر" تفسير : وروى "حديث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، إوذا خاصم فجر ".

اطفيش

تفسير : {بَلَى} إثبات للسبيل، أى عليهم سبيل الذم والعقاب والعتاب {مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ} أى بعهد نفسه الذى عاهد به الله، أو بعهد الله الذى عاهده الله به، أو بعهد الله الذى عاهد الله به من الإيمان بما أنزل {وَاتّقَى} حذر العقاب، أو حذر المعاصى من فعل المحرم وترك الواجب، والتقوى ملاك الأمر، وذكرها بعد الإيفاء تعميم بعد خصيص، وخص الإيفاء بالذكر لأنه أخص بالمقام، أو الإيفاء فعل الواجب، والتقوى ترك ما قال لا تفعلوه {فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} يثيب المتقين عموما، كما أن من أوفى واتقى هو على العموم، فمقتضى الظاهر، فإن الله يحبهم، ووضع الظاهر موضع المضمر، أو يحب المتقين عموما، فيدخلون دخولا أولياً، وذلك ليذكرهم باسم التقوى،لا ليفيد العموم، فإن من للعموم إلا أن أريد بمن أوفى من أهل الكتاب، فإن ذكر المتقين ليعم غيرهم أيضا، والربط يحصل بالظاهر الموضوع موضع المضمر ويحصل بالعموم، وفى البخارى ومسلم عن عبد الله ابن عمر عن رسول الله: حديث : أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذ اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجرتفسير : ، والحديث نص فى أن للواحد منافق بفعل الكبيرة، لا يقبل التأويل بشبه المضمر للشرك، لأنه قال خالصا، أيقول قومنا هو مضمر للشرك خالصا، لا يجدون ذلك، فالنفاق يكون بفعل الكبيرة مع ثبوت التوحيد فى القلب، ويكون بإضمار الشرك.

الالوسي

تفسير : {بَلَىٰ } جواب لقولهم {أية : لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِِّينَ سَبِيلٌ } تفسير : [آل عمران: 75]، وإيجاب لما نفوه، والمعنى بلى عليهم في الأميين سبيل. {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } استئناف مقرر للجملة التي دلت عليها {بَلَىٰ } حيث أفادت بمفهومها المخالف ذم من لم يف بالحقوق مطلقاً فيدخلون فيه دخولاً أولياً، و {مَنْ } إما موصولة أو شرطية، و {أَوفَى } فيه ثلاث لغات: إثبات الهمزة وحذفها مع تخفيف الفاء وتشديدها، والضمير في ـ عهده ـ عائد على {مَنْ } وقيل: يعود على {ٱللَّهِ } فهو على الأول: مصدر مضاف لفاعله، وعلى الثاني: مصدر مضاف لمفعوله أو لفاعله ولا بد من ضمير يعود على {مَنْ } من الجملة الثانية، فإما أن يقام الظاهر مقام المضمر في الربط إن كان {ٱلْمُتَّقِينَ } من {أَوفَى } وإما أن يجعل عمومه وشموله رابطاً إن كان {ٱلْمُتَّقِينَ } عاماً؛ وإنما وضع الظاهر موضع الضمير على الأول تسجيلاً على الموفين بالعهد بالتقوى وإشارة إلى علة الحكم ومراعاة لرؤوس الآي، ورجح الأول بقوة الربط فيه، وقال ابن هشام: الظاهر أنه لا عموم وأن {ٱلْمُتَّقِينَ } مساو لمن تقدم ذكره والجواب لفظاً، أو معنى محذوف تقديره يحبه الله، ويدل عليه {فَإِنَّ ٱللَّهَ } الخ، واعترضه الحلبـي بأنه تكلف لا حاجة إليه، وقوله: الظاهر أنه لا عموم في حيز المنع فإن ضمير {بِعَهْدِهِ } إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة العموم كما هو المعهود في أمثاله قاله بعض المحققين.

الواحدي

تفسير : {بلى} أَيْ: بلى عليهم سبيل [في ذلك]، ثمَّ ابتدأ فقال: {مَنْ أوفى بعهده} أَيْ: بعهد الله الذي عهد إليه في التَّوراة من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام والقرآن، وأَدَّى الأمانة، واتَّقى الكفر والخيانة، ونَقْضَ العهد {فإنَّ الله يحب المتقين} أََيْ: مَنْ كان بهذه الصفة. {إنَّ الذين يشترون بعهد الله} نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ضَيعةٍ، فهمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية فنكل [المُدَّعى عليه] عن اليمين وأقرَّ بالحقِّ، ومعنى {يشترون} يستبدلون، {بعهد الله} بوصيته للمؤمنين أن لا يحلفوا كاذبين باسمه {وأيمانهم} جميع اليمين، وهو الحلف {ثمناً قليلاً} من الدُّنيا {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} أَيْ: لا نصيب لهم فيها {ولا يكلِّمهم الله} بكلامٍ يسرُّهم {ولا ينظر إليهم} بالرَّحمة، وأكثر المفسرين على أنَّ الآية نزلت في اليهود، وكتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانهم الذي بدَّلوه من صفة محمد عليه السَّلام هو الحقُّ في التَّوراة، والدَّليل على صحَّة هذا قوله: {وإنَّ منهم} أَيْ: من اليهود {لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب} يحرِّفونه بالتَّغيير والتَّبديل، والمعنى: يلوون ألسنتهم عن سنن الصَّواب بما يأتونه به من عند أنفسهم {لتحسبوه} أَيْ: لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به {من الكتاب}. {ما كان لبشرٍ...} الآية. لمَّا ادَّعت اليهود أنَّهم على دين إبراهيم عليه السَّلام وكذَّبهم الله تعالى غضبوا وقالوا: ما يرضيك منَّا يا محمد إلاَّ أَنْ نتَّخذك ربّاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذَ الله أَنْ نأمر بعبادة غير الله، ونزلت هذه الآية. {ما كان لبشر} أن يجمع بين هذين: بين النبوَّة وبين دُعاء الخلق إلى عبادة غير الله {ولكن} يقول: {كونوا ربانيين...} الآية. أَيْ: يقول: كونوا معلِّمي الناس بعلمكم ودرسكم، علِّموا النَّاس وبيِّنوا لهم، وكذا كان يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لليهود؛ لأنَّهم كانوا أهل كتاب يعلمون ما لا تعلمه العرب. {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} كما فعلت النَّصارى والصَّابئون {أيأمركم بالكفر} استفهامٌ معناه الإِنكار، أَيْ: لا يفعل ذلك {بعد إذ أنتم مسلمون} بعد إسلامكم.

د. أسعد حومد

تفسير : (76) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهمْ قَائِلاً: بَلَى عَلَيكُمْ فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَعَلَيكُمُ الوَفَاءُ بِعُقُودِكُم المُؤَجَّلَةِ، وَأدَاءِ الأمَانَاتِ لأصْحَابِها، فَعَلَى أهْلِ الكِتَابِ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ، وَأنْ يَتَّقُوا مَحَارِمَ اللهِ، وَيَتَّبِعُوا طَاعَتَهُ وَشَرْعَهُ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن قول الحق في بداية هذه الآية "بلى" إنما جاء لينقض القضية السابقة التي ادعاها أهل الكتاب، وكأن الحق يقول: أيْ عليكم في الأميين سبيل؛ لأن المشرع هو الله، والناس بالنسبة له سبحانه سواء. وبعد ذلك يأتي قول الحق بقضية عامة: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]. ما العهد هنا؟ وأي عهد؟ إنه العهد الإيماني الذي ارتضيناه لأنفسنا بأننا آمنا بالله وساعة تؤمن بالإله فمعنى إيمانك به هو حيثية قبولك لكل حكم يصدر منه سبحانه، وأن تلتزم بما يطلبه منك. وإن لم تلتزم بما يطلبه منك كان إيمانك بلا قيمة؛ لأن فائدة الإيمان هو الالتزام. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما يريد تشريع حكم لمن آمن به ينادي أولاً يأيها الذين آمنوا كتب عليكم كذا، إن الحق سبحانه لا ينادي في التكليف كل الناس، إنما ينادي من آمن وكأن سبحانه يقول: "يا من آمن بي إلها، اسمع مني الحكم الذي أريده منك. أنا لا أطلب ممن لم يؤمن بي حكماً، إنما أطلب ممن آمن". وهنا يقول الحق: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] وقد يفهم البعض هذا القول بأن من أوفى بعهده الإيماني واتقى الله في أن يجعل كل حركاته مطابقة لـ "افعل ولا تفعل" فإن الله يحبه. هذا هو المعنى الذي قد يُفهم للوهلة الأولى، لكن الله لم يقل ذلك، إن "الحب" لا يرجع إلى الذات بل يرجع إلى العمل، لقد قال الحق: {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]. إن الإنسان قد يخطئ ويقول: "لقد أحبني الله، وسأفعل من بعد ذلك ما يحلو لي" ونحن نذكر صاحب هذا القول بأن الله يحب العمل الصالح الذي يؤديه العبد بنية خالصة لله وليس للذات أي قيمة، لذلك قال: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]. إن الذي أوفى بعهده واتقى سيحب الله فيه التقوى، وإياك أن تفهم أن الحب من الله للعبد سيصبح حباً ذاتياً، لكنه حب لوجود الوصف فيه، فاحرص على أن يكون الوصف لك دائماً، لتظل في محبوبية الله. ولذلك نقول: إن الحق سبحانه وتعالى أوضح لنا أن الذات تتناسل من ذات، والذوات عند الله متناسلة من أصل واحد. فالجنس ليس له قيمة، إنما القيمة للعمل الصالح. وقد ضربنا المثل قديماً، وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما وعد نوحاً عليه السلام بأن ينجيه من الغرق هو وأهله، ثم فوجئ نوح بأن ابنه من المغرقين، قال سبحانه حكاية عما حدث: {أية : قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : [هود: 43]. ماذا فعل نوح عليه السلام؟ لقد نادى ربه طالباً نجاة ابنه: {أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [هود: 45]. ويعلمنا الله من خلال رده على نوح، أن أهل الأنبياء ليسوا من جاءوا من نسلهم، إنما أهل الأنبياء هم من جاءوا على منهجهم، لذلك قال الحق لنوح عن ابنه: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..}تفسير : [هود: 46]. لماذا يكون ابن نوح ليس من أهل نوح؟ ذلك لأن أهل النبوة هم الذين يتبعون منهج النبوة، ولذلك لم يقل الحق لنوح عن ابنه: "إنه عامل غير صالح" لكن الحق سبحانه قال عن ابن نوح: "إنه عمل صالح" .. لقد نسب الحق الأمر إلى العمل. إذن فالحكمة هي أن الله سبحانه وتعالى في أسلوبه القرآني يوضح لنا أن الله لا يحب شخصاً لذاته، إنما لعمله وصفاته فلم يقل: "من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحبه"، لأن "الهاء" هنا ترجع إلى الذات، إن في ذلك إيضاحاً كامل البيان بأن الله يحب عمل العبد لا ذات العبد، فإن حرص العبد على محبوبية الله فذلك يتطلب من العبد أن يظل متبعاً لمنهج الله، وبعد ذلك يقول الحق: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ...}.