٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } لما قال: {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } بين أنه ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن الله وإرساله. ثم قال تعالى: {وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تقريراً لأمرين أحدهما: لتسلية قلبه حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملاً لتأذي القوم وثانيهما: إلزام القوم قبوله فإنه ليس بدعاً من الرسل وإنما هو مثل غيره يدعى ما ادعاه الرسل ويقرره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي بشيراً بالجنة أهل طاعته، ونذيراً بالنار أهل معصيته. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} أي سلف فيها نبيّ. قال ابن جريج: إلا العرب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ } بالهدى {بَشِيراً } من أجاب إليه {وَنَذِيرًا } من لم يجب إليه {وَإِنْ } ما {مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ } سلف {فِيهَا نَذِيرٌ } نبي ينذرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا} سلف فيها نبي قيل: إلا العرب.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} لما قال: إن أنت إلا نذير بين أنه ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن الله تعالى وإرساله. قوله: "بِٱلْحَقِّ" يجوز فيه أوجه: أحدهما: أنه حال من الفاعل أيْ أَرْسَلْنَاكَ مُحِقِّين. أو من المفعول أي مُحِقًّا أو نعت لمصدر محذوف أي إرسالاً ملتبساً بالحق. و متعلقٌ بِبَشِيرٍ ونذير، قال الزمخشري: بشيراً بالوعد ونذيراً بالوعيد الحق. قال أبو حيان: ولا يمكن أن يتعلق "بالحق" هذا ببشيراً ونذيراً معاً بل ينبغي أن يتأول كلامه على أنه أراد أَنَّ ثَمَّ محذوفاً والتقدير: بشيراً بالوَعْدِ الحَقِّ ونذيراً بالوَعِيدِ الحَقِّ، قال شهاب الدين: قد صرح الرجلُ بهذا. قوله: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} أي وما مِنْ أُمَّة فيما مضى. وقوله: {إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} خبر "مِنْ اُمَّةٍ". ومعنى "خَلاَ" أي سلف فيها نذير نبي منذر. وحذف من هذا ما أثبته في الأول، إذ التقدير: إلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ. قوله: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ} أي الكتب "وبالْكِتَابِ المُنِيرِ" أي الواضح. وكرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد. وقيل: البينات المعجزات، والزبر: هي الكتب التي فيها مواعظ وشبهات لا تحتمل النَّسْخَ. والمراد بالكتاب المنير الشريعة والأحكام الموافقة للحكمة الإليهة وهي المحتملة للنسخ. وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يعلم أن غيره كان مثلَه مُحْتَمِلاً لأذى القوم وأن غيره أيضاً أتاهم بمثل ذلك فكذبوه وآذَوهُ وصبروا على تكذيبهم {ثُمَّ أَخذتُ الِّذِين كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}؟ وهذا سؤال تقرير فإنهم علموا شدة إنكار الله عليهم واستئصالهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا ارسلناك بالحق} حال من المرسل بالكسر اى حال كوننا محقين او من المرسل بالفتح اى حال كونك محقا او صفة لمصدر محذوف اى ارسالا مصحوبا بالحق وارسلناك بالدين الحق الذى هو الاسلام او بالقرآن {بشيرا} حال كونك بشيرا للمؤمنين بالجنة: وبالفارسية [مرده دهنده] {ونذيرا} منذرا للكافرين بالنار: وبالفارسية [بيم كننده] {وان من امة} اى ما من امة من الامم السالفة واهل عصر من الاعصار الماضية {الا خلا} مضى. قال الراغب الخلاء المكان الذى لا ساتر فيه من بناء وساكن وغيرهما. والخلو يستعمل فىالزمان والمكان لكن لما تصور فى الزمان المضىّ فسر اهل اللغة قولهم خلا الزمان بقولهم مضى وذهب {فيها} اى فى تلك الامة {نذير} [بيم وآكاه كننده] من نبى او عالم ينذرهم والاكتفاء بالانذار لانه هو المقصود الاهم من البعثة. قال فى الكواشى واما فترة عيسى فلم يزل فيها من هو على دينه وداع الى الايمان. وفى كشف الاسرار والآية تدل على ان كل وقت لا يخلو من حجة خبرية وان اول الناس آدم وكان مبعوثا الى اولاده ثم لم يخل بعده زمان من صادق مبلغ عن الله او آمر يقوم مقامه فى البلاغ والاداء حين الفترة وقد قال تعالى {أية : أيحسب الانسان ان يترك سدى} تفسير : لا يؤمر ولا ينهى. فان قيل كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى {أية : لتنذر قوما ما انذر آباؤهم فهم غافلون } تفسير : قلت معنى الآية ما من امة من الامم الماضية ولا وقد ارسلت اليهم رسولا ينذرهم على كفرهم ويبشرهم على ايمانهم اى سوى امتك التى بعثناك اليهم يدل على ذلك قوله {أية : وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير} تفسير : وقوله {أية : لتنذر قوما ما انذر آباؤهم} تفسير : وقيل المراد ما من امة هلكوا بعذاب الاستئصال الا بعد ان اقيم عليهم الحجة بارسال الرسول بالاعذار والانذار انتهى ما فى كشف الاسرار وهذا الثانى هو الانسب بالتوفيق بين الآيتين يدل عليه ما بعده من قوله {أية : وان يكذبوك} تفسير : الخ والا فلا يخفى ان اهل الفترة ما جاءهم نذير على ما نطق به قوله تعالى {أية : ما انذر آباؤهم} تفسير : ويدل ايضا ان كل امة انذرت من الامم ولم تقبل استؤصلت فكل امة مكذبة معذبة بنوع من العذاب وتمام التوفيق بين الآيتين يأتى فى يس
الطوسي
تفسير : لما قال الله تعالى لنبيه إن أنت إلا نذير، ومعناه لست إلا مخوفاً من عقاب الله ومعاصيه قال له {إنا أرسلناك} يا محمد {بالحق} أي بالدين الصحيح {بشيراً} أي مبشراً بالجنة وثواب الله لمن أطاعه {ونذيراً} أى مخوفاً من عقابه لمن عصاه {وإن من أمة} أى ليس من أمة في ما مضى إلا مضى فيها مخوف من معاصي الله. وقال قوم: المعنى {إلا خلا فيها نذير} منهم وقال آخرون: نذير من غيرهم، وهو رسول اليهم، كما أرسل نبينا صلى الله عليه وآله إلى العرب والعجم. وقال الجبائي: في ذلك دلالة على أنه لا أحد من المكلفين إلا وقد بعث الله اليهم رسولا، وأنه أقام الحجة على جميع الامم. ثم قال على وجه التسلية له والتعزية عن تكذيب قومه اياه {فإن كذبوك} يا محمد ولم يصدقوك في انك نبي من قبل الله {فقد كذب الذين من قبلهم} من الكفار أنبياء أرسلوا اليهم {جاءتهم رسلهم} من الله {بالبينات} أي الحجج الواضحات {وبالزبر} يعني بالكتب {وبالكتاب المنير} الموضح بمنزلة ما فيه من نور يستضاء به. والزبر هي الكتب، وانما كرر ذكر الكتاب، وعطف عليه، لاختلاف الصنفين، لان الزبر الكتابة الثابتة كالنقر في الحجر، ثم بين تعالى ان الكفار لما كذبوا رسل الله الذين جاؤهم بالبينات ولم يعترفوا بنبوتهم انه اخذهم بالعذاب وبالعقوبة العاجلة واهلكهم ودمر عليهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} اى بالولاية فانّها الحقّ المطلق وكلّ ما سواه حقّ بحقّيّته {بَشِيراً وَنَذِيراً} للمؤمن والكافر {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} يعنى ما اهملنا امّةً من الامم بل بعثنا فى كلّ امّة نذيراً من نبىٍّ او وصىّ نبىٍّ، فى حديثٍ عن الباقر (ع): لم يمت محمّد (ص) الاّ وله بعيث نذير قال: فان قيل: لا، فقد ضيّع رسول الله (ص) من فى اصلاب الرّجال من امّته، قيل: وما يكفيهم القرآن؟- قال: بلى، ان وجدوا له مفسّراً، قيل: وما فسّره رسول الله؟- قال: بلى، قد فسّره لرجلٍ واحدٍ وفسّر للامّة شأن ذلك الرّجل وهو علىّ بن ابى طالب (ع). اعلم، انّه تعالى جعل غاية خلق العالم بنى آدم، وجعل غاية خلق بنى آدم ولاية علىّ بن ابى طالب (ع) سواء كانت ظاهرة فى هيكل النّبوّة او الرّسالة او الخلافة وليس المراد بالنّذير الاّ الرّسول او النّبىّ او خليفتهما، فلو لم يكن فى العالم حيناً نذير بطل الخلقة ولم يكن لها غاية، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يكن عالم الاّ وكان فيه آدم، ولم يكن آدم الاّ وكان له نذيرٌ وهكذا لم يبق العالم بلا آدم ولا نذيرٍ.
اطفيش
تفسير : {إنا أرسلناك بالحق} حال من نا او من الكاف او نعت لمصدر محذوف او متعلق بقوله. {بشيرا ونذيرا} اي بشيرا بالوعد الحق للمؤمن ونذيرا بالوعيد الحق للكافر. {وإن من أمة} من صلة مؤكدة لأمة الجماعة الكثيرة واهل العصر والمراد هنا الثاني وفي حدود المتكلمين الامة هم المصدقون بالرسل دون من لم يصدق وذلك ان الامة تطلق على امة الاجابة وهو الذي يذكره المتكلمون وذلك انهم اجابوا الى الايمان فبعضهم متق وبعضهم عاص وعلى امة البعث وهي من ارسل اليهم رسول. {إلا خلا} مضى. {فيها نذير} نبي او عالم ينذر اي وبشير وحذفه للعلم به ولذكره قبل فان العالم ينذر ويبشر كالنبي ولان الانذار عن موجبات العذاب تبشير بعدم العذاب لترك موجبه ولان الانذار هو الاهم من البعثة واثر النذراة باق بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد صلى الله عليهما، وحجة الله على عباده لم تنقطع منذ ارسل الله ابانا ادم الى أولاده وزوجته الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا الى هذا الزمان ولا تنقطع الى يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {إنا أرْسَلناك بالحقِّ} حال من الكاف أى ثابتا بالحق أو من نا أى ثابتين، بالحق، أو متعلق بنعت المصدر أى إرسالا مصحوباً بالحق أو متعلق بقوله: {بشيراً} ويقدر ضميره لقوله: {ونذِيراً} أى به لا على التنازع، والأولى بشيراً بالجنة على الموافقة، ونذيراً بالنار على المخالفة {وإنْ مِنْ أمَّةٍ} ما أمة من الأمم الماضية {إلا خلا} مضى {فيها نذير} هو نبى أو عالم، وحذف النعت للعلم به أى نذير بشير، أو لا غناء نذير عنه لأنه لا يخلو الانذار عن خير يبشر به من عمل بالانذار، والبشارة المجملة بأن يقال من فعل كذا فله كذا لا تختص بالنبى، بل تكون من أتباعه القائلين ذلك عنه، وليس المراد أنك يا فلان من أهل النار، أو من أهل الجنة، فضلا عن أنت تختص بالأنبياء، وسلاه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وإن يُكذِّبُوك} أى قومك وقد جئتم بالقرآن {فَقَد كذَّب الَّذين من قَبْلهم} من الأمم الماضية رسلهم، فلا تحزن فيأخذ الله عز وجل المصرين على تكذيبهم، {جَاءتْهُم رسُلُهم} مستأنف أو حال بتقدير قد، لأنها فعليه ماضوية متصرف فعلها مثبت، وأجيز بلا تقدير لقد {بالبيِّنات} المعجزات، الدالة عل صدقهم {وبالزُّبُر} الكتب الصغار كصحف شيث، وصحف ابراهيم، وصحف موسى {وبالكتاب المُنِير} جنس الكتاب الكبير التوراة والزبور والإنجيل.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } أي محقين على أنه حال من الفاعل أو محقاً على أنه حال من المفعول أو إرسالاً مصحوباً بالحق على أنه صفة لمصدر محذوف، وجوز الزمخشري تعلقه بقوله سبحانه: {بَشِيراً } ومتعلق قوله تعالى: {وَنَذِيرًا } محذوف لدلالة المقابل على مقابله أي بشيراً بالوعد الحق ونذيراً بالوعيد الحق. {وَإِن مّنْ أُمَّةٍ } أي ما من جماعة كثيرة أهل عصر وأمة من الأمم الدارجة في الأزمنة الماضية {إِلاَّ خَلاَ } مضى {فِيهَا نَذِيرٌ } من نبـي أو عالم ينذرها، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قريبة البشارة لا سيما وقد اقترنا آنفاً مع أن الإنذار أنسب بالمقام، وقيل خص النذير بالذكر لأن البشارة لا تكون إلا بالسمع فهو من خصائص الأنبياء عليهم السلام فالبشير نبـي أو ناقل عنه بخلاف النذارة فإنها تكون سمعاً وعقلاً فلذا وجه النذير في كل أمة، وفيه بحث. واستدل بعض الناس بهذه الآية مع قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ }تفسير : [الأنعام: 38] على أن في البهائم وسائر الحيوانات أنبياء أو علماء ينذرون، والاستدلال بذلك باطل لا يكاد ينفي بطلانه على أحد حتى على البهائم، ولم نسمع القول بنبوة فرد من البهائم ونحوها إلا عن الشيخ محيـي الدين ومن تابعه قدس الله سره، ورأيت في بعض الكتب أن القول بذلك كفر والعياذ بالله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وتنويه به وبالإِسلام. وفيه دفع توهم أن يكون قصره على النذارة قصراً حقيقاً لتبيّن أن قصره على النذارة بالنسبة للمشركين الذين شابَه حالُهم حالَ أصحاب القبور، أي أن رسالتك تجمع بشارة ونذارة؛ فالبشارة لمن قَبِل الهدى، والنذارة لمن أعرض عنه، وكل ذلك حقّ لأن الجزاء على حسب القبول، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع الأشياء مواضعها. فقوله: {بالحق} إما حال من ضمير المتكلم في {أرسلناك} أي مُحقّين غير لاَعبين، أو من كاف الخطاب، أي مُحِقّاً أنتَ غير كاذب، أو صفةٌ لمصدر محذوف، أي إرسالاً ملابساً بالحق لا يشوبه شيء من الباطل. وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة. وقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} إبطال لاستبعاد المشركين أن يرسل الله إلى الناس بشراً منهم، فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدّهم عن التصديق به، فلذلك أُتبعت دلائل الرسالة بإبطال الشبهة الحاجبة على حدّ قوله تعالى: { أية : قل ما كنت بدعاً من الرسل } تفسير : [الأحقاف: 9]. وأيضاً في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضُوا أن يكونوا دون غيرهم من الأمم التي شُرّفت بالرسالة. ووجه الاقتصار على وصف النذير هنا دون الجمع بينه وبين وصف البشير هو مراعاة العموم الذي في قوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}، فإن من الأمم من لم تحصل لها بشارة لأنها لم يؤمن منها أحد، ففي الحديث: « حديث : عُرضت عليّ الأمم فجَعَل النبي يمرّ معه الرهط، والنبي يمرّ معه الرجل الواحد، والنبي يمرّ وحده » تفسير : الحديث، فإن الأنبياء الذين مرّوا وحدهم هم الأنبياء الذين لم يستجب لهم أحد من قومهم، وقد يكون عدم ذكر وصف البشارة للاكتفاء بذكر قرينة اكتفاء بدلالة ما قبله عليه، وأُوثر وصف النذير بالذكر لأنه أشد مناسبة لمقام خطاب المكذبين. ومعنى الأمة هنا: الجذم العظيم من أهل نسب ينتهي إلى جدّ واحد جامع لقبائل كثيرة لها مواطن متجاورة مثل أمة الفُرس وأمة الروم وأمة الصين وأمة الهند وأمة اليونان وأمة إسرائيل وأمة العرب وأمة البرْبر؛ فما من أمة من هؤلاء إلا وقد سبق فيها نذير، أي رسول أو نبيء يُنذرهم بالمهلكات وعذاب الآخرة. فمن المنذِرين من علمناهم، ومنهم من أنذروا وانقرضوا ولم يبق خبرهم قال تعالى: { أية : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصُصْ عليك } تفسير : [غافر: 78]. والحكمة في الإِنذار أن لا يبقى الضلال رائجاً وأن يتخول الله عباده بالدعوة إلى الحق سواء عملوا بها أو لم يعملوا فإنها لا تخلو من أثر صالح فيهم. وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرسل الذين كانوا في الأمم الساميّة القاطنة في بلاد العرب وما جاورها لأن القرآن حين نزوله ابتدأ بخطاب العرب ولهم علم بهؤلاء الأقوام فقد علموا أخبارهم وشهدوا آثارهم فكان الاعتبار بهم أوقع، ولو ذكرت لهم رسل أمم لا يعرفونهم لكان إخبارهم عنهم مجرد حكاية ولم يكن فيه استدلال واعتبار.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} (24) - وَقَدْ أَرْسَلَكَ اللهُ تَعَالى بِالحَقِّ والصِّدْقِ، لِتُبَشِّرَ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وَتُنْذِرَ الكَافِرينَ المُكَذِّبينَ بِأَنَّ لَهُمْ عذاباً أليماً مِنَ اللهَ. وَليسَ فِي الأُمَمِ السَّالِفَةِ البَائِدَةِ أُمةٌ إِلا وَجَاءَها مُنْذِرٌ مِنَ اللهِ يَدْعُوهَا إِلى عِبَادَةِ رَبِّها وَتَوْحِيدِهِ، وَيُنْذِرُها بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنِ استَمَرَّتْ مُقِيمَةً عَلَى مَا هِي عَليهِ مِنْ كُفْرٍ وَطُغْيانٍ وَضَلالٍ، لِكَيلاً يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والله تعالى يضرب لنا مثلاً حسياً لتوضيح الحق والباطل، فيقول سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. وقد ترجمنا هذه العلاقة بين الحق والباطل ترجمة عصرية فقلنا: لا يصح إلا الصحيح، نعم لأن الباطل وإنْ أخذ صورة الحق مرة بعض الوقت، فهو كالزَّبَد الذي سرعان ما تزيحه الرياح لتكشف وجه الحقيقة الناصع والحق الواضح. وقوله تعالى لنبيه: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} [فاطر: 24] يدل على أنه الرسول الخاتم الذي لا رسول ولا نبي بعده يغير شيئاً مما جاء به، فالنبي جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير أبداً، ولا يستدرك عليه أحد بعده. لذلك فإن آفة البشرية الآن أنها تحكم العصر وتطور الأوضاع في الحكم على المخالفات الشرعية، فحين نتعرض لمخالفة نسمع مَنْ يقول إنه التطور الذي لا بُدَّ منه، وهؤلاء هم دعاة (عَصْرنة) الدين، يعني تطويع الدين ليلائم العصر. وهذا يعني أن تطور العصر هو المشرع، في حين أن المفروض أن العصر هو الذي يستقبل تشريع السماء ويبني حركة حياته على هَدْيه ونوره؛ لأن الحركة التي تُبْنى على هَدْي السماء هي الحركة العليا من الرب الأعلى الذي يعلم حقيقة الخير لك ولا يستدرك عليه، أما إنْ شرع لك إنسانٌ مثلك، فحتى هو لو دَلَّك على الخير فهو خير من وجهة نظره وعلى قدر علمه، فلا بُدَّ أنْ يكون فيه نقص وقصور، ولا بُدَّ أنْ يأتي بعده مَنْ ينقضه ويستدرك عليه. لذلك رأينا حتى غير المسلمين تُلجئهم أقضية الحياة إلى أن يأخذوا بحلول الإسلام للتغلب على مشاكلهم، وهم بالطبع لا يأخذون أحكام الإسلام حباً فيه، إنما لأنهم لم يجدوا حلاً في غيره. ومن هذه القضايا قضية الطلاق التي طالما أثاروا حولها الشكوك وظنوها مأخذاً على الإسلام، والآن في إيطاليا يقررون الطلاق، لا لأن الإسلام شرَّعه، إنما لأن مشاكلهم لا تُحَلُّ إلا به. وهذه المسألة توضح لنا معنى قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]. لذلك سُئِلْنا في بعض رحلاتنا: القرآن يقول: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9] وفى آية أخرى: {أية : وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8] فكيف تم نور الله ومع الإسلام ديانات أخرى كثيرة، ما زالت موجودة، وأغلبها أكثر من الإسلام عَدَداً وقوة؟ لقد فهم هؤلاء أن معنى {أية : مُتِمُّ نُورِهِ} تفسير : [الصف: 8] أنْ يصير الناس جميعاً مسلمين، ولو كان الأمر كذلك ما قال الله تعالى {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9] {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8] إذن: الحق سبحانه يقرر وجود الشرك والكفر مع الإسلام. والمعنى: أن الله مُتِم نوره يعني مع كفرهم ومع شركهم طوال المدة، إلا أنهم لن يقدروا على إطفاء هذا النور، فسوف يظل، وسوف يتغلب على أحكامهم ويظهر عليها، بحيث لا يجدون حلاً لأقضيتهم إلا في هذا النور. وقوله تعالى: {بَشِيراً وَنَذِيراً} [فاطر: 24] البشير: الذي يُخبر بالخير قبل أوانه. والنذير: الذي يُحذِّر من الشر قبل أوانه {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] إنْ هنا بمعنى ما النافية، مثل: {أية : إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 23] فالمعنى: ما من أمة إلا خلا فيها نذير يعني: جاءها نذير ومضى. والأمة: الجماعة من الناس، تجمعهم أرض واحدة، أو يجمعهم سلوك واحد، أو عقيدة واحدة. ومن معاني كلمة أمة ما جاء في قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] يعني: جامعاً وحده كُلَّ خصال الخير، بحيث لو جمعت كل صفات الخير في أمة تجدها في سيدنا إبراهيم عليه السلام. وإذا كانت الأمم السابقة مضى في كل منها نذير، فرسول الله هو النذير الأخير، لماذا؟ قالوا: لأن واقع العالم في القديم كان بعيد التواجد منقطعاً بعضُه عن بعض لصعوبة الاتصال، فالجماعات تعيش منفصلة لا اتصال بينها، فترى لكل بيئة داءاتها وعيوبها وعاداتها، فيأتي الرسول ليعالج داءات قومه فحسب، فسيدنا نوح عليه السلام جاء للذين عبدوا وَداً وسُواعاً ويَغُوث ويَعُوق ونَسْراً، وسيدنا لوط عليه السلام جاء ليعالج داء الشذوذ في قومه .. الخ أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء على ميعاد مع التقاء الدنيا كلها، حين تداخلت الحضارات والمجتمعات، فصار العيب في أمة عيباً في كل الأمم، وزاد هذا الالتقاء حتى أصبحنا اليوم نرى ونسمع ما يحدث في أقصى بلاد الدنيا في التَّوِّ واللحظة، كذلك نرى ونسمع سلبيات وعيوب الآخرين وكأنها في بلادنا، إذن: ستتوحد الداءات، وتتوحد النقائص، ويصبح العالم كله بيئة واحدة، لذلك كانت رسالة الإسلام رسالة عالمية، وبُعث سيدنا رسول الله للناس كافة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):