٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ كَذَٰلِكَ } كاختلاف الثمار والجبال {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰؤُاْ } بخلاف الجهّال ككفار مكة {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } في ملكه {غَفُورٌ } لذنوب عباده المؤمنين.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَذَلِكَ} أي مختلف ألوانه أبيض وأحمر وأسود، أو كما اختلف ألوان ما ذكرت فكذلك تختلف أحوال العباد من الخشية ثم استأنف فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآؤُاْ} به.
ابو السعود
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ} أي ومنهم بعضٌ مختلفٌ ألوانُه أو وبعضُهم مختلفٌ ألوانُه على ما مرَّ في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [سورة العنكبوت: الآية 10] وإيراد الجملتينِ اسميتين مع مشاركتِهما لما قبلَهُما من الجملةِ الفعليةِ في الاستشهادِ بمضمونِهما على تباينِ النَّاسِ في الأحوالِ الباطنةِ لما أنَّ اختلافَ الجبالِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ فيما ذُكر من الألوانِ أمرٌ مستمرٌ فعبَّر عنه بما يدلُّ على الاستمرارِ. وأمَّا إخراجُ الثَّمراتِ المختلفةِ فحيثُ كان أمراً حادثاً عبَّر عنه بما يدلُّ على الحدوثِ ثم لما كان فيه نوعُ خفاءً علَّق به الرُّؤية بطريقِ الاستفهامِ التقريريِّ المُنبىءِ عن الحمل عليها والتَّرغيبِ فيها بخلافِ أحوالِ الجبالِ والنَّاسِ وغيرِهما فإنَّها مُشاهدَة غنيَّةٌ عن التأمُّلِ فلذلك جُرِّدتْ عن التَّعليقِ بالرُّؤيةِ فتدبَّرْ. وقولُه {كَذٰلِكَ} مصدرٌ تشبـيهيٌّ لقوله تعالى مختلفٌ أي صفة لمصدره المؤكِّد تقديرُه مختلفٌ اختلافاً كائناً كذلك أي كاختلافِ الثِّمارِ والجبال وقرىء ألواناً وقُرىء والدَّوابَ بالتَّخفيفِ مبالغةً في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ وقوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء} تكملة لقوله تعالى: { أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [سورة فاطر: الآية 18] بتعيـين من يخشاه عزَّ وجلَّ من النَّاس بعد بـيانِ اختلافِ طبقاتِهم وتباينِ مراتبِهم، أمَّا في الأوصافِ المعنويَّةِ فبطريقِ التَّمثيلِ وأما في الأوصافِ الصُّوريةِ فبطريقِ التَّصريحِ توفية لكلَّ واحدةٍ منهما حقَّها اللائقَ بها من البـيانِ أي إنَّما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به عزَّ وجلَّ وبما يليق به من صفاتِه الجليلةِ وأفعالِه الجميلةِ لما أنَّ مدارَ الخشية معرفةُ المخشيِّ والعلمُ بشؤونه فمن كان أعلم به تعالى كانَ أخشى منه عزَّ وجلَّ كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : أنا أخشاكُم لله وأتقاكُم له » تفسير : ولذلك عقَّب بذكرِ أفعالِه الدَّالَّةِ على كمالِ قُدرتِه وحيث كان الكَفَرةُ بمعزلٍ من هذه المعرفةِ امتنع إنذارُهم بالكلِّية. وتقديمُ المفعولِ لأن المقصودَ حصرُ الفاعليَّةِ ولو أُخِّر انعكسَ الأمرُ وقُرىء برفعِ الاسمِ الجليلِ ونصبِ العلماءِ على أنَّ الخشية مستعارةٌ للتَّعظيمِ فإنَّ المعظَّم يكونُ مهيباً {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليل لوجوبِ الخشيةِ لدلالتهِ على أنَّه معاقبٌ للمصرِّ على طغيانِه غفورٌ للتائب عن عصيانِه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ} أي يداومُون على قراءته أو متابعةِ ما فيه حتَّى صارتْ سمةً لهم وعُنواناً. والمرادُ بكتابِ الله تعالى القُرآنُ. وقيلَ: جنسُ كتبِ الله فيكون ثناءً على المصدِّقين من الأممِ بعد اقتصاصِ حالِ المكذِّبـين منهم وليسَ بذاك فإنَّ صيغةَ المضارعِ مناديةٌ باستمرارِ مشروعيةِ تلاوتِه والعملِ بما فيه واستتباعِهما لما سيأتي من توفيةِ الأجورِ وزيادةِ الفضلِ. وحملُها على حكايةِ الحالِ الماضيةِ مع كونِه تعسُّفاً ظاهراً ممَّا لا سيبلَ إليه كيفَ لا والمقصودُ التَّرغيبُ في دينِ الإسلامِ والعملُ بالقُرآن النَّاسخِ لما بـين يديهِ من الكتبِ فالتَّعرضُ لبـيانِ حقِّيتها قبل انتساخِها والإشباعُ في ذكرِ استتباعها لما ذُكر من الفوائدِ العظيمةِ مَّما يُورث الرَّغبةَ في تلاوتِها والإقبالِ على العملِ بها. وتخصيصُ التِّلاوةِ بما لم ينسخ منها باطلٌ قطعاً لما أنَّ الباقي مشروعاً ليس إلا حكمها لكنْ لا من حيثُ أنَّه حكَّمها بل من حيثُ حكّم القرآنَ وأما تلاوتُها فبمعزلٍ من المشروعيَّةِ واستتباع الأجر بالمرَّة فتدبر {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيةً} كيفما اتَّفق من غيرِ قصدٍ إليهما وقيل: السِّرُّ في المسنونةِ والعلانيةُ في المفروضةِ {يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً} تحصيلَ ثوابٍ بالطَّاعةِ وهو خبرُ إنَّ. وقوله تعالى {لَّن تَبُورَ} أي لن تكسدَ ولن تهلكَ بالخسرانِ أصلاً صفةٌ لتجارةَ جيء بها للدِّلالةِ على أنَّها ليستْ كسائرِ التِّجاراتِ الدَّائرةِ بـين الرِّبحِ والخُسرانِ لأنَّه اشتراءُ باقٍ بفانٍ. والإخبارُ برجائِهم من أكرمِ الأكرمينَ عِدَةٌ قطعيةٌ بحصولِ مرجوِّهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} [الآية: 28]. قال ابن عطاء: الخشية أتم من الخوف لأنه صفة العلماء والأولياء. قال جعفر: خشية العلماء من ترك الحرمة فى العبادات وترك الحرمة فى الإخبار عن الحق وترك الحرمة فى متابعة الرسول وترك الحرمة فى خدمة الأولياء والصديقين. قال النصرآباذى: خشية العلماء من الانبساط فى الدعاء والسؤال. قال الواسطى رحمة الله عليه أرحم الناس العلماء لخشيتهم من الله وإشفاقهم بما علمهم الله. وقال الحارث: العلم يورث الخشية والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الإنابة. قال الواسطى رحمة الله عليه: أوائل الخشية العلم ثم الإجلال ثم التعظيم ثم الهيبة، ثم الفناء، فإذا فنيت هربت حتى نسيت أفعالها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} الخوف عموم الخشوع خصوص وقد قرن سبحانه الخشية بالعلم بالله وجلاله وقدره وربوبيته والعبودية له وحقيقة الخشية وقوع نور جلال الحق فى العارفين ممزوجا بسنا التعظيم ورؤية الكبرياء والعظمة ولا يحصل ذلك الا لمن شاهد القدم والازل او البقاء والابد فمن زاد علمه بالله زاد خشيته لقوله عليه الصلاة والسّلام والتحية فالاكرام انا اعرفكم بالله واخشاكم منه قال ابن عطا الخشية اتم من الخوف لانها صفة العلماء وقال النصر ابادى خشية العلماء من الابساط فى الدعاء والسؤال قال حارث العلم يورث الخشية والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الانابة وقال الواسطى اوايل العلم الخشية ثم الاجلال ثم التعظيم ثم الهيبة ثم الفناء فاذا فنيت هربت ثم نسيت حتى نسيت افعالها وقال الاستاذ الفرق بين الخشية والرهبة ان الرهبة خوف يوجب هرب صاحبه فيجرى فى تفرقه والخشية اذا حصلت كبحت صاحبها فيبقى مع الله فقدمت الخشية على الرهبة فى الجملة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس} [واز آدميان] {والدواب} [واز جهار بايان] جمع دابة وهى ما يدب على الارض من الحيوان وغلب على ما يركب من الخيل والبغال والحمير ويقع على المذكر {والانعام} [واز جرند كان] جمع نعم محركة وقد يسكن عينه الابل والبقر والضأن والمعز دون غيرها فالخيل والبغال والحمير خارجه عن الانعام والمعنى ومنهم بعض {مختلف الوانه} او وبعضهم مختلف الوانه بان يكون ابيض واحمر واسود ولم يقل هنا الوانها لان الضمير يعود الى البعض الدال عليه من {كذلك} تم الكلام هنا وهو مصدر تشبيهى لقوله مختلف اى صفة لمصدر مؤكد تقديره مختلف اختلافا كائنا كذلك اى كاختلاف الثمار والجبال {انما يخشى الله من عباده العلماء} يعنى [هركه نداند قدرت خداير برآفريدن اشيا وعالم نبود بتحويل هر جيزى از حالى بحالى جكونه از خداى تعالى ترسد {انما يخشى الله} الخ. وفى الارشاد وهو تكملة لقوله تعالى {أية : انما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} تفسير : بتعيين من يخشاه من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم اما فى الاوصاف المعنوية فبطريق التمثيل واما فى الاوصاف الصورية فبطريق التصريح توفية لكل واحدة منها حقها اللائق بها من البيان اى انما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وافعاله الجميلة لما ان مدار الخشية معرفة المخشى والعلم بشؤونه فمن كان اعلم به تعالى كان اخشى منه كما قال عليه السلام "حديث : انا اخشاكم لله واتقاكم له" تفسير : ولذلك عقب بذكر افعاله الدالة على كمال قدرته وحيث كان الكفرة بمعزل عن هذه المعرفة امتنع انذارهم بالكلية انتهى. وتقديم المخشى وهو المفعول للاختصاص وحصر الفاعلية اى لا يخشى الله من بين عباده الا العلماء ولو اخر لانعكس الامر وصار المعنى لا يخشون الا الله وبينهما تغاير ففى الاول بيان ان الخاشعين هم العلماء دون غيرهم وفى الثانى بيان ان المخشى منه هو الله دون غيره. وقرأ ابو حنيفة وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين برفع اسم الله ونصب العلماء على ان الخشية استعارة للتعظيم فان المعظم يكون مهيبا فالمعنى انما يعظمهم الله من بين جميع عباده كما يعظم المهيب المخشى من الرجال بين الناس وهذه القراءة وان كانت شاذة لكنها مفيدة جدا وجعل عبد الله بن عمر الخشية بمعنى الاختيار اى انما يختار الله من بين عباده العلماء {ان الله عزيز} [غالبست در انتقام كشيدن از كسى كه نترسد ازعقوبت او {غفور} للخاشين وهو تعليل لوجوب الخشية لدلالته على انه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب من عصيانه ومن حق من هذه صفته ان يخشى. قيل الخشية تألم القلب بسبب توقع مكروه فى المستقبل يكون تاره بكثرة الجناية من البعد وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته وخشية الانبياء من هذا القبيل. فعلى المؤمن ان يجتهد فى تحصيل العلم بالله حتى يكون اخشى الناس فبقدر مراتب العلم تكون مراتب الخوف والخشية ـ روى ـ حديث : عن النبى صلى الله عليه وسلم انه سئل يا رسول الله أينا اعلم قال "أخشاكم لله سبحانه وتعالى انما يخشىالله من عباده العلماء" قالوا يا رسول الله فأى الاصحاب افضل قال "من اذا ذكرت الله اعانك واذا نسيت ذكرك" قالوا فأى الاصحاب شر قال "الذى اذا ذكرت لم يعنك واذا نسيت لم يذكرك" قالوا فأى الناس شر قال "اللهم اغفر للعلماء العالم اذا فسد فسد الناس" تفسير : كذا فى تفسير ابى الليث شعر : علم جندانكه بيشتر خوانى جون عمل در تونيست نادانى تفسير : نسأل الله سبحانه ان يجعلنا عالمين ومحققين وفى الخوف والخشية صادقين ومحققين
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} الضّمير راجع الى البعض المستفاد من لفظة من {كَذَلِكَ} متعلّق بمختلفٍ اى مختلف الوان المذكورات مثل اختلاف جدد الجبال واختلاف الثّمار {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم لا يخشى النّاس من الله مع هذه الدّلائل وتلك الانذارات؟- فقال: لا ينفع الدّلالات والانذارات لمن لم يقذف الله فى قلبه نور العلم، ولمّا كان اغلب النّاس خالين من نور العلم لا ينفع هذه فيهم. اعلم، انّ الانسان له مراتب ولكلّ مرتبةٍ منه خوف ورجاء ونحو من العلم غير ما للمرتبة الاخرى؛ فاولى مراتبه مرتبة نفسه الامّارة، وفى تلك المرتبة لا تسمّى ادراكاته الاّ ظنوناً ولا يكون ادراكاته الاّ محصورة على لوازم الحيٰوة الدّنيا فانّ ذلك مبلغها من العلم ولا يكون خوفه ورجاؤه الاّ فيما يتعلّق بالحيٰوة الدّنيا، وثانية مراتبه مرتبة نفسه اللّوامة وفى تلك المرتبة يختلط ادراكاته من الظّنون والعلوم والذّوق والوجدان لانّه قد يظهر حينئذٍ بشأن النّفس الامّارة فيحكم عليه باحكامها، وقد يظهر بشأن النّفس المطمئنّة فيحكم عليه باحكامها، وثالثة مراتبه مرتبة النّفس المطمئنّة وفى تلك المرتبة يكون ادراكاته علوماً وذوقاً ووجداناً، وخوفه يكون من الله ومن سخطاته وفراقه ويسمّى ذلك الخوف خشية لانّ الخشية حالة حاصلة من امتزاج استشعار القهر واللّطف والخوف والمحبّة، وما لم يصل الانسان الى ذلك المقام لم يحصل له محبّةٌ ما لله فلم يحصل له خشيةٌ ما منه وكان خوفه خوفاً صرفاً من قهره فقط اذا كان له خوف، ورابعة - مراتبه مرتبة قلبه وفى تلك المرتبة يكون ادراكاته شهوداً وذوقاً ووجداناً ويكون خوفه هيبة فانّ المشاهد لا يرى الله الاّ محيطاً بنفسه وليس شأن المحاط الاّ الهيبة من المحيط وبعد ذلك يكون السّطوة والسّحق والمحق {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليلٌ لخشية العلماء فانّ العزّة يستلزم الخوف الّذى هو احد جزئى الخشية، والغفران يستلزم المحبّة الّتى هى جزاء آخر منها، عن الصّادق (ع) يعنى بالعلماء من صدّق قوله فعله ومن لم يصدّق قوله فعله فليس بعالمٍ، وعن السّجّاد (ع): ما العلم بالله والعمل الاّ الفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه وحثّه الخوف على العمل بطاعة الله، وانّ ارباب العلم واتباعهم الّذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا اليه وقد قال الله: انّما يخشى الله من عباده العلماء.
اطفيش
تفسير : {ومن الناس والدواب} وقرىء بتخفيف الباء فرارا من التقاء الساكنين ولو على حد التقائهما. {والأنعام مختلف ألوانه كذلك} قال ابن هشام أي صنف مختلف الوانه اختلافا كالاختلاف المذكور في لون الجبال اي وفي لون الثمر فالوقف هنا وهو واضح والاختلاف في الناس والدواب والانعام يجوز ان يكون ايضا في الاحاد فالانسان الواحد مثلا ترى بعضه ابيض وبعضه اسود وبعضه احمر وبعضه اصفر وقرىء الوانها اي جماعة مختلف الوانها او نحو ذلك ويجوز ان يكون الوقف على الوانه ويكون كذلك متصلا بقوله. {إنما يخشى الله من عباده العلماء} اي كما جاءت القدرة في هذا كله كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء الناظرون في هذه العبر وانما اخر الفاعل لانه المحصور فيه أي لا تصدر الخشية الا من العلماء، ولو قدم كان المعنى ما يخشى العلماء الا الله وهو معنى صحيح لكنه غير مراد ومن عباده حال من العلماء فمن التبعضية او متعلقة بيخشى فمن ابتدائية فافهم وليس المراد بالعلماء الا الذين علموه علما داهم الى تعظيمه والى ترك الاجتراء عليه بفعل ما نهى عنه وترك ما اوجب فهم الذين يخشونه سبحانه وتعالى ويراعونه في اعتقاداتهم واقوالهم وافعالهم ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا ومن كان علمه اقل كان خوفه اقل وكم ناس علموه بصفاته وافعاله لم ينفعهم ذلك العلم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : اعلمكم بالله اشدكم خشيةتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم اني اخشاكم بالله واتقاكم له، وقال انا ارجو ان اكون اتقاكم لله واعلمكم به، وذكرت عائشة - رضي الله عنها - حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع شيئا ورخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب وحمد الله واثنى عليه فقال ما بال قوام يتنزهون عن الشيء اصنعه فوالله اني لاعلمهم بالله واشدهم خشية . تفسير : وعن انس حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب خطبة ما سمعت مثلها قط فقال لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فغطى اصحابه وجوههم يبكون بصوت يخرجونه من الانف تفسير : والمعنى لكان ضحككم قليلا وبكاؤكم كثيرا وقال مسروق كفى المرء علما ان يخشى الله وكفى بالمرء جهلا ان يعجب بعلمه وفي رواية كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا وقيل قاله ابن مسعود لا مسروق وقال رجل للشعبي افتنا ايها العالم فقال العالم من خشى الله عز وجل. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة مخافة الله وقال. وقال الربيع بن انس ومجاهد والشعبي: من لم يخش الله فليس بعالم. وعن ابن عباس في تفسير الآية كفى بالزهد علما ويقال ان فاتحة الزبور الحكمة خشية الله ولا يخفى ان العلم حيث ما ذكر في القرآن او السنة المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية والتواضع والتخلق باخلاق الايمان وذكروا ان الآية نزلت في ابي بكر - رضي الله عنه - وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه وان قلت هل بين الآية وما قبلها مناسبة ام لا قلت بينهما مناسبة وذلك انه ذكر آيات القدرة الدالة عليه فذكر ان العلم بها غير نافع ان لم تقارنه الخشية او لما ذكر ما دل على كمال القدرة ذكر انه انما يعرفه تلك الدلائل المعرفة التامة من يخشاه وقراء عمر بن عبد العزيز وقيل ابو حنيفة انما يخشى الله من عباده العلماء رفع الله ونصب العلماء اما على القلب اللفظي لظهور المعنى ككسر الزجاج الحجر برفع الزجاج ونصب الحجر واما على تضمين يخشى معنى يعظم اي انما يعظم الله العلماء واما على غيرهم فلا يعظمه ووجه ذلك ان المعظم يكون مهيبا ومخوفا منه. {إن الله عزيز} في ملكه معاقب لمن اصر على الطغيان لا يرده عنه راد. {غفور} للخاشي ويدل الغفران على الاثابة لأن من غفر له يثاب فذلك تعليل لوجوب الخشية الذي يدل عليه للمقام فكأنه قيل اخشوه لانه المعاقب المثيب.
اطفيش
تفسير : {ومن النَّاس والدَّوابِّ والأنعام مُخْتلف ألْوانه} فريق من كل تلك الأنواع مختلف مع الفريق الآخر من النوع الواحد، فمن الناس فريق مختلف مع الفريق منهم، ومن الدواب فريق مختلف مع الفريق الآخر منها، وكذلك الأنعام، وكذلك كل فريق متعدد من النوع الواحد، مختلف مع الآخر منه،وكذا كل نوع مخالف لنوع الآخر كالناس مع الدواب، أو مع الأنعام، كذا كل فرد مع فرد من نوع واحد، أو نوعين أو أنواع، وكل ذلك داخل فى الآية، ويجوز اطلاق الفريق على الفرد باعتبار مباينته للفرد الآخر فصاعدا، والمراد بالدواب سائر ما يدب غير الناس والأنعام من الحيوانات الانسية الوحشية {كذلك} اختلافا ثابتا كذلك الاختلاف المذكور للثمرات والجبال. {إنَّما يَخْشَى الله مِن عِباده} خوف إجلال {العُلماءُ} قدم لفظ الجلالة ليتسلط الحصر على العلماء، وهو المراد، أى ما يخشاه إلا العلماء، ولو أخر لكان المعنى لا يخشى العلماء إلا الله، وليس مرادا، ولو صح فى الجملة كقوله: "أية : ولا يخشون أحداً إلا الله"تفسير : [الأحزاب: 39] وساغ حصرها فى العلماء، لأن المقصود بها الخشية التامة، والمراد بالعلماء العالمون بحق الله، المذعنة له جوارحهم وقلوبهم، لا مطلق علماء علم الكلام، وعلم الفقه، وعلم الآلة، وعن ابن عباس: العلماء بجبروتى وعزتى وسلطانى، فهم أشد تعظيما له، وقد قيل: نزلت فى الصديق رضى الله عنه، وقال موسى عليه السلام: "يا رب أى عبادك أحكم؟ قال: الذى يحكم للناس كما يحكم لنفسه، قال: يا رب أى عبادك أغنى؟ قال أرضاهم بما قسمت له قال: يا رب أى عبادك أخشى: قال أعلمهم بى". {إن الله عزيزٌ غفُورٌ} تعليل جملى للخشية، فهم يخشونه خوفا من عقابه لعزته تعالى، وطمعا لغفرانه لسعة رحمته، ولو كان الحصر افراديا بأن فتحت الهمزة لكان الحصر فيه أى ما خافوه إلا لأنه عزيز غفور، ولم تفتح بل كسرت.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ } أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو بعضهم مختلف ألوانه على ما ذكروا في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 8] والجملة عطف على الجملة التي قبلها وحكمها حكمها. وفي «إرشاد العقل السليم» أن إيراد الجملتين اسميتين مع مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونهما على تباين الناس في الأحوال الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر فعبر عنه بما يدل على الاستمرار وأما إخراج الثمرات المختلفة فحيث كان أمراً حادثاً عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما كان فيه نوع خفاء علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبـىء عن الحمل عليها والترغيب فيهاب خلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما فإنها مشاهدة غنية عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر اهـ، وما ذكره من أمر تعليق الرؤية مخالف لما في «البحر» حيث قال: وهذا استفهام تقرير ولا يكون إلا في الشيء الظاهر جداً فتأمل. وقرأ الزهري {وٱلدواب} بتخفيف الباء مبالغة في الهرب من التقاء الساكنين كما همز بعضهم {ولا ٱلضألين} [الفاتحة: 7] لذلك. / وقرأ ابن السميقع {أَلْوَانُهَا}. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ } في محل نصب صفة لمصدر (مختلف) المؤكد والتقدير مختلف اختلافاً كائناً كذلك أي كاختلاف الثمرات والجبال فهو من تمام الكلام قبله والوقف عليه حسن بإجماع أهل الأداء وقوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تكملة لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [فاطر: 18] بتعيين من يخشاه عز وجل من الناس بعد الإيماء إلى بيان شرف الخشية ورداءة ضدها وتوعد المتصفين به وتقرير قدرته عز وجل المستدعي للخشية على ما نقول أو بعد بيان اختلاف طبقات الناس وتباين مراتبهم أما في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل وأما في الأوصاف الصورية فبطريق التصريح توفية لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان. وقيل {كَذٰلِكَ } في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك أي كما بين ولخص ثم قيل: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ } الخ وسلك به مسلك الكناية من باب العرب لا تخفر الذمم دلالة على أن العلم يقتضي الخشية ويناسبها وهو تخلص إلى ذكر أوليائه تعالى مع إفادة أنهم الذين نفع فيهم الإنذار وأن لك بهم غنية عن هؤلاء المصرين، قال صاحب «الكشف»: والرفع أظهر ليكون من فصل الخطاب. وقال ابن عطية يحتمل أن يكون {كَذٰلِكَ } متعلقاً بما بعده خارجاً مخرج السبب أي كذلك الاعتبار والنظر في مخلوقات الله تعالى واختلاف ألوانها يخشى الله العلماء، ورده السمين بأن (إنما) لا يعمل ما بعده فيما قبلها وبأن الوقف على كذلك عند أهل الأداء جميعاً، وارتضاه الخفاجي وقال: وبه ظهر ضعف ما قيل إن المعنى الأمر كذلك أي كما بين ولخص على أنه تخلص لذكر أولياء الله تعالى، وفيه أنه ليس في هذا المعنى عمل ما بعد (إنما) فيما قبلها وإجماع أهل الأداء على الوقف على {كَذٰلِكَ } إن سلم لا يظهر به ضعف ذلك، وفي بعض التفاسير المأثورة عن السلف ما يشعر بتعلق {كَذٰلِكَ } بما بعده. أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله تعالى كذلك وهذا عندي ضعيف والأظهر ما عليه الجمهور وما قيل أدق وألطف. والمراد بالعلماء العالمون بالله عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الحميدة وسائر شؤونه الجميلة لا العارفون بالنحو والصرف مثلاً فمدار الخشية ذلك العلم لا هذه المعرفة فكل من كان أعلم به تعالى كان أخشى. روى الدارمي عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام يا رب أي عبادك أحكم؟ قال الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له قال: يا رب أي عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بـي. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حديث : أنا أخشاكم لله وأتقاكم له) تفسير : ولكونه المدار ذكرت الخشية بعدما يدل على كمال القدرة، ولهذه المناسبة فسر ابن عباس كما أخرج عنه ابن المنذر وابن جرير {ٱلْعُلَمَاء } في الآية بالذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير. وتقديم المفعول لأن المقصود بيان الخاشين والإخبار بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم ولو أخر لكان المقصود بيان المخشي والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 39] والمقام لا يقتضيه بل يقتضي الأول ليكون تعريضاً بالمنذرين المصرين على الكفر والعناد وأنهم جهلاء بالله تعالى وبصفاته ولذلك لا يخشون الله تعالى ولا يخافون عقابه. وأنكر بعضهم إفادة {إِنَّمَا} هنا للحصر وليس بشيء. وروي عن عمر بن عبد العزيز وأبـي حنيفة رضي الله تعالى عنهما أنهما قرءا {إنما يخشى الله} بالرفع {العلماء} بالنصب وطعن صاحب «النشر» في هذه القراءة، وقال أبو حيان: / ((لعلها لا تصح عنهما، وقد رأينا كتباً في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة وإنما ذكرها الزمخشري وذكرها عن أبـي حيوة أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة في كتابه «الكامل» وخرجت على أن الخشية مجاز عن التعظيم بعلاقة اللزوم فإن المعظم يكون مهيباً)) وقيل الخشية ترد بمعنى الاختيار كقوله:شعر : خشيت بني عمي فلم أر مثلهم تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } تعليل لوجوب الخشية لأن العزة دالة على كمال القدرة على الانتقام ولا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة، وقيل ذكر {غَفُورٌ } من باب التكميل نظير ما في بيت الغنوي المذكور آنفاً. والآية على ما في بعض الآثار نزلت في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.
ابن عاشور
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلاَْنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُ}. موقعه كموقع قوله: { أية : ومن الجبال جدد } تفسير : [فاطر: 27]، ولا يلزم أن يكون مسوغ الابتداء بالنكرة غير مفيد معنى آخر فإن تقديم الخبر هنا سوغ الابتداء بالنكرة. واختلاف ألوان الناس منه اختلاف عام وهو ألوان أصناف البشر وهي الأبيض والأسود والأصفر والأحمر حسب الاصطلاح الجغرافي. وللعرب في كلامهم تقسيم آخر لألوان أصناف البشر، وقد تقدم عند قوله: { أية : واختلاف ألسنتكم وألوانكم } تفسير : في سورة الروم (22). و{من} تبعيضية. والمعنى: أن المختلف ألوانه بعض من الناس، ومجموع المختلفات كله هو الناس كلهم وكذلك الدواب والأنعام، وهو نظم دقيق دعا إليه الإِيجاز. وجيء في جملة { أية : ومن الجبال جدد } تفسير : [فاطر: 27] و{من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} بالاسمية دون الفعلية كما في الجملة السابقة لأن اختلاف ألوان الجبال والحيوان الدال على اختلاف أحوال الإِيجاد اختلافاً دائماً لا يتغير وإنما يحصل مرة واحدة عند الخلق وعند تولد النسل. {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}. الأظهر عندي أن {كذلك} ابتداء كلام يتنزل منزلة الإِخبار بالنتيجة عقب ذكر الدليل. والمعنى: كذلك أمر الاختلاف في ظواهر الأشياء المشاهد في اختلاف ألوانها وهو توطئة لما يرد بعده من تفصيل الاستنتاج بقوله: {إنما يخشى الله من عباده} أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء منهم، فجملة {إنما يخشى الله من عباده العلماء} مستأنفة عن جملة {كذلك}. وإذا علم ذلك دل بالالتزام على أن غير العلماء لا تتأتّى منهم خشية الله فدلّ على أن البشر في أحوال قلوبهم ومداركهم مختلفون. وهذا مثل قوله: { أية : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } تفسير : [فاطر: 18]. وأوثر هذا الأسلوب في الدلالة تخلصاً للتنويه بأهل العلم والإِيمان لينتقل إلى تفصيل ذلك بقوله: { أية : إن الذين يتلون كتاب الله } تفسير : [فاطر: 29] الآية... فقوله: {كذلك} خبر لمبتدأ محذوف دل عليه المقام. والتقدير: كذلك الاختلاف، أو كذلك الأمر على نحو قوله تعالى في سورة الكهف (91): { أية : كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً } تفسير : وهو من فصل الخطاب كما علمت هنالك ولذلك يحسن الوقف على ما قبله ويستأنف ما بعده. وأما جعل {كذلك} من توابع الكلام السابق فلا يناسب نظم القرآن لضعفه. والقصر المستفاد من {إنما} قصر إضافي، أي لا يخشاه الجهال، وهم أهل الشرك فإن من أخص أوصافهم أنهم أهل الجاهلية، أي عدم العلم؛ فالمؤمنون يومئذٍ هم العلماء، والمشركون جاهلون نفيت عنهم خشية الله. ثم إن العلماء في مراتب الخشية متفاوتون في الدرجات تفاوتاً كثيراً. وتقديم مفعول {يخشى} على فاعله لأن المحصور فيهم خشية الله هم العلماء فوجب تأخيره على سنة تأخير المحصور فيه. والمراد بالعلماء: العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم في ذلك تقْوَى الخشية؛ فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله، ذلك لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر، فهو يأتي ويدع من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصدُ شرعه، فإنْ هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان في حال المخالفة موقناً أنه مورَّط فيما لا تحمد عقباه، فذلك الإِيقان لا يلبث أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإِقلاع أو الإِقلال. وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن خشية العلماء. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد «والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة». وجملة {إن الله عزيز غفور} تكميل للدلالة على استغناء الله تعالى عن إيمان المشركين ولكنه يريد لهم الخير. ولما كان في هذا الوصف ضرب من الإِعراض عنهم مما قد يحدث يأساً في نفوس المقاربين منهم، أُلِّفَتْ قلوبهم بإتباع وصف {عزيز}، بوصف {غفور} أي فهو يقبل التوبة منهم إن تابوا إلى ما دعاهم الله إليه على أن في صفة {غفور} حظاً عظيماً لأحد طرفي القصر وهم العلماء، أي غفور لهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {أَلْوَانُهُ} {ٱلْعُلَمَاءُ} (28) - وَجَعَلَ اللهُ تَعَالى النَّاسَ والدَّوابَّ والأَنْعَامَ مُخْتَلِفِي الأَلوَانِ والأَشْكَالِ في الحِنْسِ الوَاحِدِ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ حَقَّ المَعْرِفَةِ، والذِي يَعْرِفُهُ منْهُمْ هُم العَالِمُونَ بأَسْرَارِ الكَوْنِ، العَارفُونَ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالى، فَهَؤُلاءِ هُمُ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ، وَيتَّقُونَ عِقَابَهُ، فَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ. واللهُ عَزيزٌ فِي انتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، غَفُورٌ لِذُنُوبِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالاختلاف في كل الأجناس؛ لأن الخَلْق قائم على طلاقة القدرة، فالناس مع كثرتهم مختلفون، وهذا إعجاز دالّ على طلاقة القدرة، فالخَلْق ليس على قالب واحد يُخرِج نسخاً متطابقة، إنك تنظر إلى الرجل فتقول هو شبه فلان، لكن إذا دققتَ النظر لا بُدَّ أنْ ترى اختلافاً، إذن: طلاقة القدرة تقتضي اختلاف كل أجناس الوجود: الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان. ومعنى الدوابّ: كل ما يدبّ على الأرض عدا الإنسان والأنعام التي هي البقر والغنم والإبل والماعز. وقوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء..} [فاطر: 28]. والخشية هي الخوف الممزوج بالرجاء، وهذا من العلماء عمل من أعمال القلوب، وأنت تخاف مثلاً من عدوك، لكن لا رجاءَ لك فيه، إنما حين تخاف من الله تخافه سبحانه وأنت ترجوه وأنت تحبه، لذلك قالوا: لا ملجأ من الله إلا إليه. والعلم إما علم شرعي، وهو علم الأحكام: الحلال والحرام والواجب والسنة .. الخ. أو علم الكونيات، وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن آيات كونية ولم يُذكر قبلها شيء من أحكام الشرع؛ لذلك نقول: إن المراد بالعلماء هنا العلماء بالكونيات والظواهر الطبيعية، وينبغي أن يكون هؤلاء هم أخشى الناس لله تعالى؛ لأنهم أعلم بالآيات الكونية في: الجمادات، والنبات، وفي الحيوان، والإنسان، وهم أقدر الناس على استنباط ما في هذه الآيات من أسرار لله تعالى. وكونيات الوجود هي الدليل على واجب الوجود، وهي المدخل في الوصول إلى الخالق سبحانه وإلى الإيمان به؛ لذلك كثيراً ما نجد في القرآن: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الروم: 23]. وإذا كان العلم قضية يقينية مجزوماً بها وعليها دليل، فإن الحق سبحانه وتعالى نزَّل لنا علم الشرع وحدَّد لنا حدوده، فلا دَخْلَ لنا فيه، لذلك عصمه الله وأحكمه؛ لأن الأهواء تختلف فيه، والحق سبحانه يقول: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [المؤمنون: 71]. أما علم الكونيات فقد تركه الخالق سبحانه للعقول تبحث فيه وتستنبط منه وتتنافس فيه، بل وتسرقه بعض الدول من بعض. وآفة العصر الحديث أنْ يُدخِل علماء الشرع أنوفهم في الكونيات، أو أن يُدخِل علماء الكونيات أنوفهم في أحكام الشرع، وقد رأينا مثلاً لما قالوا بأن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس، أسرع بعض علماء الشرع فاتهموا هؤلاء بالكفر، وهذا خطأ فادح، وكان عليهم أنْ يأخذوا من الحق سبحانه ما عصم به الأهواء من أن تختلف؛ لأن شكل الأرض وحركتها مسألة كونية لا صِلَة فيها بالحلال والحرام. والحق سبحانه يقول: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] فأهل الذكر في العلوم الشرعية غير أهل الذكر في العلوم الكونية، ويجب أنْ يحترم كل منهما تخصص الآخر في مجاله، ولا يَنْسَى علماء الشرع أن علماء الكونيات هم الذين يكتشفون لنا أسرار الله في الخَلْق، وهم الذين يُربُّون في نفوسنا أدلة الإيمان بواجب الوجود الذي تصدر عنه أحكام الحلال والحرام. والحق سبحانه وتعالى خلق الكون على هيئة الصلاح، فلو دخلْتَ مثلاً غابة من الغابات الأنُف - يعني: التي لم يدخلها أحد، وما زالت على طبيعتها كما خلقها الله - لا تجد فيها قذارة ولا رائحة كريهة ولا قمامة ولا غُصناً مكسوراً .. الخ، بل تراها نظيفة متناسقة، فالفضلات بها غذاء لحيوانات أخرى، فنظافتها ذاتية. وأذكر أننا رأينا في وادي فاطمة في السعودية عَيْنَ ماء تروى الوادي من حولها، وفي أحد الجداول رأينا أسماكاً صغيرة في حجم واحد مثل عُقْلة الأصبع فسألت صاحب البستان: هل يكبر هذا السمك؟ قال: لا بل يظل على هذه الصورة، وهو ما جاء إلا بعد أنْ ألقينا بعض فضلات الطعام في الماء فظهر ليتغذَّى عليها ثم يختفي، وكأن له مهمة محددة هي نظافة الماء، ولما جئنا إلى مصر وجدنا بها هذا السمك في "مُتْحف الأحياء المائية" يقوم بنفس هذه المهمة، وهي تنظيف أحواض الأسماك من الفضلات. لذلك نقول: لا يأتي الفساد في الطبيعة إلا حين يتدخَّل فيها الإنسان، بدليل أن المخلوقات التي لا دخل للإنسان فيها تسير بنظام محكم دقيق لا اختلاف فيه؛ لذلك حين ترى في الكون مثلاً أزمة في القوت، فاعلم أنها نتيجة حركة خاطئة للإنسان، أو نتيجة تكاسل عن استنباط خيرات الأرض. إذن: على علماء الشرع ألاَّ يُدخِلوا أنفسهم في الكونيات، وقد علَّمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهاهم عن تأبير النخل يعني: تلقيحه، فلم يثمر النخل، فلما رأى رسول الله ذلك قَبِلها في نفسه وقال: "حديث : أنتم أعلم بشئون دنياكم" تفسير : يعني: المسائل الكونية والعلمية والمعملية التجريبية، هذه أمور لا دخْلَ لأحكام الشرع فيها، لكن آفة العلماء اليوم ألاَّ يلتزم كُلٌّ بما يخصُّه. لذلك خَصَّ الله هنا علماء الكونيات؛ لأنهم الأقدر على التمعُّن في أسرار الله، فالحق سبحانه ملأ كونه بأسرار تتناسب مع تطور العصر ومُضيّ الزمن، فالأسرار التي عرفها الإنسان في العصر الحجري مثلاً غير التي عرفها في العصر الحديث، وشاءتْ حكمة الله أنْ يجعل لكل سرٍّ من أسراره ميلاداً يظهر فيه، بحيث لا تظهر الأسرار في زمن واحد، ويستقبل الإنسان باقي الزمن بدون جديد. وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الحق سبحانه أظهر للإنسان ما فيه مقومات حياته، ثم ترك الأمور البدهية التي يعرفها الناس ليترقوا فيها، فالإنسان مثلاً استخدم بدهية أن الماء ينساب من أعلى إلى أسفل، ورقّى هذه البدهية وأصبح يستقبل الماء في بيته من الصنبور (الحنفية)، بعد أنْ كان ينقل الماء من الآبار والأنهار، ويتحمل في سبيل ذلك المشاق، فلما أعمل عقله في بدهيات الكون ترقَّى وجنى ثمرة هذا الترقِّي. لذلك تجد أن أعقد النظريات العلمية والالكترونية مأخوذة في بدايتها من بدهيات، وقلنا في علم الهندسة: إنك تبرهن على صدق النظرية المائة باستخدام النظرية التسعة والتسعين، وهكذا حتى تصل إلى النظرية الأولى، وهي قائمة على بدهية من بدهيات الكون، لا تختلف فيها العقول. لذلك دائما يدعونا الحق سبحانه إلى التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر .. الخ وما توصل إليه البشر الآن من آلات ووسائل حديثة مثل: الغسالة، والثلاجة، والتلفاز .. الخ ما هي إلا ثمرة هذا الفكر الذي رقَّى البدهيات، حتى وصل بها إلى ما وصل إليه الآن، ومَنْ أراد أن يقف على هذا الترقي، ويرى قدرة الله في توارد الصناعات وارتقاءاتها من حلقة إلى حلقة فليذهب إلى (ديترويت) ليرى هناك معرض (فورد) الذي يضم ارتقاءات الصناعات من إبرة الخياطة للصاروخ. إذن: الكون فيه أسرار يكتشفها الإنسان، ولكل سرٍّ ميلاد يظهر فيه، إما نتيجة بحث للإنسان أو حتى صدفة، ومن لُطْف الله تعالى أن الملاحدة لما اكتشفوا بعض أسرار الكون قالوا اكتشفنا، ولم يقل أحد منهم: اخترعنا. وكأن الله تعالى صرفهم وألهاهم عن النطق بكلمة الاختراع ولوى ألسنتهم حتى لا يجترئوا على الله، فالجاذبية مثلاً موجودة منذ خُلِقت السماوات والأرض، ودور الإنسان أنه اكتشف هذا السر؛ لذلك الذي يقول اخترعت نقول له: هذا كذب والصواب أنك اكتشفتَ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] عزيز لا يُغلب، وغفور لكم إنْ بدر منكم سهو أو تقصير في استنباط أسرار الله في كونه، يغفر لهم إنْ أخطأوا في تجربة من تجاربهم، فسوف يأتي مَنْ بعدهم ويصححها. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} فيخشى: يَخافُ. ويَخشى: يعلمُ
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):