Verse. 3689 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يَتْلُوْنَ كِتٰبَ اللہِ وَاَقَامُوا الصَّلٰوۃَ وَاَنْفَقُوْا مِمَّا رَزَقْنٰہُمْ سِرًّا وَّعَلَانِيَۃً يَّرْجُوْنَ تِجَارَۃً لَّنْ تَـبُوْرَ۝۲۹ۙ
Inna allatheena yatloona kitaba Allahi waaqamoo alssalata waanfaqoo mimma razaqnahum sirran waAAalaniyatan yarjoona tijaratan lan taboora

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يتلون» يقرءُون «كتاب الله وأقاموا الصلاة» أداموها «وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية» زكاة وغيرها «يرجون تجارة لن تبور» تهلك.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ }. لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه. وقوله: {يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } إشارة إلى الذكر. وقوله تعالى: {وأقاموا الصلاة } إشارة إلى العمل البدني. وقوله: {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى العمل المالي، وفي الآيتين حكمة بالغة، فقوله: إنما يخشى الله إشارة إلى عمل القلب، وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ } إشارة إلى عمل اللسان. وقوله: {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم } إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكاً إذا رأى عبداً من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم، وإلى هذا أشار بقوله: عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول الله مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم لجانب الله. وقوله تعالى: {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } حث على الإنفاق كيفما يتهيأ، فإن تهيأ سراً فذاك ونعم وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بقوله: {سِرّا } أي صدقة {وَعَلاَنِيَةً } أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. وقوله تعالى: {يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ } إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله، فإن غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون الصلاة الفرض والنفل، وكذا في الإنفاق. وقد مضى في مقدّمة الكتاب ما ينبغي أن يَتخلّق به قارىء القرآن. {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} قال أحمد بن يحيـى: خبر «إن» «يرجون». {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قيل: الزيادة الشفاعة في الآخرة. وهذا مِثل الآية الأخرى: {أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ـ إلى قوله ـ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [النور: 37 ـ 38]، وقوله في آخر النساء: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 173] وهناك بيناه. {إِنَّهُ غَفُورٌ} للذنوب. {شَكُورٌ } يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية {يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ} أي: يرجون ثواباً عند الله لا بد من حصوله؛ كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، ولهذا قال تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي: ليوفيهم ثواب ما عملوه، ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم {إِنَّهُ غَفُورٌ} أي: لذنوبهم {شَكُورٌ} للقليل من أعمالهم. قال قتادة: كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان قال: إنه سمع دراجاً أبا السمح يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى إذا رضي عن العبد، أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد، أثنى عليه بسبعة أصناف من الشر لم يعمله» تفسير : غريب جداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ } يقرأون {كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } أداموها {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } زكاة وغيرها {يَرْجُونَ تِجَٰرَةً لَّن تَبُورَ } تهلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} يعني الجنة، وفيها وجهان: أحدهما: لن تفسد، قاله يحيى بن سلام. الثاني: لن تكسد، قاله علي بن عيسى والأول أشبه لقول الشاعر: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذا أنا بور تفسير : قوله عز وجل: {لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ} يعني ثواب أعمالهم. {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يفسح لهم في قبورهم، قاله الضحاك. الثاني: يشفعهم فيمن أحسن إليهم في الدنيا، قاله أبو وائل. الثالث: يضاعف لهم حسناتهم، وهو مأثور. الرابع: غفر الكثير والشكر اليسير، قاله بعض المتأخرين. ويحتمل خامساً: يوفيهم أجورهم على فعل الطاعات ويزيدهم من فضله على اجتناب المعاصي {إنَّهُ غَفُورٌ} للذنب. {شَكُورٌ} للطاعة. ووصفه بأنه شكور مجاز ومعناه أن يقابل بالإحسان مقابلة الشكور لأنه يقابل على اليسير بأضعافه.

ابن عطية

تفسير : قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه آية القراء وهذا على أن {يتلون} بمعنى يقرؤون وإن جعلناها بمعنى يتبعون صح معنى الآية، وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، و {كتاب الله} هو القرآن، وإقامة الصلاة إقامتها بجميع شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك هو التطوع والعلانية هو المفروض، و {يرجون} جملة في موضع خبر {إن}، و {تبور} معناه تكسد ويتعذر ربحها، ويقال تعوذوا بالله من بوار الأيم، واللام في قوله {ليوفيهم} متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره وعدهم بأن لا تبور، أو فعلوا ذلك كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وقوله {ويزيدهم من فضله} قالت فرقة: هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي المجازاة مقابلة، وقالت فرقة: إن التضعيف داخل في توفية الأجور، وأما الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن يجعلهم شافعين في غيرهم، كما قال تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26] و {غفور} معناه متجاوز عن الذنوب ساتر لها، و {شكور} معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب لعبده، ثم ثبت تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {والذي أوحينا إليك من الكتاب} الآية، و {مصدقاً} حال مؤكدة، والذي بين يدي القرآن هو التوراة والإنجيل، وقوله تعالى: {إن الله بعباده لخبير بصير}، وعيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {تِجَارَةً} الجنة {تَبُورَ} تكسد، أو تفسد.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } يداومون على تلاوة القرآن {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي مسرين النفل ومعلنين الفرض يعني لا يقتنعون بتلاوته عن حلاوة العمل به {يَرْجُونَ} خبر «إنّ» {تجارةً} هي طلب الثواب بالطاعة {لَّن تَبُورَ} لن تكسد يعني تجارة ينتفى عنها الكساد وتنفق عند الله {لِيُوَفّيَهُمْ } متعلق بـ {لَّن تَبُورَ} أي ليوفيهم بنفاقها عنده {أُجُورَهُمْ} ثواب أعمالهم {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم أو بتضعيف حسناتهم أو بتحقيق وعد لقائه. أو {يَرْجُونَ } في موضع الحال أي راجين. واللام في {لِيُوَفّيَهُمْ} تتعلق بـ {يَتْلُونَ} وما بعده أي فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق لهذا الغرض وخبر «إنّ» {إِنَّهُ غَفُورٌ} لفرطاتهم {شَكُورٍ} أي غفورٌ لهم شكور لأعمالهم أي يعطي الجزيل على العمل القليل {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي القرآن. و«من» للتبيين {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقاً} حال مؤكدة لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لما تقدمه من الكتب {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فعلمك وأبصر أحوالك ورآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب. {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ} أي أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي حكمنا بتوريثه {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أمته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الإنتماء إلى أفضل رسله. ثم رتبهم على مراتب فقال {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ} وهو المرجأ لأمر الله {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأََوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ }تفسير : [التوبة: 100] الآية وقال بعده: {أية : وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ }تفسير : [التوبة: 102] الآية وقال بعده: {أية : وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاْمْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 106] الآية. والحديث فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له»تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة»تفسير : رواه أبو الدرداء. والأثر فعن ابن عباس رضي الله عنهما: السابق المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقول السلف فقد قال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق المجتنب لهما. وقال الحسن البصري: الظالم من رجحت سيئاته، والسابق من رجحت حسناته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف رحمه الله عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده فإنه قال: {فَمِنْهُمْ} {وَمِنْهُمُ} {وَمِنْهُمُ} والكل راجع إلى قوله {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه ليعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربه. وقيل: إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة. وقال سهل: السابق العالم والمقتصد المتعلم والظالم الجاهل. وقال أيضاً: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق. وقيل: الظالم من أخذ الدنيا حلالاً كانت أو حراماً، والمقتصد من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال، والسابق من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبي، والسابق طالب المولى {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} بأمره أو بعلمه أو بتوفيقه {ذٰلِكَ} أي إيراث الكتاب {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ*جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} خبر ثان لـ {ذٰلِكَ} أو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر {يَدْخُلُونَهَا} أي الفرق الثلاثة {يَدْخُلُونَهَا}: أبو عمرو {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} جمع أسورة جمع سوار {مّن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي من ذهب مرصع باللؤلؤ {ذَهَبٍ} بالنصب والهمزة: نافع وحفص عطفاً على محل {مِنْ أَسَاوِرَ} أي يحلون أساور ولؤلؤاً {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} لما فيه من اللذة والزينة. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} خوف النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} يغفر الجنايات وإن كثرت {شَكُورٌ} يقبل الطاعات وإن قلت {ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ} أي الإقامة لا نبرح منها ولا نفارقها يقال أقمت إقامة ومقاماً ومقامة {مِن فَضْلِهِ} من عطائه وإفضاله لا باستحقاقنا {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} تعب ومشقة {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} إعياء من التعب وفترة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي {لغُوبٌ} بفتح اللام وهو شيء يلغب منه أي لا نتكلف عملاً يلغبنا {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} جواب النفي ونصبه بإضمار «أن» أي لا يقضى عليهم بموت ثانٍ فيستريحوا {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا} من عذاب نار جهنم {كَذٰلِكَ} مثل ذلك الجزاء {نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} {يُجْزَىٰ كُلَّ كَفُورٍ}: أبو عمرو {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} يستغيثون فهو يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد ومشقة، واستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث {رَبَّنَا} يقولون ربنا {أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي أخرجنا من النار ردنا إلى الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطع بعد المعصية فيجاوبون بعد فدر عمر الدنيا {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} يجوز أن يكون «ما» نكرة موصوفة أي تعميراً يتذكر فيه من تذكر وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. ثم قيل: هو ثمان عشرة سنة. وقيل: أربعون. وقيل: ستون سنة {وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ} الرسول عليه السلام أو المشيب وهو عطف على معنى {أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ} لأن لفظه لفظ استخبار ومعناه إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير {فَذُوقُواْ} العذاب {فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} ناصر يعينهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ...} الآية، قال مطرف بن عبد اللّه بن الشخير: هذه آية القُرَّاء. قال * ع *: وهذا على أنْ {يَتْلُونَ} بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون, صَحَّ معنى الآية؛ وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب اللّه هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقاتِ ووجوهِ البرِّ و {لَّن تَبُورَ} معناه: لن تَكْسَدَ. و {يَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه اللّه عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم؛ كما قال: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس:26]. وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شَقِيقِ حديث : عن عبداللّه قال: قال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: {لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} تفسير : قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا. وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك، قال: قال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُصَفُّ النَّاسُ صُفُوفاً».تفسير : وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ - فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ ٱسْتَسْقَيْتَنِي، فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ قال: فَسَيَشْفَعُ لَهُ. وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُوراً؟ فَيَشْفَعُ لَهْ»، قال ابن نُمَيْرٍ: «وَيَقُولُ: يَا فُلاَنٌ؛ أَما تَذْكُرُ يَوْمَ بعَثَتْنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فَيَشْفَعُ لَهُ». وخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التَّذْكِرَة».

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس؛‏ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، نزلت فيه ‏{‏إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏يرجون تجارة لن تبور‏} قال‏:‏ الجنة ‏ {‏لن تبور‏} ‏ لا تبيد ‏ {‏ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله‏} ‏ قال‏:‏ هو كقوله ‏{أية : ‏ولدينا مزيد‏}‏ تفسير : ‏[‏ق: 35‏]‏ ‏ {إنه غفور‏} ‏ قال‏:‏ لذنوبهم ‏ {‏شكور‏} ‏ لحسناتهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏يرجون تجارة لن تبور‏} ‏ قال‏:‏ لن تهلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ قال كان مطرف بن عبد الله يقول‏:‏ هذه آية القراء‏.

القشيري

تفسير : الذين يستغرق جميعَ أوقاتِهم قيامُهم بذكر الله وبحقِّه، وإتيانُهم بأنواع العبادات وصنوف القُرَبِ فَلَهم القَدْرُ الأجَلُّ من التقريب، والنصيبُ الأوفر من الترحيب. وأما الذين أحوالهم بالضدِّ فَمَنَالُهم على العكس. أُولئك هم الأَولياءُ الأعِزَّةُ، وهؤلاء هم الأعداءُ الأذِلَّة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يتلون كتاب الله} اى يداومون على تلاوة القرآن ويعملون بما فيه اذ لا تنفع التلاوة بدون العمل والتلاوة القراءة اعم متتابعة كالدراسة والا وراد الموظفة والقراءة منها لكن التهجى وتعليم الصبيان لا يعد قراءة ولذا قالوا لا يكره التهجى للجنب والحائض والنفساء بالقرآن لانه لا يعد قارئا كذا لا يكره لهم التعليم للصبيان وغيرهم حرفا حرفا وكلمة كلمة مع القطع بين كل كلمتين {واقاموا الصلاة} بآدابها وشرائطها وغاير بين المستقبل والماضى لان اوقات التلاوة اعم بخلاف اوقات الصلاة وكذا اوقات الزكاة المدلول عليها بقوله {وانفقوا} فى وجوه البر: يعنى [ازدست بيرون كنند درويشانرا] {مما رزقناهم} اعطيناهم: يعنى [از آنجه روزى داده ايم ايشانرا {سرا وعلانية} وهى ضد السر واكثر ما يقال ذلك فى المعانى دون الاعيان يقال اعلنته فعلن اى فى السر والعلانية او انفاق سر وعلانية او ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين كيفما اتفق من غير قصد اليهما. وقال الكاشفى {سرا} [بنهان از خوف آنكه بريا آميخته نكردد {وعلانية} واشكار بطمع آنكه سبب رغبت ديكران كردد بتصدق] فالاولى هى المسنونة والثانية هى المفروضة وفيهما اشارة الى علم الباطن والظاهر وفيه بعث للمنفق على الصدقة فى سبيل الله فى عموم الاوقات والاحوال {يرجون} خبر ان {تجارة} تحصيل ثواب بالطاعة والتاجر الذى يبيع ويشترى وعمله التجارة وهى التصرف فى رأس المال طالبا للربح قيل وليس فى كلامهم تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة واما تجاه فاصله وجاه وتجوب فالتاء فيه للمضارعة {لن تبور} البوار فرط الكساد والوصف بائر. ولما كان فرط الكساد يؤدى الى الفساد عبر بالبوار عن الهلاك مطلقا ومن الهلاك المعنوى ما فى قولهم خذوا الطريق ولو دارت وتزوجوا البكر ولو بارت واسكنوا المدن ولو جارت. والمعنى لن تكسد ولن تهلك مطلقا بالخسران اصلا: وبالفارسية [فاسد نبود وزيان بدان نرسيد بلكه در روز قيامت متاع اعمال ايشان رواجى تمام يابد]. قال فى الارشاد قوله {لن تبور} صفة للتجارة جئ بها للدلالة على انها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح والخسران لانه اشتراء باق بفان والاخبار برجائهم من اكرم الاكرمين عدة قطعية بحصول مرجوهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين يتلون كتابَ الله} أي: يُداومون على تلاوة القرآن {وأقاموا الصلاةَ} أتقنوها في أوقاتها، {وأنفقوا مما رزقناهم} فرضاً ونفلاً {سراً وعلانيةً} مسرّين النفل، ومعلنين الفرض، ولم يقنعوا بتلاوته عن العمل به. وخبر "إن": قوله: {يرجُونَ تجارةً لن تبور} لن تكسد، وهو ثواب أعمالهم، يعني: يطلبون تجارة ينتفي عنها الكسد، وتنفق عند الله. {ليُوَفّيَهم} متعلق بـ "تبور"، أي: ليوفيَهم بإنفاقها عند الله {أُجُورهم} ثواب أعمالهم {ويَزيدَهُم من فضله} بتفسيح القبور، أو: تشفيعهم في أهلهم، ومَنْ أحسن إليهم، أو: تضعيف حسناتهم، أو: بتحقيق وعد لقائه. أخرج ابن أبي شيبة عن بريدة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه القبر، كالرجل الشاحب، يقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلتك، فإنَّ كل تاجر وراء تجارته. قال: فيُعطى المُلك بيمينه، والخُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حُلَّتين، لا تُقوّم لهما الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسِينَا هذا؟ فيقال لهما: بأخْذِ وَلَدِكُما القرآنَ. ثم يقال له: اقرأ، واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ ". تفسير : وذُكر في بعض الأخبار: أن حملة القرآن يُحشرون يوم القيامة على كثبان المسك، وأنوارُ وجوههم تغشى النظار، فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة؛ الذين وُكلوا بحملة القرآن، فتأخذ بأيديهم، وتُوضع التيجان على رؤوسهم، والحُلل على أجسادهم، وتُقرب إليهم خيل من نور الجنة، عليها سُرُج المسك الأذفر، ألجمتُها من اللؤلؤ والياقوت، فيركبونها، وتطير بهم على الصراط، ويجوز في شفاعة كل واحد منهم مائة ألف ممن استوجب النار، وينادي مناد: هؤلاء أحباء الله، الذين قرأوا كتاب الله، وعَمِلوا به، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. هـ. {إِنه غفور شكور} غفور لهفواتهم، شكور لأعمالهم، يُعطي الجزيل، على العمل القليل. {والذي أوحينا إليك مِن الكتاب} أي: القرآن، و "مِن": للتبيين، {هو الحقُّ} لا مرية فيه، {مصدّقاً لما بين يديه} لما تقدمه من الكتب، {إِن الله بعباده لخبير بصير} عالم بالظواهر والبواطن، فعلِمَك وأبصر أحوالك، ورآك أهلاً لأن يُوحي إليك هذا الكتاب المعجز، الذي هو عِيار على سائر الكتب. الإشارة: كل ما ورد في فضل أهل القرآن، فالمراد به في حق مَن عَمِلَ به، وأخلص في قراءته، وحافظ على حدوده، ورعاه حق رعايته. وقد ورد فيمن لم يعمل به، أو قرأه لغير الله، وعيد كبير، وورد أنهم أول مَن يدخل جهنم. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد ذكر الحديثين في فضل حامل القرآن: وهذا مقيد بالعمل، أي: فإنَّ منزلتك عند آخر آية مما عملتَ، لا مما تلوتَ وخالفتَ بعملك؛ لأنه لو كان كذلك لانخرقت أصول الدين، ويؤدي إلى أن مَن حفظ سرد القرآن اليوم، يكون أفضل من كثير من الصحابة الأخيار، والصالحين الأبرار؛ فإن كثيراً من خيارهم مات قبل حفظ جميعه. هـ. ثم فصّل أحوالهم فقال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ...}

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما لمن يخشى الله؟- فقال: انّ الّذين يخشون الله لكنّه ابدله بما ذكر فى الآية للاشعار بانّ الّذين يخشون الله يتلون كتاب الله {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قد مضى فى اوّل البقرة بيان هذه الكلمات والاختلاف بالمضىّ والاستقبال فى تلك الافعال لا يخفى وجهه على الفطن {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} لن تفسد والمعنى انّهم بانفسهم يرجون ذلك او يرجى لهم تجارة لن تبور فينبغى ان يرجوا بانفسهم ذلك.

الأعقم

تفسير : {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة} يعني يتلون كتاب الله يداومون على تلاوته وعن مطرف (رحمه الله) هي آية، وعن الكلبي: يأخذون بما فيه، وقيل: يعملون بما فيه ويعملون به، وعن السدي: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم المؤمنون {وأنفقوا مما رزقناهم} قيل: على سبيل الخير {سرّاً وعلانيةً} قيل: السر التطوع والعلانية الفريضة {يرجون تجارة لن تبور} وللتجارة طلب الثواب بالطاعة {ليوفيهم أجورهم} وهي ما استحقوه من الثواب {ويزيدهم} التفضيل على المستحق {إنه غفور} لمن استغفر {شكور} لمن عمل بطاعته {والذي أوحينا إليك} يا محمد {من الكتاب} وهو القرآن {مصدقاً لما بين يديه} قيل: مصدق الكتب الذي بين يديه، أو أراد القيامة {إن الله بعباده لخبير بصير} أي عالم بمصالحهم وأعمالهم فيجازيهم {ثم أورثنا الكتاب} أعطينا، وقيل: هو القرآن لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هو التوراة وسائر الكتب أعطاها الله الأنبياء عن أبي علي {الذين اصطفينا} اخترنا {من عبادنا} قيل: هم الأنبياء اختارهم الله تعالى، وقيل: هم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم علماء هذه الأمة كما روي: "العلماء ورثة الأنبياء" {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} قيل: الكناية تعود إلى العباد فمنهم ظالم لنفسه مستحق النار مصرٌ على الذنب، والمقتصد: المؤمن المستحق للجنة، والسابق هم الذين سبقوا مع الأنبياء، ونظير هذه الآية قوله في الواقعة: {أية : وكنتم أزواجاً} تفسير : [الواقعة: 7] وهذا قول أبي علي، فعلى هذا فريقان ناجيان وفرقة هالكة، وروي نحوه عن ابن عباس، وقيل: أراد بالمصطفين آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين والله أعلم، قال الهادي (عليه السلام) في تفسيره: المراد بالآية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} إلى آخرها قال: هم آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاختارهم لأبيهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ميّزهم وأخبر الخلق بصفتهم لكيلا يبقى حجة عليه ولئلا يعطى طاغي على مؤمنهم بفسق فاسقهم فقال: فمنهم ظالم لنفسه وهو فاسق آل محمد، ومقتصدهم أهل الدين والورع، ومنهم سابق بالخيرات أئمة آل محمد (عليهم السلام)، وقيل: ظالم لنفسه بالصغائر، ومقتصد بالطاعة، وسابق بالخيرات في الدرجة العليا، حديث : وروي عنه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية فقال: "كلكم في الجنة" تفسير : {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} قيل: الديباج، وقيل: أي إذا دخلوا الجنة {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} قيل: حزن الدنيا، وقيل: الموت والحشر وأهوالها، وقيل: حزن الدنيا والمعاش والمصائب والأوجاع {إن ربنا لغفور شكور} يعطي المحسن جزيل الثواب {الذي أحلنا دار المقامة} أي الإِقامة لأنهم يقيمون فيها دائماً {من فضله} من نعمته {لا يمسنا فيها نصب} تعب {ولا يمسنا فيها لغوب}.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} المفروضة {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} السرّ التطوّع، والعلانية الزكاة المفروضة. يستحب أن تعطي الزكاة علانية، والتطوّع سراً، ويقال: صدقة السرّ تطوّعاً أفضل من صدقة العلانية. قال: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} أي: لن تفسد، وهي تجارة الجنة، يعملون للجنة. قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} أي: ثوابهم الجنة {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي: يضاعف لهم الثواب. وقال الحسن: تضاعف لهم الحسنات، أي: يثابون عليها في الجنة. {إِنَّهُ غَفُورٌ} أي: لمن تاب {شَكُورٌ} أي: يشكر اليسير ويثيب بالكثير، أي: يقبل العمل اليسير من المؤمن ويثيبه الجنة. قال: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} يعني القرآن {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل. {إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}. قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} أي: اخترنا {مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}. ذكروا عن جعفر بن زيد أن رجلاً بلغه أنه من أتى بيت المقدس، لم يشخصه إلا الصلاة فيه، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. قال: فأتيت بيت المقدس، فدخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثم قلت: اللهم صُن وحدتي، وآنس وحشتي، وارحم غربتي، وسق إليّ جليساً صالحاً تنفعني به. [فبينا أنا كذلك إذ دخل شيخ موسوم فيه الخير]، فقام عند سارية فصلّى ركعتين، ثم جلس. فقمت إليه، ثم سلّمت عليه، ثم جلست فقلت: من أنت، يرحمك الله، فقال: أنا أبو الدرداء، فقلت: الله أكبر! قال: ما لك يا عبد الله، أذعورة أنا؟ قلت: لا والله، ولكن بلغني أن من أتى هذا المسجد لم يشخصه إلا الصلاة فيه، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال: الحديث كما بلغك. قلت: فجئت إلى هذا المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم قلت: اللهم صُن وحدتي، وآنس وحشتي، وارحم غربتي، وسق إليّ جليساً صالحاً ينفعني. قال: فأنا أحق بالحمد منك إذ أشركني الله في دعوتك، وجعلني ذلك الجليس الصالح. لا جرم لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به أحداً قبلك ولا أحدث به أحداً بعدك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...} إلى آخر الآية. قال: حديث : فيجيء هذا السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، ثم يدخل الجنة، ويجيء هذا الظالم لنفسه فيوقف ويعيّر ويوبّخ ويعرّف ذنوبه ثم يتجاوز الله عنه فيدخله الجنة بفضل رحمته، فهم الذين قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}. غفر الذنب الكبير وشكر العمل اليسير، سبحانه وتعالى . تفسير : ذكروا عن أبي قلابة أنه تلا هذه الآية إلى قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} فقال: دخلوها كلهم. ذكروا عن أبي المتوكل الناجي أن حبراً من الأحبار لقي كعباً فقال: يا كعب، تركت دين موسى واتبعت دين محمد؟ فقال: بل أنا على دين موسى واتبعت دين محمد، فقال: فما حملك على ذلك؟ فقال: إني وجدت أمة محمد يقسمون يوم القيامة ثلاثة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يقول الله تبارك وتعالى لملائكته: قلبوا عبادي فانظروا ما كانوا يعملون. فيقلبونهم فيقولون: ربنا نرى ذنوباً كثيرة وخطايا عظيمة. فيقول: قلبوا عبادي فانظرو ما كانوا يعملون فيقلبونهم إلى ثلاث مرات، فيقول في الرابعة: قلبوا ألسنتهم فانظروا ما كانوا يعملون، فيقلبون ألسنتهم، وهو العالم بقولهم، فيقولون: ربنا، نراهم يخلصون لك ولا يشركون بك شيئاً. فيقول عبادي اخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً اشهدوا يا ملائكتي إني قد غفرت لعبادي وقد رحمتي بالغفران لعبادي بما أخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً. ذكروا عن عقبة بن صهبان قال: سألت عائشة عن هذه الآية، فقالت: نعم، يا بنيّ، كلُّهم إلى الجنّة؛ السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق، والمقتصد من اتَّبع أثره من أصحابه حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك. فألحقت نفسَها بنا من أجل الحدَث الذي أصابت. ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له بعد توبته. ذكروا عن الحسن قال: السابقون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والمقتصد رجل سأل عن آثار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتَّبعهم، والظالم لنفسه منافق قُطِعَ بِه دونهم. ذكروا عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الحرف: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقال: سقط هذا، يعني ما قال الحسن: إنه المنافق. وتفسير مجاهد: إنه منافق. وقال: هي التي في سورة الواقعة، السابقون هم السابقون، يعني قوله تعالى: (أية : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) تفسير : [الواقعة: 10] فوصف صفتهم في أول السورة، والمقتصد أصحاب اليمين؛ وهم المنزل الآخِر في سورة الواقعة: (أية : وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ) تفسير : [الواقعة: 27] فوصف صفتهم. والظالم لنفسه أصحاب المشأمة. وقال بعضهم: إن أصحاب اليمين هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وهو المقتصد في حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب المنزل الآخِر في سورة الرحمن حيث يقول: (أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) تفسير : [الرحمن: 62] فوصفهما. ومنزل السابقين المنزل الأول في سورة الرحمن: (أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)تفسير : [الرحمن: 46]. قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} قد فسَّرنا ذلك في غير هذه الآية. قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}. وقال في آية أخرى: (أية : وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) تفسير : [الإِنسان: 21]. قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} ذكروا عن أبي هريرة قال: دار المؤمن من درة مجوّفة، في وسطها شجرة تنبت الحلل، ويأخذ بأصبعيه حلّة منظمة باللؤلؤ والمرجان. ذكروا عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: إن المرأة من نساء أهل الجنة من الحور العين لَيَكُونَ عليها سبعون حلّة، وإنه ليُرى مخُّ ساقها من وراء ذلك كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

اطفيش

تفسير : {إن الذين يتلون كتاب الله} يداومون على قراءته مداومة تجدد والمراد قراءة تفهم وعمل بمضمونها ويجوز ان يكون المراد بقراءته العمل بما فيه بمداومة حتى صار عملهم به لكثرته ودوامه كانه قرآن يتلى ويسمع وكانه مكتوب عليهم وكتاب الله القرآن والذين يتلونه الصحابة المؤمنون مطلقا ثم ظهر لي وجه اخر وهو ان يتلو بمعنى يتصلون به ويتبعونه كقولك تلا زيد عمرا يتلوه فالمراد انهم يتبعون القرآن في الامر والنهي ويجوز ان يراد بكتاب الله جنس كتبه وبالتالين قارئيها او العاملين بها من كل امة فيكون ذلك ثناء على المصدقين من كل امة بعد ذكر المكذبين. {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم} انفاق زكاة وغيرها. {سرا وعلانية} المراد بهما الاكثار من النفقة في كل، ومثله قولك فلان يقرأ القرآن ليلا ونهارا تريد الاكثار من قراءته ولو كان يقرأه ليلا ونهارا فقط والمراد انهم ينفقون سرا اذا عرض لهم في العلانية مفسد او لم تظهر لهم فيها فائدة وينفقون علانية اذا ظهرت لهم فائدة العلانية كاقتداء الناس بهم او المراد ينفقون النفقة الواجبة كالزكاة علانية والمندوبة سرا. {يرجون تجارة لن تبور} جملة يرجون خبر إن ولن تبور نعت تجارة او جملة يرجون حال من واو انفقوا والخبرة، قوله بعد ذلك انه غفور شكور على حذف الرابط اي غفور لفرطاتهم شكور لطاعتهم والتجارة تحصيل الثواب بالطاعة والبوا والكساد والهلاك بالخسران.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين يتْلُون كتاب الله} يكررون تلاوة القرآن كحصين بن الحارث بن عبد المطلب القريشى، وقد قيل: نزلت فيه، ولكن الحكم بعموم اللفظ كما قيل: المراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل بالأولى، وكما قيل: المؤمنون، فيدخل هو والأصحاب بالأولى، والمراد التلاوة المستتبعة بالعمل، كما يدل له ذكر بعض الشرئط بعد، وقد فسرت التلاوة بالعمل والاتباع، كما يقال: تلوت الشىء أى تبعته، وقد ورد: رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه، وأجيز أن يفسر كتاب الله بكتبه، فتشمل المتقين من الأمم السابقة، فالمضارع للتحدد المستمر حكمه، حتى يشمل القرآن وأهله، ولحكاية الحال الماضية، بحيث يقاس عليها القرآن وأهله، قياس الأعلى على ما دونه. {وأقامُوا الصَّلاة} أتوا بها مستقيمة {وأنفَقُوا ممَّا رزقناهُم} الرزق ما انتقع به أحد ولو حراما، إلا أنه يعذب على الحرام، والمراد هنا الحلال إذ لا يمدحهم الله على إنفاق الحرام، ولا يثيبهم عليه، لأن انفاقه كبيرة كأكله، وكذا كل تصرف فيه سوى رده لصاحبه، أو ورثته وحفظه بنية الرد، أو للفقراء ان لم يجد، وخصته المعتزلة بالحلال، وفى لفظ من إشارة الى أنهم لم يسرفوا ولم يقتروا، ولا يتصور إسراف فى الواجب كالزكاة، لأنها قليل من كثير، ولا فى واجب استغراق المال أو كاد ككفارات كثيرة لم تبق من المال إلا نفقة سنة، فما زاد صامها صوما. {سراً وعلانيةً} كيفما اتفق له من غير قصد الى سر، أو ظهور، الأولى فى الواجب كالزكاة الإظهار، وكالمسنون المؤكد كصدقة الفطر لا لداع صحيح، وفى غير ذلك الإسرار إلا لعارض صحيح كنية الاقتداء، مع إخلاص، وقد فسر بعض السر بغير الفرض، والعلانية بالواجب، والنصب على المفعولية المطلقة على حذف مضاف، أى انفاق سر وعلانية، أو على نزع الجار، أى فى سر وعلانية، أو على الحالية بمعنى مسرين ومعلنين، أو مصاحبى سر وعلانية {يَرجُون} بالتلاوة وإقامة الصلاة، والانفاق حال من واو وأنفقوا، ويقدر مثله ليتلون، ومثله لأقاموا لا على التنازع، لأن المهمل يضمر له، والحال لا تكون ضميراً، ويقدر ما يعم الكل أى يفعلون ذلك يرجون {تجارةً} سمى فعل ذلك بل إخلاصه، بل قصد الثواب عليه تجارة على طريق الاستعارة التصريحية، الأصلية لجامع قصد أن يأخذ أكثر مما خرج منه، والقرينة لفظية، وهى التلاوة والاقامة والانفاق لوجه الله، ليست مما يباع. {لَن تَبُور} نعت تجارة، أى لن تضيع بالكساد فهذا ترشيح للاستعارة، ويجوز أن تكون تمثيلية بأن شبه القصد الى تلك الأعمال وإيقاعها، وقصد الثواب عليها بأكثر بالقصد الى نحو سلعة وشرائها، والمبايعة بها، وقصد الربح الزائد عما اشتراها به، وخبر ان محذوف، أى لهم ما رجوا، أو يقدر هذا الخبر قبل انه غفور شكور، أو الخبر انه غفور شكور، والرابط محذوف أى غفور لذنوبهم، شكور لتلك الأفعال منهم، أو الخبر يرجون على طريق المدح لا على طريق الاخبار بالثواب، وهو مدح يتضمن الثواب، وهو كالحجة للثواب، وفسر بعض التجارة بتحصيل الثواب، وبعض بالجنة، وبلن تبور بلن تنقطع.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } أي يداومون على قراءته حتى صارت سمة لهم وعنواناً كما يشعر به صيغة المضارع ووقوعه صلة واختلاف الفعلين، والمراد بكتاب الله القرآن فقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في «تفسيره» عن ابن عباس أنها نزلت في حصين بن الحرث بن عبد المطلب القرشي، ثم إن العبرة بعموم اللفظ فلذا قال السدي في التالين: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عطاء: هم المؤمنون أي عامة وهو الأرجح ويدخل الأصحاب دخولاً أولياً، وقيل معنى {يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ} يتبعونه فيعملون بما فيه، وكأنه جعل يتلو من تلاه إذا تبعه أو حمل التلاوة المعروفة على العمل لأنها ليس فيها كثير نفع دونه، وقد ورد «رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه» ويشعر كلام بعضهم باختيار المعنى المتبادر حيث قال: إنه تعالى لما ذكر الخشية وهي عمل القلب ذكر بعدها عمل اللسان والجوارح والعبادة المالية، وجوز أن يراد بكتاب الله تعالى جنس كتبه عز وجل الصادق على التوراة والإنجيل وغيرهما فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين بقوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذّبُوكَ }تفسير : [فاطر: 25] الخ والمضارع لحكاية الحال الماضية، والمقصود من الثناء عليهم وبيان ما لهم حث هذه الأمة على اتباعهم وأن يفعلوا نحو ما فعلوا، والوجه الأول أوجه كما لا يخفى وعليه الجمهور. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي مسرين ومعلنين وفي سر وعلانية، والمراد ينفقون كيفما اتفق من غير قصد إليهما، وقيل السر في الإنفاق المسنون والعلانية في الإنفاق المفروض، وفي كون الإنفاق مما رزقوا إشارة إلى أنهم لم يسرفوا ولم يبسطوا أيديهم كل البسط، ومقام التمدح مشعر بأنهم تحروا الحلال الطيب؛ وقيل جىء بمن لذلك، والمعتزلة يخصون الرزق بالحلال وهو أنسب بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة، ومن لا يخصه بالحلال يقول هو التعظيم والحث على الإنفاق {يَرْجُونَ } بما آتوا من الطاعات {تِجَـٰرَةً } أي معاملة مع الله تعالى لنيل ربح الثواب على أن التجارة مجاز عما ذكر والقرينة حالية كما قال بعض الأجلة. وقوله تعالى: {لَّن تَبُورَ } أي لن تكسد، وقيل لن تهلك بالخسران صفة (تجارة) وترشيح للمجاز، وجملة {يَرْجُونَ } الخ على ما قال الفراء وأبو البقاء خبر {إن}، وفي إخباره تعالى عنهم بذلك إشارة إلى أنهم لا يقطعون بنفاق تجارتهم بل يأتون ما آتوا من الطاعات وقلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم، وجعل بعضهم التجارة مجازاً عن تحصيل التواب بالطاعة وأمر الترشيح على حاله وإليه ذهب أبو السعود ثم قال: ((والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين عدة / قطعية بحصول مرجوهم)) وظاهر ما روي عن قتادة من تفسيره التجارة بالجنة أنها مجاز عن الربح وفسر {لَّن تَبُورَ } بلن تبيد وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لبيان جملة { أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء } تفسير : [فاطر: 28] الآية، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء، وقد تخلّص إلى بيان فوز المؤمنين الذين اتَّبعوا الذكر وخشوا الرحمان بالغيب فإن حالهم مضادّ لحال الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون شيئاً. فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجمالياً بقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وأجمل حسن جزائهم بذكر صفة { أية : غفور } تفسير : [فاطر: 28] ولذلك ختمت هذه الآية بقوله: {إنه غفور شكور} فُصِّل ذلك الثناء وذكرت آثاره ومنافعه. فالمراد بــــ{الذين يتلون كتاب الله} المؤمنون به لأنهم اشتهروا بذلك وعُرفوا به وهم المراد بالعلماء. قال تعالى: { أية : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } تفسير : [العنكبوت: 49]. وهو أيضاً كناية عن إيمانهم لأنه لا يتلو الكتاب إلا من صدّق به وتلقاه باعتناء. وتضمن هذا أنهم يكتسبون من العلم الشرعي من العقائد والأخلاق والتكاليف، فقد أشعر الفعل المضارع بتجدد تلاوتهم فإن نزول القرآن متجدد فكلما نزل منه مقدار تلقوه وتدارسوه. وكتاب الله القرآن وعدل عن اسمه العلم إلى اسم الجنس المضاف لاسم الجلالة لما في إضافته إليه من تعظيم شأنه. وأتبع ما هو علامة قبول الإِيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة كما تقدم في سورة البقرة (2) { أية : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } تفسير : فإنها أعظم الأعمال البدنية، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإِنفاق، والمراد بالإِنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد الإِنفاق في السور المكية إلا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة قد فرضت أيامئذ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نُصب ولا تَحديد ثم حدِّدت بالنصب والمقادير. وجيء في جانب إقامة الصلاة والإِنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم مداومون عليه. وقوله: {مما رزقناهم} إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة الله عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة. ووقع الالتفات من الغيبة من قوله: {كتاب الله} إلى التكلم في قوله: {مما رزقناهم} لأنه المناسب للامتنان. وانتصب {سراً وعلانية} على الصفة لمصدر {أنفقوا} محذوفٍ، أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع. والمعنى: أنهم لا يريدون من الإِنفاق إلا مرضاة الله تعالى لا يراءون به، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة الناس عن الإِنفاق. وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه، وذكر العلانية للإِشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإِنفاق فهم قد أعلنوا بالإِيمان وشرائعه حبّ من حبّ أو كره من كره. و{يرجون تجارة} هو خبر {إن}. والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل: لِيرجُوا تجارة، وزاده التعليلُ بقوله: {ليوفيهم أجورهم} قرينةً على إرادة التبشير. والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق. ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة. والمعنى: ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة. والبوار: الهلاك. وهلاك التجارة: خسارة التاجر. فمعنى {لن تبور} أنها رابحة. و{لن تبور} صفة {تجارة}. والمعنى: أنهم يرجون عدم بوار التجارة. فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع لعمل التاجر شيء معلوم. و{ليوفيهم} متعلق بــــ{يرجون}، أي بشرناهم بذلك وقدَّرناه لهم لنوفيهم أجورهم. ووقع الالتفات من التكلم في قوله: {مما رزقناهم} إلى الغيبة رجوعاً إلى سياق الغيبة من قوله: {يتلون كتاب الله} أي ليوفي الله الذين يتلون كتابه. والتوفية: جعل الشيء وافِياً، أي تامّاً لا نقيصة فيه ولا غبن. وأسْجلَ عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثواباً من فضله، أي كرمه، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى: { أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } تفسير : [البقرة: 261] الآية. وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه، فإنّ من صفاته الغفور الشكور، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر. فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين، فإن طاعة الله الحقّ التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز عن الأمة فيما حدّثت به أنفسها، وفيما همت به ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزيّ بجزاء وافر يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل فعله. وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه، ولما في التأكيد من الإِيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها. وفي الآية ما يشمل ثواب قُرَّاء القرآن، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن للتلاوة حظها من الثواب والتنوّر بأنوار كلام الله.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 29- إن الذين يتلون كتاب الله، متدبرين فيه عاملين به، وأقاموا الصلاة على وجهها الصحيح، وأنفقوا بعض ما رزقهم الله سراً وجهراً، يرجون بذلك تجارة مع الله لن تكسد. 30- ليوفيهم ربهم أجورهم ويزيدهم من فضله، بما يربى من حسناتهم ويمحو من سيئاتهم، إنه غفور كثير المحو للهفوات، شكور كثير الشكر للطاعات. 31- والذى أوحينا إليك من القرآن هو الحق الذى لا شبهة فيه، أنزلناه مصدقاً لما تقدم من الكتب المنزلة على الرسل قبلك، لاتفاق أصولها، إن الله بعباده واسع الخبرة والبصر. 32- ثم جعلنا هذا الكتاب ميراثاً للذين اخترناهم من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه بغلبة سيئاته على حسناته، ومنهم مقتصد لم يسرف فى السيئات ولم يكثر من الحسنات، ومنهم سابق غيره بفعل الخيرات بتيسير الله، ذلك السبق بالخيرات هو الفوز الكبير من الله. 33- جزاؤهم فى الآخرة جنات إقامة يدخلونها، يتزيَّنون فيها بأساور من ذهب ولؤلؤا، وثيابهم فى الجنة حرير. 34- وقالوا وقد دخلوها: الثناء الجميل لله الذى أذهب عنا ما يحزننا. إن ربنا لكثير المغفرة كثير الشكر. 35- الذى أنزلنا دار النعيم المقيم من فضله لا يصيبنا فيها تعب، ولا يمسنا فيها إعياء.

القطان

تفسير : يتلون كتاب الله: يقرأونه ويتّبعونه. يرجون تجارةً لن تبور: مغفرة من الله لن تكسد. الكتاب: القرآن. مقتصد: عاملٌ به تارةً ومخالف له اخرى. سابق: متقدم الى ثواب الله. جنات عدْن: جنات الاقامة. أذهَبَ عنا الحزن: الخوف. دار المقام: دار الاقامة، دار الخلود، وهي الجنة. النصَب: التعب. اللغوب: الفتور والكلال. ان الذين يقرأون كتاب الله، فيعملون به، قد أقاموا الصلاة على وجهها، وانفقوا مما رزقناهم على المحتاجين والمصالح العامة وفي سبيل الله، سرا وجهرا يتاجرون تجارة رابحة عند الله لا تكسد، وسيوفّيهم الله أجورهم ويزيدهم من فضله {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}. ثم اشار الى طبيعة الكتاب، وما فيه من الحق، تمهيداً للحديث عن ورثة هذا الكتاب: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي لما سبقه في العصور من الكتب المنزلة على الرسل قبلك، أنها من نبع واحد، {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}. ثم جعلْنا هذا الكتابَ ميراثاً للذين اخترناهم من عبادنا، فكانوا فئات ثلاثاً: فمنهم ظالمٌ لنفسه بغَلَبة سيئاته على حسناته، ومنهم مقتصد لم يسرف في السيئات ولم يكثر من الحسنات، ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} ذلك الميراث والاصطفاء فضل عظيم من الله لا يقدَّر قدره. ثم بين جزاءهم ومآلهم بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. ويقولون عند دخولهم الجنة: الحمدُ لله الذي أذهبَ عنا الخوفَ من كل ما نحذر. {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} أنزَلَنا دار النعيم الدائم من فضله لا يصيبنا فيه تعبٌ ولا يمسّنا فيها إعياءٌ ولا فتور. قراءات: قرأ ابو عمرو: يدخَلونها بضم الياء وفتح الخاء، والباقون يدخلونها بفتح الياء وضم الخاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابَ} {ٱلصَّلاَةَ} {رَزَقْنَاهُمْ} {تِجَارَةً} (29) - إِنَ عِبَادَ اللهِ المُؤْمِنينَ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ: مِنْ إِقامَةِ الصَّلاةِ وَأَدائِها بِخُشُوعِها، وَإِتْمَامِها بِرُكُوعِها وَسُجُودِها، وَمِنَ الإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ سِراً وَعَلاَنِيةً فِي سَبيلِ اللهِ عَلَى الفُقَراءِ والمُحْتَاجِينَ، وفيمَا فِيهِ خيرُ الجَمَاعَةِ المُسلِمَةِ، إِنَّ هؤلاءِ العِبَادَ المُؤْمِنينَ، الذِينَ يَقُومُونَ بِذَلِكَ، يَرْجُونَ الثَّوَابَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، عِنْدَ اللهِ، وَسَتَكُونُ تِجَارَتُهُمْ رَابِحَةً عِندَ اللهِ، وَلَنْ تَكْسُدَ. لَنْ تَبُورَ - لَنْ تَكْسُدَ، أَوْ لَنْ تَفْسُدَ وَتَهْلِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه العلم الكوني، وأنه وسيلة لخشية الله ومعرفة أسراره في كونه أراد سبحانه أنْ يلفت أنظارنا وأنْ يحذرنا: إياكم أنْ تُفتنوا بالعلم الكوني فينسيكم مهمتكم في أنْ تتلقَّوا عن الله ما يُسعدكم، فتحدَّث سبحانه عن المنهج: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} [فاطر: 29] وهذا هو العلم الشرعي والذِّكْر الذي يعصم الناس من اختلاف الأهواء. ومعنى {يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} [فاطر: 29] أي: تلهج به ألسنتهم، وتعيه قلوبهم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [فاطر: 29] وهذه عبادة تشترك فيها كل الجوارح {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [فاطر: 29] والإنفاق يخصُّ الناحية المالية، فهو دليل على سماحة النفس بما تنفق، وحُبها للبذل والعطاء في السِّر والعلانية، وبالإنفاق تكتمل لهذه النفس الصفات الطيبة، ويجتمع لها عمل القلب وعمل الجوارح في طاعة الله. وقوله: {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [فاطر: 29] يعني: أن الإنفاق ليس من مالك الخاص، إنما من مال الله الذي رزقك، وجعلك مُسْتخلَفاً فيه وما نفقتُكَ إلا سبب، والأسباب في الكون ستر ليد الله في العطاء. وهؤلاء الذين ينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29]. فالإنفاق في سبيل الله تجارة مع الله {لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29] أي: لن تكسد، وأنت حين تنفق على المحتاجين، وحين تطعم الجائع إنما تُحبِّب الله إلى خَلْقه أرأيت لو أن مَلِكاً من ملوك الدنيا له عبيد، أليس مكلَّفاً بإطعامهم وسَدِّ حاجتهم، وهذه من سمات العظمة فيه، كذلك الحق سبحانه هو خالق هؤلاء الفقراء، وهو الذي استدعاهم للوجود، وهو سبحانه المكلّف باقتياتهم. إذن: حين تطعمهم أنت فكأنك تؤدي مهمة الله عز وجل، وتُحبِّب خَلْق الله إلى الله، فالحق سبحانه حين يعطف مخلوقاً على مخلوق يقول: كأن عبدي يعينني على خَلْقي؛ لأن الله تعالى استدعى الخَلْق للوجود، وتكفَّل بأن يُغنيهم، فحين يأتي عبده الغني ويكون في عَوْن الفقير يقول سبحانه: كان عبدي في عون أخيه بقدرته، فلا بُدَّ أنْ أكون في عونه بقدرتي، فالعبد لا يكون أبداً أكرم من خالقه، وكيف يعطف العبد وهو لم يخلق شيئاً، ولم يستدع أحداً للوجود، ولا يعطف الخالق سبحانه؟ فإنْ قلتَ: ما دام الحق سبحانه قد استدعى الخَلْق للوجود، فلماذا لم يضمن لهم الحياة الكريمة التي لا يحتاجون فيها لعطف أحد غيره؟ نقول: أراد الحق سبحانه أنْ يزرع بذور المحبة والتعاطف بين خَلْقه، أراد مجتمعاً مسلماً قائماً على المحبة وعلى التعاون وعلى التكافل، ثم وَعَد سبحانه السخيَّ المعطي بأنْ يعامله بقدر سخائه وعطائه هو سبحانه. هذه هي التجارة مع الله التي لا تبور، والبَوْر والبَوار. أي: الفساد وهو يصيب التجارة من ناحيتين: إما فساد في الربح، كأن تتبعك التجارة ولا تربح، أو فساد في الربح وفي الأصل يعني: تخسر أصل التجارة، ومعلوم أن الإنسان لا يتاجر إلا بقصد الربح؛ لذلك قال أهل المعرفة وأهل التجارة مع الله: إنْ أردتَ الربح المحقق فتاجر مع كريم وهبك ما تجود به، وبعد ذلك يجازيك عليه. لذلك كان أحد الصالحين يهشّ في وجه السائل ويبشّ ويقول له: مرحباً بمَنْ جاء ليحمل عني زادي إلى الآخرة بغير أجرة. وسُئِل الإمام على - رضي الله عنه - يا أبا الحسن، أريد أنْ أعرف نَفسي، أأنا من أهل الدنيا؟ أم من أهل الآخرة؟ فقال: إنْ كنتَ تهشّ لمن يعطيك أكثر مَمَّن يأخذ منك، فأنت من أهل الدنيا؛ لأن الإنسان يحب مَنْ يعمر ما يحب. حديث : ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال له صحابي: أنا أكره الموت، فقال له الرسول: "ألكَ مال؟" قال: نعم، قال: "أتتصدَّق به"؟ قال: لا، قال: "إن المال يحب صاحبه، فإنْ كنتَ تحبه في الآخرة أحببتَ أن تموتَ للآخرة، وإنْ كنتَ تحبه في الدنيا أحببتَ أنْ تظلَّ معه في الدنيا" ". تفسير : واستخدام أداة النفي (لن) هنا له مَلْحظ، فلن تنفي الحال والاستقبال؛ لأن الإنسان قد يموت قبل أنْ يدرك ثمرة الخير في هذا العطاء، وقبل أنْ يرى نتيجة صِدقه؛ لذلك يطمئنه ربه بأن هذه تجارة مع الله لن تبور، وسوف ينتظره جزاؤها في الآخرة وقوله تعالى: {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} [فاطر: 29] أي: على أي حال، أما نفقة السر، فالحكمة منها أنها تبعد صاحبها عن الرياء أو المباهاة، وهي أيضاً ستر لحياء الآخذ؛ لذلك كان بعض العارفين إذا أراد أنْ يعطف على فقير أو محتاج يحتال على ذلك بحيلة تحفظ للمحتاج ماء وجهه، فيكلّفه مثلاً بعمل بسيط، ثم يعطيه المال على أنه أجره على العمل، لا على أنه صدقة. والبعض يتأدب في هذه المسألة، فيعطي المحتاج على أنها قرض وفي نيته أنها صدقة، وربما أكد هذا المعنى، فقال لصاحبه: ربنا يُعينك على السداد، لكن إياك (تاكله). وبعضهم يعطي الصدقة على أنها أمانة، لكن يقول للآخذ: إذا تيسَّر لك هذا المبلغ وأصبح فائضاً عن حاجتك فأعطه محتاجاً إليه، وقُلْ له يعطيه بدوره إلى مَنْ يحتاج إليه بعده، وهكذا تتنامى الصدقة، وتدور على ما شاء الله من المحتاجين إليها. هذا عن صدقة السر، أما العلانية فالحكمة منها أنها تمثل زاجراً للواجد حتى لا يبخل ولا يضنّ بما عنده، كذلك تحمي صاحبها من ألسنة الناس، وتحمي عِرْضَه أنْ يخوضَ الناس في حقه فيقولون: يبخل رغم غِنَاه. كما أن الإنفاق علانية يُعَدُّ نموذجاً وأُسْوةً للغير في العطاء. وقال العلماء: يُراد بالسر الصدقة الزائدة على الفريضة، وهذه ينبغي فيها الستر، ويُراد بالعلانية الزكاة المفروضة؛ لأن الجهر في العبادة مطلوب كما هو الحال في الصلاة مثلاً، والمتأمل يجد الزكاة أوْلَى بالعلانية من الصلاة، فمن اليسير إقامة الصلاة في أوقاتها، أما الزكاة فقد تكون واجداً لكن تشح نفسُك وتبخل بالعطاء. وأنت حين تُنفق تنفق على مَنْ؟ على محتاج غير قادر أو مسلوب القدرة، ومَنِ الذي سلبه القدرة؟ الله، لذلك كلفك الله أنْ تنفق على مَنْ سلبه القدرة، وأنْ تعينه: أولاً حتى لا يحقد عليك، وحتى يتمنى لك المزيد من الخير؛ لأن خيرك سيعود عليه، لذلك كنا نرى أهل الريف مثلاً يحزنون ويبكون إنْ ماتت بقرة فلان أو جاموسة فلان، لماذا؟ لأنها كانت تسقي الفقراء من لبنها، وتحرث أرض المحتاج. ثانياً: وهذه حكمة أسمى من الأولى، وهي أن النفقة على غير القادر تجعله لا يغير خواطره على ربه وخالقه وتحميه من الاعتراض على قَدر الله الذي منعه وأعطى غيره، وضيَّق عليه ووسَّع على الآخرين. النفقة على غير القادر تجعله يشعر أنه أحظُّ حالاً من الغنى، ولم لا وهو يُسَاق له رزقه دون تعب منه ودون عناء؟ ويأتيه الغنى إلى بابه ليعطيه حقه في مال الله. لذلك قال العلماء: الفقير شرط في إيمان الغني، وليس الغني شرطاً في إيمان الفقير. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: "حديث : .. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". تفسير : والحق سبحانه وتعالى لما تكلَّم عن المحسنين الذين يكلِّفون أنفسهم فَوْق ما كلَّفهم الله، ومن جنس ما كلَّفهم الله، يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 15-19]. فالحق غير المعلوم هو الصدقة، أما الزكاة المفروضة التي هي حق الفقير في مال الغني فقد وردتْ في صفات المؤمنين في سورة سأل فقال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [المعارج: 25]. لذلك، فالزكاة لا تَخْفى، بل تُؤدَّى علانية، لأنك تُؤدِّي حقاً عليك للفقير، حتى أن بعض فقهاء الأندلس رضي الله عنهم قال: لو مُكنت بولاية أمر على المؤمنين، فرأيتُ مَنْ يمنع الفقير حقَّه بمقدار نصاب لأَتيتُه لأقطع يده، فتأمل هذا الاجتهاد من العلماء، وكيف ساووا بين منع الفقير حَقَّه والسرقة. وسواء أكان الإنفاق سِرّاً أم جهراً وعلانية، فلا بُدَّ أن تتوفر له النية الخالصة كما علَّمنا ربنا في الحديث القدسي: (حديث : الإخلاص سر من أسراري، أودعته قلب مَنْ أحببتُ من عبادي، لا يطلع عليه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ). تفسير : وأنت في عطائك تتعامل مع الله، والله واجد ماجد كريم، لا يبخسك حقك، وتجارتك معه سبحانه لا بُدَّ أن تكون رابحة؛ لذلك قال بعدها: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29]. كذلك يحذرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرياء الذي يحبط الأعمال، ويفسدها ويحرم صاحبها من ثمرتها يوم القيامة، حيث يقال له: فعلتَ ليقال وقد قيل. ويحذرنا سيدنا رسول الله أن تكون أعمالنا كأعمال الكافرين الذين قال الله فيهم: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. ثم يقول سبحانه: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ..} [فاطر: 30] أي: أنهم سيأخذون جزاء أعمالهم وعطائهم بوفاء من الله، ثم يزيدهم بعد ذلك من فضله تكرُّماً، قالوا هذه الزيادة أن تقبل شفاعتهم فيمن يحبون، فإنْ شفعوا لأحد من أحبابهم قَبِل الله شفاعتهم، لماذا؟ لأن لهم أياديَ سابقة على الفقراء والمحتاجين من عباد الله، يكرمهم الله من أجلها، ويتفضَّل عليهم كما تفضَّلوا على عباده. {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 30]. ولك أنْ تسأل: لماذا ذُيِّلت الآية باسم الله (الغفور)، مع أنها تحدثت عن أعمال الخير من تلاوة كتاب الله، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، فأيُّ شيء من هذه يحتاج إلى المغفرة؟ قالوا: ذكر هنا المغفرة، لأن العبد حين يضع شيئاً من هذا الخير قد يُداخله شيء من الغرور أو الإعجاب أو غيره مما يشوب العمل الصالح، فيغفرها الله له، ليلقى جزاءه خالصاً؛ لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : وقوله {شَكُورٌ} [فاطر: 30] صيغة مبالغة من شاكر، فكأن الله تعالى بعظمته يشكر عبده، بل ويبالغ في شكره؛ لأن العبد في ظاهر الأمر عاون ربه في أنْ يرزق مَنْ كان مطلوباً من الله أنْ يرزقه؛ لذلك يشكره الله ولا يبخسه حقه، مع أنه في واقع الأمر مُنَاول عن الله. وأنت حين تقرؤها: {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 30] وتعلم أنه تعالى يشكرك لا تملك إلا أنْ تشكره سبحانه، وعندها يزيدك من النعمة، إذن: نحن أمام شكر دائم لا ينقطع، وعطاء لا ينفد.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ} ظاهره يقرؤون كتاب الله أي يداومون تلاوته ولما ذكر تعالى وصفهم بالخشية وهي عمل القلب ذكر أنهم يتلون كتاب الله وهو عمل اللسان ويقيمون الصلاة وهي عمل الجوارح وينفقون وهو العمل المالي. {يَرْجُونَ} خبر ان وهذا إشارة إلى الإِخلاص أي يفعلون تلك الأفعال يقصدون بذلك وجه الله تعالى لا للرياء والسمعة. {لَّن تَبُورَ} ولن تكسد ولا يتعذر الربح فيها بل ينفق عند الله تعالى. {لِيُوَفِّيَهُمْ} متعلق بيرجون. {ثُمَّ أَوْرَثْنَا} وثم للمهلة في الاخبار لا في الزمان. قال ابن عباس: هم هذه الأمة أورثت أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله الله تعالى. {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهو العاصي المسرف والمقتصد متقي الكبائر والسابق المتقي على الإِطلاق والظاهر أن الإِشارة بذلك إلى إيراث الكتاب واصطفاء هذه الأمة وجنات على هذا مبتدأ ويدخلونها الخبر والظاهر أن الضمير المرفوع في يدخلونها عائد على الأصناف الثلاثة وقرأ عمر رضي الله عنه هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له والحزن جمع الأحزان من أحزان الدنيا والدين حتى هذا . تفسير : {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} فيه إشارة إلى دخول الظالم لنفسه الجنة وشكور فيه إشارة إلى السابق وأنه كثير الحسنات والمقامة في الإِقامة أي الجنة لأنها دار إقامة دائماً لا يرحل عنها. {مِن فَضْلِهِ} من عطائه. {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} أي تعب بدن. {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} أي تعب نفس وهو لازم عن تعب البدن. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} لما ذكر حال المؤمنين ومقرهم ذكر حال الكافرين. {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ} أي لا يجهز عليهم فيموتوا لأنهم لو ماتوا لبطلت حواسهم فاستراحوا وهو في جواب النفي وهو على أحد معنى النصب فالمعنى انتفاء القضاء عليهم فانتفى مسببه لا يقضي عليهم ولا يموتون. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ} بني من الصراخ يفتعل وأبدلت من التاء طاء. {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} أي قائلين ربنا أخرجنا منها أي من النار وردنا إلى الدنيا نعمل صالحاً قال ابن عباس: نقل لا إله إلا الله. {غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي من الشرك. {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} هو استفهام توبيخ وتوقيف وتقرير وما مصدرية ظرفية أي مدة تذكره. {خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} تقدم الكلام عليه والمقت أشد الاحتقار والبغض والغضب والخسار خسار العمر. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} تقدم الكلام عليه قال الزمخشري: أروني بدل من أرأيتم لأن معنى أرأيتم أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء عن ما استحقوا به الإِلهية والشركة أروي أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله تعالى شركة في خلق السماوات أو معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب أو يكون الضمير في آتيناهم للمشركين كقوله: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} تفسير : [الزخرف: 21]. {أية : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} تفسير : [الروم: 35]. {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم} وهم الرؤساء. {بَعْضاً} وهم الأتباع. {إِلاَّ غُرُوراً} وهو قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله "انتهى" أما قوله: ان أروني بدل من أرأيتم فلا يصح لأنه إذا أبدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الأداة على البدل وأيضاً فإِبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم ثم البدل على نية تكرار العامل ولا يتأتى ذلك هنا لأنه عامل في أرأيتم فيستحيل دخوله على أروني والذي أذهب إليه هنا ان أرأيتم بمعنى أخبروني وهي تطلب مفعولين أحدهما منصوب والآخر مشتمل على الاستفهام كقول العرب أرأيت زيداً ما صنع فالأول هنا شركاءكم. والثاني: ماذا خلقوا، وأروني جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد ويحتمل أن يكون ذلك من باب الأعمال لأنه توارد على ماذا خلقوا أرأيتم وأروني لأن أروني قد تعلق عن مفعولها الثاني كما علقت رأي التي لم تدخل عليها همزة النقل عن مفعولها في قولهم: أما ترى أي فرق ها هنا ويكون قد أعمل الثاني على المختار عند البصريين ولما بين تعالى فساد أمر الأصنام ووقف على الحجة في بطلانها عقب بذكر عظمته وقدرته ليبين الشىء بضده وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} والظاهر أن معناه أن تنتقلا عن أماكنهما وتسقط السماوات عن علوها. وقال الزمخشري: وإن أمسكهما جواب القسم في ولئن زالتا سدّ مسدّ الجوابين "انتهى". يعني أنه دل على الجواب المحذوف وان أخذ كلامه على ظاهره لم يصح لأنه لو سدّ مسدّهما لكان له موضع من الإِعراب باعتبار جواب الشرط ولا موضع له من الإِعراب باعتبار جواب القسم والشىء الواحد لا يكون معمولاً غير معمول ومن في من أحد لتأكيد الاستغراق وفي من بعده لابتداء الغاية أي من ترك إمساكه وان نافية في جواب القسم المحذوف. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الضمير في وأقسموا لقريش ولما بين إنكارهم للتوحيد بين تكذيبهم للرسل قيل وكانوا يلعنون اليهود والنصارى حيث كذبوا رسلهم وقالوا: لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه. {لَئِن جَآءَهُمْ} حكاية لمعنى كلامهم لا لفظهم إذ لو كان اللفظ لكان التركيب لئن جاءنا نذير من إحدى الأمم أي من واحدة مهترية من الأمم أو من الأمة التي يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها كما قالوا هو أحد الأحدين وهي إحدى الأحد يريدون التفضيل في الدهاء والعقل بحيث لا نظير له. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {مَّا زَادَهُمْ} أي مجيئه. {إِلاَّ نُفُوراً} بعداً من الحق وهرباً منه وإسناد الزيادة إليه مجاز لأنه هو السبب وإن زادوا أنفسهم نفوراً والظاهر أن استكباراً مفعول من أجله أي سبب النفور هو الاستكبار ومكر السيىء معطوف على استكباراً فهو مفعول من أجله أيضاً من الحامل لهم على الابتعاد من الحق هو الاستكبار والمكر السيىء هو الخداع الذي يرومونه بالرسول صلى الله عليه وسلم والكيد له واستكباراً بدل من نفوراً ومكر السيىء من إضافة الموصوف إلى صفته ولذلك جاء على الأصل. {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وقرأ حمزة السيىء بإِسكان الهمزة أجرى الوصل مجرى الوقف. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ} أي ليفوته من شىء ومن الاستغراق الأشياء. {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} فبعلمه تعالى يعلم جميع الأشياء فلا يغيب عن علمه شىء وبقدرته لا يتعذر عليه شىء ثم ذكر تعالى حلمه عن عباده في تعجيل العقوبة فقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} أي من الشرك وتكذيب الرسل وهو المعنى في الآية التي في النحل وهو قوله بظلمهم وتقدم الكلام عليها في النحل وهناك عليها وهنا على ظهرها والضمير عائد على الأرض إلا أن هناك يدل عليه بسياق الكلام وهنا يمكن أن يعود على ملفوظ به وهو قوله في السماوات ولا في الأرض ولما كانت حاملة لمن عليها استعير لها الظهر كالدابة الحاملة للأثقال ولأنه أيضاً هو الظاهر بخلاف باطنها. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} توعد للمكذبين أي فيجازيهم بأعمالهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ } أي: يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها. ثم خص من التلاوة بعد ما عم، الصلاة التي هي عماد الدين، ونور المسلمين، وميزان الإيمان، وعلامة صدق الإسلام، والنفقة على الأقارب والمساكين واليتامى وغيرهم، من الزكاة والكفارات والنذور والصدقات. { سِرًّا وَعَلانِيَةً } في جميع الأوقات. { يَرْجُونَ } [بذلك] { تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } أي: لن تكسد وتفسد، بل تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئا. وذكر أنهم حصل لهم ما رجوه فقال: { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } أي: أجور أعمالهم، على حسب قلتها وكثرتها، وحسنها وعدمه، { وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } زيادة عن أجورهم. { إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } غفر لهم السيئات، وقبل منهم القليل من الحسنات.