٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ }. لما بين الأصل الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ الرياح } تفسير : [فاطر:9] وقوله: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ } تفسير : [فاطر:11] وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ } تفسير : [فاطر:27] ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة، فقال: {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ } وأيضاً كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم الله فقال: {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ } تقريراً لما بين من الأجر والثواب في تلاوة كتاب الله فإنه حق وصدق فتاليه محق ومحقق وفي تفسيرها مسائل: المسألة الأولى: قوله: {مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما يقال أرسل إلى كتاب من الأمير أو الوالي وعلى هذا فالكتاب بمكن أن يكون المراد منه اللوح المحفوظ يعني الذي أوحينا من اللوح المحفوظ إليك حق، ويمكن أن يكون المراد هو القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليك من القرآن ويحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب والقماش جملة. المسألة الثانية: قوله: {هُوَ ٱلْحَقُّ } آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين أحدهما أن تعريف الخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكن نكرة، لأن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه السامع كقولنا زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً بزيد ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر أيضاً معلوماً فيكون الإخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهوراً. المسألة الثالثة: قوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حال مؤكدة لكونه حقاً لأن الحق إذا كان لا خلاف بينه وبين كتب الله يكون خالياً عن احتمال البطلان وفي قوله {مصدقاً} تقرير لكونه وحياً لأن النبـي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن قارئاً كاتباً وأتى ببيان ما في كتب الله لا يكون ذلك إلا من الله تعالى وجواب عن سؤال الكفار وهو أنهم كانوا يقولون بأن التوراة ورد فيها كذا والإنجيل ذكر فيه كذا وكانوا يفترون من التثليث وغيره وكانوا يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال التوراة والإنجيل لم يبق بهما وثوق بسبب تغييركم فهذا القرآن ما ورد فيه إن كان في التوراة فهو حق وباق على ما نزل، وإن لم يكن فيه ويكون فيه خلاف فهو ليس من التوراة، فالقرآن مصدق للتوراة وفيه وجه آخر: وهو أن يقال إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن وجوده لكذب موسى وعيسى عليهما السلام في إنزال التوراة والإنجيل فإذا وجد الوحي ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم علم جوازه وصدق به ما تقدم، وعلى هذا ففيه لطيفة: وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدقاً لما مضى مع أن ما مضى أيضاً مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي، وأما ما تقدم فلا بد معه من معجزة تصدقه. المسألة الرابعة: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فيه وجهان: أحدهما أنه تقرير لكونه هو الحق لأنه وحي من الله والله خبير عالم بالبواطن بصير عالم بالظواهر، فلا يكون باطلاً في وحيه لا في الباطن ولا في الظاهر وثانيهما: أن يكون جواباً لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل على رجل عظيم؟ فيقال إن الله بعباده لخبير يعلم بواطنهم وبصير يرى ظواهرهم فاختار محمداً عليه السلام ولم يختر غيره فهو أصلح من الكل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} يعني القرآن. {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب. {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يامحمد من الكتاب، وهو القرآن {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتب المتقدمة يصدقها، كما شهدت هي له بالتنويه، وأنه منزل من رب العالمين {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} أي: هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فوق جميعهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن {هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } تقدمه من الكتب {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } عالم بالبواطن والظواهر.
الماوردي
تفسير : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِن عِبَادِنَا} فيه وجهان: أحدهما: أن الكتاب هو القرآن، ومعنى الإرث انتقال الحكم إليهم. الثاني: أن إرث الكتاب هو الإيمان بالكتب السالفة لأن حقيقة الإرث انتقال الشيء من قوم إلى قوم. وفي {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبادِنَا} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الأنبياء، حكاه ابن عيسى. الثاني: أنهم بنو إسرائيل لقوله عز وجل: {أية : إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً} تفسير : [آل عمران: 33] الآية. قاله ابن بحر. الثالث: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله الكلبي. {فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ} كلام مبتدأ لا يرجع إلى المصطفين، وهذا قول من تأول المصطفين الأنبياء، فيكون من عداهم ثلاثة أصناف على ما بينهم. الثاني: أنه راجع إلى تفصيل أحوال الذين اصطفينا، ومعنى الاصطفاء الاختيار وهذا قول من تأول المصطفين غير الأنبياء، فجعلهم ثلاثة أصناف. فأما الظالم لنفسه ها هنا ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنهم أهل الصغائر من هذه الأمة، روى شهر بن حوشب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. الثاني: أنهم أهل الكبائر وأصحاب المشأمة، قاله السدي. الثالث: أنهم المنافقون وهم مستثنون. الرابع: أنهم أهل الكتاب، قاله الحسن. الخامس: أنه الجاحد، قاله مجاهد. وأما المقتصد ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه المتوسط في الطاعات وهذا معنى حديث أبي الدرداء، روى ابراهيم عن أبي صالح عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية فقال: "حديث : أَمَّا السَّابِقُ فَيدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَيُحَاسَب حِسَاباً يَسِيراً، وَأمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فِيُحْصَرُ فِي طُولِ الحِبْسِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنهُ " تفسير : الثاني: أنهم أصحاب اليمين، قاله السدي. الثالث: أنهم أصحاب الصغائر وهو قول متأخر. الرابع: أنهم الذين اتبعوا سنن النبي صلى الله عليه وسلم من بعده، قاله الحسن. {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم المقربون، قاله مجاهد. الثاني: أنهم المستكثرون من طاعة الله تعالى، وهو مأثور. الثالث: أنهم أهل المنزلة العليا في الطاعات، قاله علي بن عيسى. الرابع: أنه من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالجنة. روى عقبة بن صهبان قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت: كلهم من أهل الجنة، السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالحياة والرزق، والمقتصد من اتبع أثره حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك ومن اتبعنا.
القشيري
تفسير : ما عَرًَّفْنَاك - من اختارنا لك وتخصيصنا إياك، وتقديمنا لك على الكافة - فعلى ما أخبرناك، وأنشدوا: شعر : لا أبتغي بَدَلاً سواكِ خليلةً فَثِقِي بقولي والكِرَامُ ثِقَاتُ
اسماعيل حقي
تفسير : {والذى اوحينا اليك من الكتاب} وهو القرآن ومن للتبيين او للجنس او للتبعيض {هو الحق} الصدق لا كذب فيه ولا شك {مصدقا لما بين يديه} اى حال كونة موافقا لما قبله من الكتب السماوية المنزلة على الانبياء فى العقائد واصول الاحكام وهو حال مؤكدة اى احقه مصدقا لان حقيته لا تنفك عن هذا التصديق {ان الله بعباده} متعلق بقوله {لخبير بصير} وتقديمه عليه لمراعاة الفاصلة التى على حرف الراء اى محيط ببواطن امورهم وظواهرها فلو كان فى احوالك ما ينافى النبوة لم يوح اليك مثل هذا الحق المعجز الذى هو عيار على سائر الكتب يعرف صدقها منه وتقديم الخبير للتنبيه على ان العمدة فى ذلك العلم والاحاطة هى الامور الروحانية. وفى التأويلات النجمية {ان الله بعباده} من اهل السعادة واهل الشقاوة {لخبير} لانه خلقهم {بصير} بما يصدر منهم من الاخلاق والاعمال انتهى فقد اعلم الله تعالى حقية القرآن ووعد على تلاوته والعمل به الاجر الكثير ولا يحصل اجر التلاوة للامى اذ لا تلاوة له بل للقارئ فلا بد من التعلم والاشتغال فى جميع الاقات: قال المولى الجامى شعر : جون زنفس وحديثش آيى تنك بكلام قديم كن آهنك مصحفى جوجو شاهد مهوش بوسه زن در كنار خويشش كش حرف او كن حواس جسمانى وقف او كن قواى روحانى دل بمعنى زبان بلفظ سبار جشم برخط نه ونقط بكذار تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور مطوقة ينور عند كل منبر ناقة من نوق الجنة ينادى مناد اى من حمل كتاب الله اجلسوا على هذه المنابر فلا روع عليكم ولا حزن حتى يفرغ الله مما بينه وبين العباد فاذا فرغ الله من حساب الخلق حملوا على تلك النوق الى الجنة" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان اردتم عيش السعداء وموت الشهداء والنجاة يوم الحشر والظل يوم الحرور والهدى يوم الضلالة فادرسوا القرآن فانه كلام الرحمن وحرز من الشيطان ورجحان فى الميزان " تفسير : ذكر فى القنية ان الصلاة على النبى عليه السلام والدعاء والتسبيح افضل من قراءة القرآن فى الاوقات التى نهى عن الصلاة فيها. فالمستحب بعد الفجر مثلا ذكر الله تعالى كما هو عادة الصوفية الى ان تطلع الشمس فان هذا الوقت وان جاز فيه قضاء الفوائت وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة ولكن يكره التطوع فهو منهى عنه فيه وكذا المنذورة وركعتا الطواف وقضاء تطوع اذا افسده لانها ملحقة بالنفل اذ سبب وجوبها من جهته جعلنا الله واياكم من المغتنيمن بتلاوة كتابه والمتشرفين بلطف خطابه والواصلين الى الانوار والاسرار
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو {يدخلونها} بضم الياء على ما لم يسم فاعله ليشاكل قوله تعالى {يحلون}. الباقون بفتح الياء، لانهم إذا أدخلوها فقد دخلوها، والمعنيان متقاربان. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {والذي أوحينا إليك} يا محمد وأنزلناه عليك {من الكتاب} يعني القرآن {هو الحق} معناه هو الصحيح الذي معتقده على ما هو به. وضده الباطل، وهو ما كان معتقده لا على ما هو به. والعقل يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل، وقوله {مصدقاً لما بين يديه} معناه مصدقاً لما قبله من الكتب بأنه جاء موافقاً لما بشرت به تلك الكتب من حاله وحال من أتى به. ثم قال {إن الله} تعالى بعباده {لخبير} أي عالم بهم {بصير} بأحوالهم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيهم على استعمال الحق بالثواب وعلى استعمال الباطل بالنار. ثم قال {ثم أورثنا الكتاب} يعني القرآن أورثناه من أصطفيناه من عبادنا. ومعنى الارث انتهاء الحكم اليه ومصيره لهم، كما قال تعالى {أية : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} تفسير : وقيل المراد أورثناهم الايمان بالكتب السالفة وكان الميراث انتقال الشيء من قوم إلى قوم. والأول أصح. والاصطفاء الاختيار باخراج الصفوة من العباد، فاصطفى الله المؤمن يحمل على ثلاث طبقات مؤمن ظالم لنفسه بفعل الصغيرة، ومقتصد بالطاعات في المرتبة الوسطى، وسابق بالخيرات في الدرجة العليا، وهم الذين لم يرتكبوا شيئاً من المعاصي، وكل وعد الله الحسنى، والذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب قيل: هم الانبياء فمنهم ظالم لنفسه يعني أصحاب الصغائر. وقيل: هم اصحاب النار، هذا من قول من أجاز على الانبياء الصغائر دون الكبائر، فأما من لا يجوز عليهم شيئاً من المعاصي أصلاً لا صغيرة ولا كبيرة يقول: معنى الآية إن الله تعالى أورث علم الكتاب الذي هو القرآن الذين اصطفاهم واجتباهم واختارهم على جميع الخلق من الانبياء المعصومين، والأئمة المنتجبين الذين لا يجوز عليهم الخطأ ولا فعل القبيح لا صغيراً ولا كبيراً، ويكون قوله {فمنهم ظالم لنفسه} راجعاً إلي (عباده) وتقديره فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومن عبادنا مقتصد، ومن عبادنا سابق بالخيرات، لأن من اصطفاه الله لا يكون ظالماً لنفسه، فلا يجوز أن ترجع الكناية إلى الذين اصطفينا وقوله {بالخيرات} يعني يعلم من اقتصد او ظلم نفسه أو سبق بالخيرات. ثم قال {ذلك هو الفضل الكبير} يعني السبق بالخيرات هو الفضل العظيم الذي لا شيء فوقه. وقال ابن عباس: الذين أورثهم الله الكتاب هم أمة محمد، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسبهم حساباً يسيراً وسابقهم يدخلون الجنة بغير حساب. وقال ابن مسعود - بذلك - وكعب الاحبار. وقال الثلاث فرق - المذكورة في هذه الآية كلهم في الجنة. وقال عكرمة عن ابن عباس: إن المصطفين من هذه الأمة الأنبياء، والظالم لنفسه هو المنافق والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة. والمنافق في النار. وقال الحسن ومجاهد: السابق بالخيرات من جميع الناس، والظالم لنفسه أصحاب المشئمة، والمقتصد اصحاب الميمنة من الناس كلهم. وهذا مثل ما قلناه من ان الكناية راجعة إلى العباد دون المصطفين، وقال البلخي: الاصطفاء - ها هنا - التكليف دون الثواب، فعلى هذا يجوز أن ترجع الكناية إلى المصطفين. ثم قال {جنات عدن} فرفع جنات على تفسير الفوز، كأنه قيل: ما ذلك الفوز؟ فقال هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات، ويجوز أن يكون بدلا من الفوز، كأنه قال ذلك جنات أي دخول جنات، والجنات هي البساتين التي يجنها الشجر، والعدن الاقامة {يدخلونها} يعني من تقدم ذكره من الذين سبقوا بالخيرات والمقتصدين {يحلون فيها} بمعنى يلبسون فيها الحلي {من أساور من ذهب} وأساور جمع اسوار، ومن قال سوار جمعه على أسورة {من ذهب ولؤلؤ} فيمن جر، ومن نصب {لؤلؤاً} وهو نافع وعاصم فعلى تقدير ويحلون فيها لؤلؤاً {ولباسهم فيها حرير} معناه إن ما يلبسه أهل الجنة من اللباس ابريسم محض. ثم اخبر تعالى عن حال من يدخل الجنة أنهم إذا دخلوها {قالوا الحمد لله} أي اعترافاً بنعمة الله وشكراً له على نعمه، وهو الاعتراف منهم على وجه الالجاء، لهم في ذلك سرور لا على وجه التكليف {الذي أذهب عنا الحزن} ومعناه أذهب الغم عنا بخلاف ما كنا عليه في دار الدنيا، وقيل: الحزن الذي اصابهم قبل دخول الجنة، فانهم يخافون من دخول النار إذا كانوا مستحقين لها، فاذا تفضل الله عليهم بأن يسقط عقابهم ويدخلهم الجنة حمدوا الله على ذلك. وقيل: ما كان ينالهم في دار الدنيا من أنواع الاحزان والاهتمام بأمر المعاش والخوف من الموت وغير ذلك {إن ربنا لغفور شكور} لذنوب عباده إذا تابوا مجاز لهم على شكرهم لنعمه. وقيل: إن مكافاته لهم على الشكر لنعمه والقيام بطاعاته جرى مجرى أن يشكره لهم وإن كان حقيقة لا يجوز عليه تعالى. من حيث كان اعترافاً بالنعمة، ولا يصح عليه تعالى أن يكون منعماً عليه، ثم وصفوا الله تعالى بأن قالوا {الذي أحلنا} أي انزلنا دار المقامة يعني دار الاقامة وإذا فتحت الميم كان المراد موضع القيام قال الشاعر: شعر : يومان يوم مقامات واندية ويوم سير إلى الاعداء تأويب تفسير : و {من فضله لا يمسنا فيها نصب} يعني تعب. وقال قتادة: معناه وجع {ولا يمسنا فيها لغوب} يعني اعياء. وقيل: اللغوب العناء. ومنه قوله تعالى {أية : وما مسنا من لغوب}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} عطف على انّ الّذين يتلون كتاب الله او على مدخول انّ ووجه المناسبة بينهما انّ السّامع كأنّه تردّد فى انّ كتاب الله الّذى مدح الله تاليه هو مطلق احكام النّبوّات من احكام نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وابراهيم وموسى وعيسى (ع) ومطلق الكتب السّماويّة من صحف ابراهيم والتّوراة والانجيل والقرآن فعطف وقال: انّ الّذى اوحينا اليك من كتاب النّبوّة ومن صورة القرآن {هُوَ ٱلْحَقُّ} لا حقّ سواه فلا يتوهّم متوهّم انّ المذكورات ايضاً حقّ ينبغى تلاوتها فانّها صارت منسوخة {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ولمّا توهّم من حصر الحقّ فيما اوحى اليه بطلان المذكورات اضاف اليه قوله مصدّقاً لما بين يديه من الشّرائع والكتب حتّى يحقّق بذلك حقّيّتها ايضاً {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ} فيعلم بواطن امورهم {بَصِيرٌ} فيعلم ظواهر امورهم فلو لم يكن فيك ما يقتضى ايحاء مثل هذه النّبوّة الّتى هى خاتم النّبوّات والرّسالات ومثل هذا الكتاب الّذى هو خاتم الكتب ومهيمن عليها لما اوحى اليك.
اطفيش
تفسير : {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه} لما حضر بين يديه من كتب الله فانما تقدم من كتب الله شيء موجود فصح أن يقول هو بين يديه لانه غير مفقود وانزاله هو نفس وجوده والهاء للذي اوحينا ومصدقا حال مؤكدة لان الحق لا ينفك عن هذا التصديق وحقية القرآن تستلزم موافقة الكتب السابقة في العقائد واصول الاحكام، وعن بعضهم المراد بما بين يديه التوراة والانجيل. {إن الله بعباده لخبير بصير} عالم ببواطنهم وظواهرهم وقدم خبير ليدل على ان العهده الامور القلبية ولو كان في احوالك او قلبك يا محمد ما ينافي النبوة لم يوح اليك هذا الكتاب المعجز المتضمن لسائر الكتب.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } وهو القرآن، و {مِنْ } للتبيين إذ القرآن أخص من {ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا} مفهوماً وإن اتحدا ذاتاً أو جنس الكتاب ومن للتبعيض إذ المراد من {ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا} هو القرآن وهو بعض جنس الكتاب، وقيل هو اللوح و(من) للابتداء {هُوَ ٱلْحَقُّ } إذا كان المراد الحصر فهو من قصر المسند إليه على المسند / لا العكس لعدم استقامة المعنى إلا أن يقصد المبالغة قاله الخفاجي والمتبادر الشائع في أمثاله قصر المسند على المسند إليه وهو هٰهنا إن لم تقصد المبالغة قصر إضافي بالنسبة إلى ما يفتريه أهل الكتاب وينسبونه إلى الله تعالى. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي لما تقدمه من الكتب السماوية ونصب {مُصَدّقاً } على الحالية والعامل فيه مقدر يفهم من مضمون الجملة قبله أي أحققه مصدقاً وهو حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته الكتب الإلهية المتقدمة عليه بالزمان في العقائد وأصول الأحكام، واللام للتقوية. {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } محيط ببواطن أمورهم وظواهرها فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الحق المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم {ٱلْخَبِيرُ } للتنبيه على أن العمدة هي الأمور الروحانية، وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : إن الله لا ينظر إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم».
ابن عاشور
تفسير : {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}. لما كان المبدأ به من أسباب ثواب المؤمنين هو تلاوتهم كتاب الله أعقب التنويه بهم بالتنويه بالقرآن للتذكير بذلك، ولأن في التذكير بجلال القرآن وشرفه إيماء إلى علة استحقاق الذين يتلونه ما استحَقوا. وابتدىء التنويه به بأنه وحي من الله إلى رسوله، وناهيك بهذه الصلة تنويهاً بالكتاب، وهو يتضمن تنويهاً بشأن الذي أنزل عليه من قوله: {والذي أوحينا إليك}، ففي هذا مسرة للنبي صلى الله عليه وسلم وبشارة له بأنه أفضل الرسل وأن كتابه أفضل الكتب. وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه كونه الحق الكامل، دون الإِضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال: وهو الكتاب الحق. فالتعريف في {الكتاب} تعريف العهد. و{مِن} بيانية لما في الموصول من الإِبهام، والتقدير: والكتاب الذي أوحينا إليك هو الحقّ. فقدم الموصول الذي حقه أن يَقع صفة للكتاب تقديماً للتشويق بالإِبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضْلَ تمكن. فجملة {والذي أوحينا إليك من الكتاب} معطوفة على جملة { أية : إن الذين يتلون كتاب الله } تفسير : [فاطر: 29] فهي مثلها في حكم الاستئناف. وضمير {هو} ضمير فصل، وهو تأكيد لما أفاده تعريفَ المسند من القصر. والتعريف في {الحق} تعريف الجنس. وأفاد تعريفُ الجزأين قصر المسند على المسند إليه، أي قصر جنس الحق على {الذي أوحينا إليك}، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بحقيّة ما عداه من الكتب. فأما الكتب غير الإِلهية مثل (الزند فسْتَا) كتاب (زرادشت) ومثل كتب الصابئة فلأنَّ ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام. وأما الكتب الإِلهية كالتوراة والإِنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور وكتاب أرميا من الوحي الإِلهي، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة قوله: {مصدقاً لما بين يديه}، وما جاء نسخُه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد صلاحيته في القرآن. وذلك أيضاً تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل فيما أخرجه القصر. وقد بين القرآن معظمهُ وكشف عن مواقعه كقوله: { أية : وهو محرم عليكم إخراجهم } تفسير : [البقرة: 85]. ومعنى «ما بين يديه» ما سبقه لأن السابق يجيء متقدِّماً على المسبوق فكأنه يمشي بين يديه كقوله تعالى: { أية : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } تفسير : [سبأ: 46]. والمراد بما بين يديه ما قبله من الشرائع، وأهمها شريعة موسى وشريعة عيسى عليهما السلام. وانتصب {مصدقاً} على الحال من {الكتاب} والعامل في الحال فعل {أوحينا} ليفيد أنه مع كونه حقّاً بالغاً في الحقيَّة فهو مصدق للكتب الحقّة، ومقرر لما اشتملت عليه من الحق. {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}. تذييل جامع لما تضمنته الآيات قبله من تفضيل بعض عباد الله على بعض ومن انطواء ضمائرهم على الخشية وعدمها، وإقبال بعضهم على الطاعات وإعراض بعض، ومن تفضيل بعض كتب الله على بعض المقتضي أيضاً تفضيل بعض المرسلين بها على بعض، فموقع قوله: {إن الله بعباده لخبير بصير} موقع إقناع السامعين بأن الله عليم بعباده وهو يعاملهم بحسب ما يعلم منهم، ويصطفي منهم من علم أنه خلقه كفئاً لاصطفائه، فأَلْقَمَ بهذا الذين قالوا: { أية : أأنزل عليه الذكر من بيننا } تفسير : [ص: 8] حَجراً، وكأولئك أيضاً الذين ينكرون القرآن من أهل الكتاب بعلة أنه جاء مبطلاً لكتابهم. والخبير: العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية. والبصير: العالم بالأمور المبصرة. وتقديم الخبير على البصير لأنه أشمل. وذكر البصير عقبه للعناية بالأعمال التي هي من المبصرات وهي غالب شرائع الإِسلام، وقد تكرر إرداف الخبير بالبصير في مواضع كثيرة من القرآن. والتأكيد بــــ{إنَّ} واللام للاهتمام بالمقصود من هذا الخبر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من الكتاب: أي القرآن الكريم. مصدقا لما بين يديه: أي من الكتب السابقة كالتوراة والإِنجيل. ثم أورثنا الكتاب: أي الكتب التي سبقت القرآن إذ محصلها في القرآن الكريم. الذين اصطفينا: أي اخترنا المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فمنهم ظالم لنفسه: بارتكاب الذنوب. ومنهم مقتصد: مؤدٍ للفرائض مجتنب للكبائر. ومنهم سابق بالخيرات: مؤدٍ للفرائض والنوافل مجتنب للكبائر والصغائر. بإذن الله: أي بتوفيقه وهدايته. ذلك: أي إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير. ولؤلؤاً: أي أساور من لؤلؤ مرصع بالذهب. أحلنا دار المقامة: أي الإِقامة وهي جنات عدن. لا يمسنا فيها نصب: أي تعب. ولا يمسنا فيها لغوب: أي إعياء من التعب، وذلك لعدم التكليف فيها. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} أي القرآن الكريم هو {ٱلْحَقُّ} أي الواجب عليك وعلى أمتك العمل به لا ما سبقه من الكتب كالتوراة والإِنجيل، {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي أمامه من الكتب السابقة، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فهو تعالى يعلم أن الكتب السابقة لم تصبح تحمل هداية الله لعباده لما داخلها من التحريف والتغيير فلذا مع علمه بحاجة البشرية إلى وحي سليم يقدم إليها فتكمل وتسعد عليه متى آمنت به وأخذته نوراً تمشي به في حياتها المادية هذه أرسلك وأوحى إليك هذا الكتاب الكريم وأوجب عليك وعلى أمتك العمل به. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} يخبر تعالى أنه أورث أمة الإِسلام الكتاب السابق إذ كل ما في التوراة والإِنجيل من حق وهدى قد حواه القرآن الكريم فأُمه القرآن قد ورَّثها الله تعالى كل الكتاب الأول. وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بالتقصير في العمل وارتكاب بعض الكبائر، {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} وهو المؤدي للفرائض المجتنب للكبائر، {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} وهو المؤدي للفرائض والنوافل المجتنب للكبائر والصغائر. وقوله: {ذَلِكَ} أي الإِيراث للكتاب هو الفضل الإِلهي الكبير وهو {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} جمع سوار ما يجعل في اليد {مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي أساور من لؤلؤ، ولباسهم فيها حرير. وقوله: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} أي كل الحزن فلا حزن يصيبهم إذ لا موت في الجنة ولا فراق ولا خوف ولا هَمَّ ولا كرب فمِنْ أين يأتي الحزن. وقولهم {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} قالوا هذا لأنه تعالى غفر للظالم وشكر للمقتصد عمله فأدخل الجميع الجنة فهو الغفور الشكور حقاً حقاً. وقولهم: {ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ} أي الإِقامة من فضله هذا ثناء منهم على الله تعالى بإفضاله عليهم، وقولهم {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} أي تعب {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} أي إعياء من التعب وصف لدار السلام وهي الجنة الخالية من النصب واللغوب جعلنا الله من أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب العمل بالقرآن الكريم عقائد وعبادات وآداباً وأخلاقاً وقضاء وحكماً. 2- بيان شرف هذه الأمة، وأنها الأمة المرحومة فكل من دخل الإِسلام بصدق وأدى الفرائض واجتنب المحارم فهو ناج فائز ومن قصر وظلم نفسه بارتكاب الكبائر ومات ولم يشرك بالله شيئاً فهو آئيل إلى دخول الجنة راجع إليها بإذن الله. 3- بيان نعيم أهل الجنة وحلية أهلها وهي الأساور من الذهب واللؤلؤ.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (31) - وَهذَا القُرآنُ الذِي أَوْحَاهُ اللهُ إِليكَ، يَا مُحَمَّدُ، هُوَ الحَقُّ، وَهُوَ يُصَدِّقُ الكُتُبَ السَّابِقَةَ فِيما جَاءَتْ بِهِ، وَهِيَ بَشَّرَتْ بِهِ، وَنَوَّهَتْ بِذِكْرِهِ فَعَلى المُؤمِنينَ أَنْ يَعْمَلُوا بِما جَاءَ فِي القُرآنِ لِيَفُوزُوا وَيَنْجُوا مِنَ العَذَاب الأََلِيمِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بأَحْوَالِ العِبَادِ، بَصِيرٌ بِما يَصْلُحُ لَهُمْ مِنْ شَرْعٍ وَأَحْكَامٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الوحي في معناه العام كما قلنا: إعلام بخفاء، فإنْ كان جهراً وعلانية فلا يُعَدُّ وَحْياً، فأنت مثلاً يدخل عليك جماعة من الضيوف فتنظر مجرد نظرة إلى خادمك يفهم منها ما تريد دون أنْ يشعر أحد بك، هذا يُعَد وحياً. كذلك الوحي الشرعي لا يأتي علانية، إنما خُفية بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. الوحي يختلف باختلاف الموحِي، والموحَى إليه، والموحَى به. فالله تعالى يُوحي للجماد، كما أوحى للأرض: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5]. ويُوحي للنحل: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ..} تفسير : [النحل: 68]. وأوحى البشر من غير الرسل: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير : [القصص: 7] وأوحى للحواريين. أما الوحي الشرعي الذي يتعلّق بالتكاليف فَوَحْي من الله وخطاب إلى الرسُل بمنهج ليبلغوه عن الله، وليس مجرد خاطر أو إلهام كالوحي السابق، ومن الوحي أنْ يُوحي الشياطين إلى أوليائهم، يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]. قوله تعالى: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} [فاطر: 31] أي: من القرآن. أو من اللوح المحفوظ {هُوَ ٱلْحَقُّ} [فاطر: 31] أي: القرآن هو عَيْن الحق، وقد عرفنا من دراساتنا النحوية أن المبتدأ يأتي دائماً معرفة، لأنك ستحكم عليه، ولا يمكن أن تحكم على مجهول فتقول مثلاً: زيد مجتهد. فزيد معروف لك حكمتَ عليه بأنه مجتهد، إذن: المجهول هو الخبر، لذلك يأتي نكرةً دائماً، فإذا قلتَ زيد هو المجتهد، فإن هذا يعني أنه بلغ من الاجتهاد مبلغاً، بحيث إذا أُطلِق الاجتهاد لا ينصرف إلا إليه. كذلك في قوله تعالى {هُوَ ٱلْحَقُّ} [فاطر: 31]: أي: لا ينصرف الحق إلا إليه، وهو عَيْن الحق، ومعنى الحق الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتضارب، وحتى لا يفهم أحد أنه ما دام القرآن هو الحق فغيره من الكتب السابقة باطل، قال سبحانه: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [فاطر: 31] فالقرآن حق ومُصدَّق لما سبقه من الكتب السماوية، فهي أيضاً حق؛ لأن القرآن صدَّق عليها، ولم يأتِ مخالفاً لها. وفي موضع آخر، قال تعالى: {أية : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 48]. فكأن الحق سبحانه يعطي للقرآن صَوْلة الخاتم النهائي في الإكمال البشري، فإنْ جاء حكم في الكتب السابقة ثم نزل حكم آخر في القرآن فلنأخذ بالحكم الأخير؛ لأنه نسخ الأول لمصلحة يقتضيها العصر وطبيعة التكاليف التي تتدرج حسب حالات الأمم. فكأن الحق سبحانه ميَّز رسوله صلى الله عليه وسلم بميزة لم تتوفر لغيره من الرسل، وهي أن الرسل السابقين كانوا يُبلِّغون ما يُوحَى إليهم لأممهم، لكن الله أذن لرسوله أن يُبلِّغ عن الله وفوَّضه أن يُشرِّع لقومه؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. وهذه الآية ترد على الذين يقولون بأَخْذ القرآن دون السنة، هذه الفِرْية القديمة الحديثة التي نسمع مَنْ ينادي بها من حين لآخر، وهم لاَ يعلمون أن نصَّ القرآن يُلزمهم بالسنة واحترامها والأخذ بها؛ لأنها مُوضِّحة للقرآن، مُبيِّنة له، شارحة لما أُجمل فيه، وإلا فماذا يقولون في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]؟ ولو قُلْتُ لك: هل في دستورنا مادة تنصُّ على فَصْل الموظف الذي يتغيَّب عن عمله خمسة عشر يوماً؟ لا توجد هذه المادة في الدستور، إنما هي قانون وضعه جماعة من المختصين المفوضين في ذلك، حيث يُؤلَّف للخادمين في الحكومة والعاملين بها لجنة تضع لهم القوانين بالتفويض، كذلك فُوِّض رسول الله من قِبَل ربه عز وجل في أنْ يُشرِّع لأمته، وأنْ يُوضِّح لهم. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} [فاطر: 31] الخبير: هو الذي يعلم خبايا كل الأشياء على حقيقتها، والبصير: هو الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فقد تعلم الشيء لكن لا تراه، والحق سبحانه يجمع في القرآن كثيراً بين الخبير البصير كما في هذه الآية، أو بين اللطيف الخبير لأن الخبرة تحتاج إلى بصر وتحتاج إلى لُطْف. واللطيف كما قلنا هو الذي يتغلغل في الأشياء ولا يمنعه مانع. لذلك قلنا: إن أعنف الأشياء فَتْكاً هي الدقيقة اللطيفة التى لا تُرى بالعين المجردة، وكنا (زمان) نسميها الميكروب، والآن ظهر الفيروس، أظن أنه ألطف وأدقّ من الميكروب، وأشدّ منه فَتْكاً. وقد أوضحنا هذه المسألة بالذي يبني بيتاً مثلاً، ويريد أن يحتاط للحيوانات والحشرات الضارة، فيضع شبكة من الحديد مثلاً على الشبابيك، لكن لا بُدَّ أن تتناسب هذه الشبكة مع دِقَّة الشيء الذي تخاف منه، فالذي يمنع الذئاب، غير الذي يمنع الفئران، غير الذي يمنع الذباب والناموس .. الخ. إذن: كلما دَقَّ الشيء عَنُفَ واحتاج إلى احتياط أكثر، لأنه يتغلغل في أضيق شيء وينفذ إليك دون أنْ تشعر به. ونفهم من قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} [فاطر: 31] أن الله تعالى هو القادر وحده على أنْ يُشرِّع لعباده ما يناسبهم في كل زمان ومكان؛ لذلك تعددتْ الكتب السماوية لما اختلفتْ الداءات، فلما التقى العالم واتصل جاء القرآن مهيمناً على كل هذه الكتب. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...}.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل {مِنَ ٱلْكِتَابِ} الجامع لما في الكتب السالفة، الحاوي لمعظمات أصول الدين {هُوَ ٱلْحَقُّ} المنزل من عندنا، المثبت في حضرة علمنا {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وما يقدم عليه من الكتب والصحف المنزَّلة من عندنا، المبيِّنة لحكمنا وأحكامنا {إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ} أي: مطلع لجميع أحوالهم الظاهرة والباطنة حتى استعداداتهم وقابلياتهم {بَصِيرٌ} [فاطر: 31] بما جرى وسيجري عليهم في أولاهم وأخراهم. {ثُمَّ} بعدما اصطفيناك يا أكمل الرسل بالرسالة العامة، وأيدنا أمرك بإنزال القرآن المعجز، الموجز، المشتمل لجميع فوائد الكتب السماوية مع زيادات خلت عنها الكل {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} المنزل إليك، وأبقيناه بعدك بين القوم {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} واخترناهم بإرسالك إليهم وبعثتك بينهم، فجعلناهم في اقتباس نور الهداية والتوحيد من مشكاة النبوة، والرسالة الختمية المحمدية، الحاوية لمراتب جميع الرسل الذين مضوا قبله صلى الله عليه وسلم أصنافاً ثلاثة: {فَمِنْهُمْ} من كمال شوقه إلى مبدئهم الأصلي وغاية تحننهم نحو الفطرية الجبلية التي فطر الناس عليها في بدء الأمر {ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} البشرية، بحيث يمنع عنها جميع حظوظها النفسانية ومقتضيات قواها الجسمانية إلى حيث اتصل بعضهم من كمال احتماء نفسه عن متقضياتها البهيمية بالملأ الأعلى قبل انقراض النشأة الاولى، وهم شطار الأولياء الذين صرفوا همهم بالوصول إلى مبدئهم الأصلي ومنزلهم الحقيقي. {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} معتدل، مائل عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، بحيث لا يمنع نفسه عن ضرورياتها والمقومة لها ولا يكثرها عليها، بل يمنعها عن الزيادة على الضروري في عموم الحوائج، وبالجملة: يقتصد في الأعمال والأفعال والأقوال وجميع الأحوال، وهم الأبرار من الأولياء {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} مواظب على الطاعات، مشمر دائماً بالأعمال الصالحات وفواضل الصدقات، والإنفاق على طلب المرضاة للفقرءا والمهاجرين في سبيل الله، المنصرفين عن الدنيا وما فيها {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} وعلى مقتضى ما ثبت في كتابه ونطق به لسان رسوله، وهم الأخيار المحسنون من الأولياء {ذَلِكَ} الإيراث والتوريث والإعطاء والاصطفاء {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [فاطر: 32] من الله إياهم في أولاهم، والفوز العظيم، والنوال الكريم لهم في أخراهم. جعلنا الله من خدامهم ومحبيهم، ومقتفي أثرهم. ومن جملة فضل الله إياهم في أخراهم: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} معدة لهم نزلاً ومنزلاً من عند الله {يَدْخُلُونَهَا} فريحن مسرورين آمنين فائزين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} تزييناً وتفضلاً {مِنْ أَسَاوِرَ} جزاء ما اقترفوا بأيديهم من الحسنات {مِن ذَهَبٍ} خالص مقابلة إخلاصهم في أعمالهم {وَلُؤْلُؤاً} أي: يحلون أيضاً من أنواع اللآلئ بدل ما يتقون نفوسهم من الميل إليها في نشأتهم الأولى {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 33] بدل ما يلبسون من الخشن في طريق المجاهدة والسلوك نحو الحق في النشأة الأولى. {وَ} بعدما وصلوا إلى مقام القرب، بل اتصلوا برفع أنانيتهم وهوياتهم الباطلة عن البين إلى ما انقلبوا {قَالُواْ} بألسنة استعداداتهم موافقاً لقلوبهم: {ٱلْحَمْدُ} أي: جنس الحمد والثناء الشامل لجميع محامد جميع الحامدين قولاً وفعلاً وحالاً مقالاً، مختص {للَّهِ} المستحق بالاستحقاق الذاتي والوصفي {ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ} وأزال {عَنَّا ٱلْحَزَنَ} المورث لنا من لوازم تعيناتنا وإمكاننا {إِنَّ رَبَّنَا} الذي ربانا بأنواع الكرامة، ونجانا عن مضيق الإمكان المورث لأنواع الخذلان والخسران {لَغَفُورٌ} لذنوب أنانياتنا {شَكُورٌ} [فاطر: 34] يقبل منا، يقربنا إلى فضاء توحيده بتوفيقه وتأييده. إذ هو {ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا} وأقمنا بفضله ولطفه {دَارَ ٱلْمُقَامَةِ} أي: منزل الإقامة والخلود {مِن فَضْلِهِ} بنا ولطفه معنا؛ إذ لا موجب منا يوبجها لنا، ولا يجب عليه سحبانه أيصالنا إليها آمنين مترفهين بحيث {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} تعب وعناء مثل ما مسنا في الابتلاء {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 35] أي: فترة وكلال تعقبب النصب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله { هُوَ الْحَقُّ } من كثرة ما اشتمل عليه من الحق، كأن الحق منحصر فيه، فلا يكن في قلوبكم حرج منه، ولا تتبرموا منه، ولا تستهينوا به، فإذا كان هو الحق، لزم أن كل ما دل عليه من المسائل الإلهية والغيبية وغيرها، مطابق لما في الواقع، فلا يجوز أن يراد به ما يخالف ظاهره وما دل عليه. { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب والرسل، لأنها أخبرت به، فلما وجد وظهر، ظهر به صدقها. فهي بشرت به وأخبرت، وهو صدقها، ولهذا لا يمكن أحدا أن يؤمن بالكتب السابقة، وهو كافر بالقرآن أبدا، لأن كفره به، ينقض إيمانه بها، لأن من جملة أخبارها الخبر عن القرآن، ولأن أخبارها مطابقة لأخبار القرآن. { إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فيعطي كل أمة وكل شخص، ما هو اللائق بحاله. ومن ذلك، أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها، ولهذا، ما زال اللّه يرسل الرسل رسولا بعد رسول، حتى ختمهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت. ولهذا، لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولا وأحسنهم أفكارا، وأرقهم قلوبا، وأزكاهم أنفسا، اصطفاهم الله تعالى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب، ولهذا قال: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } وهم هذه الأمة. { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } بالمعاصي، [التي] هي دون الكفر. { وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ } مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم. { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } أي: سارع فيها واجتهد، فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه. فكلهم اصطفاه اللّه تعالى، لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، وأعمال الإيمان، من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه. وقوله { بِإِذْنِ اللَّهِ } راجع إلى السابق إلى الخيرات، لئلا يغتر بعمله، بل ما سبق إلى الخيرات إلا بتوفيق اللّه تعالى ومعونته، فينبغي له أن يشتغل بشكر اللّه تعالى على ما أنعم به عليه. { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } أي: وراثة الكتاب الجليل، لمن اصطفى تعالى من عباده، هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجل النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل، وراثة هذا الكتاب. ثم ذكر جزاء الذين أورثهم كتابه فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } أي: جنات مشتملات على الأشجار، والظل، والظليل، والحدائق الحسنة، والأنهار المتدفقة، والقصور العالية، والمنازل المزخرفة، في أبد لا يزول، وعيش لا ينفد. والعدن "الإقامة" فجنات عدن أي: جنات إقامة، أضافها للإقامة، لأن الإقامة والخلود وصفها ووصف أهلها. { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } وهو الحلي الذي يجعل في اليدين، على ما يحبون، ويرون أنه أحسن من غيره، الرجال والنساء في الحلية في الجنة سواء. { و } يحلون فيها { لُؤْلُؤًا } ينظم في ثيابهم وأجسادهم. { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } من سندس، ومن إستبرق أخضر. { و } لما تم نعيمهم، وكملت لذتهم { قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } وهذا يشمل كل حزن، فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا في طعامهم وشرابهم، ولا في لذاتهم ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم ما يرون عليه مزيدا، وهو في تزايد أبد الآباد. { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } حيث غفر لنا الزلات { شَكُورٌ } حيث قبل منا الحسنات وضاعفها، وأعطانا من فضله ما لم تبلغه أعمالنا ولا أمانينا، فبمغفرته نجوا من كل مكروه ومرهوب، وبشكره وفضله حصل لهم كل مرغوب محبوب. { الَّذِي أَحَلَّنَا } أي: أنزلنا نزول حلول واستقرار، لا نزول معبر واعتبار. { دَارَ الْمُقَامَةِ } أي: الدار التي تدوم فيها الإقامة، والدار التي يرغب في المقام فيها، لكثرة خيراتها، وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها، وذلك الإحلال { مِنْ فَضْلِهِ } علينا وكرمه، لا بأعمالنا، فلولا فضله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. { لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أي: لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى، ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على أن اللّه تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام، ما يكونون بهذه الصفة، بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب، ولا هم ولا حزن. ويدل على أنهم لا ينامون في الجنة، لأن النوم فائدته زوال التعب، وحصول الراحة به، وأهل الجنة بخلاف ذلك، ولأنه موت أصغر، وأهل الجنة لا يموتون، جعلنا اللّه منهم، بمنه وكرمه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):