٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا }. وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل: المسألة الأولى: ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار، وقال: {أَلَمْ تَرَ } وذكر الدليل المتقدم على طريقة الإخبار وقال: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ } تفسير : [فاطر: 9] وفيه وجهان الأول: أن انزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جداً كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جداً، فقال له غيره أين هو، فإنه يقول له في الموضع الفلاني، فإن لم يره، يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور، وإذا كان بارزاً يقول له أما تراه هذا هو ظاهراً والثاني: وهو أنه ذكره بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات، فقال له أنت صرت بصيراً بما ذكرناه ولم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية. المسألة الثانية:المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما: النبـي صلى الله عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد، يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر: أن لا يخرج إلى كلام أجنبـي عن الأول، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة. المسألة الثالثة: هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد ممرات مختلفة وفيه لطائف الأولى: قال أنزل وقال أخرجنا. وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول: قال الله تعالى: {الم تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ } فإن كان جاهلاً يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له، فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم ووجه آخر: هو أن الله تعالى لما قال: {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ } علم الله بدليل، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين، فقال له أخرجنا لقربه ووجه ثالث: الإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة الغائب. اللطيفة الثانية: قال تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ كَذَلِكَ }. كأن قائلاً قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع. ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض، والجدد جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة، فإن قيل الواو في: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ } ما تقديرها؟ نقول هي تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان، وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما: أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال. قال الزمخشري: أراد ذو جدد واللطيفة الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ } تفسير : [الرعد:4] مع أن هذا الدليل مثل ذلك، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول: {أَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } كان نفس إخراج الثمار دليلاً على القدرة ثم زاد عليه بياناً، وقال مختلفاً كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة والإرادة، لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار، ثم زاده بياناً وقال {جدد بيض}، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دلائل. المسألة الرابعة: {مختلف ألوانها}، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص، وكذلك الأحمر، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغاً غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف. المسألة الخامسة: قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود، يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخراً فكيف جاء غرابيب سود؟ نقول قال الزمخشري: غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمراً ومظهراً، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير، ثم قال تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ } استدلالاً آخر على قدرته وإرادته، وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه وهو عالم المركبات قسمين: حيوان وغير حيوان، وغير الحيوان إما نبات وإما معدن، والنبات أشرف، وأشار إليه بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } ثم ذكر المعدن بقوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ } ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها، أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره، وقوله: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } القول فيه كما أنها في أنفسها دلائل، كذلك في اختلافها دلائل. وأما قوله {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين، وكون التذكير أعلى وأولى. ثم قال تعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور}. الخشية بقدر معرفة المخشي، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد، لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات:13] فبين أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم. فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه، فإن من يراه يقول: لو علم لعمل. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } ذكر ما يوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزاً ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفوراً لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ. وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الله، معناها إنما يعظم ويبجل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} هذه الرؤية رؤية القلب والعلم؛ أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل؛ فـ«ـأنّ» واسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي الرؤية. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} هو من باب تلوين الخطاب. {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} نصبت «مُخْتَلِفاً» نعتاً لـ«ـثَمَرَاتٍ». {أَلْوَانُهَا} رفع بمختلف، وصلح أن يكون نعتاً لـ«ـثَمَرَات» لما عاد عليه من ذكره. ويجوز في غير القرآن رفعه؛ ومثله رأيت رجلاً خارجاً أبوه. {بِهِ} أي بالماء وهو واحد، والثمرات مختلفة. {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} الجدد جمع جُدّة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجراً أو تراباً. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال: جُدُد (بضم الجيم والدال) نحو سرير وسرر وقال زهير:شعر : كأنه أسفع الخدّين ذو جُدُد طاوٍ ويرتع بعد الصيف عُريانا تفسير : وقيل: إن الجدد القِطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته؛ حكاه ابن بحر. قال الجوهريّ: والجُدَّة الخُطّة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجُدّة الطريقة، والجمع جدد؛ قال تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} أي طرائق تخالف لون الجبل. ومنه قولهم: ركب فلان جُدَّةً من الأمر؛ إذا رأى فيه رأياً. وكساء مجدّد: فيه خطوط مختلفة. الزمخشري: وقرأ الزهريّ «جدد» بالضم جمع جديدة، وهي الجدّة؛ يقال: جديدة وجُدُد وجدائد؛ كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسّر بها قول أبي ذُؤيب:شعر : جَـوْن السَّـراة لـه جـدائـد أربـعُ تفسير : وروي عنه «جَدَد» بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ} وقرِىء: «والدواب» مخففاً. ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: «وَلاَ الضّألين» لأن كل واحد منهما فرّ من التقاء الساكنين، فحرّك ذلك أوّلهما، وحذف هذا آخرهما؛ قاله الزمخشريّ. {وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على صانع مختار. وقال: «مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ» فذكَّر الضمير مراعاة لـ«ـمن»؛ قاله المؤرِّج. وقال أبو بكر بن عياش: إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى «ما» مضمرة؛ مجازه: ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ألوانه، أي أبيض وأحمر وأسود. {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} قال أبو عبيدة: الغِربيب الشديد السواد؛ ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب؛ أي شديد السواد. وإذا قلت: غرابيب سود، تجعل السود بدلاً من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يبغض الشيخ الغربيب»تفسير : يعني الذي يخضِب بالسواد. قال امرؤ القيس:شعر : العين طامحة واليد سابحة والرِّجْل لافحة والوجه غربيب تفسير : وقال آخر يصف كَرْماً:شعر : ومن تعاجيب خلق الله غاطيةٌ يُعصَر منها مُلاحِيٌّ وغِربيب تفسير : {كَذَلِكَ} هنا تمام الكلام؛ أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم استأنف فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته؛ فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» قال: الذين علموا أن الله على كل شيء قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالِم. وقال مجاهد: إنما العالِم من خشي الله عز وجل. وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علماً وبالاغترار جهلاً. وقيل لسعد بن إبراهيم: مَن أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حقَّ الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارميّ أبو محمد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم ـ ثم تلا هذه الآية ـ {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}. إن الله وملائكته وأهلَ سمواته وأهل أرضيه والنونَ في البحر يُصلون على الذين يعلّمون الناس الخير» تفسير : الخبر مرسل. قال الدارمي: وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تُبَيْعاً يحدّث عن كعب قال: إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمرُّ من الصبر؛ فبي يغترّون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحنَّ لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. خرّجه الترمذيّ مرفوعاً من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدّمة الكتاب. الزمخشريّ: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ» بالرفع «مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ» بالنصب، وهو عمر بن عبد العزيز، وتُحكى عن أبي حنيفة. قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلّهم ويعظمهم كما يُجَلّ المهيب المخشيُّ من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم. والمعاقِب والمثيب حقّه أن يخشى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها؛ من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض، إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ وَجَنَّـٰتٌ مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوَٰنٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 4]. وقوله تبارك وتعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا} أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضاً؛ من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق، وهي الجدد، جمع جدة، مختلفة الألوان أيضاً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الجدد: الطرائق، وكذا قال أبو مالك والحسن وقتاده والسدي، ومنها غرابيب سود. قال عكرمة: الغرابيب: الجبال الطوال السود، وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة. وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب، ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} أي: سود غرابيب، وفيما قاله نظر. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُ كَذَلِكَ} أي: كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب، وهو كل ما دب على القوائم، والأنعام، من باب عطف الخاص على العام، كذلك هي مختلفة أيضاً، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الروم: 22] وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد، بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق، فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد قال الحافظ أبو بكر البزارفي مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيصبغ ربك؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم صبغاً لا ينفض؛ أحمر وأصفر وأبيض» تفسير : وروي مرسلاً وموقوفاً، والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئاً، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل. وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيرٌ غَفُورٌ}. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري: معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع، فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا، لا يدرك إلا بالرواية، ويكون تأويل قوله: نور، يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله تعالى، ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله: ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس العالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مآءً فَأَخْرَجْنَا } فيه التفات عن الغيبة {بِهِ ثَمَرٰتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَٰنُهَا } كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } جمع جدة، طريق في الجبل وغيره {بِيضٌ وَحُمْرٌ } وصفر {مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا } بالشدة والضعف {وَغَرَابِيبُ سُودٌ } عطف على «جدد» أي صخور شديدة السواد، يقال كثيراً: أسود غربيب، وقليلاً: غربيب أسود.
الشوكاني
تفسير : ثم ذكر سبحانه نوعاً من أنواع قدرته الباهرة، وخلقاً من مخلوقاته البديعة، فقال: {أَلَمْ تَرَ }، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكلّ من يصلح له {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } وهذه الرؤية هي: القلبية، أي ألم تعلم، وأن واسمها وخبرها سدّت مسدّ المفعولين {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي: بالماء، والنكتة في هذا الالتفات إظهار كمال العناية بالفعل لما فيه من الصنع البديع، وانتصاب {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } على الوصف لثمرات، والمراد بالألوان الأجناس، والأصناف، أي: بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر، وبعضها أسود {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } الجدد جمع جدة، وهي: الطريق. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال جدد بضم الجيم والدال، نحو سرير وسرر. قال زهير:شعر : كأنه أسفع الخدين ذو جدد طاوٍ ويرتع بعد الصيف أحياناً تفسير : وقيل: الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال الجوهري: الجدة: الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجدة الطريقة، والجمع جدد، وجدائد، ومن ذلك قول أبي ذؤيب:شعر : جون السراة له جدائد أربع تفسير : قال المبرد: جدد: طرائق وخطوط. قال الواحدي: ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد. وقال الفراء: هي: الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض، وسود، وحمر، واحدها جدة. والمعنى: أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال، وهي: طرائقها، أو الخطوط التي فيها بأن لون بعضها البياض، ولون بعضها الحمرة، وهو معنى قوله: {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا } قرأ الجمهور: {جدد} بضم الجيم، وفتح الدال. وقرأ الزهري بضمهما جمع جديدة، وروي عنه: أنه قرأ بفتحهما، وردّها أبو حاتم وصححها غيره، وقال: الجدد الطريق الواضح البين {وَغَرَابِيبُ سُودٌ } الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب. قال الجوهري: تقول هذا أسود غربيب، أي: شديد السواد، وإذا قلت غرابيب سود جعلت السود بدلاً من غرابيب. قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: وسود غرابيب، لأنه يقال: أسود غربيب، وقلّ ما يقال: غربيب أسود، وقوله: {مُّخْتَلِف أَلْوَانُهَا } صفة لجدد، وقوله: {وَغَرَابِيبُ } معطوف على جدد على معنى: ومن الجبال جدد بيض، وحمر، ومن الجبال غرابيب على لون واحد، وهو: السواد، أو على حمر على معنى، ومن الجبال جدد بيض، وحمر، وسود. وقيل: معطوف على بيض، ولا بدّ من تقدير مضاف محذوف قبل جدد، أي: ومن الجبال ذو جدد، لأن الجدد إنما هي في ألوان بعضها. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ } قوله: {مختلف} صفة لموصوف محذوف، أي: ومنهم صنف، أو نوع، أو بعض مختلف ألوانه بالحمرة، والسواد، والبياض، والخضرة، والصفرة. قال الفراء، أي: خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات، والجبال، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله، وبديع صنعه، ومعنى {كَذٰلِكَ } أي: مختلفاً مثل ذلك الاختلاف، وهو صفة لمصدر محذوف، والتقدير مختلف ألوانه اختلافاً كائناً كذلك، أي: كاختلاف الجبال، والثمار. وقرأ الزهري: «والدواب» بتخفيف الباء. وقرأ ابن السميفع: «ألوانها». وقيل: إن قوله: {كَذٰلِكَ } متعلق بما بعده، أي: مثل ذلك المطر، والاعتبار في مخلوقات الله، واختلاف ألوانها يخشي الله من عباده العلماء، وهذا اختاره ابن عطية، وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها. والراجح الوجه الأوّل، والوقف على: {كذلك} تامّ. ثم استؤنف الكلام، وأخبر سبحانه بقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } أو هو من تتمة قوله: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [فاطر: 18] على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة، وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير، فهو: سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشيته، وهم: العلماء به، وتعظيم قدرته. قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عزّ وجلّ. وقال مسروق: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار جهلاً، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله، فليس بعالم. وقال الشعبي: العالم من خاف الله، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية، ولو أخر انعكس الأمر. وقرأ عمر بن عبد العزيز برفع الاسم الشريف، ونصب العلماء، ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة قال في الكشاف: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: أنه يجلهم، ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب على معصيته غافر لمن تاب من عباده. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } أي: يستمرّون على تلاوته، ويداومونها. والكتاب هو: القرآن الكريم، ولا وجه لما قيل: إن المراد به جنس كتب الله {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها، وأذكارها {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } فيه حثّ على الإنفاق كيف ما تهيأ، فإن تهيأ سرّاً، فهو أفضل، وإلاّ فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، ويمكن أن يراد بالسرّ صدقة النفل، وبالعلانية صدقة الفرض، وجملة. {يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ } في محل رفع على خبرية إنّ كما قال ثعلب، وغيره، والمراد بالتجارة ثواب الطاعة ومعنى {لَّن تَبُورَ }: لن تكسد، ولن تهلك، وهي صفة للتجارة، والإخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم. واللام في: {لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } متعلق بلن تبور، على معنى: أنها لن تكسد لأجل أن يوفيهم أجور أعمالهم الصالحة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 173]. وقيل: إن اللام متعلقة بمحذوف دلّ عليه السياق: أي: فعلوا ذلك ليوفيهم، ومعنى {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أنّه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم، وجملة {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة: أي: غفور لذنوبهم شكور لطاعتهم، وقيل: إن هذه الجملة هي: خبر إنّ، وتكون جملة يرجون في محل نصب على الحال، والأوّل أولى. {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني: القرآن. وقيل: اللوح المحفوظ على أن من تبعيضية، أو ابتدائية، وجملة: {هُوَ ٱلْحَقُّ } خبر الموصول و{مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } منتصب على الحال، أي: موافقاً لما تقدّمه من الكتب {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } أي: محيط بجميع أمورهم {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } المفعول الأوّل لأورثنا الموصول، والمفعول الثاني الكتاب، وإنما قدّم المفعول الثاني لقصد التشريف، والتعظيم للكتاب، والمعنى: ثم أورثنا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، وهو: القرآن، أي: قضينا، وقدّرنا بأن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، ومعنى اصطفائهم: اختيارهم، واستخلاصهم، ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة، فمن بعدهم قد شرفهم الله على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطاً؛ ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء، وسيد ولد آدم. قال مقاتل: يعني: قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا. وقيل: إن المعنى: أورثناه من الأمم السالفة، أي: أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، والأوّل أولى. ثم قسم سبحانه هؤلاء الذي أورثهم كتابه، واصطفاهم من عباده إلى ثلاثة أقسام، فقال: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } قد استشكل كثير من أهل العلم معنى هذه الآية، لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم لنفسه من ذلك المقسم، وهو من اصطفاهم من العباد، فكيف يكون من اصطفاه الله ظالماً لنفسه؟ فقيل: إن التقسيم هو راجع إلى العباد، أي: فمن عبادنا ظالم لنفسه، وهو: الكافر، ويكون ضمير {يدخلونها} عائداً إلى المقتصد والسابق. وقيل: المراد بالظالم لنفسه هو: المقصر في العمل به، وهو: المرجأ لأمر الله، وليس من ضرورة ورثة الكتاب مراعاته حقّ رعايته، لقوله: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الأعراف: 169]، وهذا فيه نظر، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء. وقيل: الظالم لنفسه: هو: الذي عمل الصغائر، وقد روي هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعائشة، وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور من ذهب إلى آخر ما سيأتي. ووجه كونه ظالماً لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظاً عظيماً. وقيل: الظالم لنفسه هو: صاحب الكبائر. وقد اختلف السلف في تفسير السابق، والمقتصد، فقال عكرمة، وقتادة، والضحاك: إن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقيّ على الإطلاق، وبه قال الفراء، وقال مجاهد في تفسير الآية: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ} أصحاب المشأمة {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ }: أصحاب الميمنة {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ }: السابقون من الناس كلهم. وقال المبرد: إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها، والآخرة حقها. وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيآته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته، وسيآته، والسابق من رجحت حسناته على سيآته. وقال مقاتل: الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة، والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة. وحكى النحاس: أن الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيآته، فتكون جنات عدن يدخلونها للذين سبقوا بالخيرات لا غير، قال: وهذا قول جماعة من أهل النظر، لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. وقال الضحاك. فيهم ظالم لنفسه، أي: من ذرّيتهم ظالم لنفسه. وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم لنفسه الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحب الله من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحقّ. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار، والمقتصد الذي يعبده طمعاً في الجنة، والسابق الذي يعبده لا لسبب. وقيل: الظالم الذي يحبّ نفسه، والمقتصد الذي يحبّ دينه، والسابق الذي يحبّ ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف، وينصف، والسابق الذي ينصف ولا ينتصف وقد ذكر الثعلبي، وغيره أقوالاً كثيرة، ولا شك أن المعاني اللغوية للظالم، والمقتصد، والسابق معروفة، وهو يصدق على الظلم للنفس بمجرّد إحرامها للحظ، وتفويت ما هو خير لها، فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوّتها من الثواب، وإن كان قائماً بما أوجب الله عليه تاركاً لما نهاه الله عنه، فهو من هذه الحيثية من اصطفاه الله، ومن أهل الجنة، فلا إشكال في الآية، ومن هذا قول آدم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23]، وقول يونس: {أية : إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87]، ومعنى المقتصد: هو من يتوسط في أمر الدين، ولا يميل إلى جانب الإفراط، ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة، وأما السابق، فهو: الذي سبق غيره في أمور الدين، وهو خير الثلاثة. وقد استشكل تقديم الظالم على المقتصد، وتقديمهما على السابق مع كون المقتصد أفضل من الظالم لنفسه، والسابق أفضل منهما، فقيل: إن التقديم لا يقتضي التشريف كما في قوله: {أية : لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الحشر: 20]، ونحوها من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشرّ على أهل الخير، وتقديم المفضولين على الفاضلين. وقيل: وجه التقديم هنا: أن المقتصدين بالنسبة إلى أهل المعاصي قليل، والسابقين بالنسبة إلى الفريقين أقلّ قليل، فقدّم الأكثر على الأقلّ، والأوّل أولى، فإن الكثرة بمجرّدها لا تقتضي تقديم الذكر. وقد قيل: في وجه التقديم غير ما ذكرنا مما لا حاجة إلى التطويل به. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى توريث الكتاب، والاصطفاء. وقيل: إلى السبق بالخيرات، والأوّل أولى، وهو مبتدأ، وخبره: {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } أي: الفضل الذي لا يقادر قدره. وارتفاع {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } على أنها مبتدأ، وما بعدها خبرها، أو على البدل من الفضل، لأنه لما كان هو السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب، وعلى هذا، فتكون جملة: {يَدْخُلُونَهَا } مستأنفة، وقد قدّمنا: أن الضمير في يدخلونها يعود إلى الأصناف الثلاثة، فلا وجه لقصره على الصنف الأخير، وقرأ زرّ بن حبيش، والترمذي: (جنة) بالإفراد، وقرأ الجحدري: (جنات) بالنصب على الاشتغال، وجوّز أبو البقاء: أن تكون جنات خبراً ثانياً لاسم الإشارة، وقرأ أبو عمرو: (يدخلونها) على البناء للمفعول، وقوله: {يُحَلَّوْنَ } خبر ثان لجنات عدن، أو حال مقدّرة، وهو من حليت المرأة، فهي: حال، وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول، فلما قال: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا } أشار أن دخولهم على وجه السرعة {مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } "من" الأولى تبعيضية، والثانية بيانية، أي: يحلون بعض أساور كائنة من ذهب، والأساور جمع أسورة جمع سوار، وانتصاب {لُؤْلُؤاً } بالعطف على محل {مِنْ أَسَاوِرَ } وقرىء بالجرّ عطفاً على ذهب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } قد تقدّم تفسير الآية مستوفى في سورة الحج. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } قرأ الجمهور: {الحزن} بفتحتين. وقرأ جناح بن حبيش بضمّ الحاء، وسكون الزاي. والمعنى: أنهم يقولون هذه المقالة إذا دخلوا الجنة. قال قتادة: حزن الموت. وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب، وخوف ردّ الطاعات. وقال القاسم: حزن زوال النعم، وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: همّ الخبز في الدنيا. وقيل: همّ المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش، أو معاد. وهذا أرجح الأقوال، فإن الدنيا، وإن بلغ نعيمها أيّ بلغ لا تخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان، وخصوصاً أهل الإيمان، فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب الله خائفين من عقابه، مضطربي القلوب في كل حين، هل تقبل أعمالهم أو تردّ؟ حذرين من عاقبة السوء، وخاتمة الشرّ، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة. وأما أهل العصيان: فهم، وإن نفس عن خناقهم قليلاً في حياة الدنيا التي هي دار الغرور، وتناسوا دار القرار يوماً من دهرهم، فلا بدّ أن يشتدّ وجلهم، وتعظم مصيبتهم، وتغلي مراجل أحزانهم إذا شارفوا الموت، وقربوا من منازل الآخرة، ثم إذا قبضت أرواحهم، ولاح لهم ما يسؤوهم من جزاء أعمالهم ازدادوا غماً، وحزناً، فإن تفضل الله عليهم بالمغفرة، وأدخلهم الجنة، فقد أذهب عنهم أحزانهم، وأزال غمومهم، وهمومهم {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أي: غفور لمن عصاه، شكور لمن أطاعه. {ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أي: دار الإقامة التي يقام فيها أبداً، ولا ينتقل عنها تفضلاً منه ورحمة. {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أي: لا يصيبنا في الجنة عناء، ولا تعب، ولا مشقة {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }، وهو: الإعياء من التعب، والكلال من النصب. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } قال: الأبيض، والأحمر، والأسود، وفي قوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } قال: طرائق {بَيْضٌ } يعني: الألوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الغربيب الأسود الشديد السواد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ } قال: طرائق تكون في الجبل بيض {وَحُمْرٌ } فتلك الجدد {وَغَرَابِيبُ سُودٌ } قال: جبال سود {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ } قال: {كَذٰلِكَ } اختلاف الناس، والدوّابّ، والأنعام كاختلاف الجبال، ثم قال: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } قال: فصل لما قبلها. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } قال: العلماء بالله الذين يخافونه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عدّي عن ابن مسعود قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والطبراني عنه قال: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار بالله جهلاً. وأخرج أحمد في الزهد عنه أيضاً قال: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس: أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف نزلت فيه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وأخرج الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ أنه قال في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } قال: « حديث : هٰؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم يدخلون الجنة»تفسير : وفي إسناده رجلان مجهولان. قال الإمام أحمد في مسنده قال: حدّثنا شعبة عن الوليد بن العيزار: أنه سمع رجلاً من ثقيف يحدّث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد. وأخرج الفريابي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } فأما الذين سبقوا، فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وأما الذين اقتصدوا، فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً. وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } » تفسير : إلى آخر الآية. قال البيهقي: إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً. ا. هـ، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل مجهول، لأنه رواه من طريق الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء، ورواه ابن جرير، عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون، ويكشفون، ثم تأتي الملائكة، فيقولون وجدناهم يقولون: لا إلٰه إلاّ الله وحده، فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إلٰه إلاّ الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب، وهي: التي قال الله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } [العنكبوت: 13]، وتصديقها في التي ذكر في الملائكة. قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } فجعلهم ثلاثة أفواج. فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يكشف، ويمحص، ومنهم مقتصد، وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً. ومنهم سابق بالخيرات، فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب، بإذن الله يدخلونها جميعاً»تفسير : قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث: غريب جدًّا ا هـ. وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً، ويجب المصير إليها، ويدفع بها قول من حمل الظالم لنفسه على الكافر، ويؤيدها ما أخرجه الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة» تفسير : وما أخرجه الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم، وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } الآية، قالت: أما السابق، فمن مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد له بالجنة. وأما المقتصد، فمن تبع آثارهم، فعمل بمثل عملهم حتى لحق بهم. وأما الظالم لنفسه، فمثلي، ومثلك، ومن اتبعنا، وكلّ في الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام إلاّ أنهم لم يشركوا، فيقول الربّ: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، ثم قرأ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب: أنه كان إذا نزع بهذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } قال: ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. وأخرجه العقيلي، وابن مردويه، والبيهقي في البعث من وجه آخر عنه مرفوعاً. وأخرجه ابن النجار من حديث أنس مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عثمان بن عفان: أنه نزع بهذه الآية، ثم قال: ألا إن سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } الآية قال: أشهد على الله أنه يدخلهم جميعاً الجنة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن مردويه عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } قال: كلهم ناج، وهي هذه الأمة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، عن ابن عباس في الآية قال: هي مثل التي في الواقعة {أصحاب الميمنة}، و{أصحاب المشأمة}. و{السابقون}: صنفان ناجيان، وصنف هالك. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } قال: هو الكافر، والمقتصد أصحاب اليمين. وهذا المرويّ عنه رضي الله عنه لا يطابق ما هو الظاهر من النظم القرآني، ولا يوافق ما قدّمنا من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس سأل كعباً عن هذه الآية، فقال: نجوا كلهم، ثم قال: تحاكت مناكبهم، وربّ الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم، وقد قدّمنا عن ابن عباس ما يفيد أن الظالم لنفسه من الناجين، فتعارضت الأقوال عنه. وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً }، فقال: إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ } الآية قال: هم قوم في الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سرًّا، وعلانية، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت، فعندها {قَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } غفر لنا العظيم، وشكر لنا القليل من أعمالنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في الآية قال: حزن النار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَنْا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} وفيه مضمر محذوف تقديره مختلف ألوانها وطعومها وروائحها، فاقتصر منها على ذكر اللون لأنه أظهرها {وَمِنَ الْجبَالَ جُدَدٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن الجدد القطع مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، حكاه ابن بحر. الثاني: أنها الخطط واحدتها جُدة مثل مُدة ومدد، ومنه قول زهير: شعر : كأنه أسفع الخدين ذو جُدد طاوٍ ويرتع بعد الصيف عريانا تفسير : {بِيضُ وَحُمرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} والغربيب الشديد السواد الذي لونه كلون الغراب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الشَّيخَ الْغِرْبِيبَ" تفسير : يعني الذي يخضب بالسواد، قال امرؤ القيس: شعر : العين طامعة واليد سابحة والرجل لافحة والوجه غربيب تفسير : وقيل فيه تقديم وتأخير، وتقديره سود غرابيب. وفي المراد بالغرابيب السود ثلاثة أوجه: أحدها: الجبال السود، قاله السدي. الثاني: الطرائف السود، قاله ابن عباس. الثالث: الأودية السود، قاله قتادة. {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوآبِّ وَالأَنعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلَوَانُهُ كَذلِكَ} فيه وجهان: أحدهما: كذلك مختلف ألوانه أبيض وأحمر وأسود. الثاني: يعني بقوله كذلك أي كما اختلف ألوان الثمار والجبال والناس والدواب والأنعام كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية. ثم استأنف فقال: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عَبَادِهِ الْعُلَمَآءُ} يعني بالعلماء الذين يخافون. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. قال ابن مسعود: المتقون سادة، والعلماء قادة. وقيل: فاتحة الزبور الحكمة خشية الله.
ابن عطية
تفسير : الرؤية في قوله {ألم تر} رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي رؤية القلب، لأن الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على حاسة، فأحياناً تكون الحاسة البصر وقد تكون غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء المتكلم فيه، و {أن} سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب سيبويه لأن {أن} جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك ليس بجملة كما هي {أن} ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء} حقاً، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة، وقوله {ألوانها} يحتمل أن يريد الحمرة والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان فيما بعد، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر عدداً، و {جدد} جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كأنّ سراته وحدَّة متنه كنائن يحوي فوقهن دليص تفسير : وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال {جدد} في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية، وقرأ الزهري "جَدد" بفتح الجيم، وقوله {وغرابيب سود} لفظان لمعنى واحد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يبغض الشيخ الغربيب" تفسير : ، يعني الذي يخضب بالسواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا النحو، وقوله {مختلف ألوانه} قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره {والأنعام} خلق {مختلف ألوانه}، {والدواب} يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيهاً منهما، وقوله {كذلك} يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسناً، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله، {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي المحصلون لهذه العبرة الناظرون فيها. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، وسببها والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : خشية الله رأس كل حكمة" تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأس الحكمة مخافة الله" تفسير : ، فهذا هو الكلام المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علماً، وقال مسروق وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وقال تعالى: {أية : سيذكر من يخشى} تفسير : [الأعلى: 1] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعلمكم بالله أشدكم له خشية" تفسير : ، وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً وبالاغترار، به جهلاً، وقال مجاهد والشعبي: إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص {العلماء} لا للحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضاً دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا قلت إنما الله إله واحد، بان لك الفرق فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش.
ابن عبد السلام
تفسير : {جُدَدٌ} جمع جُدة وهي الخطط و {وَغَرَابِيبُ} الغريب الشديد السواد. كلون الغراب قيل تقديره سودٌ غرابيب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يدخلونها} مجهولاً: ابو عمرو و {يجزي} مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو. الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و {مكر السيء} بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة. الوقوف: {ماء} ج للعدول {ألوانها} الأولى ج {سود} ه {كذلك} ط {العلماء} ط {غفور} ه {لن تبور} ه {فضله} ط {شكور} ه {يديه} ط {بصير} ه {عبادنا} ج {لنفسه} ج {مقتصد} ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق {بإذن الله} ط {الكبير} ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل {ولؤلؤاً} ج لاختلاف الجملتين {حرير} ه {الحزن} ط {شكور} ه {فضله} ج لاحتمال الاستئناف والحال {لغوب} ه {جهنم} ج لمثل ما قلنا {عذابها} ط {كفور} ه ج لاحتمال الواو الحال {فيها} ج للقول المحذوف {كنا نعمل} ط {النذير} ه {نصير} ه {والأرض} ط {الصدور} ه {في الأرض} ط {كفره} ط {مقتاً} ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية {خساراً} ه {دون الله} ط {السموات} ج لاحتمال أن "أم" منقطعة {منه} ج {غروراً} ه {تزولا} ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو {من بعده} ط {غفوراً} ه {الأمم} ج {نفوراً} ه لا {ومكر السيء} ط {بأهله} ط {الأولين} ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء {تبديلاً} ه ج {تحويلاً} ه {قوة} ط {في الأرض} ط {قديراً} ه {مسمى} ج {بصيراً} ه. التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه. والمخاطب إما كل أحد أو النبي صلى الله عليه وسلم لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره. اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول. والالتفات في {فأخرجنا} لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله. وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج. واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع. قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة. والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: شعر : والمؤمن العائذات الطير تفسير : وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون. يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب. ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط. وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان. وقوله {مختلف} اي بعض مختلف {ألوانه} وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض. وقوله {كذلك} أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل. وحين خاطب نبيه بقوله {ألم تر} بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله {إنما يخشى الله من عباده العلماء} كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله. وفي الحديث "حديث : أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" تفسير : وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا. وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به. ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله {إن الله عزيز غفور} فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه. ثم مدح العالمين العاملين بقوله {إن الذين يتلون} الآية. قال أهل التحقيق: قوله {إنما يخشى الله} إشارة إلى عمل القلب، وقوله {إن الذين يتلون} أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان. وقوله {وأقاموا الصلاة} إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله. ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله {وأنفقوا مما رزقناكم} وقوله {يرجون} وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟ وقوله {ليوفيهم} متعلق بـ {لن تبور} أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم. وجوّز جار الله أن يجعل {يرجون} في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية. وخبر "إن" قوله {إنه غفور} لهم {شكور} لأعمالهم. وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله {مصدقاً} حال مؤكدة. وفي قوله {إن الله بعباده لخبير بصير} تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل. وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته. قوله {ثم أورثنا الكتاب} زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل {جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر} والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب. وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] وقول يونس {أية : إني كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87] وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى. ويجوز أن يعود الضمير في قوله {فمنهم} إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً. وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه. والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله {أية : كنتم خير أمة}تفسير : [آل عمران: 110] {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا} تفسير : [البقرة: 143] وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات. ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير. ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم. رابعها: عن علي رضي الله عنه: الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا. فقيل له: كيف ذاك؟ قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي. خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم. سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير {بإذن الله} وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس. وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق. وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] {ذلك} الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث {هو الفضل الكبير} قال جار الله: أبدل قوله {جنات عدن} من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو. قلت: ويمكن أن يقال {جنات عدن} مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله {أية : جنات عدن التي وعد الرحمن}تفسير : [مريم: 61] ولئن سلم أنها نكرة فليكن {يدخلونها} صفة له وخبرها {يحلون} ثم إن ضمير {يدخلون} إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله {أية : وآخرون مرجون لأمر الله} تفسير : [التوبة: 106] أو كقوله {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" تفسير : وفي تقديم {جنات عدن} وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول. وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله {أية : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات}تفسير : [الآية:23] إلى قوله {أية : حرير}تفسير : [الآية: 23] وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم. وفي قوله {يحلون فيها} إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول. وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب. قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ. وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" تفسير : وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى. والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل. وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم. والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له. واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله. وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع. ثم عطف قوله {والذين كفروا} على قوله {إن الذين يتلون} وقوله {فيموتوا} جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و{يصطرخون} يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث. وفائدة قوله {غير الذي كنا نعمل} زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون. وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة. وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا {الحمد لله} وقالوا {إن ربنا لغفور} اعترافاً بتقصيرهم {شكور} إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه. قوله {أولم نعمركم} استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" تفسير : وروي "حديث : من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" تفسير : وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة. وقوله {وجاءكم} معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم {النذير} وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشيب. فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول {فذوقوا} العذاب {فما للظالمين} الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها {من نصير} نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله سبحانه. ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال {إن الله عالم غيب السموات والأرض} فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده. وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها. وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه {هو الذي جعلكم} وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا. وقال ههنا {خلائف في الأرض} بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين {فمن كفر} بعد هذا كله {فعليه} وبال {كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر. ثم وبخ أهل الشرك بقوله {قل أرأيتم} وأبدل منه {أروني} كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه {أم لهم} مع الله {شرك في} خلق {السموات} أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب. والإضافة في {شركائكم} لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [الأنبياء: 98] {بل إن يعد الظالمون بعضهم} وهم الرؤساء {بعضاً} وهم الأتباع {إلا غروراً} وهو قولهم {أية : هؤلاء شفعاؤنا}تفسير : [يونس: 18] وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال {إن الله يمسك السموات والأرض} أي يمنعهما من {أن تزولاً} أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله. وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله {أية : تكاد السموات يتفطرن منه}تفسير : [مريم: 90] يؤيد هذا الوجه قوله {إنه كان حليماً} غير معاجل بالعقوبة {غفوراً} لمن تاب من الشرك. قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى. وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل. سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟ فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا. وقوله {من إحدى الأمم} ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين. أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة. {فلما جاءهم نذير} هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة {ما زادهم} هو أو مجيئه {إلا نفوراً} كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب {استكباراً} على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من {نفوراً} وقوله {ومكر} من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله"تفسير : . وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً". وفي قوله {بأهله} دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر. وقوله {سنة الأوّلين} من إضافة المصدر إلى المفعول. وقوله {سنة الله} من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم. والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر. خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله {ولا يزيد الكافرين} إلى قوله {إلا خساراً} وكقوله {إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء} ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل. العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه. ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم. ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله {وما كان الله ليعجزه} أي ليسبقه ويفوته شيء. ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم {إلى أجل مسمى} هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل. وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}. قيل: الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام منهم والنعت إلى غيرهم كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره: اسمع ولا تكن مثل هذا. ويكرر معه ما ذكره للأول ويكون فيه إشْعار بأنه الأول فيه نقيصه لا يصلح للخطاب فيتنبّه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة وأيضاً فلا يخرج إلى كلام أجنبيٍّ عن الأول بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيما كان من النصيحة. قوله: "فَأَخْرَجْنا" هذا التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان كذلك لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء و"مُخْتَلِفاً" نعت "لَثَمَرَاتٍ" و"ألوانها" فاعل به. ولولا ذلك لأنَّث "مختلفاً" ولكنه لما أسند إلى جميع تكسير غير عاقل جاز تذكيره ولو أنت فقيل مختلفة كما يقول اختلفتْ ألوانُها لجاز. وبه قرأ زيدُ بن علي. قوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ} العامة على ضم الجيم وفتح الدال جمع "جُدَّةٍ" وهي الطريقة. قال ابن بحر: قِطَعٌ من قولك: جَدَدْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ. وقال أبو الفضل الرازي: هي ما يخالف من الطرائق لون ما يليها. ومنه جُدّة الحمار للخط الذي في ظهره. وقرأ الزُّهْرِيُّ جُدُد بضم الجيم والدال جمع جَدِيدَةٍ يقال: جَدِيدَة وجُدُد وجَدَائِدُ، قال أبو ذؤيب: شعر : 4158-........................ جَوْنُ السَّرْاةِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ تفسير : نحو: سِفِينةٍ وسُفُنٍ وسَفَائِنَ. وقال أبو الفضل: جمع جديد بمعنى: آثار جديدة واضحة الألوان. وعنه أيضاً جَدَدٌ بفتحهما، وقد رد أبو حاتم هذه القراءة من حيث الأثَرِ والمعنى. وقد صححها غيره وقال: الجَدد الطريق الواضح البيِّن، إلا نه وضع المفرد موضع الجمع إذ المراد الطرائق والخطوط. قوله: "مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا" مختلف صفة "لجُدَد" أيضاً و "ألوانها" فاعل به كما تقدم في نظيره ولا جائز أن يكون "مُخْتَلِفٌ" خبراً مقدماً و"ألوانها" مبتدأ مؤخر والجملة صفة؛ إذ كان يجب أن يقال مختلفة لِتَحَمُّلِهَا ضمير المبتدأ. وقوله: "أَلْوَانُهَا" يحتمل معنيين: أحدهما: أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرُبَّ أبْيَضَ أشدَّ من أبْيَضَ وأحْمَرَ أشدَّ من أحْمَرَ فنفيس البياض مختلف وكذلك الحمرة فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المُشْكِل. والثاني: أن الجُدَد كلها على لونين بياض وحمرة فالبياض والحمرة وإن كان لونين إلا أنهما جمعا باعتبار مَحَالِّهِمَا. قوله: "وَغَرَابِيبُ سُودٌ" فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه معطوف على "حُمْرٌ" عطفُ ذِي لَوْنٍ على ذِي لَوْنٍ. والثاني: أنه معطوف على "بيض". الثالث: أنه معطوف على "جدد"، قال الزمخشري: معطوف على بيض (أَ) وعلى "جدد" كأنه قيل: ومن الجبال مُخَطّط ذُو جُدَد ومنها ما هو على لون واحدٍ. ثم قال: ولا بد من تقدير حذف مضاف في قوله: {ومن الجبال جدد} بمعنى ومن الجبال ذُو جُدَد بيضٌ وحمرٌ وسودٌ حتى يؤول إلى قولك: "وَمِنَ الْجِبَالِ مختلف ألوانها"، كما قال {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} ولم يذكر بعد غرابيب سود (مختلفاً ألوانها) كما ذكر ذلك بعد "بيض وحمر"، لأن الغِرْبِيبَ هو البَالِغُ في السواد فصار لوناً واحداً غير متفاوت بخلاف ما تقدم. وغرابيب: جمع غِرْبِيبٍ وهو الأسود المتناهي في السواد. فهو تابع للأسود كقانٍ وناصع وناضرٍ ويَقَقٍ، فمن ثم زعم بعضهم أنه في نية التأخير ومن مذهب هؤلاء أنه يجوز تقديم الصفة على موصوفها وأَنْشَدُوا: شعر : 4159- والْمُؤْمِنِ العَائِذَاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُهَا ...................... تفسير : يريد: والمؤمن الطيْرَ العَائِذَاتِ، وقول الآخر: شعر : 4160- وبالطَّوِيل العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ........................ تفسير : يريد: وبالعمر الطويل. والبصريون لا يرون ذلك ويخرجون هذا وأمثاله على أن الثَّاني بدلٌ من الأول "فسودٌ والطيرُ والعمرُ" أبدالٌ مما قبلها. وخرَّجها الزَّمَخْشَريُّ وغيرهُ على أنه حذف الموصوف وقامت صفته مَقَامه وأن المذكور بعد الوصف دال على الموصوف قال الزمخشري: الغِرْبيبُ تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفرُ فاقعٌ وأبيضُ يَقَق، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر كقوله: "والْمؤْمِن العَائِذَات الطَّير" وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار، يعني فيكون الأصلُ وسودٌ غرابيبُ سود والمؤمن الطير العائذات الطير. قال أبو حيان: وهذا لا يصح إلا على مذهب من يُجَوِّز حذفَ المؤكد ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك. قال شهاب الدين: ليس هذا هو التوكيد المختلف في حذف مؤكده لأن هذا من باب الصّفة والموصوف ومعنى تسمية الزمخشري لها تأكيداً من حيث إنَّهَا لا تفيد معنى زائداً إنما تفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول تأكيداً فقالوا وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو: {أية : نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} تفسير : [ص:23] و {أية : إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [النحل:51] والتوكيد المختلف في حذف مؤكده إنما هو في باب التوكيد الصَّنَاعِيّ. ومذهب سيبويه جوازه، أجاز: "مَرَرْتُ بأَخْوَيْك أَنْفُسُهَما" بالنصب والرفع على تقدير أَعْيُنِهِما أنْفُسِهما أو هُمَا أَنْفُسُهُمَا فأين هذا من ذاك إلا أنه يشكل على الزمخشري هذا المذكور بعد "غرابيب" ونحوه بالنسبة إلى أنه جملة مفسراً لذلك المحذوف وهذا إنما عهد في الجمل لا في المفردات إلا في باب البدل وعطف البيان فبأي شيء يسميه؟ والأولى فيه أن يسمى توكيداً لفظياً إذ الأصل سود غرابيب سود. قوله: "مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ" "مُخْتَلِف" نعت لمنعوت محذوف هو مبتدأ والجار قبله خبره أي ومِنَ النَّاس صِنْفٌ أو نَوْغٌ مختلف ولذلك عمل اسم الفاعل كقوله: شعر : 4161- كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيَفْلِقَهَا ........................ تفسير : وقرأ ابن السَّمَيْقَع ألوانها. وهو ظاهر. وقرأ الزهري "وَالدَّوَابِ" خفيفة الباء هرباً من التقاء ساكنين كما حرك أولهما في الضّالين وجانٍّ. فصل قال ابن الخطيب في الآية لطائف الأولى: قوله: "أَنْزَلَ" وقال: "أَخْرَجْنَا" وفائدته أن قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} فإن كان جاهلاً يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله فلما كان ذلك أظهره أسنده إلى المتكلم. وأيضاً فإن الله تعالى لما قال إن الله أنزل علم الله بالدليل وقرب التفكر فيه إلى الله فصار من الحاضرين فقال: أخْرَجْنَا، لقربه وأيضاً فالإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخارج فأَسْنَدَ (تعالى) الأتمَّ إلى نفسه بصيغة المتلكم وما دونه بصيغة المخاطب الغائب. الثانية: قال تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ} كأَنَّ قائلاً قال: اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع ألا ترى أن بعض النباتات لا تَنْبُتُ ببعض البلاد كالزَّغْفَرَانِ فقال تعالى: اختلاف البِقاع ليس إلا بإرادة الله (تعالى) وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمرٌ ومواضع بيضٌ. فإن قيل: الواو في "وَمِنَ الْجِبَالِ" ما تقديرها؟ هي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه تعالى قال: أخْرَجْنَا بالماء ثمراتٍ مختلفةَ الألوان وفي الجبال جدد بيض دالة على القدرة الرادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار. ثانيهما: أن تكون للعطف والتقدير وخُلِقَ مِن الجبال جددٌ "بِيضٌ". قال الزمخشري: أراد ذُو جُدَدٍ. الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الآية في (الأرض) كما قال في موضع آخر: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} تفسير : [الرعد:4] مع أن هذا الدليل مثل ذلك وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} كان نفس إخراج الثِّمار دليلاً على القدرة. ثم زاد عليه بياناً وقال: "مختلفاً" كذلك في الجبال في نفسها دليل القدرة والإرادة لكن كون الجبل في بعض نواحي الأرض دون بعضها وكون بعضها أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار. ثم زاد بياناً وقال: "جُدَدٌ بِيضٌ" أي دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دليل. الرابع: قوله: "مُخْتَلِفاً ألوانها" الظاهر أن الاختلاف راجعٌ إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مخلتف ألوانها لأن الأبيض قد يكون على لون الجِصّ وقد يكون على لون التُّراب الأبيض وبالجملة فالأبيض تتفاوت درجاته في البياض وكذلك الأحمر تتفاوت درجاته في الحمرة ولو كان المراد البيض والحُمْر مختلف الألوان لكان لمجرد التأكيد والأول أولى. وعلى هذا ذكر "مختلفٌ ألوانها" في البيض والحمر وأخر "السود الغرابيب" لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغِرْبيب يكون بالغاً غايةَ السواد فلا يكون فيه اختلافٌ. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ} استدلال آخر على قدرة الله وإرادته فكان تعالى قسم الدلائل دلائل الخلق في هذا العالم وهو عالم المركبات قسمين حيوان وغير حيوان وهو إما نبات وإما معدِن والنبات أشرف فأشار إليه بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَراتٍ} ثم ذكر المعدن بقوله: "وَمِنَ ٱلْجِبَالِ" ثم ذكرالحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال: "ومن الناس" ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها أو لأن الدابة في العرف تُطْلَقُ على الفَرَس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره. وقوله: "مختلف ألوانه" القول فيه كما تقدم أنها في أنفسها دلائل كذلك باختلافها دلائل. وقوله: "مختلف ألوانه" مذكراً؛ لكون الإنسان من جملة المذكور فكان التذكير أولى. قوله: "كَذَلِكَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بما قبله أي مُخْتَلِفٌ اخْتِلاَفاً مِثْلَ الاختلاف في الثَّمرات والجُدَد والوقف على "كَذَلِكَ". والثاني: أنه متعلق بما بعده والمعنى مثل ذلك المطر والاعتبار بمَخْلُوقات الله واختلاف ألوانها يخشى اللَّهَ العلماءُ. وإلى هذا نحا ابنُ عَطِيَّةَ. وهو فاسد من حيث إن ما بعد "إنَّمَا" مانع من العمل فيها قبلها. وقد نَصَّ أبو عمرو الدَّانِيُّ على أن الوقف على "كذلك" تام. ولم يحك فيه خِلاَفاً. قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ} العامة على نصب الجلالهِ ورفع "العلماء" وهي واضحة. وقرأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزَ وأَبُو حَنِيفَةَ - فيما نقله الزمخشريّ - وأبو حيوة - فيما نقله الهذلي في كامله - بالعكس. وتُؤُوِّلَتْ على معنى التعظيم أي إنما يعظم اللَّهُ من عباده العلماء. وهذا القراءة شبيهة بقراءة: {وإذ ابْتَلَى إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ} برفع إبْرَاهِيمَ ونصب "رَبَّهُ". فصل قال ابن عباس: إنما يخافُني مِنْ خَلْقي من عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطَاني. واعلم أنَّ الخشيبة بقدر معرفة المخشي والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أنَّ العالمَ أعلى درجةً من العابد؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات:13] بين أن الكرامة بقدر التقوى والتقوى بقدر العلم لا بقدر العلم قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : وَاللَّهِ إنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً" تفسير : ، وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً" تفسير : وقال مسروق: كفى بخشية عِلماً وكفى بالاغترار بالله جهلاً. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} أي عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده فذكر ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيزاً يوجب الخوف التام وكونه غفوراً لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ. وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الجلالة تقدَّم معناه. قوله:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ} في خبر "إن" وجهان: أحدهما: الجملة من قوله: "يَرْجُون" أي (إنَّ) التالِينَ يَرْجُونَ و "لَنْ تَبُورَ" صفة "تِجَارةً" و "لِيُوفِّيَهُمْ" متعلق "بِيَرْجُونَ" أوْ "بتَبُور" أو بمحذوف أي فَعَلُوا ذلك لِيَوفِّيَهم، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني: أن الخبر {إنَّه غَفُورٌ شَكُورٌ}. (و) جوزه الزمخشري على حذف العائد أي غفور لهم. وعلى هذا "فَيرجُونَ" حال من "أنْفَقُوا" أي أنْفَقَوا ذلك راجينَ. فصل المراد بالذين يتلون كتابا الله أي قراء القرآن لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه فقوله: {يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} إشارة إلى الذكر وقوله: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} إشارة إلى العل البدنيّ وقوله: {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} إشارة إلى العمل الماليّ. وفي الآية حكمة بالغة وهي قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ} إشارة إلى عمل القلب. وقوله:{ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ} إشارة إلى عَمَل اللِّسِّانِ وقوله:{وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَة} إشارة إلى علم الجوارح. ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقةٌ بجانب تعظيم الله وقوله: {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني الشفقة على خلقه. وقوله:{سِرّاً وَعَلاَنِيَة} حَثٌّ على الإنفاق كَيْفَما تهيأ فإن تهيأ سراً فذاك وإلاَّ فَعَلاَنِية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بالسِّرِّ الصدقة المطلقة وبالعلانية الزكاة فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. "يرْجُونَ تِجَارةً" هي ما وعد الله من الثواب "لَنْ تَبُورَ" لن تفسدّ ولن تَهْلِكَ "لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورهم" جزاء أعمالهم بالثواب "وَيزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" قال ابن عباس: يني سوى الثواب ما لم تَرَ عَيْنٌ ولم تسمعْ أذن. ويحتمل أن يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة "إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ". قال ابن عباس: يغفر الذنب العظيم من ذنوبهم ويشكر اليَسيرَ من أعمالهم. وقيل: غفور عند الإبطاء شكور عند إعطاء الزيادة. قوله:{وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني القرآن. وقيل: اللَّوح المحفوظ لما بين الأصل (الأول) وهو وجود الله الواحد بالدلائل في قوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} تفسير : [الروم:48] وقوله: "واللَّهُ (الذي) خَلَقَكُمْ" وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة فقال: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ}. قوله: "مِنَ الكِتَابِ" يجوز أن تكون للبيان كما يقال: "أَرْسَلَ إلَيَّ فُلاَنٌ مِنَ الثِّيَابِ جُملَةً"، وأن تكون للجنس وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال: "جَاءَنِي كِتَابٌ مَنَ الأَمِيرِ" وعلى هذا فاكتاب يمكن أن يراد به اللوح يعني الذي أوحينا إليك من اللوح المحفوظ إليك حق، ويمكن أن يراد به القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليه من القرآن ويمكن أن تكون للتبعيض و "هُو" فصل أو مبتدأ و"مُصَدِّقاً" حال. فصل "هُوَ الحَقُّ" آكد من قول القائل: "الَّذِي أوْحَيْنَا حَقٌّ إلَيْكَ" من وجهين: أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكون نكرةً. الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا: "زيد قاَمَ" فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً بزيد ولا يعرف قيامه فيخبره به فإذا كان الخبر معلوماً فيكون الإخبار للتنبيه فيعرِّفان باللاَّمِ كقولنا: "إنَّ زيداً الْعَالِمُ في هذه المدينة" إذا كان علمه مشهوراً. وقوله {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب وهذا تقرير لكونه وحياً لأن النبي - عليه (الصلاة و) السلام - لم يكون قارئاً كاتباً وأتَى ببيان ما في كتاب الله ولا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى. أو يقال: إن هذا الوحي مصدِّقٌ لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن موجوداً لكذب موسى وعيسَى - عليهما (الصلاة و) السلام - في إنزال التوراة والإنجيل فإذا وجد الوحي ونزل على محمد - عليه (الصلاة و) السلام - علم جوازه وصدق ما تقدم في إنزال التوراة. وفي هذه لطيفة وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدِّقاً لما مضى، لأن ما مضى أيضاً مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد - عليه (الصلاة و) السلام - ولم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن لأن القرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بدّ فيه من معجزة تُصَدَّقه. ثم قال: {إنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} خبير بالبواطن بصير بالظواهر فلا يكون الوحي من الله باطلاً لا في الباطن ولا في الظاهر ويمكن أن يكون جواباً لقولهم إنّ القرآن لو ينزل على رجل من القريتين عظيم فقال: "إنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ خِبِيرٌ" يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهِرَهم فاختار مُحَمَّداً ولم يختر غيره كقوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام:124]. قوله:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا} "الكتاب الذين اصطفينا" مفعولا أوْرَثْنَا و "الكتابَ" هو الثاني قدم لشرفه إذ لا لبس. وأكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن. وقيل: المراد جنس الكتاب ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا وتجويز أن يكون ثم بمعنى الواو وأورثنا كقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد:17] ومعنى أورثنا أعطينا لأن المثراث عطاء. قال مجاهد. وقيل: أورثنا: أخرنا ومنه الميراث لأنه أخر عن الميِّت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له. قوله: "مِنْ عِبَادِنَا" يجوز أن يكون للبيان على معنى إنَّ المُصْطَفينَ هم عبادنا وأن يكون للتبعيض أي إنَّ المصطفين بعضُ عبادنا لا كلهم. وقرأ أبو عِمْران الجَوْنِي ويعقوبُ وأبو عمرو - في رواية - سَبَّاق مثال مبالغة. فصل قال ابن عباس: يريد بالعباد أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قسَّمهم ورتَّبهم فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ}. وروى أسامةُ بن زيد في هذه الآية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كلهم من هذه الأمة وروى أبو عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حديث : سَابِقُنَا سَابِقٌ وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ وَظَالمنا مَغْفُورٌ لَهُ . تفسير : وروى حديث : أبو الدَّرْداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية {ثُمَّ أُوْرَثنا الْكِتَابَ....} الآية وقال: أما السابق بالخيرات فيدخُلُ الجنةَ بغير حساب وأما المقتصد فيُحاسَبُ حساباً يسيراً وأما الظالم لنفسه فيجلسُ في المَقام حتى يدخله الهم ثم يَدْخل الجنة ثم قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الِّذِي أذْهِبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شكُورٌ . تفسير : وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة عن قول الله - عزّ وجلّ -: {أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} الآية. فقالت: يا بُنّيِّ كلُّهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالخير وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحِقَ به وأما الظالم فمثلِي ومثلُكم. فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد والحسن وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المَشْأَمة، ومنهم مقتصد أصحاب المَيْمنَة ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس قال: السابقُ المؤمن المخلص والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقيل: الظالم هو الرَّاجِحُ السيئات والمقتصد هم الذي تساوت سَيِّئَاتُهُ وحسناتُهُ والسابق هو الذي رَجَحَتْ حسناته. وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه والسابق من باطنه خير من ظاهره. وقيل الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد هو الموحِّد الذي يمنع جوراحه من المخالفة بالتكليف والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد. وقيل: الظالم صاحب الكبيرة والمقتصد التالي العالم والسابق التالي العالم العامل. وقيل: الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم. وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وأن الظالم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمُقْتَصدِ لأنه بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابق لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة. وقال أبو بكر الوراق: ربتهم على مقامات الناس لأن أحْوالَ العبدِ ثلاثةٌ معصيةٌ وغلفةٌ ثم توبةٌ ثم قرب فإذا عصى دخل في حَيِّز الظالمين وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين فإذا صحت له التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عِدَاد السابقين. وقيل غير ذلك. وأما من قال: المراد بالكتاب جنس الكتاب كقوله: {أية : جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} تفسير : [فاطر:25] فالمعنى أنا أعطيناك الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء لأن لفظ المصفطى إنما يطلق في الأكثر على الأنبياء لا على غيرهم ولأن قوله: "مِنْ عِبَادِنَا" يدل على أن العباد أكابر مكرَّمون لأنه أضافهم إليه ثم المصطفين (منهم) أشرف ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالماً مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمى الشرك ظلماً. فإن قيل: كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفًى ظالم مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع؟ فالجواب: أن المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية قال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : لاَ يَزْنِي الزَّانِي حين يَزْني وَهُوَ مُؤْمِنٌ" تفسير : الحديث. وقال آدمُ - عليه السلام- مع كونه مصطفًى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. وأما الكافر فيضع قبله الذي به اعتماد الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق وأما قلب المؤمن فمطْمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاَءِ الله. ووجه آخر وهو أن قوله: "منهم" غيرُ راجع إلى الأنبياء المصطفين بل المعنى: إنّ الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا وآتيناهم كتباً "ومنهم" أي ومن قومكم "ظالم" كَفَر بك وبما أنزل إليك ومقتصد أمر به ولم يأت بجميع ما أمر به وسابق آمن وعمل صالحاً. وقال الكلبي: المراد بالظالم لنفسه هوالكافر. وقيل: المراد منه المنافق وعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} وحمل هذا القائل الاصطفاء على أن الاصْطِفَاء في الخِلقة وإرسال الرسول إليهم وأنزل الكتاب. والذي عليه عامة أهل العلم أن المراد من جميعهم المُؤْمِنُونَ. فصل معنى سابق بالخيرات أي الجنة وإلى رحمة الله بالخيرات أي بالأعمال الصالحة بإذن الله أي بأمر الله وإرادته {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبيرُ} يعني إيراثهم الكتابَ، ثم أخبر بثوابهم فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} يعني الأصناف الثلاثة. قوله:"جنات عدن" يجوز أن يكون مبتدأ والجملة بعدها الخبر، وأن يكون بدلاً من "الفَضْلُ". قال الزمخشري، وابن عيطة إلاَّ أنَّ الزمخشري اعترض وأجاب فقال: فإن قلت: فكيف جعلت "جنات عدن" بدلاً من "الفضل" الذي هو السبق بالخيرات (المشار إليه بذلك؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب) فأبدل عنه "جنات عدن". وقرأ زِرّ والزّهري جَنَّةٌ مفرداً والجَحْدَريُّ جناتِ بالنصب على الاشتغال وهي تؤيد رفعها بالابتداء. وجوز أبو البقاء أن كون "جنات" بالرفع خبراً ثانياً لاسم الإشارة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. وتقدمت قراءة يَدْخُلُونَهَا مبنياً للفاعل أو المفعول وباقي الآية في الحَجِّ. فصل قيل: المراد بالداخلين الأقسام الثلاثة. وهذا على قولنا بأنهم أقسام المؤمنين. وقيل: الذين يتلون كتاب الله وقيل: هم السابقون. وهو أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: "يُحَلَّوْنَ" والمكرم هو السابق. فإن قيل: تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقيًّا كقولنا: اللَّهُ الِّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وقول القائل: زَيْدٌ بَنَى الجِدَارَ، فإن الله موجود قبل كل شيء ثم له فعل هو الخلق ثم حصل به المفعول وهو السّموات وكذا زيد ثم البناء ثم الجدار من البناء وإذا لم يكن المفعول حقيقاً كقولنا: دخل الداخلُ الدار، وضرب عمراً فإن "الدار" في الحقيقة ليس مفعولاً للداخل وإنما فعله متحقق بالنسبة إلى الدار وكذلك عمرو فعل (من أفعال) زيد تعلق به فسمي مفعولاً ولكن الأصل تقديم الفعل على المفعول ولهذا يعاد الفعلُ المقدّم بالضمير تقول: عَمْراً ضَرَبَهُ زَيْدٌ فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة فما الفائدة في تقديم "الجنات" على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكرها بالهاء في "يدخلونها" وما الفرق بين هذا و(بَيْنَ) قوله القائل: يَدْخُلُونَ جَنَّاتِ عَدْنٍ؟ فالجواب: أن السامعَ إذا علم له مدخلاً من المداخل وله دخول ولم يعلم غير المدخل فإذا قيل له: أنت تَدْخُل مال إلى أن يسمع الدار والسوق فيبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون. فإذا قيل: "الدّارَ تَدْخُلُهَا" فيذكر الدار يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأنه له دخولاً يعلم الدخول فلا يبقى متعلق القلب ولا سيما الجنة والنار فإن بين المُدْخَلِين بوناً بعيداً. قوله: "يُحَلَّوْنَ فِيهَا" إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجاً لكان فيه تأخير المدخول فقال: {يَدْخُلُونَها} وفيها يقع تَحْلِيَتُهُمْ، وقوله: "مِنْ أَسَاوِرَ" بجمع الجمع فإنه جمع "أسْوِرَة" وهي جمع"سِوَار" "مِنْ ذَهَبٍ ولُؤلؤاً" وقوله: "وَلِبَاسُهُمْ" أي ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة مَنْ دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل (إلا) على الغِنَى، وذكر الأساور من بين سائر الحُلِيِّ في مواضعَ كثيرةٍ كقوله تعالى: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} تفسير : [الإنسان:21] وذلك لأن التحلي بمعنيَيْن: أحدهما: إظهار كون المتحلّي غير مبتذل في الأشْغال لأن التحَلِّي لا يكون (حَالُهُ) حَالَةَ الطبخِ والغُسْلِ. وثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء لأن التحلي إما بالآلِىءِ والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلِّي بالجواهر واللآلىء يدل على أن المُتَحَلِّي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكثيرة عند الحاجة حيث لم يعجز عن الوصول إلى الأشياء العزيزة الوجود لا لحاجة والتحلِّي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع حاجَتِهِ. وإذا عرف هذا فنقول: الأساوِرُ محلّها الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور عُلِمَ الفراغُ من الأعمال. قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قرأ العامة "الْحَزَنَ" بفتحتين وجَنَاحُ بني حُبَيْشٍ بضم الحاء وسكون الزاي. وتقدم من ذلك أول القصص. والمعنى يقولون إذا دخلوا الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. والحَزَنُ والحُزْنُ واحد كالبَخَلِ والبُخْلِ، قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم. وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف ردِّ الطاعات وقال القاسم: حزن زوال النعم وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الخبز في الدنيا. وقيل: هم المعيشة، وقال الزجاج: أَذْهَبَ الله عن أهل الجنة كُلَّ الأحزان ما كان منها لمعاشٍ أو معادٍ. وقال - عليه (الصلاة و) السلام - "حديث : لَيْسَ عَلَى أهْلِ لاَ إله إلاّ اللَّه وَحْشَةٌ في قُبُورِهمْ وَلاَ فِي مَنْشَرِهِمْ وَكَأَنِّي بأَهِلِ لاَ إلَه إلاَّ اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَيَقولُون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الِّذِي أَذْهَبَ عنّا الْحَزَنَ"تفسير : . ثُمَّ قَالُوا: {إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}. ذكر الله عنهم أموراً كلها تفيد الكرامة: الأول (أن) الحمد لله فإن الحامد مثاب. الثاني: قولهم: رَبَّنَا فإن اللَّهَ (تعالى) إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادى اللّهم إلا أن يكون المنادي يطلب ما لا يجوزُ. الثالث: قوله: غفور شكور. والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحَمْدهم في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة. قوله:"الَّذِي أَحَلَّنَا" أي أنزلنا "دارَ المُقَامَةِ" مفعول ثانٍ "لأَحَلَّنَا". ولا يكون ظرفاً لأنه مختص فلو كان ظرفاً لتعدي إليه الفعل بفِي. والمُقَامَةُ الإقامة. والمفعول قد يجيء بالمصدر يقال: ما له مَعْقُول أي عَقْل. قال تعالى: {أية : مُدْخَلَ صِدْقٍ} تفسير : [الإسراء:80] {أية : وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ:19] وكذلك المستخرج للإخراج لأن المصدر هو المفعول في الحقيقة فإنه هو الذي فعل (فجاز إقامة المفعول مُقَامَهُ). فصل في قوله: "دَارَ ٱلْمُقَامَةِ" إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور ومن القبور إلى منزلة العَرَصَات التي فيها الجَمْع ومنها التفريق وقد يكون النار لبعضهم منزلة أخرى والجنة دار البقاء وكذا النار لأهلها. قوله: "مِن فَضْلِهِ" متعلق "بأَحَلَّنَا" و "من" إما لِلْعِلَّة وإما لابتداء الغاية. ومعنى فضله أي يحكم وعده لا بإيجاب من عنده. قوله: "لاَ يَمَسُّنَا" حال من مفعول "أَحَلَّنَا" الأول والثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما وإن كان الحال من الأول أظهر. والنَّصْبُ التَّعَبُ والمشقَّة، واللُّغُوبُ الفُتُورُ النَّاشِيءُ عنه وعلى هذا فيقال إذا انتفى السَّبَبُ نُفي المُسَبَّبُ فإذا قيل: لم آكل فيعلم انتفاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانياً فلم أشبع بخلاف العكس ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل و (في) الآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب فما فائدته؟ وقد أجاب ابن الخطيب: بأنه بين مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن أماكنها على قسمين موضع يمس فيه المشاق كالبَرَاري وموضع يمس فيه الإعباء كالبيوت والمنازل التي في الأسفار فقيل: لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ لأنها ليست مظانَّ المتاعب كدار الدنيا ولا يَمَسُّنَا فيها لغوب أي لا يخرج منها إلى مواضع يتعب ويرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء وهذا الجواب ليس بذاك. والذي يقال: إن النصب هو تعب البدن واللغوب تعب النفس. وقيل: اللغوب الوجع وعلى هذين فالسؤال زائل. وقرأ عليُّ والسُّلَمِيُّ بفتح لام لغوب وفيه أوجه: أحدهما: أنه مصدر على فَعُول كالقَبُول. والثاني: أنه اسم لما يغلب به كالفَطُورِ والسَّحُور. قاله الفراء. الثالث: أنه صفة لمصدر مقدر أي لا يَمَسُّنَا لُغُزبٌ لَغُوبٌ نحو: شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ. وقيل: صفة لشيء غير مقدار أي أمرٌ لَغُوب. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} عطف على قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} وما بينهما كلام يتعلق بـ {الَّذين يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ} على ما تقدم. قوله: "فَيَمُوتُوا" العامة على نصبه لحذف النوف جواباً للنفي وهو على أحد مَعْنَيين نَصْبِ: "مَا تَأتِينا فَتُحَدِّثَنَا" أي ما يكون منك إتيان ولا حديثٌ. انتفى السبب وهو الإتيان فانتفى مسببه، وهو الحديث. والمعنى الثاني: إثبات الإتيان ونفي الحديث أي ما تأتينا محدِّثاً بل تأتينا غيرَ محدث. وهو لا يجوز في الآية البتّة وقرأ عيسى والحسن "فَيَموتُونَ" بإثبات النون. قال ابن عطية: وهي ضعيفة قال شهاب الدين وقد وَجَّهَهَا المَازِنيُّ على العطف على "لاَ يُقْضَى" أي لا يُقْضَى عليهم فلا يموتون. وهو أحد الوجهين في معنى الرفع في قولك: مَا تَأتِيناً فَتُحَدِّثُنَا أو انتفاء الأمرين معاً كقوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36] أي فَلاَ يَعْتَذِرُونَ. و "عَلَيْهِمْ" قائمٌ مَقَامَ الفاعل وكذلك "عَنْهُمْ" بعدَ "يُخَفِّفُ". ويجوز أن يكون القائم "مِنْ عَذَابِهَا" و "عَنْهُمْ" منصوب المحل، ويجوز أن يكون "مِنْ" مزيدةً عند الأخفش فيتعين قيامه مقام الفاعل لأنه هو المفعول به. وقرأ أبو عمرو - في روايةٍ- ولا يُخَفَّفْ بسكون الفاء - شبه المنفصل بعَضْدٍ كقوله: شعر : 4162- فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ........................... تفسير : فصل {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} أي لا يَهْلِكُون فيستريحوا كقوله: {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } تفسير : [القصص:15] أي قَتَله. لاَ يَقْضِي عليهم الموت فيموتوا كقوله: {أية : وَنَادَوْاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف:77] أي الموت فنستريح بل العذاب دائم {ولا يخفف عنهم من عذابها} أي من عذاب النار. وفي الآية لطائف: الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يَقْتُلْ يَعْتَادُهُ البدن ويصير مِزَاجاً فاسداً لا يحسّ به المعذب فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفني وإما أن يألَفَهُ البَدّنُ بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم. الثانية: دقيق العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يُجَابُون كما قال تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف:77] أي بالموت. الثالث: ذكر في المعذبين الأشقياء بأنه لا ينقصُ عذابهم ولم يقل: يزيدهم، وفي المثابين قال: {يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}. قوله: "كَذلِكَ" إما مرفوع المحل أي الأمر كذلك، وإما منصوبة أي مِثْلُ ذلِكَ الجَزَاءِ يُجْزَى. وقرأ أبو عمرو "يُجْزَى" مبنياً للمفعول كُلُّ رفع به. والباقون نَجْزِي بنون العظمة مبنياً للفاعل كُلَّ مفعول به. والكَفُور الكافر. قوله: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ" يستغيثون ويصيحون "فِيهَا" وهو يَفْتَعِلُون من الصُّراخ وهو الصِّياح. وأبدلت الفاء صاداً لوقوعها قبل الطاء، "يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا" من النار فقوله: "ربنا" على إضمار القول وذلك القول إن شئت قدرته فعلاً مفسراً ليَصْطَرِخُونَ أي يقولون في صراخهم كما تقدم وإن شئت قدرته حالاً من فاعل "يصطرخون" أي قَائِلينَ ربَّنا. قوله: {صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَل} يجوز أن يكونا نَعْتَيْ مصدر محذوف أي عملاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكونا نعتي مفعول به محذوف أي نعمل شيئاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكون "صالحاً" نعتاً لمصدر و "غيرا لذي كنا نعمل" هو المفعول به. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: فهلا اكتفي بصالِحاً كما اكتفي به في قوله: فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً؟ وما فائدة زيادة غير الذي كنا نعمل؟ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلتُ: فائدته زيادة التحسرّ على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 104] فقالوا: أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الِّذي كُنَا نَحْسَبُهُ صَالِحاً فنعملُه. قوله: "أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ" (أي فيقول لهم توبيخاً: أو لم نعمركم أي عَمَّرْنَاكُمْ مِقْداراً يمكن التذكرُ فيه. قوله: "مَّا يَتَذَكَّرُ" جوزوا في "ما" هذه وجهين: أحدهما - ولم يحك أبو حيان غيره -: أنها مصدرية طرفية قال: أي مُدَّةَ تَذَكُّر، وهذه غلط لأن الضمير (في) (فيه) يمنع ذلك لعوده على "ما" ولم يَقُلْ باسمية ما المصدرية إلا الأخْفَشُ وابنُ السَّرَّاجِ. والثاني: أنها نكرة موصوفة أي تَعَمُّراً يُتَذَكَّرُ فيه أو زماناً يُتَذَكَّرُ فيه. وقرأ الأعمش ما يذَّكَّرُ بالإدغام من "اذَّكَّر"، قال أبو حيان: بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدَّرج وهذا غريب حيث أثبت همزة الوصل مع الاستغناء عنها إلاَّ أَنْ يكون حافَظَ على سكون "من" وبيَان ما بعدها. فصل معنى قوله:{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} قيل: هو البلوغ. وقال قتادة وعطاء والكلبي: ثماني عشرة سنة وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة. رُوِيَ ذلك عن عَلِيٍّ وهو العمر الذي أَعْذَرَ الله إلى ابن آدم. قال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : أعْذَرَ اللَّهُ إلَى ابْنِ آدَم امْرِىءٍ أخَّر أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً" تفسير : وقال - عليه (الصَّلاَةُ و) السلام -: "حديث : أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوز ذَلِكَ ". تفسير : قوله: "وَجَآءَكُمُ" عطف على "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ"؛ لأنه في معنى قَدْ عَمَّرناكُمْ كقوله: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ} تفسير : [الشعراء:18] ثم قال: وَلَبِثْتَ {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} تفسير : [الشرح:1] ثم قال: {أية : وَوَضَعْنَا} تفسير : [الشرح:2]، إذْ هما في معنى رَبَّيْنَاك وشَرَحْنا، والمراد بالنَّذير محمد - صلى الله عليه وسلم - في قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع: هو الشيب. والمعنى أو لم نعمركم حتى شِبْتُم. ويقال: الشَّيْبُ نذير الموت. وفي الأثر: مَا مِنْ شَعْرَةٍ تَبْيَضُّ إلاَّ قَالَتْ لأُخْتِهَا: اسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ الْمَوتُ. وقرىء: النّذُر جمعاً. قوله: "فَذُوقُواْ" أمر إهانة "فَمَا لِلظّالِمينَ" الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها. "مِنْ نَصيرٍ" في وقت الحاجة ينصرهم، و"من نصير" يجوز أن يكون فاعلاً بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ مخبراً عنه بالجار قبله. قوله:{إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قرأ العامة عَالِمُ غَيْبِ على الإضافة تخفيفاً. وجَنَاحُ بْنُ جبيش بتنوين عالم ونصبب (غيب) إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. وهذا تقرير لدوامهم في العذاب وذلك من حيث إن الله تعالى لما أعلم أنّ جزاءَ السِّيئة سيئة مثلها ولا يزاد عليها فلو قال (قائل): الكافر ما كفر بالله إلا أياماً معدودة فينبغي أن لا يعذَّب إلا مثل تلك الأيام فقال: إن اله لا يخفى عليه غيب السموات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور وكان يعلم من الكافر أن في قلبه تَمَكُّنَ الكُفْرِ لو دام إلى الأبد لما أطاع الله.
البقاعي
تفسير : ولما كان من من أغرب الأشياء الدالة على تمام القدرة الدال على الوحدانية أن يكون شيء واحد سبباً لسعادة قوم وهداهم، وشقاوة قوم وضلالهم وعماهم وكان ذلك، امراً دقيقاً وخطباً جليلاً، لا يفهمه حق فهمه إلا أعلى الخلائق، ذكر المخاطب بهذا الذكر ما يشاهد من آيته، فقال على طريق الإستخبار لوصول المخاطب إلى رتبة أولي الفهم بما ساق من ذلك سبحانه على طريق الإخبار في قوله: {الله الذي أرسل الرياح} ولفت القول إلى الاسم الأعظم دلالة على عظمة ما في حيزه: {ألم تر أن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {أنزل من السماء} أي التي لا يصعد إليها الماء ولا يستمسك عن الهبوط منها في غير أوقاته إلا بقدرة باهرة لا يعجزها شيء {ماء} أي لا شيء يشابهه في مماثلة بعضه لبعض، فلا قدرة لغيره سبحانه على تمييز شيء منه إلى ما يصلح لشيء دون آخر. ولما كان أمراً فائتاً لقوى العقول، نبه عليه بالالتفات إلى مظهر العظمة فقال: {فأخرجنا} أي بما لنا من العظمة {به} أي الماء من الأرض {ثمرات} أي متعددة الأنواع {مختلفاً ألوانها} أي ألوان أنواعها وأصنافها وهيئاتها وطبائعها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نوراً لشخص وعمى لآخر. ولما ذكر تنوع ما عن الماء وقدمه لأنه الأصل في التلوين كما أنه الأصل في التكوين، أتبعه التلوين عن التراب الذي هو أيضاً شيء واحد، فقال ذاكراً ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التأثر وقطعه عن الأول لأن الماء لا تأثير له فيه: {ومن} أي ومما خلقنا من {الجبال جدد} أي طرائق وعلامات وخطوط متقاطعة {بيض وحمر} ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم عهده، والجد بالفتح، والجدة بالكسر، والجدد بالتحريك: وجه الأرض، وجمعه جدد بالكسر، والجدة بالضم: الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه وجمعه جدد كغدة وغدد وعدة وعدد ومدة ومدد, والجدد محركة: ما أشرف من الرمل وشبه السلعة بعنق البعير, والأرض الغليظة المستوية، والجدجد بالفتح: الأرض المستوية. ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به، قال تعالى دالاً على أن كلاً من هذين اللونين لم يبلغ الغاية في الخلوص: {مختلف ألوانها} وهي من الأرض وهي واحدة. ولما قدم ما كان مستغرباً في ألوان الأرض لأنه على غير لونها الأصلي, أتبعه ما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل لونها. ولما كانت مادة (غرب) تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذاً من غروب الشمس، ويلزم منه السواد، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الأسود للمبالغة في سواده، وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره، قال تعالى عاطفاً على بيض: {وغرابيب} أي من الجدد أيضاً {سود *} فقدم التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة "وسود غرابيب سود" فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع، ودل عليه بالثاني ليكون مبالغاً في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: أشد سواد الغرابيب - رواه عنه البخاري، لأن السواد الخالص في الأرض، مستغرب، ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره، فتصير في غاية السواد، وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر. ولما أكد هذا بما دل على خلوصه، قدم ذكر الاختلاف عليه، ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء، وأتبعه التراب الصرف، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال: {ومن الناس} أي المتحركين بالفعل والاختيار {والدواب} ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض، ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال: {والأنعام} ليعم الكل صريحاً {مختلف ألوانه} أي ألوان ذلك البعض الذي أفهمته "من" {كذلك} أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون واحد، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان مختلف الأوصاف، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع. ولما ثبت بهذا البرهان أنه سبحانه فاعل بالاختيار، فهو يفعل فيما يشاء ومن يشاء، ما يشاء فيجعل الشيء الواحد لقوم نوراً ولقوم عمى، وكان ذلك مرغباً في خدمته مرهباً من سطوته سبحانه وتعالى وتقدس لكل ذي لب، وكان السياق لإنذار من يخشى بالغيب، فثبت أن الإنذار بهذا القرآن يكون لقوم أراد الله خشيتهم خشية، ولقوم أراد الله قسوتهم قسوة، التفت النفس إلى طلب قانون يعرف به من يخشى ومن لا يخشى، فقال على سبيل الاستنتاج من ذلك، دفعاً لظن من يحسب أنه يمكن أن يكون ولي جاهلاً: {إنما يخشى الله} أي الذي له جميع الكمال، ولا كمال لغيره إلا منه، ودل على أن كل من سواه في قبضته وتحت قهره بقوله: {من عباده} ثم ذكر محط الفائدة وهو من ينفع إنذاره فقال: {العلماء} أي لا سواهم وإن كانوا عباداً وإن بلغت عبادتهم ما عسى أن تبلغ، لأنه لا يخشى أحد أحداً إلا مع معرفته، ولا يعرفه جاهل، فصار المعنى كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار أهل الخشية، وإنما يخشى العلماء، والعالم هو الفقيه العامل بعلمه، قال السهروردي في الباب الثالث من عوارفه: فينتفي العلم عمن لا يخشى الله، كما إذا قال: إنما يدخل الدار بغدادي، فينتفي دخول البغدادي الدار هذا معنى القراءة المشهورة. ولما كان سبب الخشية التعظيم والإجلال، وكان كل أحد لا يجل إلا من أجله، وكان قد ثبت أن العلماء يجلون الله، وكان سبب إجلالهم له إجلاله لهم، كان هذا معنى القراءة الأخرى، فكان كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار من يجهل الله فالله يجله لعلمه، وسئل شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بمصر محمد بن علي القاياتي عن توجيه هذه القراءة فأطرق يسيراً ثم رفع رأسه فقال: شعر : أهابك إجلالاً وما بك قدرة عليّ ولكن مليء عين حبيبها تفسير : ولما ثبت بهذا السياق أنه سبحانه فاعل هذه الأشياء المتضادة، علل ذلك ليفيد أن قدرته على كل ما يريد كقدرته عليه بقوله على سبيل التأكيد تنبيهاً على أنه سبحانه لا يعسر عليه شيء وأنه أهل لأن يخشى ولذلك أظهر الاسم الأعظم: {إن الله} أي المحيط بالجلال والإكرام {عزيز} أي غالب على جميع أمره. ولما كان هذا مرهباً من سطوته موجباً لخشيته لإفهامه أنه يمنع الذين لا يخشون من رحمته، رغبهم بقوله: {غفور *} في أنه يمحو ذنوب من يريد منهم فيقبل بقلبه إليه وهو أيضاً من معاني العزة. ولما تقرر هذا، تشوف السامع إلى معرفة العلماء فكان كأنه قيل: هم الذين يحافظون على كتاب الله علماً وعملاً، فقيل: فما لهم؟ فقال مؤكداً تكذيباً لمن يظن من الكفار وغيرهم من العصاة أنهم من الخاسرين بما ضيعوا من عاجل دنياهم: {إن الذين يتلون} أي يجددون التلاوة كل وقت مستمرين على ذلك محافظين عليه كلما نزل من القرآن شيء وبعد كمال نزوله حتى يكون ذلك ديدنهم وشأنهم بفهم وبغير فهم {كتاب الله} أي الذي لا ينبغي لعاقل أن يقبل على غيره لما له من صفات الجمال والجلال، ولما ذكر السبب الذي لا سبب يعادله، ذكر أحسن ما يربط به، فقال دالاً على المداومة بالتعبير بالإقامة وعلى تحقيق الفعل بالتعبير بالماضي: {وأقاموا الصلاة} أي وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر فناجوا الله فيها بكلامه. ولما ذكر الوصلة بينهم وبين الخالق، ذكر إحسانهم إلى الخلائق، فقال دالاً على إيقاع الفعل بالتعبير بالماضي، وعلى الدوام بالسر والعلن لافتاً القول إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أن الرزق منه وحده، لا بحول أحد غيره ولا غيره: {وأنفقوا مما رزقناهم} أي بحولنا وقوتنا لا بشيء من أمرهم في جميع ما يرضينا، ودل على مواظبتهم على الإنفاق وإن أدى إلى نفاد المال بقوله: {سراً وعلانية} وعبر في الأول بالمضارع لأن إنزالها كان قبل التمام وتصريحاً بتكرار التلاوة تعبداً ودراسة لأن القرأن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أشد تفلتا من الإبل في عقلها تفسير : أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفي الثاني والثالث بالماضي حثاً على المبادرة إلى الفعل، وقد تحصل من هذا أنه جعل لفعل القلب الذي هو الخشية دليلاً باللسان وآخر بالأركان وثالثاً بالأموال. ولما أحلهم بالمحل الأعلى معرفاً أنهم أهل العلم الذي يخشون الله، وكان العبد لا يجب له على سيده شيء، قال منبهاً على نعمة الإبقاء الثاني التي هي أم النعم والنتيجة العظمى المقصودة بالذات: {يرجون} أي في الدنيا والآخرة {تجارة} أي بما عملوا {لن تبور *} أي تكسد وتهلك بل هي باقية، لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي رائجة رابحة، لكونه تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها} قال: أحمر وأصفر {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} أي جبال حمر {وغرابيب سود} والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال، وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: كان يقال كفى بالرهبة علماً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ثمرات مختلفاً ألوانها} قال: الأبيض، والأحمر، والأسود وفي قوله {ومن الجبال جدد بيض} قال: طرائق بيض يعني الألوان. وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك؟ قال "نعم. صبغاً لا ينقض. أحمر. وأصفر. وأبيض" ". تفسير : وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {جدد} قال: طرائق. طريقة بيضاء، وطريقة خضراء. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : قد غادر السبع في صفحاتها جدداً كأنها طرق لاحت على أكم تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ومن الجبال جدد بيض} قال: طرائق بيض {وغرابيب سود} قال: جبال سود. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {الغرابيب الأسود} الشديد السواد. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {مختلفاً ألوانها} قال: منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض، وكذلك الدواب، والأنعام. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {ومن الجبال جدد} قال: طرائق تكون في الجبل بيض وحمر، فتلك الجدد {وغرابيب سود} قال: جبال سود {ومن الناس والدواب والأنعام...} . قال: كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام، كاختلاف الجبال. ثم قال {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فلا فضل لما قبلها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ومن الجبال جدد بيض} قال: طرائق مختلفة، كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام، كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الخشية والايمان والطاعة والتشتت في الألوان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: العلماء بالله الذين يخافونه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية. وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال: العالم من خشي الله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: أعلمهم بالله أشدهم له خشية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة. عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: الإِيمان من خشي الله بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما أسخط الله. ثم تلا {إنما يخشى الله من عباده العلماء} . وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار المرء جهلاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الفقيه من يخاف الله. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال: بلغني أن داود عليه السلام قال: سبحانك! تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلم علمان: علم في القلب، فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان، فتلك حجة الله على خلقه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخاباً، ولا صياحاً، ولا حديداً. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال: أمل بي إلى حلقة المراء، فانطلقت به حتى أتاهم، فسلم عليهم، فارادوه على الجلوس، فأبى عليهم وقال: انتسبوا إليّ أعرفكم فانتسبوا إليه فقال: أما علمتم أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، إنهم لهم الفصحاء، النطقاء، النبلاء، العلماء بأيام الله، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الراكية، فأين أنتم منهم؟ ثم تولى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلان. وأخرج الخطيب فيه أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال: ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً أنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به. من كتم سره كانت الخيرة في يده، وعليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك، ولا تعرض فيما لا يعني، ولا تسأل عما لم يكن، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك، ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله، ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الذين يخشون الله، فإن الله تعالى يقول {إنما يخشى الله من عباده العلماء}. وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال: "حديث : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ثم قال إن الله وملائكته، وأهل السماء، وأهل الأرض، والنون في البحر، ليصلون، على معلمي الخير ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}. بيَّنَ في هذه الآية وأمثالها أن تخصيصَ الفعل بهيئاته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه، وفي إتقانِ الفعلِ وإِحكامه شهادة على عِلْمِ الصانِع وإعلامِه. وكذلك {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ}: بل جميع المخلوقات متجانس الأعيان مختلف، وهو دليل ثبوت مُنْشِيها بنعت الجلال. قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}. "إنما" كلمة تحقيق تجري من وجهٍ مجرى التحديد أي التخصيص والقَصْر، فَمَنْ فَقَدَ العِلْمَ بالله فلا خشيةَ له من الله. والفرق بين الخشية والرهبة أنَّ الرهبةَ خوفٌ يوجِبُ هَرَبَ صاحبه فيجري في هربه، والخشية إذا حصلت كَبَحَت جماحَ صاحبها فيبقى مع الله، فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة. والخوف قضية الإيمان، قال تعالى: {أية : وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 175] فالخشية قضية العلم، والهيبة توجب المعرفة. ويقال خشية العلماء من تقصيرهم في أداء حقِّه. ويقال من استحيائهم من اطلاع الحق. ويقال حَذَراً من أن يحصلِ لهم سوءُ أدبٍ وتَرْكُ احترامٍ، وانبساطٌ في غير وقته بإطلاق لَفْظٍ، أو تَرَخُّصٍ بِتَرْكِ الأَوْلى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} الاستفهام تقريرى والرؤية قلبية اى ألم تعلم يعنى قد علمت يا محمد او يا من يليق به الخطاب {ان الله انزل} بقدرته وحكمته {من السماء} اى من الجهة العلوية سماء او سحابا {ماء} {فاخرجنا به} اى بذلك الماء. والالتفات من الغيبة الى التكلم لاظهار كمال الاعتناء بفعل الاخراج لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة ولان الرجوع الى نون العظمة اهيب فى العبارة. وقال الكاشفى [عدول متكلم جهت تخصيص فعل است يعنى ما تواناييم كه بيرون آريم بدان آب] {ثمرات} جمع ثمرة وهى اسم لكل ما يطعم من احمال الشجر {مختلفا الوانها} وصف سببى للثمرات اى اجناسها من الزمان والتفاح والتين والعنب وغيرها او اصنافها على ان كلا منها ذو اصناف مختلفة كالعنب فان اصنافه تزيد على خمسين وكالتمر فان اصنافه تزيد على مائة او هيآتها من الصفرة والحمرة والخضرة والبياض والسواد وغيرها {ومن الجبال جدد} مبتدأ وخبر. والجدد جمع جدة بالضم بمعنى الطريقة التى يخالف لونها ما يليها سواء كانت فى الجبل او فى غيره والخطة فى ظهر الحمار تخالف لونه وقد تكون للظبى جدتان مسكيتان تفصلان بين لونى ظهره وبطنه. ولما لم يصح الحكم على نفس الجدد بانها من الجبال احتيج الى تقدير المضاف فى المبتدأ اى ومن الجبال ما هو دو جدد اى خطط وطرائق متلونة يخالف لونها لون الجبل فيؤول المعنى الى ان من الجبال ما هو مختلف الوانه لان بيض صفة جدد وحمر عطف على بيض فتلا عليه السلام القرائن الثلاث فان ما قبلها فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها وما بعدها ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه اى منهم بعض مختلف الوانه فلا بد فى القرينة المتوسطة بينهما من ارتكاب الحذف ليؤول المعنى الى ما ذكر فيحصل تناسب القرائن. وفى المفردات اى طرائق ظاهرة من قولهم طريق مجدود اى مسلوك مقطوع ومنه جادة الطريق. وفى الجلالين الطرائق تكون فى الجبال كالعروق {بيض} جمع ابيض صفة جدد {وحمر} جمع احمر. وفى كشف الاسرار [واز كوهها راهها بيدا شده از روندكان خطها سببد وخطها سرخ در كوههاى سببد وكوههاى سرخ] حمل صاحب كشف الاسرار الجدد على الطرائق المسلوكة والظاهر هو الاول لان المقام لبيان ما هو خلقى على ان كون الطريقة بيضاء لا يستلزم كون الجبال كذلك اذ للجبال عروق لونها يخالف لونها وكذا العكس وهو ان كون الجبل ابيض لا يقتضى كون الطريقة كذلك فمن موافق ومن مخالف {مختلف الوانها} اى الوان تلك الجدد البيض والحمر بالشدة والضعف. فقوله بيض وحمر وان كان صفة لجدد الا ان قوله مختلف الوانها صفة لكل واحدة من الجدد البيض والحمر بمعنى ان بياض كل واحدة من الجدد البيض وكذا حمرة الجدد الحمر يتفاوتان بالشدة والضعف. فقوله بيض وحمر وان كان صفة لجدد فرب ابيض اشد بياضا من ابيض آخر وكذا رب احمر اشد حمرة من احمر آخر فنفس البياض مختلف وكذا نفس الحمرة فلذلك جمع لفظ الوان مضافا الى ضمير كل واحد من البيض والحمر فيكون كل واحد منهما من قبيل الكلى المشكك. ويحتمل ان يكون قوله مختلف الوانها صفة ثالثة لجدد فيكون ضمير الوانها للجدد فيكون تأكيدا لقوله بيض وحمر ويكون اختلاف الوان الجدد بان يكون بعضها ابيض وبعضها احمر فتكون الجدد كلها على لونين بياض وحمرة الا انه عبر عن اللونين بالالوان لتكثر كل واحد منهما باعتبار محاله كذا فى حواشى ابن الشيخ. يقول الفقير من شاهد جبال ديار العرب فى طريق الحج وغيرها وجد هذه الاقسام كلها فانها وجددها مختلفة متلونة {وغرابيب سود} عطف على بيض فيكون من تفاصيل الجدد والصفات القائمة بها كالبيض والحمر كأنه قيل ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود غرابيب. وانما وسط الاختلاف لانه علم من الوصف بالغرابيب انه ليس فى الاسود اختلاف اللون بالشدة والضعف. ويجوز ان يكون غرابيب عطفا على جدد فلا يكون داخلا فى تفاصيل الجدد بل يكون قسيمها كأنه قيل ومن الجبال مخطط ذو جدد ومنها ما هو على لون واحد وهو السواد. فالغرض من الآية اما بيان اختلاف الوان طرائق الجبال كاختلاف الوان الثمرات فترى الطرائق الجبلية من البعيد منها بيض ومنها حمر ومنها سود واما بيان اختلاف الوان الجبال نفسها وكل منها اثر دال على القدرة الكاملة كذا فى حواشى ابن الشيخ. والغرابيب جمع غربيب كعفريت يقال اسود غربيب اى شديد السواد الذى يشبه لون الغراب وكذا يقال اسود حالك كما يقال اصفر فاقع وابيض يقق محركة واحمر قان لخالص الصفرة وشديد البياض والحمرة وفى الحديث "حديث : ان الله يبغض الشيخ الغربيب" تفسير : يعنى الذى يخضب بالسواد كما فى تفسير القرطبى والذى لا يشيب كما فى المقاصد الحسنة والسود جمع اسود. فان قلت اذا كان الغرابيب تأكيدا للاسود كالفاقع مثلا فلا صفر ينبغى ان يقال وسود وغرابيب بتقديم السود اذ من حق التأكيد ان يتبع المؤكد ولا يتقدم عليه. قلت الغرابيب تأكيد لمضمر يفسره ما بعده والتقدير سود غرابيب سود فالتأكيد اذا متأخر عن المؤكد وفى الاضمار ثم الاظهار مزيد تأكيد لما فيه من التكرار وهذا اصوب من كون السود بدلا من الغرابيب كما ذهب اليه الاكثر حتى صاحب القاموس كما قال واما غرابيب سود بدل لان تأكيد الالوان لا يتقدم
ابن عجيبة
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ....} قلت: {مختلفاً} : نعت {ثمرات}. و {مختلف ألوانه}: صفة لمحذوف، أي: صنف مختلف. يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ أن الله أنزلَ من السماء ماءً فأخرجنا به} بالماء {ثمراتٍ مختلفاً ألوانُها} أي: أجناسها، كالرمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يُحصى، أو: ألوانها: هيئاتها من الحُمرة والصفرة ونحوهما. {ومن الجبال جُدَد} طُرق مختلفة اللون. جمع: جُدَّة، كمُدَّةٍ ومُدَدٍ. والجُدة: الطريقة والخطة، تكون في الجبل، تخالف لون ما يليها. وكل طريقة من سواد أو بياض فهي جُدة. قاله الهروي. وهي مبتدأ وخبر، أي: وطرق {بِيض وحُمْرٌ} كائنة من الجبال. {وغرابيبُ سود} أي: ومنها غرابيب سود، أي: ومن الطرق سود غرابيب؛ جمع: غربيب، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب، ومنه: الغراب. قال الهروي: هي الجواد ذوات الصخور السود، والغربيب: شديد السواد. هـ. وفي الصحاح: تقول هذا أَسود غربيب، أي: شديد السواد، وإذا قلت: غرابيب سود؛ تجعل السود بدلاً من غرابيب؛ لأن توكيد الألوان لا يتقدم. هـ. تقول: أصفر فاقع، وأسود حالك، ولا يتقدم الوصف، ونقل الكواشي عن أبي عبيد: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، تقديره: وسود غرابيب. وفائدته: أن يكون المؤكد مضمراً، والمظهر تفسيراً له، فيدل على الاعتناء به، لكونهما معاً يدلان على معنىً واحد. هـ. ولا بد من تقدير حذف مضاعف في قوله: {ومن الجبال جُدَد} أي: من الجبال ذو جدد بيض، وحمر، وسود غرابيب؛ حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: {ثمرات مختلفاً ألوانها}. {ومن الناس والدوابِّ والأنعامِ مختلفٌ ألوانه} أي: ومنهم صنفٌ مختلف ألوانه بالحمرة والصفرة والبياض والسواد. {كذلك} أي: كاختلاف الثمرات والجبال. قال القشيري: تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه. فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه. وكذلك أيضاً الناس والدواب والأنعام، بل جميع المخلوقات، متجانس الأعيان، مختلف الصفات، وهو دليل ثبوت منشئها بنعت الجلال هـ. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية، فأخرجنا به ثمرات، وهي العلوم والأذواق والوجدان، مختلف ألوانها، فمنها علوم الشرائع، وتحقيق مسائلها، ومنها علم العقائد، وتشييد أدلتها وبراهينها، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها، ومنها علم القلوب وتصفيتها من العيوب، وهو علم الطريقة، ومنها علم الأسرار، وهي أسرار الذات والصفات، وهو علم الحقيقة. ومن جبال العقل طُرق بيض، وحمر، وسود، فالبيض: طرق الكشف والبيان، وحلاوة الذوق والوجدان، والحُمر: طُرق الدليل والبرهان؛ لأنها قد تظهر وتخفى، والسود الغرابيب: عقول الفلاسفة والطبائعيين، أهل الحدس والتخمين، إذا لم يقتدوا بالكتاب المبين، وشرعِ النبي الأمين. أولئك هم الضالون المضلُّون. ولمّا كان النظر في هذه المصنوعات إنما يكون بالعلم، ذكر أهله، فقال: {... إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} يقول الحق جلّ جلاله: {إِنما يخشى اللهَ} أي: يخافه {من عباده العلماءُ} لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمَن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمَن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة، ومحبة، ورغبة في طاعته، وموجب رضوانه، دون مَن عداهم من الجهّال. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعلمكم بالله أشدكم له خشية" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأس الحكمة مخافة الله ". تفسير : وقال الربيع بن أنس: مَن لم يَخشَ الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد عِلماً، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله عِلماً، وبالاعتذار جهلاً. وفي الحِكَم: "خيرُ علم ما كانت الخشية معه". وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسُنَّة؛ فإنما المراد به العلم النافع، الذي تٌقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: {إِنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. هـ. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: واعلم أن العلم النافع، المتفق عليه فيما سلف وخلف، إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلُّق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحي السنية. هـ. وقال في لطائف المنن: شاهد العلم، الذي هو مطلب الله تعالى: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا، والتملُّق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع، والادخار، والمباهاة، والاستكثار، وطول الأمل، ونسيان الآخرة، فما أبعد مَنْ هذا نعته مِنْ أن يكون من ورثة الأنبياء! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه. ومثل مَنْ هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة، تُضيء على غيرها، وهي تحرق نفسها. جعل الله العلم ـ الذي علمه من هذا وصفه ـ حجة عليه، وسبباً في تكثير العقوبة لديه. هـ. وتقديم اسم الله تعالى، وتأخير العلماء، يُؤذِن أن معناه: إن الذين يخشون الله من عباده العلماء دون غيرهم. ولو عكس، بأن قال: إنما يخشى العلماءُ الله، لكان المعنى: أنهم لا يخشون إلا الله. وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز: بنصف "العلماء" ورفع "الله". والخشية في هذه القراءة بمعنى التعظيم. والمعنى: إنما يعظم اللهُ من عباده العلماءَ. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله للعلماء يوم القيامة ـ إِذا قَعَدَ على كُرسيِّه، يفصل قضاء عباده: إني لم أجعلْ عِلْمي وحِلْمي فِيكُمْ؛ إلا وأنا أُريدُ أن أغفرَ لكم، على ما كان فيكم، ولا أبالي"تفسير : . قال المنذري: انظر إلى قوله: "علمي وحلمي" يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل الزمان المجرّد عن العلم به والإخلاص. وفي رواية: "لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أُريده بكم، ادخلوا الجنة بما فيكم". وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : يُوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ". تفسير : {إِن الله عزيزٌ غفور} هو تعليل لوجوب الخشية؛ لدلالته على عقوبة العصاة؛ لعزته وغلبته، وإثابة أهل الطاعة، والعفو عنهم؛ لعظيم غفرانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يُخشى. الإشارة: العلماء على قسمين: علماء بأحكام الله، وعلماء بالله، العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه، والعلماء بالله يخشون إبعاده واحتجابه، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام، والعلماء بالله يتقون سوء الأدب في حضرة الملك العلاّم. فخشية العلماء بالله أرق وأشد. العلماء بالله أخذوا علمهم من الله، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: في علماء أهل الرواية: مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. هـ. والفرق بين الخوف والرهبة والخشية: أن الخوف من العقاب، والرهبة من العتاب، والخشية من الإبعاد. قال القشيري: والفرق بين الخشية والرهبة: أنَّ الرهبة: خوفٌ يُوجِبُ هَرَبَ صاحبه، فيجري في تفرقته. والخشية إذا حصلت كَبَحَت صاحبها، فيبقى مع الله. فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة، والخوف قضية الإيمان، قال تعالى: {أية : وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 175]. والخشية قضية العلم والهيبة. هـ. ثم قال: العالم يخاف تقصيره في حقِّ ربه، والعارف يخشى من سوء أدبه وترْك احترامٍ، وانبساط في غير وقت، بإطلاق لَفْظٍ، أو تَرخِيص بِترْكِ الأَوْلى. هـ. قال الورتجبي: الخوف عموم، والخشية خصوص. وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم، أي: العلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته وعبوديته له. وحقيقة الخشية: وقوع إجلال الحق في قلوب العارفين، ممزوجاً بسنا التعظيم، ورؤية الكبرياء والعظمة، ولا يحصل ذلك إلا لمَن شاهد القدم، والأزل، والبقاء، والأبد، فمَن زاد علمه بالله زاد خشية، لقوله صلى الله عليه وسلم: أنا أعرفكم بالله وأخشاكم منه". هـ. وفي الحديث:"حديث : قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال:العلم قيل: أيُّ العلم؟ قال: العلم بالله سبحانه"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعُه؟ والله إني لأعلمُكم بالله، وأشدُّكم له خشيةً ". تفسير : ثم قال: عن جعفر الصادق: العلم أمْرُ تركِ الحرمة في العبادات، وترك الحرمة في الحياء من الحق، وترك الحرمة في متابعة الرسول، وترك الحرمة في خدمة الأولياء الصدّيقين. هـ. ومعنى كلامه: أن العلم الحقيقي هو الذي يأمن صاحِبُه من انتهاك حرمة العبادات، ومِن هتْك حرمة الاحتشام من الله ورسوله وأوليائه. ومَن أراد من العلماء السلامة من الاغترار بالعلم فليطالع شرح ابن عباد، في قول الحِكَم: "العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا، فعليك". وبالله التوفيق. ولمَّا ذكر العلماء وذكر حملة القرآن فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ...}
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه والمراد به جميع المكلفين منبهاً لهم على طريق الاستدلال على وحدانيته واختصاصه من الصفات بما لا يختص به سواه بأن قال {ألم تر} يا محمد ومعناه ألم تعلم {أن الله أنزل من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فأخرجنا به} اخبار منه تعالى عن نفسه انه أخرج بذلك الماء {ثمرات} جمع ثمرة، وهي ما يجتنى من الشجر {مختلفاً ألوانها} لان فيها الاحمر والابيض والاصفر والاخضر وغير ذلك ولم يذكر اختلاف طعومها وروائحها لدلالة الكلام عليه. والاختلاف هو امتناع الشيء من ان يسد مسد صاحبه في ما يرجع إلى ذاته ألا ترى أن السواد لا يسد مسد البياض، وذلك لا يقدر عليه سواه تعالى من جميع المخلوقين {ومن الجبال جدد} واحده جده نحو مدة ومدد واما جمع جديد فجدد - بضم الدال - مثل سرير وسرر. والجدد الطرائق {بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} واحد الغرابيب غربيب وهو الذي لونه كلون الغراب من شدة سواده، ولذلك قال {سود} لانه دل عليه من هذا الوجه، ثم بين بالافصاح أنها سود، قال امرؤ القيس: شعر : كأن سراته وجدة متنه كنائن يحرى فوقهن دليص تفسير : يعني بالجدة الخطة السوداء تكون في متن الحمار، والكنائن جمع كنانه، والدليص الذي يبرق من الذهب والفضة وما أشبهها، فالجدد هي الوان الطرق. ثم قال {ومن الناس} أيضاً {ومن الدواب} التي تدب على وجه الأرض {والأنعام} كالابل والبقر والغنم {مختلف ألوانه} ايضاً مثل ذلك مما في الجبال والثمار {كذلك} أي مثل ما قدمنا ذكره. ثم قال {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ومعناه ليس يخاف الله حق خوفه ولا يحذر معاصيه خوفاً من عقابه إلا العلماء الذين يعرفون حقيقة ذلك فأما الجهال ومن لا يعرف الله فلا يخافونه مثل ذلك، وكذلك ينظر العلماء في حجج الله وبيناته ويفكرون في ما يفضي بهم إلى معرفته من جميع ما تقدم ذكره. ثم اخبر تعالى فقال {إن الله عزيز} في انتقامه من اعدائه {غفور} لأوليائه والتائبين من خلقه الراجعين إلى طاعته. ثم قال {إن الذين يتلون كتاب الله} يعني يقرؤن القرآن ويعملون بما فيه {وأقاموا الصلاة وأنفقوا} في طاعة الله {مما رزقناهم} أي مما رزقهم الله وملكهم التصرف فيه {سراً وعلانية} أي في حال سرهم، وفي حال علانيتهم {يرجون} في موضع الحال أي راجيين بذلك {تجارة لن تبور} أي لا تكسد. وقيل: لا تفسد، يقال بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام، وبار الشيء إذا فسد، قال الشاعر: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنابور تفسير : ثم بين انهم يقصدون بذلك أن يوفيهم الله أجور ما عملوا من الطاعات بالثواب ويزيدهم من فضله زيادة على قدر استحقاقهم، لانه وعد بأن يعطي الواحد عشرة {إنه غفور} لعباده ساتر لذنوبهم {شكور} معناه إنه يعامل بالاحسان معاملة الشاكر. وقال الجبائي: وصفه بأنه شكور مجاز، لان معناه انه يجازي على الطاعات.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} الخطاب خاصّ بمحمّد (ص) ولا اشكال فانّه يرى انّ الله انزل من السّماء ماءً، او عامّ فالمعنى انّه ينبغى ان يرى كلّ راء ذلك لانّه لو لم يكن بصره محجوباً كان يرى ذلك فهو ملوم على ان لا يرى {أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} لمّا كان انزال الماء من السّماء بتوسّط الاسباب الطّبيعيّة الظّاهرة على الابصار والعقول اتى بالله بلفظ الغيبة كأنّه تعالى عند ذلك غائب عن الابصار والظّاهر عليها هو الاسباب بخلاف اخراج الثّمرات فانّ الاسباب الطّبيعيّة فيه خفيّة عن الابصار فكأنّ النّاظر اليه لا يرى توسّط الاسباب ويرى المسبّب عنده فلذلك التفت من الغيبة الى التّكلّم {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ} جمع الجُدّة بالضّمّ الطّريقة مثل الجادّة وهو عطف على محلّ معمولى انّ، او عطف على جملة الم تر فانّه فى معنى انت ترى البتّة، او حالٌ والمقصود انّ انزال الماء من السّماء واخراج الثّمرات المختلفة من الماء الواحد واختلاف جدد الجبال المتّحدة فى الحجريّة كلّها تدلّ على قدرته وعلمه وارادته {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} اى الوان البيض بالكُدرة والشّفافة، وكذلك الحمر باختلاف الوانها {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} جمع الغربيب تأكيد الاسود وكان حقّه ان يقول سود غرابيب لكنّه عكس للتّأكيد ولقصد بيان الغرابيب.
اطفيش
تفسير : {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} فيه التفات من الغيبة الى التكلم لمزيد اختصاصه سبحانه وتعالى بإخراج الثمرات المختلف الوانها مثل ان يكون اخضر ثم احمر او اصفر ثم الى حمرة وصفرة او الى سواد ويجوز ان يراد كل صنف منها خالف لونه لون الصنف الاخر وقد يرجح هذا الوجه. {ومن الجبال جدد} اي ومن الجبال جبال ذات جدد او صنف ذو جدد والجدد جمع جدة وهي طريق في الجبل وغيره والخطة السوداء على ظهر الحمار والخطة مطلقا في الحمار او غيره سوداء او غير سوداء. {بيض} جمع ابيض واصله ضم الباء فتقلب الياء واوا فكر هو هذا القلب فكسروا الياء. {وحمر} جمع احمر وذكر البياض والحمزة تفسير لتلك الخطط فالجبل الواحد ترى فيه بعضا ابيض وبعضا احمر وقرىء {جدد} بضم الجيم والدال جمع جديد بمعنى الجدة وهي الخطة او بمعنى ضد القديم اي من الجبال ما هو كالشيء الابيض والاحمر الجديدين وقري جدد بفتح الجيم والدال وهو الطريق الواضح وان قلت البيض والحمر نعتان للجدد الذي هو جمع او للجبال المحذوفة؟ قلت: هو نعت جدد او نعت للصنف المحذوف باعتبار معناه او نعت المجال المحذوف. {مختلف ألوانها} نعت مؤكد فان ذكر الجدد والبيض والحمر مقيد لاختلاف الالوان وان فسرنا اختلاف الوانها باختلافها في الشدة والضعف فالنعت. {وغرابيب} جمع غريب اي سود. {سود} نعت مؤكد جمع اسود وهذا على القلة والكثير تقديم الغريب يقال اسود حالك واسواد غريب واصفر فاقع وابيض يقق بتأكيد اللفظ الاول بالثاني في ذلك كله ويجوز ان يقدر في الآية سود قبل غرابيب ويدل عليه لفظ غرابيب لشهرة تبعيته لسود ولفظ سود المذكور فيكون الكلام مقيد للسواد بالمذكور والمحذوف تأكيدا ومن ذلك قول النابغة: شعر : والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل فالسند تفسير : أي او لله الذي يؤمن الطير العائدات اي الملتجات ببيت الله محذوف الطير قبل العائدات وذكر بعده بدلا او بيانا والاولى عدم التقدير هنا وفي الآية ووجه التقدير كما مر أن المشهور الكثير تأخير الغربيب عن الاسود مثلا وقالوا ان الغربيب شديد السواد اخذا من الغراب او من قولك اغرب في السواد أي ابعد فيه ووجه التقدير ايضا التأكيد وقوله سبحانه وغرابيب سود مقابل لقوله مختلف الوانها اي ومنها ما هو اسود كله وعنه صلى الله عليه وسلم ان الله يبغض الشيخ الغربيب اي الذي يخضب بالسواد والعطف على جدد او اصناف او جبال المقدرين او البيض وقال عكرمة الغرابيب السود الطوال السود.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } الخ استئناف مسوق على ما يخطر بالبال لتقرير ما أشعر به قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }تفسير : [فاطر: 26] من عظيم قدرته عز وجل. وقلل شيخ الإسلام: هو لتقرير ما قبله من اختلاف [أحوال] الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت أمر مطرد في جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان. وقال أبو حيان: تقرير لوحدانيته تعالى بأدلة سماوية وأرضية إثر تقريرها بأمثال ضربها جل شأنه، وهذا / كما ترى، والاستفهام للتقرير والرؤية قلبية لأن إنزال المطر وإن كان مدركاً بالبصر لكن إنزال الله تعالى إياه كيس كذلك، والخطاب عام أي ألم تعلم أن الله تعالى أنزل من جهة العلو ماء. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بذلك الماء على أنه سبب عادي للإخراج، وقيل أي أخرجنا عنده، والالتفات لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبـىء عن كمال القدرة والحكمة {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أي أنواعها من التفاح والرمان والعنب والتين وغيرها مما لا يحصر، وهذا كما يقال فلان أتى بألوان من الأحاديث وقدم كذا لوناً من الطعام، واختلاف كل نوع بتعدد أصنافه كما في التفاح فإن له أصنافاً متغايرة لذة وهيئة وكذا في سائر الثمرات ولا يكاد يوجد نوع منها إلا وهو ذو أصناف متغايرة، ويجوز أن يراد اختلاف كل نوع باختلاف أفراده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه حمل الألوان على معناها المعروف واختلافها بالصفرة والحمرة والخضرة وغيرها، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وهو الأوفق لما في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ } وهو إما عطف على ما قبله بحسب المعنى أو حال وكونه استئنافاً مع ارتباطه بما قبله غير ظاهر، و {جُدَدٌ } جمع جدة بالضم وهي الطريقة من جده إذا قطعه. وقال أبو الفضل: هي من الطرائق ما يخالف لونه لون ما يليه ومنه جدة الحمار للخط الذي في وسط ظهره يخالف لونه، وسأل ابن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الجدد فقال طرائق طريقة بيضاء وطريقة خضراء، وأنشد قول الشاعر:شعر : قد غادر السبع في صفحاتها جدداً كأنها طرق لاحت على أكم تفسير : والكلام على تقدير مضاف إن لم تقصد المبالغة لأن الجبال ليست نفس الطرائق أي ذو جدد. وقرأ الزهري {جدد} بضمتين جمع جديدة كسفينة وسفن وهي بمعنى جدة. وقال صاحب «اللوامح» هو جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان. وقال أبو عبيدة: لا مدخل لمعنى الجديدة في هذه الآية. ولعل من يقول بتجدد حدوث الجبال وتكونها من مياه تنبع من الأرض وتتحجر أولاً فأولاً ثم تنبع من موضع قريب مما تحجر فتتحجر أيضاً وهكذا حتى يحصل جبل لا يأبـى حمل الآية على هذه القراءة على ما ذكر. والظاهر من الآيات والأخبار أن الجبال أحدثها الله تعالى بعيد خلق الأرض لئلا تميد بسكانها، والفلاسفة يزعمون أنها كانت طيناً في بحار انحسرت ثم تحجرت، وقد أطال الإمام الكلام على ذلك في كتابه «المباحث المشرقية» واستدل على ذلك بوجود أشياء بحرية كالصدف بين أجزائها، وهذا عند تدقيق النظر هباء وأكثر الأدلة مثله، ومن أراد الاطلاع على ما قالوا فليرجع إلى كتبهم. وروي عنه أيضاً أنه قرأ {جدد} بفتحتين ولم يجز ذلك أبو حاتم وقال: إن هذه القراءة لا تصح من حيث المعنى وصححها غيره وقال: الجدد الطريق الواضح المبين إلا أنه وضع المفرد موضع الجمع ولذا وصف بالجمع، وقيل هو من باب نطفة أمشاج وثوب أخلاق لاشتمال الطريق على قطع. وتعقب بأنه غير ظاهر ولا مناسب لجمع الجبال. {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أي أصنافها بالشدة والضعف لأنها مقولة بالتشكيك فمختلف صفة (بيض وحمر)، و {أَلْوَانُهَا } فاعل له وليس بمبتدأ، و {مُّخْتَلِفٍ } خبره لوجوب مختلفة حينئذٍ، وجوز أن يكون صفة {جُدَدٌ } {وَغَرَابِيبُ } عطف على {بَيْضٌ } فهو من تفاصيل الجدد والصفات القائمة بها أي ومن / الجبال ذو جدد بيض وحمر، وغرابيب والغربيب هو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب، وكثر في كلامهم اتباعه للأسود على أنه صفة له أو تأكيد لفظي فقالوا أسود غربيب كما قالوا أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قاني. وظاهر كلام الزمخشري أن {غرابيب} هنا تأكيد لمحذوف والأصل وسود غرابيب أي شديدة السواد. وتعقب بأنه لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن النحاة من منع ذلك وهو اختيار ابن مالك لأن التأكيد يقتضي الاعتناء والتقوية وقصد التطويل والحذف يقتضي خلافه. ورده الصفار كما في «شرح التسهيل» لأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده، وفي بعض «شروح المفصل» أنه صفة لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه. وقوله تعالى: {سُودٌ } بدل منه أو عطف بيان له وهو مفسر للمحذوف، ونظير ذلك قول النابغة:شعر : والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند تفسير : وفيه التفسير بعد الإبهام ومزيد الاعتناء بوصف السواد حيث دل عليه من طريق الإضمار والإظهار. ويجوز أن يكون العطف على {جُدَدٌ } على معنى ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون ومنها غرابيب متحدة اللون كما يؤذن به المقابلة وإخراج التركيب على الأسلوب الذي سمعته، وكأنه لما اعتنى بأمر السواد بإفادة أنه في غاية الشدة لم يذكر بعده الاختلاف بالشدة والضعف. وقال الفراء: الكلام على التقديم والتأخير أي سود غرابيب، وقيل ليس هناك مؤكد ولا موصوف محذوف وإنما {غرابيب} معطوف على {جُدَدٌ } أو على (بيض) من أول الأمر و {سُودٌ } بدل منه، قال في «البحر»: وهذا حسن ويحسنه كون غرابيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث «حديث : إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب» تفسير : وهو الذي يخضب بالسواد، وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته، وحكي ما في «البحر» بصيغة قيل، وقول الشاعر:شعر : العين طامحة واليد سابحة والرِّجل لائحة والوجه غربيب
سيد قطب
تفسير : وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور.. {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها؛ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. إنما يخشى الله من عباده العلماء. إن الله عزيز غفور}.. إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب. لفتة تطوف في الأرض كلها تتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها. في الثمرات. وفي الجبال. وفي الناس. وفي الدواب والأنعام. لفتة تجمع في كلمات قلائل، بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعاً؛ وتدع القلب مأخوذاً بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع الكبير الذي يشمل الأرض جميعاً. وتبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان. ولأن المعرض معرض أصباغ وشيات، فإنه لا يذكر هنا من الثمرات إلا ألوانها {فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها}.. وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسامين في جميع الأجيال. فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر. بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد. فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شيء من اختلاف اللون! وينتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها؛ ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية. ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحياناً ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك حتى ما تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها! {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود}.. والجدد الطرائق والشعاب. وهنا لفتة في النص صادقة، فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها. والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها. مختلف في درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود، حالكة شديدة السواد. واللفتة إلى ألوان الصخور وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد، بعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار، تهز القلب هزاً، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي، التي تنظر إلى الجمال نظرة تجريدية فتراه في الصخرة كما تراه في الثمرة، على بعد ما بين طبيعة الصخرة وطبيعة الثمرة، وعلى بعد ما بين وظيفتيهما في تقدير الإنسان. ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال وحده عنصراً مشتركاً بين هذه وتلك، يستحق النظر والالتفات. ثم ألوان الناس. وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر. فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه. بل متميز من توأمه الذي شاركه حملاً واحداً في بطن واحدة! وكذلك ألوان الدواب والأنعام. والدواب أشمل والأنعام أخص. فالدابة كل حيوان. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم والماعز، خصصها من الدواب لقربها من الإنسان. والألوان والأصباغ فيها معرض كذلك جميل كمعرض الثمار ومعرض الصخور سواء. هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين، يفتحه القرآن ويقلب صفحاته ويقول: إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.. وهذه الصفحات التي قلبها في هذا الكتاب هي بعض صفحاته، والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب. ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية. يعرفونه بآثار صنعته. ويدركونه بآثار قدرته. ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه. من ثم يخشونه حقاً ويتقونه حقاً، ويعبدونه حقاً. لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون. ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر.. وهذه الصفحات نموذج من الكتاب.. والألوان والأصباغ نموذج من بدائع التكوين الأخرى وبدائع التنسيق التي لا يدركها إلا العلماء بهذا الكتاب. العلماء به علماً واصلاً. علماً يستشعره القلب، ويتحرك به، ويرى به يد الله المبدعة للألوان والأصباغ والتكوين والتنسيق في ذلك الكون الجميل. إن عنصر الجمال يبدو مقصوداً قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها. هذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح. ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي القيام بنقل اللقاح، لتنشأ الثمار. وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق جمالها!.. والجمال في الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه، لأداء الوظيفة التي يقوم بها الجنسان. وهكذا تتم الوظيفة عن طريق الجمال. الجمال عنصر مقصود قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن ثم هذه اللفتات في كتاب الله المنزل إلى الجمال في كتاب الله المعروض. {إن الله عزيز غفور}.. عزيز قادر على الإبداع وعلى الجزاء. غفور يتدارك بمغفرته من يقصرون في خشيته، وهم يرون بدائع صنعته. ومن كتاب الكون ينتقل الحديث إلى الكتاب المنزل، والذين يتلونه، وما يرجون من تلاوته، وما ينتظرهم من جزاء: {إن الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. إنه غفور شكور}.. وتلاوة كتاب الله تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت. تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك. ومن ثم يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سراً وعلانية من رزق الله. ثم رجاؤهم بكل هذا {تجارة لن تبور}.. فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما ينفقون. ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة الربح. يعاملون فيها الله وحده وهي أربح معاملة؛ ويتاجرون بها في الآخرة وهي أربح تجارة.. تجارة مؤدية إلى توفيتهم أجورهم، وزيادتهم من فضل الله. {إنه غفور شكور}.. يغفر التقصير ويشكر الأداء. وشكره ـ تعالى ـ كناية عما يصاحب الشكر عادة من الرضا وحسن الجزاء. ولكن التعبير يوحي للبشر بشكر المنعم. تشبهاً واستحياء. فإذا كان هو يشكر لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء؟! ثم إشارة إلى طبيعة الكتاب، وما فيه من الحق، تمهيداً للحديث عن ورثة هذا الكتاب: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق، مصدقاً لما بين يديه. إن الله بعباده لخبير بصير}.. ودلائل الحق في هذا الكتاب واضحة في صلبه؛ فهو الترجمة الصحيحة لهذا الكون في حقيقته، أو هو الصفحة المقروءة والكون هو الصفحة الصامتة. وهو مصدق لما قبله من الكتب الصادرة من مصدره. والحق واحد لا يتعدد فيها وفيه. ومنزله نزله للناس وهو على علم بهم، وخبرة بما يصلح لهم ويصلحهم: {إن الله بعباده لخبير بصير}.. هذا هو الكتاب في ذاته. وقد أورثه الله لهذه الأمة المسلمة، اصطفاها لهذه الوراثة، كما يقول هنا في كتابه: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}.. وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على الله؛ كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة. وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب؟ إن الله سبحانه قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة؛ ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء: {فمنهم ظالم لنفسه. ومنهم مقتصد. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}.. فالفريق الأول ـ ولعله ذكر أولاً لأنه الأكثر عدداً ـ {ظالم لنفسه} تربى سيئاته في العمل على حسناته والفريق الثاني وسط {مقتصد} تتعادل سيئاته وحسناته. والفريق الثالث {سابق بالخيرات بإذن الله}، تربى حسناته على سيئاته.. ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعاً. فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية. على تفاوت في الدرجات. ولا ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه الأمة باصطفائها، وكرم الله سبحانه في جزائها. فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا، وهي النهاية التي تنتهي إليها هذه الأمة جميعاً ـ بفضل الله ـ ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من جزاء مقدر في علم الله. نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره الله لهذه الأمة بصنوفها الثلاثة من حسن الجزاء: {ذلك هو الفضل الكبير. جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. إن ربنا لغفور شكور. الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}.. إن المشهد يتكشف عن نعيم مادي ملموس، ونعيم نفسي محسوس. فهم {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير}.. وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي، الذي يلبي بعض رغائب النفوس، وبجانبه ذلك الرضا وذلك الأمن والاطمئنان: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}.. والدنيا بما فيها من قلق على المصير، ومعاناة للأمور تعد حزناً بالقياس إلى هذا النعيم المقيم. والقلق يوم الحشر على المصير مصدر حزن كبير. {إن ربنا لغفور شكور}.. غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما جازانا عليها. {الذي أحلَّنا دار المقامة}.. للإقامة والاستقرار {من فضله} فما لنا عليه من حق، إنما هو الفضل يعطيه من يشاء. {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}.. بل يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والاطمئنان. فالجو كله يسر وراحة ونعيم. والألفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني الرحيم. حتى {الحزن} لا يتكأ عليه بالسكون الجازم. بل يقال "الحزَن" بالتسهيل والتخفيف. والجنة {دار المقامة}. والنصب واللغوب لا يمسانهم مجرد مساس. والإيقاع الموسيقي للتعبير كله هادئ ناعم رتيب. ثم نتلفت إلى الجانب الآخر. فنرى القلق والاضطراب وعدم الاستقرار على حال: {والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها}.. فلا هذه ولا تلك. حتى الرحمة بالموت لا تنال! {كذلك نجزي كل كفور}.. ثم ها نحن أولاء يطرق أسماعنا صوت غليظ محشرج مختلط الأصداء، متناوح من شتى الأرجاء. إنه صوت المنبوذين في جهنم: {وهم يصطرخون فيها}.. وجرس اللفظ نفسه يلقي في الحس هذه المعاني جميعاً.. فلنتبين من ذلك الصوت الغليظ ماذا يقول. إنه يقول: {ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل}.. إنه الإنابة والاعتراف والندم إذن. ولكن بعد فوات الأوان. فها نحن أولاء نسمع الرد الحاسم يحمل التأنيب القاسي: {أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر؟}.. فلم تنتفعوا بهذه الفسحة من العمر، وهي كافية للتذكر لمن أراد أن يتذكر. {وجاءكم النذير}.. زيادة في التنبيه والتحذير. فلم تتذكروا ولم تحذروا. {فذوقوا. فما للظالمين من نصير}.. إنهما صورتان متقابلتان: صورة الأمن والراحة، تقابلها صورة القلق والاضطراب. ونغمة الشكر والدعاء تقابلها ضجة الاصطراخ والنداء. ومظهر العناية والتكريم، يقابله مظهر الإهمال والتأنيب. والجرس اللين والإيقاع الرتيب، يقابلهما الجرس الغليظ والإيقاع العنيف. فيتم التقابل، ويتم التناسق في الجزئيات وفي الكليات سواء. وأخيراً يجيء التعقيب على هذه المشاهد جميعاً، وعلى ما سبقها من اصطفاء وتوريث: {إن الله عالم غيب السماوات والأرض. إنه عليم بذات الصدور}. والعلم الشامل اللطيف الدقيق أنسب تعقيب على تنزيل الكتاب. وعلى اصطفاء من يرثونه ويحملونه. وعلى تجاوز الله عن ظلم بعضهم لنفسه. وعلى تفضله عليهم بذلك الجزاء. وعلى حكمه على الذين كفروا بذلك المصير.. فهو عالم غيب السماوات والأرض. وهو عليم بذات الصدور. وبهذا العلم الشامل اللطيف الدقيق يقضي في كل هذه الأمور..
ابن عاشور
تفسير : {ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا}. استئناف فيه إيضاح ما سبقه من اختلاف أحوال الناس في قبول الهدى ورفضه بسبب ما تهيأت خِلقة النفوس إليه ليظهر به أن الاختلاف بين أفراد الأصناف والأنواع ناموس جِبلِّي فَطر الله عليه مخلوقات هذا العالم الأرضي. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليدفع عنه اغتمامه من مشاهدة عدم انتفاع المشركين بالقرآن. وضُرب اختلاف الظواهر في أفراد الصنف الواحد مثلاً لاختلاف البواطن تقريباً للأفهام، فكان هذا الاستئناف من الاستئناف البياني لأن مثل هذا التقريب مما تشرئِبُّ إليه الأفهام عند سماع قوله: { أية : إن الله يسمع من يشاء } تفسير : [فاطر: 22]. والرؤية بصرية، والاستفهام تقريري، وجاء التقرير على النفي على ما هو المستعمل كما بيناه عند قوله تعالى: { أية : ألم يروا أنه لا يكلمهم } تفسير : في سورة الأعراف (148) وفي آيات أخرى. وضمير {فأخرجنا} التفات من الغيبة إلى التكلم. والألوان: جمع لون وهو عَرَض، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيِّفه النورُ كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها إلى عدسات الأعين من شبه الظلمة وهو لون السواد وشِبه الصبح هو لون البياض، فهما الأصلان للألوان، وتنشق منها ألوان كثيرة وضعت لها أسماء اصطلاحية وتشبيهية. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } تفسير : في سورة البقرة (69)، وتقدم في سورة النحل. والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ألوان التفاح مع ألوان السفرجل، وألوان العنب مع ألوان التين، واختلاف ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون والأعناب والتفاح والرمان. وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار بقدرة الله مع ما فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع كقوله تعالى: { أية : تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } تفسير : [الرعد: 4] وذلك أرعى للاعتبار. وجيء بالجملتين الفعليتين في {أنزل} و «أخرجنا» لأن إنزال الماء وإخراج الثمرات متجدد آنا فآنا. والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {أنزل} وقوله: «أخرجنا» لأن الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع لمعاني الصفات. وضمير التكلم أنسب بِما فيهِ امتنان. وقدم الاعتبار باختلاف أحوال الثمرات لأن في اختلافها سعة تشبه سعة اختلاف الناس في المنافع والمدارك والعقائد. وفي الحديث: « حديث : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمْرة طعمُها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحُها طيّب وطعمها مُرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرّ ولا ريح لها ». تفسير : وجرد {مختلفاً} من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأنُ النعت السَببي أن يوافق مرفوعه في التذكر وضده والإِفراد وضده، ولا يوافق في ذلك منعوته، لأنه لما كان الفاعل جمعاً لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف التاء في مثله جائزاً في الاستعمال، وآثره القرآن إيثاراً للإِيجاز. والمراد بالثمرات: ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، فثمرات النخيل أكثر الثمرات ألواناً، فإن ألوانها تختلف باختلاف أطوارها، فمنها الأخضر والأصفر والأحمر والأسود. {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}. عطف على جملة {ألم تر أن الله} فهي مثلها مستأنفة، وعطفها عليها للمناسبة الظاهرة. و{جدد} مبتدأ {ومن الجبال} خبره. وتقديم الخبر للاهتمام وللتشويق لذكر المبتدأ حثّاً على التأمل والنظر. و{من} تبعيضية على معنى: وبعض تراب الجبال جُدَد، ففي الجبل الواحد توجد جُدد مختلفة، وقد يكون بعض الجُدَد بعضها في بعض الجبال وبعض آخر في بعض آخر. و{جُدَد}: جمع جُدّة بضم الجيم، وهي الطريقة والخطة في الشيء تكون واضحة فيه. يقال للخطة السوداء التي على ظهر الحمار جُدّة، وللظبي جدّتان مسكيّتا اللون تفصلان بين لوني ظهره وبطنه، والجدد البيض التي في الجبال هي ما كانت صخوراً بيضاء مثل المروة، أو كانت تقرب من البياض فإن من التراب ما يصير في لون الأصهب فيقال: تراب أبيض، ولا يعنون أنه أبيض كالجير والجص بل يعنون أنه مخالف لغالب ألوان التراب، والجُدَد الحُمر هي ذات الحجارة الحمراء في الجبال. و{غرابيبُ} جمع غربيب، والغربيبُ: اسم للشيء الأسود الحالك سواده، ولا تعرف له مادة مشتق هو منها، وأحسب أنه مأخوذ من الجامد، وهو الغراب لشهرة الغراب بالسواد. {وسود} جمع أسود وهو الذي لونه السواد. فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود، فكان مقتضى الظاهر أن يكون {غرابيب} متأخراً عن {سود} لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب، كما يقولون: أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان، ولا يقولون: غربيب أسود وإنما خولف ذلك للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداءً من قوله: { أية : واللَّه هو الغني الحميد } تفسير : [فاطر: 15]، على أن في دعوى أن يكون غربيباً تابعاً لأسود نظراً والآية تؤيد هذا النظر، ودعوى كون {غرابيب} صفة لمحذوف يدل عليه {سود} تكلف واضح، وكذلك دعوى الفراء: أن الكلام على التقديم والتأخير، وغرض التوكيد حاصل على كل حال.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} تفسير : [الروم: 22] الآية، وبيّنا هناك دلالة الآيات على أنّه جل وعلا هو المؤثر وحده، وأنّ الطبائع لا تأثير لها إلا بمشيئته تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثمرات مختلفا ألوانها: أي كأحمر وأخضر وأصفر وأزرق وغيره. ومن الجبال جدد: أي طرق في الجبال إذ الجدة الطريق ومنه جادة الطريق. بيض وحمر مختلف ألوانه: أي طرق وخطط في الجبال ذوات ألوان كالجبال أيضا. وغرابيب سود: منها الأبيص والأصفر والأسود الغربيب. ومن الناس والدواب والأنعام: فمنها أبيض وهذا أحمر وهذا أسود. مختلف ألوانه كذلك: أي كاختلاف الثمار والجبال والطرق فيها. إنما يخشى الله من عباده العلماء: أي العالمين بجلاله وكماله، إذ الخشية متوقفة على معرفة المخشيّ. يتلون كتاب الله: أي يقرأونه تعبداً به. تجارة لن تبور: أي لن تهلك ولن تضيع بدون ثواب عليها. غفور شكور: أي غفور لذنوب عباده التائبين شكور لأعمالهم الصالحة. معنى الآيات: هذا السياق الكريم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} في بيان تفاوت المخلوقات واختلافاتها فمن مؤمن إلى كافر، ومن صالح إلى فاسد ومن أبيض إلى أحمر أو أسود وابتدأه تعالى بخطاب رسوله مقرراً له بقوله {أَلَمْ تَرَ} أي ألم تبصر بعينك أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ما بين تمر أصفر وآخر أحمر، وآخر أسود وهذا واضح في التمر والعنب والفواكه والخضر، ومن الجبال كذلك. فإن فيها جدد أي خطط حمراء وصفراء وبيضاء وسوداء والجبال نفسها كذلك، ومن الناس والدواب والأنعام ففي جميعها الأبيض والأسود والأحمر والأصفر كما في جدد الجبال نفسها وكما في الثمار. ولما كان هذا لا يدركه إلا المفكرون ولا يجنى منه العبرة إلا العالمون قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} وأهل مكة جهال لا يفكرون ولا يهتدون فلا غرابة إذا لم يخشوا الله تعالى ولم يوحدوه وذلك لجهلهم وعدم تفكيرهم. وقوله تعالى في ختام السياق: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} كشف عن حقيقة ينبغي أن يعرفها أهل مكة المصرون على الكفر والتكذيب وهي أن الله قادر على أخذهم والبطش بهم فإنه عزيز لا يمانع فيما يريده وغفور لذنوب التائبين من عباده ومهما كانت ذنوبهم إلا فليتب أهل مكة فإن توبتهم خير لهم من إصرارهم على الشرك والكفر والتكذيب إذ في التوبة نجاة، وفي الإِصرار هلاك. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} وهم المؤمنون {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أدوها أداء وافيا لا نقص فيه {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} الزكاة والصدقات بحسب الأحوال والظروف سراً أحياناً وعلانية أحياناً أخرى. يُخبر تعالى عنهم بعدما وصفهم بما شرفهم به من صفات أنهم يرجون تجارة لن تبور أي لن تهلك ولن تخسر وذلك يوم القيامة وقوله {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} أيْ هداهم لذلك ووفقهم إليه تعالى ليوفيهم أُجورهم ويزيدهم من فضله. وعلة ذلك أنه غفور لعباده المؤمنين التائبين فيغفر ذنوبهم ويدخلهم جنته شكور لطاعاتهم وصالح أعمالهم فلذا يضاعف لهم أجورهم ويزيدهم من فضله وله الحمد والمنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر القدرة والعلم الإِلهي في اختلاف الألوان والطباع والذوات. 2- العلم سبيل الخشية فمن لا علم له بالله فلا خشية له إنما يخشى الله من عباده العلماء. 3- فضل تلاوة القرآن الكريم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات. 4- في وصف الله تعالى بالغفور والشكور ترغيب للمذنبين أن يتوبوا، وللعاملين أن يزيدوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَمَرَاتٍ} {أَلْوَانُهَا} (27) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ إِلى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى خَلْقِ الأَشياءِ المُخْتَلِفَةِ، المُتَنَوِّعَةِ المَظَاهِرِ وَالأَشْكَالِ، مِنَ الشَّيءِ الوَاحِدِ، فَيَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَطَراً فَأَرْوَى بِهِ الأَرْضَ، فَأَخْرَجَتْ ثِمَاراً مُخْتَلِفَةَ الألوانِ والطُّعُومِ والرُّوَائِحِ، وَإِنَّه خَلَقَ الجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الأَلْوَانِ، فَمِنْهَا الأَبْيَضُ وَمِنْهَا الأَحْمَرُ وَمِنْهَا الأَسْوَدُ الغِرْبِيْبُ. جُدَدٌ - ذَاتُ طُرُقٍ وَخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةِ الأَلْوَانِ. غَربيب أسود - شَدِيدُ السَّوادِ كَالأَغْرِبَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يُذكِّرنا ببعض نِعَمه علينا، ثم يُتبع ذلك ببعض المطلوبات، وهكذا ليُؤنِس قلبك بالإحسان إليك لتستجيب لمطلوباته. والحق سبحانه حين يُذكِّر عباده بهذه الآية الكونية، آية إنزال الماء من السماء بعد أنْ بيَّن لنبيه أخْذه الشديد للكافرين، كأنه سبحانه يقول لرسوله: دَعْك من أمر هؤلاء الكافرين، فأنا قادر على معاقبتهم، وتأمل في هذه الآية الكونية {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً..} [فاطر: 27]. وقوله {أَلَمْ تَرَ} [فاطر: 27] أي: تشاهد؛ لأن الجميع يرى الماء، وهو ينزل من ناحية العلو، والسماء هي كل ما علاك فأظلَّك، وقد تأتي {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [الفيل: 1] بمعنى: ألم تعلم. وهذا في الأشياء التي لم يَرَها رسول الله كما في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم يَرَ حادثة الفيل، لكن خاطبه ربه بـ {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [الفيل: 1] ليدل على أن إخبار الله له أوثقُ وأصدقُ من رؤية العين. ومسألة إنزال الماء من السماء أي من ناحيتها، وإلا فالسماء شيء آخر، المطر إنما ينزل من السحاب القريب من الأرض. نقول: مسألة إنزال الماء من ناحية السماء يبدو أمراً طبيعياً، فبخار الماء ينعقد في السماء على هيئة سُحُب ممتلئة بالماء، والماء له ثِقَل ينزل إلى أسفل بجاذبية الأرض، لذلك يرتب الله على إنزال المطر إخراج النبات {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27] فإنْ قُلْتُ: إن نزول الماء من السماء أمر طبيعي قد يُشك فيه أنه من فعل الطبيعة، فهل إحياء الأرض وإنبات النبات مختلف الثمرات والألوان أيضاً من فعل الطبيعة؟ وكلمة {أنزَلَ} [فاطر: 27] تفيد العُلُو من المُنزِل والدُّنُو من المُنزَل إليه، حتى لو كان هذا الأمر معكوساً وأتى الإنزال من أسفل إلى أعلى كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] والحديد في الواقع نُخرجه من باطن الأرض، لكن سماه الله إنزالاً؛ لأن المراد به الإتيان من أعلى لأدنى بصرف النظر عن جهته أعلى أو أدنى. ونحن نشاهد عملية إنزال الماء من السماء، لكن لم نشاهد عملية البخر التي تتم على سطح الماء في الأرض، ثم صعودها إلى طبقات الجو العليا حيث تتكوَّن السُّحب عن طريق التكثيف، والإنسان لم يكُنْ يعلم شيئاً عن هذه العمليات حتى تقدَّمتْ العلوم، وعرفنا عملية تقطير الماء. أما عملية إخراج النبات والثمرات المختلفة الألوان فهي واضحة مُشَاهدة في البساتين والحقول، فكلنا يرى بدائع الألوان واختلاف الأشكال بحيث لا تتناهى حصراً؛ لأن ألوان الطيف إنْ كانت هي الألوان الأصلية فيمكن أن يتولَّد منها مَا لا حصر له، فاللون الأسود مثلاً لو أضفتَ إليه قطرة واحدة من اللون البني مثلاً يعطيك لوناً آخر، فإنْ أضفتَ قطرتين يعطيك لوناً ثالثاً، وهكذا لا تتناهى الألوان، وهذه المسألة نشاهدها الآن في صناعة الأقمشة، فقد تعددت ألوانها بدرجات مختلفة وزركشات لا حصر لها. إذن: نقول: إن الألوان كائن لا يتناهى. ولك أن تتأمل تداخل الألوان وتناسقها في زهرة أو وردة في الحديقة، وسوف ترى في ألوانها الإعجاز المبهر، فالحبة واحدة، والأرض واحدة، والماء واحد، لكن تولَّد من هذا كله هذا الشكل البديع وهذه الألوان المتداخلة المتناسقة؛ لأن الحدث آثار المحدِث، فإذا كان المحدِثُ محدودَ القدرة ظهرتْ آثاره كذلك محدودةَ القدرة، وإذا كان المحدِث فائقَ القدرة تأتي آثاره فائقة القدرة، أما الحق سبحانه فله طلاقة القدرة؛ لذلك تأتي آثاره كذلك. وتلحظ في سياق الآية أن الحق سبحانه لم يتكلم عن إنزال المطر من السماء قال {أنزَلَ} [فاطر: 27] بصيغة ضمير الغائب، لكن لما تكلّم عن إخراج الثمرات قال: {فَأَخْرَجْنَا} [فاطر: 27] فنقلنا إلى ضمير الجماعة المتكلمة الدالّ على التعظيم؛ لماذا؟ لأن إنزال الماء من السماء ليس هدفاً في ذاته، فليس هو المهم، بدليل أن الماء قد ينزل على الأرض السّبخة فلا تستفيد به، أما عملية إخراج الثمار فهي العملية المهمة التي أنزل اللهُ الماءَ من أجلها؛ لذلك ذكرها بضمير الجمع الدالّ على التعظيم، فالحق سبحانه يُعظِّم نفسه في الفعل كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ونحن نعرف في عُرْفنا أن الحدث يختلف باختلاف المحدِث، فإنْ أحدثه فرد واحد أتى الحدثُ على مستوى قدرة هذا الفرد، فإنْ تكاتفت فيه جماعة جاء على مستوى هذا التكاتف؛ لذلك نسمع عند سَنِّ القوانين التي تحكم الشعوب يقول القائد أو الملك: نحن رئيس الجمهورية، أو نحن ملك مصر، أو نحن سلطان كذا وكذا؛ لأن مسألة سَنِّ القوانين ليست مسألة فردية يقررها الحاكم أو الملك، ولا ينطق بها باسمه، إنما يشاركه فيها رعيته، وينطق باسمهم جميعاً. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حين يُحدِّثنا عن فعل من أفعاله يُحدِّثنا بضمير الجمع، أما إنْ تكلم عن ذاته سبحانه تكلّم بضمير المفرد، مثل: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]. وإنزال الماء في صورته أمر واحد، أما الإخراج ففيه تلوُّن للمخرج، فالماء المنزَّل من السماء واحد، لكن آثار الماء متعددة، فهذا أصفر، وهذا أبيض، وهذا أحمر .. الخ، فهذه العملية تحتاج إلى تعظيم يناسبها. لكن، هل الإخراج للثمرات هكذا مباشرة؟ أم الإخراج للنبات الذي يعطي الثمرات؟ الإخراج للنبات الذي يعطي الثمر، فالحق سبحانه يذكر لنا الشيء بنهاية المطلوب منه وهو الثمر، وهذا الثمر يأتي مختلفاً في ألوانه، مع أن البيئة واحدة ويُسقى بماء واحد، وحين تتأمل الألوان في الثمار تجد فيها طلاقة القدرة لله تعالى، وهذه الألوان لم تُجعل هكذا لمجرد الشكل والزينة، إنما جُعِلَتْ هكذا لحكمة أرادها الخالق سبحانَه، منها أن هذه الألوان تجذب الحَشرات المخصِّبة. ولو تأملتَ هذه الألوان لوجدتها متعددة حتى في اللون الواحد، ألاَ ترى أن بياض الثلج مثلاً غير بياض الثوب، غير بياض الجير؛ لذلك يصفون الألوان فيقولون أبيض يقق، وأصفر فاقع، وأحمر قانٍ، وأخضر مدْهَام. وبعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن آية من آياته في النبات يُحدِّثنا عن الجماد {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] ففي الجمادات أيضاً ألوان نشاهدها مثلاً حين نشقُّ الصخر لاستخراج ما في باطن الأرض، ترى مثلاً الجرانيت والرخام والعقيق بألوان مختلفة كذلك. وكلمة {جُدَدٌ} [فاطر: 27] جمع جُدة، وهي الخط الفاصل بين شيئين، رأيتم طبعاً الحمار الوحشي المخطط ومدى تناسق هذه الخطوط، ترى مثل هذا في طبقات الجبال، وهي مختلفة البياض ومختلفة الاحمرار. ومعنى {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] تقول: أسود غِرْبيب يعني: شديد السواد. فالغربيب أشدُّ درجات السواد نسبةً إلى الغراب لشدة سواده. بعد أن ذكر الحق سبحانه جنس النبات وجنس الجماد يذكر أن هذا الاختلاف موجود أيضاً في الإنسان وفي الحيوان - وهذه هي أجناس الوجود، فيقول سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {جُدَدٌ بِيضٌ} معناه طَرائقُ بيضٍ. وقوله تعالى: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} معناه جِبالٌ سُودٌ. والغَرابيبُ: هي السّودُ. ويقال: أسود غربيب.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي المعتبر {أَنَّ ٱللَّهَ} المقتدر بالقدرة الكاملة كيف {أنزَلَ} وأفاض {مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء الأسماء والصفات الذاتية {مَآءً} محيياً لأموات الأراضي المائتة الجامدة، الباقية على صرافة العدم {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بالماء المفاض، المترشح من بحر الذات على أرض الطبيعة {ثَمَرَاتٍ} فواكه متنوعة من المعارف والحقائق والخواطف والواردات المختطفة على قلوب أرباب المحبة والولاء حسب حالاتهم ومقاماتهم {مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} وكيفيتها علماً وعيناً وحقاً {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ} التي هي الأوتاد والأقطاب القابلة لفيضان تلك الكرامات والفتوحات {جُدَدٌ} أي: ذوو طرق وسبل إلى كعبة الذات، وعرفات الأسماء والصفات {بِيضٌ} مصفى في غاية الصفا، بلا خلط ومزج لها بألوان التعينات والهويات أصلاً {وَ} بعضها {حُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} باختلاف مراتب قربهم وبعدهم عن المرتبة الأولى {وَ} بعضها {غَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] أي: متناه في السواد والظلمة، بحيث لا يبقى فيها شائبة شبه بالمرتبة الأولى، بل هي مباين لها، مناقض إياها بحيث لا يبقى المناسبة بينهما أصلاً. قيل: يشير سبحانه بالجدد البيض إلى طائفة الصوفية الذين هم صفّوا بواطنهم عما سوى الحق من الأمور المنصبغة بصبغ الأكوان وألوان الإمكان، وبالحمر المختلف الألوان إلى طائفة المتكلمين الذين بحثوا عن ذات الله وصفاته، متشبثين بالدلائل العقلية والنقلية الغير المؤيدة بالكشف والشهود، المفيدة للظلن والتخمين إلا نادراً، وبالغرابيب السود إلى طائفة الفقهاء الذين كثفت حجبهم وغلظت أغشيتهم وأعطيتهم إلى حيث لم يبق في فضاء قلوبهم موضع يليق لقبول انعكاس أشعبة أنوار الحق، بل سوَّدوها وصبغوها إلى حيث أخرجوها عن فطرة الله التي فطر الناس عليها. {وَ} أخرجنا به أيضاً؛ أي: من الآثار تربية الماء وإحيائها أموات الأراضي {مِنَ ٱلنَّاسِ} المنهمكين في الغفلة والنسيان {وَٱلدَّوَآبِّ} المنسلخة عن رتبة الإدراك والشعور المتعلق بالمبدأ والمعاد {وَٱلأَنْعَامِ} المشغوفة بتوفير اللذات الجسمانية والمشتهيات النفسية {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} أي: أجناسه وأنواعه وأصنافه وأشكاله وهيئاته، وبالجملة: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ} ويخاف من بطشه {مِنْ عِبَادِهِ} الذين أبدعهم وأظهرهم من كتم العدم بإفاضة رشاشات رشحات بحر وجوده بمقتضى جوده {ٱلْعُلَمَاءُ} العرفاء بالله وبأوصافه الكاملة الفائضة عليهم، وأسمائه الحسنى الشاملة، المتحققون بمرتبة التوحيد، المنكشفون بسر سريان الوحدة الذاتية على عموم المظاهر؛ إذ أخشى الناس من الله أعرفهم بشأنه؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني أخشاكم الله وأتقاكم به"تفسير : ، وكيف لا يخشى العارفون منه سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ} المتردي برداء العظمة والكبرياء {عَزِيزٌ} غالب على انتقام من أراد انتقامه من عباده {غَفُورٌ} [فاطر: 28] ذنوب من تاب إلى الله ورجع نحوه عن ظهر قلب. ثم أشار سبحانه إلى خواص عباده، وبنبههم على ما هو المقبول منهم عنده سبحانه من أعمالهم، وحثهم عليها امتناناً لهم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} المنزل على رسوله {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} المفروضة، المكتوبة في الأوقات المحفوظة، المأمورة إياهم في كتاب الله {وَأَنفَقُواْ} طلباً لمرضاتنا {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} وسقنا إليهم من الرزق الصوري والمعنوي {سِرّاً} خفية من الناس؛ اتقاءً عن وصمة الرياء والسمعة، ومن الفقراء المستحقين أيضاً؛ صوناً لهم عن أن يتأذوا حين أخذوا {وَعَلاَنِيَةً} أيضاً بعدما اقتضى المحل إعلامه، ولم يتأت منه الإخفاء {يَرْجُونَ} من الله بالأفعال المذكورة {تِجَارَةً} من الأحوال والمقامات {لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29] أي: لن تهلك وتفسد وتفنى أصلاً. وإنما فعلوا ذلك {لِيُوَفِّيَهُمْ} ويوفر عليهم سبحانه {أُجُورَهُمْ} التي يستحقون بأعمالهم بها {وَيَزِيدَهُم} عليها {مِّن فَضْلِهِ} ما لا يعد ولا يحصى من الكرامات؛ امتناناً لهم، وكيف لا يوفيهم ويزيدهم سبحانه {إِنَّهُ} عز شأنه وجل برهانه {غَفُورٌ} في ذاته لفرطات عباده، يغفر لهم ذنوبهم {شَكُورٌ} [فاطر: 30] يقبل منهم يسير طاعاتهم التي أتَوْا بها مخلصلين، فكيف بعسيرها؟!.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن آثار رحمته من ماء السماء بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا بِيضٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27] يشير إلى أنه تعالى أنزل من سماء القدرة ماء الروح فأخرج به من أشجار الأشخاص ثمرات الأخلاق المختلفة ألوانها من أهل السعادة والشقاوة {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ} [فاطر: 27] أي: من جبال النفس أخرج الطريق وهي صفاتها ببعض صفة اطمئنانها {وَحُمْرٌ} [فاطر: 27] صفة لوامتها {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] صفة أماريتها. ثم قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [فاطر: 28] جمع فيه صفات الروح وصفات النفس المشترك بين الإنسان والحيوان مع اختلاف أوصافهم، ثم قال كذلك أي: كاختلاف ما ذكرنا من الإنسان وأخلاقه {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] بحسب اختلافهم في العلم فمنهم من هو عالم بأحكام الله من أوامره ونواهيه فيكون خوفه من فوت الجنان وعذاب النيران، ومنهم من هو عالم بصفات الله من صفات اللطف والقهر فيكون خوفه من الحرمان عن مقامات القرب والخذلان إلى دركات البعد، ومنهم من هو عالم بالله بنور الله فخوفه يكون هيبة من ذاته تعالى. كما قال: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28] فبقدر مراتب العلم تكون مراتب الخوف كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه" تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [فاطر: 28] أن يعرفوه حق معرفته {غَفُورٌ} [فاطر: 28] يغفر عجز العباد وقصورهم في معرفته {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [فاطر: 29] أي: ائتمروا بما في كتاب الله من الصلاة وغيرها. {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً} [فاطر: 29] أي: من علم الباطن {وَعَلاَنِيَةً} [فاطر: 29] أي: من علم الظاهر {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29] يعني خالصة لله مع الله بالله {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} [فاطر: 30] بحسب أعمالهم وخلوص نياتهم {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر: 30] ما يستحقونه وإنما يستحق كرمه به {إِنَّهُ غَفُورٌ} [فاطر: 30] يغفر تقصيرهم في العبودية {شَكُورٌ} [فاطر: 30] يشكر سعيهم مع التقصير بفضل الربوبية. وقوله: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يشير إلى هذه المعاني المختلفة التي ذكرها إنه {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [فاطر: 31] من الآيات التي تجئ بعده {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ} [فاطر: 31] من أهل السعادة وأهل الشقاوة {لَخَبِيرٌ} [فاطر: 31] لأنه خلقهم {بَصِيرٌ} [فاطر: 31] بما يصدر منهم من الأخلاق والأعمال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى خلقه للأشياء المتضادات، التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته. فمن ذلك: أن اللّه تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة. ومن ذلك: الجبال التي جعلها اللّه أوتادا للأرض، تجدها جبالا مشتبكة، بل جبلا واحدا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد بيض، أي: طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي: شديدة السواد جدا. ومن ذلك: الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل من أصل واحد ومادة واحدة. فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة اللّه تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة اللّه تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم اللّه تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى اللّه تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها. ولهذا قال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } فكل من كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية اللّه، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: {أية : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }. تفسير : { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } كامل العزة، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات. { غَفُورٌ } لذنوب التائبين.
همام الصنعاني
تفسير : 2442- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {جُدَدٌ بِيضٌ}: [الآية: 27]، قال: طرائق بيض، {وَغَرَابِيبُ سُودٌ}: [الآية: 27]، قال: جبال سود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):