Verse. 372 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

مَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّؤْتِيَہُ اللہُ الْكِتٰبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّۃَ ثُمَّ يَقُوْلَ لِلنَّاسِ كُوْنُوْا عِبَادًا لِّيْ مِنْ دُوْنِ اللہِ وَلٰكِنْ كُوْنُوْا رَبّٰـنِيّٖنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُوْنَ الْكِتٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَ۝۷۹ۙ
Ma kana libasharin an yutiyahu Allahu alkitaba waalhukma waalnnubuwwata thumma yaqoola lilnnasi koonoo AAibadan lee min dooni Allahi walakin koonoo rabbaniyyeena bima kuntum tuAAallimoona alkitaba wabima kuntum tadrusoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قال نصارى نجران إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا ولما طلب بعض المسلمين السجود له صلى الله عليه وسلم «ما كان» ينبغي «لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم» أي الفهم للشريعة «والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن» يقول «كونوا ربانيين» علماء عاملين منسوبين إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما «بما كنتم تَعْلمُونَ» بالتخفيف والتشديد «الكتاب وبما كنتم تدرسون» أي بسبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا.

79

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلٰهية، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ } الآية، وههنا مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجوه الأول: قال ابن عباس: لما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله نزلت هذه الآية الثاني: قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني؛ ولا بذلك أمرني» تفسير : فنزلت هذه الآية الثالث: قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» تفسير : الرابع: أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه، فالله تعالى قال لهم: إن كان الأمر كما قلتم، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لي مِن دُونِ ٱللَّهِ } مثل قوله {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31]. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } على وجوه الأول: قال الأصم: معناه، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الحاقه: 44، 45] قال: {أية : لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } تفسير : [الإسراء: 74، 75] الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلٰهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة، كما قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته } تفسير : [الأنعام: 124] وقال: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الدخان: 32] وقال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الحج: 75] والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى، ومنها أن إيتاء النبوّة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى، وبالجملة فللإنسان قوتان: نظرية وعملية، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوّة، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد، الثالث: أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوّة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع: أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً، وذلك غير جائز، واعلم أنه ليس المراد من قوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ } ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوّة، وأيضاً لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم: اتخذوني إلٰهاً من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه، ونظيره قوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] على سبيل النفي لذلك عن نفسه، لا على وجه التحريم والحظر، وكذا قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } تفسير : [آل عمران: 161] والمراد النفي لا النهي والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ } إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتب في غاية الحسن، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم، قال تعالى: {أية : وآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم: 12] يعني العلم والفهم، ثم إذا حصل فهم الكتاب، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوّة فما أحسن هذا الترتيب. ثم قال تعالى: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القراءة الظاهرة، ثم يقول بنصب اللام، وروي عن أبي عمرو برفعها، أما النصب فعلى تقدير: لا تجتمع النبوّة وهذا القول، والعامل فيه (أن) وهو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى الاستئناف. المسألة الثانية: حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: {كُونُواْ عِبَادًا لّى } إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً. ثم قال: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية إضمار، والتقدير: ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] أي فيقال لهم ذلك. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير (الرباني) أقوالاً الأول: قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يقال: رجل إلٰهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإلٰه وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة، كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني: قال المبرّد {ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ } أرباب العلم وأحدهم رباني، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي: يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان وعريان، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل: لحياني ورقباني قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني: منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته، وعلى قول المبرد {الرباني} مأخوذ من التربية الثالث: قال ابن زيد: الرباني. هو الذي يرب الناس، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء، وذكر هذا أيضاً في قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ } تفسير : [المائدة: 63] أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته، قال القفال رحمه الله: ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانياً، لأنه يطاع كالرب تعالى، فنسب إليه الرابع: قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية، أو سريانية، وسواء كانت عربية أو عبرانية، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم، واشتغل بتعليم طرق الخير. ثم قال تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } قراءتان إحداهما: {تَعْلَمُونَ } من العلم، وهي قراءة عبد الله بن كثير، وأبي عمرو، ونافع والثانية: {تَعْلَمُونَ } من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول: أنه قال: {تَدْرُسُونَ } ولم يقل {تَدْرُسُونَ } بالتشديد الثاني: أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هٰهنا واحد، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره: بما كنتم تعلمون الناس الكتاب، أو غيركم الكتاب وحذف، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيراً، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول: أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني: أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125] ويدل عليه قول مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن. المسألة الثانية: نقل ابن جِنيّ في «المحتسب»، عن أبي حـيوة أنه قرأ {تدرسون } بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء، قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا منقولاً من درس هو، أو درس غيره، وكذلك قرأ وأقرأ غيره، وأكثر العرب على درس ودرس، وعليه جاء المصدر على التدريس. المسألة الثالثة: (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب، ومثل هذا من كون (ما) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 51] وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً والسبب لا محالة مغاير للمسبب، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً، أمراً مغايراً لكونه عالماً، ومعلماً، ومواظباً على الدراسة، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله، وتعليمه ودراسته لله، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته، وحاصل الحرف شيء واحد، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه. وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته. المسألة الرابعة: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع».تفسير : ثم قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة وابن عامر {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على {ثُمَّ يَقُولُ } وفيه وجهان أحدهما: أن تجعل {لا } مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل {لا } غير مزيدة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ {وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ }. المسألة الثانية: قال الزجاج: ولا يأمركم الله، وقال ابن جُرَيْج: لا يأمركم محمد، وقيل: لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش. المسألة الثالثة: إنما خص الملائكة والنبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر. ثم قال تعالى: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } وفيه ومسائل: المسألة الأولى: الهمزة في {أَيَأْمُرُكُم } استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يفعل ذلك. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قوله {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له. المسألة الثالثة: قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول: الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء، وهو قوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ } ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به. والجواب: أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته.

القرطبي

تفسير : {مَا كَانَ} معناه ما ينبغي؛ كما قال: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} تفسير : [النساء: 92] و {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} تفسير : [مريم: 35]. و {أية : مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا}تفسير : [النور: 16] يعني ما ينبغي. والبشر يقع للواحد والجمع لأنه بمنزلة المصدر؛ والمراد به هنا عيسى في قول الضحّاك والسُّدّي. والكتاب: القرآن. والحكم: العلم والفهم. وقيل أيضاً: الأحكام. أي إن الله لا يصطفي لنبوّته الكَذَبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوّة وعلاماتها. ونصب «ثم يقولَ» على الاشتراك بين «أن يؤتيه» وبين «يقول» أي لا يجتمع لنبيّ إتيان النبوّة وقوله: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ}. {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} أي ولكن جائز أن يكون النبيّ يقول لهم كونوا ربّانيّين. وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نَجْران. وكذلك رُوي أن السورة كلها إلى قوله: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 121] كان سبب نزولها نصارى نَجْران ولكن مُزِج معهم اليهود؛ لأنهم فعلوا من الجَحْد والعِناد فِعلَهم. والربَّانِيُّون واحِدهم ربّانِيّ منسوب إلى الرَّبّ. والربّانِيّ الذي يُرَبّي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأُمور؛ رُوي معناه عن ٱبن عباس. قال بعضهم: كان في الأصل رَبِّيّ فأدخلت الألف والنون للمبالغة؛ كما يقال للعظيم اللحية؛ لِحْيَانِيّ ولعظيم الجُمّة جُمّاني ولغليظ الرَّقبَة رَقَبانيّ. وقال المبرّد: الربّانيون أرباب العلم، واحدهم ربّان، من قولهم: رَبَّه يَرُبّه فهو رَبّان إذا دَبّره وأصلحه؛ فمعناه على هذا يدبّرون أمور الناس ويصلحونها. والألف والنون للمبالغة كما قالوا رَيّان وعطشان، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل: لِحيّانيّ ورَقَبانيّ وجمّانيّ. قال الشاعر:شعر : لو كنتُ مُرتَهناً في الجَوِّ أنزلني منه الحديث وربَّانيُّ أحباري تفسير : فمعنى الربّانِيّ العالم بدين الربّ الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة: وقال أبو رزين: الربانيّ هو العالم الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زِرٍّ عن عبد الله بن مسعود «ولكن كونوا ربّانيين» قال: حكماء علماء. ٱبن جُبير: حكماء أتقياء. وقال الضحاك: لا ينبغى لأحد أن يدع حفظ القرآن جُهدَه فإن الله تعالى يقول: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}. وقال ٱبن زيد: الربانيُّون الولاة، والأحبار العلماء. وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار. قال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن الأحبار هم العلماء. والربانيّ الذي يجمع إلى العلم البصَر بالسياسة؛ مأخوذ من قول العرب: رَبّ أمرَ الناس يَرُبّه إذا أصلحه وقام به، فهو رابُّ وربّانِيّ على التكثير. قال أبو عبيدة: سمعت عالماً يقول: الربانيّ العالمُ بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارفُ بأنباء الأمّة وما كان وما يكون. وقال محمد بن الحنفِيّة يوم مات ٱبنُ عباس: اليومَ مات ربانِيُّ هذه الأُمّة. ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حرّ ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حقّ أن يتعلم من القرآن ويتفقّه في دينه ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّين}»تفسير : الآية. رواه ٱبن عباس. قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} قرأه أبو عمرو وأهل المدينة بالتخفيف من العلم. وٱختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها «تَدْرُسُون» ولم يقل «تُدَرّسون» بالتشديد من التدريس. وقرأ ٱبن عامر وأهل الكوفة «تُعلّمون» بالتشديد من التعليم؛ وٱختارها أبو عبيد. قال لأنها تجمع المعنيين «تَعْلَمون، وتدرسون». قال مَكّيّ: التشديد أبلغ؛ لأن كل معلِّم عالمٌ بمعنى يَعْلم وليس كل من عِلِم شيئاً مُعَلِّماً، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره أبلغ في الذم. ٱحتج من رجح قراءة التخفيف بقول ٱبن مسعود «كونوا ربانيين» قال: حكماء علماء؛ فيبعد أن يقال كونوا فقهاء حكماء علماء بتعليمكم. قال الحسن، كونوا حكماء علماء بعلمكم. وقرأ أبو حَيْوَة «تُدرِسون» من أدرس يُدرس. وقرأ مجاهد «تَعلّمون» بفتح التاء وتشديد اللام، أي تتعلمون.

ابن كثير

تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام، قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله في ذلك من قولهما: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} إلى قوله {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} فقوله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضاً، يعني: أهل الكتاب، كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31] الآية، وفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم، قال: «حديث : بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» تفسير : فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين؛ فإنهم إنما يأمرون بما يأمر الله به، وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه، وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق. وقوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي: حكماء علماء حلماء، وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي والربيع بن أنس، وعن الحسن أيضاً: يعني أهل عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً {تَعْلَمُونَ} أي تفهمون معناه، وقرىء "تُعَلِّمُونَ" بالتشديد من التعليم {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} تحفظون ألفاظه، ثم قال الله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] الآية، وقال: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45] وقال إخباراً عن الملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 29].

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قال نصارى نجران إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربًّا، ولما طلب بعض المسلمين السجود له صلى الله عليه وسلم: {مَا كَانَ } ينبغي {لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ } أي الفهم للشريعة {وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن } يقول {كُونُواْ رَبَّٰنِيّينَ } علماء عاملين منسوبين إلى (الربّ) بزيادة ألف ونون تفخيماً {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ } بالتخفيف والتشديد[تعلّمون] {ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } أي بسبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا.

الشوكاني

تفسير : أي: ما كان ينبغي، ولا يستقيم لبشر أن يقول هذه المقالة، وهو متصف بتلك الصفة. وفيه بيان من الله سبحانه لعباده أن النصارى افتروا على عيسى عليه السلام ما لم يصح عنه، ولا ينبغي أن يقوله. والحكم: الفهم والعلم. قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ } أي: ولكن يقول النبي كونوا ربانيين. والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف، والنون للمبالغة، كما يقال لعظيم اللحية لحياني، ولعظيم الجمة جماني، ولغليظ الرقبة رقباني، قيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، فكأنه يقتدي بالربّ سبحانه في تيسير الأمور. وقال المبرد: الربانيون: أرباب العلم، واحدهم رباني، من قوله: ربه يربه، فهو ربان: إذا دبره، وأصلحه، والياء للنسب، فمعنى الرباني: العالم بدين الربّ القويّ التمسك بطاعة الله. وقيل العالم الحكيم. قوله: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ } أي بسبب كونكم عالمين، أي: كونوا ربانيين بهذا السبب، فإن حصول العلم للإنسان، والدراسة له يتسبب عنهما الربانية التي هي التعليم للعلم، وقوّة التمسك بطاعة الله. وقرأ ابن عباس، وأهل الكوفة: «بما كنتم تعلمون» بالتشديد. وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. قال: لأنها لجمع المعنيين. قال مكي: التشديد أبلغ؛ لأن العالم قد يكون عالماً غير معلم، فالتشديد يدل على العلم، والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط. واختار القراءة الثانية أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها {تدرسون} بالتخفيف دون التشديد. انتهى. والحاصل أن من قرأ بالتشديد لزمه أن يحمل الرباني على أمر زائد على العلم، والتعليم، وهو أن يكون مع ذلك مخلصاً، أو حكيماً، أو حليماً حتى تظهر السببية، ومن قرأ بالتخفيف جاز له أن يحمل الرباني على العالم الذي يعلم الناس، فيكون المعنى كونوا معلمين بسبب كونكم علماء، وبسبب كونكم تدرسون العلم. وفي هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وإن من أعظم العمل بالعلم تعليمه، والإخلاص لله سبحانه. قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا } بالنصب عطفاً على {ثم يقول} «ولا» مزيدة لتأكيد النفي، أي: ليس له أن يأمر بعبادة نفسه، ولا يأمر باتخاذ الملائكة، والنبيين أرباباً بل ينتهي عنه، ويجوز عطفه على أن يؤتيه، أي: ما كان لبشر أن يأمركم بأن تتخذوا الملائكة، والنبيين أرباباً، وبالنصب قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف، والقطع من الكلام الأوّل، أي: ولا يأمركم الله أن تتخذوا الملائكة، والنبيين أرباباً، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود، "ولن يأمركم". والهمز في قوله: {أَيَأْمُرُكُم } لإنكار ما نفي عن البشر. وقوله: {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } استدل به من قال: إن سبب نزول الآية استئذان من استأذن النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين في أن يسجدوا له. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني، تفسير : فأنزل الله في ذلك: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ } الآية». وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن قال: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك، كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: حديث : لا ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، تفسير : فأنزل الله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ } الآية». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {رَبَّـٰنِيّينَ } قال: فقهاء علماء. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: حكماء علماء حلماء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: علماء فقهاء. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود قال: حكماء علماء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي رزين في قوله: {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } قال: مذاكرة الفقه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة} قال: ولا يأمرهم النبي.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} قالت طائفة من اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى؟ فنزلت {رَبَّانِيِّينَ} فقهاء علماء، أو حكماء أتقياء، أو الولاة الذين يربون أمور الناس، أخذ الرباني ممن يرب الأمور بتدبيره ولذلك قيل للعالم رباني، لأنه يدبر الأمور بعلمه، أو الرباني مضاف إلى علم الرب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ...} الآية: معناه: النفْيُ التامُّ؛ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوَّة للكَذَبَةِ والمدَّعِينَ، و {ٱلْكِتَـٰبِ} هنا اسم جنس، و {ٱلْحُكْمُ}: بمعنى الحكمةِ؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً»تفسير : وقال الفَخْر. هنا ٱتفَق أهْلُ اللغة والتفْسير علَىٰ أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم:12] يعني: العلم والفهم. اهـــ. «وثُمَّ»: في قوله: {ثُمَّ يَقُولُ}: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: {عِبَاداً}: جمع «عَبْدٍ»، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى. قال * ع *: والذي أستقْرَيْتُ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العَبِيدُ، فيستعمل في التحْقِيرِ. قال * ص *: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى»: اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ. اهـــ. قلتُ: وقوله تعالى: {أية : أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَـؤُلاَءِ } تفسير : [الفرقان:17] ونحوه يوضِّحه. اهـــ. ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: ٱعْبُدُونِي، وٱجعلونِي إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلَىٰ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، والآية رادَّة على النصارَىٰ، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين: بل الإشارةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ ٱجتمعَتِ الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نَصَارَىٰ نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النَّصَارَىٰ عِيسَىٰ، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نَصَارَىٰ نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَعَاذَ اللَّهِ! مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ»تفسير : ، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أنْ تُلْزِمَ هذا القوْلَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} تفسير : [آل عمران:31] وإنَّما معنى الآيةِ: فَٱتبعونِي فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى: المَسِيحُ ٱبْنُ اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ٱبْنُ اللَّه وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ»تفسير : . قيلَ: وقوله تعالَىٰ: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} يقوِّي هذا التأويل. اهـــ. وقوله تعالَىٰ: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} الآيةَ: المعنَىٰ: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ؛ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ؛ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وَرَبَّىٰ، والنُّون أيضاً زائدة؛ كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ. قال * ع *: فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: {بِمَا كُنتُمْ}: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، فـــ «مَا»: مصدريةٌ، وأسند أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب «فَضْلِ العِلْمِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [حديث : العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (عزَّ وجَلَّ) على ٱبْنِ آدَمَ]تفسير : ، ومِنْ حديثِ ٱبْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ»تفسير : . اهـــ. وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ»؛ بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره. وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ»؛ برفع الراء: على القَطْع؛ قال سِيبَوَيْهِ: المَعْنَىٰ لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنَىٰ: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله: {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ}، المعنى: ولا له أنْ يأمركم؛ قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ؛ من أنَّها عطْفٌ على قوله: {ثُمَّ يَقُولُ}، والأربابُ؛ في هذه الآية: بمعنى الآلهة.

ابن عادل

تفسير : قال مقاتل والضَّحّاكُ {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} يعني عيسى - عليه السلام - وذلك أن نصارَى نجرانَ كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن [يتخذوه] ربًّا، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس وعطاء: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ} أي: القرآن وذلك أن أبا رافع القُرظِي - من اليهود، والرئيس - من نصارى نَجْران، قالا: "حديث : يا محمد، أتريد أن نعبدَك ونتخذك رباً؟ قَالَ: "مَعَاذَ اللهِ أنْ نَأمُرَ بِعبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللهُ، وَلاَ بِذَلِكَ أمَرَنِي اللهُ""تفسير : . فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباسٍ: لما قالت اليهودُ: عُزَيْر ابنُ الله وقالت النصارى: المسيح ابنُ اللهِ نزلت هذه الآية. والبشر جميع بني آدم، لا واحد له من لفظه - كالقوم والجيش - ويوضع موضع الواحدِ، والجمع، قال القرطبي: "لأنه بمنزلة المصدر". قوله: {أَن يُؤْتِيهُ} اسم "كَانَ" و "الْبَشَر" خبرها. وقوله: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} عطف على "يُؤتيهُ"، وهذا العطفُ لازم من حيث المعنى؛ إذ لو سكت عنه لم يصحّ المعنى؛ لأن الله - تعالى - قد آتى كثيراً من البشر الكتابَ والحُكْمَ والنبوةَ، وهذا كما يقولون - في بعض الأحوال والمفاعيل -: إنها لازمة فلا غرو - أيضاً - في لزوم المعطوف. وإنما بينا هذا؛ لأجل قراءة تأتي - إن شاء الله تعالى - ومعنى مجيء هذا النَّفي في كلام العرب، نحو: "ما كان لزيد أن يفعل"، كقوله تعالى: {أية : مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} تفسير : [النور: 16]. وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} تفسير : [النساء: 92] وقوله: {أية : مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} تفسير : [مريم: 35] أي: ما ينبغي لنا، ونحوه بنفي الكون والمراد نفي خبره، وهو على قسمين: قسم يكون النفي فيه من جهة العقل؛ ويُعَبَّر عنه بالنفي التام - كهذه الآية - لأن الله - تعالى - لا يُعْطي الكتاب بالحكم والنبوة لمن يقول هذه المقالة الشنعاء، ونحوه: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} تفسير : [النمل: 60] وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} تفسير : [آل عمران: 145]. وقسم يكون النفي فيه على سبيل الانتفاء، كقول أبي بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُعْرَف القسمان من السياق. وقرأ العامة "يَقُولَ" - بالنصب - نسقاً على "يؤتيه" والتقدير: لا يجتمع النبوة وهذا القول. والعامل فيه "أن" وهو معطوف عليه بمعنى: ثم أن يقول. والمراد بالحكم: الفَهْم والعلم. وقيل: إمضاء الحكم عن الله - عز وجل -. و {ٱلْكِتَابَ} القرآن. وقرأ ابن كثير - في رواية شبل بن عباد - وأبو عمرو - في رواية محبوب -: "يقولُ" - بالرفع - وخرَّجوها على القطع والاستئناف، وهو مُشْكِلٌ؛ لما تقدم من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف؛ إذْ لا يستقلّ ما قبله؛ لفساد المعنى، فكيف يقولون: على القطع والاستئناف. قوله: {عِبَادًا} حكى الواحديُّ - عن ابن عباسٍ - أنه قال في قوله تعالى: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي} أنه لغة مزينة ويقولون للعبيد: عباد. قال ابنُ عطِية: ومن جموعه: عَبِيد وعِبِدَّى. قال بعض اللغويين: هذه الجموع كلُّها بمعنًى. وقال بعضهم: العبادُ للهِ، والعبيدُ والعِبِدَّى للبشر. وقال بعضهم: العِبِدَّى إنما تقال في العبد من العَبيد، كأنه مبالغة تقتضي الإغراق في العبودية، والذي استقرأت في لفظ "العباد" أنه جَمْع عَبْد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفُّع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير، وتصغير الشأن، وانظر قوله: {أية : وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران: 30] {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26] وقوله: {أية : قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تفسير : [المائدة: 118]، وأما العبيد، فتستعمل في تحقيره. ومنه قول امرئ القيس: شعر : 1527- قُولاَ لِدُودَانَ عَبِيدِ العَصَا مَا غَرَّكُمْ بِالأسَدِ الْبَاسِلِ تفسير : وقال حمزة بن عبد المطلب: "وَهَلْ أنْتُمْ إلاَّ عَبِيدٌ لأبِي"؟ ومنه قوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة أنصارهم ومقدرتهم، وأنه - تعالى - ليس بظلامٍ لهم مع ذلك. ولما كانت "العباد" تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أتى بها في قوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] فهذا النوع من النظر يسلك به سبيل العجائب في فصاحة القرآن على الطريقة العربية. قال أبو حيّان: "وفيه بعض مناقشة، أما قوله: ومن جموعه عَبِيد وعِبِدَّى، فأما عبيد، فالأصح أنه جمع، وقيل اسم جمع. وأما عِبِدَّى فإنه اسم جمع، وألفه للتأنيث". قال شهابُ الدّينِ: "لا مناقشة، فإنه إنما يعني جَمْعاً معنويًّا، ولا شك أن اسمَ الجمع جَمْعٌ معنويٌّ". قال: وأما ما استقرأه من أن "عِباداً" يساق في [مضمار] الترفُّع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير، وإيراده ألفاظاً في القرآن بلفظ "العباد" وأما قوله: وأما العبيد، فيستعمل في تحقيره - وأنشد بيت امرئ القيس، وقول حمزة: "وهل أنتم إلا عبيد أبي"، وقوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] فاستقراء ليس بصحيح، إنما كثر استعمال "عباد" دون "عبيد" لأن "فعالاً" في جمع "فَعْل" غير الياء والعين قياس مُطَّردٌ، وجمع فَعْل على "فعيل" لا يطَّرد. قال سيبويه: "وربما جاء "فعيلاً" وهو قليل - نحو الكليب والعبيد". فلما كان "فِعَال" مقيساً في جمع "عبد" جاء "عباد" كثيراً، وأما {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] فحسَّنَ مجيئه هنا - وإن لم يكن مقيساً - أنه جاء لتواخي الفواصل، ألا ترى أن قبله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] وبعده {أية : قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} تفسير : [فصلت: 47] فحَسَّنَ مجيئه بلفظ العبيد مؤاخاة هاتين الفاصلتين. ونظير هذا - في سورة ق - {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق: 29] لأن قبله: {أية : وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} تفسير : [ق: 28]. وبعده: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30] وأما مدلوله فمدلول "عباد" سواء، وأما بيت امرئ القيس فلم يُفْهَم التحقير من لفظ "عبيد" إنما فُهم من إضافتهم إلى العصا، ومن مجموع البيت. وكذلك قول حمزةَ: هل أنتم إلا عبيد؟ إنما فهم التحقير من قرينة الحال التي كان عليها، وأتى في البيت وفي قول حمزة على أحد الجائزين. وقال شهابُ الدينِ: "رذه عليه استقراءه من غير إثباته ما يجرِّم الاستقراء مردود، وأما ادِّعاؤه أن التحقير مفهوم من السياق - دون لفظ - "عبيد" - ممنوع؛ لأنه إذا دار إحالة الحكم بين اللفظ وغيره، فالإحالة على اللفظ أوْلَى". قوله: "لي" صفة لـ "عباد". و {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق بلفظ "عِبَاداً" لما فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية، وأن يكون حالاً؛ لتخصُّص النكرة بالوصف. قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ} أي: ولكن يقول: كونوا، فلا بد من إضمار القول هنا، ومذهب العرب جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 106] أي: يقال لهم ذلك. والربانيون: جمع رَبَّانِيّ، وفيه قولان: أحدهما: قال سيبَوَيْهِ: إنه منسوب إلى الرَّبّ، يعني كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يُقال: رجل إلهيّ إذا كان مقبلاً على معرفة الإلهِ وطاعتِهِ، والألف والنونُ فيه زائدتان في النسبِ، دلالةٌ على المبالغة كرقباني وشَعراني، ولِحْيَاني - للغليظِ الرقبةِ، والكثيرِ الشعرِ، والطويلِ اللحيةِ - ولا تُفرد هذه الزيادة عن النسب أما إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية - من غير مبالغة: قالوا: رَقَبيّ وشَعْرِيّ ولحويّ. الثاني: قال المُبَرِّدُ: الربانيون: أرباب العلم، منسوب إلى رَبَّان، والربان: هو المُعَلِّم للخير، ومَن يوسوس للناس ويعرِّفُهم أمرَ دينهم، فالألف والنون والتاء على زيادة الوصف، كهي في عطشان وريان وجوعان ووسنان، ثم ضمت إليه ياء النسب - كما قيل: لحيانيّ ورقبانيّ - وتكون النسبة - على هذا - في الوصف نحو أحمري، قال: [الرجز] شعر : 1528- أطَرَباً وَأنتَ قِنَّسْرِيُّ وَالدَّهْرُ بِالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ تفسير : وقال سيبويه: زادوا ألفاً ونوناً في الربانيّ؛ لأنهم أرادوا تخصيصاً بعلم الرَّبِّ دون غيره من العلوم، وهذا كما يقال: شعرانيّ ولحيانيّ ورقبانيّ. قال الواحديُّ: فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الربِّ مأخوذٌ من التربية. وفي التفسير: كونوا فقهاء، علماء، عاملين. قاله عليٌّ وابن عباس والحسنُ. وقال قتادةُ: حكماء، علماء وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: فقهاء، معلمين. وقل عطاءٌ: علماء، حكماء، نصحاء لله في خلقه. وقيل: الرَّبَّانِيّ: الذي يُربِّي الناسَ بصغار العلم قَبل كِباره. وقال سعيد بن جُبَيرٍ: الرباني: العالم الذي يعمل بعلمه. وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبارُ: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة لسياسة الناس، ولما مات ابنُ عبَّاسٍ قال محمدُ بنُ الحنفيةَ: اليوم مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة. وقال ابنُ زيدٍ: الربانيُّ: هو الذي يربُّ النَّاسَ، والربانيون هم: ولاة الأمة والعلماء، وذكروا هذا - أيضاً - في قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} تفسير : [المائدة: 63] أي: الولاة والعلماء، وهما الفريقان اللذان يطاعان. ومعنى الآية - على هذا التقدير - لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى، ومواظبتكم على طاعته. قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي، سُمِّي ربانيًّا؛ لأنه يُطاع كالربِّ، فنسب إليه. قال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربيةٍ، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وسواء كانت عبرانية، أو سريانية، أو عربية فهي تدل على الإنسان الذي عَلِمَ وعَمِلَ بما عَلِم، ثم اشتغل بتعليم الخيرِ. قوله: {بِمَا كُنْتُمْ} الباء سببية، أي: كونوا علماء بسبب كَوْنِكُمْ، وفي متعلق هذه الباء ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنها متعلقة بـ "كُونُوا" ذكره أبو البقاء، والخلاف مشهورٌ. الثاني: أن تتعلق بـ "رَبَّانِيِّينَ" لأن فيه معنى الفعل. الثالث: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لـ "رَبَّانِيِّينَ" ذكره أبو البقاء، وليس بواضح المعنى، و "ما" مصدرية، فتكون مع الفعل بتأويل المصدر، أي: بسبب كونكم عالمينَ، نظيره قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ} تفسير : [الجاثية: 34]. وظاهر كلام أبي حيان أنه يجوز أن تكون غير ذلك؛ فإنه قال: و "ما" الظاهر أنها مصدرية، فهذا يوم تجويز غير ذلك - وفي جوازه بُعْد - وهو أن تكون موصولة، وحينئذ تحتاج إلى عائد وهو مقدر، أي بسبب الذي تعلمون به الكتاب، وقد نقص شرطٌ، وهو اتحاد المتعلَّق، فلذلك لم يظهر جعلها غير مصدرية. و "كُنْتُمْ" معناه "أنتم" كقوله: {أية : مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29] أي مَنْ هو في المهد. قوله: {تَعْلَمُونَ} قرأ نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو "تَعْلَمُونَ" مفتوح حرف المضارعة، ساكن العين مفتوح اللام من عَلِم يَعْلَم، أي: تعرفون، فيتعدى لواحدٍ، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة، وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى لاثنين، أولهما محذوف، تقديره: تُعَلِّمُونَ الناسَ والطالبين الكتاب. ويجوزُ أن لا يُراد مفعول، أي: كنتم من أهل التعليم، وهو نظير: أطعم الخبزَ، المقصود الأهم إطعام الخُبْز من غير نظرٍ إلى مَنْ يُطْعمُه، فالتضعيف فيه للتعدية. وقد رجح جماعة هذه القراءة على قراءة نافع، بأنها أبلغ؛ وذلك أن كل مُعَلِّم عالم، وليس كُلُّ عالمٍ معلماً، فالوصْف بالتعليم أبلغ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين، والرباني يقتضي أن يَعْلَم، ويُعَلَّمَ غيرَه، لا أن يقتصر بالعلم على نفسه. ورجح بعضُهم الأولى بأنه لم يُذْكَر إلا مفعول واحدٌ، والأصل عدم الحذف - والتخفيف مُسوَّغ لذلك، بخلاف التشديد، فإنه لا بدّ من تقدير مفعول. وأيضاً فهو أوفق لِـ "تَدْرُسُونَ". والقراءتان متواترتان، فلا ينبغي ترجيحُ إحداهما على الأخْرى. وقرأ الحسن ومجاهدٌ "تَعَلَّمُونَ" - بفتح التاء والعين، واللام مشددة - من تعلم، والأصل تتعلمون - بتاءين - فحُذِفَتْ إحداهما. قوله: {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} كالذي قبله، والعامة على "تَدْرُسُونَ" - بفتح التاء، وضم الراء - من الدرس، وهو مناسب "تَعْلَمُونَ" من علم - ثلاثياً. قال بعضهم: كان حق من يقرأ "تُعَلِّمون" - بالتشديد - أن يقرأ "تُدَرِّسُونَ" - بالتشديد وليس بلازمٍ؛ إذ المعنى: صرتم تُعَلِّمون غيرَكم، ثم تُدَرِّسُونَ، وبما كنتم تدرسون عليهم - أي: تتلونه عليهم، كقوله: {أية : لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 106]. قال أبو حَيْوَةَ - في إحدى الروايتين عنه - "تَدْرِسُونَ" - بكسر الراء - وهي لغة ضعيفة، يقال: دَرَس العلم يدرسه - بكسر العين في المضارع - وهما لغتان في مضارع "درس" وقرأ هو - أيضاً - في رواية "تُدَرِّسُونَ" من درَّس - بالتشديد - وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون التضعيف فيه للتكثير موافقاً لقراءة "تَعْلَمُونَ" بالتخفيف. الثاني: أن التضعيف للتعدية، ويكون المفعولان محذوفين؛ لفهم المعنى، والتقدير: تُدَرِّسُونَ غيركم العلم، أي: تحملونهم على الدرس. وقُرِئَ "تُدْرِسُونَ" من أدرس - كيكرمون من أكرم - على أن أفعل بمعنى فعل - بالتشديد - فأدرس ودرّس واحد كأكرم وكرّم، وأنزل ونزّل. والدرس: التكرار والإدمان على الشيء. ومنه: درس زيد الكتاب والقرآن، يدرُسه ويدرِسه، أي: كرر عليه، ويقال درست الكتاب، أي: تناولت أثره بالحفظ، ولما كان ذلك بمداومة القرآن عبر عن إدامة القرآن بالدرس. ودَرَس المنزلُ: ذهب أثرُه، وطلَلٌ عافٍ ودارس بمعنًى. قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بنصب "يَأمُرَكُمْ" والباقون بالرفع وأبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس، وهي قراءة واضحة، سهلة التخريج، والمعنى، وذلك أنها على القطع والاستئناف. أخبر تعالى - بأن ذلك الأمر لا يقع، والفاعل فيه احتمالان: أحدهما: هو ضمير الله - تعالى -. الثاني: هو ضمير الموصوف المتقدم. والمعنى: ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ولا يأمركم محمد أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً وقيل: لا يأمركم عيسى. وقيل: لا يأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرْباباً، كفعل قريش والصابئين - حيث قالوا في المسيح هو العزير. والمعنى على عوده على "بَشَر" أنه لا يقع من بشر موصوفٍ بما وُصِفَ به أن يَجْعَل نفسه ربًّا، فيُعْبَدَ، ولا يأمر - أيضاً - أن تُعْبَد الملائكةُ والنبيون من دون الله، فانتفى أن يدعوَ الناسَ إلى عبادة نفسه، وإلى عبادة غيره - والمعنى - على عَوْده على الله - تعالى - أنه تعالى أخْبَر أنه لم يَأمُرْ بذلك، فانتفى أمر الله وأمر أنبيائه بعبادة غيره تعالى. وأما قراءة النصب ففيها وجوهٌ: أحدها: قول أبي علي وغيره، وهو أن يكون المعنى: دلالة أن يأمركم، فقدروا "أن" مضمرة بعده وتكون "لا" مؤكِّدة لمعنى النفي السابق، كما تقول: ما كان من زيد إتيان ولا قيام وأنت تريد انتفاء كل واحد منهما عن زيد، فـ "لا" للتوكيد لمعنى النفي السابق، وبقي معنى الكلام: ما كان من زيد إتيان، ولا منه قيام. الثاني: أن يكون نصبه لنَسَقه على {أَن يُؤْتِيهُ} قال سيبويه: والمعنى: وما كان لبَشَرٍ أن يأمركم أن تتخِذُوا الملائكة. قال الواحديُّ: ويُقوي هذا الوجهَ ما ذكرنا من أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أتريد يا محمدُ أن نتخذَك رَبًّا؟ فنزلت. الثالث: أن يكون معطوفاً على "يَقُولُ" في قراءة العامة - قاله الطَّبَريُّ. قال ابن عطيةَ: "وهذا خَطأ لا يلتئم به المعنى"، ولم يبين أبو مُحَمدٍ وَجْهَ الخَطَأ" ولا عدم التآم المعنى. قال أبو حيّان: "وجه الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على "يَقُولَ" وجعل "لا" للنفي - على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد - فلا يمكن أن يُقَدَّر الناصب - وهو "أن" - إلا قبل "لا" النافية، وإذا قدرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي بـ "لا" مصدر منفي، فيصير المعنى: ما كان لبشر موصوف بما وُصِفَ به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً - وإذا لم يكن له انتفاء الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو خَطَأ بيِّن. أما إذا جعل "لا" لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خَطَأ، ولا عدم التئام المعنى؛ وذلك أنه يصير النفي مستحباً على المصدرين المقدَّرِ ثبوتهما، فينتفي قوله: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي} وينتفي أيضاً أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً. ويوضِّح هذا المعنى وَضْعُ "غير" موضع "لا" فإذا قلتَ: ما لزيد فقهٌ ولا نحوٌ. كانت "لا" لتأكيد النفي، وانتفى عنه الوَصْفان، ولو جعلت "لا" لتأسيس النفي كانت بمعنى "غير" فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه، وثبوت النحو له؛ إذ لو قلت: ما لزيد فقه غير نحو، كان في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلتَ: ما له غير نحو، ألا ترى أنك إذا قلت: جئت بلا زادٍ، كان المعنى: جئت بغير زاد وإذا قلت: ما جئت بغير زادٍ، معناه أنك جئت بزاد؛ لأن "لا" هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم التئامِ المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن يكون "لا" لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي بـ "لا" على المثبت الداخل عليه النفي نحو: ما أريد أن تجهل وألا تتعلم، تريد: ما أريد أن لا تتعلم". وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف "يَأمُرَكُم" على "يَقُولَ" وجوَّزَ في "لا" الداخلة عليه وجهين: أحدهما: أن يكون لتأسيس النفي. الثاني: أنها مزيدة لتأكيده، فقال: وقُرِئ {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} بالنصب؛ عطفاً على "ثُمَّ يَقُولَ" وفيه وجهان: أحدهما: أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ}. والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله تعالى، ويُنَصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً لهم، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، كقولك: ما كان لزيد أن أكرمه، ثم يهينني ولا يستخف بي. والثاني: أن يُجْعَل "لا" غير مزيدة، والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهَى قُرَيشاً عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادةِ عُزَيْرٍ والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربًّا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء. قال شهاب الدينِ: "وكلام الزمخشري صحيحٌ، ومعناه واضح على كلا تقديري كون "لا" لتأسيس النفي وتأكيده فكيف يَجْعَل الشيخُ كلامَ الطبريِّ فاسداً على أحد التقديرين - وهو كونها لتأسيس النفي فقد ظهر صحةُ كلام الطبريِّ بكلام الزمخشريِّ، وظهر أن رَدَّ ابنِ عطيةَ عليه مردودٌ". وقد رجح الناس قراءةَ الرفعِ على النصبِ. قال سيبويه: ولا يأمركم منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى ولا يأمركم الله. قال الواحدي: ومما يدل على الانقطاع من الأول قراءة عبد الله "وَلَنْ يَأمُرَكُمْ". وقال الفرّاءُ: فهذا دليل على انقطاعها من النسق، وأنها مُسْتأنفة، فلما وقعت "لا" موقع "لن" رفعت كما قال تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [البقرة: 119] وفي قراءة، عبد الله: ولن تُسْأل. قال الزمخشريُّ: والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، ويعضدُهَا قراءةُ عبد الله: "ولَنْ يَأمُرَكم" وقد تقدم أن الضمير في "يَأمُركُمْ" يجوز أن يعود على "الله" وأن يعود على البشر الموصوف بما تقدم والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو أعم من ذلك. وسواء قرئ برفع {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} و بنصبه إذا جعلناه معطوفاً على "يَقُولَ" فإن الضمير يعود على "بشر" لا غير، [ويؤيد هذا قولُ بعضهم: ووجه القراءة بالنصب أن يكون معطوفاً على الفعل المنصوب قبله، فيكون الضمير المرفوع لِـ "بشر" لا غير يعني بما قبله "ثُمَّ يَقُولَ". ولما ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضمير عائداً على "الله" تعالى ولم يذكر غير ذلك، فيحتمل أن يكون هو الأظهر عنده، ويُحْتَمَل أنه لا يجوز غيرُه، والأول أوْلَى. قال بعضهم: وفي الضمير المنصوب في "يَأمُرُكُمْ" - على كلتا القراءتين - خروج من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات، فكأنه توهم أنه لما تقدم في قوله ذكر النافي - في قوله: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} كان ينبغي أن يكون النظم ولا يأمرهم؛ جرياً على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداء خطابٍ، لا التفات فيه. قوله: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ} الهمزة للاستفهام بمعنى الإنكار، يعني أنه لا يفعل ذلك. قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} "بَعْدَ" متعلق بـ "يَأمُرُكُمْ" وبعد ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماضٍ وقد تقدّم أنه لا يضافُ إليه إلا الزمان، نحو حينئذٍ ويومئذٍ. و {أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} في محل خفض بالإضافة؛ لأن "إذْ" تضاف إلى الجملة مطلقاً. قال الزمخشريُّ: "بَعْدَ إذ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ" دليلٌ على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَسْجُدُوا له.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبداً للمنسوب إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله سبحانه وتعالى، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال: {ما كان} أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه {لبشر} أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما {أن يؤتيه الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {الكتاب والحكم} أي الحكمة المهيئة للحكم، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده {والنبوة} وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد {ثم} يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن {يقول للناس كونوا عباداً لي}. ولما كان ذلك قد يكون تجوزاً عن قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله: {من دون الله} أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها، فصح قطعاً انتقاؤه عنه. ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: {ولكن} أي يقول {كونوا ربانيين} أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات رباني هذه الأمة: {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له {وبما كنتم تدرسون *} فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق. ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {ولا يأمركم} أي ذلك البشر {أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة {الملائكة والنبيين} فضلاً عن غيرهم {أرباباً} أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك: {أيأمركم بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون *} أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى. ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة، والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: {لما} أي فقال لهم الله: لما {آتيتكم} وقراءة نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: {مصدق لما معكم} أي من ذلك الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه، فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إنّ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال: {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا أقررنا} أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين * فمن} أي فتسبب عنه أنه من {تولى} أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر. ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال: {بعد ذلك} أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة {فأولئك} أي البعداء من خصال الخير {هم الفاسقون *} أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق. ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله {شهد الله} الآية إلى {إن الدين عند الله الإسلام} على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق -: {أفغير} أي أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم "غير" يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله {دين الله} الذي اختص بصفات الكمال {يبغون} أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب {وله} أي والحال أنه له حاصة {أسلم} أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه {من في السموات والأرض} وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم {طوعاً} بالإيمان أو بما وافق أغراضهم {وكرهاً} بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً {وإليه يرجعون *} بالحشر، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل. ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديراً بأن يقول: أنا مقبل غير متول فما اقول وما أفعل؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: {قل} أي قبل كل شيء، أي ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل {آمنا} أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال: {بالله} الذي لا كفوء له. ولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال: {وما أنزل علينا} فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد {وما أنزل على إبراهيم} أي أبينا {وإسماعيل وإسحاق} أي ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: {وما أوتي موسى} من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة {وعيسى} من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام. ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال: {والنبيون} أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه {من ربهم} أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: {لا نفرق بين أحد منهم} تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى {ونحن له} أي لله وما أنزل من عنده {مسلمون *} أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى. ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على {آمنا} ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى -: {ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له {ديناً} وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: {فلن يقبل منه} أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم له، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله: {كيف يهدي الله} مع ما له من كمال العظمة {قوماً} أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه {كفروا} أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: {بعد إيمانهم} بذلك كله {وشهدوا} أي وبعد أن شهدوا {أن الرسول حق} بما عندهم من العلم به {وجاءهم البينات} أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء. ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: {والله} أي الذي له الكمال كله {لا يهدي القوم الظالمين *} أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين *} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذراً من فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائماً. ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: {لا يخفف عنهم العذاب} مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: {ولا هم ينظرون *} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان. ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} الارتدار حيث تقبل التوبة {وأصلحوا} أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة {فإن الله} أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله {غفور} يمحو الزلات {رحيم *} بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: {إن الذين كفروا} أي بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك. ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم ازدادوا كفراً} أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي خاصة {الضالون *} أي الغريقون في الضلال, وإليه أشار {أية : ولو أسمعهم لتولوا}تفسير : [الأنفال: 23] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه! ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبيناً لهم أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: {إن الذين كفروا} أي هذا الكفر أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة، ولذا قال: {وماتوا وهم كفار} ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول الفداء كائناً من كان، وربطه بالفاء فقال: {فلن يقبل} أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه {من أحدهم} أي كائناً من كان {ملء الأرض ذهباً} أي من الذهب, لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك {ولو افتدى به} لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطوا السائل ولو جاء على فرس "تفسير : فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى {أية : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم}تفسير : [البقرة: 85] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: {أولئك} أي البعداء من الرحمة {لهم عذاب أليم} ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال: {وما لهم من ناصرين *} أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال "حديث : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله...! أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله في ذلك من قولهما {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} إلى قوله {بعد إذ أنتم مسلمون} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه. فقال الله {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال بلغني "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله نسلِّم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا. ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فانه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله. فأنزل الله {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} إلى قوله {بعد إذ أنتم مسلمون} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {ربانيين} قال: فقهاء معلمين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله {ربانيين} قال: حلماء علماء حكماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طريق الضحاك عن ابن عباس {ربانيين} قال: علماء فقهاء. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {ربانيين} قال: حكماء فقهاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود {ربانيين} قال: حكماء علماء. وأخرج ابي جرير عن مجاهد قال {الربانيون} الفقهاء العلماء. وهم فوق الأحبار. وأخرج عن سعيد بن جبير {ربانيين} قال: حكماء أتقياء. وأخرج ابن جرير عن ابي زيد قال "الربانيون" الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر. يلونهم، وقرأ {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} [المائدة:63] قال (الربانيون) الولاة (والأحبار) العلماء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب} قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ {بما كنتم تعلمون}. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ {بما كنتم تعلمون} مثقلة برفع التاء وكسر اللام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، أنه قرأ {بما كنتم تعلمون الكتاب} خفيفة بنصب التاء قال ابن عيينة: ما علموه حتى علموه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بكر قال: كان عاصم يقرؤها {بما كنتم تعلمون الكتاب} مثقلة برفع التاء وكسر اللام. قال: القرآن {وبما كنتم تدرسون} قال: الفقه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لا يعذر أحد حر، ولا عبد، ولا رجل، ولا امرأة؛ لا يتعلم من القرآن جهده ما بلغ منه فإن الله يقول: {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} يقول: كونوا فقهاء، كونوا علماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله {وبما كنتم تدرسون} قال: مذاكرة الفقه، كانوا يتذاكرون الفقه كما نتذاكره نحن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج {ولا يأمركم أن تتخذوا} قال: ولا يأمركم النبي.

ابو السعود

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} بـيانٌ لافترائهم على الأنبـياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجرانَ: إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخِذَه رباً حاشاه عليه السلام، وإبطالٌ له إثرَ بـيانِ افترائِهم على الله سبحانه وإبطالِه، أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل: {لِبَشَرٍ} إشعاراً بعلة الحُكم فإن البشريةَ منافية للأمر الذي أسنده الكفرَةُ إليهم {أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ} الناطقَ بالحق الآمرَ بالتوحيد الناهيَ عن الإشراك {وَٱلْحُكْمَ} هو الفهمُ والعلم أو الحكمةُ وهي السنة، {وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ} ذلك البشرُ بعدما شرّفه الله عز وجل بما ذُكر من التشريفات وعرّفه الحقَّ وأطلعه على شؤونه العالية {لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى} الجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لعباد أي عباداً كائنين {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلقٌ بلفظ عباداً لما فيه من معنى الفعل أو صفةٌ ثانيةٌ له ويحتمِلُ الحاليةَ لتخصُّص النكرةِ بالوصف أي متجاوزين الله تعالى سواءٌ كان ذلك استقلالاً أو اشتراكاً فإن التجاوزَ متحققٌ فيهما حتماً. قيل: إن أبا رافعٍ القُرَظيّ والسيدَ النجرانيَّ قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبُدَك ونتخِذَك رباً؟ فقال عليه السلام: «حديث : معاذَ الله أن يُعبَدَ غيرُ الله تعالى وأن نأمرَ بعبادة غيرِه تعالى فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرَني» تفسير : فنزلت. وقيل: قال رجل من المسلمين: يا رسول الله نسلِّم عليك كما يُسلّم بعضُنا على بعض أفلا نسجُد لك؟ قال عليه السلام: «حديث : لا ينبغي أن يُسجَدَ لأحد من دون الله تعالى ولكن أكرِموا نبـيَّكم واعرِفوا الحقَّ لأهله» تفسير : {وَلَـٰكِن كُونُواْ} أي ولكن يقولُ كونوا {رَبَّـٰنِيّينَ} الربانيُّ منسوبٌ إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكاملُ في العلم والعمل، الشديدُ التمسكِ بطاعة الله عز وجل ودينِه {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} أي بسبب مُثابرتِكم على تعليم الكتابِ ودراستِه أي قراءتِه فإن جعْلَ خبرِ كان مضارعاً لإفادة الاستمرارِ المتجدِّد وتكريرُ بما كنتم للإيذان باستقلال كلَ من استمرار التعليمِ واستمرارِ القراءةِ بالفضل وتحصيلِ الربانية، وتقديمُ التعليم على الدراسة لزيادة شرفِه عليها أو لأن الخطابَ الأولَ لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرىء تَعْلمون بمعنى عالمين وتُدَرِّسون من التدريس وتُدْرِسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى كرُم ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورةُ أيضاً بهذا المعنى على تقدير بما تدْرُسونه على الناس.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}[79] قال محمد بن سوار: الربّاني الذي لا يختار على ربه أحداً سواه، وهو اسم مشتق من الربوبية. وقال سهل: الربانيون هم العالمون في الدرجة من العلم بالعلم. كما قال محمد بن الحنفية، لما مات عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: لقد مات هذا اليوم رباني هذه الأمة. وإنما نسب إلى الرب لأنه عالم من علمه. كما قال: {أية : مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [التحريم:3]، فنسبه إلى النبوة بما علمه الله عزَّ وجلَّ. وكل من أنبأك بخبر موافق للكتاب والسنة فهو منبئ. والعلماء ثلاث: رباني ونوراني وذاتي بلا واسطة بينه وبين الله تعالى فيه بقية من الله عزَّ وجلَّ. وقال عمر بن واصل: الربانيون هم المجموعون من العلماء، كما قال علي رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} [الآية: 79]. قال الواسطى: يملكون الأشياء ولا يملكهم شىء. وقيل: كونوا ربانيين علماء بالله حكماء بين عباده. وقال ابن عطاء: عاينوا أوقات ترتيبكم لتتخلّصوا من هذه الآفات كُلها. وقال جعفر فى قوله: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} قال: مستمعين بسمع القلوب وناظرين بأعين الغيوب. قال ابن عطاء: أخرجهم بهذا الخطاب عمَّا خاطبهم به من العبودية. قال الواسطىُّ رحمة الله عليه: عاينوا أوقات ترتيبكم وتقديركم قبل آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم والانتساب إلى آدم، والافتخار بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس كالافتخار بمن قدَّسَك فى الأزل. وقال أيضًا: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} قال: كونوا كأبى بكر رضى الله عنه إذ ورد عليه فوادح الأمور لا يؤثر على سِرِّه حين قال للنبى صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ: "حديث : دع مناشدتك مع ربك فإنه ينجز لك ما وعدك ". تفسير : وقال أيضًا فى هذه الآية: أمر إبراهيمُ صلى الله عليه وسلم بالاستسلام، وأمر محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعلم فقال: { أية : فَٱعْلَمْ } تفسير : [محمد: 19]، فالاستسلام إظهار العبودية والعلم به والتوسل إلى الأزلية والأبدية، لذلك قال خاطبهم فقال: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}. وقال فى قوله: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}: جذبهم بهذا من الافتخار بالطين إلى الافتخار بالحق. وقال الجنيد رحمة الله عليه: أخرجهم من الكون جملة، وجذبهم إلى الحق إشارة، وإذا أردت أن تعرف مقامات الخلق ومواطنهم فى الحقيقة، فانظر إلى تصرف أخلاقهم تجد كلاً قائمًا فى أشجانه، استقطعه ما وافق سريرته، فانظر بما ربطت القلوب فتشهد سرائرهم، لأنهم أخذوا من المصادر الأول، فمن لم يستقطعه إلا إنسال أنواره والحياء فيما ورد عليه أتقن كيفية باطنه على الحقيقة ينازعه فى ربوبيته ويمنُّ عليه بعبوديته ولا تشعر أنت. وقال بعض العراقيين: أخرجهم من آدم وبرأهم منه كى ينسوا العبودية ويتركوا الافتخار بالماء والطين. قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}. من آلائى ونعمائى عليكم وبما كنت توليت من أموركم. وقال الشبلى فى قوله تعالى: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} قال: أخرجهم عما خاطبهم به من العبودية، فمن استحق العلم به استحق علم الربانية، لأن الربانى النبى لا يأخذ العلوم إلا من الرب ولا يرجع فى بيانه إلا إلى الرب جل وعلا. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} قال: لأن تكون ابن الأزل والأبد خيرٌ لك وأحسن من أن تكون من أبناء الماء والطين والأفعال والإحصاء والعدد. وقال سهلٌ: الربانى هو العالم بالله والعالم بأمر الله والمكاشف له من العلوم اللَّدنِّى ما غيبه عن غيره. وقال أيضًا: الربانىّ الذى لا يختار على ربه حالاً. وقال الجريرى: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} أى سامعين من الله ناطقين بالله. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الفضل بن العباس يقول: فى قوله عز وعلا: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} قال: كونوا كأبى بكر الصديق رضى الله عنه فإنه لما مات النبى صلى الله عليه وسلم اضطربت الأسرار كلها لموته، ولم يؤثر فى سرِّ أبى بكر فقال: "من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت". وقال القاسم: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} متخلقين بأخلاق الحق علماء حلماء. وقال بعضهم: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} أى: عبيدًا منقطعين يقتدون بالسيد ويتخلقون بأخلاقه لا يلاحظون الكون بأسره، ولا ما يجرى من المحو فى وقته. وقال بعضهم: الربانى بحقِّه من نسى نفسه فى نسيانه، ونسى أوقاته بأوقاته، ونسى حاله وصفاته وأرزاقه بصفاته، فصفاته حديثه إلى ذاته وذاتُه ملكه عن صفاته.

القشيري

تفسير : أي ليس من صفة مَنْ اختراناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني... وبابه. وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سوى الله. ويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلُّ نفسه، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه. ويقال الرباني الذي لا يُثْبِتُ غير ربِّه مُوَحَّداً، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو مِنْ غيره. ويقال الربَّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده، فالقائم عنه غَيْرُه، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه. ويقال الربَّاني الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها. ويقال الربَّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في اختلاف الطوارق. ويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه، فَمَنْ استنطقته رقة قلبِ، أو اسْتَمَالَه هجومُ أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني. ويقال إنَّ الربَّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرِّه، ومن كان لا يقصر في شيء من الشرع بفعله. {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} مِنْ توالي إحساني إليكم، وتضاعف نعمتي لديكم.

البقلي

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} الاية اى ليس من يختص بقربة الحق وكشف ماشهدته ان يلتفت سره الى رياسة الخلق وحرمتهم له وان يرى لنفسه قيمة عند اجلال عظمة الحق لان من بلغ تحقيق التوحيد لا يرى لنفسه وزنا عندما يبدوا من تجلى عظمة الحق ويكون خجلا على الدوام بين يدى الرحمن من وجوده عند وجود الحق ويريد فناء وجوده استحياء من ربه تعالى ولكن ما راى نعم الله تعالى من كشف جماله وقرب وصاله وتعرفه بالجلال والعزو والكبرياء والعظمة والقهر واللطف اشق على الخلق ويدعوهم الى عبادته وطالب مرضاته وهذا معنى قوله تعالى {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} ومعنى كونوا ربانين امر من الحق تعالى لانبيائه واوليائه اى كونوا موصوفين بصفتى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تخلقوا باخلاق الرحمن" تفسير : وهذا وصف من كساه الله سنا قدس جمال الازلى وجلال بدى قبل كون طينة البشر فكان منورا بنور صبح القدم اذا الاشباح والاجسام فى العدم فاذا سكن الارواح فى ظلهم لهالك خاطبهم بخطاب الانبساط فقال لا تنسبوا الى الماء والطين ولكن انتسبوا الى الحق بنعت المحبة والمكاشفة والمشاهدة والانصاف بصفاته والتربية فى حجر وصاله وكونهم بافعاله الخاصة الذاتية القدمية وليس هؤلاء كمن كان كونه الامر لان الامر للعوام والفعل للخواص مع ان الحق جل عن الاشكال والاشباه والخيال والاوهام والافهام والجزء الكل والتبعيض والصور والازمان والمكان تعالى كبرياؤه وجلت صفاته قوله {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} اى لكم خاصة علم اللدنى وعلم الكتاب والسنة والشعريفة بها يلزم عليكم الخروج عن رسم الانسانية واصاف البشرية وقال جعفر الصادق فى قوله تعالى كونوا ربانين قال مستعمعين يسمع القلوب وناظرين باعين الغيوب وقيل وكونوا بانيين علما والله حلماء عن عباده وقال ابن عطا عاينوا اول تربيتكم ليخلصوا من هذه الاوقات كلها وقال ايضا اخرجهم بهذا الخطاب عما خاطبهم به من العبودية قال الواسطى عانيوا اوقات تربيتكم وتقديركم قبل أدم ومحمد عليهما الصلوة والسلام فالانتساب الى أدم الافتخار بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بالافتخار ممن قدسك فى الازل وقال ايضا قال كونوا كابى بكر اذا اورد عليه قوادح الامور لا يوثر على سره حين قال النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر دع بعض مناشدتك ربك فانه ينجز لك ما وعدك وقال ايضا فى هذه الأية ام ابراهيم عليه السلام بالاستسلام وامر محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم فقال فاعلم والاستيلام اظهرا العبودية والعلم به والتوسل الى الازلية والابدية لذلك خاطبهم فقال كونوا ربانيين وايضا قال كونوا ربانيين جذبهم بهذا من الافتخار بالطين الى الافتخار بالحق قال الجنيد اخرجهم من الكون جملة وجذبهم الى الحق اشارة فاذا اردت ان تعرف مقامات الخلق بواطنهم فى الحقيقة فانظروا الى تصرف اخلاقهم تجد كل واحد قائما فى اشخاصه استقطعه ما وفق سريرته فانظر بما ربطت القلوب فيشهد سرائهم لانهم اخذوا من المصادر الاول فمن لم يستقطعه الا اسبال انواره والحياء فيما بورد عليه ايقن كيفية باطنه على الحقيقة تنازعه فى ربوبيته وتمر عليه فى عبوديته وانت لا تشعر قال بعضه العراقين اخرجهم من أدم ونزاهم منه كى نسبوا العبودية والافتخار بالماء والطين وقال الشبلى اخرجهم عما خاطبهم به من العبودية فمن استحق العلم به استحق علم الربانية والربانى الذى لا ياخذ العلوم الا من الرب ولا يرجع فى بيانه الا الى لارب جل وعلا وقال الواسطى فى هذه الأية كونوا ربانيين لان يكون ابن الازل ولا بد خير لك واحسن بك من ان تكون ابن الماء والطين والافعال والاحصاء والعدد وقال سهل الربانى هو العالم بالله العالم بامر الله والمكاشف له من العلوم اللدنى ما غاب عن غيره وقال ايضا الربانى الذى يختار على ربه حالا وقال الجريى كونوا ربانين اى سامعين منا لله ناطفين بالله وقال فضل بن العباس الشكلى قال كونوا كابى بكر الصديق فانه لما مات محمد صلى الله عليه وسلم اضطرب الاسرار كلها الموتة ولم يوثر ذلك فى سر ابى بكر فقال من كان منكم يعبد محمد افان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت وقال القاسم كونوا ربانيين متخلقين باخلاق الحق علماء وحلماء وقال بعضهم الربانى بحقه من نسى نفسه فى نسيانه فنسى اوقاته باوقاته ونسى أجاله وارزاقه بصافته فصاته جذبته الى ذاته وذات ملكه عن صفاه وقيل الربانى من ارتفع عنه ظل نفسه وعاش فى كون ظله وقيل الربانى الذى هو محق فى وجوده ومحو عن شهوه فالقائم عنع غيره والمحوى لما عليه سواه وقيل الرانى الذى لايوثر فيه تصاريق الاقدام على اختلافها وقيل الربانى الذى تستقره محنة ولا يهزه نعمة فهو على حالة واحدة فى اختلاف الطوارق وقيل الربانى الذى لا يتاثر بورود راد عليه فمن استعطفه رقة قلب واستماله هجوم امراو تفاوت عنده احظار حادث فليس بربانى وقيل الربانى الذى لا يبالى بشئ من الحوادث بقوله وسره وان كان لا يقصر فى شئ من الشرع بفعله وقيل بما كنتم تدرسون من توالى احسانى اليكم وتضاعف نعمتى لديكم وقيل بما كنتم تدرسون من الايئ ونعمائى وما توليت من اموركم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان لبشر} بيان لافترائهم على الانبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجران ان عيسى عليه السلام امرنا ان نتخذه ربا حاشاه عليه السلام. وجاء رجل من المسلمين فقال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك فقال"معاذ الله ان نعبد غير الله او ان نأمر بعبادةغير الله" اى ما صح وما استقام لاحد سواء كان بشرا اولا وانما قيل لبشر اشعارا بعلة الحكم فان البشرية منافية للامر الذى اسنده الكفرة اليهم {ان يؤتيه الله الكتاب} الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهى عن الاشراك كالتوارة والانجيل والقرآن {والحكم} اى الفهم والعلم {والنبوة} وايتاء الكتاب يستلزم ايتاء الحكم وهو الحكمة المعبر عنها باتقان العلم والعمل فلذك قدم الكتاب على الحكم لان المراد بالحكم هو العلم بالشريعة وفهم مقاصد الكتاب واحكامه فان اهل اللغة والتفسير اتفقوا على ان هذا الحكم هوالعلم قال تعالى {أية : وآتيناه الحكم صبيا} تفسير : [مريم: 12]. يعنى العلم والفهم. فالكتاب السماوى ينزل اولا ثم انه يحصل فى عقل النبى فهم ذلك الكتاب واسراره وبعدما حصل فهم الكتاب يبلغ النبى ذلك المفهوم الى الخلق وهو النبوة والاخبار فما احسن هذا الترتيب {ثم يقول} ذلك البشر بعدما شرفه تعالى بما ذكر من التشريفات وعرَّفه الحق واطلعه على شؤونه العالية {للناس كونوا عبادا} كائنين {لى من دون الله} من متعلق بلفظ عبادا لما فيه من معنى الفعل {ولكن} يقول لهم {كونوا ربانيين} الربانى منسوب الىالرب بزيادة الالف والنون كاللحيانى اذا وصف بطول اللحية ففيه الدلالة على الكمال فى هذه الصفة واذا نسب الى اللحية من غير قصد المبالغة يقال لحوى فالربانى هو الكامل فى العلم والعمل الشديد التمسك بطاعة الله تعالى ودينه كما يقال رجل الۤهى اذا كان مقبلا على معرفة الاله وطاعته {بما كنتم تعلمون الكتاب ولما كنتم تدرسون} اى بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته اى قراءته وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه عليها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: البشر: اسم جمع لا مفرد له، يطلق على الجماعة والواحد. والرباني: هو الذي يُربي الناس ويؤدبهم ويُهذبهم بالعلم والعمل. وقال ابن عباس: (هو الذي يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره)، والنون فيه للمبالغة، كلحياني ورقباني. و {ولا يأمركم} بالرفع، استئناف، وبالنصب: عطف على {يقول}، و {لا} مزيدة: أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر بعبادة نفسه، ويأمر باتخاذ الملائكة أرباباً. أو غير مزيدة، والتقدير: ليس له أن يأمر بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أرباباً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ما كان} ينبغي {لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحُكْمَ} أي: الفصل بين العباد، {والنبوة} أي: الوحي بالأحكام، {ثم يقول} بعد ذلك {للناس كونوا عباداً لي من دون الله} أو مع الله، أو يرضى أن يُعبد من دون الله، {ولكن} يقول لهم: {كونوا ربانيين} أي: علماء بالله، فقهاء في دينه، حلماء على الناس، تُربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال، بسبب {ما كنتم تعلمون} من كتاب الله {وبما كنتم تدرسون} منه، أو {بما كنتم تُعَلِّمُون} الناس من الخير بكتاب الله، وما كنتم تدرسونه عليهم. ولما مات ابن عباس - رضي الله عنهما - قال محمد ابن الحنيفة: (مات ربَّاني هذه الأمة). {ولا يأمركم} ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة، {أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} من دون الله، {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} أي: مناقدون لأحكام الله. قيل: سبب نزول الآية: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد؛ تريد أن نعبدك ونتخذك ربّاً؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : معاذ الله أن نعبد غيرَ الله، أو نَأمُرَ بعبادة غيره"تفسير : . وقيل: إن رجلاً قال: يا رسول الله: نُسلِّم عليك كما يُسلِّم بعضُنا على بعض، أفلا نسجُد لك؟ فقال:"حديث : لا يَنْبَغِي أن يسجد أحدٌ لأحدٍ من دُونِ اللهِ، ولكنْ أكْرِموا نَبِيَّكُمْ، واعْرِفُوا الحقَّ لأَهْلِه ". تفسير : الإشارة: ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يُقبِّلون أرجلهم والترابَ بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم، فإذا رءاهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم، وفي ذلك قال القائل: شعر : بذَبْح النفوس وحط الرؤوس تُصفى الكؤوس تفسير : لكنهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنوهم عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره، وحينئذٍ يكونون ربانيين، علماء بالله مقربين، وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أني شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسناً، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا. هـ. فدلالة الأشياخ للفقراء على التعظيم والأدب ليس ذلك مقصوداً لأنفسهم، وحاشاهم من ذلك. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الخصوصية ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين عارفين بالله، حتى يكون تعظيمكم إنما هو لله، ولا يأمر أيضاً بالفرق حتى يتخذوا الأشياء أرباباً من دون الله، ولكن يأمر بالجمع حتى يغيبوا عما سوى الله، وكيف يأمرهم بالفرق، وهو إنما يدلهم على الجمع؟ أيأمرهم بالكفر بعد أن كانوا مسلمين. ولله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة والنزول: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو {تعلمون} مخففاً الباقون بالتشديد. روي عن ابن عباس أنه قال: سبب نزول هذه الآية أن قوماً من اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى فنزلت الآية. اللغة، والمعنى وقوله: {لبشر} فانه يقع على القليل والكثير وهو بمنزلة المصدر مثل الخلق وغيره، تقول: هذا بشر وهؤلاء بشر كما تقول: هذا خلق وهؤلاء خلق. وإنما وقع المصدر على القليل، والكثير، لأنه جنس الفعل كما وجب في اسماء الاجناس كالماء والتراب ونحوه وقوله: {أن يؤتيه الله الكتاب} معناه أعطاه {الكتاب، والحكم والنبوة}، أن {يقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله ولكن} يقول لهم: {كونوا ربانيين}. وحذف يقول لدلالة الكلام عليه. ومعناه في قول الحسن: علماء فقهاء. وقالو سعيد بن جبير: حكماء أتقياء. وقال ابن أبي رزين: حكماء علماء. وقال الزجاج: معناه معلمي الناس. وقال غيره: مدبري أمر الناس في الولاية بالاصلاح. اللغة: وفي أصل رباني قولان: أحدهما - الربان وهو الذي يربّ أمر الناس بتدبيره له وإصلاحه إياه، يقال رب أمره يربه ربابة، وهو ربان: إذا دبره، وأصلحه، ونظيره نعس ينعس، فهو نعسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعل يفعل، نحو عطش يعطش، فهو عطشان, فيكون العالم ربانياً، لأنه بالعلم يدبر الأمر ويصلحه الثاني - إنه مضاف إلى علم الرب تعالى، وهو على الدين الذي أمر به إلا أنه غير في الاضافة، ليدل على هذا المعنى، كما قيل: بحراني، وكما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، وللعظيم اللحية: لحياني. وكما قيل لصاحب القصب: قصباني، فكذلك صاحب علم الدين الذي أمر به الرب رباني. الحجة، والمعنى: ومن قرأ بالتخفيف أراد بما كنتم تعلمونه أنتم. ومن قرأ بالتشديد أراد تعلمونه، لسواكم. وقوله: {وبما كنتم تدرسون} يقوي قراءة من قرأ بالتخفيف. والتشديد أكثر فائدة، لأنه يفيد أنهم علماء، وأنهم يعلمون غيرهم. والتخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين. وإنما دخلت الباء في قوله: {بما كنتم تعلمون} لأحد ثلاثة أشياء: أحدها - كونوا معلمي الناس بعلمكم، كما تقول: انفعوهم بما لكم. الثاني - كونوا ممن يستحق أن يطلق عليه صفة عالم بعلمه على جهة المدح له باخلاصه مما يحبطه. الثالث - كونوا ربانيين في علمكم ودراستكم ووقعت الباء في موضع في.

الجنابذي

تفسير : {مَا كَانَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يجوز لنبىّ (ص) ان يدعو النّاس الى نفسه؟ - او هو جواب لسؤال كان مذكوراً ولم يحك لنا على ما قيل: انّ ابا رافع القرظىّ والسيّد النجرانىّ قالا: "حديث : يا محمّد (ص) أتريد ان نعبدك ونتّخذك ربّاً؟ - فقال: معاذ الله ان نعبد غير الله وان نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثنى، ولا بذلك أمرنى"تفسير : ، فنزل {ما كان} اى ما صحّ {لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} والمراد بالكتاب الرّسالة واحكامها والكتاب التّدوينىّ صورتها وبالحكم الولاية وآثارها والنّبوّة برزخ بينهما ولذلك أخّرها {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي} لانّه ما لم يخرج من انانيّّته ولم يحي بانانيّة الله ولم يبق بالله لم يؤت الكتاب، واذا خرج من انانيّته لم يكن له نفسيّة حتّى يقول: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} بل ان قال {كونوا عباداً لى} كان قوله متّحداً مع قوله كونوا عباداً لله فانّه ان قال انَا كان اناه من الحق جارياً على لسانه لا من نفسه كما اشار اليه المولوىّ قدّس سرّه: شعر : كَفت فرعونى انَا الحق كَشت بست كَفت منصورى انَا الحق و برست اين انَاهو بود در سرّاى فضول ز اتّحاد نور نزراه حلول بود انا الحق در لب منصور نور بود انَا الله در لب فرعون زور آن انَا بى وقت كَفتن لعنت است وين انَا در وقت كَفتن رحمت است تفسير : وكما انّه لا يجوز الدّعوة الى نفسه لمن بقى عليه من انانيّته شيءٌ كذلك لا يجوز ذلك اذا كان المدعوّ محجوباً عن مشاهدة الحقّ تعالى فى المظاهر فانّ المحجوب اذا دعى الى المظاهر كان اضلالاً ودعوة الى عبادة الاسم دون المعنى، ولهذا طرد الصّادق (ع) ابا الخطّاب بعد ما كان يدعو المريدين ممّن لا يرى الله فى المظاهر الى آلهة الصّادق (ع)، واذا خرج الدّاعى من انانيّته وبقى بانانيّة الله كان الدّاعى هو الله لانّ الدّعوة كانت من الله بآلة لسان الدّاعى واذا كان المدعوّ ايضاً لا يرى فى مظهر النّبىّ (ص) الاّ الله كان النّبىّ اسماً محضاً من غير شوب كونه مسمّى، فاذا دعا هذا الدّاعى الى نفسه كان دعاؤه الى الله واذا لم ير المدعوّ فى مظهر الدّاعى الاّ الله لم يكن توجّهه الاّ الى المسمّى لا الاسم فلم يكن عبادته الاّ للمسمّى بايقاع الاسم عليه، وبهذا الوجه قيل بالفارسيّة: شعر : اكَر كافر ز بت آكَاه بودى جرا در دين خود كَمراه بودى اكَر مؤمن بدانستى كه بت جيست يقين كردى كه دين در بت برستى ست تفسير : {وَلَـٰكِن} يقول {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} هو منسوب الى الرّب بزيادة الالف والنّون وهذه الزّيادة تدلّ على المبالغة فى النّسبة الى الربّ، والمبالغ فى الانتساب الى الرّب من لا يرى فى المظاهر الاّ الربّ وخصوصاً فى المظاهر الفانية من أنفسهم فلا يرى للدّاعى نفسيّة حتى يكون دعوة الى نفسه فيقول للنّبىّ (ص): كونوا خارجين عن حجب انانيّاتكم حتّى تروا الله فى كلّ المظاهر {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ} يعنى كونوا تعلّمون الكتاب وتدرسونه حتّى تكونوا ربّانيّين بما كنتم تعلّمون الكتاب امثالكم على قراءة تشديد الّلام {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} اى تقرؤن الكتاب على قراءة تخفيف الرّاء لانّ الاشتغال بالكتب السّماويّة والتّدبّر فى الشّرائع الالهيّة وتذكّرها يخرجكم تدريجاً من ظلمات انانيّاتكم ويدخلكم فى نور ظهور عبوديّتكم وبروز ربوبيّتكم وقرء تعلمون بتخفيف اللام وتدرسون من باب التّفعيل او الافعال.

الأعقم

تفسير : {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة}" حديث : قيل: أن أبا رافع ورئيس وفد نجران قالا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أتريد أن نعبدك ونتخذك الهاً، قال: "معاذ الله أن نعبد غير الله فما لذلك بعثني ولا بذلك أمرني" تفسير : فنزلت الآية، قال تعالى: {ولكن كونوا ربّانيين} فقهاء علماء، وعن محمد بن الحنفيَّة أنه قال: حين مات ابن عباس (رحمه الله تعالى) اليوم مات رباني هذه الأمَّة، قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيِّين} قيل: هو على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين، وقيل: أراد ميثاق أولاد النبيِّين، وهم بنو إسرائيل، وقيل: أراد النبيِّين وأممهم {إصري} يعني عهدي {فاشهدوا} فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار وأنا على ذلكم من إقراركم وشهادتكم من الشاهدين، وقيل: فاشهدوا فاعلموا ذلك، وقيل: فاشهدوا على أممكم وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم عن علي (عليه السلام)، وقيل: يشهد بعضكم على بعض، وقيل: قال الله تعالى لملائكته: اشهدوا عليهم {فمن تولى} أعرض بعد هذا العهد، وقيل: بعد الإِقرار {فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن الإِسلام، وقيل المتمردون في الكفر، قوله تعالى: {أفغير دين الله يبغون} "حديث : روي أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم (عليه السلام) كل واحد من الفريقين ادّعى أنه أولى به، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "كل الفريقين بريء من دين إبراهيم" فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك"تفسير : ، فنزلت الآية {طوعاً} بالنظر في الادلة والانصاف من النفس {وكرهاً} بالسيف أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإِسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون والاشفاء على الموت {ونحن له مسلمون} مخلصون أنفسنا له موحدون {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} أي كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف {وشهدوا أن الرسول حق} وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي ثبت بمثلها النبوَّة وهم اليهود، كفروا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن كانوا مؤمنين به، وقيل: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإِسلام ولحقوا بمكة {والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} الكفر العظيم والارتداد {وأصلحوا} ما أفسدوا ودخلوا في الصلاح، قيل: نزلت في الحرث بن سويد حين ندم على ردته وأرسل إلى قومه أرسلوا هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة فتاب وقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توبته.

اطفيش

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ}: أن العلم المأخوذ من كتاب الله وفسر بالسنة. {وَالْنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّى مِنْ دُونِ اللَّهِ} لتبرئته رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رموه به، وتصديقه، وكذلك قال ابن عباس رضى الله عنهما: فالْبَشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب والقرآن - كذا قيل عن ابن عباس. فتنكير بَشَرٍ للتعظيم، والأظهر أن المراد عموم البشر المنزل عليهم الكتاب والحكم والنبوة، فالتنكير للعموم. ولعل ابن عباس أراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة البشر المؤتين الكتب، والحكم، والنبوة، وأن كتابه القرآن، كما أن كتب سائر الأنبياء التوراة والإنجيل والزبور وغيره، وذكر الفخر الزارى عن ابن عباس أن الآية نزلت بسبب قول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله أفقيل أن نصارى نجران قالوا: أمرنا عيسى أن نعبده ونتخذه ربا فنزلت الآية وقيل حديث : قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغى أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهلهتفسير : ، وعلى كل حال فمعنى الآية أنه لا يمكن أن يقول من له كتاب وحكم ونبوة: كونوا عباداً لى، لأن الكتاب والحكم والنبوة يمنعن من ذلك. {وَلَـكِنْ كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}: أى لكن يقول البشر المؤتى الكتاب، والحكم، والنبوة: كونوا عارفين بربكم مواظبين على طاعته، نسبة إلى الرب، والألف والنون بعد الموحدة من زيادة النسب للمبالغة فى كمال المعرفة بالله والمواظبة على طاعته، وكذلك فسره سيبويه، وقال المبرد: الربانيون نسبة إلى ربان، وهو من يربى الناس، أى يعلمهم وينصحهم، وزيدت الألف والنون، فى الوصف الذى هو ربان للمبالغة فى تربية الناس بالعلم. وقال ابن عباس والحسن: المعنى كونوا فقهاء علماء، وعنهُ كونوا فقهاء معلمين، وقيل: حكماء حلماء. وقال البخارى: الربانى يربى الناس، بصغار العلم قبل كباره، وقيل: العالم الذى يعلم بعلمه، وقيل: العالم بالحلال والحرام، والأمر والنهى، وقيل: الذى جمع بين علم البصيرة والعلم بسياسة الناس، ولما مات ابن عباس، قال محمد بن الحنفية: اليوم مات ربانى هذه الأمة، وقيل: الربانى الذى يصلح الناس، يقال: ربهُ يربهُ أصلحه. {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}: بسبب علمكم ودرسكم العلم، فإن من علم كتاب الله ودرسه ودرس العلم ولم يكن ربانيا عاملا بما علم ودرس، ضاع علمه ودرسه ولم يحصل به منهما عند الله شىء وانقطع النسب بينه وبين ربه إذ لم تثبت النسبة بلفظ ربانى إلا للتمسك بطاعته وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تؤنفه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها. و"ما" مصدرية فى الموضعين. وقرأ غير نافع وابن كثير ويعقوب وأبى عمر: {تعلمون} بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة، وتعلم: على الأول متعد لواحد بمعنى تعرف، وعلى الثانية الاثنين للتشديد والمفعول الأول محذوف، أى تعلمون الناس الكتاب، وقرئ: {تعلمون} بفتح التاء والعين واللام المشددة، والأصل على هذا تتعلمون، حذفت إحدى التائين، ومعنى تدرسون تقرأون والمفعول محذوف، أى تدرسونه، أى الكتاب أو تدرسون العلم، وقرئ: {تدرسون} بضم التاء وفتح الدال وكسر الراء مشددة، وذلك مبالغة، ومفعوله واحد مقدر - كما مر - وتعديه فله مفعولان أى تدرسون غيركم العلم أو تدرسونه أى الكتاب غيركم، أى تحملونهم على الدرس، وقرئ بضم التاء وإسكان الدال وكسر الراء للتعدية فمفعولان مقدران، كما مر. وقرئ تدرسون بفتح التاء والدال والراء المشددة، أى تتدرسون فحذفت إحدى التائين، وحاصل القراءة مدح العلم والدرس وإفادة العلم، وطلب العلم والدرس، وإنهما سبب للانتساب للرب والكمال. قال أبو الدرداء: الأخيار العالم والمتعلم، وعن ابن سعود أنه قال: تعلم العلم قبل أن يقبض فإن ذهاب العلم أن يقبض أهله، فإن أحدكم سيحتاج إلى غيره، أو يحتاج إليه، فإنكم ستجدون قوماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم، وإياكم والبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق، أى بالعلم الخالص أو بالعلم السابق، وهو القرآن والسنة، وفى لفظ: وعليكم بالآثار. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أيرفع العلم ونحن نقرأ القرآن أبناؤنا ونساؤنا؟ فقال: ثكلتك أمك قد كنت أعدك من فقهاء أهل المدينة أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم أن ذهاب العلم ذهاب العلماء تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : هلاك أمتى عالم فاجر، وعابد جاهل، وشر الأشرار جبار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء .

اطفيش

تفسير : {مَا كَانَ} ما صح، أو ما استقام، أو ما ثبت شرعا ولا عقلا، والآية رد على من قال من المسلمين، يا رسول الله، دعنا نسجد لك، لو أنا نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك، فقال: لو أمر بشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا سجود إلا لله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، ورد على نصارى نجران وغيرهم، إذ قالوا، إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا، وعلى النصارى واليهود إذ نهاهم صلى الله عليه وسلم عن عبادة عزير والمسيح والأحبار والرهبان، فقالوا، أنتخذك ربا، أتريد ذلك، والمتبرز فى ذلك أبو رافع القرظى من اليهود، ورجل من نصارى العرب يلقب السيد النجرانى، قال: يا محمد أتريد أن نجعلك ربا، وقال: معاذ الله أن يعبد غير الله، وأن نأمر بعبادة غير الله، ورد على قريش إذ نهاهم عن عبادة الملائكة، فقالوا له مثل ذلك، أو دعنا نفعل، فقال، ما كان {لِبَشَرٍ أَن} يجعله الله نبيا، ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء وغيرهم، بل يقتصر على الأمر بطاعة الله وعبادته، فنفى اللياقة غير متسلط على قوله {يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ} الآمر بالتوحيد، والناهى عن الإشراك كالتوراة والإنجيل والقرآن وكل كتب الله لذلك {وَالحُكْمَ} الفهم للحكمة التى تكمل بها النفوس الموجبة لاعتقاد أن ما سوى الله مربوب {وَالنُّبُوَّةَ} التى هى أعلى المراتب الداعية إلى التوحيد والعبادة لله عز وجل والآداب، بل متسلط على قوله {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاس كُونُوا عِباداً لِّى مِن دُونِ اللهِ} أى عبادا لى خاصة، لا لله، أو عبادا لى على الاستقلال، أو عبادا لله على الاستقلال، ولم يقل عبيداً لأنه لا يختص بالعبادة بل بمعنى الملك بخلاف عباد، لا يقال عباد زيد، بل عبيده، وثم لمجرد الترتيب، أو على أصلها، بمعنى أنه إذا كان لا يليق على مهلة فأولى ألا يليق بعدلة، وقيل المعنى، ما كان لبشر أن يؤتى النبوة ثم يترتب على ذلك أمره بعبادة نفسه، ونهيه عن عبادة الملائكة والنبيين على استواء الكل فى عدم استحقاق العبادة، ولم يقل ما كان لأحد بل لبشر إيذانا بأن البشرية تنافى المعبودية {وَلَكِن} كان لبشر أن يستقيم له شرعا وعقلا أن يقول {كُونُوا رَبَّانِييِنَ} وهذا أولى من العطف على يقول، باعتبار أن معنى ما كان إلخ لا يقول للناس كونوا عباد لى من دون الله، ولكن كونوا ربانيين، كقولك، لا تقل قام زيد لكن قعد عمرو، أى لكن قل قعد عمرو، والعاطف الواو، وأولى من اعتبار أن المعنى لا يكونون قائلين لذلك، ولكن كونوا ربانيين، لأنه خلاف الظاهر، والربانيون نسب للرب بزيادة الألف والنون شذوذا قياسا، التحتانى والفوقانى واللحيانى والرقبانى، لعظيم اللحية والرقبة، والصمدانى والجسمانى والحمانى لعظيم الجمة، ومعنى الربانى الكامل علما وعملا، أو سلما وحكمة، أو نسب إلى ربان، وربان وصف كشبعان، فالنسب مبالغة، كقولك فى أحمر أحمرى، تريد أنه شديد الحمرة لا النسب إلى من هو أحمر، فيكون النسب قياسا، وزعم بعض أنه سريانى {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ} لكونكم تعلمون التوراة والإنجيل، أو كليهما {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} وبكونكم تدرسونه وأن للحقيقة، وفائدة العلم معرفة الحق والعمل به واعتقاده، وأهل الكتاب يعرفون الحق ولا يعتقدونه ولا يعملون به، فمن جمع علما ولم يجعله وسيلة إلى العمل اشبههم، وكان كغارس شجرة معجبة، لا ينتفع بثمرها، والاعتقاد نسبة الخبر بالصدق باختياره والمعرفة أعم، والدرس تكرير العلم لئلا ينسى، والباءان متعلقتان يكونوا، ويجوز تعليقهما بربانيين، وقدم العلم لفضله على الدرس، ولأن علم كتاب الله أفضل من درس الفقه إن كان الدرس درس الفقه.

الالوسي

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } تنزيه لأنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام إثر تنزيه الله تعالى عن نسبة ما افتراه أهل الكتاب إليه، وقيل: تكذيب وردّ على عبدة عيسى عليه السلام. وأخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني»تفسير : فأنزل الله تعالى الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلاً قال: حديث : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: «لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى»تفسير : فنزلت، وأخرج ابن أبـي حاتم قال: «كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله تعالى عن موضعه فقال: ما كان لبشر» الخ، والمعنى ما يصح، وقيل: ما ينبغي، وقيل لا يجوز لأحد، وعبر بالبشر إيذاناً بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إلى أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام. والجار خبر مقدم ـ لكان ـ والمنسبك من {أَنَّ } والفعل بعد اسمها ولا بد لاستقامة المعنى من ملاحظة العطف إذ لو سكت عنه لم يصح لأن الله تعالى قد آتى كثيراً من البشر الكتاب وأخويه، وعطف الفعل على منصوب أن ـ بثم ـ تعظيماً لهذا القول فإنه إذا انتفى بعد مهلة كان انتفاؤه بدونها أولى وأحرى فكأنه قيل: إن هذا الإيتاء العظيم لا يجامع هذا القول أصلاً وإن كان بعد مهلة من هذا الإنعام والحكم بمعنى الحكمة، وقد تقدم معناها، و ـ العباد ـ جمع عبد قال القاضي: وهو هنا من العبادة ولم يقل عبيداً لأنه من العبودية وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله تعالى، ولهذا يقال: هؤلاء عبيد زيد ولا يقال: عباده، والظرف الذي بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أي عباداً كائنين لي و {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بلفظ {عِبَادًا } لما فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفة ثانية وأن يكون حالاً لتخصيص النكرة بالوصف أي متجاوزين الله تعالى إشراكاً وإفراداً ـ كما قال الجبائي ـ فإن التجاوز متحقق/ فيهما حتماً، ثم إن هذا الإيتاء في الآية حقيقة على الروايتين الأوليين مجاز على الرواية الأخيرة كما لا يخفى. {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ } إثبات لما نفى سابقاً، وهو القول المنصوب بأن كأنه قيل: ما كان لذلك البشر أن يقول ذلك لكن يقول كونوا ربانيين، فالفعل هنا منصوب أيضاً عطفاً عليه، وجوز رفعه على المعنى لأنه في معنى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين وفسر علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس الرباني بالفقيه العالم، وقتادة والسدي بالعالم الحكيم، وابن جبير بالحليم التقي، وابن زيد بالمدبر أمر الناس ـ وهي أقوال متقاربة ـ وهو لفظ عربـي لا سرياني على الصحيح. وزعم أبو عبيدة أن العرب لا تعرفه [وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم]، وهو منسوب إلى الرب كإلۤهي والألف والنون يزادان في النسب للمبالغة كثيراً ـ كلحياني ـ لعظيم اللحية، والجماني لوافر الجمة، ورقباني بمعنى غليظ الرقبة، وقيل: إنه منسوب إلى ربان صفة كعطشان بمعنى مربـي. {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } الباء السببية متعلقة ـ بكونوا ـ أي كونوا كذلك بسبب مثابرتكم على تعليمكم الكتاب ودراستكم له، والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتد بأحدهما بدون الآخر، وقيل: متعلقة ـ بربانيين ـ لأن فيه معنى الفعل، وقيل: بمحذوف وقع صفة له ـ والدراسة ـ التكرار يقال: درس الكتاب أي كرره، وتطلق على القراءة، وتكرير {بِمَا كُنتُمْ } للإشعار باستقلال كل من استمرار التعليم واستمرار القراءة المشعر به جعل خبر (كان) مضارعاً -بالفضل، وتحصيل الربانية، وقدم تعليم الكتاب على دراسته لوفور شرفه عليها، أو لأن الخطاب الأول: لرؤسائهم، والثاني: لمن دونهم، وقيل: لأن متعلق التعليم الكتاب بمعنى القرآن، ومتعلق الدراسة الفقه ـ وفيه بعد بعيد ـ وإن أشعر به كلام بعض السلف. وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ومجاهد {تَعْلَمُونَ } بمعنى عالمين، وقرىء {تَدْرُسُونَ } بالتشديد من التدريس، وتدرسون من الإدراس بمعناه، ومجىء أفعل بمعنى فعل كثير، وجوز كون القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى على أن يكون المراد تدرسونه للناس.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض واستطراد: فإنه لما ذكر لَيّ اليهودِ ألسنتَهم بالتوراة، وهو ضرب من التحريف، استطرد بذكر التحريف الذي عند النصارى لمناسبة التشابه في التحريف إذ تقَوّل النصارى على المسيح أنه أمرهم بعبادته فالمراد بالبشر عيسى عليه السلام، والمقصود تنزيه عيسى عن أن يكون قال ذلك، ردّاً على النصارى، فيكون رجوعاً إلى الغرض الذي في قوله: {أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء}تفسير : [آل عمران: 64] - إلى قوله - {أية : بأنا مسلمون}تفسير : [آل عمران: 64]. وفي «الكشاف» قيل نزلت لأنّ رجلاً قال: يا رسول الله نُسلمُ عليك كما يُسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك. قال: «حديث : لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيئكم واعرِفوا الحق لأهله»تفسير : . قلت: أخرجه عبد بن حميد عن الحسن، فعلى تقدير كونه حديثاً مقبولاً فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قصد منها الردّ على جميع هذه المعتقدات. ووقع في أسباب النزول للواحدي مِن رواية الكلبي، عن ابن عباس: حديث : أنّ أبا رافع اليهودي والسيدَ مِن نصارى نجران قالا يا محمد: «أتريد أن نعبدك»؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "معاذ الله أن يُعبد غير الله"تفسير : ونزلت هذه الآية. وقوله: {ما كان لبشر} نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق. وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فُلان فاعلاً كذا، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لِحمل اسم ذات على اسم ذات إلاّ بواسطة بعض الحروف، فصار التركيب: ما كان له أن يفعل، ويقال أيضاً: ليس له أن يفعل، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى: {أية : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى}تفسير : [طه: 118]. فمعنى الآية: ليس قولُ {كونوا عباداً لي} حقاً لبشر أيِّ بشر كان. وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو {أية : وما كان الله ليعذّبهم}تفسير : [الأنفال: 33]، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولاً لأجل فِعْل كذا، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحوداً. والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله: {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي} أي ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ. والعباد جمع عبد كالعبيد، وقال ابن عطية: «الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير، والعبيد يقصد منه، ولذلك قال تعالى: «يا عبادي» وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحِيرة ودخلوا تحت حكم كِسرى بالعباد، وقيل لأنهم تنصّروا فسموْهم بالعباد، بخلاف جمعه على عَبيد كقولهم: هم عبيد العَصا، وقال حمزةُ بنُ المطلب هل أنتم إلاّ عبيدٌ لأبي ومنه قول الله تعالى: {أية : وما ربك بظلام للعبيد}تفسير : [فصلت: 46]؛ لأنّه مكان تشفيق وإعْلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك آنس بها في قوله تعالى: {أية : قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : [الزمر: 53] فهذا النوع من النظر يُسلك به سُبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية». اهـ. وقوله: {من دون الله} قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباداً للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّاً لهم، وجعلوه ابناً للَّه، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم: نحن عبد الله وعبيدُ عيسى، فلذلك جعلت مقالتُهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عباداً له دون الله، والمعنى أنّ لآمِر بأن يكون الناس عباداً له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله. {ولكن كونوا ربانيين} أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ، وهو الله تعالى، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يَكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه. ومعنى ذلك أن يَكونوا مخلصين لله دون غيره. والربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللِّحياني لعظيم اللحية، والشَّعراني لكثير الشعرَ. وقوله: {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة، فإنّ فائدة العلم العمل. وقرأ الجمهور: بما كنتم تعلمون - بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام - مضارع عَلِم. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: بضم ففتح فلامٍ مشدّدة مكسورة مضارع عَلَّم المضاعف. {وتدرسون} معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير: لأنّ مادّة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرّر عمل يُعمل في أمثاله، فمنه قولهم: دَرَسَت الريحُ رسمَ الدار إذا عفته وأبلته، فهو دارس، يقال منزل دارس، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين. وثوْب دارس خَلَقٌ، وقالوا: دَرَس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي الحديث: «حديث : ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة إلخ»تفسير : رواه الترمذي فعطَفَ التدارس على القراءة فعُلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة. وسموا بيت قراءة اليهود مِدْرَاساً كما في الحديث: «حديث : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلخ»تفسير : . ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازاً في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية {وبما كنتم تدرسون} على {بما كنتم تعلمون الكتاب}. وفعله من باب نصر، ومصدره في غالب معانيه الدرس، ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل دَرْساً ومنه سمي تعليم العِلم درساً. ويجيء على وزن الفِعالة دِراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل، مثل الكتابة والقراءة، إلحاقاً لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة. وفي قوله: {ولا يأمركم} التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقرأ الجمهور «يأمُرُكم» بالرفع على ابتداء الكلام، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي، فإنه لما وقع بعد فعل منفي، ثم انتقض نفيه بلكن، احتيج إلى إعادة حرف النفي، والمعنى على هذه القراءة واضح: أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمُرهم أن يتخذوا الملائكة أرباباً. وقرأه ابن عامر، وحمزة ويعقوب، وخلف: بالنصب عطفاً على أن يقولَ ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله: {ما كان لبشر}، وليست معمولة لأنْ: لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى: لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألاّ يأمركم أن تتخذوا، والمقصود عكس هذا المعنى، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد. وقرأه الدُّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون. ولعلّ المقصود من قوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً}: أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة، فصوّروا صور النبيئين، مثل يحيى ومريم، وعبدوهما، وصوّروا صور الملائكة، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضربٌ من الوثنية. قال ابن عرفة: «إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل ويَنهاكم. والجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل». وأقول: لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله: {ثم يقول للناس} لأنهم زعموا أنّ المسيح قال: إنه ابنُ الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرُهم باتخاذ الملائكة أرباباً، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن ذلك في نفس الأمر، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر، في الردّ على الأمة، على أنّ أنبياءهم لم يَأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام الإنكاري، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة، وهي قوله: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}. فهنالك سببان لإنكار أن يكونَ ما هم عليه مُرضياً أنبياءهم؛ فإنه كفر، وهم لا يرضون بالكفر. فما كان من حقّ من يتبعونهم التلبُّس بالكفر بعد أن خرجوا منه. والخطاب في قوله: {ولا يأمركم} التفات من طريقة الغيبة في قوله: {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} فالمواجَه بالخطاب هم الذين زعموا أنّ عيسى قال لهم: كونوا عباداً لي من دون الله. فمعنى {أنتم مسلمون} يقتضي أنّهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس دينهم يطلق عليه أنه إسلام. فقيل: أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين بقرينة قوله {بالكفر}. وقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله: {إذ أنتم مسلمون} لأنّ اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن، فهذا الذي جرّأ من قالوا: إنّ الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «ألاَ نسجد لك»، ولا أراه - لو كان صحيحاً - أن تكون الآية قاصدة إياه؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: ثم يأمر الناس بالسجود إليه، ولما عرّج على الأمر بأن يكونوا عباداً له من دون الله ولا بأن يتّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ما كان لبشر: لم يكن من شأن الإِنسان الذي يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة. الكتاب والحكم والنبوة: الكتاب: وحي الله المكتوب والحكم: بمعنى الحكمة وهي الفقه في أسرار الشرع، والنّبُوة: ما يشرّف الله تعالى به عبده من إنبائه بالغيب وتكليمه بالوحي. ربانيين: جمع ربّاني: من ينسب إلى الربّ لكثرة عبادته وغزارة علمه، أو إلى الربان وهو الذي يربّ الناس فيصلح أمورهم ويقوم عليها. أرباباً: جمع ربّ بمعنى السيد المعبود. أيأمركم بالكفر: الإِستفهام للإِنكار، والكفر هنا الردة عن الإِسلام. معنى الآيتين: ما زال السياق في الرد على أهل الكتاب وفي هذه الآية [79] الرد على وفد نصارى نجران خاصة وهم الذين يؤلهون المسيح عليه السلام. قال تعالى: ليس من شأن أي إنسان يعطيه الله الكتاب أي ينزل عليه كتاباً ويعطيه الحكم فيه وهو الفهم والفقه في أسراره ويشرفه بالنبوة فيوحي إليه، ويجعله في زمرة أنبيائه، ثم هو يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله. إن هذا ما كان ولن يكون أبداً. ولا مما هو متصور الوقوع أيضا فما لكم أنتم يا معشر النصارى تعتقدون هذا في المسيح عليه السلام؟ إن مَنْ أوتي مثل هذا الكمال لا يقول للناس كونوا عباداً لي ولكن يقول لهم كونوا ربانيين تصلحون الناس وتهدونهم إلى ربهم ليكملوا بطاعته ويسعدوا عليها، وذلك بتعليمهم الكتاب وتدريسه ودراسته. هذا معنى الآية [79] أما الآية [80] فإن الله تعالى يخبر عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمر الناس بعبادة غير ربّه تعالى سواء كان ذلك الغير ملكاً مكرماً أو نبيّاً مرسلا، وينكر على من نسبوا ذلك إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} فهذا لا يصح منه ولا يصدر عنه بحال. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- لم يكن من الممكن لمن آتاه الله الكتاب والحكمة وشرفه بالنبوة أن يدعو الناس لعبادة نفسه فضلاً عن عبادة غيره. 2- سادات الناس هم الربانيون الذين يربون الناس بالعلم والحكمة فيصلحونهم ويهدونهم. 3- عظماء الناس من يعلمون الناس الخير ويهدونهم إليه. 4- السجود لغير الله تعالى كفر لما ورد أن الآية نزلت رداً على من أرادوا أن يسجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}؟!

القطان

تفسير : البشر: الانسان، تطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع. الحكم: الحكمة. الربانيون: مفرده رباني، وهو المنسوب الى الرب لأنه عالِمٌ به مواظب على طاعته. لا ينبغي لأحد من البشر يُنزل الله عليه الكتاب، ويعلّمه الحكمة، ويعطيه النبوة، ان يدعو الناس الى عبادة نفسه دون الله، بل عليه أن يأمر الناس ان يكونوا خالصين لخالقهم بمقتضى ما علّمهم من الكتاب. وما كان للنبيّ أن يأمر الناس ان يتخذوا الملائكة والأنبياء أرباباً من دون الله.. وذلك أن من أُوتي الكتاب والحكم والنبوة هو أعلمُ الناس بالله، فلا يمكن أن يأمرهم بالكفر بعد ان هداهم الله للإسلام. روى الطبري عن ابن عباس: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله، ودعاهم الى الاسلام، قالوا أتريدنا يا محمد ان نعبدك كما تعبد النصارى ابن مريم؟ فقال نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا؟ فقال الرسول الكريم: "حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بِذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"تفسير : . فأنزل الله عز وجل قوله: {ما كان لبشَرْ...... الآية} وهذا منتهى الصراحة، فإن النبي يوقن أنه عبد، وأن الله وحده هو الرب الذي يتجه اليه العباد بعبادتهم. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب "بما كنتم تعلمون الكتاب" والباقون "يعلمون" كما هو هنا. وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب: "ولا يأمركم" بنصب الراء. وقرأها الباقون بالرفع.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {رَبَّانِيِّينَ} (79) - مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ اعْبُدُونِي مِنْ دُونِ اللهِ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: اعْبُدُوا اللهَ، وَكُونُوا أهْلَ عِبَادَةٍ للهِ وَتَقْوىً (رَبَّانِيِّينَ)، وَكُونُوا فُقَهَاءَ تَفْهَمُونَ شَرَائِعَ دِينِهِ، وَتَحْفَظُونَها، وَتَدْرُسُونَ كُتُبَهُ وَتَعْمَلُونَ بِهَا. الرَّبَّانِيُّ - المَنْسُوبُ إلى الرَّبِّ، لأنَّهُ عَالِمٌ بِهِ، قَائِمٌ بِطَاعَتِهِ. تَدْرُسُونَ - تَقْرَؤُونَ الكِتَابَ. الحُكْمَ - الحِكْمَةَ أوِ الفَهْمَ وَالعِلْمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونحن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين ينزل منهجه، فهو ينزله في كتاب، ويقتضي ذلك أن يصطفي سبحانه إنساناً للرسالة، أي أن الرسول يجيء بمنهج ويطبقه على نفسه ويبلغه للناس، الرسول مصطفى من الله ويختلف في مهمته عن النبي، فالنبي أيضاً مصطفى ليطبق المنهج، وهكذا حتى لا يسمع الناس المنهج ككلام فقط ولكن يرونه تطبيقاً أيضاً، إذن فالرسول واسطة تبليغية ونموذج سلوكي، والنبي ليس واسطة تبليغية، بل هو نموذج سلوكي فقط. إن الحق سبحانه وتعالى يرسل النبي ويرسل الرسول، ولذلك تأتي الآية: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}تفسير : [الحج: 52]. هكذا نعرف أن الرسول والنبي كليهما مرسل من عند الله، الرسول مرسل للبلاغ والأسوة، والنبي مرسل للأسوة فقط، لأن هناك بعضاً من الأزمنة يكون المنهج موجوداً، ولكن حمل النفس على المنهج، هو المفتقد، ومثال ذلك عصرنا الحاضر. إن المنهج موجود وكلنا نعلم ما الحلال وما الحرام، لكن خيبة هذا الزمان تأتي من ناحية عدم حمل أنفسنا على المنهج، لذلك فنحن نحتاج إلى أسوة سلوكية، هكذا عرفنا الكتاب، والنبوة، فما هو الحكم إذن؟ لقد جاء الحق بكلمة: "الحكم" هنا ليدلنا على أنه ليس من الضروري أن توجد الحكمة الإيمانية في الرسول أو النبي فقط، بل قد تكون الحكمة من نصيب إنسان من الرعية الإيمانية، وتكون القضية الإيمانية ناضجة في ذهنه، فيقولها لأن الحكمة تقتضي هذا. ألم يذكر الله لنا وصية لقمان لابنه؟ إن وصية لقمان لابنه هي المنهج الديني، وعلى ذلك فمن الممكن أن يأتي إنسان دون رسالة أو نبوة، ولكن المنهج الإيماني ينقدح في ذهنه، فيعظ به ويطبقه، وهذا إيذان من الله على أن المنهج يمكن لأي عقل حين يستقبله أن يقتنع به، فيعمل به ويبلغه. ولابد لنا أن نؤكد أن من يهبه الله الحكمة في الدعوة لمنهج الله وتطبيق هذا المنهج، لن يضيف للمنهج شيئاً، وبحكم صدقه مع الله فهو لن يدعي أنه مبعوث من الله للناس، إنه يكتفي بالدعوة لله وبأن يكون أسوة حسنة. لكن لماذا جاءت هذه الآية؟ لقد جاءت هذه الآية بعد جدال نصارى نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأثناء الجدال انضمت إليهم جماعة من اليهود، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: - بماذا تؤمن وتأمر؟ فأبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوامر المنهج ونواهيه،، وأصول العبادة، ولأن تلك الجماعة كانوا من أهل الكتاب، بعضهم من نصارى نجران والبعض الآخر من يهود المدينة، وكانوا يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند الله، ويريدون من الناس طاعة هذه الأوامر،، لذلك لم يفطنوا إلى الفارق بين منهج رسول الله صلى الله عليه السلام وأوامره، وبين ما زيفوه هم من أوامر، فمحمد صلى الله عليه وسلم يطلب من الناس عبادة الله على ضوء المنهج الذي أنزله عليه الحق سبحانه، أما هم فيطلبون طاعة الناس في أوامر من تزييفهم. والطاعة - كما نعلم - هي لله وحده في أصول كل الأديان، فإذا ما جاء إنسان بأمر ليس من الله، وطلب من الناس أن يطيعوه فيه، فهذا معناه أن ذلك الإنسان يطلب أن يعبده الناس - والعياذ بالله - لأن طاعة البشر في غير أوامر الله هي شرك بالله. ولهذا تشابهت المواقف على هذا البعض من أهل الكتاب، وظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منهم طاعتهم لأوامره هو، كما كانوا يطلبون من الناس بعد تحريفهم للمنهج وقالوا: أتريد أن نعبدك ونتخذك إلهاً؟ إنهم لم يفطنوا إلى الفارق بين الرسول الأمين على منهج الله، وبين رؤسائهم الذين خالفوا الأحكام واستبدلوها بغيرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم طاعته لذاته هو، ولكنه قد طلب منهم الطاعة للمنهج الذي جاء به رسولا وقدوة، واستنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه. وأنزل الله سبحانه قوله الحق: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 79]. لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن الله لم يختر رسولاً أميناً على المنهج، وظنوا بالله ظن السوء، أو أنهم ظنوا أن الرسول سيحرف المنهج كما حرفوه هم، فتحولوا عن عبادة الله إلى عبادة من بعثه الله رسولاً، ولذلك جاء القول الفصل {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 79]. وقد ينصرف المعنى أيضاً إلى أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يُجِلُّونَه - صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن مطلوب منه أن يُجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعظمه، ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: أنسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، ألا نسجد لك؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب السجود له من أحد، والحق سبحانه هو الذي كلف عباده المؤمنين بتكريم رسوله فقال: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [النور: 63]. إن المطلوب هو التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن نعطي له أشياء لا تكون إلا لله. إن تعظيم المسلمين لرسول الله وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفاً عن دعاء بعضنا بعضاً. والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]. إن "لكن" هنا للاستدراك، مثلما قلنا من قبل: إن "بلى" تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها. إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لأحد من البشر أن يقول: "كونوا عباداً لي" بعد أن أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوة، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها هي: "كونوا ربانيين" وكلمة "رباني"، وكلمة "رب"، وكلمة "ربيون"، وكلمة "ربان"، وكل المادة المكونة من "الراء" و "الباء" تدل على التربية، والولاية، وتعهد المربي، وتدور حول هذا المعنى. أليس ربان السفينة هو الذي يقود السفينة. وكلمة "الرب" توضح المتولي للتربية، إذن فما معنى كلمة "رباني"؟ إنك إذا أردت أن تنسب إلى "رب" تقول: "ربِّي". وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفاً ونوناً فنقول: "رباني" ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمراً إلى العلم فيقولون: "علماني" وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم. والفرق بين "علمي" و"علماني" هو أن العلماني يزعم لنفسه أن كل أموره تمشي على العلم المادي، ونجد أن في "علماني" ألفاً ونوناً زائدين لتأكيد النسبة إلى العلم. وقد يقول قائل: ولماذا نؤكد الانتساب إلى الله بكلمة "رباني"؟ ونقول: لأن الكلمة مأخوذة من كلمة رب، وتؤدي إلى معان: منها أن كل ما عنده من حصيلة البلاغ لابد أن يكون صادراً ومنسوباً إلى الرب؛ لأنه لم يأت بشيء من عنده، أي أنه يأخذ من الله ولا يأخذ من أحد آخر أبداً؛ فهو رباني الأخذ. وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر: إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفاً بخلق أنزله رب يربي الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم، فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربياً، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح. يقول الحق - سبحانه -: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] إن العلم هو تلقي النص المنهجي. والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي. لذلك فنحن في الريف نقول: "ندرس القمح" أي أننا ندرس القمح بألة حادة كالنورج حتى تنفصل حبوب القمح عن "التبن" وتكون نتيجة الدراس هي استخلاص النافع .. إذن ففيه فرق بين "تعلمون" أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من الله وذلك خاضع لتلقي النص، وبين "ما كنتم تدرسون" أي تعملون أفكاركم في الفهم عن النص. إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة، ومعنى المدارسة هو أخذ وعطاء، ويقال: "دارسه" أي أن واحداً قد قام بتبادل التدريس مع آخر، ويقال أيضاً "تدارسنا" أي أنني قلت ما عندي وأنت قد قلت ما عندك حتى يمكن أن نستخلص ونستنبط الحكم الذي يوجد في النص. وقد يأتي النص محكماً، وقد يأتي النص محتملاً لأكثر من معنى. وما دمت قد تعلمت، فلابد أنك تعرفت على النصوص المحكمة للمنهج. وما دمت قد تدارست، فلا بد أنك قد فهمت من النصوص المحتملة حين مدارستك لأهل الذكر حُسْن استقبال المنهج؛ لذلك يجب أن تكون ربانياً في الأمرين معاً. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} [الآية: 79] قال كونوا فقهاءَ علماءَ حكماءَ. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [الآية: 80]. قال: هذا خطأْ من الكُتَّاب. وهي في قراءَة ابن مسعود: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيْثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَمَآ آتَيْتُكُمْ}. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {طَوْعاً وَكَرْهاً} [الآية: 83] قال: سجود المؤمن طائعاً، وسجود ظل الكافر وهو كاره. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} [الآية: 85] قال: لما نزلت هذه الآية، قال أَهل الملل كلهم: نحن مسلمون. فأَنْزَلَ الله: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [الآية: 97] يعني: على الناس، فَحَجه المسلمون وتركه المشركون. قال: سمعت مجاهداً يقول: كتب عمر بن الخطاب إِلى أَبي موسى الأشعري أَن يبتاع له جارية من سبي جلولاءَ، ففعل ثم دعاها عمر فأَعتقها. ثم تلا: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [الآية: 92] قال مجاهد: وهي مثل قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً} إِلى آخر الآية [الدهر: 8] ومثل قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الحشر: 9]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: اشتكى يعقوب عرق النسا فحرم العروق على نفسه [الآية: 93]. أنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: فيه آية بينة قال: أَثر قدميه في المقام آية بينة [الآية: 97].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} معناهُ حُلماءُ وعُلماءُ تُعَلِمُونَ النَّاسَ الخَيرَ.

الأندلسي

تفسير : {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية. روي حديث : أن أبا رافع القرظي اليهودي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمعت الأحبار من يهود والريس من نصارى نجران قالا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك رباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم معاذ الله ما بذلك أمرت ولا إليه دعوت. فنزلتتفسير : . ومعنى ما كان لبشر وما أشبه هذا التركيب النفي للكون، والمراد نفي الخبر وذلك على قسمين: أحدهما أن يكون الإِنتفاء من حيث العقل ويعبر عنه بالنفي التام كقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} تفسير : [النمل: 60]. والثاني: أن يكون الإِنتفاء فيه على سبيل الابتغاء ويعبر عنه بالنفي غير التام كقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومدرك القسمين إنما يعرف بسياق الكلام الذي النفي فيه. ونفي الكون هنا من القسم الأول. والبشر هنا قال ابن عباس: وهو محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الترتيب في غاية الفصاحة ذكر أولاً الكتاب وهو جنس وترقي منه الى الحكم وهو الفصل بين الناس بالكتاب ثم إلى النبوة وهي الرتبة العليا. {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} أتى بثم التي للمهملة تعظيماً لهذا القول وإذا انتفى هذا القول بعد المهلة كانت انتفاؤه بدونها أولى وأحرى أي ان هذا الاتياء العظيم لا يجامع هذا القول وإن كان بعد مهلة من هذا الانعام العظيم. و{عِبَاداً} جمع عبد. وقال ابن عطية: عبدّي وعبيد من جموع عبد أما عبدي فهو اسم جمع وألفه للتأنيث، وأما عبيد فقيل: اسم جمع. وقيل: جمع تكسير. قال ابن عطية: والذي استقرأت أن عباداً جمع عبد يجيء في موضع الترفيع كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [البقرة: 207، آل عمران: 30]، و{أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26]، و{أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ}تفسير : [الزمر: 53]. والعبيد يستعمل في معنى التحقير كقول حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لابن وقول امرىء القيس: شعر : قولا لدودان عبيد العصا تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [فصلت: 46]، لأنه مكان تشقيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم، وانه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك. "انتهى". ملخصاً وإنما كثرة استعمال عباد دون عبيد لأن فعالاً في جمع فعل قياس مطرد وجمع فعل على فعيل لا يطرد فكثر لفظ عباد وقل لفظ عبيد وأما الآية التي فيها لفظ العبيد فجاء ذلك لتواخي الفواصل لا للتحقير. وأما بيت امرىء القيس فالتحقير انما فهم من إضافة عبيد الى العصا. وكذلك قول حمزة فهم التحقير من الحالة التي كان عليها، وعبيد وعباد بمعنى واحد لكن الفرق بين مجيء عباد كثيراً وعبيد قليلاً هو القياس وعدم القياس. وقرىء ثم يقول برفع اللام أي ثم هو يقول: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} أي ولكن يقول كونوا والرباني. قال ابن عباس: الفقيه. ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة. وقرىء يعلمون وتعلمون بالتاء والياء. {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} قرىء برفع الراء على القطع وبالنصب عطفاً على أن يؤتيه والتقدير ولا أن يأمركم. وهذه الجملة على سبيل التوكيد لأنه نفي أن يتخذ لنفسه عباداً من دون الله فنهى أن يتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، يعني من كان معظماً من العالم العلوي وهم الملائكة، ومن العالم الأرضي وهم النبييون. ويجوز أن يكون ولا يأمركم بالنصب عطفاً على ثم يقول ويكون التقدير ولا له أن يقول ودخلت لا لتأكيد معنى النفي السابق كما تقول: ما كان لزيد قيام ولا قعود على انتفاء كل منهما. وقال ابن عطية في قراءة نصب الراء: هذا خطأ لا يلتئم به المعنى. "انتهى". لأنه قدر أن قبل لا فصار وان لا يأمركم ونحن قدرناه بعد لأفصح المعنى. {أَيَأْمُرُكُم} استفهام انكار وكونه بعد كونهم مسلمين أفحش وأقبح وهو لا يأمر بالكفر لا بعد الإِسلام ولا قبله. وجعل قول ذلك البشر أمره كفراً فسوى بين عبادته وبين عبادة الملائكة وهم الذين عبدتهم الصابئة، وبين عبادة النبيين وهم من عبدة اليهود والنصارى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه الآية نزلت ردا لمن قال من أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بالإيمان به ودعاهم إلى طاعته: أتريد يا محمد أن نعبدك مع الله، فقوله { ما كان لبشر } أي: يمتنع ويستحيل على بشر مَنَّ الله عليه بإنزال الكتاب وتعليمه ما لم يكن يعلم وإرساله للخلق { أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } فهذا من أمحل المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، لأن هذا أقبح الأوامر على الإطلاق، والأنبياء أكمل الخلق على الإطلاق، فأوامرهم تكون مناسبة لأحوالهم، فلا يأمرون إلا بمعالي الأمور وهم أعظم الناس نهيا عن الأمور القبيحة، فلهذا قال { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } أي: ولكن يأمرهم بأن يكونوا ربانيين، أي: علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم، بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل، والباء في قوله { بما كنتم تعلمون } إلخ، باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين. { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } وهذا تعميم بعد تخصيص، أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا بعبادة أحد من الخلق من الملائكة والنبيين وغيرهم { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } هذا ما لا يكون ولا يتصور أن يصدر من أحد مَنَّ الله عليه بالنبوة، فمن قدح في أحد منهم بشيء من ذلك فقد ارتكب إثما عظيما وكفرا وخيما.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 150 : 14 : 4 - سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ} قال، حكماء علماء. [الآية 79]. 151 : 15 : 14 - سفين عن منصور عن أبي رزين في قول الله تبارك وتعالى {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} قال، ربانيين حكماء وعلماء. [الآية 79].

همام الصنعاني

تفسير : 422- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن منصور بن المعتمر عن أبي رزين في قوله تعالى: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ}: [الآية: 79]، قال: حلماء علماء.