٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضاً واعلم أن {اللي} عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج، يقال: لويت يده، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره، ولوى فلاناً عن رأيه إذا أماله عنه، وفي الحديث: «حديث : لي الواجد ظلم» تفسير : وقال تعالى: {أية : وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } تفسير : [النساء: 46]. إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول: قال القفال رحمه الله قوله {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم } معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم } وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتاباً شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا {هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }. إذا عرفت هذا فنقول: إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبّر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذماً لهم وعيباً ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد، فيقولون في المدح: خطيب مصقع، وفي الذم: مكثار ثرثار. فقوله {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 79] ثم قال: {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } أي وما هو الكتاب الحق المنزّل من عند الله، بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: إلى ما يرجع الضمير في قوله {لِتَحْسَبُوهُ }؟. الجواب: إلى ما دل عليه قوله {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم } وهو المحرّف. السؤال الثاني: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟. الجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكناً، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين، واليهود كانوا يقولون: مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول: ليس مراد الله ما ذكرت، فكذا في هذه الصورة. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } واعلم أن من الناس من قال: إنه لا فرق بين قوله {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } وبين قوله {أية : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 78] وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد، أما المحققون فقالوا: المغايرة حاصلة، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، وتارة بالسنة، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس والكل من عند الله. فقوله {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } هذا نفي خاص، ثم عطف عليه النفي العام فقال: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، ويكون المراد من قولهم: هو من عند الله، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء، وأرمياء، وحيقوق، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين، فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام، واحتج الجُبّائي والكَعْبيّ به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا: لو كانَ ليُّ اللِّسان بالتحريف والكذب خلقاً لله تعالى لصدق اليهود في قولهم: إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى: إنه ليس من عند الله، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده، ثم قال: وكفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال: ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } وبين قوله {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فرق، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول: أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني: أن قوله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم. والجواب: أما قول الجُبّائي لو حملنا قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } على أنه كلام الله لزم التكرار، فجوابه ما ذكرنا أن قوله {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار. وأما الوجه الأول: من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقاً على السؤال، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه. فوجب أن يكون قوله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم. واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة، وإعراب ألفاظها، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : يعني طائفة من اليهود. {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} وقرأ أبو جعفر وشيْبَة «يُلوُّون» على التكثير. إذا أماله؛ ومنه والمعنى يحرفون الكلم ويعدِلون به عن القصد. وأصل اللّيّ الميل. لَوى بيده، ولَوى برأسه قوله تعالى: {أية : لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} تفسير : [النساء: 46] أي عناداً عن الحق ومَيْلاً عنه إلى غيره. ومعنى {أية : وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} تفسير : [آل عمران: 153] أي لا تَعرُجون عليه؛ يقال لَوَى عليه إذا عرّج وأقام. واللّي المَطْل. لواه بَدينه يَلْوِيه لَيّاً ولِيَاناً مَطَله. قال:شعر : قد كنت داينت بها حسّانا مخافة الإفلاس واللّيانَا يحسـن بيـع الأصـل والعيانـا تفسير : وقال ذو الرمّة:شعر : تريدين ليّانِي وأنتِ مَلِيّةٌ وأحسن يا ذات الوِشاح التّقاضِيَا تفسير : وفي الحديث «حديث : لَيُّ الواجدِ يُحِلّ عِرضَه وعقوبته»تفسير : . وأَلْسنة جمع لسان في لغة من ذكّر، ومن أنّث قال ألسن.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، أن منهم فريقاً يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به؛ ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ} يحرفونه، وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيلون، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله. وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فأما كتب الله، فإنها محفوظة لا تحول، رواه ابن أبي حاتم، فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية، ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفهم كثير منهم، بل أكثرهم، بل جميعهم، فاسد. وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده، فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ } أي أهل الكتاب {لَفَرِيقًا } طائفة ككعب بن الأشرف {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ } أي يعطفونها بقراءته عن الْمُنْزَل إلى ما حرّفوه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه {لِتَحْسَبُوهُ } أي المحرّف {مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ } الذي أنزله الله {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يعْلَمُونَ} أنهم كاذبون.
الشوكاني
. تفسير : أي: طائفة من اليهود {يلوون}، أي: يحرّفون، ويعدلون به عن القصد، وأصل الليّ: الميل، يقول لوى برأسه: إذا أماله، وقريء: «يلووّن» بالتشديد، و «يلون» بقلب الواو همزة، ثم تخفيفها بالحذف، والضمير في قوله: {لِتَحْسَبُوهُ } يعود إلى ما دلّ عليه {يَلْوُونَ } وهو: المحرّف الذي جاءوا به. قوله: {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } جملة حالية، وكذلك قوله: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وكذلك قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي: أنهم كاذبون مفترون. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم } قال: هم اليهود. كانوا يزيدون في الكتاب ما لم ينزل الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: يحرّفونه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ} سبب نزولها ما روى ابن عباس أن قوماً من اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى، فنزلت هذه الآية. {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فقهاء علماء، وهو قول مجاهد. والثاني: حكماء أتقياء، وهو قول سعيد بن جبير. والثالث: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس، وهذا قول ابن زيد. وفي أصل الرباني قولان: أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره، وهو قول الشاعر: شعر : وكنت امرءَاً أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني - فضعت - ربوبُ تفسير : فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور. والثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب، وهو علم الدين، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {منهم}، عائد على أهل الكتاب، و"الفريق"، الجماعة من الناس هي مأخوذة من فرق، إذا فصل وأبان شيئاً عن شيء، و {يلوون} معناه: يحرفون ويتحيلون بتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها، ومثال ذلك قولهم: راعنا واسمع غير مسمع ونحو ذلك وليس التبديل المحض بليٍّ، وحقيق الليّ في الثياب والحبال ونحوها، فتلها وإراغتها، ومنه ليّ العنق ثم استعمل ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات تشبيهاً بتلك الإراغة التي في الأجرام فمنه قولهم، خصم ألوى ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَذًى مِنْ خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الملاويا تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : ألْفَيْتَني ألوي بعيداً مستمر تفسير : وقرأ جمهور الناس، "يلوون"، مضارع لوى، على وزن فعل بتخفيف العين وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، "يلوّون" بتشديد الواو وفتح اللام، من لوّى، على وزن فعّل بتشديد العين، وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، وقرأ حميد "يلُوْن" بضم اللام وسكون الواو، وهي في الأصل "يلون" مثل قراءة الجماعة، فهمزت الواو المضمومة لأنها عرفها في بعض اللغات، فجاء "يلوون" فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام فجاء "يلون" و {الكتاب} في هذا الموضع التوراة، وضمير الفاعل في قوله {لتحسبوه} هو للمسلمين قوله {وما هو من عند الله} نفي أن يكون منزلاً كما ادعوا، وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله، وما هو من عند الله، وقد تقدم نظير قوله تعالى {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} . وقوله تعالى: {ما كان لبشر} معناه لأحد من الناس، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه، كقوله تعالى: {أية : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} تفسير : [آل عمران: 145] وقوله تعالى: {أية : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} تفسير : [النحل: 60] فهذا منتف عقلاً، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين، و {الكتاب} في هذه الآية اسم جنس، و {الحكم} بمعنى الحكمة، ومنه قول النبي عليه السلام: حديث : إن من الشعر لحكماًتفسير : ، و {ثم} في قوله تعالى: {ثم يقول} معطية تعظيم الذنب في القول، بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله {عباداً} هو جمع عبد، ومن جموعه عبيد وعبدى، قال بعض اللغويين، وهذه الجموع بمعنى، وقال قوم، العباد لله، العبيد والعبدى للبشر، وقال قوم: العبدى، إنما تقال في العبيد بني العبيد، وكأنه بناء مبالغة، تقتضي الإغراق في العبودية. قال القاضي أبو محمد: والذي استقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى: {أية : والله رؤوف بالعباد} تفسير : [البقرة: 207] [آل عمران: 30] و {أية : عباد مكرمون} تفسير : [الأنبياء: 26] {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} تفسير : [الزمر:53] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة الله {أية : إن تعذبهم فإنهم عبادك} تفسير : [المائدة: 118] فنوه بهم، وقال بعض اللغويين: إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة الله، وأما العبيد فيستعمل في تحقير، ومنه قول امرىء القيس: [السريع]. شعر : قُولا لِدُوَدان عبيدِ العَصَى مَا غَرَّكُمْ بالأَسَد الباسلِ تفسير : ومنه قول حمزة بن عبد المطلب: وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول الله تعالى: {أية : وما ربك بظلاّم للعبيد} تفسير : [فصلت: 46] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم، وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أنس بها في قوله تعالى: {أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} تفسير : [الزمر: 53]. قال الإمام أبو محمد: فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة، ومعنى قوله: {كونوا عباداً لي من دون الله} اعبدوني واجعلوني إلهاً. واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى: {ما كان لبشر} فقال النقاش وغيره: الإشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادة على النصارى الذين قالوا: عيسى إله، وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره، وقال ابن عباس والربيع وابن جريج وجماعة من المفسرين: بل الإشارة إلى محمد عليه السلام، وسبب نزول الآية، أن أبا رافع القرظي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران: يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك إلهاً كما عبدت النصارى عيسى، فقال الرئيس من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوتتفسير : ، فنزلت الآية، في ذلك، قال بعض العلماء: أرادت الأحبار أن تلزم هذا القول محمداً صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} تفسير : [آل عمران: 31] وإنما معنى الآية، فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من طاعة الله، فحرفوها بتأويلهم، وهذا من نوع ليِّهم الكتاب بألسنتهم، وقرأ جمهور القراء "ثم يقولَ" بالنصب، وروى شبل عن ابن كثير ومحبوب عن أبي عمرو "ثم يقولُ" برفع اللام وهذا على القطع وإضمار مبتدأ، وقرأ عيسى بن عمر، "عباداً ليَ" بتحريك الياء مفتوحة. وقوله تعالى: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْملاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنَصُرُنَّهُ} المعنى {ولكن} يقول: {كونوا ربانيين} وهو جمع رباني، واختلف النحاة في هذه النسبة، فقال قوم: هو منسوب إلى الرب من حيث هو العالم ما علمه، العامل بطاعته، المعلم للناس ما أمر به، وزيدت الألف والنون مبالغة كما قالوا، لحياني وشعراني في النسبة إلى اللحية والشعر، وقال قوم الرباني منسوب إلى الربان وهو معلم الناس، وعالمهم السائس لأمرهم، مأخوذ من رب يرب إذا أصلح وربى، وزيدت فيه هذه النون كما زيدت في غضبان وعطشان، ثم نسب إليه رباني، واختلف العلماء في صفة من يستحق أن يقال له رباني، فقال أبو رزين: الرباني: الحيكم العالم، وقال مجاهد: الرباني الفقيه، وقال قتادة وغيره: الرباني العالم الحليم، وقال ابن عباس: هو الحكيم الفقيه، وقال الضحاك: هو الفقيه العالم، وقال ابن زيد: الرباني والي الأمر، يرب الناس أي يصلحهم، فالربانيون الولاة والأحبار والعلماء، وقال مجاهد: الرباني فوق الحبر لأن الحبر هو العالم والرباني هو الذي جمع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي البخاري: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. قال الفقيه أبو محمد: فجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس، وقوله {بما كنتم} معناه: بسبب كونكم عالمين دارسين، فما مصدرية، ولا يجوز أن تكون موصولة، لأن العائد الذي كان يلزم لم يكن بد أن يتضمنه: {كنتم تعلمون}، ولا يصح شيء من ذلك لأن "كان" قد استوفت خبرها ظاهراً، وهو {تعلمون} وكذلك {تعلمون} قد استوفى مفعوله وهو {الكتاب} ظاهراً، فلم يبق إلا أن {ما} مصدرية، إذ لا يمكن عائد، و {تعلمون} بمعنى تعرفون، فهي متعدية إلى مفعول واحد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "تعْلمون" بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "تُعلِّمون" مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب. قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم {تدرسون} وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح. قال الفقيه الإمام: ومن حيث العالم بحال من يعلم، فالتعليم كأنه في ضمن العلم، وقراءة التخفيف عندي أرجح، وقرأ مجاهد والحسن "تَعَلَّمون" بفتح التاء والعين، وشد اللام المفتوحة، وقرأ جمهور الناس، "تدرُسون" بضم الراء، من درس إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره، وقرأ أبو حيوة "تدرِسون" بكسر الراء، وهذا على أنه يقال في مضارع درس، يدرُس ويدرِس وروي عن أبي حيوة، أنه قرأ "تُدرِّسون" بضم التاء، وكسر الراء وشدها، بمعنى تدرسون غيركم. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي: "ولا يأمرُكم" برفع الراء، وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفاً، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: "ولا يأمرَكم نصباً"، ولا خلاف في الراء من قوله: {أيأمركم} إلا اختلاس أبي عامر، فمن رفع قوله: "ولا يأمرُكم" فهو على القطع، قال سيبويه: المعنى ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره: المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قراءة ابن مسعود: "ولن يأمركم"، فهذه قراءة تدل على القطع، وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على قوله: {أية : أن يؤتيه} تفسير : [آل عمران: 79] والمعنى ولا له أن يأمركم، قاله أبو علي وغيره، وقال الطبري: وقوله {ولا يأمركم} بالنصب، معطوف على قوله، {أية : ثم يقول} تفسير : [آل عمران: 79]. قال الفقيه أبو محمد: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى، والأرباب في هذه الآية قوله تعالى: {أيأمركم بالكفر} تقرير على هذا المعنى الظاهر فساده. وقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الآية، المعنى واذكر يا محمد "إذ" ويحتمل أن يكون "أخذ" هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ، في حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم والنصرة له، واختلف المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية، فقال مجاهد والربيع: إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب، لا ميثاق النبيين، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، قال مجاهد: هكذا هو القرآن، وإثبات "النبيين" خطأ من الكتاب. قال الفقيه الإمام: وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: إنما {أخذ الله ميثاق النبيين} على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما بعث الله نبياً، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية، وقاله السدي: وروي عن طاوس أنه قال: صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله: {ثم جاءكم} مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم. قال الفقيه الإمام أبو محمد: حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم. وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: "لما" بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و"ما" في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و"من" لبيان الجنس، وقوله، {ثم جاءكم} الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : [الفرقان: 41] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: {لما معكم}. هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى: {أية : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} تفسير : [يوسف: 90] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} تفسير : [الكهف: 30] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في {لتؤمِننَّ}، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز. وقرأ سائر السبعة: "لَما" بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون "ما" موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق} وخبر الابتداء قوله {لتؤمنن}، و {لتؤمنن} متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو {لتؤمنن} فهو قوله تعالى: {به} فالهاء من {به} عائدة على "ما"، ولا يجوز أن تعود على {رسول} فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء "لما " بفتح اللام، هو أن تكون "ما" للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و {جاءكم} معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على "ما" ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} تفسير : [الأحزاب: 60] لانها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: {لتؤمِننَّ} وهذه اللام الداخلة على "أن" لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى: {أية : وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} تفسير : [المائدة: 73]. قال الزجاج: لأن قولك، والله لئن جئتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد. والضمير في قوله تعالى: {لتؤمِننَّ به} عائد على {رسول}، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله {ولَتنصرنَه} فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله {لتؤمنن} عليه، قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم} فقال: "ما" هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون "ما" حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى: {أية : وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم} تفسير : [هود: 111] وفي قوله {أية : وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} تفسير : [الزخرف: 35]، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل "ما" ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله: {من كتاب وحكمة} ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، {لتؤمنن} كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره، وقرأ الحسن: "لمّا آتيناكم" بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويظهر أن "لما" هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة، وذهب ابن جني في "لما" في هذه الآية إلى أن أصلها "لمن ما"، وزيدت "من" في الواجب على مذهب الأخفش، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء لهما، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي "لما"، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر "لما" بفتح الميم مخففة، وقد تقدم، وقرأ نافع وحده،"آتيناكم" بالنون، وقرأ الباقون، "آتيتكم" بالتاء، و {رسول} في هذه الآية اسم جنس، وقال كثير من المفسرين: الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود: "مصدقاً" بالنصب على الحال. قوله تعالى: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه، {وأخذتم} في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضاً وقال الطبري: {أخذتم} في هذه الآية معناه: قبلتم، و"الإصر"، العهد، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك، وقوله تعالى {فاشهدوا} يحتمل معنيين: أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد، هذا قول الطبري وجماعة، والمعنى الثاني، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وفي التي في قوله {وأنا معكم من الشاهدين} هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجّاج وغيره. قال القاضي أبو محمد: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها، وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله، {فاشهدوا} أمر بالأداء وقرأ أبو عمرو: "يَبغون" بالياء مفتوحة، و "تُرجعون" بالتاء مضمومة، وقرأ عاصم، "يبغون" و "يرجعون" بالياء معجمة من تحت فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه القراءات لا تخفى بأدنى تأمل و {تبغون} معناه: تطلبون، و {أسلم} في هذه الآية بمعنى: استسلم عند جمهور المفسرين، و {من} في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين، واختلفوا في معنى قوله {طوعاً وكرهاً} فقال مجاهد: هذه الآية كقوله تعالى: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} تفسير : [الزمر: 38] فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرهاً. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا عموم في لفظ الآية، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و {أسلم} فيه بمعنى استسلم، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع، وعبارته رحمه الله: كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ الميثاق، وروي عن مجاهد أنه قال: الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعاً ويسجد الكافر وهو كاره، وقال الشعبي: الآية عبارة عن استقادة جميع البشر لله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره، وذلك هو الذي يسجد كرهاً. قال الفقيه الإمام: وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات، وقال الحسن بن أبي الحسن: معنى الآية: أنه أسلم قوم طوعاً، وأسلم قوم خوف السيف، وقال مطر الوراق: أسلمت الملائكة طوعاً، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس، وأسلم سائر الناس كرهاً حذر القتال والسيف. قال الفقيه الإمام: وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان، والآية ظاهرها العموم ومعناها الخصوص، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعاً ولا كرهاً على هذا الحد، وقال قتادة: الإسلام كرهاً هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه. قال الفقيه الإمام: ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك، وهذا غير موجود إلا في أفراد، والمعنى في هذه الآية، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة، والتوقيف بقوله {أفغَير} إنما هو لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار، وقرأ أبو بكر عن عاصم، "أُصري"، بضم الألف وهي لغة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإن منهم} يعني من اليهود {لفريقاً} يعني طائفاً وجماعة وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر {يلوون} أي يعطفون ويميلون، وأصل اللي الفتل من قولك لويت يده إذا فتلتها {ألسنتهم بالكتاب} يعني بالتحريف والتغيير والتبديل وتحريف الكلام تقليبه عن وجهه لأن المحرف يلوي لسانه عن سنن الصواب بما يأتي به من عند نفسه قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المعنى يلوون بألسنتهم الكتاب لأنهم يحرفون الكتاب عما هو عليه بألسنتهم فيأتون به على القلب ونقل الإمام فخر الدين عن القفال قال يلوون ألسنتهم معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية فلما فعلوا ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله يلوون ألسنتهم بالكتاب وقيل إنهم غير واصفة النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة وبدلوها، وآية الرجم وغير ذلك مما بدلوا وغيروا {لتحسبوه من الكتاب} يعني لتظنوا أن الذي حرفوه وبدلوه من الكتاب الذي أنزله الله على أنبيائه {وما هو من الكتاب} يعني ذلك الذي يزعمون أنه من الكتاب ما هو منه {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} يعني الذي يقولونه ويغيرونه، وإنما كرر هذا بلفظين مختلفين مع اتحاد المعنى لأجل التأكيد {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} يعني أنهم كاذبون. وقال ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا في كتاب الله ما ليس فيه. قوله عز وجل: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} قيل إن نصارى نجران قالوا إن عيسى أمرهم أن يتخذوه رباً فقال الله تعالى رداً عليهم: ما كان لبشر يعني عيسى عليه السلام أن يؤتيه الله الكتاب يعني الإنجيل. وقال ابن عباس في قوله تعالى ما كان لبشر يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أن يؤتيه الله الكتاب يعني القرآن وذلك أن أبا رافع من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ قال معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله وما بذلك أمرني الله، وما بذلك بعثني فأنزل الله هذه الآية ما كان لبشر أي ما ينبغي لبشر وهو جميع بني آدم لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط ويوضع موضع الواحد والجمع أن يؤتيه الله الكتاب والحكم يعني الفهم والعلم، وقيل هو إمضاء الحكم من الله تعالى والنبوة يعني المنزلة الرفيعة {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} ومعنى الآية أنه لا يجتمع لرجل نبوة مع القول للناس كونوا عباداً لي من دون الله وكيف يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله وقد أتاه الله ما أتاه من الكتاب والحكم والنبوة وذلك أن الأنبياء موصون بصفات لا يحصل معها ادعاء الإلهية والربوبية منها إن الله تعالى أتاهم الكتب السماوية، ومنها إيتاء النبوة ولا يكون إلاّ بعد كمال العلم وكل هذه تمنع من هذه الدعوى {ولكن كونوا ربانيين} يعني ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، واختلفوا في معنى الرباني فقال ابن عباس: معناه كونوا فقهاء علماء وعنه كونوا فقهاء معلمين وقيل معناه حكماء حكماء، وقيل الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم وكباره وقيل الرباني العالم الذي يعمل بعلمه، وقيل الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي وقيل الرباني الذي جمع بين علم البصيرة والعلم بسياسة الناس، ولما مات ابن عباس رضي الله عنهما قال محمد بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته وزيادة الألف والنون فيه دلالة على كمال هذه الصفة وقال المبرد: الربانيون أرباب العلم واحدهم ربان وهو الذي يربى العلم ويربي الناس أي يعلمهم وينصحهم والألف والنون للمبالغة فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وطاعته، وعلى قول المبرد الرباني مأخوذ من التربية. وقيل الربانيون هم ولاة الأمر والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التأويل لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء ومعلمين الناس الخير ومواظبين على طاعة الله وعبادته. وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست عربية إنما هي عبرانية أو سريانية وسواء كانت عربية أو عبرانية فهي تدل على الذي علم وعمل بما علم وعلم الناس طريق الخير. وقوله تعالى: {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} أي كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين بسبب دراستكم الكتاب، فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً فمن اشتغل بالعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع علمه وخاب سعيه.
ابن عادل
تفسير : هذه الآية تدل على أن التي قبلها نزلت في اليهود. وقوله: يَلْوُونَ" صفة لـ "فريقاً" فهي في محل نصبٍ، وجمع الضمير اعتباراً بالمعنى؛ لأنه اسم جمع - كالقوم والرهط -. قال أبو البقاء: "ولو أفرد على اللفظ لجاز" وفيه نظرٌ؛ إذ لا يجوز: القوم جاءني، والعامة على {يَلْوُونَ} بفتح الياء، وسكون اللام، وبعدها واو مضمومة، ثم أخْرَى ساكنة مضارع لوى أي: فتل. وقرأ أبو جعفر وشيبة بن نِصاح وأبو حاتم - عن نافع - "يُلَوُّون" بضم الياء، وفتح اللام، وتشديد الأولى - من "لَوَّى" مضعَّفاً، والتضعيف فيه للتكثير والمبالغة، لا للتعدية؛ إذ لو كان لها لتعدى لآخرَ؛ لأنه مُتَعَدٍّ لواحد قبل ذلك، ونسبها الزمخشريُّ لأهل المدينةِ، وهو كما قال، فإن هؤلاء رؤساء قُرَّاء المدينة. وقرأ حُمَيْد "يَلُون" - بفتح الياء، وضم اللام، بعدها واو مفردة ساكنة - ونسبها الزمخشريُّ لمجاهدٍ وابنِ كثيرٍ، ووجَّهَهَا هو بأن الأصل {يَلْوُونَ} - كقراءة العامة - ثم أبدِلَت الواو المضمومة همزة، وهو بدلٌ قياسيٌّ - كأجوه وأقِّتَتْ. ثم خُفِّفَت الهمزةُ بإلقاء حركتها على الساكن قبلها وهو اللام - وحُذِفَت الهمزةُ، فبقي وزن "يَلُون" يَفُون - بحذْف اللام والعين - وذلك لأن اللام - وهي الياء - حُذِفت لالتقاء الساكنين؛ لأن الأصل "يلويون" كيضربون، فاستُثْقِلَت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان - الياء وواو الضمير - فحُذِفت الياء لالتقائهما، ثم حُذِفت الواو التي هي عين الكلمة. و {أَلْسِنَتَهُمْ} جمع لسانٍ، وهذا على لغة من ذكَّره، وأما على لغة من يُؤنثه - فيقول: هذه لسانٌ - فإنه يجمع على "ألْسُن" - نحو ذِراع وأذرُع وكراع وأكرِع. وقال الفرّاء: لم نسمعْه من العرب إلا مذكَّراً. ويُعَبَّر باللسان عن الكلام؛ لأنه ينشأ منه، وفيه - والمراد به ذلك - التذكير والتأنيث -، والليّ: الفتل، يقال: لَويْت الثوب، ولويت عنقه - أي فتلته - والليُّ: المطل، لواه دَيْنَه، يلويه لَيًّا، وليَّاناً: مطله. والمصدر: اللَّيّ واللّيان. قال الشاعرُ: [الرجز] شعر : 1526- قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بِهَا حَسَّانا مَخَافَةَ إلافْلاسِ وَاللَّيانا تفسير : والأصل لوْيٌ، ولَوْيَان، فأعِلَّ بما تقدم في "مَيِّت" وبابه ثم يُطْلَق اللَّيُّ على الإراغة والمراوغة في الحجج والخصومة؛ تشبيهاً للمعاني بالأجرام. وفي الحديث: "حديث : لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ ". تفسير : وقال بعضهم: اللَّيّ عبارة عن عَطْف الشيء، وردّه عن الاستقامة إلى الاعوجاج يقال: لَوَيْت يده والتوى الشيءُ - إذا انحرف - والتوى فلان عليَّ إذا غيَّر أخلاقه عن الاستواء إلى ضده. ولوى لسانه عن كذا - إذا غيره - ولوى فلانٌ فلاناً عن رأيه - إذا أماله عنه - و {بِٱلْكِتَابِ} متعلق بـ {يَلْوُونَ}، وجعله أبو البقاء حالاً من الألسنة، قال: وتقديره: ملتبسة بالكتاب، أو ناطقة بالكتاب. والضمير في {لِتَحْسَبُوهُ} يجوز أن يعود على ما تقدَّم مما دل عليه ذِكْر اللَّيّ والتحريف، أي: لتحسبوا المحرف من التوراة. ويجوز أن يعود على مضاف محذوفٍ، دل عليه المعنى، والأصل: يلوون ألسنتهم بشِبْهِ الكتاب؛ لتحسبوا شِبْهَ الكتاب الذي حرفوه من الكتاب، ويكون كقوله: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ} تفسير : [النور: 40] ثم قال: {أية : يَغْشَاهُ}تفسير : [النور: 40] والأصل أو كذي ظلمات, فالضمير في {أية : يَغْشَاهُ} تفسير : [النور: 40] يعود على "ذِي" المحذوفة. و "من الكتاب" هو المفعول الثاني للحُسْبان. وقُرئ "ليحسبوه" - بياء الغيبة - والمراد بهم المسلمون - أيضاً - كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى: ليحسب المسلمون أن المحرَّف من التوراة. قال ابن الخطيبِ: "لَيُّ اللسان شبيه بالتشدُّقِ والتنطُّع والتكلُّف - وذلك مذموم - فعبَّر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلَيِّ اللسان؛ ذمًّا لهم، ولم يُعَبِّر عنها بالقراءة. والعرب تفرِّق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد، فيقولون - في المدح -: خطيب مِصْقَع، وفي الذم: مِكْثَارٌ، ثَرْثَارٌ فالمراد بقوله: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} أي: بقراءة ذلك الكتاب الباطل". فصل قال القفَّالُ: معنى قوله: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} أن يعمدوا إلى اللفظة، فيحرفونها عن حركات الإعراب تحريفاً يتغيَّر به المعنى، وهذا كثيرٌ في لسان العرب، فلا يبعد مثله في العبرانية، فكانوا يفعلون ذلك في الآياتِ الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة. وروي عن ابنِ عباسٍ قال: إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، كتبوا كتاباً شوَّشوا فيه نعتَ محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: هذا من عند الله. فصل قال جمهور المفسّرين: هذا النفر هم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر، وشعبة بن عمرو الشاعر. {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} يعطفونها بالتحريف والتغيير، وهو ما غيّروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، وغير ذلك. {لِتَحْسَبُوهُ} أي: لتظنوا ما حرفوا {مِنَ ٱلْكِتَابِ} الذي أنزله الله - عز وجل - {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنَّهم الكاذبون. وروى الضحاكُ عن ابن عباسٍ أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً، وذلك أنهم حرَّفوا التوراة والإنجيلَ، وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه. فإن قيل: كيف يمكن إدخالُ التحريف في التوراة، مع شُهْرتها العظيمة؟ فالجوابُ: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليلٍ، يجوز تواطؤهم على التحريف، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرَّف على بعض العوامِّ، وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكناً. قال ابن الخطيب: "والأصوب - عندي - في الآية أن الآياتِ الدَّالَّةِ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يُحتاج فيها إلى تدقيق النظرِ والتأمُّل، والقوم كانوا يُورِدون عليها الأسئلة المشوشة، والاعتراضات المظلمة، فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهةً على السَّامِعِينَ، واليهود كانو يقولون: مراد اللهِ من هذه الآياتِ ما ذكرناهُ - لا ما ذكرتم - فكان هذا هو المراد بالتحريف وَلَيِّ الألسنةِ، كما أن المُحِقَّ - في زمننا - إذا استدل بآيةٍ فالمُبْطِل يورد عليه الأسئلةَ والشبهاتِ، ويقول: لَيْسَ مُرَادُ اللهِ - تعالى - ما ذكرت، بل ما ذكرناه، فكذا هنا، والله أعلمُ". فإن قيل: ما الفرق بين قوله: {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} وبين قوله: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}؟ فالجوابُ: أن المغايرة حاصلة؛ لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله تعالى؛ فإن الحكم الشرعيَّ قد ثبت تارةً بالكتاب، وتارةً بالسنَّةِ، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس، والكل من عند الله تعالى - فقوله: {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} هذا نفيٌ خاصٌّ، ثم عطف النفي العام فقال: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فلا يكون تكراراً. وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، ويكون المراد من قولهم: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ} أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم السلام مثل شعيب وأرميا؛ وذلك لأن القومَ في نسبة ذلك التحريفِ إلى الله تعالى كانوا متحيرين فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبُلْه الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرَّف إلى أنه من عنده، وإن من وجدوا قوماً عُقَلاَء أذكياء زعموا أنه موجودٌ في كتب سائر الأنبياءِ، الذين جاءوا بعد موسى عليه السَّلاَمُ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب} قال: هم اليهود كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {يلوون ألسنتهم بالكتاب} قال: يحرِّفونه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} فأما كتب الله فهي محفوظة لا تحوّل.
القشيري
تفسير : الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين في الدعاوى في هذه الطريقة. يزيِّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق، تلبيساً على الأغبياء والعوام وأهل البداية؛ يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم. قال تعالى في صفة هؤلاء {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ}، كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يُرَوِّجون قالتَهم على المستضعفين، فأما أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة. قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، أي يعلمون أنهم كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس في هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خَرِبةَ، وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت!
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن من أهل الكتاب لفريقاً}، وهو كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ومالك بن الصيف، وأبو ياسر، وشعبة بن عامر، {يلوون} أي: يفتلون {ألسنتهم بالكتاب} أي: التوراة عند قراءته، فيميلون عن المنزل إلى المُحرف، {لتحسبوه من الكتاب} أي: لتظنوا أن ذلك المحرف من التوراة، {وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب} فيما نسبوا إليه، {وهم يعلمون} أنه ليس من عند الله. قال ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى جميعاً، حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، فبيَّن الله كذبهم، وقيل: في الرجم، حيث كتموا الرجم، وألقى قارئ التوراة يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له ابنُ سلام: ارفع يديك، فإذا آية الرجم تلوح. والله أعلم. الإشارة: هذه الآية تنسحب على علماء السوء، الذي يفتون بغير المشهور، لحظ يأخذونه من الدنيا، وعلى قضاة الجور الذين يحكمون بالهوى، ويعتمدون على الأقوال الواهية، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله. وكذلك بعض المنتسبين من الفقراء، يتصنعون إلى العامة، يطمعون فيما في أيديهم من الحطام، فيظهرون لهم علوماً ومعارف وحكماً، يلوون ألسنتهم بها وقلوبهم خاوية من معناها، فظاهر حالهم يُوهم أن ذلك موافق لقلوبهم، وأنهم عاملون بذلك، وباطنهم يكذبهم في ذلك،{أية : وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [البَقَرَة: 213].
الطوسي
تفسير : اللغة، والمعنى، والاعراب "وإن منهم" الكناية بالهاء والميم راجعة على أهل الكتاب في قوله: {من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} في قول جميع المفسرين: الحسن وغيره. وقوله: {يلوون ألسنتهم} قال مجاهد، وقتادة، وابن جريج، والربيع: معناه يحرفونه بالتغيير والتبديل. وأصل الليّ: الفتل من قولك لويت يده إذا فتلتها قال الشاعر: شعر : لوى يده الله الذي هو غالبه تفسير : ومنه لويت العمود إذا ثنيته وقال الآخر: شعر : فلو كان في ليلى سدى من خصومة للويت أعناق الخصوم الملاويا تفسير : ومنه لويت الغريم لياً ولياناً إذا مطلته حقه قال الشاعر: شعر : تطيلين لياني وأنت ملية واحسن يا ذات الوشاح التقاضيا تفسير : فقيل لتحريف الكلام بقلبه عن وجهه ليّ اللسان به، لأنه فتله عن جهته. وقوله: {لفريقاً} نصب بأنه اسم (ان) واللام لام التأكيد ويجوز دخولها على اسم (ان) إذا كان مؤخراً، فان قدم لم يجز دخولها عليه، لا تقول: ان لزيداً في الدار. وإنما امتنع ذلك لئلا يجتع حرفا التأكيد، لأن (ان) للتأكيد واللام للتأكيد أيضاً فلم يجز الجمع بينهما لئلا يتوهم اختلاف المعنى، كما لم يجز دخول التعريف على التعريف، والتأنيث على التأنيث، فأما قولهم: جاءني القوم كلهم أجمعون، فكل تأكيد للقوم وأجمعون تأكيد لكل. وقوله: {لتسحبوه من الكتاب} معناه لتظنوه. والفرق بين حسبت وزعمت: أن زعمت يحتمل أن يكون يقيناً أو ظناً، وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا. وقوله: {ألسنتهم} جمع لسان على التذكير كحمار وأحمره. ويقال ألسن على التانيث كعناق وأعنق. المعنى: وقوله: {وما هو من عند الله} دلالة على أن المعاصي ليست من عند الله بخلاف ما تقوله المجبرة. ولا من فعله، لأنها لو كانت من فعله، لكانت من عنده، وليس لهم أن يقولوا إنها من عنده خلقاً وفعلا، وليست من عنده انزالا ولا أمراً، وذلك أنها لو كانت من عنده فعلا أو خلقاً، لكانت من عنده على آكد الوجوه فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله. وكما لا يجوز أن تكون من عند الله من وجه من الوجوه، لاطلاق النفي بأنه ليس من عند الله، فوجب العموم فيها باطلاق النفي. فان قيل: أليس الايمان عندكم من عنده، ومع ذلك ليس من عنده من كل الوجوه، فهلا جاز مثل ذلك في تأويل الآية؟ قيل: لا يجوز ذلك، لأن اطلاق النفي يوجب العموم، وليس كذلك اطلاق الاثبات ألا ترى أنك تقول: ما عندي طعام، فانما تنفي القليل، والكثير، وليس كذلك إذا قلت عندي طعام، لأنه لا يجب أن يكون عندك جميع الطعام فبان الفرق بين النفي والاثبات.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} عطف على قوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ} واتى بأداتى التّأكيد فى المعطوف لأنّه ابلغ فى الذّمّ ويتطرّق الشّكّ والانكار فيه، ولواه فتله وثناه، ويشبه ان يكون الكلام على القلب والتّقدير يلوون الكتاب بألسنتهم ومثل هذا القلب كثيرٌ، او هو على الاصل بناء على تشبيه اللّسان بالمفتول والكتاب بآلة الفتل، او على كون المعنى يحرّكون السنتهم بالكتاب، والمقصود انّهم يحرّفون الكتاب بحسب اللّفظ بالزّيادة والنّقيصة والتّبديل، وبحسب المعنى بالتّغيير عن معناه والحمل على المعنى الغير المراد، او المعنى يفتلون الكتاب بالسنتهم لا بلسان الله او يحرّكون السنتهم لا لسان الله بالكتاب {لِتَحْسَبُوهُ} اى الّذى جرى على ألسنتهم {مِنَ ٱلْكِتَابِ} لتشابهه صورة بما فى الكتاب يعنى أنّهم بارائهم وانانيّاتهم يقرؤن شيئاً من التّوراة والانجيل، او يذكرون شيئاً من أحكام شريعة موسى (ع) وعيسى (ع) بناءً على عدم اختصاص الكتاب بصورة التّوراة والانجيل لتحسبوا المقروء او المذكور ايّها السّامعون من التّوراة والانجيل، او من الشّريعتين. تحقيق التواء الكتاب باللّسان المضاف الى النّفس {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} لانّ الكتاب هو الّذى يجرى على لسان صار لسان الله لخلوّ صاحبه من نسبة الوجود الى نفسه وصيرورته وصيرورة اعضائه الات الله، وهذا المقروء وان كان بصورة الكتاب لكنّه جار على لسانٍ لا نسبة بينه وبين الله، ونقوش الكتاب وحروفه وان كانت كلّيّة لا اختصاص لها بنقش كتاب مخصوص ولا بحرف لسان مخصوص لكن شرط صدق الكتاب عليها ان تكون صادرة عن يد منتسبة الى الله، او لسان منسوب اليه كأيدى الانبياء (ع) وألسنتهم، غاية الامر ان يكون نسبة التّابع اضعف من نسبة النّبىّ (ص) المتبوع، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [البقرة: 79] يعنى لا بيد الله {أية : ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}تفسير : [البقرة: 79]؛ الآية، وللاشارة الى انّه ينبغى ان يكون لسان العبد حين القراءة وكذلك يده حين الكتابة لسان الله ويده امر الله تعالى عباده بتلاوة القرآن وامر المعصومون ان يقولوا: لبّيك اللّهمّ لبّيك؛ عند قولهم: {يا ايّها الّذين آمنوا}، وان يقولوا كذلك الله ربّى؛ عند قرأة التّوحيد، وان يسبّحوا ويحمدوا ويستغفروا الله؛ عند قراءة {اذا جاء نصر الله}، وامثال ذلك ممّا يدل على انّه ينبغى ان يفرض لسان القارىء لسان الله ثمّ عومل مع المقروء نحو معاملة مقرّو الله كثيرة {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} بل هو من عند أنفسهم ومن عند الشّيطان {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بهذا القول {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انّه كذب، او هم المعدودون من العلماء، او المعنى يقولون على الله الكذب غير ما يفتلونه بالسنتهم وهم يعلمون انّه كذب.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: حرّفوه عن مواضعه وجعلوه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً. وقال بعضهم: حرّفوا كتاب الله وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله، ثم احتج عليهم بهذا لقولهم: إن عيسى يَنبغي أن يُعبَد، وإنهم ـ زعموا ـ قَبِلوا ذلك من عند الله، وهو في كتابهم ـ زعموا ـ الذي نزل من عند الله. فقال الله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} كما آتى عيسى {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللهِ} أي اعبدوني من دون الله، يقول: لا يفعل ذلك من آتاه الله الكتاب والحكم والنبوءة {وَلَكِن} يقول لهم: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} أي علماء فقهاء في تفسير الحسن وغيره. وفي تفسير مجاهد: ولكن كونوا حكماء فقهاء {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} أي تقرأون. {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً} أي من دون الله. {أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} على الاستفهام، أي لا يفعل ذلك. ذكروا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تعلّموا القرآن وعلّموه الناس، وتعلّموا العلم وعلّموه الناس، وتعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، ألا إنه يوشك أن يختلف الرجلان في الفريضة فلا يجدان أحداً يفصل بينهما . تفسير : ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: اغد عالماً أو متعلّماً، ولا تكن فيما بين ذلك، فإن ما بين ذلك جهل. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع. ذكروا عن أبي الدرداء قال: ألا حبذا العالم والمتعلم، ولا تكن الثالث فتهلك. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: تعلّموا العلم قبل أن يقبض، فإن ذهاب العلم أن يُقْبَضَ أهلُه، وإن أحدكم سيحتاج إلى غيره أو يُحتاج إليه، فإنكم ستجدون قوماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والبدع والتنطّع، وعليكم بالعتيق. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم؛ فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، أيرفع العلم ونحن نقرأ القرآن أبناؤنا ونساؤنا؟ فقال: ثكلتك أمك. قد كنت أعدّك من فقهاء المدينة؛ أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى فما أغنى عنهم؟ إن ذهاب العلم ذهاب العلماء .
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ}: أى من أهل الكتاب المحرفين. {لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ}: يفتلون ألسنتهم بقراءة الكتاب، من لوى الشىء إذا فتله أى صرفه عن وجهه، واستقامته إلى الاعوجاج، و"الباء" للاستعانة، أو الظرفية، والمضاف مقدر، وهو لفظ قراءة - كما رأيت - وذلك أنهم يصرفون ألسنتهم عن الصحيح المنزل، من صفته صلى الله عليه وسلم، والرجم وغير ذلك إلى المحرف الباطل فيقرأون ذلك الباطل بدل المنزل أو يقدر مضاف هكذا يلوون ألسنتهم بشبه الكتاب لأنهم يأتون بكلام من أنفسهم شبيه بالتوراة ويقرأونه للناس على أنه من التوارة. قال ابن عباس رضى الله عنهما: أن الفريق الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب هم الذين قدموا على كعب بن الأشرف وغيروا التوراة، وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة النبى صلى الله عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب الذى عندهم، وقيل: إن جماعة من أحبار اليهود أتوا كعب بن الأشرف فى زمان قحط يطلبون منه طعاماً فقال: ما تقولون فى هذا الرجل الذى يقول: أنا رسول الله. فقالوا: هو عبد الله ورسوله إلى خلقه. فقال كعب: لو قلتم غير هذا لكان لكم عندى طعام وعطاء. فقالوا: نرجع ونتأمل، فرجعوا وعادوا وقد بدلوا نعته بنعت الدجال، فقالوا: وجدنا فى التوراة كذا فحلفهم لا يرجعون عن هذا فأعطى كل واحد منهم ثمانية أذرع من كرباس، وصاعاً من شعير، وقرأ أهل المدينة {يلوون} بضم الياء وفتح اللام وتشديد الواو الأولى للمبالغة، وقرأ مجاهد {يلون} بفتح الياء وضم اللام بعدها ولو ساكنة واحدة، أصله كقراءة العامة، أبدلت الواو الأولى همزة ونقلت ضمتها للام، فحذفت ونسب بعض هذه القراءة إلى مجاهد وابن كثير. {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ}: الخطاب للمؤمنين، قالوا لهم. وقرئ {ليحسبوه} بالتحتية، والواو لهم أيضاً، والهاء للمحرف إليه المدلول عليه، بقوله {يلوون} وجملة ما هو من الكتاب: حال من الهاء، أو من الواو، والكتاب التوراة، أو جنس كتب الله تعالى. {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: قولهم: هو من عند الله يناسب قوله: لتحسبوه من الكتاب، وقوله {يَلْوُونَ أَلسِنَتَهُم بِالكِتَابِ}، وليس بتأكيد، لأنه ليس كل ما لم يكن، والكتاب لم يكن من عند الله لأنه قد يكون من الكتاب، وقد يكون من السنة، وأما الإجماع والقياس فلهذه الأمة فقط، وأيضاً قد يكون من عند الله، فيما يزعمون من الكذب والإبهام من كتب سائر الأنبياء: كأشعياء، وأرمياء، وليس من الكتاب الذى هو التوراة، وقوله: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّه} تأكيداً لقوله: {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَاب} إن أريد جنس الكتاب، ومناسب له، إن أريد به التوراة، وهو تصريح ببطلان ما يعرض به، لىَّ ألسنتهم بالكتاب، بل ببطلان ما يصرحون به، لأنهم يصرحون أنه من الله زيادة على اللَّىْ، ثم أكد بطلان دعواهم أيضاً بقوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: إنهم كاذبون فى ذلك، فكذبهم كان عن عمد. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن الآية نزلت فى اليهود والنصارى، لأنهم أيضاً حرفوا الإنجيل. حديث : وقال أبو رافع اليهودى القرظى، والسيد النصرانى النجرانى: لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال: معاذ الله أن يعبد غير الله، وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثنى، ولا بذلك أمرنى، فنزل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} .
اطفيش
تفسير : {وَإنَّ مِنْهُمْ} من أهل الكتاب {لَفَرِيقاً} ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيى بن أخطب بالتصغير، وأبى ياسر وشعبة بن عامر الشاعر {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ} التوراة، ينطقون بكلمة من عندهم من الباطل بدل كلمة من الحق فيها، أو يضمونها إليها بحيث يتغير المعنى ويوهمون أن ذلك من التوراة، إذ صوروه مثلها، أو يسقطون كلمة بلا زيادة أخرى، أو بالتأويل الباطل، والباء للملابسة، أو بمعنى فى، أو صلة، أو للآلة، أو التحريف عند مجاهد، وقيل أصله القتل، ومنه لويت الغريم أى مطلته، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليُّ الواجد ظلم"تفسير : ، يلوون ألسنتهم بالتحريف، قيل، يميلون ألسنتهم بالمتشابه {لِتَحْسَبُوهُ} أى لتظنوا أيها المؤمنونن، أو أيها الناس مطلقا ما فعلوا {مِنَ الْكِتَابِ} التوراة {وَمَا هُوَ مِنَّ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} تارة يقولون هو من الكتاب وتارة يقولون هو من عند الله، أى من التوراة المنزلة من عند الله، أو من سائر وحى الله، من مطلق كتبه، أو فى غير كتاب يعالجون إيهام الناس بكل وجه أمكن {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} أمرا أو إنزالا فى كتاب، ولو كان من عنده خلقا، لأن أفعال الخلق ولو معاصى مخلوقه من الله {وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} المذكور وغيره من سائر ما يفترونه على الله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون فيما قالوا، رد عليهم، لعنهم الله، بقوله، لتحسبوه، وقوله، وما هو من الكتاب، وقوله، وما هو من عند الله، وقوله، ويقولون على الله الكذب، وشنع عليهم بتصريحهم بأنه من عند الله زيادة على تلويحهم وإبهامهم، وبأنهم عامدون الكذب، وقيل الآية فى النصارى أيضا، لأنهم حرقوا أيضا الإنجيل، والآية ظاهرة، فى أن الكذب يكون بعمد وبلا عمد وفى قوله، وما هو من عند الله تأكيد لقوله، وما هو من الكتاب، وعن ابن عباس، هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف، غيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذى عندهم، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : شرار الناس شرار العلماء" تفسير : ، فإن هذا الإفساد نشأ من الأحبار والرهبان، والتحريف فى بعض نسخ التوراة دون بعض، وتارة يحرفون بالكتابة فيها وتارة بالنطق دونها، وكذا الإنجيل إذا جاءهم ما يكرهون غيروا معناه بالخط عليه، أو بزيادة ما أرادوا، أو بأن لا يقرأوه، كما عبد الله بن سلام لقارىء التوراة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن الرجم، ارفع يدك، وقد غطى بها على آية الرجم فرفع، فظهرت، لا كما زعم بعض أنه لا يقع التحريف إلا باللسان، وبسطت فى قذى العين على أهل العين كلاما رداً على كافر إنكليزى.
الالوسي
تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } أي إن من أهل الكتاب الخائنين لجماعة {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } أي يحرفونه ـ قاله مجاهد ـ وقيل: أصل ـ الليّ ـ الفتل من قولك: لويت يده إذا فتلتها، ومنه لويت الغريم إذا مطلته/ حقه قال الشاعر:شعر : تطيلين لياني وأنت (ملية) وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا تفسير : وفي الخبر «حديث : ليّ الواجد ظلم» تفسير : فالمعنى يفتلون ألسنتهم في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييراً يتغير به المعنى ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد، وقريب منه ما قيل: إن المراد يميلون الألسنة بمشابه الكتاب، و ـ الألسنة ـ جمع لسان، وذكر ابن الشحنة أنه يذكر ويؤنث. ونقل عن أبـي عمرو بن العلاء أن من أنثه جمعه على ألسن، ومن ذكره جمعه على ألسنة، وعن الفراء أنه قال: اللسان بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكراً ولا يخفى أن المثبت مقدم على النافي؛ والباء صلة أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة، والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب. وقرأ أهل المدينة ـ يلوون ـ بالتشديد فهو على حد {أية : لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 5] وعن مجاهد وابن كثير ـ يلون ـ على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها كذا قيل، واعترض عليه بأنه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأي حاجة إلى قلب الواو همزة، ورد بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو ثم حذفها على ما عرف في التصريف، ونظر فيه بعض المحققين بأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضاً. نعم قرىء ـ يلؤون ـ بالهمز في الشواذ وهو يؤيده، وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من ـ الولي ـ بمعنى القرب أي يقربون ألسنتهم بميلها إلى المحرف فبعيد من الصحيح قريب إلى المحرف. {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي لتظنوا أيها المسلمون أن المحرف المدلول عليه ـ باللي ـ أو المشابه من كتاب الله تعالى المنزل على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وقرىء (ليحسبوه) بالياء والضمير أيضاً للمسلمين. {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } ولكنه من قبل أنفسهم {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } أي ويزعمون صريحاً غير مكتفين بالتورية والتعريض أن المحرف أو المشابه نازل من عند الله {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي وليس هو نازلاً من عند الله تعالى، و ـ الواو ـ للحال والجملة حال من ضمير المبتدأ في الخبر، وفي جملة {وَيَقُولُونَ } الخ تأكيد للنفي الذي قبلها وليس الغرض التأكيد فقط وإلا لما توجه العطف بل التشنيع أيضاً بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض حتى ارتكبوا هذا التصريح وبهذا حصلت المغايرة المقتضية للعطف، والإظهار في موضع الإضمار لتهويل ما قدموا عليه. ((واستدل الجبائي والكعبـي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق أولئك المحرفون بقولهم {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تعالى لكن الله (وردّ) بأن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو [هو] حكم من أحكامه فتوجه [التكذيب] تكذيب الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زعموا)). والحاصل أن المقصود بالنفي كما أشرنا إليه نزوله من عنده سبحانه وهو أخص من كونه من فعله وخلقه، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى. {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } أي في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضاً وتصريحاً {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون عليه سبحانه وهو تسجيل عليهم بأن ما افتروه عن عمد لا خطأ، وقيل: يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب، روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه، وروى غير واحد أنها في طائفة من اليهود، وهم كعب بن الأشرف/ ومالك وحيـي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر غيروا ما هو حجة عليهم من التوراة. واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييراً وقت القراءة أو تأويلاً باطلاً للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا، واحتجوا لذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون: إن ذلك من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول وبأن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقول لليهود إلزاماً لهم: «أية : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين»تفسير : [آل عمران: 93] وهم يمتنعون عن ذلك فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال. وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا وكتبوا ذلك في نفس كتابهم واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ إما لاحتمال الطواطؤ أو فعل ذلك في البعض دون البعض وكذا لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك لاحتمال علمه صلى الله عليه وسلم ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالماً عن التغيير إما لجهلهم بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره، وأما ما روي عن وهب فهو على تقدير ثبوته عنه يحتمل أن يكون قولاً عن اجتهاد، أو ناشئاً عن عدم استقراء تام، ومما يؤيد وقوع التغيير في كتب الله تعالى وأنها لم تبق كيوم نزلت وقوع التناقض في الأناجيل وتعارضها وتكاذبها وتهافتها ومصادمتها بعضها ببعض، فأنها أربعة أناجيل: الأول: «إنجيل متى» وهو من الاثني عشر الحواريين ـ وإنجيله باللغة السريانية ـ كتبه بأرض فلسطين بعد رفع المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحاً، والثاني: «إنجيل مرقس» وهو من السبعين ـ وكتب إنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة ـ وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحاً، والثالث: «إنجيل لوقا» وهو من السبعين أيضاً ـ كتب إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الإسكندرية بعد ذلك ـ وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحاً، والرابع: «إنجيل يوحنا» وهو حبيب المسيح ـ كتب إنجيله بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة ـ وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحاً، وقد تضمن كل إنجيل من الحكايات والقصص ما أغفله الآخر، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخر على نقيضها أو ما يخالفها، وفيها ما تحكم الضرورة بأنه ليس من كلام الله تعالى أصلاً، فمن ذلك أن متى ذكر أن المسيح صلب وصلب معه لصان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعاً كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويعيرانه، وذكر لوقا خلاف ذلك فقال: إن أحدهما كان يهزأ به والآخر يقول له: أما تتقي الله تعالى أما نحن فقد جوزينا وأما هذا فلم يعمل قبيحاً ثم قال للمسيح: يا سيدي أذكرني في ملكوتك فقال: حقاً إنك تكون معي اليوم في الفردوس ولا يخفى أن هذا يؤول إلى التناقض فإن اللصين عند متى كافران وعند لوقا أحدهما مؤمن والآخر كافر، وأغفل هذه القصة مرقس ويوحنا، ومنه أن لوقا ذكر أنه قال يسوع: إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك نفوس الناس ولكن ليحيـى وخالفه أصحابه وقالوا بل قال: إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامة لكن سيفاً ويضرم فيها ناراً، ولا شك أن هذا تناقض، أحدهما: يقول جاء رحمة للعالمين، والآخر يقول: جاء نقمة على الخلائق أجمعين، ومن ذلك أن متى قال: قال يسوع للتلاميذ الإثني عشر: أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوساً على إثني عشر/ كرسياً تدينون إثني عشر سبط إسرائيل فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال: مضى واحد من التلاميذ الإثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع بثلاثين درهماً وجاء بالشرطي فسلم إليهم يسوع فقال يسوع: الويل له خير له أن لا يولد، ومنه أن متى أيضاً ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال: أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا: يصلب يصلب فلما رأى عزمهم وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماءاً وغسل يديه وقال: أنا برىء من دم هذا الصديق وأنتم أبصر، وأكذب يوحنا ذلك فقال: لما حمل يسوع إليه قال لليهود: ما تريدون؟ قالوا: يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم ومتأخريهم.شعر : وإذا كان في الأنابيب حيف وقع الطيش في صدور الصعاد تفسير : ويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى سبحان الله هذا من العجب العجاب؟!.
ابن عاشور
تفسير : أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة، وليست كذلك، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة، كقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن، أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن، فاللَّيُّ مجمل، ولكنه مبين بقوله: {لتحسبوه من الكتاب} وقولِه: {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله}. واللَّيُّ في الأصل: الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوْب الذي هو ممتدّ إليه: فمن ذلك ليّ الحَبْل، وليّ العنان للفَرس لإدارته إلى جهة غير صوب سَيره، ومنه لَيّ العنق، وليّ الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال تعالى: {أية : لووا رؤوسهم}تفسير : [المنافقون: 5]. واللّي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى، وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم «راعنا» وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي: «السامُ عليكم» أي الموت أو «السِّلام ــــــ بكسر السين ــــــ عليك» وهذا اللّي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف. والظاهر أنّ الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بينَ بينَ ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد، وقد كانت لهم مقدرة ومِراس في هذا. وقريب من هذا ما ذكره المبرّد في الكامل أنّ بعض الأزارقة أعاد بيت عُمر ابن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس شعر : رَأتْ رجلاً أما إذا الشمس عَارَضت فيضْحَى وأما بالعشي فيخصر تفسير : فجعل يضحى يَحْزَى وجعل يَخصر يخسر بالسين لِيشوّه المعنى لأنه غضب من إقبال ابن عباس على سماع شعره. وفي الأحاجي والألغاز كثير من هذا كقولهم: إنّ للاّهي إلهاً فوقَه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللاّهي يخالها السامع لله فيظنه كَفَر. أو لعلهم كانوا يقرؤون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو اللحون التي كانوا يقرؤون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرؤون التوراة. ويحتمل أن يكون اللّي هنا مجازَاً عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى الحجة أي ألقي بها على غير وجهها، وهو تحريف الكلم عن مواضعه: بالتأويلات الباطلة، والأقيسة الفاسدة، والموضوعات الكاذبة، وينسبون ذلك إلى الله، وأياماً كان فهذا اللَّيُّ يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض، حكما فعل ابن صوريا في إخفاء حكم رجم الزاني في التوراة وقوله: نحَمم وجهه. والمخاطب يتحسبوه المسلمون دون النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمسلمون في ظنّ اليهود. وجيء بالمضارع في هاته الأفعال: يلوون، ويَقُولون، للدلالة على تجدّد ذلك وأنه دأبهم. وتكرير الكتاب في الآية مرتين، واسم الجلالة أيضاً مرتين، لقصد الاهتمام بالاسمين، وذلك يجر إلى الاهتمام بالخبر المتعلق بهما، والمتعلقين به، قال المرزوقي في شرح الحماسة في باب الأدب عند قول يحيى بن زياد: شعر : لما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا تفسير : كان الواجب أن يقول: «قلت له مرحبا لكنهم يكرّرون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم» قلت ومنه قول الشاعر: شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء قهر الموت ذا الغنى والفقيرا تفسير : وقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى في سورة [البقرة: 282]: {أية : واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه واللَّه بكل شيء عليم}تفسير : . والقراءة المعروفة يلوون: بفتح التحية وسكون اللام وتخفيف الواو مضارع لوى، وذكر ابن عطيّة أنّ أبا جعفر قرأه: يُلَوون بضم ففتح فواو مشدّدة مضارع لوّى بوزن فعل للمبالغة ولم أر نسبة هذه القراءة إلى أبي جعفر في كتب القراءات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإن منهم لفريقاً: طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة النبويّة. يلوون ألسنتهم: يحرفون ألسنتهم بالكلام كأنهم يقرأون الكتاب. وما هو من الكتاب: وليس هو من الكتاب. ويقولون على الله الكذب: أي يكذبون على الله لأغراض ماديّة. معنى الآية: ما زال السياق في اليهود وبيان فضائحهم فأخبر تعالى أن طائفة منهم يلوون ألسنتهم بمعنى يحرفون نطقهم بالكلام تمويهاً على السامعين كأنهم يقرأون التوراة وما أنزل الله فيها، وليس هو من الكتاب المنزل في شيء بل هو الكذب البَحْت، ويقولون لكم إنه من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب لأجل الحفاظ على الحطام الخسيس والرئاسة الكاذبة. هداية الآية من هداية الآية: 1- بيان مكر اليهود وتضليلهم للناس وخداعهم لهم باسم الدين والعلم. 2- جرأة اليهود على الكذب على الناس وعلى الله مع علمهم بأنهم يكذبون وهو قبح أشدّ وظلم أعظم. 3- التحذير للمسلم من سلوك اليهود في التضليل والقول على الله والرسول لأجل الأغراض الدنيويّة الفاسدة.
القطان
تفسير : يلوون ألسنتهم: يفتلونها ليميلوها ويحرفوا كلام الله. بين الله في هذه الآية حال طائفة ثالثة من أهل الكتاب يحرّفون كتابهم ويقولون عن التحريف إنه من كلام الله، بينما هو من عندهم لا من عند الله. انهم كاذبون فيما يقولون مفترون. وكان من هؤلاء بعض علماء اليهود مثل كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحُييّ بن أخطب، وكان كعب هذا من أشد الناس عداوة للنبي عليه الصلاة والسلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَلْوُونَ} {بِٱلْكِتَابِ} (78) - يُخْبِّرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أنَّ فَرِيقاً مِنَ اليَهُودِ (مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَأضْرَابِهِمَا) يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيَتَأوَّلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَهُمْ يَنْسُبُونَهُ إلى اللهِ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ إنهم لَكَاذِبُونَ. ليُّ اللِّسَانِ بِالكِتَابِ - فَتْلُهُ لِلْكَلاَمِ، أوْ تَحْرِيفُهُ بِصَرْفِهِ عَنْ مَعْنَاهُ إلى مَعْنىً آخَرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أنهم يلوون ألسنتهم بالكلام الصادر من الله ليحرفوه عن معانيه، أو يَلْوُون ألسنتهم عندما يريدون التعبير عن المعاني. و"اللي" هو الفتل، فنحن عندما نفتل حبلاً، نحاول أن نجدل بين فرعين اثنين من الخيوط، ثم نفتلهم معاً لنصنع حبلاً، والهدف من الفتل هو أن نضع قوة من شعيرات الخيوط، فهذه الشعيرات لها قوة محدودة، وعندما نفتل هذه الخيوط فإننا نزيد من قوة الخيوط بجدلها معاً. إذن فالفتل المراد به الوصول إلى قوة، وهكذا نرى أنهم يلوون ألسنتهم بكلام يدعون أنه من المنهج المنزل من عند الله، وهذا الكلام ليس من المنهج ولم ينزل من عند الله إنّهم يفعلون ذلك لتقوية مركزهم والتنقيص من مكانة الإسلام والطعن في الرسول كما قالوا من قبل: "راعنا"، لذلك قال الحق مخاطباً المؤمنين: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 104]. إن الحق يوضح لنا ألا نعطي لهم فرصة لتحريف كلام الله، فهو سبحانه القائل: {أية : مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 46]. لقد فضحهم - الحق سبحانه - لنا، وهم يحرفون الكلام عن موضعه، فقد قال الحق هذا القول بمعنى: أن الذي تسمعه لا يضرك لقد سجل الله عليهم أنهم قالوا سمعنا وعصينا كما قاموا بتحريف الكلمة وقالوا: "اسمع غير مسمع" أي "لا سمعت أبداً"، تماماً كما أخذوا من قبل قول الله: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ ..}تفسير : [الأعراف: 161]. وحرفوا هذا القول: "وقولوا حطة"، وهم قد فعلوا ذلك حتى نحسب هذا التحريف من الكتاب، وما هو من الكتاب، أي أنهم يفتلون بعضاً من المعاني المستنبطة من الكلمات حتى يوهموا المؤمنين بأن هذه المعاني غير المرادة وغير الصحيحة هي معان مرادة لله، وصحيحة المعنى، إنهم يدعون على المنهج المنزل من السماء ما ليس فيه، ولذلك قال سبحانه: {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] إنهم عندما يلوون ألسنتهم بالكتاب يحرفونه رغبة في التلبيس والتدليس عليكم لتظنوا أنه من الكتاب المنزل من عند الله على رسولهم، إنهم لو فعلوا ذلك فحسب لجاز أن يتوبوا ويرجعوا إلى ربهم ويندموا على ما فعلوا. أما قولهم بعد ذلك: {هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 78] فهو دليل على أنهم أحدثوا في الكتاب شيئاً وأصروا عليه فجاءوا بقولهم: {هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 78] لينفوا عن أنفسهم شبهة أن يُدعى عليهم أنهم حرفوا الكتاب، ولو لم يكونوا قد حرفوا الكتاب أكانت تخطر ببالهم، هذه؟ إن أمرهم جاء من باب (يكاد المريب أن يقول خذوني) إنهم بهذا القول يحتالون على إخفاء أمر حدث منهم. إن الحق - سبحانه - يؤكد أن الخيانة تلاحقهم فيقول: (وما هو من عند الله)، فهذه الآية الكريمة تفضحهم وتكشف تحريفهم لكتاب الله، يقول سبحانه: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] إنهم يعرفون أن ما يقولونه هو الكذب، والكذب كما عرفنا هو أن تكون النسبة الكلامية غير مطابقة للواقع، فالنسب في الأحداث تأتي على ثلاث حالات: نسبة واقعة. نسبة يفكر فيها وهي نسبة ذهنية. نسبة ينطق بها. فعندما نعرف إنساناً اسمه محمد، وهو مجتهد بالفعل فهذه نسبة واقعة وإذا خطر ببالك أن تخبر صديقاً لك باجتهاد محمد فهذا الخاطر نسبة ذهنية. وساعة تنطق بهذا الخبر لصديق لك صارت النسبة كلامية. والصدق هو أن تكون النسبة الكلامية لها واقع متسق معها كأن يقول: "محمد مجتهد" ويكون هناك بالفعل من اسمه محمد وهو مجتهد بالفعل، وبهذا تكون أنت الناطق بخبر اجتهاد محمد إنساناً صادقاً، أما إن لم يكن هناك من اسمه محمد ومجتهد فالنسبة الكلامية لا تتفق مع النسبة الواقعية، لذلك يصير الخبر كاذباً. والعلماء يفرقون بين الصدق والكذب بهذا المعيار. فالصدق: هو مطابقة الكلام للواقع، والكذب: هو عدم مطابقة الكلام للواقع. وحاول بعض من الذين يحبون التشكيك أن يقفوا عند سورة المنافقين التي يقول فيها الحق: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1]. لقد قال المنافقون: نشهد إنك لرسول الله، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول من عند الله بالفعل، والحق سبحانه يقول: "والله يعلم إنك لرسوله" فهل علمهم كعلم الله؟ لا، لأن الله سبحانه قال: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون"، فكيف يصفهم الحق بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا بما شهد هو به؟ إن الحق لا يكذبهم في أن محمداً رسول الله فهذه قضية صادقة، ولكن سبحانه قد كذبهم في قضية قالوها وهي: "نشهد"، لأن قولهم: "نشهد" تعني أن يوافق الكلام المنطوق ما يعتقدونه في قلوبهم، وقولهم: "نشهد" هو قول لا يتفق مع ما في قلوبهم، ولذلك صاروا كذابين، فلسان كل منهم لا يوافق ما في قلبه. إذن فقوله الحق: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]، أي إنهم يقولون كلاماً ليس له نسبة خارجية تطابقه، وهم يعلمون أنه كذب، حتى لا نقول: إنهم نطقوا بذلك غفلة، لقد تعمدوا الكذب، وهم يعرفون أنهم يقولون الكذب. والدقة تقتضي أننا يجب أن نفرق بين صدق الخبر، وصدق المخبر. صدق الخبر هو أن يطابق الواقع لكن أحياناً يكون المخبر صادقاً، والخبر في ذاته كذب، كأن يقول واحد: "إن فلاناً يستذكر طول الليل" لأنه شاهد حجرة فلان مضاءة وأنه يفتح كتاباً، بينما يكون هذا الفلان غارقاً في قراءة رواية ما، إن المخبر الصادق في هذه الحالة، لكن الخبر كاذب. ولكن في مجال الآية نحن نجد أنهم كاذبون عن عمد، فاللسان هو وسيلة بيان ما في النفس: شعر : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً تفسير : ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} معناهُ يُقَلِبُونَها ويُحْرِّفُونها.
الجيلاني
تفسير : {وَإِنَّ مِنْهُمْ} لغاية بغضهم وعداوتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم {لَفَرِيقاً} جماعة وفئة من المحرفين الذين يحرفون اسمه ونعته في التوراة، يقصدون تشهير المحرف وترويجه على ضعفاء العوام، إضلالاً لهم حيث {يَلْوُونَ} يطلقون {أَلْسِنَتَهُمْ} بالمحرف إطلاقهم {بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ} أي: ليظن السامعون أنه {مِنَ ٱلْكِتَابِ وَ} الحال أنه {مَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} المنزل لا نصاً ولا أخذاً ولا تأويلاً {وَ} مع ذلك يفترون {يَقُولُونَ هُوَ} المحرَّف منزل {مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَ} الحال أنه {مَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} بل من تسويلات نفوسهم الخبيثة، والباعث عليها أهويتهم الباطلة من حب الجاه والرئاسة {وَ} لترويج {يَقُولُونَ} فيه ينسبون {عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} افتراء {وَهُمْ} في ضمائرهم وبواطنهم {يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] يقيناً أنه فرية صدرت عنهم؛ مكابرة وعناداً. ومع ادعائهم الإيمان والتوحيد والكتاب والرسل، وحصرهم الدين والشريعة على دينهم وشروعهم، لم يتفطنوا ولم يعلموا أن البشر و إن أُرسل وأُنزل وخُصص بفضائل جليلة وخصائل جميلة، لكن لا ينسلخ عن لوازم البشرية مطلقاً، حتى يتصف بالألوهية، بل لا يزال البعد عبداً والرب رباً. غاية ما في الباب أن الأشخاص البشرية في التجريد عن لوازمها تتفاوت، فمن كان تجريده أكثر كان إلى الله أقرب، وإلى الفناء أميل، وإلى البقاء أشوق، وإلا فالسلوك لا ينقطع أبد الآبدين، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: "حديث : ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي"تفسير : ما للعباد ورب الأرباب، فعيسى - صلوات الرحمن عليه - وإن ارتفع قدره وعلت رتبته عند الله، وأظهر بنصر الله خوارق خلت عنها الأنبياء - عليهم السلام - لكن لا ينسلخ عن لوازم البشرية مطلقاً، وهم يدعون انسلاخه ويعبدونه كعبادته سبحانه وتعالى، وينسبونه إلى الله بالنبوة - والعياذ بالله - وما قدروا الله حق قدره. لذلك رد الله عليهم على سبيل التنبيه والتعليم بقوله: {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِبَشَرٍ} خصَّه لرسالته ونيابته {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ} ينزله {ٱلْكِتَٰبَ} المبين له الشرائع {وَٱلْحُكْمَ} المحفوظ فيها، المتعلق بأحوال العباد في معاشهم {وَٱلنُّبُوَّةَ} المقتبسة منها، المتعلقة بأحوالهم في معادهم {ثُمَّ} بعدما اصطفاه الله واختاره بالتشريف الأتم الأكمل {يَقُولَ لِلنَّاسِ} المرسل إليهم تجبراً واستكباراً: { كُونُواْ عِبَاداً لِّي} اعبدوني عبادة خاصة {مِن دُونِ} عبادة {ٱللَّهِ} وما هي إلا شرك غليظ، كيف صدر أمثال هذه الهذيانات من مشكاة النبوة، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً {وَلَـٰكِن} قولهم وأمرهم عليهم هو كذا: {كُونُواْ} أيها الموحدون {رَبَّـٰنِيِّينَ} مخلصين، ولا تكونوا شياطنيين مشركين {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ} أي: تعلمون أنتم من {ٱلْكِتَٰبَ} من أمور دينكم {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] تعلمونه لغيركم من تلامذتكم، وما يأمر ويوحي الأنبياء إلا مثل هذا. {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} نبيكم إضلالاً لكم مع كونه هداياً {أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ} المرسلين لكم من عد الله بوسيلة الملائكة {أَرْبَاباً} آلهة موجودين أصالة غير الله {أَيَأْمُرُكُم} أتظنون أن يأمركم النبي المرسل لهدايتكم إلى طريق التوحيد {بِٱلْكُفْرِ} بالشرك {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] موحدون برسالته، أفلا تعقلون؟.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن من أهل الكتاب فريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي: يميلونه ويحرفونه عن المقصود به، وهذا يشمل اللي والتحريف لألفاظه ومعانيه، وذلك أن المقصود من الكتاب حفظ ألفاظه وعدم تغييرها، وفهم المراد منها وإفهامه، وهؤلاء عكسوا القضية وأفهموا غير المراد من الكتاب، إما تعريضا وإما تصريحا، فالتعريض في قوله { لتحسبوه من الكتاب } أي: يلوون ألسنتهم ويوهمونكم أنه هو المراد من كتاب الله، وليس هو المراد، والتصريح في قولهم: { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):