٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً الأول: أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم {أية : يَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [آل عمران: 75] ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً، ومن الناس من قال: هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفت الروايات في سبب النزول، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة، ومنهم من خصها بغيرهم. أما الأول ففيه وجهان الأول: قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بعهدِكُم } تفسير : [البقرة: 40] الثاني: أنها نزلت في ادعائهم أنه {أية : لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } تفسير : [آل عمران: 75] كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن. وأما الاحتمال الثاني: ففيه وجوه الأول: أنها نزلت في الأشعث بن قيس، وخصم له في أرض، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للرجل: «حديث : أقم بيِّنَتَك»تفسير : فقال الرجل: ليس لي بينة فقال للأشعث «حديث : فعليك اليمين»تفسير : فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق، وهو قول ابن جريج الثاني: قال مجاهد: نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته الثالث: نزلت في عبدان وامرىء القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض، فتوجه اليمين على امرىء القيس، فقال: أنظرني إلى الغد، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض، والأقرب الحمل على الكل. فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به. قال تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } تفسير : [التوبة: 75] الآية وقال: {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } تفسير : [الإسراء: 34] وقال: {أية : يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ } تفسير : [الإنسان: 7] وقال: {أية : مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } تفسير : [الأحزاب: 23] وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد، أو وعيد، أو إنكار، أو إثبات. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمناً قليلاً، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس: في بيان وقوعهم في أشد العذاب، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم. فالأول: وهو قوله {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة. وأما الثلاثة الباقية: وهي قوله {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكّيهِمْ } فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز. وأما الخامس: وهو قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهو إشارة إلى العقاب، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة: أما الأول: وهو قوله {لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فإنه تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48]. وأما الثاني: وهو قوله {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } ففيه سؤال، وهو أنه تعالى قال: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }تفسير : [الحجر: 92، 93] وقال: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6] فكيف الجمع بين هاتين الآيتين، وبين تلك الآية؟ قال القفال في الجواب: المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر، قال له لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه. وهذا هو الجواب الصحيح، ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع الله جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم، والمعتد هو الجواب الأول. وأما الثالث: وهو قوله تعالى: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان، يقال فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان، وإن لم يكن ثم نظر، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام، وتعالى إلٰهنا عن أن يكون جسماً، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف (إلى) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائياً لهم وذلك باطل. وأما الرابع: وهو قوله {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ففيه وجوه الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له. واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24] وقال: {أية : وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 103]{أية : نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ }تفسير : [فصلت: 21] وقد تكون بغير واسطة، أما في الدنيا فكقوله {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } تفسير : [التوبة: 112] وأما في الآخرة فكقوله {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]. وأما الخامس: وهو قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فاعلم أنه تعالى لما بيّن حرمانهم من الثواب بيّن كونهم في العقاب الشديد المؤلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: روى الأئمة حديث : عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدّمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك بيّنة»؟ قلت لا، قال لليهوديّ: «ٱحلف» قلت: إذاً يحلف فيذهب بمالي؛ فأنزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآيةتفسير : . وروى الأئمة أيضاً عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من ٱقتطع حق ٱمرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة». فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: «وإنْ كان قضِيباً من أَرَاك»تفسير : . وقد مضى في البقرة معنى {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} تفسير : [آل عمران: 77]. الثانية: ودلتْ هذه الآية والأحاديثُ أن حكم الحاكم لا يُحلّ المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانَه؛ وقد روى الأئمة عن أمّ سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحن بحجّته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة»تفسير : . وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال: إن حكم الحاكم المبنيّ على الشهادة الباطلة يُحلّ الفرج لمن كان محرّماً عليه؛ كما تقدّم في البقرة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زورٍ على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوّجها ممن يعلم أن القضية باطل. وقد شُنّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال ولم ير ٱستباحتها بالأحكام الفاسدة، ولم يصن الفروج عن ذلك، والفروج أحقُّ أن يحتاط لها وتُصان. وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلاَْخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ} أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظ لهم منها {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: برحمة منه لهم، يعني: لا يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر: (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال: علي بن مدرك: أخبرني، قال: سمعت أبا زرعة عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» تفسير : قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: «حديث : المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان»تفسير : ، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث شعبة به. (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن أبي الأحمس، قال: لقيت أباذر، فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أما إنه لا يخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: «حديث : الرجل يلقى العدو في فئة، فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنُّوا أن يمسوا الأرض، فينزلون، فيتنحى أحدهم يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه، فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن» تفسير : قلت: من هؤلاء الذين يشنؤهم الله؟ قال: «حديث : التاجر الحلاف، أو قال: البائع الحلاف، والفقير المحتال، والبخيل المنان»تفسير : غريب من هذا الوجه. (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جربر بن حازم، حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي، هو ابن عميرة الكندي، قال: خاصم رجل من كندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس، رجلاً من حضرموت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرىء القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف على يمين كاذبة؛ ليقتطع بها مال أحد، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان» تفسير : قال رجاء: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: «حديث : الجنة»تفسير : . قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها، ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به. (الحديث الثالث) قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مالَ امرىء مسلم، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان»تفسير : . فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك؛ كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني أرضي، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألك بينة؟»تفسير : قلت: لا. فقال لليهودي: «حديث : احلف»تفسير : . فقلت: يا رسول الله، إذاً يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية، أخرجاه من حديث الأعمش. (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان» تفسير : قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر كانت لي في يده، فجحدني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه»تفسير : قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان»تفسير : قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية. (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رِشْدين، عن زَبَّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إن لله تعالى عباداً لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم»تفسير : قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: «حديث : متبرىء من والديه راغب عنهما، ومتبرىء من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم، وتبرأ منهم».تفسير : (الحديث الخامس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، يعني: ابن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، يعني: السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا} الآية، ورواه البخاري من غير وجه عن العوام. (الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، يعني: كاذباً، ورجل بايع إماماً، فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه لم يف له»تفسير : . ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في اليهود لما بدلوا نعتَ النبي صلى الله عليه وسلم وعَهْدَ الله إليهم في التوراة وفيمن حلف كاذباً في دعوى أو في بيع سلعة:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ } يستبدلون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ } إليهم في الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وأداء الأمانة {وَأَيْمَٰنِهِمْ } حلفهم به تعالى كاذبين {ثَمَناً قَلِيلاً } من الدنيا {أُوْلَٰئِكَ لاَ خَلَٰقَ } نصيب {لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } غضباً عليهم {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } يرحمهم {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } يطهِّرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَناً قَلِيلاً} وفي العهد قولان: أحدهما: ما أوجب الله تعالى على الإنسان من طاعته وكَفَّه عن معصيته. والثاني: ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق. {أَولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فِي الآخِرةِ}. وفي أصل الخلاق قولان: أحدهما: أن أصله من الخّلق بفتح الخاء وهو النفس، وتقدير الكلام لا نصيب لهم. والثاني: أن أصله الخُلق بضم الخاء لأنه نصيب مما يوجبه الخُلُق الكريم. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} فيه قولان: أحدهما: لا يكلمهم الله بما يسرهم، لكن يكلمهم بما يسوءهم وقت الحساب لأنه قال: {ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم}. والثاني: لا يكلمهم أصلاً ولكن يرد حسابهم إلى الملائكة. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ الْقِيَامَةِ} فيه قولان: أحدهما: لا يراهم. والثاني: لا يَمِنُ عليهم. {وَلاَ يُزَكِّيهِم} أي لا يقضي بزكاتهم. واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود: أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب كتبوا كتاباً بأيديهم، ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا به ليس عليهم في الأميين سبيل، وهو قول الحسن، وعكرمة. والثاني: أنها نزلت في الأشعث وخصيم له تنازعاً في أرض، فقام ليحلف، فنزلت هذه الآية، فنكل الأشعث واعترف بالحق. والثالث: أنها نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته في البيع، وهذا قول عامر، ومجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِعَهْدِ اللَّهِ} أمره ونهيه، أو ما جعل في العقل من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق. {لا خَلاقَ} من الخَلْق وهو التقدير أي لا نصيب، أو من الخُلُق أي لا نصيب لهم مما يوجبه الخلق الكريم. {وَلا يُكَلِّمُهُمُ} بما يسرهم بل بما يسوؤهم عند الحساب، لقوله تعالى: {أية : عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}تفسير : [الغاشية: 26] أو لا يكلمهم أصلاً بل يكل حسابهم إلى الملائكة. {وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} لا يراهم، أو لا يمن عليهم. {وَلا يُزَكِّيهِمْ} لا يقضي بزكاتهم، نزلت فيمن حلف يميناً فاجرة لينفق بيع سلعته، أو في الأشعث نازع خصماً في أرض فقام ليحلف فنزلت فنكل الأشعث واعترف بالحق، أو في أربعة من أحبار اليهود، كتبوا كتاباً وحلفوا أنه من عند الله فيما ادّعوا أنه ليس عليهم في الأميين سبيل.
ابن عادل
تفسير : مما جاء في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهٌ: أحدها: أنه - تعالى - لما وصف اليهودَ بالخيانة في أموال النّاس، فمعلوم أن الخيانَة في الأموال، لا تكون بالأيمان الكاذبةِ. وثانيها: أنه - تعالى - حَكَى عنهم أنهم يقولون على الله الكذب، وهم يعلمون، ولا شك أن عهد الله - تعالى - على كل مكلَّفٍ أن لا يكذبَ على الله. وثالثها: أنه - تعالى - ذكر في الآية الأولى خيانَتهم في أموال الناس، وذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وفي تعظيم أسمائِهِ؛ حيث يَحْلِفون بها كاذبين. وقال بعضهم: إن هذه الآية ابتداء كلام مستقلٍّ في المنع من الأيمان الكاذبةِ؛ لأن اللفظَ عامٌّ، والروايات الكثيرة دلَّت على أنها نزلت في أقوامٍ أقدموا على الأيمان الكاذبة. فصل قال عكرمةُ: نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيرَها، وحلفوا أنها من عند الله؛ لئلا تفوتَهم الرِّشاء التي كانت من أبناء عمهم. وقيل: نزلت في ادِّعائهم أنه {أية : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} تفسير : [آل عمران: 75] كتبوا ذلك بأيديهم، وحَلَفُوا أنه من عند الله قاله الحسنُ. وقال ابن جُرَيْجٍ: نزلت في الأشعث بن قيس وخَصْمٍ له، اختصما في أرض إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: أقم بيِّنتك، فقال: ليس لي بينة، فقال لليهودي: احلِفْ، قال: إذاً يحلف، فيذهب بمالي، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} فنكل الأشعث. قال مجاهدٌ: نزلت في رجل حلف يميناً فاجرةً في تنفيق سلعته، عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ. قَالَ: وقرأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال أبو ذر: خابوا، وخسروا مَنْ هم يا رسولَ اللهِ؟ قال: المُسْبِلُ إزَارَهُ، والمَنَّانُ، والمُنْفِقُ سلعَتَهُ بالحَلِف الْكَاذِبِ ". تفسير : وروى أبو هريرة عن النبي: "حديث : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ يَمِيناً عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فاقتطعه، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ أنَّهُ أعْطِي بِسِلْعَتِهِ أكْثَرَ مِمَّا أعْطي وَهُوَ كَاذِبٌ - وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ ماءٍ، فَإن اللهَ - تَعَالَى - يَقولُ: الْيَوم أمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ". تفسير : وقيل: حديث : جاء رجل من حضرموت ورجل من كِنْدةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميُّ: يا رسولَ اللهِ، إن هذا قد غلبني على أرض لي - كانت لأبي - فقال الكنديّ: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحَضْرَمِيّ: ألك بيِّنةٌ؟ قال لا، قَالَ: فَلَكَ يمينُهُ قال: يا رسولَ اللهِ، إن الرجل فاجِرٌ لا يبالي على ما حلف عليه، قال ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر "أما لئن حَلَفَ علَى ما لَيْسَ لَهُ لِيَأكُلَهُ ظُلماً لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ". تفسير : قال علقمة: أما الكنديّ فهو عمرو بن القيس بن عابس الكنديّ، وخصمه ربيعة بن عبدان الحضرميّ، روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَن اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم - بِيَمِينِهِ - حَرَّم اللهُ عَلَيْه الْجَنَّة وَأوْجَبَ لَهُ النَّارَ، قَالُوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسولَ الله؟ قَالَ: وَإنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أرَاكٍ" تفسير : قالها ثلاث مراتٍ. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي: لا نصيبَ لهم في الآخرةِ ونعيمها، وهذا مشروطٌ بالإجماع بعد التوبة، فإذا تاب عنها سقط الوعيدُ - بالإجماع - وشرط بعضهم عدم العفو؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]، {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} أي: كلاماً ينفعهم، ويسرهم. وقيل: لمعنى الغضب، كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلاناً - إذا كان قد غضب عليه - قاله القفالُ. ثم قال: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي: لا يرحمهم، ولا يُحْسِن إليهم، ولا يُنِيلُهم خيراً، وليس المقصود منه النظر بتقليب الحَدَقَةِ إلى المَرْئِيّ - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة. وقيل: لا يُثْنِي عليهم كما يُثْنِي على أوليائه - كثناء المزكِّي للشاهد والتزكية من الله قد تكون على ألسنة الملائكة، كقوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23-24] وقد تكون من غير واسطة، أما في الدنيا فكقوله: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} تفسير : [التوبة: 112]. وأما في الآخرة فكقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 58]. ثم قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لما بين حرمانهم من الثواب, بيَّن كونهم في العقاب الشديد المُؤلم. فصل قال القرطبيُّ: "دلَّت هذه الآية والأحاديث على أن حُكْمَ الحاكم لا يُحِلُّ المالَ في الباطن بقضاء الظاهرِ إذا علم المحكوم له بطلانَه, وروت أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنكم تختصمون إليَّ, وإنما أنا بَشَرٌ, ولَعَلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحَنَ بحُجَّته من بَعْضٍ, وإنما أقضِي بينَكُم على نحو ما أسمع, فمن قَضَيْتُ له من حَقِّ أخيه شيئاً, فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة . تفسير : قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في هذه اللام قولان: أحدهما: أنها بمعنى الاستحقاق، أي: يستحقُّون العذاب الأليم. الثاني: كما تقول: المال لزيد، فتكون لام التمليك، فذكر ملك العذاب لهم، تهكُّماً بهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. فقال الأشعث بن قيس: فيَّ ـ والله ـ كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيَّنة...؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف... فقلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن المنذر أبي حاتم عن عبد الله بن أبي أوفى. أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين. فنزلت هذه الآية {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً...} إلى آخر الأية. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن عدي بن بحيرة قال "حديث : كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينة قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله وهو عليه غضبان. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة... فقال: أشهدك إني قد تركتها. فنزلت هذه الآية {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} " تفسير : إلى آخر الآية. لفظ ابن جرير. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج "حديث : أن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم بينتك قال الرجل: ليس يشهد لي أحد على الأشعث قال: فلك يمينه فقال الأشعث: نحلف. فأنزل الله {إن الذين يشترون بعهد الله...} الآية. فنكل الأشعث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، فرد إليه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الشعبي، أن رجلاً أقام سلعته من أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا، ولولا المساء ما باعها به. فأنزل الله {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً}. وأخرج ابن جرير عن مجاهد. نحوه. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} في أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن عون عن إبراهيم ومحمد والحسن في قوله {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} قالوا: هو الرجل يقتطع مال الرجل بيمينه. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال "حديث : جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي. قال الكندي: هي أرض كانت في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه فقال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: لئن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة عن الأشعث بن قيس "حديث : أن رجلاً من كندة، وآخر من حضرموت، اختصما إلى رسول الله صلى عليه وسلم في أرض من اليمن فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبها أبو هذا وهي في يده فقال: هل لك بينة؟ قال: لا. ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيأ الكندي لليمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتطع أحد مالاً بيمين إلا لقي الله وهو أجذم فقال الكندي: هي أرضه ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني بسند حسن عن أبي موسى قال "حديث : اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض أحدهما من حضرموت، فجعل يمين أحدهما فضج الآخر وقال: إذن يذهب بأرضي فقال: إن هو اقتطعها بيمينه ظلماً كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، قال: وروع الآخر فردها ". تفسير : وأخرج أحمد بن منيع في مسنده والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: كنا نعد من الذنب الذي ليس كفارة اليمين الغموس قيل: وما اليمين الغموس؟ فقال: الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل. وأخرج ابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن الحرث بن البرصاء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج بين الجمرتين وهو يقول:" حديث : من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوّأ مقعده من النار. ليبلِّغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثاً ". تفسير : وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اليمين الفاجرة تذهب بالمال ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس مما عُصِيَ الله به هو أعجل عقاباً من البغي، وما من شيء أُطيع الله فيه أسرع ثواباً من الصلة. واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع ". تفسير : وأخرج الحرث بن أبي أسامة والحاكم وصححه عن كعب بن مالك "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جابر بن عتيك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اقتطع مال مسلم بيمينه حرَّم عليه الجنة وأوجب له النار. فقيل: يا رسول الله وإن شيئاً يسيراً؟ قال: وإن سواكاً ". تفسير : وأخرج مالك وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة. قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك ثلاثاً ". تفسير : وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطبة إلا وجبت له النار ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين آثمة عند منبري هذا فليتبوّأ مقعده من النار. ولو على سواك أخضر" تفسير : قال أبو عبيد والخطابي: كانت اليمين على عهده صلى الله عليه وسلم عند المنبر. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن اليمين الكاذبة تنفق السلعة وتمحق الكسب ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي سويد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن اليمين الفاجرة تعقم الرحم، وتقل العدد، وتدع الديار بلاقع ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف يميناً على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء فإذن الله سبحانه يقول: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه عن عمران بن حصين، أنه كان يقول: من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه فليتبوّأ مقعدة من النار. فقال له قائل: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لتجدون ذلك ثم قرأ {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} الآية. وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة، أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت، فخرجت إحداهما وقد أنفذ بإشفاء في كفها فادعت على الأخرى، فرفع إلى ابن عباس فقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو يُعطي الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم ذكروها بالله، واقروا عليها {إن الذين يشترون بعهد الله...} الآية. فذكروها فاعترفت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: إن اليمين الفاجرة من الكبائر. ثم تلا {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً}. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: "حديث : كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الذنب الذي لا يغفر يمين فجر فيها صاحبها "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: من قرأ القرآن يتأكل الناس به أتى الله يوم القيامة ووجهه بين كتفيه، وذلك بأن الله يقول {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً}. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن زاذان قال: من قرأ القرآن يأخذ به جاء يوم القيامة ووجهه عظم عليه لحم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منِّع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذباً فصدَّقه فاشتراها بقوله، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم يَفِ له ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سلمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: أشمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله له بضاعة فلا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه منثن تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظمك ربنا! فيرد عليه ما علم ذلك من حلف بي كاذباً. ".
القشيري
تفسير : الذين آثروا هواهم على عُقباهم، وقدَّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ فللاستمتاع بما اختاروا من العاجل خسروا في الدارين. بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظِّ، جَمَعَ عليهم فنون المِحَن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يُخَلِّدُم في العقوبة الأبدية.
البقلي
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} الاية من مال الى حضرة الدنيا واثرها على رؤية مشاهدة حضرة الحق وزين ظاهره بعبادة المقربين ويبعها بخط الرياسة فقد سقط عن رؤية اللقاء مخاطبة الحق فى الدنيا والاخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يشترون} اى يستبدولن ويأخذون {بعهد الله} اى بدل ما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاء بالامانات {وايمانهم} وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه {ثمنا قليلا} هو حطام الدنيا {اولئك} الموصوفون بتلك الصفات القبيحة {لاخلاق} لا نصيب {لهم فى الآخرة} ولا فى نعيمها {ولا يكلمهم الله} وهو كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ذلك {ولا ينظر اليهم يوم القيامة} وهو مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم {ولا يزكيهم} اى لا يثنى عليهم كما يثنى على اوليائه مثل ثناء المزكى للشاهد. والتزكية من الله تعالى قد تكون على ألسنة الملائكة كقوله تعالى {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}تفسير : [الرعد: 23]. وقد تكون بغير واسطة اما فى الدنيا فكقوله تعالى {أية : التائبون العابدون}تفسير : [التوبة: 112]. واما فى الآخرة فكقوله تعالى {أية : سلام قولا من رب رحيم}تفسير : [يس: 58]. {ولهم عذاب أليم} على ما فعلوه من المعاصى. والآية نزلت فى اليهود الذين حرفوا التوارة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واخذوا الرشوة على ذلك {وان منهم} اى من اليهود المحرفين {لفريقا} ككعب بن الاشرف ومالك بن الصيف واضرا بهما {يلوون} من اللى وهو الفتل {ألسنتهم بالكتاب} اى يفتلونها بقراءته فيميلونها من المنزل الى المحرف {لتحسبوه} اى المحرف المدلول عليه يلوون {من الكتاب} اى من جملته {وما هو من الكتاب} حال من الضمير المنصوب اى والحال انه ليس منه فى نفس الامر وفى اعتقادهم ايضا {ويقولون} مع ما ذكر من اللى والتحريف على طريقة التصريح لا بالتوراة والتعريض {هو} اى المحرف {من عند الله} اى منزل من عند اله {وما هو من عند الله} اى والحال انه ليس من عنده تعالى فى اعتقادهم ايضا {ويقولون على الكذب وهم يعملون} انهم كاذبون ومفترون على الله وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله تعالى والتعمد فيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الاشرف وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب. والاشارة فى الآيتين {ان الذين يشترون بعهد الله} الذى عاهدهم الله به يوم الميثاق فى التوحيد وطلب الوحدة {وايمانهم} التى يحلفون بها ههنا {ثمنا قليلا} من متاع الدنيا وزخارفها مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية {اولئك لاخلاق لهم فى الآخرة} الروحانية من نسيم روائح الاخلاق الربانية {ولا يكلمهم الله} تقريبا وتكريما وتفهيما {ولا ينظر اليهم يوم القيامة} بنظر العناية والرحمة فيرحمهم ويزكيهم عن الصفات التى بها يستحقون دركات جهنم {ولا يزكيهم} عن الصفات الذميمة التى هى وقدود النار بالنار الى الابد ولا يتخلصون منها ابدا {ولهم عذاب اليم} فيما لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم {وان منهم} اى من مدعى اهل المعرفة {لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} اى بكلمات اهل المعرفة {لتحسبوه} من المعرفة {ما هو من الكتاب} الذى كتب الله فى قلوب العارفين {ويقولون هو من عند الله} يعنى من العلم اللدنى {وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب} باظهار الدعاوى عند فقدان المعانى {وهم يعلمون} ولا يعملون انهم يقولون ما لا يفعلون: قال اسعدى قدس سره شعر : كرا جامه باكست وسيرت بليد در دور خش را نبايد كليد تفسير : يعنى يدخل جهنم من قبل ان يحاسب على ما فعله لان مآله الى النار والمحاسبة وان كانت نوعا من التعذيب الا ان عذاب جهنم اشد منها شعر : اكر مردى ازمردىء خود مكوى نه هر شهسوارى بدر برد كوى تفسير : يعنى كل عابد لا يخلص ايمانه فى عاقبته بل من المتعيشين بالصلاح من يموت على الطلاح والعياذ بالله شعر : كسى سر بزركى نباشد بجيز كدو سر بزركست وبى مغز نيز ميفر از كردن بدستار وريش كه دستار ينبه است وسبلت حشيش تفسير : اى النبات اليابس. فيا ارباب الدعاوى أين المعانى. ويا أرباب المعرفة أين المحبة اين الطاعة - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج نساء بيد كل واحدة منهن مقراض تقرض صدرها وتقطعه قطعة فسأل جبريل عليه السلام عنهن فقال هن اللاتى ولدن اولادا من الزنى مع وجود ازواجهن واولادهن. قال الشيخ الصفى قدس سره ان الذين يدعون المعرفة وتمكنهم فى مقام الارشاد ويراؤن جلبا لحطام الدنيا عذابهم اشد من عذاب هؤلاء النساء سبعين مرة فمن جعل القرآن وسيلة لجلب زخارف الدنيا اولى منه من يجلبها بالمعازف وآلات اللهو مثلاً اذا كان فى محل رفيع خبز لا تصل اليه اليد وليس هناك غير مصحف وطنبور فالاولى ان يجعل الطنبور تحت القدم للوصول دون المصحف وهكذا فيما نحن فيه: قيل شعر : دين فروشى مايه كردن هست خسران مبين سود مند آنكس كه دينا صرف كرد ودين خريد تفسير : فلو نظرت الى شيوخ الزمان وجدت اكثرهم مدعين مالم يتحققوا به يضلون الناس باكاذيب ويروون اساليب ليس فيها اثر من المعانى والحقيقة. فعلى العاقل ان لا يغتر بظاهرهم ولا يخرج عن المنهاج مقتفيا بآثارهم بل يجتهد الى ان يميز بين الحق والباطل والعارف والجاهل وماذا بعد الحق الا الضلال عصمنا الله واياكم من الزيغ وسيآت الاعمال آمين يا متعال.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين يشترون بعهد الله} أي: يستبدلون بالوفاء بعهد الله كالإيمان بالرسول - عليه الصلاة والسلم - الذي أخذ على بني إسرائيل في التوراة وبيان صفته، وأداء الأمانة، فكتموا ذلك واستبدلوا به {ثمناً قليلاً}؛ حطاماً فانياً من الدنيا، كانوا يأخذونه من سفلتهم، فخافوا إن بيَّنوا ذلك زال ذلك عنه، وكذلك الأيمان التي أخذها الله عليهم لئن أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، فنقضوها، خوفاً من زوال رئاستهم، فاستبدلوا بالوفاء بها ثمناً فانياً، {أولئك لا خلاق لهم} أي: لا نصيب لهم، {في الآخرة، ولا يكلمهم الله} بما يسرهم، أو بشيء أصلاً، وإنما الملائكة تسألهم، {ولا تنظر إليهم يوم القيامة} نظرة رحمة، بل يعرض عنهم، غضباً عليهم وهواناً بهم، {ولا يزكيهم}؛ لا يطهرهم من ذنوبهم، أو لا يُثني عليهم، {ولهم عذاب أليم} أي: موجع. قال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحُيي بن أخطب، وغيرهم من رؤساء اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم من بيان صفته، فكتموا ذلك وكتبوا غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا يفوتهم الرشا من أتباعهم. وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود كانوا ذا حظ من علم التوراة، فأصابتهم سنة، فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه، أي: يطلبون منه الميرة - وهو الطعام -، فقال لهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول في كتابكم؟ قالوا: نعم، أو ما تعلمه أنت؟ قال: لا، قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله، قال كعب: لقد قدمتم عليَّ، وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم، فَحَرَمَكُم الله خيراً كثيراً، قالوا: فإنه شُبه لنا، فرُوَيْداً حتى نلقاه، فانطلقوا، فكتبوا صفة غير صفته، ثم أتوا نبيّ الله - عليه الصلاة والسلام - فكلموه، ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنا نرى أنه رسول الله، فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نُعت لنا، وأخرجوا الذي كتبوه، ففرح كعب، ومارهم. فنزلت الآية. قلت: انظر الطمع، وما يصنع بصاحبه والعياذ بالله. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعته في السوق، وحلف لقد أعطى فيها كذا وكذا، وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس، كانت بينه وبين رجل خصومة، فتوجهت اليمين على الرجل، فأراد أن يحلف. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد أخذ الله العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره، ولا يميلوا إلى شيء سواه، فكل من مال إلى شيء، أو ركن بالمحبة إلى غير الله، فقد نقض العهد مع الله، فلا نصيب له في مقام المعرفة، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ويتوجه بكليته إلى مولاه. والله - تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : النزول: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال مجاهد، وعامر الشعبي: إنها نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته. وقال ابن جريج: إنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله، فنزلت الآية فنكل الاشعث، واعترف بالحق، ورد الأرض. وقال عكرمة نزلت في جماعة من اليهود: حي بن أحطب، وكعب بن الأشرف، وأبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق. وقال الحسن كتبوا كتاباً بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا من أنه ليس علينا في الاميين سبيل. المعنى: وعهد الله هو ما يلزم الوفاء به. ويستحق بنقضه الوعيد. وهو ما أخذه على العبد وأوجبه عليه بما جعل في عقله من قبح تركه، وذلك في كل واجب عليه، فانه يلزم بنقضه الوعيد إلا أن يتوب أو يجتنب الكبيرة. والعهد: هو العقد الذي تقدم به إلى العبد بما يجده في عقله من الزجر عن خلاف الحق، والدعاء إلى التمسك به، والعمل عليه، وإنما وصف ما اشتروه من عرض الدنيا بأنه ثمن قليل مع ما قرن به الوعيد لأمرين: أحدهما - لأنه قليل في جنب ما يؤدي إليه من العقاب والتنكيل. والثاني - هو أنه مع كونه قليلا، الاقدام فيه على اليمين مع نقض العهد عظيم: وقوله: {أولئك لا خلاق لهم} معناه لا نصيب وافر لهم. وقيل في أصل الخلاق قولان: أحدهما - الخلق: التقدير، فيوافق معناه، لأن النصيب: الوافر من الخير بالتقدير لصاحبه يكون نصيباً له. والآخر - من الخلق، لأنه نصيب مما يوجبه الخلق الكريم. وقوله: {ولا يكلمهم الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - {لا يكلمهم} بما يسرهم بل بما يسوءهم وقت الحساب لهم، لأن الغرض إنما هو الوعيد، فلذلك تبعه معنى لا يكلمهم بما يسر مع أن ظاهر قوله: {أية : ثم إِن علينا حسابهم}تفسير : أنه يكلمهم بما يسوءهم في محاسبته لهم، هذا قول أبي علي. الثاني - لا يكلمهم أصلا، وتثبت المحاسبة بكلام الملائكة لهم (ع) بأمر الله إياهم، فيكون على العادة في احتقار إنسان على أن يكلمه الملك لنقصان المنزلة. وقوله: {ولا ينظر إليهم} أي لا يرحمهم، كما يقول القائل لغيره: انظر إلي يريد ارحمني وفي ذلك دلالة على أن النظر مع تعديته بحرف (إلى) لا يفيد الرؤية، لأنه لا يجوز حملها في الآية على أنه لا يراهم بلا خلاف. وقوله: {ولا يزكيهم} معناه لا يحكم بزكاتهم دون أن يكون معناه لا يفعل الايمان الذي هو الزكاء لهم، لأنهم في ذلك، والمؤمنين سواء، فلو أوجب ما زعمت المجبرة، لكان لا يزكيهم، ولا يزكي المؤمنين أيضاً في الآخرة وذلك باطل.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} كان اقتضاء المقابلة ان يقال: ومن لم يوف بعهده ولم يتّق فانّ الله يبغضهم لكنّه ابرزه فى صورة الجواب لسؤالٍ مقدّرٍ ليكون اوقع، واكّده بمؤكّدات وبسط فى الكلام لاقتضاء مقام السّخط ذلك فكأنّه قيل: قد علم حال الوافى بالعهد المتّقى فما حال هؤلاء النّاقضين النّاكثين؟ - فقال: انّ الّذين يشترون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} الّذى عاهدوه فى البيعة {وَأَيْمَانِهِمْ} جمع اليمين بمعنى القسم وانّما سمّى يميناً لانّهم كانوا حين الحلف يعقدونه بايمانهم، او المراد عقود البيعة فانّ البيعة لا تعقد الاّ بالايمان {ثَمَناً قَلِيلاً} من اعراض الدّنيا واغراضها فانّ الدّنيا برمّتها ثمن بخس عند من يرتضيها، وامّا من كان متوجّهاً الى الآخرة متلذّذاً بلذائذها فهو نافر منها كلّ النفرة منزجر عنها كلّ الانزجار، وان توقّف عليها بأمر من الله كان كمن حبس فى مزبلة كثيرة الحشرات خبيثة المؤذيات {أُوْلَـٰئِكَ} تكرار المبتدأ باسم الاشارة البعيدة للتّأكيد وللاحضار بالاوصاف الذّميمة وللتبعيد عن ساحة الحضور {لاَ خَلاَقَ لَهُمْ} لا نصيب لهم {فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عدم التّكليم وعدم النّظر كناية عن سخطه تعالى عليهم {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} لا يثنى عليهم ولا يذكرهم بخير، او لا يطهّرهم من ذنوبهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} اثبت العذاب الاليم بعد ما نفى الاوصاف الّتى فيها تشريف بترتيب الاشرف فالادون عنهم، نسب الى النّبىّ (ص) انّه من حلف على يمين يقطع بها مال اخيه لقى الله عزّ وجلّ وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديقه فى كتابه، انّ الّذين يشترون؛ الآية.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}: يستبدلون بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات، وبما كلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به، ولننصرنه، ثمناً قليلا هو متاع الدنيا وإن كثر عندهم وعظم، وعن ابن عباس: إذا رأيتم الرجل يريد أن يحلف فى يمين، وجبت عليه، فاقرءوا عليه هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلا...} إلخ الآية. {أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ}: لا نصيب لهم فى الآخرة. {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ}: بكلام ينفعهم فلا ينافى قوله تعالى: {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين}تفسير : وقوله {أية : ولنسألن الذين أرسل إليهم} تفسير : ولا يكلمهم بخلق كلام بلا واسطة ملك، كما يفعل مع بعض أوليائه، بل بواسطة الملائكة بتعنيف وقطع عذر أولا ينتفعون بكلمات الله وآياته المنزلة فى الدنيا من باب نفى الشىء بمعنى نفى الانتفاع به، أو كناية عن غضبه عليهم، لأن من لازم العصيان فى الجملة أن لا يكلم المغضوب عليه، ويدل له قوله: {وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: أى لا يرحمهم، فإن الغضبان فى الجملة كما لا يكلم المغضوب عليه، لا ينظر إليه بعينه، والله جل جلاله، منزه عن صفات المخلوق فيحمل نظره على رحمته فيكون نفى الكلام والنظر معاً من باب واحد وهو أنه مغضوب عليهم، غير مرحومين، ضد المرضى عنه فى الجملة، فإن الراضى يتكلم له، وينظر إليه كثيراً. {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} ولا يذكرهم بخير فى الدنيا والآخرة، كما يذكر أولياءه به فيهما، كقوله تعالى: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم}،تفسير : وقوله تعالى: {أية : سلام قولا من رب رحيم}تفسير : وقوله تعالى: {أية : التائبون العابدون..}تفسير : الآية ولا يطهرهم من الذنوب فى الآخرة أى لا يغفرها لهم، أو فى الدنيا أى لا يوفقهم للتوبة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: عذاب شديد حتى كأنه فى نفسه متألم، أو فعيل بمعنى مفعل أى مؤلم وذلك على ما فعلوه، قال عكرمة: نزلت الآية فى أحبار اليهود ورؤسائهم كأبى رافع وابن أبى الحقيق وابن الأشرف وابن أخطب، كتموا ما عهد الله عز وجل إليهم فى التوراة من أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرشاء التى كانت لهم من أتباعهم، وقالوا أيضاً: إن جواز الخيانة فى أمانة من خالفهم بالدين مذكور فى التوراة، وهم كاذبون عالمون بكذبهم وأخذوا على ذلك رشوة، وقال مجاهد عن عبد الله بن أبى أوفى: نزلت فى رجل حلف يميناً فاجرة فى تنفيق سلعته فى السوق، لقد اشتراها بكذا وكذا وهو اشتراها بأقل، حديث : وعن الأشعث: كان بينى وبين رجل من اليهود أرض فجحدنى، فقدمته إلى النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ألك بينة قلت: لا. فقال لليهودى: احلف. فقلت: يا رسول الله إذا يحلف فيذهب ما لى. فنزلت الآية {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ..} تفسير : إلخ. وفى رواية قال النبى، صلى الله عليه وسلم: حديث : بينتك أو يمينه. قلت: إذا يحلف يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، ولا يبالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم فهو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان"تفسير : . فنزلت الآية. وفى رواية، قال ابن مسعود رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين صبر يقطع بها مال امرىء مسلم لقى الله وهو عليه غضبان"تفسير : فأنزل الله تصديق ذلك: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} إلخ الآية. حديث : فدخل الأشعث، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن بن حقيق؟ قلنا: كذا وكذا. قال: صدق فى نزلت، كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه" قلت: إذا يحلف ولا يبالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين صبر، يقطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان" تفسير : ونزلت الآية. وإنما قال ولا يبالى، لأن خصمه يهودى يعتقد أن أخذ مال العرب حلال، وفى رواية فى هذه الرواية الآخرة: كانت لى بئر فى أرض ابن عم لى فجحدنى، والذى للقاضى أن الخصم فى البئر أو الأرض اليهودى، ومعنى الآية معتبر على العموم، فى كل عهد صحيح، وكل من عاهد، ولو مما أزم الرجل نفسه، وحلف كاذباً، ولو كان بسبب النزول، ومن نزلت فيه خاصين، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بما أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف يميناً كاذبة بعد العصر، ليقتطع بها مال امرىء مسلم، ورجل منع فضل ماء فيقول الله له اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"تفسير : ،. وعن أبى ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات قلت: خابوا وخسروا. قالوا: من هم يا رسول الله قال: "المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" تفسير : وفى رواية: "حديث : المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحرام الكاذب"تفسير : . وعن أبى أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه، حرم عليه الجنة، وأوجب له النار" قالوا: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: "إن كان قضيباً من أراك" .
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} يستبدلون {بِعَهْدِ اللهِ} يتركون ما عهد الله إليهم من الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم وأداء الواجب وترك المحرم وأداء الأمانة، وقيل ما فى عقل الإنسان من الإعراض عن الباطل والانقياد إلى الحق {وَأَيْمَانِهِمْ} حلفهم بالله كاذبين، أو ما حلفوا به إذ قالوا، والله لنؤمنن به ولننصرنه، وذلك من قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق لانبيين الآية {ثَمَناً قَلِيلاً} من الدنيا زائلا مستردا بالنسبة إلى ما فى الآخرة مكدرا، ولو كثر فى ذاته وجل من الرشا والأعواض التى لا يجوز {أُوْلَئِكَ لاَ خَلٰقَ} لا نصيب {لَهُمْ فِى الأَخِرَةِ} لا نصيب نافع لهم فى زمان الآخرة، أو لا نصيب لهم فى نعيم الآخرة {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ} يوم القيامة بشىءٍ أصلا، وإنما تكلمهم الملائكة فى أثناء الحساب بإذن الله العام فى الملائكة، لا بخصوص الوحى إليهم، أو لا يكلمهم بما يسرهم، ولو أَوحي إليهم بكلامهم يسوءهم، وذلك إهانة لهم وغضب عليهم، وقد قال الله جل وعلا، {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} تفسير : [الحجر: 92، 93]، أى سؤال توبيخ وتنويع، أو من الملائكة بالإذن العام، أو ذلك كناية عن غضب الله عليهم، وهو أولى، وبضعف أن يكون المعنى لا ينتفعون بكلمات الله المنزلة فكأنه لم يكلمهم {وَلاَ يَنْظرُ إلَيْهِمْ} لا يرحمهم، فإن من تحبه وترحمه تنظر إليه، بخلاف من سخطت عليه فإنك لا تلتفت إليه. أو ذلك إهانة {يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزكَّيهِمْ} لا يطهرهم من ذنوبهم بالغفران، أو لا يذكرهم بخير فى الدنيا ولا فى الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى النار، دائم لفعلهم، أو فى الدنيا والآخرة، ومن عذاب الدنيا ضرب الجزية على أهلها، نزلت الآية فى امرىء القيس المسلم المعاصر للنبى صلى الله عليه وسلم ورجل من حضرموت تخاصما، فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه، فقال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضى، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين كاذبة ليقطع بحق حق أخيه لقى الله تعالى وهو عليه غضبان" تفسير : ، فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة، قال: فإنى أشهدك أنى تركتها، وفى أنى رافع اليهودى ولبابة بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب اليهوديين وغيرهم من أحبار اليهود، حرفوا التوراة، وبدلوا نعت النبيى صلى الله عليه وسلم، وأخذوا الرشا على ذلك، وقال البخارى من حديث عبيد الله بن أبى أوفى، إن رجلا أقام سلعة فى السوق، فحلف بالله، لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين، ونزلت هذه الآية فى ذلك، وفى أيمان اليهود فى أيمانهم المذكورة قبل هذا، وفى ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهودى فى بئر أو أرض، وتوجه الحلف على اليهودى، ولا بيان للأشعث فقال: إذن يحلف كاذبا يا رسول الله ولا يبالى، رواه البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائى والترمذى وغيرهم قلت، لعل الآية نزلت بعد ذلك كله، فتعم ذلك، وهكذا تقول فى مثل ذلك من الروايات عن ابن مسعود.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } أخرج الستة وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا فقال لليهودي: احلف فقلت: يا رسول الله إذاً يحلف فيذهب مالي فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ }»تفسير : الخ. وأخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن أبـي أوفى أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت هذه الآية.وأخرج أحمد وابن جرير ـ واللفظ له ـ عن عدي بن عميرة قال: حديث : كان بين امرىء القيس ورجل من حضرموت/ خصومة فارتفعا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله تعالى وهو عليه غضبان فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة قال: فإني أشهدك أني قد تركتها» تفسير : فنزلت، وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبـي رافع ولبابة بن أبـي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة، وروي غير ذلك ولا مانع من تعدد سبب النزول كما حققوه. والمراد ـ بيشترون ـ يستبدلون، وبالعهد أمر الله تعالى، وما يلزم الوفاء به، وقيل: ما عهده إلى اليهود في التوراة من أمر النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق، و ـ بالأيمان ـ الأيمان الكاذبة، و ـ بالثمن القليل ـ الأعواض النزرة أو الرشا، ووصف ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ويحصل لهم من العقاب. {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَْخِرَةِ } أي لا نصيب لهم من نعيمها بسبب ذلك الاستبدال {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } أي بما يسرهم بل بما يسوؤهم وقت الحساب لهم ـ قاله الجبائي ـ أو لا يكلمهم بشيء أصلاً وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله تعالى إياهم استهانة بهم، وقيل: المراد إنهم لا ينتفعون بكلمات الله تعالى وآياته ولا يخفى بعده، واستظهر أن يكون هذا كناية عن غضبه سبحانه عليهم. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل ـ أنظر إليّ ـ يريد ارحمني، وجعله الزمخشري مجازاً عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، وفرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر المفسر بتقليب الحدقة وفيمن لا يجوز عليه ذلك بأن أصله فيمن يجوز عليه الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثمّ جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، وفي «الكشف» إن في هذا تصريحاً بأن الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وإن لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذٍ تلحق بالمجاز ولا تجعل مجازاً إلا بعد الشهرة لأن جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أولاً غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه، وبهذا يندفع ما ذكره غير واحد من المخالفة بين قولي الزمخشري في جعل بسط اليد في قوله تعالى: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }تفسير : [المائدة: 64] مجازاً عن الجود تارة وكناية أخرى إذ حاصله أنه إن قطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهم كما توهموه فتدبر. والظرف متعلق بالفعلين وفيه تهويل للوعيد. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } أي ولا يحكم عليهم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة ـ قاله القاضي ـ وقال الجبائي: لا ينزلهم منزلة الأزكياء، وقيل: لا يطهرهم عن دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم موجع، والظاهر أن ذلك في القيامة إلا أنه لم يقيد به اكتفاءاً بالأول، وقيل: إنه في الدنيا بالإهانة وضرب الجزية بناءاً على أن الآية في اليهود.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ في خيانة الأمانة إبطالاً للعهد، وللحلف الذي بينهم، وبين المسلمين، وقريشٍ. والكلامُ استئناف قصد منه ذكر الخُلق الجامع لشتات مساوىء أهل الكتاب من اليهود، دعا إليه قوله وَدّت طائفة من أهل الكتاب وما بعده. وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرّقة في سورة البقرة (40): {أية : وأوفوا بعهدي، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً}تفسير : [البقرة: 41]. {أية : ماله في الآخرة من خلاق}تفسير : [البقرة: 102]. {أية : ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم}تفسير : [البرة: 174]. فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا. وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق، في مواضع، لأنّ موسى عاهدهم على العمل به، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار. ومعنى {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة} غَضَبُه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية، ونفي النظر في الغَضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص. وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي. وقوله: {ولا يزكيهم} أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم، لأنّ من بلغ من رقّة الديانة إلى حدّ أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمناً قليلاً، فقد بلغ الغَاية القصوى في الجُرْأة على الله، فكيف يُرجى له صلاح بعد ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى ولا يُنْميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيْرات. وفي مجيء هذا الوعيد، عقب الصلة، وهي يشترون بعهد الله الآية، إيذان بأنّ من شابههم في هذه الصفات فهو لاَحِقٌ بهم، حتى ظنّ بعض السلف أنّ هذه الآية نزلت فيمن حلَف يميناً باطلة، وكلّ يظنّ أنها نزلت فيما يَعرفه من قصةِ يَمين فاجرة، ففي «البخاري»، عن أبي وائِل، عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان»تفسير : فأنزل الله تصديق ذلك: {إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال: «ما يحدثكم أبو عبد الرحمان» قلنا: كذا وكذا. قال: «فيّ أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي» فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينتك أو يمينه - قلت: إذن يحلف - فقال رسول الله: من حَلف على يمين صبر الحديث. وفي «البخاري»، عن عبد الله بن أبي أوفى: أنّ رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يُعْطَه ليُوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً} الآية. وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصّة وجبت فيها يمين لِردّ دعوى:
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 77- إن الذين يتركون عهد الله الذى عاهدهم عليه من أداء الحقوق والقيام بالتكليفات، ويتركون أيمانهم التى أقسموا بها على الوفاء - لثمن قليل من أعراض الدنيا - مهما عظم فى نظرهم - هؤلاء لا نصيب لهم فى متاع الآخرة، ويُعرض عنهم ربهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة نظرة رحمة، ولا يغفر لهم آثامهم، ولهم عذاب مؤلم مستمر الإيلام. 78- وإن من هؤلاء فريقاً يميلون ألسنتهم فينطقون بما ليس من الكتاب، محاولين أن يكون شبيها له، ليحسبه السامع من الكتاب وما هو منه فى شئ، ويَدَّعون أن هذا من عند الله وما هو من الوحى فى شئ وهم بهذا يكذبون على الله، وهم فى أنفسهم يعلمون أنهم كاذبون. 79- وما كان معقولا ولا سائغاً لبشر ينزل الله عليه الكتاب، ويؤتيه العلم النافع والتحدث عن الله أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله. ولكن المعقول والواقع أن يطلب منهم أن يكونوا خالصين لربهم الذى خلقهم بمقتضى ما عَلَّمهم من علم الكتاب وما يدرسونه منه. 80- ولا يمكن أن يأمركم بأن تجعلوا الملائكة أو النبيين أرباباً من دون الله، وإن ذلك كفر ليس من المعقول أن يأمركم به بعد أن صرتم مُسلِّمين وجوهكم لله.
القطان
تفسير : يتوعد الله تعالى في هذه الآية الناكثين للعهد المخْلِفين للوعد، بالحرمان من النعيم، وبالعذاب الأليم، وبأنهم لن يسمعوا منه تعالى كلمة عفوٍ ولا مغفرة. فالذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا من عرَض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها ـ لن يكون لهم نصيب عند الله ولا قبول. بل لسوف يُعرِض عنهم يوم القيامة ولا يغفر لهم آثامهم، ولهم عذاب أليم. وهذا يشمل كل من خان الأمانة، أو نكث بالعهد، أو حلف على شيء وهو كاذب. ومن هذا القبيل من يتفق مع آخر على بيع سلعة، فيزيده انسان آخر في ثمنها فيبيعها للثاني وينقض اتفاقه مع الأول. وكذلك من يخطب فتاة، فيعاهده أبوها على تزويجها له نظير مهر مقدّر بينهما، فيأتي آخر بمهر أكثر فيزوجها له. ومثلُه من يحلف ببراءته من دَين عليه. وقد قال النبي الكريم "حديث : من حلَف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلمٍ لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ". تفسير : روى ابن جرير ان هذه الآية نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحُييّ بن أخطب، الذين حرّفوا التوراة وبدّلوا نعت رسول الله وحُكم الأمانات وغيرها فيها وأخذوا على ذلك الرشوة. وروى الطبرى عن أنس قال: ما خطَبنا رسول الله الا قال: "حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ".
د. أسعد حومد
تفسير : {وَأَيْمَانِهِمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {خَلاَقَ} {ٱلْقِيَامَةِ} (77) - أخَذَ اللهُ المِيثَاقَ عَلَى بَنِي إسْرَائيلَ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ نَبيٍّ يُرْسِلُهُ، وَأنْ يُؤَيِّدُوهُ، وَألاَّ يَكْتُمُوا شَيْئاً مِمَّا شَرَعَ اللهُ، وَألْزَمَهُمْ شَرْعُهُمْ بِالصِّدْقِ وَالوَفَاءِ بِمَا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيهِ، وَبِمَا يَتَعَاقَدُونَ، وَبِأنْ يُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلى أهْلِهَا، وَأنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، فَخَالَفُوا عَنْ أمْرِ اللهِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ، وَبِغَيْرِهِمَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. وَقَتَلُوا النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَتَمُوا مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَاتِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَمِنَ التَّبْشِيرِ بِهِمَا، خَوْفاً عَلَى نُفُوذِهِمْ مِنْ أنْ يَزُولَ، وَعَلَى مَوَارِدِهِمْ مِنْ أنْ تَقِلَّ، إذا بَيَّنُوا لِلنَّاسِ شَرْعَ اللهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهمْ قَدْ خَالَفُوا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ وَكَأنَّهُمُ اشْتَرَوا بِهِذا العَهْدِ قَلِيلاً مِنْ حُطَامِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، فَهُؤلاءِ لاَ نَصِيبَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ حَظَّ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمِ، وَإنَّما يَتَلَقَّاهُمْ وَهُوَ عَلَيهِمْ غَضْبَانُ، وَيَأمُرُ بِإِلْقَائِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِيَنَالُوا العَذَابَ الألِيمَ الذِي يَسْتَحِقُونَهُ. (وَهَذِهِ الآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْلِفُ يَمِيناً كَاذِبةً لِيَأكُلَ بِهَا مَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسم مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرٍ حَقٍّ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَليهِ غَضْبَانُ، وَقَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةِ). يَشْتَرُونَ - يَسْتَبْدِلُونَ. لاَ يُزَكِّيهِمْ - لاَ يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَلاَ يَمْدَحُهُمْ. العَهْدُ - عَهْدُ اللهِ إلَى النَّاسِ بِأنْ يَلْتَزِمُوا الصِّدْقَ وَالوفَاءَ بِمَا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيهِ. الأَيْمَانُ - يُقْصَدُ بِهَا هُنَا الأَيْمَانُ الكَاذِبَةُ. الخَلاَقُ - النَّصِيبُ وَالحَظُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة نسمع كلمة "شراء وبيع" فلا بد أن نتوقف عندها؛ لنفهم معناها بدقة. ونحن في الريف نرى المقايضات أو المبادلات في الرزق الذي له نفع مباشر، كأن يبادل طرف طرفاً آخر، قمحاً بقماش، فهذه سلعة يتم مبادلتها بسلعة أخرى، وعلى ذلك فليس هناك شارٍ وبائع، لأن كل من الطرفين قد اشترى وباع. وهنا نسأل: متى يصبح الأمر إذن شراءً وبيعاً؟ إن الشراء والبيع يحدث عندما نستبدل رزقاً مباشراً برزق غير مباشر، ومثال ذلك عندما يشتري الإنسان رغيف خبز بخمسة قروش، إن هذا هو الشراء والبيع، لأن الخمسة قروش هي رزق غير مباشر النفعية؛ لأن النقود لا تشبعك ولا ترويك من عطشك ولا تسترك. والرغيف هو رزق مباشر النفعية لأنه يشبعك ويدفع عنك الجوع وعندما يحب الإنسان أن يشتري شيئاً فإن الذي يدفعه في الشراء يسمى ثمناً. إذن فكيف يشتري الثمن؟ إن الحق يوضح لنا أن الأثمان لا تكون مشتراة أبداً، إنها مُشترى بها، ولذلك تكون أول خيبة في صفقة الذين يشترون بعهد الله ثمناً قليلاً، أنهم اشتروا الثمن، بينما الثمن لا يُشترى، فالذي يشتري هو السلعة. وياليت الثمن الذي اشتروه ثمن له قيمة، لكنه ثمن قليل، ومن هنا جاء تحريم الربا لأن المرابي يعطي الشخص مائة، ويريد أن يسترده مائة وعشرة، ويكون المرابي في هذه المسألة قد جعل النقود سلعة، وهكذا تكون الصفقة خائبة من بدايتها. إذن فأول خيبة في نفوس الناس الذين يستبدلون الهدى ويأخذون بدلاً منه الضلال، إنهم خاسرون. {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [البقرة: 16]. والحق سبحانه يقول هنا: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77]. ونعرف أن "الباء" دائماً تدخل على المتروك، أي أنهم تركوا عهد الله والأيمان التي حلفوا بها على التصديق بالرسول، وعلى نصرته إذا جاءهم، أنهم اشتروا ذلك بثمن قليل، كيف يحدث ذلك؟ لهذه المسألة واقعة حال، وإن كان المراد عموم الموضوع لا خصوص السبب، فلا يقولن أحد: إن هذه الآية نزلت في الأمر الفلاني فلا شأن لي بها، لا فكل من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً تنطبق عليه هذه الآية. وواقعة الحال التي نزلت فيها الآية هي أن جماعة في عهد جدب ومجاعة دخلت على كعب بن الأشرف اليهودي يطلبون منه الميرة - أي الطعام والكسوة - فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله؟ قالوا نعم، قال: إنني هممت أن أطعمكم وأن أكسوكم ولكن الله حرمكم خيراً كثيراً وتساءلوا: لماذا حرمنا الله الخير الكثير؟ وجاءتهم الإجابة لقد أعلنتم الإيمان بمحمد فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف، قالوا لكعب بن الأشرف: دعنا فترة لأنه ربما غلبتنا شبهة، فلنراجع فيها أنفسنا. وعندما مرت الفترة، فضلوا الطعام والكسوة على الإيمان، وقالوا لكعب بن الأشرف: لقد قرأنا في كتبنا الموجودة لدينا خطأ، ومحمد ليس رسولاً. فأعطاهم كعب القوت والكسوة. وهؤلاء هم الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وهو الطعام والكسوة. وكل من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، فهو يطمس حكماً من أحكام الله من أجل أن يتظاهر أمام الناس أنه عصري، أو أنه مساير لروح الزمان، أو يزين لأولياء الأمر فعلاً من الأفعال لا يرضى عنه الله. إذن فالذي يفعل مثل ذلك إنما يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، وكل من يجعل آية من آيات الله عرضة للبيع من أجل أن يأخذ عنها ثمناً يُعتبر داخلاً في هذا النص {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77]. والمقصود هنا بعهد الله، إما أن يكون عهد الفطرة أو العهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب بأنهم إن أدركوا بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يعلنوا الإيمان به هو العهد الذي جاء به القول الحق: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 81 ]. إذن فعندما جاءت صفة تكذيبهم لما أعلنوه من إيمان سابق مقابل الميرة والكسوة، فهم قد تركوا عهد الله وأخذوا الثمن القليل من الميرة والكسوة، وكان ذلك خيبة كبرى فهم قد اشتروا الثمن، والثمن مع ذلك قليل، ولذلك يقول عنهم الحق: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]. وكلمة "أولئك" تدل على أن الصلة وهي {يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] تُلِحق بهم كل من يتصف بهذه الصفات وتجعل له المصير نفسه. فهذه الآية وإن نزلت في هؤلاء الأشخاص الذين جرت منهم حادثة شراء الطعام والكسوة مقابل النكوص عن الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها تشمل كل متصف بهذه الصفة وكل من كان على هذا اللون في أي عصر، وفي أي دين من الأديان، ويصفهم الحق سبحانه بـ {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77]. وكلمة "خلاق" وكلمة "خُلق" وكلمة "خليقة" وكلمة "خلق" كلها تدور حول معنى يكاد يكون متقارباً، فالخلق - بضم الخاء واللام - أن توجد صفة في الإنسان تغلب عليه حتى تصير ملكة. فيقال: "فلان عنده خلق الصدق" أو "فلان خلقه الكرم" ومعناه: أن فلانا الأول صار الصدق عنده ملكة ولا يتعب نفسه في أن يكون صادقاً بل صار الصدق أمراً طبيعيا فيه، وكذلك وصف فلان الثاني بالكرم أي أن الكرم صار ملكة وسجية عنده. وهذه الملكة في الأمور المعنوية تساوي الآلية في الأمور الحسية؛ لأننا نعرف أن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى دربة ليكون الإنسان متميزاً في أدائه، وعلى سبيل المثال، العامل الذي ينسج على آلة يحتاج إلى أن يتدرب على تحريك مكوك الخيط، وأن يتعلم كيف يحرك المكوك بين خيوط النسيج، وبعد ذلك يختلف الخيطان معاً لتمسك بهما حركة المكوك الثانية في ارتدادها، وبذلك يتم النسيج، وحين يتدرب إنسان على هذا العمل فهو يحتاج إلى وقت طويل، ليصل إلى كفاءة الحركة. في بداية التدريب يكون الأمر صعباً، ويستطيع النساج بعد أن يتقن التدريب أن يجلس أمام آلة النسيج ويداه تحرك المكوك بآلية. لقد صارت المسألة بالنسبة إلى النساج المتدرب آلية. وسبق أن ضربت المثل بالإنسان الذي يتعلم قيادة السيارة، فالمدرب يعلمه كيف يدير المفتاح، وكيف ينتظر لتسخين المحرك، وكيف يفك مكبح السيارة، ثم كيف يحرك عصا التحكم في اندفاع السيارة، وكيف يوازن بين الضغط على بدال الوقود والضغط على بدال التحكم الفاصل، وكيف يوازن بين سير السيارة بتخفيض السرعة بلمسات خفيفة لبدال المكبح. وقد يخطئ الإنسان في بداية التعلم ويرتبك، ولكنه بعد تمام التدريب فإنه يعمل بآلية وبدون تفكير، إنه عمل آلي لا يحتاج إلى تفكير، وضربت في السابق مثالاً بالصبي الذي يتعلم حياكة الملابس، إنه يأخذ وقتاً ليضع الخيط في سم الإبرة، وتقع منه الأخطاء في قياس المسافات المختلفة بين الغرز، لكنه من بعد ذلك يتدرب على فعل هذه الأعمال التي كانت صعبة، ويؤديها بآلية، والعمل الآلي في الأمور المحسة، يقابل الملكة في الأمور المعنوية، فيقال: "إن الصدق عند فلان ملكة" إي أنه إنسان لا يرهُقه أن يكون صادقاً. ونحن أثناء تعليم أبنائنا للنحو - مثلاً - نقول لهم: "إن حكم الفاعل الرفع والمفعول به منصوب" وعندما ينطق الابن عبارة ما، فإنه يحاول تطبيق القاعدة أثناء القراءة، وقد ينساها، أو يتلجلج، وعندما يتذكرها فإنه ينطق الكلمات برسمها الصوتي الصحيح، وبعد أن يتم التدريب على القاعدة ويقرأ الابن، فإن أخطاءه تتلاشى، وبذلك يصير النحو ملكة عنده. وكذلك الخلق، إن الخلق صفة ترسخ في النفس، فتصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة، فيقال: "الصدق له خلق"، و"الكرم له خلق"، و"الشجاعة له خلق" إنها الصفات التي ترسخ في النفس فتصدر عنها الأفعال في يسر وسهولة. والحق سبحانه يقول: {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 77] وقد فسر البعض حرمان أولئك من الخلق بأن هذا الصنف من الناس لا نصيب لهم من الخلق، لأن الخلق صفة راسخة في الإنسان، والحق يحدد الزمن بأنه "في الآخرة". والآخرة هي الوقت الذي لا يمكن التدارك فيه، فالآخرة هي يوم التقييم الصحيح والنهائي. إن الإنسان قد لا يكون له نصيب السلوك القويم فيعدل سلوكه حتى يكتسب هذا السلوك القويم في الدنيا لكن الإنسان لا يستطيع في الآخرة أن يجد مجالاً للاستدراك، وهذه هي الخيبة القوية. فالإنسان في الدنيا، قد يقوم بعمل ما ولا يكون له نصيب من أجره أو قد لا نرى نحن الجزاء والنصيب الذي يعطيه له الله ولكن الله يعوضه في الآخرة عن هذا العمل الذي لم يكن له نصيب منه في الدنيا أما من لا خلاق له في الآخرة فكيف يتم التعويض؟ إنّ ذلك أمر مستحيل؟ ويضيف الحق {ولاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] وقد يقول قائل: ألم يقل القرآن الكريم في موقع آخر، إن الله يقول للكافرين: {أية : قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108]. فلماذا يقول الحق لهم مرة: "اخسئوا فيها ولا تكلمون"، ومرة أخرى يقول الحق: "لا يكلمهم الله"؟. ونجيب على مثل هذا القول: إن الحق لا يكلمهم كلاماً ينفعهم، أو أنه سبحانه يكلمهم بواسطة ملائكته، ولكن كيف لا ينظر إليهم الله؟ وساعة نجد أمراً يوجد في الناس وله نظير منسوب لله سبحانه وتعالى ويقوله سبحانه عن نفسه، فلا بد أن نأخذ هذا الأمر في إطار: "ليس كمثله شيء". إننا في مجالنا البشري نقول: "فلان لا ينظر إلى فلان" أي أنه لا يوجه عيونه إليه، ويحول حدقتيه عنه، لكن لا يمكن قياس ذلك على الله، لأن الله منزه عن التشبيه ففي الوضع البشري نجد إنساناً يحب صديقاً له فيقبل عليه بالوجه والنظر فيقال: "فتى هو قيد العين" أي أنه شاب عندما تنظر إليه العين فهو يقيد العين فلا تذهب عنه إلى مكان آخر؛ ففي هذا الشاب محاسن تجعل العين لا تذهب بعيداً عنه. وهكذا نأخذ إقبال العين بالنظر على المنظور أو على المرئي كسمة للاهتمام به، وهذا صحيح في الوضع البشري. لكن إذا ما جاء ذلك بالنسبة لله، هنا نأخذ المسألة في إطار: "ليس كمثله شيء". وهكذا نفهم عدم نظر الله إلى {الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] بأن الله يهملهم، ولا يهتم بهم "لا ينالهم الله برحمته"، فالحق سبحانه منزه عن كل تشبيه، وهكذا الأمر في عدم نظر الحق إليهم، نأخذ الأمر أيضاً في إطار: "ليس كمثله شيء" إن ولي الأمر من البشر عندما يرغب في عقاب أحد رعاياه، لا ينظر إليه ويهمله، فما بالنا بإهمال الحق سبحانه وتعالى؟! إنه إبعاد لهم عن رحمة الله ورضوانه. ويضيف الحق سبحانه {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] والتزكية تأتي بمعنى التطهير، أو بمعنى الثناء أو النماء والزيادة فنقول: "فلان زكى فلاناً" أي أثنى عليه ويقال أيضاً: "فلان زكى فلاناً" أي طهره، ومن هذا تكون "الزكاة" التي هي تطهير ونماء. وعندما يخبرنا الحق سبحانه أنه لا يكلم ذلك الصنف من البشر ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم من أوزارهم، فهذا مقدمة لما أعده لهم بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] فلابد أن نأخذ قوة الحدث بفاعل الحدث. وفي حياتنا العادية عندما يقال: "صفع الطفل فلانا الرجل" نفهم بطبيعة الحال أن صفعة الطفل تختلف في قوتها عن صفعة الشاب، وكذلك صفعة الشاب تختلف عن صفعة بطل في الملاكمة. إذن فالحدث يختلف باختلاف فاعله قوة وضعفاً على المفعول به الذي هو مناط الحدث، فإذا كان فاعل العذاب هو الله فلابد أن يكون عذاباً أليماً؛ ولا حدود لألمه، أنجانا الله وإياكم منه. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ خَلاَقَ لَهُمْ} معناهُ لاَ نَصِيرَ لَهم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] 32- أنا الهيثم بن أيوب، نا يحيى بن زكريا، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين يقطع بها مالا، لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : ، وتصديقه في كتاب الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: صدق والله، أُنزلت فيَّ وفي فلان بن فلان، كانت بيني وبينه خُصومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم/: "حديث : شهودك أو يمينه" قلت: إذا يحلف، قال: "من حلف على يمين يقطع بها مالا وهو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. 33- أنا محمد بن بشار، عن محمد، نا شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قال أبو ذر: خابوا وخسروا قال: "المُسْبل إزاره، والمُنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنَّان عطاءه ". تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] 82- أنا الهيثم بن أيوب، نا يحيى بن زكريا، عن الأعمش عن شقيق، قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين [يقطع بها مالا]، لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : ، وتصديقه/ في كتاب الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} فجاء الأشعث بن قيس فقال: ما يُحدثكم أبو عبد الرحمن، فقلنا: كذا وكذا، فقال: والله لأُنزلت فيَّ وفي فلان، كانت بين وبينه خُصومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شُهُودك أو يمِينه". قلت: إذن يحلف، قال: "من حلف على يمين يقطع بها مالا، وهو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : وأنزل الله عز وجل الآية. 83- أنا قتيبة بن سعيد، أنا عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سُميع، نا مسلم البَطِين، وعبد الملك بن أَعْيَن، عن أبي وائل قال: قال ابن مسعود: نزلت هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية ثم لم ينسخها شيء، فمن اقتطع مال امريء مسلم بيمينه فهو من أهل هذه الآية. ذيل التفسير قوله تعالى: [{ {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} [77]] 8/ 743- (عن) محمد بن قُدامة، (عن) جرير، (عن) منصور، (عن) [أبي وائل] شقيق [بن سلمة]، قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف عليَّ يمين لقيَ الله وهو عليه غضبان وتصديقه في كتاب الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ}"تفسير : . فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ فقلنا: كذا وكذا، فقال: صدق والله، لأنزلت فيَّ وفي فلان، كانت بيني وبينه خصومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شهودك أو يمينه"، فقلت: إذا يحلف، قال: "من حلق على يمين يقطع بها مالا، وهو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : ، وأنزل الله عزَّ وجل هذه الآية.
همام الصنعاني
تفسير : 419- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيّب في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}: [الآية: 77]، قال: هي اليمين الفاجرة، يقتطع بها الرجل مال أخيه، واليمين الفاجرة من الكبائر، وتلا ابن مالمسب: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ...}. 420- عبد الرزاق قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من رَجُلٍ يقتطع مالاً بيَمِين فاجرة إلاّ لقي الله وهو عليه غضبان ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):