Verse. 3693 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

جَنّٰتُ عَدْنٍ يَّدْخُلُوْنَہَا يُحَلَّوْنَ فِيْہَا مِنْ اَسَاوِرَ مِنْ ذَہَبٍ وَّلُــؤْلُــؤًا۝۰ۚ وَلِبَاسُہُمْ فِيْہَا حَرِيْرٌ۝۳۳
Jannatu AAadnin yadkhuloonaha yuhallawna feeha min asawira min thahabin waluluan walibasuhum feeha hareerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«جنات عدن» أي إقامة «يدخلونها» الثلاثة بالبناء وللمفعول خبر جنات المبتدأ «يُحلَّون» خبر ثان «فيها من» بعض «أساور من ذهب ولؤلؤا» مرصع بالذهب «ولباسهم فيها حرير».

33

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الداخلين وجوه أحدها: الأقسام الثلاثة وهي على قولنا أن الظالم والمقتصد والسابق أقسام المؤمنين والثاني: الذين يتلون كتاب الله والثالث: هم السابقون وهو أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: {يُحَلَّوْنَ } فالمكرم هو السابق وعلى هذا فيه أبحاث: الأول: تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقياً كقولنا: الله خلق السموات، وقول القائل: زيد بنى الجدار فإن الله موجود قبل كل شيء، ثم له فعل هو الخلق، ثم حصل به المفعول وهو السموات، وكذلك زيد قبل البناء ثم الجدار من بنائه، وإذا لم يكن المفعول حقيقياً كقولنا زيد دخل الدار وضرب عمراً فإن الدار في الحقيقة ليس مفعولاً للداخل وإنما فعل من أفعال تحقق بالنسبة إلى الدار، وكذلك عمرو فعل من أفعال زيد تعلق به فسمي مفعولاً لا يحصل هذا الترتيب، ولكن الأصل تقديم الفاعل على المفعول ولهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير تقول عمراً ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة، فما الفائدة في تقديم الجنات على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكر بالهاء في يدخلونها، وما الفرق بين هذا وبين قول القائل يدخلونها جنات عدن؟ نقول السامع إذا علم أن له مدخلاً من المداخل وله دخول ولم يعلم عين المدخل فإذا قيل له أنت تدخل فإلى أن يسمع الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون، فإذا قيل له دار زيد تدخلها فبذكر الدار، يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأن له دخولاً يعلم الدخول فلا يبقى له توقف ولا سيما الجنة والنار، فإن بين المدخلين بوناً بعيداً الثاني: قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا } إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجاً لكان فيه تأخير الدخول فقال: {يَدْخُلُونَهَا } وفيها تقع تحليتهم الثالث: قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ } بجمع الجمع فإنه جمع أسورة وهي جمع سوار، وقوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة من دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل إلا على الغنى الرابع: ذكر الأساور من بين سائر الحلي في كثير من المواضع منها قوله تعالى: {أية : وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } تفسير : [الإنسان:21] وذلك لأن التحلي بمعنيين أحدهما: إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا يكون حالة الطبخ والغسل وثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء وذلك لأن التحلي إما باللآلىء والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلي بالجواهر واللآلىء يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء القليلة الوجود لا لحاجة، والتحلي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع الحاجة، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإنها للبطش، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جنات عدنٍ، أي: جنات الإقامة، يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله عز وجل، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»تفسير : . {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} ولهذا كان محظوراً عليهم في الدنيا، فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» تفسير : وقال: «حديث : هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السرحي، أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن أبا أمامة رضي الله عنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم، وذكر حلي أهل الجنة، فقال: «حديث : مسورون بالذهب والفضة مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد مرد مكحولون» تفسير : {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لاإله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» تفسير : رواه ابن أبي حاتم من حديثه. وقال الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي عن عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور» تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات {ٱلَّذِىۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنِّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة» تفسير : قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: «حديث : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» تفسير : {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا لُغُوبٌ} أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم، أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة، قال الله تبارك وتعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 24].

المحلي و السيوطي

تفسير : {جَنَّٰتُ عَدْنٍ } إقامة {يَدْخُلُونَهَا } الثلاثة بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جناتُ المبتدأ {يُحَلَّوْنَ } خبر ثان {فِيهَا مِنْ } بعض {أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } مرصع بالذهب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} فيه تسعة تأويلات: أحدها: أنه خوف النار، قاله ابن عباس. الثاني: أنه حزن الموت، قاله عطية. الثالث: تعب الدنيا وهمومها، قاله قتادة. الرابع: حزن المنّة، قاله سمُرة. الخامس: حزن الظالم لما يشاهد من سوء حاله، قاله ابن زيد. السادس: الجوع حكاه النقاش. السابع: خوف السلطان، حكاه الكلبي. الثامن: طلب المعاش، حكاه الفراء. التاسع: حزن الطعام، وهو مأثور. ويحتمل عاشراً: أنه حزن التباغض والتحاسد لأن أهل الجنة متواصلون لا يتباغضون ولا يتحاسدون. وفي وقت قولهم لذلك قولان: أحدهما: عند إعطاء كتبهم بأيمانهم لأنه أول بشارات السلامة، فيقولون عندها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}. الثاني: بعد دخول الجنة، قاله الكلبي، وهو أشبه لاستقرار الجزاء والخلاص من أهوال القيامة فيقولون ذلك عند أمنهم شكراً. قوله عز وجل: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمَقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} أي دار الإقامة وهي الجنة. وفي الفرق بين المقامة بالضم والفتح وجهان: أحدهما: أنها بالضم دار الإقامة، وبالفتح موضع الإقامة. الثاني: أنها بالضم المجلس الذي يجتمع فيه للحديث. {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} فيه وجهان: أحدهما: تعب، قاله ابن عيسى. الثاني: وجع، قاله قتادة. {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه العناء، قاله أبو جعفر الطبري. الثاني: أنه الإعياء، قاله قطرب وابن عيسى.

الخازن

تفسير : فقال تعالى: {جنات عدن يدخلونها} يعني الأصناف الثلاثة {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} تقدم تفسيره {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} قال ابن عباس حزن النار وقيل حزن الموت وقيل حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات وأنهم لا يدرون ما يصنع بهم وقيل حزن زوال النعم وتقليب القلوب وخوف العاقبة وقيل حزن أهوال يوم القيامة وهموم الحصر والمعيشة في الدنيا وقيل ذهب عن أهل الجنة كل حزن كان لمعاش أو معاد. روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" تفسير : {إن ربنا لغفور شكور} يعني غفر العظيم من الذنوب وشكر القليل من الأعمال {الذي أحلنا} يعني أنزلنا {دار المقامة} أي الإقامة {من فضله} أي لا بأعمالنا {لا يمسنا فيها نصب} أي لا يصيبنا فيها عناء ولا مشقة {ولا يمسنا فيها لغوب} أي إعياء من التعب.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر تعالى أحوالهم، بين جزاءهم ومآلهم، فقال مستأنفاً جواباً لمن سأل عن ذلك: {جنات} أي هي مسببة عن سبب السبق الذي هو الفضل، ويصح كونها بدلاً من الفضل لأنه سببها، فكان كأنه هو الثواب {عدن} أي إقامة بلا رحيل لأنه لا سبب للرحيل عنها {يدخلونها} أي الثلاثة أصناف، ومن دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج على أن الضمير لـ "الذين" ومن قال لـ "عبادنا" خص الدخول بالمقتصد والسابق - هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء، وعلى قراءة أبي عمرو بالبناء للمفعول يكون الضمير للسابق فقط، لأنهم يكونون في وقت الحساب على كثبان المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم، فإذا دعوا إلى الجنة أبطؤوا فيساقون إليها كما في آخر الزمر. ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال: {يحلّون فيها} أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي {من أساور} ولما كان للإبهام ثم البيان مزيد روعة النفس، وكان مقصود السورة إثبات القدرة الكاملة لإثبات اتم الإبقاءين، شوق إلى الطاعة الموصلة إليه بأفضل ما نعرف من الحلية، فقال مبيناً لنوع الأساور: {من ذهب ولؤلؤاً} ولما كانت لا تليق إلى على اللباس الفاخر، قال معرفاً أنهم حين الدخول يكونون لابسين: {ولباسهم فيها حرير *}. ولما كان المقتصد والسابق يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا قوصص، جمع فقال معبراً بالماضي تحقيقاً له: {وقالوا} أي عند دخولهم: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الذي لم تمام القدرة {الذي أذهب} أي بدخولنا هذا {عنا الحزن} أي هذا النوع بكماله، فلا نحزن على شيء كان فاتنا، ولا يكون لنا حزن أبداً لأنا صرنا في دار لا يفوت فيها شيء أصلاً ولا ينفى. ولما كانوا عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي لولا الكرم لأدتهم إلى النار، عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم، مؤكدين إعلاماً بما عندهم من السرور بالعفو عن ذنوبهم، وأن ما أكدوه حقيق بأن يتغالى في تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته: {إن ربنا} أي المحسن إلينا مع إساءتنا {لغفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً للصنفين الأولين {شكور *} أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من الأعمال الحسنة فجعله به سابقاً، ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا: {الذي أحلنا دار المقامة} أي الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها على كثرة النازلين بها - ارتحالاً منها، ولا يراد به ذلك، ولا شيء فيها يزول فيؤسف عليه. وكان المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال: {من فضله} أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منّاً منه سبحانه، لو لم يبعثنا عليها وييسرها لنا لما كانت. ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة من تلك الكروب والأهوال، والأنكاد والأثقال، التي أشار إليها قوله تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها} الآية، استأنفوا قولهم في وصف دار القرار: {لا يمسنا} أي في وقت من الأوقات {فيها نصيب} أي نصب بدن ولا وجع ولا شيء {ولا يمسنا فيها لغوب *} أي كلال وتعب وإعياء وفتور نفس من شيء من الأشياء، قال أبو حيان: هو لازم من تعب البدن. فهي الجديرة لعمري بأن يقال فيها: شعر : علينا لا تنزل الأحزان شاحتها لو مسها حجر مسته سراء تفسير : ولما بيّن ما هم فيه من النعمة، بيّن ما لأعدائهم من النقمة، زيادة في سرورهم بما قاسوه في الدنيا من تكبرهم عليهم وفجورهم فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات {لهم نار جهنم} أي بما تجهموا أولياء الله الدعاء إليهم. ولما كانت عادة النار إهلاك من دخلها بسرعة، بيّن أن حالها على غير ذلك زيادة في نكالهم وسوء مآلهم فقال مستأنفاً: {لا يقضى} أي لا يحكم وينفذ ويثبت من حاكم ما {عليهم} أي بموت {فيموتوا} أي فيتسبب عن القضاء موتهم، وإذا راجعت ما مضى في سورة سبحان من قوله {أية : فلا يملكون كشف الضر عنكم}تفسير : [الإسراء: 56] وما يأتي إن شاء الله تعالى في المرسلات من قوله: {أية : ولا يؤذن لهم فيعتذرون} تفسير : [المرسلات: 36] علمت سر وجوب النصب هنا لأنه لو رفع لكان المعنى أن موتهم ينبغي إن قضي عليهم أو لم يقض, وذلك محال. ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال: {ولا يخفف عنهم} وأعرق في النفي بقوله: {من عذابها} أي جهنم. ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا العذاب خاص بالذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم من الكفار قال: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي} أي بما لنا من العظمة - على قراءة الجماعة بالنون {كل كفور *} أي به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء عليهم السلام وإن لم نره, لأن ثبوت المعجزة يستوي فيها المسع والبصر، وبنى أبو عمرو الفعل للمفعول إشارة إلى سهولته وتيسره ورفع {كل}. ولما بيّن عذابهم بين اكتئابهم فقال: {وهم} أي فعل ذلك بهم والحال أنهم {يصطرخون فيها} أي يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح بالبكاء والنواح. ولما بيّن ذلك بيّن قولهم في اصطراخهم بقوله: {ربنا} أي يقولون: أيها المحسن إلينا {أخرجنا} أي من النار {نعمل صالحاً} ثم أكدوه وفسروه وبينوه بقولهم على سبيل التحسر والاعتراف بالخطأ أو لأنهم كانوا يظنون عملهم صالحاً {غير الذي كنا} أي بغاية جهدنا {نعمل} فتركوا الترقق والعمل على حسبه في وقت نفعه واستعملوه عند فواته فلم ينفعهم، بل قيل في جوابهم تقريراً لهم وتوبيخاً وتقريعاً: {أو لم} أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول والقوى؟ أو لم {نعمركم} أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ {ما} أي زماناً {يتذكر فيه} وما يشمل كل عمر يتمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم، وأشار بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر. ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء، عبر بالماضي فقال: {من تذكر} إعلاماً بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين، فلا يزاد فيهم أحد، والزمان المشار إليه قيل: إنه ستون سنة - قاله ابن عباس رضي الله عنهم، وبوّب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد، وروى أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمرتفسير : . وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك . تفسير : ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواماً، أشار إلى أدلة النقل المنبه على ما قصر عنه العقل، فقال معبراً بالماضي تصريحاً بالمقصود عطفاً على معنى: أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم: {وجاءكم النذير} أي عنى من الرسل والكتب تأييداً للعقول بالدليل المعقول. ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال: {فذقوا} أي ما أعددناه لكم من العذاب دائماً أبداً، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى الاستغاثة عليه، تسبب عن ذلك قوله: {فما} وكان الأصل: لكم، ولكنه أظهر تعليقاً للحكم بالوصف للتعميم فقال: {للظالمين} أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها {من نصير *} أي يعينهم ويقوي أيديهم، فلا براح لكم عن هذا الذواق، وهذا عام في كل ظالم، فإن من ثبت له نصر عليه لأن ظلمه في كل يوم يضعف ويهن والحق في كل حين يقوى ويضخم. ولما كان سبحانه عالماً بما نفى وما أثبت، علل ذلك مقرراً سبب دوام عذابهم وأنه بقدر كفرانهم كما قال تعالى {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40] بقوله مؤكداً إشارة إلى أنه لا يجب تمرين النفس عليه لما له من الصعوبة لوقوف النفس مع المحسوسات: {إن الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {عالم غيب} ولما كانت جهة العلو أعرق في الغيب قال: {السماوات والأرض} فأنتج ذلك قوله مؤكداً لأنه من أعجب الغيب لأنه كثيراً ما يخفى على الإنسان ما في نفسه والله تعالى عالم به، أو هو تعليل لما قبله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي قبل أن يعلمها أربابها حين تكون غيباً محضاً، فهو يعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبداً، ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وأنه لا مطمع في صلاحكم، ولذلك يأمر الملك أن يكتب عند نفخ الروح في الولد أنه ما شقي أو سعيد قبل أن يكون له خاطر أصلاً، وربما كان في غاية ما يكون من الإقبال على الخير فعلاً ونية، ثم يختم له بشر، وربما كان على خلاف ذلك في غاية الفساد، لا يدع شركاً ولا غيره من المعاصي حتى يرتكبها وهو عند الله سعيد لما يعلم من نيته بعد ذلك حين يقبل بقلبه عليه فيختم له بخير فيكون من أهل الجنة، وأما الخواطر بعد وجودها في القلوب فقد يطلع عليها الملك والشيطان.

ابو السعود

تفسير : {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ} إمَّا بدلٌ من الفضلُ الكبـيرُ بتنزيلِ السَّببِ منزلةَ المسَّببِ أو مبتدأٌ خبرُه {يَدْخُلُونَهَا} وعلى الأوَّلِ هو مستأنفٌ وجمعُ الضَّميرِ لأنَّ المرادَ بالسَّابقِ الجنسُ وتخصيصُ حالِ السَّابقينَ ومآلِهم بالذِّكرِ والسُّكوتُ عن الفريقينِ الآخرينِ وإنْ لم يدلَّ على حرمانِهما من دخولِ الجنةِ مُطلقاً لكنَّ فيه تحذيراً لهما من التَّقصيرِ وتحريضاً على السَّعيِ في إدراكِ شأوِ السَّابقينَ. وقُرىء جنَّاتِ عدنٍ وجَّنةَ عدنٍ على النَّصبِ بفعلٍ يفسِّره الظَّاهرُ. وقُرىء يُدخَلُونها على البناءِ للمفعولِ {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مقدرةٌ. وقُرىء يحلُون من حَلِيتْ المرأةُ فهي حاليةٌ {مِنْ أَسَاوِرَ} هيَ جمعُ أسورةٍ جمع سوارٍ {مّن ذَهَبٍ} مِن الأُولى تبعيضيَّةٌ، والثَّانيةُ بـيانيَّةٌ أي يُحلَّون بعضَ أساورَ من ذهبٍ كأنَّه أفضلُ من سائرِ أفرادِها {وَلُؤْلُؤاً} بالنَّصبِ عطفاً على محلِّ من أساورَ وقُرىء بالجرِّ عطفاً على ذهبٍ أي من ذهبٍ مرصعٍ باللُّؤلؤِ أو من ذهبٍ في صفاءِ اللُّؤلؤِ {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} وتغيـيرُ الأسلوبِ قد مرَّ سرُّه في سورةِ الحجِّ. {وَقَالُواْ} أي يقولون وصيغةَ الماضي للدِّلالةِ على التَّحقُّقِ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} وهو ما أهمَّهم من خوفِ سوءِ العاقبةِ وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: حَزَنُ الأعراضِ والآفاتُ، وعنه حَزَنُ الموتِ وعن الضَّحَّاكِ: حَزَنُ وسوسةِ إبليسَ. وقيل: همُّ المعاشِ، وقيل: حَزَنُ زوالِ النِّعمِ. والظَّاهرُ أنَّه الجنسُ المنتظمُ لجميعِ أحزانِ الدِّينِ والدُّنيا. وقُرىء الحُزْنَ وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليسَ على أهلِ لا إله إلا الله وحشةٌ في قبورِهم ولا في محشرِهم، ولا في مسيرِهم وكأنِّي بأهل لا إله إلا الله يخرجُون من قبورِهم ينفضُون التُّرابَ عن وجوهِهم ويقولُون الحمدُ لله الذي أذهبَ عنَّا الحَزَنَ » تفسير : {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} أي للمذنبـينَ {شَكُورٌ} للمطيعينَ.

القشيري

تفسير : نَبّهَ على أن دخولهم الجنة لا باستحقاقٍ بل بفضله، وليس في الفضل تمييز.

اسماعيل حقي

تفسير : {جنات عدن} يقال عدن بمكان كذا اذا استقر ومنه المعدن لمستقر الجواهر كما فى المفردات اى بساتين استقرار وثبات واقامة بلا رحيل لانه لا سبب للرحيل عنها وهو اما بدل من الفضل الكبير بتنزيل السبب منزلة المسبب او مبتدأ خبره قوله تعالى {يدخلونها} جمع الضمير لان المراد بالسابق الجنس وتخصيص حال السابقين ومالهم بالذكر والسكوت عن الفريقين الآخرين وان لم يدل على حرمانهما من دخول الجنة مطلقا لكن فيه تحذير لهما من التقصير وتحريض على السعى فى ادراك شئون السابقين. وقال بعضهم المراد بالاصناف الثلاثة الكافر والمنافق والمؤمن او اصحاب المشأمة واصحاب الميمنة ومن اريد بقوله تعالى {أية : السابقون السابقون} تفسير : او المنافقون والمتابعون بالاحسان واصحاب النبى عليه السلام او من يعطى كتابه وراء ظهره ومن يعطى كتابه بشماله ومن يعطى كتابه بيمينه. فعلى هذه الاقوال لا يدخل الظالم فى الجنات لكونه غير مؤمن وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء فى الخلقة وارسال الرسول اليهم وانزال الكتاب والاول هو الاصح وعليه عامة اهل العلم كما فى كشف الاسرار. قال ابو الليث فى تفسير اول الآية واخرها دليل على ان الاصناف الثلاثة كلهم مؤمنون. فاما اول الآية فقوله {ثم اورثنا الكتاب} فاخبر انه اعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة. واما آخر الآية فقوله {يدخلونها} اذ لم يقل يدخلانها ـ وروى ـ عن كعب الاحبار انه قيل له ما منعك ان تسلم على يدى رسول الله عليه السلام قال كان ابى مكننى من جميع التوراة الا ورقات منعنى ان انظر فيها فخرج ابى يوما لحاجة فنظرت فيها فوجدت فيها نعت امة محمد وان يجعلهم الله يوم القيامة ثلاثة اثلاث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ويدخلون الجنة وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فاسلمت وقلت لعلى اكون من الصنف الاول وان لم اكن من الصنف الثانى او من الصنف الثالث فلما قرأت القرآن وجدتها فى القرآن وهو قوله تعالى {أية : ثم اورثنا الكتاب} تفسير : الى قوله {يدخلونها}. وفى التأويلات النجمية لما ذكرهم اصنافا ثلاثة رتبها ولما ذكر حديث الجنة والتنعم والتزين فيها ذكرهم على الجمع {جنات عدن} الآية نبه على ان دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضله وليس فى الفضل تميز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالمنعم لان فى الخبر "حديث : ان من اهل الجنة من يرى الله سبحانه فى كل جمعة بمقدار ايام الدنيا مرة ومنهم من يراه فى كل يوم مرة ومنهم من هو غير محجوب عنه لحظة" تفسير : كما سبق {يحلون} [التحلية: بازيور كردن] اى يلبسون على سبيل التزين والتحلى نساء ورجالا خبر ثان او حال مقدرة {فيها} اى فى تلك الجنات {من اساور من ذهب} من الاولى تبعيضية والثانية بيانية. واساور جمع اسورة وهو جمع سوار مثل كتاب وغراب معرب "دستواره" والمعنى يحلون بعض اساور من ذهب لانه افضل من سائر افرادها اى بعضا سابقا لسائر الابعاض كما سبق المسورون به غيرهم وقال فى سورة هل اتى {أية : وحلوا اساور من فضة} تفسير : قيل يجمع لهم الذهب والفضة جميعا وهو اجمل او بعضهم يحلون بالذهب وهم المقربون وبعضهم يحلون بالفضة وهم الابرار {ولؤلؤا} بالنصب عطفا على محل من اساور. واللؤلؤ الدر سمى بذل لتلألئه ولمعانه والمعنى ويحلون لؤلؤا. قال الكاشفى [جنانكه بادشاهان عجم]. وقرئ بالجر عطفا على ذهب اى من ذهب مرصع باللؤلؤ ومن ذهب فى صفاء اللؤلؤ وذلك لانه لم يعهد الاسورة من نفس اللؤلؤ الا ان تكون بطريق النظم فى السلك. وقال فى بحر العلوم عطف على ذهب فانهم يسورون بالجنسين اساور من ذهب ومن لؤلؤ وذلك على الله يسيروكم من امر من امور الآخرة يخالف امور الدنيا وهذا منها {ولباسهم فيها حرير} لا كحرير الدنيا فانه لا يوجد من معناه فى الدنيا الا الاسم واللباس اسم ما يلبس: وبالفارسية [جامه وبوشش] والحرير من الثياب ما رق كما فى المفردات وثوب يكون سداه ولحمته ابريسما وان كان فى الاصل الابريسم المطبوخ كما فى القهستانى. ويحرم لبسه على الرجال دون النساء الا فى الحرب ولكن لا يصلى فيه الا ان يخاف العدو او لضرورة كحكة او جرب فى جسده او لدفع القمل ولا يلبسه وان لم يتصل بجلده وهو الصحيح وجاز ان يكون عروة القميص وزره حريرا كالعلم فى الثوب ولا بأس ان يشد خمارا اسود من الحرير على العين الرامدة والناظرة الى الثلج وان تكون التكة حريرا ورخص قدر اربع اصابع كما هى. وقيل مضمومة ولا يجمع المتفرق من الحرير. ويجوز عند الامام ان يجعل الحرير تحت رأسه وجنبه ويكره عندهما وبه اخذا كثر المشايخ. وعلى هذا الخلاف تعليق الحرير على الجدر والابواب ولا بأس بالجلوس على بساط الحرير والصلاة على السجادة منه وبوضع ملاءة الحرير على مهد الصبى. ويلبس الرجل فى الحرب وغيره بلا كراهة اجماعا ما سداه ابريسم ولحمته غيره سواء كان مغلوبا او غالبا او مسايوا للحرير وهو الصحيح. ويلبس عكسه اى مالحمته ابريسم وسداه غيره فى حرب فقط. وكره الباس الصبى ذهبا او حريرا لئلا يعتاده والاثم على الملبس لان الفعل مضاف اليه. وكذا يكره كل لباس خلاف السنة والمستحب ان يكون من القطن والكتان او الصوف. واحب الالوان البياض. ولبس الاخضر سنة. ولبس الاسود مستحب ولا بأس بالثوب الاحمر كما فى الزاهدى الكل من القهستانى وقد سبق باقى البيان فى سورة الحج وغيرها

الالوسي

تفسير : {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {يَدْخُلُونَهَا } ويؤيده قراءة الجحدري وهارون عن عاصم {جَنَّـٰتُ } بالنصب على الاشتغال أي يدخلون جنات عدن يدخلونها واحتمال جره بدلاً من {الخيرات} [فاطر: 32] بعيد وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبـي فلا يلتفت إليه. وضمير الجمع للذين اصطفينا أو للثلاثة. وقال الزمخشري: (({ذلك} إشارة إلى السبق بالخيرات {وَجَنَّـٰتُ عَدْنٍ } بدل من (الفضل) الذي هو السبق ولما كان السبق بالخيرات سبباً لنيل الثواب جعل نفس الثواب إقامة للسبب مقام المسبب ثم أبدل منه)) وضمير الجمع للسابق لأن القصد إلى الجنس، فخص الوعد بالقسم الأخير مراعاة لمذهب الاعتزال وهو على ما سمعت للأقسام الثلاثة وذلك هو الأظهر في النظم الجليل ليطابقه قوله تعالى بعد: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ }تفسير : [فاطر: 36] وليناسب حديث التعظيم والاختصاص المدمج في قوله سبحانه: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [فاطر: 32] وإلا فأي تعظيم في ذلك بعد أن لز أكثر المصطفين في قرن الكافرين وليناسب ذكر الغفور بعد حال الظالم والمقتصد والشكور حال السابق ولتعسف ما ذكره من الإعراب وبعده عن الذوق وكيف لا يكون الأظهر وقد فسره كذلك أفضل الرسل ومن أنزل عليه هذا الكتاب المبين على ما مر آنفاً وإليه ذهب الكثير من أصحابه الفخام ونجوم الهداية بين الأنام رضي الله تعالى عنهم وعد منهم في «البحر» عمر وعثمان وابن مسعود وأبا الدرداء وأبا سعيد وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في «البعث» عن البراء بن عازب أنه قال بعد أن قرأ الآية: أشهد على الله تعالى أنه يدخلهم الجنة جميعاً، وأخرج غير واحد عن كعب أنه قرأ الآية إلى {لُغُوبٌ } [فاطر: 35] فقال دخلوها ورب الكعبة، وفي لفظ «كلهم في الجنة» ألا ترى على أثره {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جهنم }تفسير : [فاطر: 36] نعم إن أريد بالظالم لنفسه الكافر يتعذر رجوع الضمير إلى ما ذكر ويتعين رجوعه إلى السابق وإليه وإلى المقتصد لأن المراد بهما الجنس لكن لا ينبغي أن يراد بعد هاتيك الأخبار. وقرأ زر بن حبيش والزهري {جنة عدن} بالإفراد والرفع وقرأ أبو عمرو {يُدخَلونها} بالبناء للمفعول ورويت عن ابن كثير. وقوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا } خبر ثان لجنات أو حال مقدرة، وقيل: إنها لقرب الوقوع بعد الدخول تعد مقارنة وقرىء {يحلون} بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام من حليت المرأة فهي حالية إذ لبست الحلي ويقال جيد حال إذا كان عليه الحلي {مِنْ أَسَاوِرَ } جمع سوار على ما في «الإرشاد»، وفي «القاموس» السوار ككِتاب وغُراب القلب كالأُسْوار بالضم جمعه أَسْوِرة وأُسَاور وأساورة وسُور وسؤور اهـ، وإطلاق الجمع على جمع الجمع كثير فلا مخالفة، وسوار المرأة معرب كما قال الراغب وأصله دستواره، و(من) للتبعيض أي يحلون بعض أساور كأنه بعض له امتياز وتفوق على سائر الأبعاض، وجوز أن تكون للبيان لما أن ذكر التحلية مما ينبىء عن الحلي المبهم، وقيل: زائدة بناء على ما يرى الأخفش من جواز زيادتها في الإثبات، وقيل: نعت لمفعول محذوف ليحلون وأنه بمعنى يلبسون. {وَمِنْ } في قوله تعالى: {مّن ذَهَبٍ } / بيانية {وَلُؤْلُؤاً } عطف على محل {مِنْ أَسَاوِرَ } أي ويحلون فيها لؤلؤاً. أخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في «البعث» عن أبـي سعيد الخدري حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم تلا الآية فقال: إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب،تفسير : وقيل: عطف على المفعول المحذوف أو منصوب بفعل مضمر يدل عليه {يُحَلَّوْنَ } أي ويؤتون لؤلؤاً. وقرأ جمع من السبعة {ولؤلؤ} بالجر عطفاً على {ذَهَب} أي يحلون فيها بعض أساور من مجموع ذهب ولؤلؤ بأن تنظم حبات ذهب مع حبات لؤلؤ ويتخذ من ذلك سوار كما هو معهود اليوم في بلادنا أو بأن يرصع الذهب باللؤلؤ كما يرصع ببعض الأحجار، وقيل: أي من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وفيه ما فيه من الكدر. ولعل من يقول بأنه لا اشتراك بين ذهب الدنيا ولؤلؤها وذهب الآخرة ولؤلؤها إلا بالاسم لا يلتزم النظم ولا الترصيع كما لا يخفى، وقرىء {لُؤْلُؤاً } بتخفيف الهمزة الأولى. {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أي إبريسم محض كما في «مجمع البيان»، وقال الراغب: ما رق من الثياب. وتغيير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريراً قيل للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان إذ لا يمكن عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان إن لباسهم ماذا بخلاف الأساور واللؤلؤ فإنها ليست من اللوازم الضرورية ولذا لا يلزم العدل بين الزوجات فيها فجعل بيان تحليتهم مقصوراً بالذات، ولعل هذا هو الباعث على تقديم التحلية على بيان حال اللباس، وقيل: إن ذلك للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة مع المحافظة على هيئة الفواصل وليس بذاك.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله: { أية : ذلك هو الفضل الكبير } تفسير : [فاطر: 32] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان الله عنهم حين إدخالهم الجنة، { أية : ورضوانٌ من الله أكبر } تفسير : [التوبة: 72]. ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه. والمعنى واحد. وضمير الجماعة في {يدخلونها} راجع إلى { أية : الذين اصطفينا } تفسير : [فاطر: 32] المقسم إلى ثلاثة أقسام: ظالمٍ، ومقتصدٍ، وسابقٍ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت. وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية:{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] قال: «هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة» تفسير : . قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو بكر بن العربي في «العارضة»: من الناس من قال: إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة (8 ـــ 10): { أية : أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون }. تفسير : وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن الله ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله: { أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } تفسير : [فاطر: 32] فجعلهم مصطفَيْن. ثم قال في آخرهم { أية : جنات عدن يدخلونها } تفسير : [فاطر: 33] ولا يصطفَى إلا من يدخل الجنة، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال: { أية : فمنهم ظالم لنفسه } تفسير : [فاطر: 32] وهو العاصي والظالم المطلق هو الكافر، وقيل عنه: الظالم لنفسه رفقاً به، وقيل للآخر: السابق بإذن الله إنباء أن ذلك بنعمة الله وفضله لا من حال العبد ا هــــ. وفي الإِخبار بالمسند الفعلي عن المسنْد إليه إفادة تقوي الحكم وصوَغ الفعل بصيغة المضارع لأنه مستقبل، وكذلك صوغ {يحلون} وهو خبر ثانٍ عن {جنات عدن}. وتقدم نظيرها في سورة الحج فانظره. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر {ولؤلؤاً} بالنصب عطفاً على محل {أساور} لأنه لما جر بحرف الجر الزائد كان في موضع نصب على المفعول الثاني لفعل {يحلون} فجاز في المعطوف أن ينصب على مراعاة محل المعطوف عليه. وقرأه الباقون بالجر على مراعاة اللفظ، وهما وجهان.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتُ} (33) - وهؤلاءِ الكِرَامُ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ اللهُ من عباده، الذين أُوْرِثُوا القُرآنَ، والكُتُبَ السَّابِقَةَ، سَتَكُونُ جَنَّاتُ الإِقامَةِ (جَنَّاتُ عَدْنٍ) هِيَ مأْوَاهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَلْبَسُونَ فِيها حُلِيّاً مِنْ ذَهَبٍ، وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنْ حَرِيرٍ. وَهذِهِ الجَنَّاتُ هِيَ الفَضْلُ الكَبِيرُ الذِي مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تلحظ أن {جَنَّاتُ} [فاطر: 33] جمع، فهي جنات عِدَّة، لا جنة واحدة، وجنات (عدن) يعني: إقامة دائمة لا تنتهي، ووصف الجنات هنا بالدوام لأن آدم عليه السلام سبق أنْ أُدخل الجنة، لكن خرج منها، أما جنة الآخرة فدائمة باقية لا يخرج منها مَنْ دخلها. وقوله تعالى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} [فاطر: 33] تلحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا التحلية والزينة قبل الضروريات، وهذا يعني أن الضروريات جاهزة مفروغ منها، وهذه التحلية ستكون في الآخرة من الذهب ومن الحرير، وهي من المحرَّمات على الرجال في الدنيا، أما في الآخرة فشيء آخر. وكلمة (أساور) جمع أسورة وأسورة جمع سوار. مثل فؤاد وأفئدة، فهي جمع للجمع ليدل على كثرتها، وأنك ستُحلَّى إن شاء الله في الجنة بأساور كثيرة تملأ الذراع من المعصم إلى العَضُد، ومعلوم أن السوار هو ما يتحلى به المعصم وتلبسه النساء للزينة في الدنيا، كُلٌّ حسب إمكاناتها، حتى أن بعض الغنيات يلبسْنَ أسورة عريضة في العضد يسمونها (دُمْلُك) لفرط غناها. وعجيب أن نرى بعض الرجال يتعجَّلون حلية الجنة، لكن من غير طريقها، فيلبسون الأساور، وهو ما يُسمَّى الآن (الانسيال). وذكر الحق سبحانه أساور الذهب في الحلية؛ لأن الملوك قديماً كانوا يلبسونها ويتحلَّوْن بها، وكان لكسرى سواران لهما قصة في تاريخنا، فلما أسلم سراقة بن مالك، وكان نحيلاً تشبه ذراعاه ذراعَيْ الماعز، وكان بعض الصحابة يسخرون منه، فنهاهم عن ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قولة عرفوا معناها فيما بعد، قال: "كيف بهما - يعني ذراعي سراقة - في سِوَاري كسرى؟". فلما فتح المسلمون بلاد فارس وغنموا قصور كِسْرى وأمواله جار السِّواران من نصيب سُراقة عند توزيع الغنائم، فلما رآهما عمر في يديه قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الأساور {مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} [فاطر: 33] الذهب معلوم أنه من الجبال، واللؤلؤ من حِلْية البحر. وتأمل دِقَّة الأداء القرآني هنا: فلما تكلم عن الأساور جاء بجمع الجمع ليدل على الكثرة، لكن لما تكلم عن الثياب قال {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 33] بصيغة المفرد، لماذا؟ قالوا، لأنك لا تحتاج إلى العديد من الثياب إلا لتردَّ عن نفسك البرد أو الحر، وليس في الجنة شيء من هذا.