Verse. 3692 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

ثُمَّ اَوْرَثْنَا الْكِتٰبَ الَّذِيْنَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا۝۰ۚ فَمِنْہُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِہٖ۝۰ۚ وَمِنْہُمْ مُّقْتَصِدٌ۝۰ۚ وَمِنْہُمْ سَابِقٌۢ بِالْخَــيْرٰتِ بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكَ ہُوَالْــفَضْلُ الْكَبِيْرُ۝۳۲ۭ
Thumma awrathna alkitaba allatheena istafayna min AAibadina faminhum thalimun linafsihi waminhum muqtasidun waminhum sabiqun bialkhayrati biithni Allahi thalika huwa alfadlu alkabeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أورثنا» أعطينا «الكتاب» القرآن «الذين اصطفينا من عبادنا» وهم أمتك «فمنهم ظالم لنفسه» بالتقصير في العمل به «ومنهم مقتصد» يعمل به أغلب الأوقات «ومنهم سابق بالخيرات» يضم إلى العلم التعليم والإرشاد إلى العمل «بإذن الله» بإرادته «ذلك» أي إيراثهم الكتاب «هو الفضل الكبير».

32

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } اتفق أكثر المفسرين على أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب وهم المؤمنون والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم ويدل عليه قوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } تفسير : [الرعد:23] أخبر بدخولهم الجنة وكلمة {ثُمَّ أَوْرَثْنَا } أيضاً تدل عليه لأن الإيراث إذا كان بعد الإيحاء ولا كتاب بعد القرآن فهو الموروث والإيراث المراد منه الإعطاء بعد ذهاب من كان بيده المعطى، ويحتمل أن يقال المراد من الكتاب هو جنس الكتاب كما في قوله تعالى: {أية : جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } تفسير : [فاطر:25] والمعنى على هذا: إنا أعطينا الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء ويدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء إطلاقه كثير ولا كذلك على غيرهم لأن قوله: {مِّنْ عِبَادِنَا } دل على أن العباد أكابر مكرمون بالإضافة إليه، ثم إن المصطفين منهم أشرف منهم ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالماً مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمي الشرك ظلماً، وعلى الوجه الأول الظاهر بين معناه آتينا القرآن لمن آمن بمحمد وأخذوه منه وافترقوا {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ } وهو المسيء {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } وهو الذي أخلص العمل لله وجرده عن السيئات، فإن قال قائل كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم؟ مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع، فنقول المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» تفسير : ويصحح هذا قول عمر رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ظالمنا مغفور له» تفسير : وقال آدم عليه السلام مع كونه مصطفى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] وأما الكافر فيضع قلبه الذي به اعتبار الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق، وأما قلب المؤمن فمطمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاء الله ولا يضع فيه غير محبة الله، وفي المراتب الثلاث أقوال كثيرة: أحدها: الظالم هو الراجح السيئات والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته والسابق هو الذي ترجحت حسناته ثانيها: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير ثالثها: الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد هو الموحد الذي يمنع جوراحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد عن التوحيد ورابعها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم، والسابق التالي العالم العامل سادسها: الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم سابعها: الظالم أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق السابقون المقربون ثامنها: الظالم الذي يحاسب فيدخل النار، والمقتصد الذي يحاسب فيدخل الجنة، والسابق الذي يدخل الجنة من غير حساب تاسعها: الظالم المصر على المعصية، والمقتصد هو النادم والتائب، والسابق هو المقبول التوبة عاشرها: الظالم الذين أخذ القرآن ولم يعمل به والمقتصد الذي عمل به، والسابق الذي أخذه وعمل به وبين للناس العمل به فعملوا به بقوله فهو كامل ومكمل، والمقتصد كامل والظالم ناقص، والمختار هو أن الظالم من خالف فترك أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للشيء في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في ترك المخالفة وإن لم يوفق لذلك وندر منه ذنب وصدر عنه إثم فإنه اقتصد واجتهد وقصد الحق والسابق هو الذي لم يخالف بتوفيق الله ويدل عليه قوله تعالى: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي اجتهد ووفق لما اجتهد فيه وفيما اجتهد فهو سابق بالخير يقع في قلبه فيسبق إليه قبل تسويل النفس والمقتصد يقع في قلبه فتردده النفس، والظالم تغلبه النفس، ونقول بعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم ومن جاهد نفسه فغلب تارة وغلب أخرى فهو المقصد ومن قهر نفسه فهو السابق وقوله: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } يحتمل وجوهاً أحدها: التوفيق المدلول عليه بقوله: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ }، ثانيها: السبق بالخيرات هو الفضل الكبير ثالثها: الإيراث فضل كبير هذا على الوجه المشهور من التفسير، أما الوجه الآخر وهو أن يقال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } أي جنس الكتاب، كما قال تعالى: {أية : جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } تفسير : [فاطر: 25] يرد عليه أسئلة أحدهما: ثم للتراخي وإيتاء الكتاب بعد الإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فما المراد بكلمة ثم؟ نقول معناه إن الله خبير بصير خبرهم وأبصرهم ثم أورثهم الكتاب كأنه تعالى قال إنا علمنا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثنا الكتاب، ثانيها: كيف يكون من الأنبياء ظالم لنفسه؟ نقول منهم غير راجع إلى الأنبياء المصطفين، بل المعنى إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلاً وآتيناهم كتباً، ومنهم أي من قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك ومقتصد آمن بك ولم يأت بجميع ما أمرته به وسابق آمن وعمل صالحاً وثالثها: قوله: {أية : جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } تفسير : [الرعد:23] الداخلون هم المذكورون وعلى ما ذكرتم لا يكون الظالم داخلاً، نقول الداخلون هم السابقون، وأما المقتصد فأمره موقوف أو هو يدخل النار أو لا ثم يدخل الجنة والبيان لأول الأمر لا لما بعده، ويدل عليه قوله: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } تفسير : [الكهف: 31] وقوله: {أية : أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر:34]

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: هذه الآية مشكلة؛ لأنه قال جل وعز: {ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ثم قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال النحاس: فمن أصح ما روي في ذلك ما روي عن ابن عباس «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» قال: الكافر؛ رواه ابن عُيَيْنة عن عمرو ابن دينار عن عطاء عن ابن عباس أيضاً. وعن ابن عباس أيضاً «فَمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» قال: نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه؛ أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في «يَدْخُلُونَهَا» يعود على المقتصِد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك والفرّاء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التّقي على الإطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم. ورواه مجاهد عن ابن عباس. قال مجاهد: «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ» أصحاب المشأمة، «وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» أصحاب الميمنة، «وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في «يَدْخُلُونَهَا» يعود على الثلاثة الأصناف، على ألا يكون الظالم هاهنا كافراً ولا فاسقاً. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء، وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر و(المقتصد) قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها؛ فيكون «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا» عائداً على الجميع على هذا الشرح والتبيين؛ وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ـ وربّ الكعبة ـ وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو إسحاق السَّبِيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناجٍ. وروى أسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: «حديث : كلهم في الجنة»تفسير : . وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سابِقُنا سابق ومُقْتَصِدُنا ناجٍ وظالمنا مغفور له»تفسير : . فعلى هذا القول يقدّر مفعول الاصطفاء من قوله: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} مضافا حُذف كما حذف المضاف في {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم، فبقي اصطفيناهم؛ فحذف العائد إلى الموصول كما حذف في قوله: {أية : وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} تفسير : [هود: 31] أي تزدريهم، فالاصطفاء إذاً موجه إلى دينهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البقرة: 132]. قال النحاس: وقول ثالث: يكون الظالم صاحبَ الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته؛ فيكون: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر؛ لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. قلت: القول الوسط أوْلاها وأصحها إن شاء الله؛ لأن الكافر والمنافق لم يصطفَوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسْبُك. وسنزيده بياناً وإيضاحاً في باقي الآية. الثانية: قوله تعالى: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} أي أعطينا. والميراث عطاء حقيقةً أو مجازاً؛ فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و«الكتابَ» هاهنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورّث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. {ٱصْطَفَيْنَا} أي اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفَوْنا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء. {مِنْ عِبَادِنَا} قيل المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل أمة، إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأُوَل لم يرثوه. وقيل: المصطفَوْن الأنبياء، توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، قال الله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} تفسير : [النمل: 16]، وقال: {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}تفسير : [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوّة موروثة فكذلك الكتاب. {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} من وقع في صغيرة. قال ابن عطية: وهذا قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} أي من ذرِّيَّتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدّم ذكره من الخلاف في الظالم. والآية في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفاً من النار، والمقتصد الذي يعبد الله طمعاً في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهد في الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظاً وهي المعرفة والمحبة، والمقتصد العارف، والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الصابر على البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أُعْطِيَ فمنَع، والمقتصد الذي أُعْطِيَ فبذَل، والسابق الذي مُنع فشكر وآثر. يروى أن عابِدَيْن التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: بخير، إن أُعطوا شكروا وإن مُنعوا صبروا. فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عُبَّادنا إن مُنعوا شكروا وإن أُعطوا آثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارىء للقرآن العامل به والعالِم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذّن، والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة؛ لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصِّل لها ما حصَّله غيره. وقال بعض أهل العلم في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين، والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا يُنصف، والمقتصد الذي ينتصف ويُنصف، والسابق الذي يُنصف ولا ينتصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف؛ وهم كلهم مغفور لهم. قلت: ذكر هذا الأقوال وزيادةً عليها الثعلبيّ في تفسيره. وبالجملة فهم طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل؛ ومنه قول جابر بن حُنَيّ التَّغْلبيّ:شعر : نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لنا وليس علينا قتلُهم بمحرّم تفسير : أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرّم علينا إن جاروا؛ فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} يعني إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعدُ الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير. الثالثة: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفاً؛ كقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل؛ ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره. وقيل: قدّم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. وقيل: قدّم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخّر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدّم الظالم ليخبر أنه لا يتقرّب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثَمَّ عناية، ثم ثنّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص: «لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله». وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالةً للعلل عن العطاء؛ لأن الاصطفاء يوجب الإرث، لا الإِرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم ادّع في الميراث. وقيل: أخّر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، كما قدّم الصوامع والبيع في «سورة الحج» على المساجد، لتكون الصوامع أقربَ إلى الهدم والخراب، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدّموا الأدنى؛ كقوله تعالى: {أية : لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 167]، وقوله: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} تفسير : [الشورى: 49]، وقوله: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الحشر: 20]. قلت: ولقد أحسن من قال:شعر : وغاية هذا الجود أنت وإنما يوافي إلى الغايات في آخر الأمر تفسير : الرابعة: قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} جمعهم في الدخول لأنه ميراث، والعاق والبارّ في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب؛ فالعاصي والمطيع مقرّون بالرب. وقرىء: «جَنَّةُ عَدْنٍ» على الإِفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم؛ على ما تقدّم. و«جَنَّاتِ عَدْنٍ» بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر؛ أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وهذا للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو عمرو «يُدخَلونها» بضم الياء وفتح الخاء. قال: لقوله: «يُحَلَّوْن». وقد مضى في «الحج» الكلام في قوله تعالى: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} تفسير : [الحج: 23]. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد فقال اللهم ارحم غُربتي وآنس وحدتي ويسر لي جليساً صالحاً. فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً فلأنا أسعد بذلك منك، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} ـ قال ـ فيجيء هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرّع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}»تفسير : . وفي لفظ آخر: «حديث : وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ـ إلى قوله ـ {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}»تفسير : . وقيل: هو الذي يؤخذ منه في مقامه؛ يعني يكفَّر عنه بما يصيبه من الهمّ والحزن، ومنه قوله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبيّ: وهذا التأويل أشبه بالظاهر؛ لأنه قال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، ولقوله: {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} والكافر والمنافق لم يصطفَوْا. قلت: وهذا هو الصحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ومَثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر»تفسير : . فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرؤونه في زماننا هذا. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. والنَّصَب: التعب. واللُّغوب: الإعياء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللهِ} وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»تفسير : . قال ابن عباس رضي الله عنهما: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وكذا روي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين، على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما: فمنهم ظالم لنفسه، قال: هو الكافر. وكذا روى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضاً فيما رواه ابن جرير. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن وقتاده: هو المنافق، ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتاده: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها، والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير؛ كما هو ظاهر الأية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر. (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار: أنه سمع رجلاً من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللهِ} قال: «حديث : هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم، وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبه به نحوه. ومعنى قوله: «بمنزلة واحدة» أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عقبة، عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللهِ} فأما الذين سبقوا، فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِىۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}» تفسير : [فاطر: 34 ــــ 35]. (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ثم أورثنا الكتاب اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ــــ قال ــــ فأما الظالم لنفسه، فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة» تفسير : ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت: أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء رضي الله عنه، فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليساً صالحاً، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لئن كنت صادقاً، لأنا أسعد بك منك، سأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته منه، وذكر هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ}، فأما السابق بالخيرات، فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد، فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه، فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ}. (الحديث الثالث) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا ابن مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللهِ} الآية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلهم من هذه الأمة».تفسير : (الحديث الرابع) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، يقول الله تعالى: صدقوا، لا إله إلا أنا، أدخلوهم الجنة بقولهم: لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل النار، وهي التي قال الله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فجعلهم ثلاثة أفواج، وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يمحص ويكشف» تفسير : غريب جداً. (أثر عن ابن مسعود) رضي الله عنه. قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن عبد الله بن عيسى رضي الله عنه عن يزيد بن الحارث، عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك شيئاً، فيقول الرب عز وجل: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله رضي الله عنه هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية. (أثر آخر) قال أبو داود الطيالسي عن الصلت بن دينار بن الأشعث عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} الآية، فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات، فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق، وأما المقتصد، فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه، فمثلي ومثلكم، قال: فجعلت نفسها رضي الله عنها معنا، وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات؛ لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد، رواه ابن أبي حاتم. وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه، قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} ــــ إلى قوله عز وجل ــــ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} قال: فهؤلاء أهل النار، رواه ابن جرير من طرق عن عوف به، ثم قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد الله ابن الحارث عن أبيه قال: إن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعباً عن قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} ــــ إلى قوله ــــ {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} قال: تماست مناكبهم ورب كعب ثم أعطوا الفضل بأعمالهم. ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة، فكلهم ناج، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه بنحوه. وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي ــــ يعني: الباقر ــــ رضي الله عنهما عن قول الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقال: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإِذا تقرر هذا، فإِن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال رضي الله عنه: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سلك طريقاً يطلب فيها علماً، سلك الله تعالى به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، أخذ بحظ وافر» تفسير : وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس، ومنهم من يقول: قيس بن كثير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة، وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم، إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم، ولا أبالي».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا } أعطينا {ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } وهم أمتك {فَمِنْهُمْ ظَٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ } بالتقصير في العمل به {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } يعمل به أغلب الأوقات {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } يضم إلى العمل به التعليم والإِرشاد إلى العمل به {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بإرادته {ذٰلِكَ } أي إيراثهم الكتاب {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ }.

ابن عطية

تفسير : {أورثنا} معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازاً إنما يقال فيما صار لإنسان بعد موت آخر، و {الكتاب} هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها، و {الذين اصطفينا} يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأول لم يورثوه، و {اصطفينا} معناه اخترنا وفضلنا، و"العباد" عام في جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله {فمنهم} فقال ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على {الذين} والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فـ"الظالم لنفسه" العاصي المسرف، و"المقتصد" متقي الكبائر والجمهور من الأمة، و"السابق" المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري، والضمير في {يدخلونها} عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة: دخلوا الجنة كلهم، وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله عز وجل: أدخلوهم في سعة رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي: "السابق" من أسلم قبل الهجرة، و"المقتصد" من أسلم بعدها، و"الظالم" نحن، وقال الحسن: "السابق" من رجحت حسناته، و"المقتصد" من استوت سيئاته و"الظالم" من خفت موازينه، وقال سهل بن عبد الله: "السابق" العالم، و"المقتصد" المتعلم، و"الظالم" الجاهل، وقال ذو النون المصري، "الظالم" الذاكر لله بلسانه فقط و"المقتصد" الذاكر بقلبه و"السابق" الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي: "الظالم" صاحب الأقوال، و"المقتصد" صاحب الأفعال، و"السابق" صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: حديث : كلهم في الجنة تفسير : ، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : أنا سابق العرب وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: أراد صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء رؤوس السابقين، وقال عثمان بن عفان: سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة، وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في {منهم} عائد على العباد و"الظالم لنفسه" الكافر والمنافق و"المقتصد" المؤمن العاصي و"السابق" التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} تفسير : [الواقعة: 12] والضمير في قوله {يدخلونها} على هذا القول خاص على الفريقين المقتصد والسابق والفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال بعض العلماء قدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الأمور أوساطها" تفسير : ، وقالت فرقة لا معنى لقولها إن قوله تعالى: {الذين اصطفيناهم} الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس "سابق بالخيرات"، وقرأ أبو عمرو الجوني "سباق بالخيرات"، و {بإذن الله} معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده، وقوله تعالى: {ذلك هو الفضل الكبير} إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري: السبق بالخيرات هو {الفضل الكبير}، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول الجنة لأنه ميراث، والبار والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس "جناتُ" بالرفع على البدل من {الفضل} وقرأ الجحدري "جناتِ" بالنصب بفعل مضمر يفسره {يدخلونها} وقرأ زر بن حبيش "جنة عدن" على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده "يُدخَلونها" بضم الياء وفتح الخاء، ورويت عن ابن كثير، وقرأ الباقون "يَدخُلونها" بفتح الياء وضم الخاء، و {أساور} جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال سُوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور أسوار أنه الجيد الرمي من جند الفرس، ويحلون معناه رجلاً ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع "ولؤلؤاً" بالنصب عطفاً على {أساور}، وكان عاصم في رواية أبي بكر يقرأ و"لوْلؤاً" بسكون الواو الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون "لؤلؤٍ" بالهمز وبالخفض عطفاً على {أساور}، و {الحزن} في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان، وخصص المفسرون في هذا الموضع فقال أبو الدرداء: حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه من الغم والحزن، وقال ابن عباس: حزن جهنم، وقال عطية: حزن الموت، وقال شهر: حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وقال قتادة: حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن. قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن أجمع قد ذهب عنهم، وقولهم {لغفور شكور} وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال الصالحة بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب سواه.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} القرآن. ومعنى الإرث انتقال الحكم إليهم، أو إرث الكتاب هو الإيمان بالكتب السالفة لأن حقيقة الإرث الانتقال من قوم إلى آخرين {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} الأنبياء. فيكون قوله {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ} كلاماً مستأنفاً لا يرجع إلى المصطفين أو الذين اصطفينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. والظالم لنفسه أهل الصغائر. قال عمر رضي الله ـ تعالى ـ عنه: وظالمنا مغفور له، أو أهل الكبائر وأصحاب المشأمة، أو المنافقون، أو أهل الكتاب، أو الجاحد {مُّقْتَصِدٌ} متوسط في الطاعات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً وأما الظالم فيحبس طول الحبس ثم يتجاوزر الله ـ تعالى ـ عنه "تفسير : ، أو أصحاب اليمين، أو أهل الصغائر، أو متبعو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بعده "ح" {سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} المقربون، أو أهل المنزلة العليا في الطاعة، أو من كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فشهد له بالجنة وسأل عقبة بن صهبان عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ عن هذه الآية فقالت: كلهم في الجنة السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالجنة والمقتصد من اتبع أثره حتى لحق به والظالم لنفسه مثلي ومثلك ومن اتبعنا.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا...} الآيةُ: {أَوْرَثْنَا} معناه: أعطيناه فرقةً بعد، موتِ فرقةٍ و {ٱلْكِتَـٰبَ} هنا يريد به: معانيَ الكتابِ، وعلمَه، وأحكامَه، وعقائدَه، فكأن اللّهَ تعالى لمّا أعطى أمَة محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ؛ وهو قد تضمَّن معانيَ الكُتُبِ المنزَّلةِ قَبْلَه؛ فكأنه وَرَّثَ أمَّة محمد الكتابَ الذي كان في الأمم قبلَها. قال ابْنُ عَطَاءَ اللّه في «التنوير»: قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ ـــ رحمه اللّه تعالى ـــ: أَكْرِمِ المؤمنين؛ وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وٱنْهَهُمْ عن المنكر، وٱهْجُرْهم رحمة بهم؛ لا تعزُّزاً عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي، لَطَبَّقَ السماءَ والأرض، فما ظنَّك بنورِ المؤمِن المطبعِ، ويكفيكَ في تعظيم المؤمنين ـــ وإن كانوا عن اللّه غافلينَ ـــ قولُ ربِّ العالمينَ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاءَ مع وجود ظلمِهم، واعلم أنّه لا بد في مملكتِه من عبادٍ هُمْ نصيبُ الحِلْم، ومحلُّ ظهورِ الرحمةِ والمغفرةِ، ووقوعِ الشفاعةِ، انتهى. و {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا} يريد بهم أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس وغيره. و {ٱصْطَفَيْنَا} معناه: اخترنا وفضَّلنا، والعبادُ عامُّ في جميع العَالم، واخْتُلِفَ في عَوْدِ الضمير من قوله: {فَمِنْهُمْ} فقال ابن عباس وغيره؛ ما مقتضاه: أن الضمير عائدٌ على {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا} وإن الأصنَافَ الثلاثةَ هِي كلُّها فِي أمة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فالظالمُ لنفسِه: العاصي المسرفُ، والمقتصدُ: متقي الكبائرِ، وَهُمْ جمهور الأمَّة، والسَّابق: المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة: الأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري والضمير في {يَدْخُلُونَهَا} عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة رضي اللّه عنها وكعب رضي اللّه عنه: دخلوها كلُّهمْ ورَبِّ الكَعْبَة وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلُّهم ناجٍ. وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلثٌ: يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث: يحاسبون حساباً يسيراً؛ ثم يدخلون الجنة، وثلث: يجيئون بذنوب عظام؛ فيقولُ اللّهُ ـــ عز وجل ـــ: ما هؤلاء؟ ـــ وهو أعلم بهم ـــ فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا؛ فيقول ـــ عز وجل ـــ أدخلوهم في سعة رحمتي. «حديث : وروى أسامة بن زيد أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَـٰذِهِ الآيَةَ وَقَالَ: «كُلُّهُمْ في الجَنَّةِ»» تفسير : وقرأ عُمَرُ هذه الآية، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديث : سابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُور له»تفسير : ؛ وقال عكرمة والحسن وقتادة؛ ما مقتضاه: أن الضمير في {مِنْهُم} عائدٌ على العباد فالظَّالِم لنفسه: الكافرُ، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً} تفسير : [الواقعة:7] الآية. والضمير في {يَدْخُلُونَهَا} على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابقِ، وباقي الآية بيِّن، و{ٱلْحَزَنَ} في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان وقولهم: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره. لا ربَّ سواه، و {دَارَ ٱلْمُقَامَةِ}: الجنة، و{ٱلْمُقَامَة}: الإقامةُ و«النَّصَبُ»: تعب البَدَنِ و«اللغوب»: تَعَبُ النَّفْسِ اللازمُ عن تعبِ البَدَنِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏} ‏ قال‏:‏ هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب‏.‏ وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ في هذه الآية ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات‏} ‏ قال‏:‏ هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة ". تفسير : وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : قال الله تعالى ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، بإذن الله‏}‏ فأما الذين سبقوا، فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب‏.‏ وأما الذين اقتصدوا، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلقاهم الله برحمة، فهم الذين يقولون ‏{‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب‏}‏ قال البيهقي‏:‏ إن أكثر الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة‏:‏ أرأيت قول الله ‏{‏ثم أورثنا الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ قالت‏:‏ أما السابق، فقد مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد له بالجنة‏.‏ وأما المقتصد، فمن اتبع أمرهم، فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم‏.‏ وأما الظالم لنفسه، فمثلي ومثلك، ومن اتبعنا‏.‏ وكل في الجنة‏.‏ وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أمتي ثلاثة أثلاث:‏ فثلث يدخلون الجنة بغير حساب‏.‏ وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة‏.‏ وثلث يمحصون ويكسفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون‏:‏ وجدناهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله وحده فيقول الله‏:‏ ‏"‏أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب‏"‏ وهي التي قال الله‏ {‏وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم‏} ‏ وتصديقاً في التي ذكر الملائكة قال الله تعالى ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏} ‏ فجعلهم ثلاثة أنواع ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏}‏ فهذا الذي يكسف ويمحص ‏ {‏ومنهم مقتصد‏} ‏ وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً ‏ {‏ومنهم سابق بالخيرات‏}‏ فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب باذن الله‏.‏ يدخلونها جميعاً لم يفرق بينهم ‏ {‏يحلون فيها من أساور من ذهب‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏لغوب‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال‏:‏ هذه الآية ثلاثة أثلاث يوم القيامة‏.‏ ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا‏.‏ فيقول الرب ‏"أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي"‏ ثم قرأ ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال‏:‏ الا أن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له‏. وأخرج العقيلي وابن لال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له‏"تفسير : ‏، وقرأ عمر ‏{‏فمنهم ظالم لنفسه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏‏.‏ وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب‏.‏ والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان‏:‏ أنه نزع بهذه الآية قال‏:‏ إن سابقنا أهل جهاد‏.‏ ألا وأن مقتصدنا ناج أهل حضرنا، ألا وأن ظالمنا أهل بدونا‏. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏} ‏ قال‏:‏ أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعا‏ً.‏ وأخرج الفريابي وابن مردويه عن البراء قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏} ‏ قال‏: كلهم ناج وهي هذه الأمة ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله ‏{‏ثم أورثنا الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ قال‏:‏ هي مثل الذي في الواقعة ‏{‏فأصحاب الميمنة‏} {‏وأصحاب المشئمة‏} {‏والسابقون‏}‏ صنفان ناجيان، وصنف هالك‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ قال ‏ {‏الظالم لنفسه‏}‏ هو الكافر ‏{‏والمقتصد‏} ‏ أصحاب اليمين‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏}‏ إلى قوله {‏لغوب‏} ‏ قال‏:‏ دخلوها ورب الكعبة، وفي لفظ قال‏:‏ كلهم في الجنة‏.‏ ألا ترى على أثره ‏{‏والذين كفروا لهم نار جهنم‏}‏ فهؤلاء أهل النار فذكر ذلك للحسن فقال‏:‏ أبت ذلك عليهم الواقعة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال ‏"حديث : ‏مسوّرون بالذهب والفضة، مكللة بالدر وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، جرد، مرد، مكحلون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن حذيفة‏، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏يبعث الله الناس على ثلاثة أصناف، وذلك في قوله ‏{‏فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏}‏ فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏ثم أورثنا الكتاب‏} ‏ قال‏:‏ جعل الله أهل الإِيمان على ثلاثة منازل كقوله {أية : ‏وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال‏}‏تفسير : [الواقعة: 41]، ‏{أية : ‏وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} تفسير : [الواقعة: 27]‏، ‏{أية : ‏والسابقون السابقون‏}‏ تفسير : [الواقعة: 10]، ‏{أية : ‏أولئك المقربون‏}‏ ‏تفسير : [‏الواقعة: 11]‏ فهم على هذا المثال‏. وأخرج ابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏} ‏ قال‏:‏ الكافر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏}‏ قال‏:‏ هذا المنافق ‏ {‏ومنهم مقتصد‏} ‏ قال‏:‏ هذا صاحب اليمين ‏ {‏ومنهم سابق بالخيرات‏} ‏ قال‏:‏ هذا المقرب قال قتادة‏:‏ كان الناس ثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل في الآخرة‏.‏ فأما الدنيا فكانوا: مؤمن، ومنافق، ومشرك‏.‏ وأما عند الموت فإن الله قال‏:‏ ‏{أية : ‏فأما إن كان من المقربين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏الواقعة: 88‏]‏ ‏{أية : ‏وأما إن كان من أصحاب اليمين‏.‏‏.‏‏.‏‏}تفسير : ‏ ‏[‏الواقعة: 90‏]‏ ‏{أية : ‏وأما إن كان من المكذبين الضالين‏}‏ تفسير : ‏[‏الواقعة: 92‏]‏.‏ وأما الآخرة فكانوا أزواجاً ثلاثة ‏{‏فأصحاب الميمنة‏}‏ ‏{‏وأصحاب المشئمة‏}‏ ‏{‏والسابقون السابقون أولئك المقربون‏}‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن‏ {‏فمنهم ظالم لنفسه‏}‏ قال‏:‏ هو المنافق سقط والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن عبيد بن عمير في الآية قال‏:‏ كلهم صالح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال‏:‏ قال كعب يلومني أحبار بني إسرائيل إني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم، ثم أدخلهم الجنة، ثم تلا هذه الآية ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏}‏ حتى بلغ ‏{‏جنات عدن يدخلونها‏} ‏ قال‏:‏ قال فادخلهم الله الجنة جميعا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ العلماء ثلاثة‏: منهم عالم لنفسه ولغيره، فذلك أفضلهم وخيرهم‏.‏ ومنهم عالم لنفسه محسن‏.‏ ومنهم عالم لا لنفسه ولا لغيره، فذلك شرهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال‏:‏ قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف:‏ صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب‏.‏ وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة‏.‏ وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله ‏{‏جنات عدن يدخلونها‏} ‏ قال‏:‏ دخلوها ورب الكعبة، فأخبر الحسن بذلك فقال‏:‏ أبت والله ذلك عليهم الواقعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبدالله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله ‏ {‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ نجوا كلهم، ثم قال‏:‏ تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية قال‏:‏ أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطها أمة كانت قبلها ‏{‏منهم ظالم لنفسه‏} ‏ مغفور له ‏ {‏ومنهم مقتصد‏}‏ في الجنان ‏{‏ومنهم سابق‏} ‏ بالمكان الأعلى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه‏}‏ قال‏:‏ هم أصحاب المشئمة ‏{‏ومنهم مقتصد‏} ‏ قال‏:‏ هم أصحاب الميمنة {‏ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله‏} ‏ قال‏:‏ هم السابقون من الناس كلهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏ذلك هو الفضل الكبير‏}‏ قال‏:‏ ذاك من نعمة الله‏. وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري ‏"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله ‏ {‏جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ‏}‏ فقال‏:‏ "‏إن عليهم التيجان‏.‏ ان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله أهل الجنة حين دخلوا الجنة ‏{‏وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏} ‏ قال‏:‏ هم قوم كانوا في الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت‏.‏ فعندها ‏{‏قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور‏}‏ غفر لنا العظيم، وشكر لنا القليل من أعمالنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏} ‏قال‏:‏ حزن النار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏الذي أذهب عنا الحزن‏} قال‏:‏ ما كانوا يعملون‏. وأخرج الحاكم وأبو نعيم وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏المهاجرون هم السابقون الْمُدِلُّون على ربهم، والذي نفس محمد بيده انهم ليأتون يوم القيامة على عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فتقول لهم الخزنة، من أنتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ نحن المهاجرون فتقول لهم الخزنة‏:‏ هل حوسبتم‏؟‏ فيجثون على ركبهم ويرفعون أيديهم إلى السماء فيقولون‏:‏ أي رب أبهذه نحاسب‏؟‏‏!‏ قد خرجنا وتركنا الأهل والمال والولد، فيمثل الله لهم أجنحة من ذهب، مخوّصة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة فذلك قوله ‏{‏وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏}‏ إلى قوله ‏{‏ولا يمسنا فيها لغوب‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منهم بمنازلهم في الدنيا‏ ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏حيث دخلوا الجنة ‏{‏وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏}‏ قال‏:‏ حزنهم هو الحزن ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله {‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏} ‏قال‏:‏ الجوع‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله ‏{‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏} ‏ قال‏:‏ طلب الخبز في الدنيا، فلا نهتم له كاهتمامنا له في الدنيا طلب الغداء والعشاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال‏:‏ ينبغي لمن يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا ‏{‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏}‏ وينبغي لمن يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم ‏{أية : قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين‏}‏ تفسير : ‏[‏الطور: 26‏]‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله ‏ {‏الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن‏} ‏ قال‏:‏ حزن الطعام ‏ {‏إن ربنا لغفور شكور‏} ‏ قال‏:‏ غفر لهم الذنوب التي عملوها، وشكر لهم الخير الذي دلهم عليه، فعملوا به، فأثابهم عليه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رافع رضي الله عنه قال‏:‏ يأتي يوم القيامة العبد بدواوين ثلاثة:‏ بديوان فيه النعم‏.‏ وديوان فيه ذنوبه‏.‏ وديوان فيه حسناته‏.‏ فيقال لأصغر نعمة عليه‏:‏ قومي فاستوفي ثمنك من حسناته، فتقوم فتستوهب تلك النعمة حسناته كلها، وتبقي بقية النعم عليه وذنوبه كاملة‏.‏ فمن ثم يقول العبد إذا أدخله الله الجنة ‏ {‏إن ربنا لغفور شكور‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن ربنا لغفور شكور‏} ‏ يقول ‏ {‏غفور‏} ‏ لذنوبهم ‏{‏شكور‏}‏ لحسناتهم ‏{‏الذي أحلنا دار المقامة من فضله‏} ‏ قال‏:‏ أقاموا فلا يتحوّلون ولا يحوّلون ‏ {‏لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب‏}‏ قال‏:‏ قد كان القوم ينصبون في الدنيا في طاعة الله، وهم قوم جهدهم الله قليلاً، ثم أراحهم كثيراً فهنيئاً لهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال‏:‏ قال رجل يا رسول الله إن النوم مما يُقِرُّ الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم‏؟‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت قال‏:‏ يا رسول الله فما راحتهم‏؟‏ فأعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة فنزلت ‏ {‏لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب‏} . تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏لا يمسنا فيها نصب‏} ‏ أي وجع‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لغوب‏} ‏ قال‏:‏ إعياء‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}[32] قال عمر بن واصل: سمعت سهلاً يقول: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال أيضاً: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد الذي اشتغل بمعاده ومعاشه، والظالم الذي اشتغل بمعاشه دون معاده. وقال الحسن البصري رحمه الله: السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والظالم الذي رجحت سيئاته على حسناته.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} [الآية: 32]. قال الحسن البصرى رحمة الله عليه: السابق من رجحت حسناته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاتة، والظالم الذى ترجح سيئاته. وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فرق المؤمنين ثلاث فرق سماهم مؤمنين أولاً، عبادنا: أضافهم إلى نفسه تفضلاً منه وكرمًا ثم قال: {ٱصْطَفَيْنَا} جعلهم كلهم أصفياء مع علمه بتفاوت معاملاتهم ثم جمعهم فى آخر الآية بدخول الجنة فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [الآية: 33]، ثم بدأ بالظالمين إخبارًا أنه لا يتقرب إليه إلاَّ بصرف كرمه وأن الظلم لا يؤثر فى الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء. ثم ختم بالسابقين لأن لا يأمن أحد مكره، وكلهم فى الجنة لحرمة كلمة الإخلاص. قال الجنيد رحمة الله عليه: لما ذكر الميراث على أن الخلق فيه خاص وعام وأن الميراث لمن هو أقرب وأصح نسبًا فتصحيح النسبة هو الأصل. قال: الظالم الذى يحبه لنفسه، والمقتصد الذى يحبه له والسابق أسقط عنه مراده لمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلبًا ولا مرادًا لغلبة سلطان الحق عليه. سئل الثورى عن قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} على ماذا عطف بقوله ثم؟ قال: عطف على إرادة الأزل والأمر المقضى، قال: ثم أورثنا من الخلق الذين سبقت لهم منا الاصطفائية فى الأزل. وقال عبد العزيز المكى: المغفرة للظالمين والرحمة على المقتصدين والقربى للسابقين. وقال حارث المحاسبى: الظالم نظر من نفسه فى دنياه وآخرته فيقول فى دنياه وآخرته نفسى نفسى والمقتصد نظر من نفسه إلى عقباه وهو فى الآخرة ناظر إلى مولاه، والسابق من نظر من الله إلى الله فلم ير غير الله فى دنياه وعقباه. وقال أبو الحسن الفارسى: سبحان من أثبت أسامى الظالمين فى ديوان السابقين ثم جمع بينهم فى محل الإرث فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} وإن الله اصطفى جملة الموحدين من جملة الكافرين فكانوا عبادًا مخصوصين فسوى بينهم أن لا يعتمد السابق على سبقه ولا ييأس الظالم من ظلمه. وقيل فى قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ...} الآية، قال: فيه تعزية وتهنئة وما من تعزية إلاَّ وتحتها تهنئة ولا تهنئة إلاَّ وتحتها تعزية فلما قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} كان ذلك تهنئة له وتعزية للظالم، ثم ذكر السابق بالخيرات وفى ذلك تهنئة له وتعزية للمقتصد لأن الله يقول: { أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 10-11] والظالم لنفسه افتقر إلى حال المقتصد والمقتصد لم يفتقر إلى حال الظالم لنفسه والمقتصد افتقر إلى حال السابق والسابق لم يفتقر إلى حال المقتصد لأن من نال أعلى المراتب فقد جاز ما دونه والمقتصد قد جاز مرتبة الظالم لنفسه ونال ما هو أعلى منه والسابق قد جاز مرتبة المقتصد ونال أعلى منها فلا يفتقر إلى ما هو دونها. قال بعضهم: الظالم هو طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والصادق طالب المولى. قال الحسين: الظالم الباقى مع حاله والمقتصد الفانى فى حاله والسابق المستغرق فى فناء حاله. قال بعضهم: الظالم محجوب بالغفلة والمقتصد واقف فى طلب الثواب والسابق فانٍ فى رؤية الصفات. قال النصرآباذى فى قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} قال: لا ميراث إلاَّ عن نسبة صحح النسبة ثم ادَّعى الميراث. وقال أيضًا: ميراث الكتاب الذين فهموا عن الله كتابه وكُلٌّ فهم على قدره والظالم فهم منه محل المعرفة والثواب والعقاب والمقتصد فهم محل الجزاء والإعراض والجنان والسابق استرقه التلذذ بالخطاب عن أن يرجع منه إلى شىء سواه. قال بعضهم: الظالم نظر من النعمة إلى المنعم والمقتصد نظر من المنعم إلى النعمة، والسابق نظر من المنعم إلى المنعم لم يكن منه فضلاً أن يلاحظ شيئًا سواه أو يشهد غيره. قال أبو يزيد - رحمة الله عليه -: فى قوله {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ...} الآية. قال الظالم مضروب بسوط مقتول بسيف الحرص مضطجع على باب الرجاء والمقتصد مضروب بسوط الحسوة مقتول بسيف الندامة مضطجع على باب الكرامة والسابق مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على باب الهيبة. وقال بعضهم: الإسلام للظالمين والإيمان للمقتصدين والإحسان للسابقين. وقال محمد بن على الإيمان للظالمين والمعرفة للمقتصدين والحقيقة للسابقين. وقال أبو يزيد رحمة الله عليه الظالم فى ميدان العلم والمقتصد فى ميدان المعرفة والسابق فى ميدان الوجد. قال ابن عطاء: العبادة غاية الظلم لنفسه والعبودية غاية المقتصدين ونهايتهم والعبودية تحقيق ومشاهدة للسابقين. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: الظالم معذور والمقتصد معاتب والسابق ناج مقرَّب. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الظالم مضروب بسوط الغفلة مقتول بسيف الأمل مطروح على باب الرحمة والمشيئة، والمقتصد مضروب بسوط الندامة مقتول بسيف الحسرة مطروح على باب الفقر والسابق مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء. قال ابن عطاء: قدم الظالم كى لا ييأس من فضله. وقال: السابق مقدم بسبقه لكن أظهر لطفه وكرمه بتقديم الظالم ليعرفوا كرمه ويرجعوا إليه. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الظالم لنفسه وهو على وجهين أحدهما يظلم نفسه فيحرمها حظها من الدنيا وظالم لنفسه يحرمها حظها من الآخرة فالظالم لنفسه الذى يحرمها حظها من الشهوات والإرادات من حظوظ الدنيا وظالم لنفسه بأن حرمها شهوة الآخرة حتى لا يطلب الجنة والثواب لأجل نفسه فإن كليهما من حظوظ النفس بل طلب ربه على غير حظ للنفس فيه فهذا الظالم على هذا المعنى مقدم على المقتصد والسابق فإن المقتصد والسابق طالبان حظوظهما وواقعان مع أنفسهما ذا واقف مع نفسه وذا واقف مع اقتصاده وهذا ظلم نفسه وأفناها ومنعها حظوظها فهو فانٍ عن حظوظه فلذلك يسبق السابقين. قال ابن عطاء: يحتاج قائل كلمة التوحيد إلى ثلاثة أنوار: نور الهداية ونور الكفاية ونور الرّعاية والعناية فمن مَنّ الله عليه بأنوار الهداية فهو معصوم من الشرك والنفاق ومن مَنّ عليه بأنوار الكفاية فهو معصوم من الكبائر والفواحش ومن مَنّ الله عيه بأنوار الرّعاية والعناية فهو محفوظ من الخطرات الفاسدة والحركات التى هى لأهل الغفلات فالنور الأول للظالم والنور الثانى للمقتصد والنور الثالث للسابق. سمعت النصرآباذى يقول: القرب من الدرجات العلى والمقامات الأرفع بالإرث والإرث بصحة النسب فمن صح النسبة وجد الميراث ولا يأخذ ميراث الحق إلا من نسبه الحق وإلى الحق دون الأنساب والوسايط، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يقول الله عز وجل: اليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم، أين المتقون؟ ". تفسير : قال الواسطى - رحمة الله عليه -: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} أورثهم علمًا حين عَلَّمهم بنفسه فقال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]. قال القاسم فى هذه الآية: ليس كل من اصطفيناه لمعنى يتم له المعانى أجمع إلا أن يتم له ذلك فيتم له ألاَ تراه يقول: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فهو من الاصطفائية على الطرف. قال أيضًا: فى هذه الآية {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: المكلف لها ما لا تطيق من الطاعة يعنى ما فوق الطاعة من الطاعة. وقال: (المقتصد) المتوسط فى الفعل (والسابق) هو الفاعل بلا احتباء ولا عدد فالظالم ها هنا محمود وإن كان اللفظ فيه مذمومًا. قال القاسم: فى قوله {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} أى أبقينا بركة الكتاب على ما أنزلناه عليهم وهم المصطفون لم يحرم الظالم بركة الكتاب لظلمه ولا المقتصد ولا السابق كلٌ نال منه حظه فالمحروم من حرم حظه منه أجمع. قال القاسم فى قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: الناس على ثلاثة أثلاث فى الدنيا إما فى الحسنات وإما فى السيئات وإما فى الشهوات وفى الآخرة إما فى الدرجات وإما فى الدركات وإما فى الحسبانات فمن كان فى الدنيا فى الحسنات فهو فى الآخرة فى الدرجات ومن كان فى الدنيا فى السيئات فهو فى الآخرة فى الدركات ومن كان فى الدنيا فى الشهوات فهو متحير فى الحسبانات. وقال يحيى بن معاذ {ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} قال: هم أمة محمد حين روى عنه أنه قال: "حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له"تفسير : . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّمَ كثيرًا. وقال يحيى: اصطفاهم عن كدورتهم وأخلصهم لفهم القرآن والقيام بحدوده. وأيضًا: اصطفاهم بالمشاهدة والموافقة ولما أسر إليهم من مجالسته ومؤانسته. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: أخرجوا بالفضل وغذوا بالفضل ويريدون الفضل بلا مواساة ولا مكافأة ولا عوض من ذلك. قال قائل: من أهل الحقيقة أنه من كرمه لا يقبل إلا معيب بحال وقيل: إنه لا يقبل إلا كل مجيب يجيبه لخطابه وهداه لقرائه واشتملت عليه أنواره وظهرت عليه آثاره فى أزليته وصفاهم عند خلقتهم. وقال جعفر: النفس ظالمة والقلب مقتصد والروح سابق. وقال أيضًا: من نظر بنفسه إلى الدنيا فهو ظالم ومن نظر بقلبه إلى الآخرة فهو مقتصد ومن نظر بروحه إلى الحق فهو سابق. وقال محمد بن على الترمذى: الاصطفائية أوجبت الإرث والاصطفائية جمعت بين الظالم والمقتصد والسابق فالظالم لنفسه على الظاهر سابق فى ميدان الاصطفائية لذلك قدّمه وأزال العلل عن العطايا فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}. وقال القاسم: الظالم ذاكر والمقتصد متذكر والسابق غير ذاكر ومتذكر لأنه ليس فى حد الغفلة والنسيان فيذكر ويتذكر ومعناه: أن الظالم ينساه وقت معصيته فيذكره فى وقت توبته والمقتصد يتكلف فى ذكره ويجتهد فى أن لا ينساه والسابق لا ينساه فى وقت فيحتاج أن يذكره. وأنشد القاسم: شعر : أبلغ أخاك أخا الإحسان مخبرة أنى وإن كنـت لا ألقـاه ألقـاه وإن طرفى مـوصول برؤيتـة وإن تباعد عن مثواى مثـواه الله يعلم أنى لسـت أذكـره وكيف أذكره إذ لست أنساه تفسير : وأنشد أيضًا: شعر : لا لأنى أنساك أكثر ذكـراك ولكن بـذاك يجرى لسـانى تفسير : قال بعضهم: الظالم يراه فى مقدار الجمعة من أيام الدنيا والمقتصد يراه فى اليوم مرة والسابق على الأرائك ينظرون لا يغيبون عن المشاهدة بحال. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن زرعان يقول فى قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهم الهمج الذين لا خير فيهم {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} يعمل على سبيل النجاة {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} العالم الربّانى. قال بعضهم: ذكر الله الاصطفائية فى مواضع من كتابه فقال: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} تفسير : [النمل: 59] ولم يبين من هم وكيف هم ما حليتهم حتى ذكر فى موضع آخر فقال: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75] عم الاصطفاء ثم قال: {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فأكرمهم بالاصطفائية ثم بَيّن أنهم متفاوتون فى تلك الاصطفائية فقال: هم عباد أصفياء إلاَّ أنهم على درجات منهم ظالم بالرّكون إليها واتباع شهواتها ومنهم مقتصد قائم بطاعة ربه وربما يقع له التفات إلى النفس فيغفل غفلة فى شىء من المخالفات ومنهم سابق بالخيرات وهو الذى أسقط عنه رؤية النفس أجمع فلا يراها ولا يلتفت إليها ولا يسكن إلى شىء منها. وقال بعضهم: الظالم لاهٍ عن سؤاله فإذا انتبه سأل عن طريقة الأمر والنهى والمقتصد يسأل عن طريقة الجنة والسابق يسأل عن طريق الاستقامة. قال بعضهم: الظالم مشغول عن الذكر والمقتصد مشغول بالذكر والسابق اشتغل بالمذكور عن الذكر. قال بعضهم: سؤال الظالم الهداية والوقاية من النار وسؤال المقتصد العناية فى دخول الجنة وسؤال السابق الهداية إلى الرب ليزول عنه الكرب. وقال محمد بن على الترمذى: لكل نوع من هؤلاء الثلاثة نوع من السؤال أخبر عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم. فسؤال الظالم: أسألك الإيمان بك والكفاف من الرزق، وسؤال المقتصد: أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وسؤال السابق: أسألك النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك. قال بعضهم: الظالم من يكون أعماله بعضها رياء وبعضها إخلاص والسابق من يخلص عمله لله. قال بعضهم: الظالم من أخذ الدنيا من حلال وحرام والمقتصد من يجتهد أن لا يأخذها إلاَّ من حلال والسابق من ترك الدنيا جملة وأعرض عنها. قال أبو عثمان: من وحَّد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله فهو ظالم ومن وحَّد الله بلسانه وأطاعه كرامة فهو مقتصد ومن وحّده بلسانة وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله فهو سابق. قال بعضهم: الظالمون هم الذين نزلوا عن الصحابة والمقتصدون هم عامة الصحابة والسابقون هم المهاجرون الأولون. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز بمصر يقول: قال ابن عطاء: الظالم هو الذى يحبه لأجل الدنيا والمقتصد الذى يحبه من أجل العقبى والسابق الذى أسقط مراده لمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلبًا ولا مرادًا لغلبة الحق عليه وسلطانه. قال بعضهم: الظالم هو الذى يريد بطاعته كرامة الخلق وإجلالهم له والمقتصد الذى يريد بطاعته الجنة والسابق الذى حمله حب الأمر والنهى ورضا الأمر عن أن يريد به شيئًا سواه. قال بعضهم: الظالم الناظر إلى صفته والمقتصد المبتغى به فضلاً والسابق الذى يرى فضل الله عليه فيما وفقه للعمل. قال بعضهم: الظالم من هو ظاهره خير من باطنه والمقتصد الذى استوى ظاهره وباطنه والسابق الذى باطنه خير من ظاهره. وقال بعضهم: ميراث الكتاب لمن يظلم نفسه ويحملها ما لا تطيق من أنواع المجاهدات فتكون أوقاته كلها مستوفاة لا يكون لنفسه نفس فى مراده ويقتصد فى طلب الدنيا وما يبعده عن ربه ويقطعه عنه ويسبق السابقين فى البدار إلى ميادين الرضا ومعادن الحقيقة لذلك. قال السيد الماضى: السباق السباق قولاً وفعلاً حذر النفس حسرة المسبوق. قال بعضهم: الظالم الطالب للدنيا متمتعًا بها، والمقتصد الطالب لها متزودًا منها، والسابق التارك لها والمعرض عنها. قال بعضهم: الظالم الذى يعبده خوفًا من النار والمقتصد الذى يعبده طمعًا فى الجنة والسابق الذى يعبده له لا لسبب. قال بعضهم: الظالم الزاهد والمقتصد العارف والسابق المحب المشتاق. قال بعضهم: الظالم الواعظ بلسانه والمقتصد الواعظ بعمله والسابق الواعظ بسره. قال بعضهم: الظالم المظهر لفقره والمقتصد المُسرّ لفقره والسابق المستغنى بفقره. قال بعضهم: الظالم الذى يجزع عند البلاء والمقتصد الذى يصبر على البلاء والسابق الذى يتلذذ بالبلاء. قال بعضهم: الظالم من غلبت نفسه قلبه والمقتصد من غلب قلبه نفسه والسابق من كان قلبه ونفسه فى حراسة الحق. قال بعضهم: الظالم فى الطلب والمقتصد فى الهرب والسابق متمكن. قال بعضهم: الظالم فى طلب وهو يرجو أن يجد المقتصد طلب ووجد البعض ويرجو الإتمام والسابق مطلوب. قال بعضهم: الزبير قاصد والمقتصد وارد والسابق مامكن فالقاصد شغله فى قصده والوارد شغله فيما ورد عليه منه وفيما ورد عليه والمتمكن نسى منزله لما عاين من حسن قيام الله به وله، وهؤلاء ثلاثة: قوم غابوا عن وصفهم وحظهم والأوقات وقوم جازوا درجة النعوت والصفات وقوم اشتملت عليهم أنوار الذات فهم فى أنواره يتقلبون وعن حكمه ينطقون. قال بعضهم: الظالم النفس لأنها لا تألف الحق أبدًا والمقتصد القلب لأنه ساعة وساعة والسابق الروح لأنها لا تغيب عن المشاهدة. قال محمد بن على الترمذى: الظالم نفسه إلى عفو الله والمقتصد إلى رضا الله والسابق بالخيرات إلى رضوان الله ورضوان الله أكبر. قال بعضهم: الظالم المقتصر على الفرائض دون النوافل والسنن والمقتصد الجامع بينهما والسابق الذى مُكِّن من معاملته على المشاهدة. قال ابن عطاء: حمد الظالمين على العادة وحمد المقتصدين على اللذة وحمد السابقين على المسابقة. قال بعضهم: الظالم الراكن إلى الدنيا لا يريد الاستراحة منها ولا يكاد ينزع من طلبها والمقتصد الراكن إليها ويتمنى نجاته منها والسابق الذى نبل قدره وكرمت نفسه أن يحدث بشىء منها. وقال بعضهم: الظالم الذى يعبده على الغفلة والعادة والمقتصد الذى يعبده على الرغبة والرَّهبة والسابق الذى يعبده على الهيبة والاستحقاق ورؤية المنة. وقال بعضهم: الظالم الذى يأكل الدنيا بالتمتع والشهوة والمقتصد الذى يأكلها من حلال والسابق الذى يأكل للقيام بالخدمة. وقال بعضهم: الظالم المجتهد والمقتصد المستقيم والسابق الصدّيق. قال بعضهم: الظالم العالم بأحكام الله والمقتصد العالم بأسماء الله وصفاته والسابق العالم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه. قال بعضهم: الظالم لنفسه آدم والمقتصد إبراهيم والسابق محمد صلى الله عليه وسلم. قال بعضهم: الظالم نفسه أعطى فمنع والمقتصد أعطى فبذل والسابق منع فشكر. وقال بعضهم: الظالم غافل والمقتصد طالب والسابق واجد. قال بعضهم: الظالم من استغنى بماله والمقتصد من استغنى بدينه والسابق من استغنى بربه. وقال: قدم الظالم لأنه لم يكن له شىء يتكل عليه إلا ربه فاعتمده واتكل عليه وعلى رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته. قال بعضهم: قدم الظالم يعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربه وأخرَّ السابق ليعلمه أن المنة له عليه فى طاعته حيث وفَّقه لذلك وأن لا يؤمنه ذلك من طرده وإبعاده وذكر المقتصد فى الوسط منزلة بين المنزلتين. سمعت منصور بن عبد الله يقول: السابق العلماء والمقتصد المتعلمون والظالم الجهَّال. وقال أيضًا: السابق الذى اشتغل بمعاده والمقتصد الذى اشتغل بمعاده ومعاشه والظالم الذى اشتغل بمعاشه عن معاده. وقال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: الظالم النفس والمقتصد القلب والسابق الروح.

القشيري

تفسير : {أَوْرَثْنَا}: أي أعطينا الكتابَ - أي القرآن - الذين اصطفينا من عبادنا، وذكر الإعطاءَ بلفظِ الإِرثِ توسُّعاً. {ٱصْطَفَيْنَا}: أي اخترنا. ثم ذكر أقسامَهم، وفي الخبر أنه لمَّا نزلت هذه الآية قال عليه السلام: "حديث : أمتي وربِّ الكعبة"تفسير : ثلاث مرات. وفي الآية وجوهٌ من الإشارة: فمنها أنه لمَّا ذكر هذا بلفظ الميراثِ فالميراثُ يقتضى صحة النَّسَبِ على وجهٍ مخصوص، فَمَنْ لا سبَبَ له فلا نَسَبَ له، ولا ميراثَ له. ومحلُّ النَّسبِ ها هنا المعرفة، ومحلُّ السبب الطاعة. وإن قيل محلُّ النَّسبِ فَضْلُه، ومحل السبب فِعْلُك؛ فهو وَجْهٌ. ويصحُّ أن يقال محلُّ النسبِ اختياره لك بدءاً ومحلُّ السببِ إحسانُه لك تالياً. ويقال أهلُ النسب على أقسام: - الأقوى، والأدنى كذلك في الاستحقاق. ويقال جميع وجوه التملُّك لا بُدَّ فيها من فِعْل للعبد كالبيع، أَمَّا ما يُمْلَكُ بالهِبَةَ فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير ذلك. والوصية لا تُسْتَحقُّ إلا بالقبول، وفي الزكاة لا بُدَّ من قبول أهل السُّهْمَانِ، والميراث لا يكون فيه شيء من جهة الوارث وفعله، والنَّسبُ ليس من جملة أفعاله. ويقال الميراث يُسْتَحقُّ بوجهين: بالفرض والتعصيب، والتعصيبُ أقوى من الفرض؛ لأنه قد يستحق به جميع المال، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى فللعَصَبَةِ. {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ}: تكلموا في الظالم، فمنهم من قال هو الأَفضل، وأرادوا به من ظَلَمَ نَفْسَه لكثرة ما حَمَّلَها من الطاعة. والأَكثرون: إنَّ السابقَ هو الأفضل، وقالوا: التقديم في الذكر لا يقتضي التقديم في الرتبة، ولهذا نظائر كثيرة. ويقال قَرَنَ باسم الظالم قرينةً وهي قوله: "لنفس"، وقرن باسم السابق قرينةً وهي قوله: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ}؛ فالظالمُ كانت له زَلَّة، والسابق كانت له صولة، فالظالم رَفَعَ زلَّتَه بقوله: لنفسه، والسابق كَسَرَ صولتَه بقوله: بإذن الله. كأنه قال: يا ظالمُ ارفعْ رأسَك، ظَلَمْتَ ولكن على نفسك، ويا سابقُ اخفض رأسَك؛ سَبَقْتَ - ولكن بإذن الله. ويقال إنَّ العزيزَ إذا رأى ظالماً قَصَمَه، والكريمَ إذا رأى مظلوماً أَخَذَ بيده، كأنه قال: يا ظالم، إِنْ كان كونُكَ ظالماً يوجِبُ قَهْرَك، فكوْنُكَ مظلوماً يوجِبُ الأخذَ بيدك. ويقال الظالمُ مَنْ غَلَبَتْ زَلاَّتُه، والمقتصدُ مَنْ استوت حالاته، والسابقُ مَنْ زادت حسناته. ويقال الظالمُ مَنْ زهد في دنياه، والمقتصدُ مَنْ رغب في عقباه، والسابقُ مَنْ آثر على الدارين مولاه. ويقال الظالمُ مَنْ نَجَمَ كوكبُ عقله، والمقتصدُ مَنْ طَلَعَ بَدْرُ عِلْمه، والسابقُ من ذَرَّتَ شمسُ معرفته. ويقال الظالمُ مَنْ طَلَبَه، والمقتصدُ مَنْ وَجَدَه، والسابق مَنْ بقي معه. ويقال الظالِمُ مَنْ تَرَكَ المعصية، والمقتصد مَنْ تَرَكَ الغفلة، والسابق مَنْ تَرَك العلاقة. ويقال الظالمُ مَنْ جاد بمالِه، والمقتصد مَنْ لم يبخلْ بِنفْسِه، والسابق مَنْ جاد بروحه. ويقال الظالمُ مَنْ له علم اليقين، والمقتصد مَنْ له عين اليقين، والسابق مَنْ له حق اليقين. ويقال الظلم صاحب المودة، والمقتصد الخلّة، والسابق صاحب المحبة. ويقال الظالم يترك الحرام، والمقتصد يترك الشُّبهة، والسابق يترك الفضل في الجملة. ويقال الظالمُ صاحبُ سخاء، والمقتصد صاحب جود، والسابق صاحب إيثار. ويقال الظالم صاحب رجاء، والمقتصدُ صاحبُ بَسْط، والسابق صاحب أُنْس. ويقال الظالم صاحب خوف، والمقتصد صاحب خشية، والسابق صاحب هيبة. ويقال الظلم له المغفرة، والمقتصد له الرحمة والرضوان، والسابق له القربة والمحبة. ويقال الظالم صاحب الدنيا، والمقتصد طالب العُقْبى، والسابق طالب المولى. ويقال الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسابق صاحب المناجاة. ويقال الظالم أَمِنَ من العقوبة، والمقتصد فاز بالمثوبة، والسابق متحقق بالقربة. ويقال الظالم مضروبٌ بسَوْطِ الحـِرْصِ، مقتولٌ بسيف الرغبة، مضطجع على باب الحسرة. والمقتصدُ مضروبٌ بسوط الندامة، مقتولٌ بسيف الأسف، مضطجع على باب الجود. والسابقُ مضروبٌ بسوط التواجد، مقتول بسيف المحبة، مُضْطَجِعٌ على باب الاشتياق. ويقال الظالم صاحب التوكل، والمقتصد صاحب التسليم، والسابق صاحب التفويض. ويقال الظالم صاحبُ تواجد، والمقتصد صاحب وَجْد، والسابق صاحب وجود. ويقال الظالم صاحبُ المحاضرة، والمقتصد صاحب المكاشفة، والسابق صاحب المشاهدة. ويقال الظالم يراه في الآخرة بمقدار أيام الدنيا في كل جمعة مرةَ، والمقتصد يراه في كل يوم مرةً، والسابق غر محجوبٍ عنه ألبتةَ. ويقال الظالم مجذوبٌ إلى فِعْلِه الذي هو فضله، والمقتصد مكاشَفٌ بوصفه الذي هو عِزُّه، والسابقُ المستهلَكُ في حقِّه الذي هو وُجُودُه. قوله: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} لأنه ذكر الظالم مع السابق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} من الله على عباده المصطفين فى الازل بمعرفته ومحبته ان اعطاهم كتابه وعلمهم عجايبه وغرائبه فالاصطفائية تقدمت الوارثة اصطفا بمحبته ومشاهدته ثم خاطبهم بماله عندهم ومالهم عنده وهذه الميراث الذى اورثهم من جهنم نسب معرفتهم به واصطفائيته اياهم وهو محل القرب والانبساط لذلك قال ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا ذكر ثم للتاخير ثم قسمهم على ثلاثة اقسام ظالم ومقتصد فى سابق الحمد لله الذى جعل الظالم عندى والله اعمل واحكم الذى وازى القدم بشرط ارادة حمل وارد جميع الذات والصفات وطلب كنه الالوهية بنعت ادراكه فاى ظالم لو اعظم منه اذا طلب شيئا مستحيلا الا ترى الله سبحانه كيف وصف بهذا الظلم بقوله وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولاً وهذا من كمال شوقه الى حقيقة الحق وكمال عشقه ومحبته جلاله وجماله وايضا الظالم من اظهر سر الاسرار من غلبة المواجيد عند الخلق وايضا الظالم من اخرج قدم المعرفة من جادة الرسوم من كمال سكره لانه خرج من حد التمكين وايضا الظالم الّذى قلب عليه عشق الازل ويريد ان يكون الازل بعينه وهذا نعت المتحد واى ظالم اعظم من الحادث الذى وقف فى مقام لذة المشاهدة عن السير فى الالوهية وايضا الظالم الذى احتجب منه به ولا يعرف ان ذلك مكر الازل وايضا الظالم الذى يحب الحق لراحة مشاهدته وايضا الظالم الذى يطلب منه الكرامات والألات والدرجات وايضا الظالم الذى أثر البقاء على الفناء والمقتصد والله اعلم الذى عرف الحق بالحق وجعل الخلق للحق ولا يتجاوز عن حدود العبودية الى عالم الربوبية والمقتصد ايضا الذى استوت احواله وافعاله واقواله وسكره وصحوة وفناء والسابق الخيرات هو المستقيم فى جميع الاحوال وصحوه اكثر من سكره وبقاؤه اترى من فنائه وهو السابق فى الازل بالتقدم على اهل الاصطفائية من اهل الولاية وايضا الظالم المريد والمقتصد المحب والسّابق العارف وقال الحسين البصرى السابق من ------والمقتصد من استوت حسناته وسياته والظالم الذى ترجم سياته على حسناته قال جعفر الصادق فرّق المؤمنين ثلث فرق سماهم مؤمنين اولا عبادنا اضافهم الى نفسه تفضلا منه وكرما ثم قال اصطفيناهم جعلهم كلهم اصفياء مع علمه بتفاوت معاملاتهم ثم جمعهم فى اخر الأية يدخلون الجنة فقال {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} ثم بدا بالظالمين اخبار انه لا يتقرب اليه الا بصرف كرمه وان الظلم لا يوثر فى الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين لانهم بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يا من احد مكره كلهم فى الجنة بحرمة كلمة الاخلاص قال الجنيد ذكر الميراث دل على ان الخلق فيه خاص وعلم ان الميراث لمن هو اقرب واصح نسبا فتصحيح النسبة هو الاصل قال الظالم الذى يحيه لنفسه والمقتصد الذى يحبه له والسابق هو الذى اسقط عنه مراده لمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلبا ولا مراد الغلبة سلطان الحق عليه مسئل النور عن قوله ثم اورثنا على ماذا عطف بقوله ثم قال عطف على ارادة الازل والامر المقضى قال ثم اورثنا من الخلق الذين سبقت لهم منا الاصطفائية فى الازل وقال عبد العزيز المكى المغفرة للظالمين والرحمة للمقتصدين والقربة للسابقين وقال الحسين الظالم الباقى مع حاله والمقتصد الفانى فى حاله السابق المستغرق فى غناء حاله وقال النصر ابادى لا ميراث الا عن نسبة صحح النسبة ثم ادّع الميراث وقال ايضا ميراث الكتاب للذين فهموا عن الله خطابه فكل فهم على قدره فالظالم فهم منه محل المغفرة والثوب والعقاب والمقتصد فهم منه محل الجزاء والاعراض والجنان والسابق استغرقه التلذذ بالخطاب عن ان يرجع منه انى شئ سواه وقال ابو يزيد الظالم مضروب بسوط الامل مقبول لسيف الحرص مضطجع على باب الرجاء والمقتصد مضروب بسوط الحسرة مقتول بسيف الندامة مضطجع على باب الكرم السابق مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على باب الهيبة قال ابو يزيد الظالم فى بنيان العلم والمقتصد فى ميدان المعرفة والسابق فى ميدان الوجد قال محمد بن على الايمان للظالمين والمعرفة للمقتصدين والحقيقة للسابقين قال ابن عطا الظالم معذب والمقتصد معاتب والسابق ناج للمقتصدين الحقيقة للسابقين قال ابن عطا الظالم معذب والمقتصد معاتب والسابق ناج مقرب قال بعضهم الظالم لنفسه أدم والمقتصد ابراهيم والسابق محمد صلوات الله عليهم وقال الاستاذ الظالم من نجم كواكب عقله والمقتصد من طلع يدر علمه والسابق من درت شمس معرفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم} للترتيب والتأخير اى بعدما اوحينا اليك او بعد كتب الاولين كما دل ما قبله على كل منهما. وسئل الثورى على ماذا عطف بقوله ثم قال على ارادة الازل والامر المقضى اى بعد ما اردنا فى الازل {اورثنا الكتاب} اى ملكنا بعظمتنا ملكا تاما واعطينا هذا القرآن عطاء لا رجوع فيه. قال الراغب الوراثة انتقال قينة اليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجرى مجرى العقد وسمى بذلك المنتقل عن الميت ويقال لكل من حصل له شئ من غير تعب قد ورث كذا انتهى. وسيأتى بيانه {الذين اصطفينا من عبادنا} الموصول مع صلته مفعول ثان لا ورثنا. والاصطفاء فى الاصل تناول صفو الشئ بالفارسية [بركزيدن وعباد اينجا بموضع كرامت است اكرجه كه نسبت عبوديت آدمرا حقيقت است] كما فى كشف الاسرار والمعنى بالفارسية [آنا نراكه بركزيديم از بندكان ما "وهم الامة باسرهم" زيرا آن روز كه اين آيت آمد مصطفى عليه السلام سخت شاد شد وازشادى كه بوى رسيد سه بار بكفت] امتى ورب الكعبة والله تعالى اصطفاهم على سائر الامم كما اصطفى رسولهم على جميع الرسل وكتابهم على كل الكتب وهذا الايراث للمجموع لا يقتضى الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن بل يشمل من يحفظ منه جزأ ولو انه الفاتحة فان الصحابة رضى الله عنهم لم يكن واحد منهم يحفظ جميع القرآن ونحن على القطع بانهم مصطفون كما فى المناسبات. قال الكاشفى [عطارا ميراث خواند جه ميراث مالى باشد كه بى تعب طلب بدست آيد همجنين عطية قرآن بى جست وجوى مؤمنان بمحض عنايت ملك منان بديشان رسيد وبيكانكان را در ميراث دخل نيست دشمنان نيز وبهرهاى اهل قرآن متفاوتست هركس بقدر استحاق واندازة استعداد خود از حقائق قرآن بهره مند شوند] شعر : زين بزم يكى جرعه طلب كرد يكى جام تفسير : وفى التأويلات النجمية انما ذكر بلفظ الميراث لان الميراث يقتضى صحة النسب او صحة السبب على وجه مخصوص فمن لا سبب له ولا نسب له فلا ميراث له فالسبب ههنا طاعة العبد والنسب فضل الرب فاهل الطاعة هم اهل الجنة كما قال تعالى {أية : اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس} تفسير : فهو ورثوا الجنة بسبب الطاعة واصل وراثتهم بالسببية المبايعة التى جرت بينهم وبين الله بقوله {أية : ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة} تفسير : فهؤلاء اطاعوا الله بانفسهم واموالهم فادخلهم الله الجنة جزاء بما كانوا يعملون واهل الفضل هم اهل الله وفضله معهم بان اورثهم المحبة والمعرفة والقربة كما قال {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : الآية. ولما كانت الوراثة بالسبب والنسب وكان السبب جنسا واحدا كالزوجة وهما صاحبا الفرض وكان النسب من جنسين الاصول كالآباء والامهات والفروع كل ما يتولد من الاصول كالاولاد والاخوة والاخوات واولادهم والاعمام واولادهم وهم صاحب فرض وعصبية فصار مجموع الورثة ثلاثة اصناف صنف صاحب الفرض بالسبب وصنف صاحب الفرض بالنسب وصنف صاحب الباقى وهم العصبة كذلك الورثة ههنا ثلاثة اصناف كما قال تعالى {فمنهم} اى من الذين اصطفينا من عبادنا {ظالم لنفسه} فى العمل بالكتاب وهو المرجأ لامر الله الى الموقوف امره لامر الله اما يعذبه واما يتوب عليه وذلك لانه ليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته لقوله تعالى {أية : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا} تفسير : الآية ولا من ضرورة الاصطفاء المنع عن الوصف بالظلم هذا آدم عليه السلام اصطفاه الله كما قال {أية : ان الله اصطفى آدم} تفسير : وهو القائل {أية : ربنا ظلمنا انفسنا} تفسير : الآية. سئل ابو يزيد البسطامى قدس سره أيعصى العارف الذى هو من اهل الكشف فقال نعم {أية : وكان امر الله قدرا مقدورا} تفسير : يعنى ان كان الحق قدر عليه فى سابق علمه شيئا فلا بد من وقوعه. واعلم ان الظلم ثلاثة. ظلم بين الانسان وبين الله واعظمه الكفر والشرك والنفاق وظلم بينه وبين الناس. وظلم بينه وبين نفسه وهو المراد بما فى الآية كما فى المفردات. وتقديم الظلم بالذكر لا يدل على تقديمه فى الدرجة لقوله تعالى {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن} تفسير : كما فى الاسئلة المقحمة. وقال بعضهم قدم الظالم لكثرة الفاسقين ولان الظلم بمعنى الجهل والركون الى الهوى مقتضى الجبلة والاقتصاد والسبق عارضان. وقال ابو الليث الحكمة فى تقديم الظالم وتأخير السابق كى لا يعجب السابق بنفسه ولا ييأس الظالم من رحمة الله يعنى [ابتداء بظالم كرد تاشرم زده نكردند وبرحمت بى غايت او اميدوار باشند] شعر : نيايد از من آلوده طاعت خالص ولى برحمت وفضلت اميدوارى هست تفسير : وقال القشيرى فى الارث يبدأ بصاحب الفرض وان قل نصيبه فكذا ههنا بدأ بالظالم ونصيبه اقل من نصيب الآخرين [وكفته اند تقديم ظالم ازروى فضلست وتأخيرش ازراه عدل وحق سبحانه فضل را ازعدل دوستر دارد وتأخير سابق جهت آنست كه تابثواب كه دخول جنانست اقرب باشد يا بجهت آنكه اعتماد بر عمل خود نكند وبطاعت معجب نكردد كه عجب آتشيست كه جون برافروخته شود هزارخر من عبادت بدو سوخته شود] شعر : اى بسر عجب آتشى عجبست كرم ساز تنور بو لهبست هركجا شعلة ازو افروخت هرجه از علم وزهد ديد بسوخت تفسير : {ومنهم مقتصد} يعمل بالكتاب فى اغلب الاوقات ولا يخلو من خلط الشئ: وبالفارسية [وهست از ايشان كه راه ميان رفت نه هنر سابقان ونه تفريط ظالمان] فان الاقتصاد بالفارسية [ميان رفتن دركار] وانما قال مقتصد بصيغة الافتعال لان ترك الانسان للظلم فى غاية الصعوبة {ومنهم سابق} اصل السبق التقدم فى السير ويستعار لاحراز الفضل فالمعنى متقدم الى ثواب الله وجنته ورحمته {بالخيرات} بالاعمال الصالحة بضم التعليم والارشاد الى العلم والعمل والخير ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشئ النافع وضده الشر. قال بعض الكبار وهذه الخيرات على قسمين. قسم من كسب العبد بتقديم الخيرات. وقسم من فضل الرب بتواتر الجذبات الى ان يسبق على الظالم لنفسه وعلى المقتصد بالسير بالله فى الله وان كان مسبوقا بالذكر فى الاخير كما كان حال النبى عليه السلام مسبوقا بالخروج فى آخر الزمان للرسالة سابقا بالرجوع الى الحضرة ليلة المعراج على جميع الانبياء والرسل كما اخبر عن حال نفسه وحال سابقى امته بقوله "حديث : نحن الآخرون السابقون" تفسير : اى الآخرون خروجا فى عالم الصورة السابقون وصولا الى عالم الحقيقة. وعن جعفر الصادق رضى الله عنه بدأ بالظالمين اخبارا انه لا يتقرب اليه الا بكرمه وان الظلم لا يؤثر فى الاصطفاء ثم ثنى بالمقتصدين لانهم بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن احد مكره وكلهم فى الجنة بحرمة كلمة الاخلاص. وقد روى ان عمر رضى الله عنه قال على المنبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " تفسير : وقال ابو بكر بن الوراق رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس لان احوال العبد ثلاث معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة فاذا عصى دخل فى حيز الظالمين واذا تاب دخل فى جملة المقتصدين واذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل فى عداد السابقين. والسابق على ضربين سابق ولد سابقا وعاش سابقا ومات سابقا وسابق ولد سابقا وعاش ظالما ومات سابقا فاسم الظالم عليهم عارية اذا ولدوا سابقين وماتوا سابقين ولا عبرة بالظلم العارض بل العبرة بالازل والابد لا بالبرزخ بينهما فاما من ولد ظالما وعاش ظالما ومات ظالما من هذه الامة فهو من اهل الكبائر الذين قال النبى عليه السلام فيهم "حديث : شفاعتى لاهل الكبائر من امتى " تفسير : فعلى هذا المقتصد من مات على التوبة والسابق من عاش فى الطاعة ومات فى الطاعة. او السابق هو الذى ترجحت حسناته بحيث صارت سيآته مكفرة وهو معنى قوله عليه السلام "حديث : اما الذين سبقوا فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب"تفسير : . واما المقتصد فاولئك يحاسبون حسابا يسيرا. واما الذين ظلموا فاولئك يحبسون فى طول المحشر ثم يتلقاهم الله برحمته. وههنا مقالات اخر كثيرة ذكرنا بعضها منها على ترتيب الآية وهو ان المراد بالطوائف الثلاث التالى للقرآن تلاوة مجردة والقارئ له العامل به والقارئ العامل بما فيه والمعلم له. او من استغنى بماله ومن استغنى بدينه ومن استغنى بربه. او الذى يدخل المسجد وقد اقيمت الصلاة والذى يدخله وقد اذن والذى يدخله قبل تأذين المؤذن وانما كان الاول ظالما لانه نقص نفس الاجر فلم يحصل لها ما حصل لغيرها. او الذى يعبد الله على الغفلة والعادة والذى يعبده على الرغبة والرهبة والذى يعبده على الهيبة. او الذى شغله معاشه عن معاده والذى اشتغل بالمعاش والمعاد جميعا والذى شغله معاده عن معاشه. او من يرتكب المعاصى غير مستحل لها ولا جاحد تحريمها ومن لا يزيد من الطاعات على الفرائض والواجبات ومن يكثر الطاعات ويبلغ النهاية فيها مع اجتناب المعاصى. او من هو معذب ناج ومن هو معاتب ناج ومن هو مقرب ناج. او الذى ترك الحرام والذى ترك الشبهة والذى ترك الفضل فى الجملة. او الذى رجحت سيآته والذى ساوت حسناته سيآته والذى رجحت حسناته. اومن ظاهره خير من باطنه ومن استوى ظاهره وباطنه ومن باطنه خير من ظاهره. او من اسلم بعد فتح مكة ومن اسلم بعد الهجرة قبل الفتح ومن اسلم قبل الهجرة. او اهل البدو: يعنى [اهل باديه كه نه كمر جهاد بندند ونه دولت جاعت يابند] واهل الحضر اى الامصار وهم اصحاب الجماعات والجمعات واهل الجهاد فى سبيل الله. او من لا يبالى من اين اخذ من الحلال او الحرام ومن اخذ من الحلال ومن ترك الدنيا لما انه فى حلالها حساب وفى حرامها عذاب. او الذى يطلب فوق القوت والكفاف والذى يطلب القوت لا الزيادة عليه والذى يتوكل على الله ويجعل جميع جهده فى طاعته. او الذى يدخل الجنة بشفاعة الشافعين والذى يدخلها برحمة الله وفضله والذى ينجو بنفسه وينجو غيره بشفاعته. او الذى يضيع العمر فى الشهوة والمعصية والذى يحارب فيهما والذى يجتهد فى الزلات لان محاربة الصديقين فى الزلات ومحاربة الزاهدين فى الشهوات ومحاربة التائبين فى الموبقات. او من يطلب الدنيا تمتعا ومن يطلبها تلذذا ومن يتركها تزاهدا. او الذى يطلب ما لم يؤمر بطلبه وهو الرزق والذى يطلب ما امر به وما لم يؤمر به والذى يطلب مرضاة الله ومحبته. او اصحاب الكبائر وارباب الصغائر والمجتنب عنهما جميعا فهذا القائل انما حمل الامر على اشده. او من يشتغل بعيب غيره ولا يصلح عيب نفسه ومن يطلب عيب نفسه ويطمع فى عيب غيره ايضا ومن يشتغل بعيب نفسه ولا يطلب عيب غيره اصلا. او الجاهل والمتعلم والعالم [يا آنكه انصاف ستاند وندهد وآنكه همم ستاند وهمم دهد وآنكه او دهد ونستاند يا طالب نجات ودرجات ومناجات يا ناظر ازخود بخود ونكرنده ازخود باخرت وناظر ازحق بحق يا آنكه بيوسته در خواب غفلت باشد وآنكه كاهى بيدار كردد وآنكه هميشه بيدار بود]. او الزاهد لانه ظلم نفسه بترك حظه من الدنيا والعارف والمحب. او الذى يجزع عند البلاء والصابر على البلاء والمتلذذ بالبلاء. او من ركن الى الدنيا ومن ركن الى العقبى ومن ركن الى المولى شعر : نعيم هردو جهان ميكنند برما عرض دل ازميانه تمنا ندارد الا دوست تفسير : او من جاد بنفسه ومن جاد بقلبه ومن جاد بروحه. او من له علم اليقين ومن له عين اليقين ومن له حق اليقين. او الذى يحب الله لنفسه والذى يحبه له والذى اسقط عنه مراده لمراد الحق لم ير لنفسه طلبا ولا مرادا لغلبة سلطان الحق عليه. او من يراه فى الآخرة بمقدار ايام الدنيا فى كل جمعة مرة ومن يراه فى كل يوم مرة ومن هو غير محجوب عنه ولو ساعة. او من هو فى ميدان العلم ومن هو فى ميدان المعرفة ومن هو فى ميدان الوجد. او السالك والمجذوب والمجذوب السالك فالسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو المستهلك فى كمالات القرب الفانى عن نفسه الباقى بربه. او من هو مضروب بسوط الامل مقتول بسيف الحرص مضطجع على باب الرجاء ومن هو مضروب بسوط الحسرة مقتول بسيف الندامة مضطجع على باب الكرم ومن هو مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على باب الهيبة شعر : اكر عاشقى خواهى آموختى بكشتن فرج يابى از سوختن مكن كريه بركور مقتول دوست قل الحمد لله كه مقبول اوست تفسير : فالظالم على هذه الاقاويل كلها هو المؤمن. واما قول من قال الظالم لنفسه آدم عليه السلام والمقتصد ابراهيم عليه السلام والسابق محمد عليه السلام ففيه ان الآية فى حق هذه الامة الا ان يعاد الضمير فى قوله منهم الى العباد مطلقا. فان قلت هل يقال ان آدم ظلم نفسه. قلت هو قد اعترف بالظلم لنفسه فى قوله {أية : ربنا ظلمنا انفسنا} تفسير : وان كان الادب الامساك عن مثل هذا المقال فى حقه وان كان له وجه فى الجملة كما قال الراغب الظلم يقال فى مجاوزة الحق الذى يجرى مجرى نقطة الدائرة ويقال فيما يقل ويكثر من التجاوز ولهذا يستعمل فى الذنب الكبير والصغير ولذلك قيل لآدم ظالم فى تعديه ولا بليس ظالم وان كان بين الظلمين بون بعيد انتهى. {باذن الله} جعله فى كشف الاسرار متعلقا بالاصناف الثلاثة على معنى ظلم الظالم وقصد المقتصد وسبق السابق بعلم الله وارادته. والظاهر تعلقه بالسابق كما ذهب اليه اجلاء المفسرين على معنى بتيسيره وتوفيقه وتمكينه من فعل الخير لا باستقلاله. وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها. قال القشيرى قدس سره كأنه قال يا ظالم ارفع رأسك فانك وان ظلمت فما ظلمت الا نفسك ويا سابق اخفض رأسك فانك وان سبقت فما سبقت الا بتوفيقى {ذلك} السبق بالخيرات {هو الفضل الكبير} من الله الكبير لا ينال الا بتوفيقه او ذلك الا يراث والاختيار فيكون بالنظر الى جمع المؤمنين من الامة وكونه فضلا لان القرآن افضل الكتب الالهية وهذه الامة المرحومة افضل جميع الامم السابقة. وفى التأويلات النجمية اى الذى ذكر من الظالم مع السابق فى الايراث والاصطفاء ودخول الجنة ومن دقائق حكمته انه تعالى ما قال فى هذا المعرض الفضل العظيم لان الفضل العظيم فى حق الظالم ان يجمعه مع السابق فى الفضل والمقام كما جمعه معه فى الذكر

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ثم أورثنا الكتابَ} أي: أوحينا إليك القرآن، وأورثناه مَنْ بعدَك، أي: حكمنا بتوريثه {الذين اصطفينا من عبادنا} وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، وتابعيهم، ومَن بعدهم إلى يوم الدين؛ لأنَّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بالانتساب إلى أكرم رسله. قال ابن عطية: الكتاب هنا يراد به معاني القرآن وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله، فكأنه وَرَّث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. هـ. ثم رتَّبهم مراتب، فقال: {فمنهم ظالم لنفسه} بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، {ومنهم مقتصدٌ} وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، {ومنهم سابق بالخيرات} بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر ـ بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، والظالمُ يُحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة" تفسير : رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه: السابق، المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حَكَمَ للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن: الظالم: مَن رجحت سيئاته، والسابق: مَن رجحت حسناته، والمقتصد: مَن استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال: كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله: {أية : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ}تفسير : [فاطر: 36]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده؛ لأنه قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله: {الذين اصطفينا من عبادنا} فهم أهلُ الإيمان، وعليه الجمهور. وإنما قدّم الظالم للإيذان بكثرتهم، وأنّ المقتصد: قليلٌ بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدّمه ليعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربِّه. وقيل: لأن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. وقال أيضاً: السابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق. وقيل: الظالم: مَن أخذ الدنيا حلالاً وحراماً، والمقتصد: المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال، والسابق: مَن أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب الآخرة، والسابق: طالب الحق لا يبغي به بدلاً. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. وقال عكرمة والحسن وقتادة: الأقسام الثلاثة في جميع العباد؛ فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} تفسير : [الواقعة: 7] والتحقيق ما تقدّم. وقوله: {بإِذْنِ الله} أي: بأمره، أو: بتوفيقه وهدايته {ذلك} أي: إيراث الكتاب والاصطفائية. أو السبق إلى الخيرات {هو الفضلُ الكبيرُ} الذي لا أكبر منه، وهو {جناتُ عَدْنٍ يدخلونها} أي: الفرق الثلاث؛ لأنها ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء، إذا كانوا مقرين في النسب. وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول. {يُحلَّون فيها من أساورَ} جمع أَسورة، جمع سوار، {من ذَهَبٍ ولؤلؤاً} أي: من ذهب مرصَّع باللؤلؤ. وقرأ نافع بالنصب، عطف على محل أساور، أي: يحلون أساور ولؤلؤاً. {ولباسُهُم فيها حريرٌ} لِمَا فيه من اللذة والليونة والزينة. {وقالوا} بعد دخولهم الجنة: {الحمدُ لله الذي أذْهَبَ عنا الحزَن} خوف النار، أو: خوف الموت، أو: الخاتمة، أو: هَم الرزق. والتحقيق: أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" تفسير : .{إِنَّ ربنا لغفور شكور} يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلَّت. {الذي أحللنا دارَ المُقَامة} أي: دار الإقامة لا نبرح عنها ولا نُفارقها. يقال: أقمت إقامة ومقاماً ومقامة، {من فضلِهِ} أي: من عطائه وإفضاله، لا باستحقاق أعمالنا، {لا يمسنا فيها نَصَبٌ} تعب ومشقة {ولا يمسنا فيها لُغُوبٌ} إعياء وكَلَلَ من التعب، وفترة؛ إذ لا تكليف فيها ولا كد. نفى عنهم أولاً التعب والمشقة، وثانياً ما يتبعه من الإعياء والملل. وأخرج البيهقي: أن رجلاً قال يا رسول الله: إن النوم مما يُقِرُّ الله به أعيننا، فهل في الجنة من نوم؟ فقال: "حديث : إن النوم شريك الموت - أو أخو الموت ـ وإن أهل الجنة لا ينامون ـ أو: ليس في الجنة موت"تفسير : .وفي رواية أخرى، قال: فما راحتهم؟ قال: "حديث : ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة" تفسير : ،فالنوم ينشأ من نصب الأبدان، ومِن ثِقل الطعام، وكلاهما منتفيان في الجنة. قال الضحاك: إذا دخل أهل الجنة الجنة، استقبلهم الولدان والخدم، كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيبعث الله ملَكاً من الملائكة، معه هدية من رب العالمين، وكسوة من كسوة الجنة، فيلبسه، فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت، فيقف، ومعه عشرة خواتم، فيضعها في أصابعه، مكتوب: طبتم فادخلوها خالدين، وفي الثانية: ادخلوها بسلام، ذلك يوم الخلود، وفي الثالثة: رُفعت عنكم الأحزان والهموم، وفي الرابعة: وزوجناهم بحور عين، وفي الخامسة: ادخلوها بسلام آمنين، وفي السادسة: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، وفي السابعة: أنهم هم الفائزون. وفي الثامنة: صرتم آمنين لا تخافون أبداً، وفي التاسعة: رفقتم النبيين والصديقين والشهداء، وفي العاشرة: سكنتم في جوار مَن لا يؤذي الجيران. فلما دخلوا قالوا: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن...} إلى: {لغوب}. هـ. الإشارة: قال الورتجبي: الاصطفائية تقدمت الوراثة؛ لمحبته ومشاهدته، ثم خاطبهم بما له عندهم وما لهم عنده. وهذا الميراث الذي أورثهم من جهة نسب معرفتهم به، واصطفائيته إياهم، وهو محل القرب والانبساط، لذلك قال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} ثم قسمهم على ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق. والحمد لله الذي جعل الظالم من أهل الاصطفائية. ثم قال: فالظالم عندي ـ والله أعلم ـ الذي وازى القدم بشرط إرادة حمل وارد جميع الذات والصفات، وطلب كنه الأزلية بنعت إدراكه، فأي ظالم أعظم منه؟ إذ طلب شيئاً مستحيلاً، ألا ترى كيف وصف سبحانه آدم بهذا الظلم بقوله: {أية : وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]، وهذا من كمال شوقه إلى حقيقة الحق، وكمال عشقه، ومحبة جلاله. هـ. قلت: وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سُكْر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالماً لنفسه، من هذا المعنى؛ إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصداً، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقاً. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين؛ فالظالم لنفسه: مَن غلب سُكْره على صحوه في بدايته، والمقتصد مَن غلب صحوه على سُكْره في بداية سيره، والسابق مَن اعتدل سُكره مع صحوه في نهايته أو سيره. أو الظالم: السالك المحض، والمقتصد: المجذوب المحض، والسابق: الجامع بينهما؛ إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم: الذي ظاهره خيرٌ من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: هو الذي باطنه خير من ظاهره. وعن عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ: الظالم: الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد: الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق: الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري: ويقال الظالم: مَن غلبت زلاَّته، والمقتصد: مَن استوت حالاته، والسابقُ: مَن زادت حسناته. أو: الظالمُ: مَنْ زهد في دنياه، والمقتصدُ: مَن رغب في عقباه، والسابق: مَن آثر على الدارين مولاه. أو: الظالم مَن نَجَمَ كوكبُ عقله، والمقتصد: مَن طَلَعَ بدرُ عِلْمه، والسابق: مَن ذَرَّت شمسُ معرفته. أو: الظالم: مَن طلبه، والمقتصد: مَن وجده، والسابق: مَن بقي معه. أو: الظالم: مَن ترك الزلة، والمقتصد: مَن ترك الغفلة، والسابق: مَن ترك العلاقة. أو: الظالم: مَن جاد بنفسه، والمقتصد: مَن لم يبخل بقلبه، والسابق: مَن جاد بروحه. أو: الظالم: مَن له علم اليقين، والمقتصد: مَن له عين اليقين، والسابق: مَن له حق اليقين. أو: الظالم: بترك الحرام، والمقتصد: بترك الشُّبهة، والسابق: بترك الفضل في الجملة. أو: الظالم: صاحب سخاء، والمقتصد: صاحب جود، والسابق: صاحب إيثار. أو: الظالم: صاحب رجاء، والمقتصد: صاحب بسط، والسابق: صاحب أُنس. أو: الظالم: صاحب خوف، والمقتصد: صاحب خشية، والسابق: صاحب هيبة. أو: الظالم له المغفرة، والمقتصد: له الرحمة، والسابق: له القُربة، أو: الظالم: طالب النجاة، والمقتصد: طالب الدرجات، والسابق: طالب المناجاة. أو: الظالم: أمن من العقوبة، والمقتصد: طالب المثوبة، والسابق: متحقق بالقربة. أو: الظالم: صاحب التوكُّل، والمقتصد: صاحب التسليم، والسابق: صاحب التفويض، أو: الظالم: صاحب تواجد، والمقتصد: صاحب وجد، والسابق: صاحب وجود ـ غير محجوب عنه البتة ـ. أو: الظالم: مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشفٌ بوصفه، والسابق: مستهلك في حقه، الذي هو وُجُودُه. أو: الظالم: صاحب المحاضرة، والمقتصد: صاحب المكاشفة، والسابق: صاحب المشاهدة. وبعضهم قال: يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد: في كل يوم مرة، والسابق: غير محجوبٍ عنه أَلْبتة. هـ باختصار. والتحقيق: أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعُبّاد، والزهّاد، والصالحين؛ إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يُحلَّون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولُؤلؤاً، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولُبها. وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزَن؛ إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فَلِمَا مُنعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة: شعر : وإن خَطَرتْ يوماً على خاطرِ امرىءٍ أقامتْ بها الأفراحُ وارْتحَلَ الهَمُّ تفسير : وقال أيضاً: شعر : فما سَكَنَتْ والهمَّ يوماً بموضِعٍ، كذلك لم يَسْكُنْ مع النغم الغَمُّ تفسير : إِنَّ ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلّنا دار المُقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري: إذا أرادوا أن يَرَوْا مولاهم لا يحتاجون إلى قَطْعِ مسافةٍ، بل هم في غُرَفِهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحيةَ وسلاماً، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مُقلةٍ من جهةٍ، كما هم يَرَوْنه بلا كيفية هـ. ثم ذكر أضدادهم فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ...}

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ} عطف على انّ الّذين يتلون كتاب الله باعتبار عقد الوضع او على الّذى اوحينا اليك من الكتاب باعتبار عقد الوضع ايضاً، والمراد بالكتاب هو احكام الرّسالة والنّبوّة والقرآن صورتها، وايراثها عبارة عن قبولهم تلك الاحكام بالبيعة العامّة الصّحيحة الاسلاميّة، او قبولهم تلك بالبيعة الخاصّة الايمانيّة {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} بقبولنا لهم اى بقبول خليفتنا لهم بالبيعة {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بوقوفه فى مربض بهيميّته وسبعيّته وشيطنته من غير خروجه الى انسانيّته {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} وهو الّذى خرج الى انسانيّته ولم يبلغ الانتهاء فى ذلك ولم يرجع لتكميل غيره {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ} لكلّ من سواه {بِٱلْخَيْرَاتِ} جميعاً {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} او بجنس الخيرات وهو الّذى بلغ منتهى ما ينبغى ان يبلغ بحسب شأنه واستعداده ثمّ رجع لتكميل غيره فانّه سبق غيره بجملة الخيرات او ببعضها. وهذه الآية بهذا التّفسير تشمل كلّ من باع البيعة العامّة الاسلاميّة الصّحيحة لا البيعة الفاسدة كالّذين باعوا مع خلفاء الجور سواء باع البيعة الخاصّة الايمانيّة ام لا، وسواء ترقّى عن مقامه الّذى كان فيه قبل البيعة او لم يترقّ، او لا تشمل الاّ الّذى باع البيعة الايمانيّة فانّ المسلم وان كان له نسبة البنوّة الى من باع معه البيعة الاسلاميّة، ونسبة الاخوّة الى من باع تلك البيعة لكنّها لغاية خفائها كأنّها لم تكن ولذلك كانت تلك النّسبة لم يبلغ سلطانها الى الآخرة ولا يحصل منها الاّ حفظ الدّم والمال والعرض وجريان المناكح والمواريث، والاجر لا يكون الاّ على الايمان، فالوارث من النّبىّ او خليفته ليس الاّ من باع معه البيعة الايمانيّة وبتلك البيعة يتحقّق نسبة الابوّة والبُنوّة بينهما، ونسبة الاخوّة بينه وبين سائر المؤمنين ويكون سلطانها باقياً الى الآخرة، هذا بحسب ظاهر الآية فانّ الدّاخلين فى الاسلام والدّاخلين فى الايمان بقدر قوّة نسبتهم وضعفها الى الرّسول (ص) وارثون منه كتاب الرّسالة ووارثون منه كتاب القرآن لكن ورد أخبار كثيرةٌ جدّاً فى تخصيص الوارثين والمصطفين باولاد فاطمة (ع)، وانّ الآية نزلت فى الفاطميّين وانّهم مغفور لهم على ظلمهم، وانّه لا يدخل فيهم من اشار بسيفه ودعا النّاس الى ضلال، وفى بعض الاخبار انّها لآل محمّد (ص) خاصّةً ولعلّ التّخصيص بالفاطميين او بآل محمّد (ص) للاشارة الى شمول الآية للبائعين البيعة الخاصّة الايمانيّة دون البائعين البيعة العامّة فانّه ورد عنهم (ع) انّ شيعتنا الفاطميّون والعلويّون والهاشميّون، ولو خصّصت الآية باولاد فاطمة (ع) اولادها الجسمانيّين كما فى بعض الاخبار من التّلويح اليه لما كان بعيداً فانّهم الوارثون حقيقةً والمصطفون واقعاً، وغيرهم من شيعتهم وارثون بايراثهم ومصطفون باصطفائهم وتبعيّتهم، وورد انّ الظّالم لنفسه الّذى لا يقرّ بالامام، والمقتصد العارف بالامام، والسّابق بالخيرات الامام، وفى بعض الاخبار فسّر الظّالم بمن لا يعرف حقّ الامام، وعن الصّادق (ع): الظّالم يحوم حول نفسه، والمقتصد يحوم حول قلبه، والسّابق يحوم حول ربّه، وبهذه المضامين اخبار كثيرة، ويستفاد من جملتها انّ ذرّيّة فاطمة (ع) الجسمانيّين ان لم يعرفوا امامهم ولم يبايعوا معه كانوا مغفوراً لهم، والبائعين مع الامام البيعة الخاصّة ان لم يخرجوا من حدود انفسهم ووقفوا فى مهاوى انفسهم مغفور لهم بمحض حصول النّسبة الايمانيّة من غير الوصول الى دار الايمان، لكن: اقول لكم اخوانى: لا تغترّوا بامثال ذلك حتّى لا تجتهدوا فى الخروج من مهاوى انفسكم وتقفوا على ملذّات البهيميّة ولا تعرفوا من الفقر الاّ الحلق والدّلق لانّكم لو ابقيتم النّسبة الى الموت كان ذلك لكم بل لكم المغفرة بل التّرقّى الى الدّرجات العالية ولو جئتم بسيّئات الجنّ والانس، لكن ابقاء تلك النّسبة مع عدم المبالاة بحفظها وعدم الاجتهاد فى الخروج عن مقام البهيميّة فى غاية الاشكال ولو قطعت تلك النّسبة العياذ بالله لكان عذاب المنقطع النّسبة عذاباً لا يعذّب الله احداً بذلك العذاب، فكونوا على حذرٍ من قطعها، حفظنى الله وايّاكم ووفّقنى وايّاكم {ذَلِكَ} الاصطفاء والايراث او السّبق بالخيرات {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} قرئ برفع جنّات عدنٍ مبتدء وخبرٌ، او قرئ بنصبها منصوباً على شريطة التّفسير، او بدلاً من الكتاب بدل الاشتمال، وعلى الوجهين تكون الجملة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ، وقرئ يدخلونها مبنيّاً للمفعول {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} قرئ بالجرّ والنّصب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} لائق بالجنّة لا من جنس حرير الدّنيا.

الحبري

تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ الحسكانيّ: حَدَّثُونا عن أَبي بكر مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن صالح السبيعيّ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْن بن إبْراهيم بن الحَسَن الجصّاص: الحُسَيْن بن الحَكَم: عَمْرو بن خالد أبو حَفْصٍ الأَعْشى، عن أَبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحُسَيْن عليه السلامُ، قالَ: إِنّي لَجالِسٌ عندَه إِذْ جاءَه رجلان من أَهْل العراق، فقالا: يابن رسُول الله جِئْناكَ تُخْبِرنا عن آيات من القُرْآن؟ فقالَ: وما هيَ؟ قالا: قَوْل الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا}. فقالَ: يا أَهْلَ العِراق! وَأَيْشٍ يَقُولونَ؟ قالا: يقولونَ: إنَّها نَزَلَتْ في أُمَّة مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه [وآلِه] وسلَّم. فقالَ عليُّ بنُ الحُسَيْن عليهما السلام: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ كُلُّهم إذَنْ في الجَنَّة! قالَ: فقُلْتُ من بين القوم: يا بنَ رسُول الله! فيمَنْ نَزَلتْ؟ فقالَ: نَزَلَتْ ـ والله ـ فينا أَهْل البَيْت ـ ثلاثَ مرّاتٍ ـ قلتُ: أَخْبِرنا مَنْ فيكم الظالمُ لنفسه؟ قالَ: الذي اسْتَوتْ حسناتُه وسيّئاتُه، وهو في الجَنَّة، فقلتُ: والمُقْتَصِدُ؟ قال: العابِدُ لله فى بَيْتِه حَتَّى يأْتِيَهُ اليَقينُ. فقلتُ: السابقُ بالخَيْرات؟ قال: مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ودَعا الى سَبِيل رَبِّهِ. ـ الحسكانيّ: حَدَّثُونا عن أَبي بكر مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن صالح السبيعيّ، قالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الحَسَن الجصّاص: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الحَكَم. عن حَسَن بن حُسَيْن، عن يَحْيى بن مُساور عن أَبي خالد، عن: زَيْد بن عليّ، فى قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ}. قالَ: الظالِمُ لِنَفْسِه: المُخْتَلِطُ مِنّا بالناس. والمُقْتَصِدُ: العابِدُ. والسابِقُ: الشاهِرُ سَيْفَهُ يَدْعُو اِلى سَبِيل رَبِّهِ. أَوْرَدَ المجلسيُّ: عن السيّد ابن طاووس نَقْلاً عن تفسير محمّد بن العبّاس بن مَرْوان [ابن الجُحَّام]، قالَ: حَدَّثَنَا عليُّ بن عَبْد الله بن أَسَد بن إبْراهيم بن مُحَمَّد، عن عُثمان بن سعيد، عن إسحاق بن يزيد الفراء، عن غالب الهمدانيّ، عن أَبي إسْحاق السبيعيّ، قالَ: خرجتُ حاجّاً فلقيتُ مُحَمَّد بن عليّ [عليه السلامُ]، فسألْتُه عن هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ..}. فقالَ: ما يقولُ فيها قومُك يا أبا إسْحاق ـ يعنى أهْل الكُوفة ـ؟ قالَ قلتُ: يقولونَ إِنَّها لَهُمْ. قال: فما يُخَوِّفُهم إذا كانُوا من أَهْل الجنَّة؟ قلتُ: فما تقولُ أَنْتَ؟ جُعِلْتُ فِداكَ!؟ أمَّا السابِقُ بالخَيْرات، فعليُّ بن أَبي طالب والحَسَن والحُسَيْن، والشهيدُ مِنّا أَهْلَ البيت. وأَمَّا المُقْتَصِدُ، فصائِمٌ بالنّهار وقائِمٌ باللّيل. وأمّا الظالِمُ لِنَفْسِهِ: ففيه ما جَاء في التائِبينَ، وهُوَ مغفورٌ له. يا أبا إسْحاق! بِنا يَفُكُّ الله عيوبكم، وبنا يَحُلُّ الله رباقَ الذُّل من أَعْناقكم، وبِنا يَغْفِرُ الله ذُنُوبكم، وبِنا يَفْتَحُ الله، وبِنا يَخْتِمُ، لا بكم، ونحنُ كَهْفُكُم كأصْحاب الكَهْف، وَنَحْنُ سفينتكُم كسفينةِ نُوحٍ، ونَحْنُ بابُ حِطَّتكم كباب حِطَّة بني إسْرائيل. ثم قالَ في البحار: فر: الحُسَيْن بن الحَكَم باسناده عن غالِب بن عُثمان مثله.

فرات الكوفي

تفسير : {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها يحلّوْنَ فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير * وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربنا لغفورٌ شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب * ... إن الله يمسك السماوات والأرض32-35 و41.} قال: حدثنا فرات بن إِبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي الجارود قال: سألت زيد بن علي [عليهما السلام. أ، ر] عن هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} قال: {الظالم لنفسه} فيه ما في الناس والمقتصد المتعبد الجالس {ومنهم سابق بالخيرات} الشاهر سيفه. [قال: حدثنا. أ، ب] فرات [قال: حدثنا الحسين بن الحكم. ر] معنعناً: عن غالب بن عثمان النهدي [عن أبي إسحاق السبيعي] قال: خرجت حاجاً فمررت بأبي جعفر عليه السلام فسألته عن هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب} إلى آخره قال: فقال لي محمد بن علي: ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق؟ - يعني أهل الكوفة -. قلت: يزعمون أنها نزلت فيهم. قال: فقال لي محمد بن علي: فما يحزنهم إذا كانوا في الجنة؟ قال: قلت: جعلت فداك فما الذي تقول أنت فيها؟ قال: يا أبا إسحاق هذه والله لنا خاصة أما [قوله. ر] {سابق بالخيرات} فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين [عليهم السلام. أ، ر. والرضوان. ر] والشهيد منا أهل البيت، والظالم لنفسه الذي فيه ما في الناس وهو مغفورٌ له وأما المقتصد فصائم نهاره وقائم ليله. ثم قال: يا أبا إسحاق بنا يقيل الله عثرتكم وبنا يغفر الله ذنوبكم وبنا يقضى الله ديونكم وبنا يفك الله وثاق الذل من أعناقكم وبنا يختم و [بنا. ب] يفتح لابكم، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف ونحن سفينتكم كسفينة نوح ونحن باب حطتكم كباب حطة بني إِسرائيل. فرات قال: حدثني محمد بن عيسى الدهقان معنعناً: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: يا علي أبشر وبشر فليس على شيعتك [أ: لشيعتك] كرب [ر: حسرة] عند الموت، ولا وحشة في القبور، [ولا حزن يوم النشور، ولكأني بهم يخرجون من جدث القبور. ب، ر] ينفضون التراب عن [أ: من] رؤسهم ولحاهم يقولون: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربنا لغفورٌ شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن علي عليه السلام قال: أنا وشيعتي يوم القيامة على منابر من نور فيمرّ علينا الملائكة فيسلم علينا [قال. ر، ب] فيقولون: من هذا الرجل ومن هؤلاء؟ فيقال لهم: [هذا. ر، أ] علي بن أبي طالب ابن عم النبي. فيقال: من هؤلاء؟ قال: فيقال لهم: هؤلاء شيعته. قال: فيقولون: أين النبي العربي وابن عمه؟ فيقولون: هو عند العرش. قال: فينادي منادٍ من السماء عند ربّ العزة: يا علي ادخل الجنة أنت وشيعتك لا حساب عليك ولا عليهم. فيدخلون الجنة ويتنعمون فيها من فواكهها ويلبسون السندس والاستبرق وما لم تر عين فيقولون: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} الذي من علينا بنبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبوصية علي بن أبي طالب عليه السلام، فالحمد [ر، أ (خ ل): والحمد} لله الذي منّ علينا بهما من فضله وأدخلنا الجنة فنعم أجر العاملين. فينادي منادٍ من السماء: كلوا واشربوا هنيئاً قد نظر إليكم الرحمان بنظرة فلا بؤس عليكم ولا حساب ولا عذاب. فرات قال: حدثنا سليمان بن محمد [أ، ب: أحمد] معنعناً: عن جهم بن حر قال: دخلت مسجد المدينة فصليت ركعتين على سارية ثم دعوت الله وقلت: اللهم آنس وحدتي وارحم غربتي وائتني بجليس صالح يحدثني بحديث ينفعني الله به، فجاء أبو الدرداء [رضي الله عنه. ر] حتى جلس إلي فأخبرته بدعائي فقال: أما اني أشد فرحاً بدعائك منك أن الله جعلني ذلك الجليس الصالح الذي سافر إليك أما أني سأحدثك بحديث سمعته من [أ، ر:عن] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أحدث به أحداً قبلك ولا أحدث بعدك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلا هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : السابق يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً والظالم لنفسه يحبس في يوم مقداره خمسين ألف سنة حتى يدخل الحزن [في. ر] جوفه ثم يرحمه فيدخله الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} الذي أدخل أجوافهم في طول المحشر {إن ربنا لغفور شكور} قال: شكر لهم العمل القليل وعفا [ب: غفر] لهم الذنوب العظام . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد معنعناً: عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلام ذكره في علي فذكر سلمان لعلي فقال: والله يا سلمان لقد حدثني بما أخبرك به ثم قال: يا علي والله لقد سمعت صوتاً من عند الرحمان لم يسمع يا علي مثله قط مما يذكرون من فضلك حتى لقد رأيت السماوات تمور بأهلها حتى أن الملائكة ليتطلبون إليّ من مخافة ما تجري [ب، أ: يجري] به السماوات من المور وهو قول الله عز ذكره {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنّه كان حليماً غفوراً} فما زالت إلا يومئذٍ تعظيماً لأمرك، حتى سمعت الملائكة صوتاً من عند الرحمان: اسكنوا [يا. أ] عبادي إن عبداً من عبيدي ألقيت عليه محبتي وأكرمته بطاعتي واصطفيته بكرامتي. فقالت الملائكة: {الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن} فمن أكرم على الله منك، والله إن محمداً [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] وجميع أهل بيته [عليهم السلام. ر] لمشرفون متبشرون يباهون أهل السماء بفضلك يقول محمد: الحمد لله الذي أنجز لي [ر: أنجزني] وعده في أخي وصفيي وخالصتي من خلق الله والله ما قمت قدام ربي قط إلا بشرني بهذا الذي رأيت، وإنّ محمداً لفي الوسيلة على منبر من نور يقول: {ألحمد لله الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}. والله يا علي إنّ شيعتك ليؤذن لهم عليكم في الدخول في كل جمعة، وإنهم لينظرون إليكم من منازلهم يوم الجمعة كما ينظر أهل الدنيا إلى النجم في السماء، وإنكم لفي أعلى عليين في غرفة ليس فوقها درجة أحدٍ من خلقه والله [ب: خلق الله و] ما بلغها [ر: يلقاها] أحد غيركم. ثم قال أمير المؤمنين: والله لأبارز الأرض الذي تسكن إليه والله لا تزال الأرض ثابتة ما كنت عليها فإذا لم يكن لله في خلقه حاجة رفعني الله إليه. والله لو فقدتموني لمارت بأهلها موراً [ر: مورة] لا يردهم إليها أبداً، الله الله أيها الناس إِياكم والنظر في أمر الله والسلام على المؤمنين [والحمد لله رب العالمين. أ، ب].

اطفيش

تفسير : {ثم أورثنا الكتاب} العطف على اوحينا اي ثم حكمنا بايراث الكتاب او الماضي بمعنى المضارع قيل او المراد اورثناه من الامم الماضية فانه متضمن لكتبهم فكانه كان عندهم ثم انتقل الينا ويدل لهذا والذي اوحينا اليك هو الحق مصدقا لما بين يديه وعلى هذا فالعطف على ان الذين يتلون كتاب الله. {الذين اصطفينا} اخترنا. {من عبادنا} وهم علماء الامة من الصحابة وممن بعدهم او الامة باسرهم فان الله فضلهم على الامم كما ان نبيهم افضل الانبياء وكتابهم افضل الكتب. {فمنهم ظالم لنفسه} مقصر بالعمل بالقرآن ويعمل المعاصي واتباع الشهوات ولم يتعب بالطاعة ولكن مات تائبا. {ومنهم مقتصد} متوسط يعمل بالقرآن والطاعة تارة يعصي تارة ويتبع الشهوات ومات تائبا وقيل الذي يعمل به في غالب الاوقات {ومنهم سابق بالخيرات} يعمل ويعلم غيره ويرشد الى المعروف ويجتهد طاقته. {باذن الله} بارادته وتيسيره لا بقوة ذلك السابق. وعن عائشة - رضي الله عنها - اما السابق فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة واما المقتصد فمن تبع اثره من اصحابه حتى لحق بها اما الظالم فمثلي ومثلكم تشير الى يوم الجمل للقتال. وقال ابن عباس السابق المؤمن المخلص والمقتصد المراي ان ختم له بالتوبة والظالم كافر النعمة اي عامل الكبائر ان مات تائبا وقيل الظالم من رجحت سيئاته على حسناته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته وحتم له بالتوبة والسابق من رجحت حسناته على سيئاته وقيل الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه والسابق الذي باطنه خير من ظاهره وقيل الظالم التالي للقرآن ولم يعمل به وهذا يصح عندنا على شرط التوبة والمقتصد التالي له العامل به والسابق التالي له العامل به العالم وقيل عن الجمهور الظالم العاصي المسوف والمقتصد المتقي للكبائر والسابق المتقي على الاطلاق وقيل الظالم اصحاب الكبائر والمقتصد اصحاب الصغائر بعدم الاصرار وقيل الظالم الجاهل اي الذي لم يعتن بالعلم وان كان عنده علم الحال والا فليس في الجنة جاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم وانما احتجنا لتلك التأويلات بناء على ان واو يدخلونها عائد للاصناف الثلاثة وان هاء منهم عائدة للذين اصطفينا ولو رجعنا الهاء للعماد والواو للذين اصطفينا جاز ابقاء تفسير الظالم بالجاهل او صاحب الكبائر ونحو ذلك من فيه الخصال المانعة من الجنة وكذا المقتصد وقد فسر بعضهم الظالم باصحاب المشيئة والمقتصد باصحاب الميمنة والسابق بالسابقين المقربين وهذا يصح على ان الضمير في منهم للعباد وهذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والذي لابن عباس انه للذين اصطفينا وعلى ان واو يدخلونها لمن يصلح لدخولها فعلى ان الضمير لعباد تكون الاصناف في الامة وغيرها وعلى انه للذين اصطفينا تكون في لامة ولك رجع الضمير للذين اصطفينا وابقاء معاني تلك الاقوال على ظاهر فان الاصطفاء عام للامة الامن ابى منها فان المشركين والمنافقين من هذه الامة قد خصهم الله بمزايا كالقرآن ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم فابوا وخصوا بعدم المسخ والخسف. {ذلك} الايراث او الاصطفاء او السبق. {هو الفضل الكبير جنات} مبتدأ. {عدن} اقامة وقرىء بالافراد. {يدخلونها} خبر وقرأ ابو عمرو بضم الياء وفتح الخاء بناء للمفعول منا دخل بالهمزة وقرىء جنات بالكسر نصبا على الاشتغال ويجوز ان يكون جنات بدلا من الفضل الكبير تنزيلا للسبب منزلة المسبب فان الاصطفاء أو السبق او الايراث سبب لدخول الجنة فسمي باسمها فافهم وواو يدخلونها للأصناف الثلاثة بالقيد المذكور وهو قول ابي سعيد الخدري وعائشة وابن مسعود وكعب واسامة ابن زيد قالت عائشة وكعب يدخلوها كلهم ورب الكعبة. قال ابن مسعود هذه الامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلونها وثلث يدخلون بذنوب عظام تابوا يقول الله عز وجل ما هؤلاء وهو اعلم بهم فتقول الملائكة مذنبون الا انهم لم يشركوا فيقول عز وجل ادخلوهم في سعة رحمتي وقرأ عمر الآية فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقا سابق ومقتصدنا مقتصد وفي رواية لاحق ناج وظالمنا مغفور له وكذا روى ابن مسعود واسامة انهم كلهم في الجنة وقيل عن رسول الله صلى عليه وسلم ان الظالم لنفسه بكثرة المعاصي اي ان مات تائبا يحبس بطول الحشر ثم يدخلونها ولك ان تقول الواو في يدخلونها لسابق والمقتصد، واما الظالم فالكافر. وعن جعفر بن زيد ان رجلا بلغه انه قال من أتى بيت المقدس لم يشخصه الا الصلاة فصلى ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه قال فاتيت بيت المقدس فدخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم قلت اللهم صل وحدتي وانس وحشتي وارحم غربتي وسق الي جليسا صالحا تنفعني به اذ جاء رجل فقام عند سارية فصلى ركعتين ثم جلس فقمت اليه ثم سلمت عليه ثم جلست فقلت من انت يرحمك الله فقال ابو الدرداء فقلت الله اكبر قال مالك يا عبدالله قلت بلغني ان من اتى هذا المسجد ان لم يشخصه الا الصلاة فيه فصلى فاتم ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه قال الحديث كما بلغك قال فقلت فجئت الى هذا المسجد فصليت فيه ركعتين ثم قلت اللهم صل وحدتي انس وحشتي وارحم غربتي وسق الي جليسا صالحا ينفعني فقال انا احق بالحمد منك اذ شكرني الله في دعوتك وجعلني ذلك الجليس الصالح لاجرم لاحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم احدث به احدا قبلك ولا احدث به احدا بعدك حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها} الآية قال فيجىء السابق فيدخل الجنة بغير حساب ويجىء هذا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة ويجىء هذا الظالم لنفسه فيعير ويحزن ويوبخ ثم يتجاوز الله عنه فيدخل الجنة وهم الذين قالوا الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور يغفر الذنب الكبير ويقبل العمل اليسير سبحانه وتعالى . تفسير : وروي ان حبرا من الأحبار لقي كعبا فقال يا كعب تركت دين موسى واتبعت دين محمد فقال بل انا على دين موسى واتبعت دين محمد قال فما حملك على هذا قال اني وجدت امة محمد ثلاثة اثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا وثلث يقول الله تعالى لملائكته قلبوا عبادي فانظرا ماذا كانوا يعملون وهو اعلم بهم فيقلبون فيقولون ربنا نرى ذنوبا كثيرة وخطايا عظيمة فيقول قلبوا السنتهم فانظروا ماذا يقولون فيقلبون فيقولون ربنا نراهم يخلصون بك ولا يشركون بك شيئا فيدخلهم الجنة. قال جعفر الصادق: بدا بالظالم اخبارا بانه لا يتقرب الظالم الا بكرم الله ولا يؤثر فيه الاصطفاء وثني بالمقتصد لانه بين بين ثم ختم بالسابق لئلا يامن احد مكره وكلهم في الجنة وليس لأحد ان يأمن مكر الله وقيل رتب كذلك لان الرجل بالعصيان يدخل في حيز الظالمين وبالتوبة ويدخل في جملة المقتصدين وبصحتها واجتهاده يدخل في السابقين وقيل قدم الظالم لكثرته وثني بالمقتصد لقلته بالنسبة الى الظالم وهم اكثر من السابق واخر السابق لانه اقل القليل وقيل قدم الظالم لان الظلم والميل للهوى مقتضي الطبيعة ومن الظلم الجهل واما الاقتصاد والسبق فعارضان. {يحلون} من حلالها بالتشديد أي البسه حلية وقرىء يحلون بفتح الياء واسكان الحاء من حلي يحلي كرضى يرضي أي لبس الحلي. {فيها من أساور من ذهب} من الاولى للبتعيض متعلقة بمحذوف نعت لمفعول محذوف او من صلة في المفعول او للابتداء متعلق يحلون ومن الثانية للبيان او للتبعيض. {ولؤلؤا} معطوف على محل اساور ومن جعل من التبعيضية مفعولا اسما فالعطف على محلها وذلك قراءة نافع وعاصم وقرأ غيرهما بالجر عطفا على ذهب او اساور وقرىء بتخفيف الهمزة الاولى فقد سبق الكلام في الحجم وان قلت ما معنى كون الاساور من ذهب ولؤلؤا قلت معناه ان بعضها من ذهب وبعضها من لؤلؤ او ان السوار الواحد من ذهب مرصع باللؤلؤ او من ذهب في صفاء اللؤلؤ. {ولباسهم فيها حرير} عن ابي هريرة دار المؤمن درة مجوفة في اوسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ باصبعه سبعين حلة مبطنة باللؤلؤ والمرجان.

اطفيش

تفسير : {ثمَّ أوْرَثنا} أعطينا بسهولة {الكتاب} القرآن عطف على قوله: "أية : الذي أوحينا إليك"تفسير : الخ عطف فعلية على اسمية، ولو عطفناها على أوحينا لتوافقتا فعليه، وصح على وضع الكتاب موضع الضمير، لكن فيه الأخبار قبل العطف، أو الكتاب القرآن وغيره، الجمهور على الأول وهو الصحيح، وثم للتراخى الرتبى، لأن عنوان الايراث أفضل من الإيحاء، لأن فيه إيحاء وكيفية تمليك عظيمة، وعكس بعض، فيكون التراخى لما دون الأول، وإن فسرنا الايراث بالحكم بالإرث، فالتراخى الى ما فوق، على أن الحكم أفضل من الإيقاع، وقد يعكس بأن فى الإيقاع حكما ووقوعا، ويحصل تراخى الرتبة بكون الكتاب هو القرآن، ويجوز الترتيب بالاخبار وبالزمان، باعتبار أن تلقى الأمة القرآن والعمل به بعد الوحى لا معه ولا قبله، ولا يخفى تراخى الزمان باعتبار الأمم السابقة. {الَّذين اصْطفَينا مِن عِبادِنا} هم هذه الأمة أمة الاجابة على الأول الصحيح، وهو أن الكتاب القرآن، أو المتقون مطلقا على الثانى، وهو أن الكتاب القرآن وغيره، اصطفى الله عز وجل هذه الأمة، جعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، وخصهم بالانتساب الى أفضل الأنبياء، وقيل الذين اصطفينا علماء الأمة الصحابة، ومن بعدهم اصطفاهم بالوقوف على حقائقه ودقائقه، والأمانة عليه، وزعمت الشيعة أنهم آل البيت، والصحيح أنهم الأمة أو علماؤها، فيدخل متقو آل البيت أولا، وقيل المراد الأنبياء، والكتاب الجنس، وقيل المذكورون فى قوله تعالى: "أية : إن الله اصطفى آدم"تفسير : [آل عمران: 33] إلخ، وليس كذلك، ومن للتبعيض لا للبيان، وليست الإضافة للتشريف، لأن المراد مطلق العباد، والذين مفعول أول لأنه الفاعل فى المعنى، اى جعلناهم وارثين الكتاب، وقدم الثانى لشرفه. ولا مانع من أن يراد بالذين اصطفينا من عبادنا هذه الأمة، مؤمنها وكافرها وضيع الكافر هذا الاصطفاء، فتكون هاءات منهم فى قوله عز وجل: {فمنْهُم ظالمٌ لنفسِه} إلخ لجملة العباد أو واو يدخلونها للمقتصد، والسابق، ولا نصيب للظالم فى الجنة إن لم يتب، كما فسر ابن عباس الآية به، ولا يخفى أنه يبعد تفسير عباد بمؤمنى هذه الأمة، والذين اصطفينا بعلمائها، وأن الاضافة للتشريف، إذ لا عهد يدل أن العباد مؤمنوها، ولا مانع من أن يراد بالظالم لنفسه المسرف فى المعاصى، ولو بالاشراك، لكن مات تائبا ولو عند قرب موته جدا ما لم يره كما قال الله عز وجل: "أية : إلا قوم يونس"تفسير : [يونس: 98] وأنت خبير بأنه تكون درجة المسرف فى طول عمره، دون درجة المقتصد والسابق، إلا أن لله أن يفعل ما يشاء لزيادة فضله، ولا طلاعة على شأنه فى توبته، ولا سيما من أسرف ثم أقلع وبالغ فى الاجتهاد بقية عمره، فربما التحق بالمقتصد أو السابق، والعلم عند الله الرحمن الرحيم، وقد تكون الهاءات للذين اصطفينا، على أن الاصطفاء بالاسعاد، فيدخل الظالم التائب فى الذين اصطفينا، والظالم لنفسه شامل لمن ظلم غيره، لأن ظلمه لغيره ظالم به نفسه، وحسناته قليلة، وسيئاته كثيرة، ومنها أن لا يبالى من أين يزرقه، وكثرة الاهتمام بالدنيا، وترك النهى عن المنكر والجهل. {ومنَّهُم مُقتصِدٌ} يكثر السيئات والحسنات، ولا يصر، ومن أذنب ولم يقصد أن لا يتوب، وغفل أو نسى، فالحقيق أنه ليس مصرا، ولا سيما أنه يستغفر من الذنوب إجمالا، وقيل: متقى الكبائر: ولو مات على صغيرة إن لم يقصد الإصرار {ومنْهُم سابِقٌ بالخَيْراتِ} بالأعمال الصالحات يسبق الظالم، والمقتصد بسببها فى الدرجات، قلت سيئاته، وكثرت حسناته، ولا يصح تفسير الظالم بطالب النجاة، والسابق بطالب المناجاة، فيبقى للمقتصد طلب الدرجات، كيف يقال لطالب النجاة: ظالم، ولا دليل على طلب المناجاة، ولا يصح تفسيره بتارك الزلة، والمقتصد بتارك الغفلة، والسابق بتارك العلاقة، لأن فى الأخيرين تشديدا لا دليل عليه، وفى الأول الهجوم باسم الظلم تشديدا أيضا دون استحقاق، ولا بساكن البادية والحاضرة والمجاهد، إذ ليس كل ساكن البادية جاهلا أو عاصيا، ولا يفسر القرآن بالنظر الى الغالب، ولا يحسن التفسير بأشخاص كفلان وفلان، ولا بأنواع متشخصة كمن أسلم بعد الفتح، ومن أسلم قبله، ومن أسلم قبل الهجرة بل يحسن التعميم فى الكل، مع أن فى كل واحد من الثلاثة طالب النجاة إلخ، وتارك الزلة إلخ، وساكن البادية إلخ مراتب. وعن ابن عباس: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائى، والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها، ففى كلامه إثبات اسم الكفر لكفر النعمة، ومراده بالمرائى التائب من الرياء أو من لم يخلص رياءه، ففى بعض الآثار أنه من لم يتمحض رياءه بل له معه قصد من قلبه الى الله تعالى يثاب على ذلك، وقيل: الظالم أصحاب الكبائر، والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق من لا كبيرة ولا صغيرة، وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم، وقيل: الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من استويا منه، والسابق من باطنه خير من ظاهره. {بإذْن الله} بتيسيره عائد الى سابق فلا يعجب بنفسه، فان الله الرحمن الرحيم هو الذى أنعم عليه بالتيسير، وقدم الظالم لكثرته، ولأن الاقتصاد بعد التوبة من الظلم ومعه، ولئلا ييأس، ولأن مبدأ المكلف القصور، وتلويحا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، ولأن أول ما يدخل عليه التوبة والاصطفاء، وبعد المقتصد لقتله بالنسبة الى الظالم، ولأن توبته بعد معصية الظلم، فذلك معصية وتوبة من المقتصد، وقربة من السابق، وآخر السابق لئلا يعجب، فلم يبق للمقتصد إلا التوسط، إذ قدم الظالم لئلا ييأس مثلا، أو أخر السابق ليتصل بقوله: "أية : جنات عدن يدخلونها"تفسير : [الرعد: 23] فهو يدخلها أيضا قبل، ويليه فى الدخول المقتصد، فتلاه فى الذكر، فهو يدخل تاليا للسابق، فاتصل به، والظالم بعدهما، فأخر عن ذكر الجنة بالفصل بهما، وأيضا وسط المقتصد بينهما فى الذكر، كما توسط فى الدخول، قيل: لو قدم سابق بالخيرات بإذن الله على ظالم أو مقتصد لحصل الفصل بقوله: {بإذن الله} قلت لا ضير. {ذلك} ما ذكر من الايراث والاصطفاء {هو الفضْل الكبير* جنات عَدْنٍ يدخُلُونها} والواو للأقسام الثلاثة بشرط التوبة، كما مر قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية: {ثم أورثنا الكتاب} الى {الخيرات} وقال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم فى الجنة يعنى بمنزلة واحدة فى رضا الله، أو قوله: وكلهم فى الجنة، تفسير لقوله: بمنزلة واحدة، والمراتب تختلف، وفى الطبرانى، عن أسامة بن زيد، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة" تفسير : وعن أنس وعمر، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له" تفسير : وفى الطبرى والطبرانى والبيهقى، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، والظالم يحبس على طول المحشر، ويشتد حزنه ثم يتلقاه الله برحمته، وهو الذى يقول الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"تفسير : وفى البيهقى، عن البراء أنه قرأ الآية، فقال: "أشهد على الله تعالى أنه يدخلهم الجنة جميعا" وعن كعب الأحبار أنه قرأ الى "أية : لغوب"تفسير : [فاطر: 35] فقال: دخلوها كلهم ورب الكعبة ألا ترى الى قوله تعالى على أثره: "أية : والذين كفروا لهم نار جهنم" تفسير : [فاطر: 36] ولا تتوهم أن الموحد من أهل الجنة ولو أصر بل إن تاب. {يحلَّون فيها من أساور مِن ذهبٍ ولُؤلؤاً} خبر ثان لجنات، أو حال من واو يدخلونها مقدرة، لأن التحلية بعد الدخول لا مع الدخول، وأساور جمع الجمع وهو أسورة الذى هو جمع سوار بالكسر أو الضم، لا جمع المفرد وإلا قيل: أساوير بالياء، أو يحتاج الى دعوى حذفها، ومن للتبعيض، ولأن فعالا بفتح أو كسر أو ضم يجمع على فعائل لا على أفاعل، وهى بعض ما خلق الله من الأساور، وعلى جواز زيادة من فى الإثبات، ومع المعرفة يكون مفعولا ثانيا بمعنى يلبسون أساور بالبناء للمفعول من الإلباس، ويجوز أنها للبيان لمحذوف، أى يحلون فيها زخارف أو حليا من أساور، كما أنها بيانية فى قوله عز وجل: {من ذهب} لأساور، أو تبعيض من جملة ما خلق الله من الذهب، ونصب لؤلؤا عطفا على المبهم المحذوف، وفى البيهقى والترمذى، عن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا الآية فقال: "حديث : إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منهم لتضىء ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : {ولباسُهُم فيها} متعلق بلبأس بمعنى ملبوس {حَريرٌ} خالص، وفسره بعض بمارق من الثياب، والجملة الاسمية المخالفة للفعلية التى قلبها للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة، ولأن اللباس معلوم أنه لا بد منه، وإنما يسأل عنه لو سئل عنه ما هو، فقيل: إنه حرير، فلذلك وللفاصلة لم يقل ويلبسون حريرا.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } أي القرآن كما عليه الجمهور، والعطف قيل على {أية : ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا }تفسير : [فاطر: 31] وقيل على {أَوْحَيْنَا } بإقامة الظاهر مقام الضمير العائد على الموصول، واستظهر ذلك بالقرب وتوافق الجملتين أي ثم أعطيناه من غير كد وتعب في طلبه {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } وهم كما قال ابن عباس وغيره أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس وخصهم بالانتماء إلى أكرم رسله وأفضلهم عليهم الصلاة والسلام، و {ثُمَّ } للتراخي الرتبـي فإن إيحاء الكتاب إليه صلى الله عليه وسلم أشرف من الإيراث المذكور كأنه كالعلة له وبه تحققت نبوته عليه الصلاة والسلام التي هي منبع كل خير وليست للتراخي الزماني إذ زمان إيحائه إليه عليه الصلاة والسلام هو زمان إيراثه، وإعطائه أمته بمعنى تخصيصه بهم وجعله كتابهم الذي إليه يرجعون وبالعمل بما فيه ينتفعون، وإذا أريد بإيراثه إياهم إيراثه منه صلى الله عليه وسلم وجعلهم منتفعين به فاهمين ما فيه بالذات كالعلماء أو بالواسطة كغيرهم بعده عليه الصلاة والسلام فهي للتراخي الزماني، والتعبير عن ذلك بالماضي لتحققه، وجوز أن يكون معنى {أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ } حكمنا بإيراثه وقدرناه على أنه مجاز من إطلاق السبب على المسبب فتكون ثم للتراخي الرتبـي وإلا فزمان الحكم سابق على زمان الإيحاء. ووجه التعبير بالماضي عليه ظاهر. وفي «شرح الرضي» أن ثم قد تجىء في عطف الجمل خاصة لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له كما في قوله تعالى: {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } تفسير : [هود: 3] فإن بين توبة العباد وهي انقطاع العبد إليه تعالى بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيداً وهذا المعنى فرع التراخي ومجازه اهـ. وابن الشيخ جعل ما هنا كما في هذه الآية، وجوز أن يكون {ثُمَّ أَوْرَثْنَا } الخ متصلاً بما سبق من قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }تفسير : [فاطر: 24] والمراد ثم أورثنا الكتاب من الأمم السالفة وأعطيناه بعدهم الذين اصطفيناهم من الأمة المحمدية، والكتاب القرآن كما قيل {أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 196] وقيل لا يحتاج إلى اعتبار ذلك ويجعل المعنى ثم أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة. ووجه النظم أنه تعالى قدم إرساله في كل أمة رسولاً وعقبه بما ينبـىء أن تلك الأمم تفرقت حزبين حزب كذبوا الرسل وما أنزل معهم وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } تفسير : [فاطر: 25] وحزب صدقوهم وتلوا كتاب الله تعالى وعملوا بمقتضاه وهم المشار إليهم بقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ } تفسير : [فاطر: 29] الخ وبعد أن أثنى سبحانه على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم جاء بما يختص برسوله صلى الله عليه وسلم من قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [فاطر: 31] الخ استطراداً معترضاً ثم أخبر سبحانه بإيراثه هذا الكتاب الكريم هذه الأمة بعد إعطاء تلك الأمم الزبر والكتاب المنير، وعلى هذا يكون المعنى في {أَوْرَثْنَا } على ظاهره، وثم للتراخي في الاخبار أو للتراخي في الرتبة إيذاناً بفضل هذا الكتاب على سائر الكتب وفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وفي هذا الوجه حمل الكتاب في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ }تفسير : [فاطر: 29] على الجنس وجعل الآية ثناء على الأمم المصدقين بعد اقتصاص حال المكذبين منهم، فإن دفع ما فيه فهو من الحسن بمكان. وجوز أن يكون عطفاً على {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } وإذا كان إيراث الكتاب سابقاً على تلاوته فالمعنى على ظاهره و(ثم) للتفاوت الرتبـي أو للتراخي في الاخبار {أية : وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا} تفسير : [فاطر: 31] الخ اعتراض لبيان كيفية الإيراث لأنه إذا صدقها بمطابقته لها في العقائد والأصول كان كأنه هي وكأنه انتقل إليهم ممن سلف، وهو كما ترى. وجوز على هذا وما قبله أن يراد بالكتاب الجنس؛ ولا يخفى أن إرادة القرآن هو الظاهر، وقيل المراد بالمصطفين علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم ممن يسير بسيرتهم وإيراثهم القرآن جعلهم فاهمين معناه واقفين على حقائقه ودقائقه أمناء على أسراره. وروى الإمامية عن الصادق والباقر رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: هي لنا خاصة وإيانا عنى أرادا أن أهل البيت أو الأئمة منهم هم المصطفون الذين أورثوا الكتاب، واختار هذا الطبرسي الإمامي قال في تفسيره «مجمع البيان»: وهذا أقرب الأقوال لأنهم أحق الناس بوصف الاصطفاء والاجتباء وإيراث علم الأنبياء عليهم السلام. وربما يستأنس له بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض» تفسير : وحملهم على علماء الأمة أولى من هذا التخصيص ويدخل فيهم علماء أهل البيت دخولاً أولياً ففي بيتهم نزل الكتاب ولن يفترقا حتى يردا الحوض يوم الحساب، وإذا كانت الإضافة في {عِبَادِنَا } للتشريف واختص العباد بمؤمني هذه الأمة وكانت (من) للتبعيض كأن حمل المصطفين على العلماء كالمتعين. وعن الجبائي أنهم الأنبياء عليهم السلام اختارهم الله تعالى وحباهم برسالته وكتبه، وعليه يكون تعريف (الكتاب) للجنس والعطف على قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ }تفسير : [فاطر: 31] وثم للتراخي في الاخبار، أخبر سبحانه أولاً عما أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم وهو متضمن للاخبار بإيتائه عليه الصلاة والسلام الكتاب على أكمل وجه ثم أخبر سبحانه بتوريث إخوانه الأنبياء عليهم السلام وإيتائهم الكتب، ومما يرد عليه أن إيتاء الأنبياء عليهم السلام الكتب قد علم قبل من قوله تعالى: {أية : فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ } تفسير : [فاطر: 25]. وعن أبـي مسلم أنهم المصطفون المذكورون في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [آل عمران: 33] وهو دون ما قبله، وأياً ما كان فالموصول مفعول أول لأورثنا، و {ٱلْكِتَـٰبِ } مفعول ثان له قدم لشرفه والاعتناء به وعدم اللبس، و(من) للبيان أو للتبعيض. {فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } الفاء للتفصيل لا للتعليل كما قيل؛ وضمير الجمع على ما سمعت أولاً في تفسير الموصول للموصول، والظالم لنفسه من قصر في العمل بالكتاب وأسرف على نفسه وهو صادق على من ظلم غيره لأنه بذلك ظالم لنفسه والمشهور مقابلته بالظالم لغيره، واللام للتقوية. {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } يتردد بين العمل به ومخالفته فيعمل تارة ويخالف أخرى، وأصل معنى الاقتصاد التوسط / في الأمر {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ } متقدم إلى ثواب الله تعالى وجنته {بِٱلْخَيْرٰتِ } أي بسبب الخيرات أي الأعمال الصالحة، وقيل: سابق على الظالم لنفسه والمقتصد في الدرجات بسبب الخيرات، وقيل: أي محرز الفضل بسببها {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أي بتيسيره تعالى وتوفيقه عز وجل؛ وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها، وفسر بمن غلبت طاعته معاصيه وكثر عمله بكتاب الله تعالى، وما ذكر في تفسير الثلاثة مما يشير إليه كلام الحسن فقد روي عنه أنه قال: الظالم من خفت حسناته والمقتصد من استوت والسابق من رجحت، ووراء ذلك أقوال كثيرة فقال معاذ: الظالم لنفسه الذي مات على كبيرة لم يتب منها والمقتصد من مات على صغيرة ولم يصب كبيرة لم يتب منها والسابق من مات تائباً من كبيرة أو صغيرة أو لم يصب ذلك، وقيل الظالم لنفسه العاصي المسرف والمقتصد متقي الكبائر والسابق المتقي على الإطلاق، وقيل الأول المقصر في العمل والثاني العامل بالكتاب في أغلب الأوقات ولم يخل عن تخليط والثالث السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. وقيل الأولان كما ذكر والثالث المداوم على إقامة مواجب الكتاب علماً وعملاً وتعليماً، وقيل: الأول من أسلم بعد الفتح والثاني من أسلم قبله والثالث من أسلم قبل الهجرة، وقيل: هم من لا يبالي من أين ينال ومن قوته من الحلال ومن يكتفي من الدنيا بالبلاغ، وقيل: من همه الدنيا ومن همه العقبى ومن همه المَوْلى، وقيل: طالب النجاة وطالب الدرجات وطالب مناجاة، وقيل: تارك الزلة وتارك الغفلة وتارك العلاقة، وقيل: من شغله معاشه عن معاده ومن شغله بهما ومن شغله معاده عن معاشه وقيل: من يأتي بالفرائض خوفاً من النار ومن يأتي بها خوفاً منها ورضاً واحتساباً ومن يأتي بها رضاً واحتساباً فقط، وقيل: الغافل عن الوقت والجماعة والمحافظ على الوقت دون الجماعة والمحافظ عليهما، وقيل: من غلبت شهوته عقله ومن تساويا ومن غلب عقله شهوته، وقيل: من لا ينهى عن المنكر ويأتيه ومن ينهى عن المنكر ويأتيه ومن يأمر بالمعروف ويأتيه، وقيل: دو الجور وذو العدل وذو الفضل، وقيل: ساكن البادية والحاضرة والمجاهد، وقيل: من كان ظاهره خيراً من باطنه ومن استوى باطنه وظاهره ومن باطنه خير من ظاهره. وقيل: التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه والتالي العالم غير العامل والتالي العالم العامل، وقيل: الجاهل والمتعلم والعالم، وقيل: من خالف الأوامر وارتكب المناهي ومن اجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك ومن لم يخالف تكاليف الله تعالى. وروى بعض الإمامية عن ميسر بن عبد العزيز عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الإمام والمقتصد العارف بحق الإمام والسابق هو الإمام، وعن زياد بن المنذر عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه الظالم لنفسه منا من عمل صالحاً وآخر سيئاً والمقتصد المتعبد المجتهد والسابق بالخيرات علي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم ومن قتل من آل محمد شهيداً، وقيل: هم الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه والموحد الذي يمنع جوارحه بالتكليف والموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد، وقيل: من يدخل الجنة بالشفاعة ومن يدخلها بفضل الله تعالى ومن يدخلها بغير حساب، وقيل: من أوتي كتابه من وراء ظهره ومن أوتي كتابه بشماله ومن أوتي كتابه بيمينه، وقيل: الكافر مطلقاً والفاسق والمؤمن التقي، وفي معناه ما جاء في رواية عن ابن عباس وقتادة وعكرمة الظالم لنفسه أصحاب المشأمة والمقتصد أصحاب الميمنة والسابق بالخيرات السابقون المقربون. والظاهر أن هؤلاء ومن قال نحو قولهم يجعلون ضمير {مِنْهُمْ } للعباد لا للموصول ولا شك / أن منهم الكافر وغيره وكون العباد المضاف إلى الله تعالى مخصوصاً بالمؤمنين ليس بمطرد وإنما يكون كذلك إذا قصد بالإضافة التشريف، والقول برجوع الضمير للموصول والتزام كون الاصطفاء بحسب الفطرة تعسف كما لا يخفى، وقيل: في تفسير الثلاثة غير ما ذكر، وذكر في «التحرير» ثلاثة وأربعين قولاً في ذلك، ومن تتبع التفاسير وجدها أكثر من ذلك لكن لا يجد في أكثرها كثير تفاوت، والذي يعضده معظم الروايات والآثار أن الأصناف الثلاثة من أجل الجنة فلا ينبغي أن يلتفت إلى تفسير الظالم بالكافر إلا بتأويل كافر النعمة وإرادة العاصي منه. أخرج الإمام أحمد والطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي والترمذي وحسنه عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ} ـ إلى ـ {الخَيْرَاتِ } «هؤلاء بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة» وقوله عليه الصلاة والسلام وكلهم الخ عطف تفسيري. وأخرج الطبراني وابن مردويه في «البعث» عن أسامة بن زيد أنه قال في الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلهم من هذه الأمة وكلهم في الجنة»تفسير : وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له»تفسير : وأخرج العقيلي وابن مردويه والبيهقي عن عمر بن الخطاب مرفوعاً نحوه. وأخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبـي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حديث : قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله تعالى برحمته فهم الذين يقولون {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} [فاطر:34]»تفسير : الآية قال البيهقي: إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً، والاخبار في هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية. وقدم الظالم لنفسه لكثرة الظالمين لأنفسهم وعقب بالمقتصد لقلة المقتصدين بالنسبة إليهم وأخر السابق لأن السابقين أقل من القليل قاله الزمخشري، وحكى الطبرسي أن هذا الترتيب على مقامات الناس فإن أحوال العباد ثلاث معصية ثم توبة ثم قربة فإذا عصى العبد فهو ظالم فإذا تاب فهو مقتصد فإذا صحت توبته وكثرت مجاهدته فهو سابق، وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله تعالى وأخر السابق لئلا يعجب بعمله فتعين توسيط المقتصد، وقال قطب الدين: النكتة في تقديم الظالم أنه أقرب الثلاثة إلى بداية حال العبد قبل اصطفائه بإيراث الكتاب فإذا باشره الاصطفاء فمن العباد من يتأثر قليلاً وهو الظالم لنفسه ومنهم من يتأثر تأثراً وسطاً وهو المقتصد ومنهم من يتأثر تأثراً تاماً وهو السابق، وقريب منه ما قيل: إن الاصطفاء مشكك تتفاوت مراتبه وأولها ما يكون للمؤمن الظالم لنفسه وفوقه ما يكون للمقتصد وفوق الفوق ما يكون للسابق بالخيرات فجاء الترتيب كالترقي في المراتب. وقيل: أخر السابق لتعدد ما يتعلق به فلو قدم أو وسط لبعد في الجملة ما بين الأقسام المتعاطفة ولما كان الاقتصاد كالنسبة بين الظلم والسبق اقتضى ذلك تقديم الظالم وتأخير المقتصد ليكون المقتصد بين الظالم والسابق لفظاً كما هو بينهما معنى، وقد يقال: رتب هذه الثلاثة هذا الترتيب ليوافق حالهم في الذكر بالنسبة إلى ما وعدوا به من الجنات في قوله سبحانه: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} تفسير : [فاطر: 33] الآية حالهم في الحشر عند تحقق الوعد فأخر السابق الداخل في الجنان أولاً ليتصل ذكره بذكر الجنات الموعود بها وذكر قبله المقتصد / وجعل السابق فاصلاً بينه وبين الجنات لأنه إنما يدخلها بعده فيكون فاصلاً بينه وبينها في الدخول وذكر قبلهما الظالم لنفسه لأنه إنما يدخلها ويتصل بها بعد دخولهما فتأخير السابق في المعنى تقديم وتقديم الظالم في المعنى تأخير، ويحتمل ذلك أوجهاً أخرى تظهر بالتأمل فتأمل. وقرأ أبو عمران الجوني وعمر بن أبـي شجاع ويعقوب في رواية والقزاز عن أبـي عمرو {سباق} بصيغة المبالغة. {ذٰلِكَ } أي ما تقدم من الإيراث والاصطفاء {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } من الله عز وجل لا دخل للكسب فيه.

ابن عاشور

تفسير : {ثمّ} للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل فهي هنا لعطف الجمل عطفاً ذكرياً، فالمتعاطفات بها بمنزلة المستأنفات، فهذه الجملة كالمستأنفة، و{ثم} للترقي في الاستئناف. وهذا ارتقاء في التنويه بالقرآن المتضمن التنويه بالرسول صلى الله عليه وسلم وعروج في مسرّته وتبشيره، فبعد أن ذُكِّر بفضيلة كتابه وهو أمر قد تقرر لديه زيد تبشيراً بدوام كتابه وإيتائه أمة هم المصطَفون من عباد الله تعالى، وتبشيره بأنهم يعملون به ولا يتركونه كما ترك أمم من قبله كتبهم ورسلهم، لقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} الآية، فهذه البشارة أهم عند النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبار بأن القرآن حق مصدق لما بين يديه، لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده فوقعها أهمّ. وحمل الزمخشري {ثم} هنا على التراخي الزمني فاحتاج إلى تكلف في إقامة المعنى. والمراد بــــ{الكتاب} الكتاب المعهود وهو الذي سبق ذكره في قوله: { أية : والذي أوحينا إليك من الكتاب } تفسير : [فاطر: 31] أي القرآن. و{أورثنا} جعلنا وارثِين. يقال: ورث، إذا صار إليه مال ميت قريب. ويستعمل بمعنى الكسب عن غير اكتساب ولا عوض، فيكون معناه: جعلناهم آخذين الكتاب منا، أو نَجعَل الإِيراث مستعملاً في الأمر بالتلقي، أي أمرنا المسلمين بأن يرثوا القرآن، أي يتلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الاحتمالين ففي الإِيراث معنى الإِعطاء فيكون فعل {أورثنا} حقيقاً بأن ينصب مفعولين. وكان مقتضى الظاهر أن يكون أحد المفعولين الذي هو الآخذُ في المعنى هو المفعولَ الأول والآخر ثانياً، وإنما خولف هنا فقُدِّم المفعول الثاني لأمْنِ اللبس قصداً للاهتمام بالكتاب المعطى. وأما التنويه بآخذي الكتاب فقد حصل من الصلة. والمراد بالذين اصطفاهم الله: المؤمنون كما قال تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } تفسير : [الحج: 77] إلى قوله: { أية : هو اجتباكم } تفسير : [الحج: 78]. وقد اختار الله للإِيمان والإِسلام أفضل أمة من الناس، وقد رويت أحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى في مسند أحمد بن حنبل وغيره ذكرها ابن كثير في «تفسيره». ولما أريد تعميم البشارة مع بيان أنهم مراتب فيما بُشروا به جيء بالتفريع في قوله: {فمنهم ظالم لنفسه} إلى آخره، فهو تفصيل لمراتب المصطفَيْن لتشمل البشارة جميع أصنافهم ولا يظن أن الظالم لنفسه محروم منها، فمناط الاصطفاء هو الإِيمان والإِسلام وهو الانقياد بالقول والاستسلام. وقدم في التفصيل ذكر الظالم لنفسه لدفع توهم حرمانه من الجنة وتعجيلاً لمسرَّته. والفاء في قوله: {فمنهم ظالم لنفسه} الخ تفصيل لأحوال الذين أورثوا الكتاب أي أعطوا القرآن. وضمير «منهم» الأظهر أنه عائد إلى {الذين اصطفينا}، وذلك قول الحسن وعليه فالظالم لنفسه من المصطفَيْن. وقيل هو عائد إلى {عبادنا} أي ومن عبادنا علمه والإطلاق. وهو قول ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك، وعليه فالظالم لنفسه هو الكافر. ويسري أثر هذا الخلاف في محْمل ضمير { أية : جنات عدن يدخلونها } تفسير : [فاطر: 33] ولذلك يكون قول الحسن جارياً على وفاق ما روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وما هو مروي عن عائشة وهو الراجح. والظالمون لأنفسهم هم الذين يجرُّون أنفسهم إلى ارتكاب المعصية فإن معصية المرء ربَّه ظلم لنفسه لأنه يورطها في العقوبة المعينة للمعاصي على تفصيلها وذلك ظلم للنفس لأنه اعتداء عليها إذ قصر بها عن شيء من الخيرات قليل أو كثير، وورطها فيما تجد جزاء ذميماً عليه. قال تعالى حكاية عن آدم وحواء حين خالفا ما نُهِيا عنه من أكل الشجرة { أية : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } تفسير : [الأعراف: 23] وقال: { أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } تفسير : [النساء: 110] وقال: { أية : إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم } تفسير : في سورة النمل (11)، وقال: { أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعاً } تفسير : في سورة الزمر (53). واللام في {لنفسه} لام التقوية لأن العامل فرع في العمل إذ هو اسم فاعل. والمقتصد: هو غير الظالم نفسه كما تقتضيه المقابلة، فهم الذين اتقوا الكبار ولم يحرموا أنفسهم من الخيرات المأمور بها وقد يلمون باللمم المعفو عنه من الله، ولم يأتوا بمنتهى القربات الرافعة للدرجات، فالاقتصاد افتعال من القصد وهو ارتكاب القصد وهو الوسط بين طرفين يبينه المقام، فلما ذكر هنا في مقابلة الظالم والسابق عُلم أنه مرتكب حالة بين تينك الحالتين فهو ليس بظالم لنفسه وليس بسابق. والسابق أصله: الواصل إلى غاية معينة قبلَ غيره من الماشين إليها. وهو هنا مجاز لإِحراز الفضل لأن السابق يحرز السَبق (بفتح الباء)، أو مجاز في بذل العناية لنوال رضى الله، وعلى الاعتبارين في المجاز فهو مكنّى عن الإِكثار من الخير لأن السبْق يستلزم إسراع الخطوات، والإِسراع إكثار. وفي هذا السبق تفاوت أيضاً كخيل الحلبة. والخيرات: جمع خير على غير قياس، والخير: النافع. والمراد بها هنا الطاعات لأنها أعمال صالحة نافعة لعاملها وللناس بآثارها. والباء للظرفية، أي في الخيرات كقوله: { أية : يسارعون في الإِثم والعدوان } تفسير : [المائدة: 62]. وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها مرادة في القسمين الأولين فيؤول إلى معنى ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضاً، ولك أن تجعل معنى {ظالم لنفسه} أنه ناقصها من الخيرات كقوله تعالى: { أية : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلِم منه شيئاً } تفسير : أي لم تنقص عن معتادها في الإِثمار في سورة الكهف (33). والإِذن مستعمل في التيسير على سبيل المجاز، والباء للسببية متعلقة بـ{سابق}، وليس المراد به الأمر لأن الله أمر الناس كلهم بفعل الخير سواء منهم من أتى به ومن قصّر فيه. ولك أن تجعل الباء للملابسة وتجعلها ظرفاً مستقراً في موضع الحال من {سابق} أي متلبساً بإذن الله ويكون الإِذن مصدراً بمعنى المفعول، أي سابق ملابس لما أذن الله به، أي لم يخالفه. وعلى الوجه الأول هو تنويه بالسابقين بأن سبقهم كان بعون من الله وتيسير منه. وفيما رأيتَ من تفسير هذه المراتب الثلاث في الآية المأخوذِ من كلام الأيمة، مع ضميمةٍ لا بد منها. تستغني عن التيه في مهامه أقوال كثيرة في تفسيرها تجاوزت الأربعين قولاً. والإِشارة في قوله: {ذلك هو الفضل الكبير} إلى الاصطفاء المفهوم من {اصطفينا} أو إلى المذكور من الاصطفاء وإيراث الكتاب. و{الفضل}: الزيادة في الخير، و{الكبيرُ} مراد به ذو العظم المعنوي وهو الشرف وهو فضل الخروج من الكفر إلى الإِيمان والإِسلام. وهذا الفضل مراتب في الشرف كما أشار إليه تقسيم أصحابه إلى: ظالم، ومقتصد، وسابق. وضمير الفصل لتأكيد القصر الحاصل من تعريف الجزأين، وهو حقيقي لأن الفضل الكبير منحصر في المشار إليه بذلك لأن كل فضل هو غير كبير إلا ذلك الفضل. ووجه هذا الانحصار أن هذا الاصطفاء وإيراث الكتاب جمع فضيلة الدنيا وفضل الآخرة قال تعالى: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } تفسير : [النحل: 97]، وقال: { أية : وعد اللَّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً } تفسير : [النور: 55].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} إلى قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. قد قدمنا الكلام على هذه الآية، مع نظائرها من آيات الرجاء استطراداً، وذكرنا معنى الظالم والمقتصد والسابق، ووجه تقديم الظالم عليهما بالوعد في الجنات في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [النور: 22] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} قد قدّمناه مع الآيات المماثلة. والمشابهة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [النحل: 14].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {بِٱلْخَيْرَاتِ} (32) - ثُمَّ جَعَلَ اللهُ تَعَالى القَائِمِينَ بالقُرآنِ العَظِيمِ، هُمُ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ مِنْ عِبَادِهِ، مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَأَوْرَثَهُمُ الكِتَابَ. وَقَالَ تَعَالى فِي مَكَانٍ آخَرَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِلقِيَامِ بِالقُرآنِ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَهُمْ أقسَاماً ثَلاَثَةً: - مِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُفَرِّطٌ فِي فِعْلِ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ، مُرْتَكِبٌ بَعْضَ المُحَرَّمَاتِ. - وَمِنْهُمْ مُقَتَصِدٌ، وَهُوَ القَائِمُ بِالوَاجِبَاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ يُقَصِّرُ في فِعْلِ بَعْضِ المُسْتَحَبَّاتِ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ المَكْرُوهَاتِ. - وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ - وَهُوَ الفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ، وَالمُسْتَحَبَّاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّماتِ وَالمَكْرُوهَاتِ. وَذَلِكَ المِيرَاثُ، وَذَلِكَ الاصْطِفَاءُ، فَضْلٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ لاَ يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكتاب هو القرآن، إذن: هذا الميراث كان بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أن المرحلة التي بعد رسول الله مرحلة ميراث للكتاب وللمنهج؛ يرثه العلماء عن رسول الله؛ لذلك جاء في الحديث: "حديث : إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ". تفسير : فالنبي صلى الله عليه وسلم كان هو المبلِّغ والمعلِّم حال حياته، أما بعد وفاته فقد وَكَل الله هذه المهمة إلى العلماء. ومعنى {أَوْرَثْنَا} [فاطر: 32] يعني: طلبنا منهم أنْ يفعلوا فيه فَعْل الوارث في المال؛ لأن الوارث للمال يُوجِّهه وجهةَ النفع العام، وهذه هي وِجْهة الرسالة أيضاً. لذلك قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143] فنحن ورثة محمد، ومَنْ علم مِنَّا حكماً فعليه أنْ يبلغه. فالرسول شهيد على مَنْ بلَّغهم، كذلك أمته سيكونون شهداء على الناس الذين يُبلِّغونهم. ومعنى {ٱصْطَفَيْنَا} [فاطر: 32] أي: اخترنا وفضَّلنا على سائر الأمة، ثم يُقسِّم الحق سبحانه هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [فاطر: 32] ظلمها بالتقصير في حَقِّ هذا الكتاب الذي ورثه، فلم يعمل به كما ينبغي أنْ يعمل، بل قد يرتكب كبيرة والعياذ بالله. وهذا الصنف ظلم نفسه؛ لأنه حرمها الثواب؛ فكُلُّ تكليف يطلب منك العمل اليسير ويعطيك عليه الجزاء الوفير، فحين تُقصِّر في اليسير من العمل فإنك لا شكَّ ظالمٌ لنفسك. {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} [فاطر: 32] يعني: يعمل به في بعض الأوقات، فيخلط عملاً صالحاً بآخر سيء. {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} [فاطر: 32]. اللهم اجعلنا منهم إنْ شاء الله، وكلمة (سابق) تدل على أن هناك سباقاً ومنافسة: أيّ المتسابقين يصل أولاً إلى الغاية الموضوعة للسباق، وأهل هذا الصنف يتسابقون في الخيرات. وقوله تعالى: {ٱصْطَفَيْنَا} [فاطر: 32] دلتْ على أن كلمة التوحيد لها ثمن، والإيمان برسول الله له ثمن، والعمل بما جاء به رسول الله له ثمن، وإنْ كان من بين هؤلاء المصطفين مَنْ يظلم نفسه بالتقصير بل وارتكاب المعاصي، وهو مع هذا كله من المصطفين؛ لأنه قال لا إله إلا الله، والحق سبحانه لا يُسوِّي بين مَنْ قال هذه الكلمة ومَنْ جحدها "لا إله إلا الله حِصْني، مَنْ قالها دخل حصني". لذلك ذكر الحق سبحانه لهؤلاء المؤمنين الذين وَرِثوا الكتاب وصفين: {ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] فوصفهم بالاصطفاء، والعبودية له سبحانه. إذن: نزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وورثتْ أمته الكتاب من بعده، فهي امتداد لرسالته؛ لذلك أَمِن الله على هذه الأمة على أنْ تحمل منهج الله إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة، في حين لم يأْمَن غيرنا. وقد تكفل الحق سبحانه بحفظ هذا الكتاب، ولم يكِلْ حفظه إلى أحد كما حدث في الكتب السابقة على القرآن، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ..} تفسير : [المائدة: 44]. ومعنى {ٱسْتُحْفِظُواْ} [المائدة: 44] طُلِب منهم أنْ يحفظوه، لكنهم قصَّروا فَنَسُوا بعض الآيات، وحرَّفوا بعضها، وكتَموا بعضها، بل ومنهم مَنْ كان يأتي بكلام من عنده ويقول هو من عند الله، ولأن القرآن هو الكتاب الخاتم حفظه الله بنفسه، ولم يأْمَن أحداً على حفظه. فإنْ قُلْتَ: كيف يكون الظالمُ نفسَه من المصطفين، وهو مرتكب للذنوب وربما للكبائر؟ نقول: بمجرد أن يقول العبد أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهو مُصْطفىً، اصطفاه الله على الكفار بهذه الكلمة، وإنْ حدثت منه المعصية بعد ذلك. والحق سبحانه وتعالى حين يذكر الذنب ويُجرِّمه ويضع له عقوبة، فهذا إذْنٌ بأنه سيقع، فمثلاً جرَّم الله السرقة ووضع لها حَدّاً، وجرَّم الزنا ووضع له حداً، فكأن مثل هذه الأمور تحدث في مجتمع المسلمين، أما الكذب مثلاً فلم يضع له حَدّاً ولا عقوبة، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله لما سُئِل: أيزني المؤمن يا رسول الله؟ قال: نعم، أيسرق المؤمن يا رسول الله؟ قال: نعم، أيكذب المؤمن يا رسول الله؟ قال: لا. فكأن المؤمن يُتوقَّع منه الزنا والسرقة، ولا يُتوقَّع منه الكذب، فهو أبعد الصفات عن المؤمن، لماذا؟ قالوا: لأن الكذب يخالف الواقع ويقلب الحقائق، والمؤمن لا يكذب؛ لأنه ينطق بلا إله إلا الله، فإنْ كان كذاباً ما يدريني أنه صدق في هذه الكلمة، فكأن الكذب يهدم الإيمان من أساسه؛ لذلك لم يجعل الله له عقوبة؛ لأنه لا يُتصوَّر من المؤمن. والمقتصد: هو الذي تساوتْ حسناته وسيئاته، وخلط عملاً صالحاً بآخر سيء، وفي موضع آخر يقول تعالى فى حق هذا الصنف: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 102]. يقول النحاة: إن عسى تدل على الرجاء، وأغلب الرجاء التوقّع واحتمال الحديث، على خلاف (ليت) التي وُضعت للتمني، والتمني يكون لشيء بعيد أو مستحيل الحدوث، فهي لمجرد إظهار المحبوبية للشيء المتمنَّى فقط، ولا تدل على رجاء. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : ألاَ لَيْتَ الشبابَ يَعُود يَوْماً فَأخْبِرُ بِمَا فَعَلَ المشِيبُ تفسير : وسبق أنْ قُلنا: إن عسى وإنْ دَلَّتْ على رجاء حدوث الفعل، إلا أنها درجات بعضها أوثق من بعض ومراتب، فمثلاً إنْ كان الرجاء في بشر مثلك كأن تقول: عسى فلان أنْ يعطيني. فهذا رجاء على درجة معينة من احتمال التحقق، فإنْ قُلْتَ عسى أن أعطيك بصيغة المتكلم، فهي أقوى من الأولى وأوثق، فإنْ قُلْتَ: عسى الله أنْ يعطيك فهي أوثق؛ لأنه رجاء في الله، فإنَّ قوله سبحانه: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102] فعسى هنا للرجاء المحقق، إذن: هذه من أرجى الآيات التي ينتظرها المقتصد المقصِّر في حَقِّ ربه. أما السابق بالخيرات، فهو الذي يعمل بالأمر ويُتمه ويأتي به على أكمل أوجه، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} تفسير : [المطففين: 26]. وتأمل مثلاً قوله تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124]. يعني: أتمَّ ما أمر به أولاً بالقدرة العادية، ثم بالحيلة والقدرة العقلية، فلما أمره الله مثلاً بأنْ يرفع القواعد من البيت: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ} تفسير : [البقرة: 127] ماذا طلب منه؟ وماذا فعل هو؟ طلب منه أنْ يرفع قواعد البيت، وكان يكفي في طاعة هذا الأمر أنْ يبني القواعد على قدر ما تطوله يده من الارتفاع، لكنه زاد على ذلك واستخدم الحيلة العقلية، فبعد أنْ وفَّى الأمر وأدَّاه أراد أنْ يزيد شيئاً من عنده، وأن يحسن العمل فوق ما طُلِبَ منه، فكان يأتي بالحجر الضخم ويضعه كـ (السقالة)، ويقف عليه ليرفع البناء بقدر ارتفاع الحجر، وولده إسماعيل يناوله. كذلك لما ابْتُلي في شبابه بالإحراق صبر ووثق بالله، فلما جاءه جبريل عليه السلام يعرض عليه المساعدة، وهو الواسطة بينه وبين ربه أبَى وقال: أما إليك فلا، يعني: أنت وَصَلْتني بالله فلم يَعُد بيني وبين ربي واسطة. وهذه مسألة عجيبة، ودرجة من الإيمان عالية، وثقة بالله لا يتطرق إليها شك ولا ارتياب؛ لذلك أنقذه الله وخرق له العادة، وأبطل من أجله قانون النار والإحراق، فقال سبحانه للنار {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. وتأمل هذا الاحتياط من رب الأمر {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً} تفسير : [الأنبياء: 69] لذلك قال العلماء: لو أن الأمر كان للنار كُوني برداً (وفقط) لتحولتْ عليه برداً قاتلاً ربما أشد من النار. ثم إن هذا الابتلاء وقع لإبراهيم عليه السلام في نفسه وهو صغير والإنسان قبل أنْ يكون له ولد يكون كل حظه في نفسه، فإنْ رُزق الولد انتقل حظّه إلى ولده فيحبه أكثر من حُبه لنفسه، ويتمنى أن يُعوِّض في ولده ما لم يستطعه في نفسه، لذلك يقولون: إن الإنسان لا يحب أن يكون أحدٌ أفضل منه إلا ولده، إذن: عصبية الإنسان في حبه لولده أكثر من عصبيته لنفسه. وسيدنا إبراهيم - عليه السلام - بعد أن نجح في الابتلاء في النفس ابتلاه الله في الولد، وتعلمون أن سيدنا إبراهيم رزقه الله بالولد على كِبَر وبعد يأس من الإنجاب، فجاء إسماعيل على شوق من إبراهيم حتى إذا شَبَّ الولد وبلغ مبلغ السعي مع أبيه يأتيه الأمر من السماء أنْ يذبحه، وجاء هذا الأمر في صورة رؤيا، والرؤيا تحتمل التأويل، لكن إبراهيم عليه السلام لم يؤولها، وأخذها على الحقيقة. وهذا الابتلاء في الحقيقة ينطوي على ابتلاءات أربع: الأول: أن يذبح الولد الذي جاءه على كِبَر وبعد طول انتظار. الثاني: ألاّ يذبحه شخص آخر فيكون غريماً لإبراهيم عليه السلام. الثالث: أنْ يذبحه هو بيده, الرابع: أنْ يشرك ولده معه في الابتلاء وألاَّ يأخذه على غِرَّة. ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما هَمَّ بتنفيذ ما أُمِرَ به لم يُرِدْ أنْ يأخذ ولده غِرَّة لِعدْة أمور: أولاً: حتى لا يُتَّهم بالقسوة والغلظة. ثانياً: لكي لا تتغير خواطر الولد نحو والده فيتهمه بما لا يليق. ثالثاً: ليشركه ولده معه في الابتلاء وفي الثواب، وفي الرضا بقضاء الله؛ لذلك قال له: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102]. فكأنه يأخذ رأيه في الموضوع: {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ..} تفسير : [الصافات: 102] ولم يقل مثلاً: افعل ما تريد، فالأمر انصياع وخضوع لأمر الله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102]. وهكذا اشترك الاثنان في الرضا، وفي الصبر، وفي الجزاء وخطفَ إسماعيلُ الفوز في الابتلاء في آخر الشوط؛ لذلك قال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا} تفسير : [الصافات: 103] الولد وأبوه {أية : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} تفسير : [الصافات: 103] يعني: هَمَّ بذبحه، أو كاد يفعل {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 104-107]. وحين تتأمل هذه القصة تجد أن الحق سبحانه قابلَ هذه الابتلاءات الأربعة، بعطاءات أربعة: أنقذ إسماعيل من الذبح، وفداه بذبح عظيم، ثم بشَّر إبراهيم بإسحاق. ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم جعلهم جميعاً من الأنبياء فضلاً من الله. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [فاطر: 32] نعم، الحق سبحانه يعاملنا بالفضل الكبير، ويعطينا مُثُلاً ليحبِّبنا في الدين، فالحسنة عنده بعشر أمثالها، أو يزيدها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها. ومَنْ غلبت حسناته سيئاته يُرْجَى له الجنة، ومَنْ غلبت سيئاته حسناته فهو مُرْجأ لأمر الله، إنْ شاء عذبه بعدله ومآله إلى الجنة، وإنْ شاء غفر له بفضله، فإنْ بادر بالتوبة النصوح وأخلص بدَّل الله سيئاته حسنات. حتى أن بعض الظرفاء يقول: ليتني كنت من أهل الكبائر. وجاء في دعاء العارفين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وعاملنا بالإحسان لا بالميزان، وعاملنا بالجبر لا بالحساب. يعاملنا ربنا بالفضل بدليل أنه أدخل الظالم لنفسه، وأدخل المقتصد في ساحة المصطفين من عباده. ثم يوضح لنا الحق سبحانه هذا الفضل الكبير فيقول: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما أثنى تعالى على الذين يتلون كتاب الله، ذكر هنا انقسام الأمة الإِسلامية أمام هذا الكنز الثمين إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، ثم ذكر مآل الأبرار والفجار، ليظل العبد بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. اللغَة: {نَصَبٌ} تعب ومشقة جسمانية {لُغُوبٌ} اللُّغُوب: الإِعياء والضعف والفتور ومنه {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}تفسير : [ق: 38] {يَصْطَرِخُونَ} من الصراخ وهو الصياح بصوت عال، والصارخ: المستغيث، والمُصْرخ: المغيث، قال سلامة بن جندب: شعر : كنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ كان الصُّراخ له قرعُ الظَّنابيب تفسير : {ٱلنَّذِيرُ} المنذر الذي يخوّف الناس من عذاب الله {خَلاَئِفَ} جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في أمرٍ من الأمور {مَقْتاً} المقت: أشد البغض والغضب {خَسَاراً} هلاكاً وضلالاً {يَحِيقُ} حاق به الشيء: نزل وأحاط. التفسِير: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} أي ثم أورثنا هذا القرآن العظيم لأفضل الأمم - وهم أمة محمد عليه السلام - الذين اخترناهم على سائر الأمم، وخصصناهم بهذا الفضل العظيم، القرآن المعجز خاتمة الكتب السماوية قال الزمخشري: والذين اصطفاهم الله هم أمة محمد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة.. ثم قسمهم إلى ثلاثة أصناف فقال {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} أي فمن هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب من هو مقصِّر في عمل الخير، يتلو القرآن ولا يعمل به وهو الظالم لنفسه، ومنهم من هو متوسط في فعل الخيرات والصالحات، يعمل بالقرآن في أغلب الأوقات، ويقصِّر في بعض الفترات وهو المقتصد، ومنهم مَن هو سبَّاق في العمل بكتاب الله، يستبق الخيرات وقد أحرز قصب السبق في فعل الطاعات بتوفيق الله وتيسيره وهو السابق بالخيرات بإِذن الله قال ابن جزي: وأكثر المفسرين أن هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالظالم لنفسه: العاصي، والسابق: التقيُّ، والمقتصد: بينهما وقال الحسن البصري: السابقُ من رجحت حسناته على سيئاته، والظالم لنفسه من رجحت سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، وجميعهم يدخلون الجنة {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي ذلك الإِرث والاصطفاء لأمة محمد عليه السلام لحمل أشرف الرسالات والكتب السماوية هو الفضل العظيم الذي لا يدانيه فضل ولا شرف، فقد تفضل الله عليهم بهذا القرآن المجيد، الباقي مدى الدهر، وأنعم به من فضل! ثم أخبر تعالى عما أعده للمؤمنين في جنات النعيم فقال {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} أي جنات إِقامة ينعَّمون فيها بأنواع النعيم، وهي مراتب ودرجات متفاوتة حسب تفاوت الأعمال، وإِنما جمع {الجَنَّاتُ} لأنها جنات كثيرة وليست جنة واحدة، فهناك جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة السلام، وجنة عليين، وفي كل جنة مراتبُ ونُزلٌ بحسب مراتب العاملين {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي يزينون في الجنة بأساور من ذهب مرصَّعة باللؤلؤ {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي وجميع ما يلبسونه في الجنة من الحرير، بل فرشهم وستورهم كذلك قال القرطبي: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان، جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا في يده ثلاثة أسورة: سوارٌ من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} أي وقالوا عند دخولهم الجنة الحمدُ لله الذي أذهب عنا جميع الهموم والأكدار والأحزان قال المفسرون: عبَّر بالماضي {وَقَالُواْ} لتحقق وقوعه، والحزن يعمُّ كل ما يكدِّر صفو الإِنسان من خوف المرض، والفقر، والموت، وأهوال القيامة، وعذاب النار وغير ذلك {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} أي واسع المغفرة للمذنبين، شكور لطاعة المطيعين، وكلا اللفظتين للمبالغة أي واسع الغفران عظيم الشكر والإِحسان {ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} أي أنزلنا الجنة وأسكننا فيها، وجعلها مقراً لنا وسكناً، لا نتحول عنها أبداً، وكل ذلك من إنعامه وتفضله علينا {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} أي لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} أي ولا يصيبنا فيها إِعياءٌ ولا فتور، قال ابن جزي: وإِنما سميت الجنة {دَارَ ٱلْمُقَامَةِ} لأنهم يقومون فيها ويمكثون ولا يُخرجون منها، والنَّصبُ تعبُ البدن، واللغوبُ تعب النفس الناشىء عن تعب البدن.. ولما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار، ذكر حال الأشقياء الفجار فقال {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} أي والذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله فإِنَّ لهم نار جهنم المستعرة جزاءً وفاقاً على كفرهم {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} أي لا يحكم عليهم بالموت فيها حتى يستريحوا من عذاب النار {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} أي ولا يخفف عنهم شيء من العذاب، بل هم في عذاب دائم مستمر لا ينقطع كقوله {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}تفسير : [الإِسراء: 97] {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي مثل ذلك العذاب الشديد الفظيع، نجازي ونعاقب كل مبالغ في الكفر والعصيان {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي وهم يتصارخون في جهنم ويستغيثون برفع أصواتهم قائلين: ربنا أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا لنعمل عملاً صالحاً يقربنا منك، غير الذي كنا نعمله قال القرطبي: أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل.. وفي قولهم {غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} اعترافٌ بسوء عملهم، وتندُّمٌ عليه وتحسر، قال تعالى رداً عليهم وموبخاً لهم {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} أي أولم نترككم ونمهلكم في الدنيا عمراً مديداً يكفي لأن يتذكر فيه من يريد التذكر والتفكر؟ فماذا صنعتم في هذه المدة التي عشتموها؟ وما لكم تطلبون عُمراً آخر؟ وفي الحديث "حديث : أعذر الله إلى امرىءٍ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة"تفسير : ومعنى "أعذر" أي بلغ به أقصى العذر {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} أي وجاءكم الرسول المنذر وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعث بين يدي الساعة، وقيل: {ٱلنَّذِيرُ} هو الشيبُ، والأول أظهر {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي فذوقوا العذاب يا معشر الكافرين، فليس لكم اليوم ناصر ولا معين يدفع عنكم عذاب الله قال الإمام الفخر: والأمرُ أمرُ إِهانة {فَذُوقُواْ} وفيه إشارة إلى الدوام، وإِنما وضعَ الظاهر {لِلظَّالِمِينَ} موضع الضمير "لكم" لتسجيل الظلم عليهم، وأنهم بكفرهم وظلمهم ليس لهم نصيرٌ أصلاً لا من الله ولا من العباد، ثم قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو تعالى العالم الذي أحاط علمه بكل ما خفي في الكون من غيب السماوات والأرض، لا يخفى عليه شأن من شئونهما {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي يعلم جلَّ وعلا مضمرات الصدور، وما تخفيه من الهواجس والوساوس، فكيف لا يعلم أعمالهم الظاهرة؟ قال المفسرون: والجملة لتأكيد ما سبق من دوام عذاب الكفار في النار، لأن الله تعالى يعلم من الكافر أنه تمكَّن الكفر في قلبه بحيث لو دام في الدنيا إلى الأبد ما آمن بالله ولا عبَده، فالعذابُ الأبديُّ مساوٍ لكفرهم الأبدي، فلا ظلم ولا زيادة {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 49] قال القرطبي: والمعنى في الآية علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً كما قال تعالى {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأَنعام: 28] {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي هو تعالى جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض، بعد عاد وثمود ومن مضى قبلكم من الأمم، تخلفونهم في مساكنهم جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي فمن كفر بالله فعليه وبال كفره، لا يضر بذلك إلا نفسه {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي ولا يزيدهم كفرهم إلا طرداً من رحمة الله وبعداً وبغضاً شديداً من الله {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} أي ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكاً وضلالاً وخسران العمر الذي ما بعده شر وخسار!! قال أبو حيان: وفي الآية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدل من كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من المكذبين للرسل وما حلَّ بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم، والمقتُ أشد الاحتقار والبغض، والخسارُ خسارُ العمر، كأنَّ العمر رأس مال الإِنسان فإذا انقضى في غير طاعة الله فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط الله وغضبه، بحيث صار إلى النار المؤبدة، ثم وبَّخ تعالى المشركين في عبادتهم ما لا يسمع ولا ينفع فقال {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}؟ قال الزمخشري: {أَرَأَيْتُمْ} معناها أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإِلهية والشركة، ومعنى الآية: قل يا محمد تبكيتاً لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شأن آلهتكم - الأوثان والأصنام - الذين عبدتموهم من دون الله، وأشركتموهم معه في العبادة، بأي شيء استحقوا هذه العبادة؟ {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي أروني أيَّ شيء خلقوه في هذه الدنيا من المخلوقات حتى عبدتموهم من دون الله؟ {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي أم شاركوا اللهَ في خلق السماوات فاستحقوا بذلك الشركة معه في الألوهية؟ {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ} أي أم أنزلنا عليهم كتاباً ينطق بأنهم شركاء الله فهم على بصيرة وحجة وبرهان في عبادة الأوثان {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} إضرابٌ عن السابق وبيانٌ للسبب الحقيقي أي إِنما اتخذوهم آلهة بتضليل الرؤساء للأتباع بقولهم: الأصنام تشفع لهم، وهو غرور باطل وزور قال أبو السعود: لما نفى أنواع الحجج أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف للأخلاف، وإِضلال الرؤساء للأتباع بأنهم يشفعون لهم عند الله .. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} أي هو جل وعلا بقدرته وبديع حكمته، يمنع السماوات والأرض من الزوال، والسقوط، والوقوع كما قال تعالى {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الحج: 65] قال القرطبي: لما بيَّن أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من السماوات والأرض، بيَّن أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإِيجاده، ولا يبقى إِلا ببقائه {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} أي ولئن زالتا عن أماكنهما ـ فرضاً ـ ما أمسكهما أحدٌ بعد الله، بمعنى أنه لا يستطيع أحدٌ على إِمساكهما، إِنما هما قائمتان بقدرة الواحد القهار {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} أي إِنه تعالى حليم لا يعاجل العقوبة للكفار مع استحقاقهم لها، واسع المغفرة والرحمة لمن تاب منهم وأناب {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي حلف المشركون بالله أشدَّ الأيمان وأبلغها قال الصاوي: كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم فإِذا أرادوا التأكيد والتشديد حلفوا بالله {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي لئن جاءهم رسول منذر {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} أي ليكونُنَّ أهدى من جميع الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل من أهل الكتاب قال أبو السعود: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن اللهُ اليهودَ والنصارى، أتتهم الرسلُ فكذبوهم، فواللهِ لئن أتانا رسول لنكوننَّ أهدى من اليهود والنصارى وغيرهم {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم أشرف المرسلين {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي ما زادهم مجيئه إلا تباعداً عن الهدى والحق وهرباً منه {ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} أي نفروا منه بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وعتوهم وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السيء بالرسول وبالمؤمنين، ليفتنوا ضعفاء الإِيمان عن دين الله قال أبو حيان: أي سبب النفور هو الاستكبار والمكر السيء يعني أن الحامل لهم على الابتعاد من الحق هو الاستكبار، والمكرُ السيءُ وهو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له، قال تعالى رداً عليهم {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي ولا يحيط وبال المكر السيء إلا بمن مكره ودبَّره كقولهم "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها" {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ} أي فهل ينتظر هؤلاء المشركون إلا عادة الله وسنته في الأمم المتقدمة، من تعذيبهم وإِهلاكهم بتكذيبهم للرسل؟ {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي لن تتغير ولن تتبدل سنته تعالى في خلقه {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} أي ولا يستطيع أحد أن يحوّل العذاب عنهم إلى غيرهم، قال القرطبي: أجرى الله العذاب على الكفار، فلا يقدر أحد أن يُبدّل ذلك، ولا أن يُحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره، والسُّنة هي الطريقة.. ثم حثهم تعالى على مشاهدة آثار من قبلهم من المكذبين ليعتبروا فقال {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؟ أولم يسافروا ويمروا على القرى المهلكة فيروا آثار دمار الأمم الماضية حين كذبوا رسلهم ماذا صنع الله بهم؟ {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي وكانوا أقوى من أهل مكة أجساداً، وأكثر منهم أموالاً وأولاداً {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أنه سبحانه لا يفوته شيء، ولا يصعب عليه أمر في هذا الكون {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} أي بالغ العلم والقدرة، عالم بشئون الخلق، قادر على الانتقام ممن عصاه {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} بيانٌ لحلم الله ورحمته بعباده أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم ما ترك على ظهر الأرض أحداً يدب عليها من إنسان أو حيوان قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دبَّ ودرج {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ولكنه تعالى من رحمته بعباده، ولطفه بهم، يمهلهم إلى زمن معلوم وهو يوم القيامة فلا يعجل لهم العذاب {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} أي فإِذا جاء ذلك الوقت جازاهم بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لأنه تعالى العالم بشئونهم المطلع على أحوالهم قال ابن جرير: بصيراً بمن يستحق العقوبة، وبمن يستوجب الكرامة، وفي الآية وعيدٌ للمجرمين ووعد للمتقين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بتكرير الفعل {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} للمبالغة في انتفاء كل منهما استقلالاً، وكذلك الإِطناب في قوله {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} لزيادة التشنيع والتقبيح على من كفر بالله. 2ـ التهكم في صيغة الأمر {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} مثل {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49]. 3ـ المبالغة مثل {غَفُورٌ}، {شَكُورٌ}، {كَفُورٍ} ومثل {حَلِيماً}، {عَلِيماً}، {قَدِيراً} فإِنها من صيغ المبالغة. 4ـ الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}؟ وكذلك {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ}؟ 5ـ الاستعارة المكنية {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} شبَّه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الظهر بطريق الاستعارة المكنية. 6ـ السجع غير المتكلف، البالغ نهاية الروعة والجمال مثل {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} وهو من المحسنات البديعية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أحوال أهل الشقاوة وأعمال أهل الشقاوة بقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] يشير إلى إيراثهم الكتاب حيث علمهم القرآن بلا واسطة كما قال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 1-2] وذلك قبل خلقهم؛ لأنه قال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ}تفسير : [الرحمن: 1-3] أي: علمهم القرآن وهم بلا هم وهذا علم القرآن لسان الطيور ثم خلقهم؛ لأنه قال وعلمهم البيان قال {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 3-4] وهذا النوع من الإيراد مخصوص بهذه الأمة لأنه كما جاء في الخبر لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمتي ورب الكعبة ثلاث مرات" تفسير : وإنما ذكر بلفظ الميراث لأن الميراث يقتضي صحة النسب أو صحة السبب على وجه مخصوص، فمن لا سبب له ولا نسب ولا ميراث له فالسبب هاهنا طاعة العبد والنسب فضل الرب فأهل الطاعة هم أهل الجنة. كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ}تفسير : [المؤمنون: 10-11] فهم ورثوا الجنة بسبب الطاعة وأصل ارثهم بالسببية المبايعة التي جرت بينهم وبين الله بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111] فهؤلاء أطاعوا الله بأنفسهم وأموالهم فأدخلهم الله الجنة جزاء بما كانوا يعملون وأهل الفضل هم أهل الله وفضله معهم بأن أورثهم المحبة والمعرفة والقربة. كما قال {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [المائدة: 54] فمن لا سبب له ولا نسب فلا ميراث له ولما كانت الوراثة بالنسب والسبب، وكان السبب جنساً واحداً كالزوجية وهي صاحب الفرض وكان النسب من جنسين الأصول والفرع الأصول كالآباء والأمهات، والفرع كما يتولد من الأصول كالأولاد والإخوة والأخوات وأولادهم والأعمام وأولادهم وهم صاحب فرض وعصبة فصار مجموع الورثة ثلاثة أصناف صنف صاحب الفرض بالسبب وصنف صاحب الفرض بالنسب وصنف صاحب الباقي وهم العصبة كذلك الورثة هاهنا ثلاثة أصناف. كما قال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [فاطر: 32] ثم نقول ولنا أن نجعل الأفضل منهم المقدم كما قدمه الله وهو الظالم لنفسه قدمه على السابق، ولنا أن نجعل الأفضل منهم الأخير وهو السابق فأما تقديم الظالم فبأنه قد ظلم على نفسه في البداية والوسط والنهاية لله وفي الله وبالله. أما في البداية: فبأنه لما عرض الله تعالى الأمانة على السماوات وأهلها والأرض وأهلها والجبال وأهلها {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] لأنه ظلم على نفسه لما قصد وضع الأمانة القديمة بحملها في غير موضعها، وهو محمل الإنسان الذي خلق ضعيفاً ولهذا لما زلت قدم آدم عليه السلام من ثقل حمل الأمانة، قال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] أي: بحمل الأمانة الثقيلة وإنما {أية : ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122] بعد زلة قدمه استحقاقاً؛ لأنه لو لم يحملها لبقيت الأمانة غير محمولة، ولما كانت الحكمة في عرضها حملها فلو لم تحمل لكان الغرض لحملها عبثاً وهل جناب القدس الإلهي أن يقع فعل من أفعاله عبثاً فآدم عليه السلام إنما ظلم نفسه بحملها تاركاً لحظوظه راغباً لحقوق الحق تعالى؛ لئلا يقع عرض الأمانة من الله عبثاً فأبت المخلوقات أن تحملنها رعاية لحظوظ أنفسهم. وقد ظلم الإنسان على نفسه رعاية لحقوق ربه، فلا جرم قدسه الله على الملائكة المقربين وأمرهم بسجوده لظلمه على نفسه إيثاراً لربه، فثبت أن الظالم أولى بالتقديم، ولنا ظلمه في الوسط على نفسه، فبإعراضه عن الدنيا وترك زينتها على خلاف طبع نفسه ونهى نفسه عن هواها وفطامها عن شهواتها الحيوانية ومألوفاتها الإنسانية وتكليفها على الطاعات والعبادات، وتزكيتها عن أوصافها بالمجاهدات والرياضات وبتركها الأوطار والأوطان ومفارقتها عن الإخوان والأخذان ومهاجرتها عن الأهالي والبلدان ومقاساة الشدائد في الأسفار بالمشي على الأقدام وركوب الأهوال في البوادي والجبال والصبر في البلاء عند نزول القضاء وبذل الروح في محاربة الأعداء، وأمثال هذا مما يعالجون به أرباب الطلب وأهل الإرادة نفوسهم. وأما ظلمه على نفسه في النهاية: فبالسعي في إنشاء صفاتها في صفات الروح ثم إفناء ذاتها في ذات الروح ثم إفناء ناسوتية الإنسانية في لاهوتية الربانية. وهذا تحقيق قوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر: 27-30] ولما فعل بابن منصور سمع منه فلما أصغى إليه فهو يقول في مناجاته: إلهي أفنيت ناسوتيتي في لاهوتيتكم محوت نسوتيتي على لاهوتيتك إن ترحم على من سعى في قتلي وهذا غاية ظلم الظالم لنفسه ولهذا ذكر بلفظ المبالغة أنه كان ظلوماً جهولاً فثبت بهذه المعاني والحقائق أن الظالم لنفسه أحق وأولى بالتقديم، وأما الدليل على أفضلية السابق على الظالم لنفسه فبأن للسابق في سبقيته بداية ووسطاً ونهاية، وله في هذه المراتب الثلاثة فضل على الظالم لنفسه، أما في البداية: فبأن له سبق العناية الأزلية بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101] يعني: في الزل قبل خلقهم، وأما في الوسط: فبأن له سبقة في الخروج من العدم إلى الوجود في اتباع روح النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أول روح خرج من العدم إلى الوجود وأهل سبقة العناية متتابعين لروحه، وأما في النهاية: فبأن له سبقة في الرجوع إلى الحضرة على أقدام الخيرات. كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] وهذه الخيرات على قسمين: قسم مركب: من كسب العبد بتقديم الخيرات، وقسم: من فضل الرب بتواتر الجذبات إلى أن يسبق على الظالم لنفسه وعلى المقتصد بالسير بالله في الله، وإن كان مسبوقاً بالذكر في الأخبار كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مسبوقاً بالخروج في آخر الزمان للرسالة سابقاً بالرجوع إلى الحضرة ليلة المعراج على جميع الأنبياء والرسل. كما أخبر عن حال نفسه وحال سابقي أمته لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : الآخرون خروجاً في عالم الصورة السابقون وصولا إلى عالم الحقيقة ولعل أنه يخطر ببال بعضهم أن الأفضلية إنما تكون في طرف واحد من طرفين طرف في الظالم والسابق، وقد أثبتها للطرفين فالجواب عنه أن التعدد إنما يكون في عالم الاثنينية وهو عالم القال، فمنهما يكون مصير كل واحد من الظالم لنفسه والسابق بالخيرات بإذن الله إلى عالم الوحدة قد ارتفعت الاثنينية قد بقيت الوحدة فلا فرق بين الظالم والسابق، فإن الظالم في حمل الأمانة قد سبقته العناية في حملها وللسابق في سبقه على غيره بالسير فالله قد أدركه الظلم على نفسه في حمل الأمانة فالظالم هاهنا هو السابق والسابق هو الظالم، كما قيل: شعر : فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتني تفسير : ولهذا كرر الله تعالى اسم السابق والسابق هو الظالم فقال: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 10-11] وذلك لأن الإنسان على ضربين سابق ولد سابقاً وعاش سابقاً ومات سابقاً، وسابق ولد سابقاً وعاش ظالماً ومات سابقاً فالمقدم من السابقين هم الذين عاشوا سابقين والمؤخر منهم هم الذين عاشوا ظالمين وماتوا سابقين، فكان اسم الظلم عليهم عارية إذ ولدوا سابقين وماتوا سابقين، فأما من ولد ظالماً وعاش ظالماً ومات ظالماً من هذه الأمة فهو من أهل الكبائر الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم "حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" تفسير : فعلى هذا المقصد من مات على التوبة والسابق عاش في الطاعة ومات في الطاعة وهذا بلسان أهل الظاهر. وأما بلسان القدم فالظالم السالك والمقتصد المجذوب والسابق المجذوب السالك فالسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه، وقوله تعالى: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [فاطر: 32] الذي ذكر الظالم مع السابق في الإيراث والاصطفاء ودخول الجنة، ومن دقائق حكمته أنه تعالى ما قال في هذا المعرض ذلك هو الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم الكبير جنات عدن، وهي أدنى الجنان إلى الحضرة يدخلونها بفضل الله، وذلك أنه تعالى لما ذكرهم أصنافاً ثلاثة رتبها ولما ذكر حديث الحُسن والنعم والتزين فيها ذكرهم على الجميع {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 33] نبَّه على أن دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضل، وليس في الفضل تمييز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالغم؛ لأن في الخيرات من أهل الجنة من يرى الله سبحانه في كل جمعة بمقدار أيام الدنيا مرة فهو مقام الظالم ومنهم يراه في كل يوم مرة وهو مقام المقتصد، ومنهم من هو غير محجوب عنه لحظة وهو مقام السابق وهذا المعنى معنى الجزء مع تفاوت الألفاظ. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} والحزن سمي حزناً لحزون الوقت على صاحبه وليس في الجنة وهي بالحق حزونه وإنما هو رضا واستبشار، {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} للظالم لنفسه {شَكُورٌ} للمقتصد والسابق، وإنما قدم ما للظالم رفقاً بهم لضعف أحوالهم وبقوله: {ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} [فاطر: 35] كشف القناع عن وجه الأحوال كلها أن الظالم والمقتصد والسابق، فدخل كل واحد منهم في مقام أحله الله فيه عن فضله لا بجهده وعمله، وإن الذي أدخله الجنة جزاء بعمله فتوفيقه للعمل أيضاً من فضل الله، وهذا حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قبل من قبل لا لعلة ورد من رد لا لعلة ". تفسير : {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 35] في نيل مرادنا وقضاء حوائجنا حتى إذا أرادوا أن بروا ربهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة وانتظام وقت؛ بل هم في غرفهم يلقون فيها تحية وسلاماً، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة في جهة برونه كما هم بلا كيفية كل وقت صفت لهم إرادة الرؤية لقوله: وَلَكُمْ {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [الزخرف: 71].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 787 : 2 : 2 - سفين عن عوف عن عبد الله بن الحرث قال، قرأ كعب {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ} قال، في الجنة. [الآية 32]. 788 : 3 : 3 - سفين عن جابر عن مجاهد عن بن عباس قال، هي بمنزلة الآية التي في الواقعة {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : . [الواقعة: 7-11].

همام الصنعاني

تفسير : 2441- عبد الرزاق، قال أخبرني الثَّوْري، عن جابر، عن مجاهد، في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}: [الآية: 32]، قال: مثل التي في الواقعة {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}تفسير : : [الواقعة: 7]. 2443- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}: [الآية: 32]، قالا: هو المنافق. 2444- عبد الرزاق، عن معمر، عن صاحب له، عن عقبة بن صهبان، أنَّ عائشة قالت له: حدثنا الـ {ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}: أنا وأنت. 2445- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عُيَيْنة عن عمْروا بن دينار، قال: كان ابن عباس يقول: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قال: الظالم، الكافر. قال عمرو: وسَمِعْتُ عبيد بن عمير يقول: كلهم صالح. 2446- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عَمَّن حدثه أن أبا الدرداء قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ويحبس الظالم لنفسه ما شاء الله، ثم يدخل الجنة. 2447- قال معمر، وبلغني أن كعباً قال: يدخل الجنة كلهم، السابق والمقتصدن والظالم لنفسه. 2448- عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب، قال: قرأ هذه الآية: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ...} حتَّى بلغَ {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}: [الآيات: 32-33]، فقال كعب: دَخَلُوها وربّ الكعبة. 2449- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش قال: دخل رجل مسجد دمشق فقام على باب المسجد؛ فقال: اللهم ارْحَم غُرْبَتِي، وآنِس وَحْشَتي، وَصِل وحدتي، وارزقني جليساً صَالِحاً ينفعني، ثم صَلَّى ركعتين، ثم جلس إلى شيخ فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا أبو الدرداء، فجعَل يكبر ويحمد الله، فقال له أبو الدرداء: ما لكَ يا عبد الله؟ قال: دخلت هذه القرية، وأنا لا أعرف بها أحداً، فقلت: اللهم ارْحَم غربتي، وآنس وَحْشتي، وصل وحدتي وارزقني جليساً صَالِحاً ينفعني، قال فقال أبو الدرداء: وأنا أحق أن أحمد الله أن جعلني ذَلِكَ الجليس، أما إني سأحدثك بشيءٍ ما حدثيت به أحداً غيرك، أُتْحِفُكَ به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يجيء السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصدون فيحاسَبُونَ حِسَاباً يَسِيراً، ويجيء الظالم فيحبس حتى يصيبه حَظَّ العذاب وسوء الحساب، ثم يدخل الجنة ".