Verse. 3696 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَہُمْ نَارُ جَہَنَّمَ۝۰ۚ لَا يُقْضٰى عَلَيْہِمْ فَيَمُوْتُوْا وَلَا يُخَـفَّفُ عَنْہُمْ مِّنْ عَذَابِہَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ نَجْزِيْ كُلَّ كَفُوْرٍ۝۳۶ۚ
Waallatheena kafaroo lahum naru jahannama la yuqda AAalayhim fayamootoo wala yukhaffafu AAanhum min AAathabiha kathalika najzee kulla kafoorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم» بالموت «فيموتوا» يستريحوا «ولا يُخفف عنهم من عذابها» طرفة عين «كذلك» كما جزيناهم «يجزِى كلَّ كفورِ» كافر بالياء والنون المفتوحة مع كسر الزاي ونصب كل.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ } عطف على قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } تفسير : [فاطر: 29] وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله على ما بينا وقوله: {أية : جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } تفسير : [فاطر: 33] قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى {ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ }. ثم قال تعالى: {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } أي لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم. وقوله تعالى: {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } أي النار وفيه لطائف: الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام كثيراً يقتل فإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجاً فاسداً متمكناً لا يحس به المعذب، فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا، إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم الثانية: راعى الترتيب على أحسن وجه وذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب، ولا يفتر فقال لا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنون الموت ولا يجابون كما قال تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] أي بالموت الثالثة: في المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم، ولم يقل نزيدهم عذاباً. وفي المثابين ذكر الزيادة بقوله: {أية : وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ }تفسير : [النساء: 173] ثم لما بين أن عذابهم لا يخفف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم. {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} مثل: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [اطه: 74]. {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} مثل: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [النساء: 56]. {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي كافر بالله ورسوله. وقرأ الحسن «فيموتون» بالنون، ولا يكون للنفي حينئذٍ جواب، ويكون «فيموتون» عطفاً على «يُقْضَى» تقديره لا يقضى عليهم ولا يموتون؛ كقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }. قال الكسائي: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } بالنون في المصحف لأنه رأس آية و{لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} لأنه ليس رأس آية. ويجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} أي يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصراخ الصوت العالي، والصارخ المستغيث، والمصرِخ المغيث. قال:شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فَزِعٌ كان الصراخُ له قرَع الظَّنَابيب تفسير : {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردّنا إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صَالِحاً} قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله. وهو معنى قولهم: {غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي من الشرك؛ أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} هذا جواب دعائهم؛ أي فيقال لهم، فالقول مضمر. وترجم البخاري: (باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} يعني الشيب) حدّثنا عبد السلام بن مُطَهَّر قال حدّثنا عمر بن علي قال حدّثنا مَعْن بن محمد الغِفاري عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعذر الله إلى امرىء أخّر أجله حتى بلغه ستين سنة»تفسير : . قال الخَطّابي: «أعذر إليه» أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر؛ أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر؛ لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سنُّ الإنابة والخشوع وترقُّب المنية ولقاء الله تعالى؛ ففيه إعذار بعد إعذار، الأوّل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمَوْتانُ في الأربعين والستين. قال عليّ وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}: إنه ستون سنة. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته: «حديث : ولقد أبلغ في الإعذار من تقدّم في الإنذار وإنه لينادي منادٍ من قِبل الله تعالى أبناء الستين «أولم نعمركم ما يتذكّر فِيهِ من تذكَّر وجاءكم النذِير»»تفسير : . وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رَباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}»تفسير : . وعن ابن عباس أيضاً أنه أربعون سنة. وعن الحسن البصري ومسروق مثله. ولهذا القول أيضاً وجه، وهو الصحيح؛ والحجة له قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}تفسير : [الأحقاف: 15] الآية. ففي الأربعين تناهي العقل، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. وقد مضى هذا المعنى في سورة «الأعراف». وخرَّج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعمار أمّتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك».تفسير : قوله تعالى: {وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ} وقرىء «وجاءتكم النُّذرُ» واختلف فيه؛ فقيل القرآن. وقيل الرسول؛ قاله زيد بن علي وابن زيد. وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفرّاء والطبري: هو الشيب. وقيل: النذيرُ الحُمَّى. وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمال العقل. والنذير بمعنى الإنذار. قلت: فالشيب والحُمَّى وموتُ الأهل كلُّه إنذار بالموت؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحُمَّى رائدُ الموت»تفسير : . قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها تُشعر بقدومه وتُنْذرُ بمجيئه. والشيب نذير أيضاً؛ لأنه يأتي في سنّ الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبَا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب. قال:شعر : رأيت الشيب من نُذُرِ المنايا لصاحبه وحسْبُك مِن نذير تفسير : وقال آخر:شعر : فقلت لها المشيبُ نذيرُ عمري ولست مسودا وجه النذير تفسير : وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان، وحين وزمان. قال:شعر : وأراك تحملهم ولستَ تردّهم فكأنني بك قد حُمِلت فلم تُردَّ تفسير : وقال آخر:شعر : الموت في كل حين ينشر الكَفَنَا ونحن في غفلة عمّا يُرادُ بنا تفسير : وأما كمال العقل فبِه تُعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات؛ فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه؛ فهو نذير. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعثَه الله بشيراً ونذيراً إلى عباده قطعاً لحججهم؛ قال الله تعالى: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]، وقال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. قوله تعالى: {فَذُوقُواْ} يريد عذاب جهنم؛ لأنكم ما اعتبرتم ولا اتّعظتم. {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } أي مانع من عذاب الله.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} كما قال تعالى: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [الأعلى: 13] وثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون» تفسير : وقال عز وجل: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} تفسير : [الزخرف: 77] فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال الله تعالى: {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} كما قال عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} تفسير : [الزخرف: 74 ــــ 75] وقال جل وعلا: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} تفسير : [الإسراء: 97] {أية : فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} تفسير : [النبأ: 30] ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ} أي: هذا جزاء كل من كفر بربه، وكذب الحق. وقوله جلت عظمته: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ} أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا؛ ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب جل جلاله أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبراً عنهم في قولهم: {أية : بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} تفسير : [غافر: 11 ــــ 12] أي: لا يجيبكم إلى ذلك؛ لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم، لعدتم إلى ما نهيتم عنه، ولذا قال ههنا: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} أي: أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع بالحق، لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا، فروي عن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة. وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة، وكذا قال أبو غالب الشيباني. وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن رجل عن وهب بن منبه في قوله تعالى: {كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ} قال: عشرين سنة. وقال هشيم عن منصور عن زاذان عن الحسن في قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} قال: أربعين سنة، وقال هشيم أيضاً عن مجاهد عن الشعبي عن مسروق: أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله عز وجل، وهذه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} أربعون سنة، هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس رضي الله عنهما به، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} ستون سنة، فهذه الرواية أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضاً، لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده، لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك؛ لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره، وقد روى أصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه أنه قال: العمر الذي عيرهم الله به في قوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} ستون سنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دحيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي عن ابن أبي حسين المكي: أنه حدثه عن عطاء، هو ابن رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}» تفسير : وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به، وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به، وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ الستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه» تفسير : وهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من "صحيحه": حدثنا عبد السلام بن مطهر عن عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعذر الله عز وجل إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» تفسير : ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما أبو حازم، فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفزاري، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر أي الإسكندري، حدثنا أبو حازم عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من عمره الله تعالى ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر» تفسير : وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعاً عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن به. ورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» تفسير : يعني: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}. وأما متابعة ابن عجلان، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أتت عليه ستون سنة، فقد أعذر الله عز وجل إليه في العمر» تفسير : وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن، هو المقري، به، ورواه أحمد أيضاً عن خلف عن أبي معشر عن أبي سعيد المقبري. (طريق أخرى) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أعذر الله عز وجل في العمر إلى صاحب الستين والسبعين» تفسير : فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة، لكفت. وقول ابن جرير: إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، والله أعلم. وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر.شعر : إذا بَلَغَ الفَتَى سِتِّيْنَ عاماً فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ والفَتاءُ تفسير : ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة؛ كما ورد بذلك الحديث: قال الحسن بن عرفة رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعاً في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهذا عجيب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة حيث قال: حدثنا سليمان بن عمرو عن محمد ابن ربيعة عن كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» تفسير : وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضاً عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن محمد بن ربيعة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد روي من غير وجه عنه، هذا نصه بحروفه في الموضعين، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم «حديث : معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» تفسير : وبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أقل أمتي أبناء سبعين» تفسير : إسناده ضعيف. (حديث آخر) في معنى ذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار في "مسنده": حدثنا إبراهيم بن هانىء، حدثنا إبراهيم بن مهدي عن عثمان بن مطر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أنبئنا بأعمار أمتك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما بين الخمسين إلى الستين» تفسير : قالوا: يا رسول الله فأبناء السبعين؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قل من يبلغها من أمتي، رحم الله أبناء السبعين، ورحم الله أبناء الثمانين» تفسير : ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي، وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثاً وستين سنة، وقيل: ستين، وقيل: خمساً وستين، والمشهور الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة وأبي جعفر الباقر رضي الله عنه وقتادة وسفيان بن عيينة أنهم قالوا: يعني: الشيب. وقال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به: رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن زيد: {أية : هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [النجم: 56] وهذا هو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر والرسل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر؛ لقوله تعالى: {أية : &#1649وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [الزخرف: 77 ــــ 78] أي: لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتهم، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} وقال تبارك وتعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} تفسير : [الملك: 8 ــــ 9]. وقوله تعالى: {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي: فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعمالكم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ } بالموت {فَيَمُوتُواْ } يستريحوا {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } طرفة عين {كَذٰلِكَ } كما جزيناهم {نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ } كافر بالياء والنون المفتوحة مع كسر الزاي ونصب كل.

الشوكاني

تفسير : ثم لما فرغ سبحانه من ذكر جزاء عباده الصالحين، ذكر جزاء عباده الطالحين، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } أي: لا يقضي عليهم بالموت، فيموتوا، ويستريحوا من العذاب {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } بل {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [النساء: 56] وهذه الآية هي مثل قوله سبحانه: {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } تفسير : [الأعلى: 13]. قرأ الجمهور: {فيموتوا} بالنصب جواباً للنفي، وقرأ عيسى بن عمر، والحسن بإثبات النون. قال المازني: على العطف على {يقضى}. وقال ابن عطية: هي قراءة ضعيفة، ولا وجه لهذا التضعيف بل هي كقوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات:36]. {كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كل من هو مبالغ في الكفر، وقرأ أبو عمرو: (نجزي) على البناء للمفعول. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } من الصراخ، وهو: الصياح، أي: وهم يستغيثون في النار رافعين أصواتهم، والصارخ: المستغيث، ومنه قول الشاعر:شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصارخ له قرع الطنابيب تفسير : {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } أي: وهم فيها يصطرخون يقولون: {ربنا} إلخ. قال مقاتل: هو: أنهم ينادون: {ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل}: من الشرك والمعاصي، فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا عليه من الكفر، والطاعة بدل المعصية، وانتصاب {صالحاً} على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: عملاً صالحاً، أو صفة لموصوف محذوف، أي: نعمل شيئاً صالحاً. قيل: وزيادة قوله: {غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } للتحسر على ما عملوه من غير الأعمال الصالحة مع الاعتراف منهم بأن أعمالهم في الدنيا كانت غير صالحة، فأجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } والاستفهام للتقريع، والتوبيخ، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، وما نكرة موصوفة، أي: أو لم نعمّركم عمراً يتمكن من التذكر فيه من تذكر. فقيل: هو ستون سنة. وقيل: أربعون. وقيل: ثماني عشرة سنة. قال بالأوّل جماعة من الصحابة، وبالثاني الحسن، ومسروق، وغيرهما. وبالثالث عطاء، وقتادة. وقرأ الأعمش: (ما يذكر) بالإدغام {وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ } قال الواحدي: قال جمهور المفسرين: هو النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع، والحسن بن الفضل، والفرّاء، وابن جرير: هو: الشيب، ويكون معناه على هذا القول: أو لم نعمّركم حتى شبتم. وقيل: هو القرآن، وقيل: الحمى. قال الأزهري: معناه: أن الحمى رسول الموت، أي: كأنها تشعر بقدومه، وتنذر بمجيئه، والشيب نذير أيضاً، لأنه يأتي في سنّ الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصبا الذي هو سنّ اللهو واللعب. وقيل: هو موت الأهل، والأقارب. وقيل: هو كمال العقل. وقيل: البلوغ {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } أي: فذوقوا عذاب جهنم، لأنكم لم تعتبروا، ولم تتعظوا، فما لكم ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. قال مقاتل، فذوقوا العذاب، فما للمشركين من مانع يمنعهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قرأ الجمهور بإضافة {عالم} إلى {غيب}، وقرأ جناح بن حبيش بالتنوين، ونصب غيب. والمعنى: أنه عالم بكل شيء، ومن ذلك أعمال لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً كما قال سبحانه: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تعليل لما قبله، لأنه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى. وقيل: هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. قال قتادة: خلفاً بعد خلف، وقرناً بعد قرن، والخلف: هو التالي للمتقدّم. وقيل: جعلكم خلفاءه في أرضه {فَمَن كَفَرَ } منكم هذه النعمة {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي: عليه ضرر كفره، لا يتعدّاه إلى غيره {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } أي: غضباً، وبغضاً {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } أي: نقصاً وهلاكاً، والمعنى: أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلاّ المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلاّ الخسار. ثم أمره سبحانه أن يوبخهم، ويبكتهم، فقال: {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي: أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة، وعبدتموهم من دون الله، وجملة {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ } بدل اشتمال من أرأيتم، والمعنى: أخبروني عن شركائكم، أروني أيّ شيء خلقوا من الأرض؟ وقيل: إن الفعلان، وهما أرأيتم، وأروني من باب التنازع. وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } أي: أم لهم شركة مع الله في خلقها، أو ملكها، أو التصرف فيها حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلٰهية {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ } أي: أم أنزلنا عليهم كتاباً بالشركة {فَهُمْ عَلَىٰ بَيّنَـٰتٍ مِنْهُ } أي: على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: {بينة} بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع. قال مقاتل: يقول: هل أعطينا كفار مكة كتاباً، فهم على بيان منه بأن مع الله شريكاً. ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى غيره، فقال: {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً } أي: ما يعد الظالمون بعضهم بعضاً، كما يفعله الرّؤساء، والقادة من المواعيد لأتباعهم إلاّ غروراً يغرونهم به، ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغرّ، ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم، وتقرّبهم إلى الله، وتشفع لهم عنده. وقيل: إن الشياطين تعد المشركين بذلك. وقيل: المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضاً هو: أنهم ينصرون على المسلمين، ويغلبونهم. وجملة. {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } مستأنفة لبيان قدرة الله سبحانه، وبديع صنعه بعد بيان ضعف الأصنام، وعدم قدرتها على شيء. وقيل: المعنى: إن شركهم يقتضي زوال السماوات والأرض كقوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } تفسير : [مريم: 90 ــ 91] {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } أي: ما أمسكهما من أحد من بعد إمساكه، أو من بعد زوالهما، والجملة سادّة مسدّ جواب القسم والشرط، ومعنى: {أَن تَزُولاَ }: لئلا تزولا، أو كراهة أن تزولا. قال الزجاج: المعنى: أن الله يمنع السماوات والأرض من أن تزولا، فلا حاجة إلى التقدير. قال الفرّاء، أي: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد، قال: وهو مثل قوله: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } تفسير : [الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة، وجملة: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } تعليل لما قبلها من إمساكه تعالى للسماوات، والأرض. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } المراد قريش، أقسموا قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا القسم حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، ومعنى: {مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } يعني: المكذبة للرسل، والنذير: النبيّ، والهدى: الاستقامة، وكانت العرب تتمنى: أن يكون منهم رسول كما كان الرسل في بني إسرائيل {فَلَمَّا جَاءهُمُ } ما تمنوه، وهو: رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف {نَّذِيرٍ }، وأكرم مرسل، وكان من أنفسهم {مَّا زَادَهُمْ } مجيئه {إِلاَّ نُفُورًا } منهم عنه، وتباعداً عن إجابته. {ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ } أي: لأجل الاستكبار، والعتوّ ولأجل {مَكَرَ ٱلسَّيّىء } أي: مكر العمل السيىء، أو مكروا المكر السيىء، والمكر هو: الحيلة، والخداع، والعمل القبيح، وأضيف إلى صفته كقوله: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وأنث {إحدى} لكون أمة مؤنثة كما قال الأخفش. وقيل: المعنى: من إحدى الأمم على العموم. وقيل: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفضيلاً لها. قرأ الجمهور: {ومكر السيىء} بخفض همزة السيىء. وقرأ الأعمش، وحمزة بسكونها وصلا. وقد غلط كثير من النحاة هذه القراءة، ونزهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها، قالوا: وإنما كان يقف بالسكون، فغلط من روي عنه: أنه كان يقرأ بالسكون وصلا، وتوجيه هذه القراءة ممكن، بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف كما في قول الشاعر:شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : بسكون الباء من أشرب، ومثله قراءة من قرأ: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 109] بسكون الراء، ومثل ذلك قراءة أبي عمرو: {أية : إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] بسكون الهمزة، وغير ذلك كثير. قال أبو علي الفارسي: هذا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقرأ ابن مسعود: (ومكراً سيئاً). {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } أي: لا تنزل عاقبة السوء إلاّ بمن أساء. قال الكلبي: يحيق بمعنى: يحيط، والحوق الإحاطة، يقال: حاق به كذا إذا أحاط به، وهذا هو الظاهر من معنى يحيق في لغة العرب، ولكن قطرب فسره هنا بينزل، وأنشد:شعر : وقد رفعوا المنية فاستقلت ذراعاً بعد ما كانت تحيق تفسير : أي: تنزل. {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ } أي: فهل ينتظرون إلاّ سنة الأوّلين؟ أي: سنة الله فيهم بأن ينزل بهؤلاء العذاب كما نزل بأولئك {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } أي: لا يقدر أحد أن يبدلّ سنّة الله التي سنّها بالأمم المكذبة من إنزال عذابه بهم بأن يضع موضعه غيره بدلاً عنه {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً } بأن يحوّل ما جرت به سنّة الله من العذاب، فيدفعه عنهم، ويضعه على غيرهم، ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما. {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } هذه الجملة مسوقة لتقرير معنى ما قبلها، وتأكيده، أي: ألم يسيروا في الأرض، فينظروا ما أنزلنا بعاد، وثمود، ومدين، وأمثالهم من العذاب لما كذبوا الرسل، فإن ذلك هو من سنّة الله في المكذبين التي لا تبدّل، ولا تحوّل، وآثار عذابهم، وما أنزل الله بهم موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم والحال: أن أولئك {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } وأطول أعماراً، وأكثر أموالاً، وأقوى أبداناً {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: ما كان ليسبقه ويفوته من شيء من الأشياء كائناً ما كان فيهما {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } أي: كثير العلم، وكثير القدرة لا يخفى عليه شيء، ولا يصعب عليه أمر {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } من الذنوب، وعملوا من الخطايا {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } أي: الأرض {مِن دَابَّةٍ } من الدوابّ التي تدبّ كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم. وقيل: المراد ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدبّ من بني آدم والجنّ، وقد قال بالأوّل ابن مسعود، وقتادة، وقال بالثاني الكلبي. وقال ابن جريج، والأخفش، والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ }، وهو: يوم القيامة {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } أي: بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، والعامل في إذا هو جاء لا بصيراً، وفي هذا تسلية للمؤمنين، ووعيد للكافرين. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله: {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } قال: ستين سنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله: أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر» تفسير : وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، وفيه مقال. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، والحاكم، وابن مروديه عن سهل بن سعد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عليّ بن أبي طالب قال: العمر الذي عيرهم الله به ستون سنة. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن المنذر، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك»تفسير : قال الترمذي بعد إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، ثم أخرجه في موضع آخر من كتاب الزهد، وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عنه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو: ستّ وأربعون سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه بقوله: {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } أربعون سنة. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «حديث : قال: وقع في نفس موسى هل ينام الله عزّ وجلّ؟ فأرسل الله إليه ملكاً، فأرّقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلاً إن الله تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء، والأرض» تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن سلام: أن موسى قال: يا جبريل هل ينام ربك؟ فذكر نحوه. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه: أن موسى، فذكر نحوه. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه كاد الجعل ليعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } الآية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} قال ابن جريج: وهم يستغيثون فيها {َرَبَّنَآ أخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} أي نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية. {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه البلوغ، قاله الحسن لأنه أول زمان التذكر. الثاني: ثماني عشرة سنة. الثالث: أربعون سنة، قاله ابن عباس ومسروق. الرابع: ستون سنة، قاله علي بن أبي طالب مرفوعاً. الخامس: سبعون سنة لأنه آخر زمان التذكر، وما بعده هرم. روى أبو هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَى عَبدٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتّىَ بلَغَ سِتِيّنَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً ". تفسير : قوله عز وجل: {وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. الثاني: الشيب، حكاه الفراء والطبري. الثالث: الحمى. الرابع: موت الأهل والأقارب. ويحتمل خامساً: أنه كمال العقل.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} أي فيستريحوا مما هم فيه {ولا يخفف عنهم من عذابها} أي من عذاب النار {كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون} أي يستغيثون ويصيحون {فيها} يقولون {ربنا أخرجنا} أي من النار {نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل} أي في الدنيا من الشرك والسيئات فيقول الله تعالى توبيخاً لهم {أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قيل: هو البلوغ وقيل ثمان عشرة سنة وقيل أربعون سنة وقال ابن عباس ستون سنة ويروى ذلك عن علي وهو العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أعذر الله إلى كل امرىء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة"تفسير : عنه بإسناد الثعلبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين"تفسير : {وجاءكم النذير} يعني محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن قاله ابن عباس: وقيل هو الشيب والمعنى أو لم نعمركم حتى شبتم. ويقال الشيب: نذير الموت وفي الأثر "حديث : ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب الموت"تفسير : {فذقوا} أي يقال لهم ذوقوا العذاب {فما للظالمين من نصير} أي لهم من مانع يمنعهم من عذابه {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور} يعني إنه إذا علم ذلك هو أخفى ما يكون، فقد علم غيب كل شيء في العالم. قوله تعالى {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي يخلف بعضكم بعضاً وقيل جعلكم أمة خلفت من قبلها من الأمم ورأت ما ينبغي أن يعتبر بهن وقيل جعلكم خلفاء في أرضه وملككم منافعها مقاليد التصرف فيها لتشكروه بالتوحيد والطاعة {فمن كفر} أي جحد هذه النعمة وغطمها {فعليه كفره} أي وبال كفره {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} يعني غضباً وقيل المقت أشد البغض {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً} يعني في الآخرة {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} يعني الأصنام جعلتموها شركاء بزعمكم {أروني ماذا خلقوا من الأرض} يعني أي جزء استبدوا بخلقه من الأرض {أم لهم شرك في السموات} أي خلق في السموات والأرض {أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه} أي على حجة وبرهان من ذلك {بل إن يعد الظالمون بعضهم} يعني الرؤساء {بعضاً إلا غروراً} يعني قولهم هؤلاء الأصنام شفعاؤنا عند الله. قوله عز وجل {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} يعني لكي لا تزولا فيمنعهما من الزوال والوقوع وكانتا جديرتين بأن تزولا وتهدهد العظم كلمة الشرك {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} يعني ليس يمسكهما أحد سواه {إنه كان حليماً غفوراً} يعني غير معاجل بالعقوبة حيث أمسكهما وكانتا قد همتا بعقوبة الكفار لولا حلمه وغفرانه {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} يعني كفار مكة وذلك لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله لو جاءنا نذير لنكونن أهدى ديناً منهم وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد كذبوه فأنزل الله هذه الآية {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} {لئن جاءهم نذير} يعني رسول {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} يعني اليهود والنصارى {فلما جاءهم نذير} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {ما زادهم} مجيئه {إلا نفوراً} يعني تباعدا عن الهدى {استكباراً في الأرض} يعني عتواً وتكبراً عن الإيمان به {ومكر السيىء} يعني عمل القبيح وهو اجتماعهم على الشرك وقيل هو مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} يعني لا يحل ولا يحيط إلا بأهله فقتلوا يوم بدر قال ابن عباس عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك {فهل ينظرون} أي ينظرون {إلا سنة الأولين} يعني أن ينزل العذاب بهم كما نزل بمن مضى من الكفار {فلن تجد لسنة الله تبديلاً} أي تغييراً {ولن تجد لسنة الله تحويلاً} أي تحويل العذاب عنهم إلى غيرهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذِكْرَ الكافرين أُفْرِدَ ها هنا. وقوله: {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ} أي لا يُجْهَزُ عليهم. وقولهم: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا} أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ: {أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ} الآية. واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر. وقال ابن عباس أربعون سنة؛ وهذا قول حسن؛ ورويت فيه آثارُ. ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب؛ مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث. * ت *: وفي البخاري: من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ اللّه إليه؛ لقوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} يعني: الشيب. ثم أسْنَد عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أَعْذَرَ اللَّهُ ٱمْرَأً أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّىٰ بَلَغَ سِتِّين سنةٍ»تفسير : . انتهى. و{ٱلنَّذِيرُ} في قول الجمهور: الأنبياء. قال الطبري: وقيل: النذيرُ: الشيبُ، وهذا أيضاً قول حَسَنٌ. وقوله: {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي وَبَالُ كفرِه و«المقت»: ٱحتقارُك الإنسَانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتهِ، والخَسَارُ: مُصَدَرُ خَسِرَ يَخْسَرُ، و {أَرَءَيْتُم}، تتنزل عند سيبويه منزلةَ أخبروني، ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، والرؤية في قوله {أَرُونِي} رؤيةُ بَصر. * ت *: قال ابن هشام: قوله {مِنَ ٱلأَرْضِ}، «من»: مرادفة «في». ثم قال: والظاهرَ أنَّها لبيان الجِنْسِ، مثلها: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} تفسير : [البقرة:106] الآية.انتهى. ثم أضْرَبَ سبحانه عنهم بقوله: {بَلْ إِن يَعِدُ} أي: بل إنما يعدون أنفسهم غروراً. وقوله: {أَن تَزُولاَ} أي: لئلا تزولا, ومعنى الزوال هنا: التنقلُ من مكانها، والسُّقُوطُ من عُلُوَّهَا. وعن ابن مسعودٍ أن السَّماءَ لا تدورُ وإنما تَجْرِي فيها الكواكبُ. وقوله تعالى: {وَلَئِن زَالَتَا} قيل: أراد يوم القيامة. وقوله تعالى: {إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} أي: من بعد تركه الإمساك. قال * ص *: {إِن أَمْسَكَهُمَا}: أن: نافية بمعنى، ما وأمسَك: جواب القسم المقدَّرِ قبل اللام الموطئة في {لَئِنْ}، وهو بمعنى: يمسك؛ لدخول أن الشرطية؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} تفسير : [البقرة:145] أي: ما يتبعون وكقوله: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا} تفسير : [الروم:51] إلى قَوْلِهِ: {أية : لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ} تفسير : [الروم:51] أي: لَيَظُلْونَ، وحذف جواب إن في هذه المواضع لدلالةِ جوابِ القَسَمِ عليه. وقوله: {مِنْ إِحْدَى} {مِن}: زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى.

القشيري

تفسير : لا حياة يَتَمَتَّعُون بها، ولا موتَ يستريحون به، وهم مقيمون في العذاب والحجاب، لا يفتر عنهم العذاب، وتُرْفَعُ عنهم العقوبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كفروا} جحدوا بوجود الله تعالى او بوحدته {لهم} بمقابلة كفرهم الذى هو اكبر الكبائر واقبح القبائح {نار جهنم} التى لا تشبه نارا {لا يقضى عليهم} لا يحكم عليهم بموت ثان: يعنى [وقتى كه در دوزخ باشند] {فيموتوا} ويستريحوا من العذاب ونصبه باضمار ان لانه جواب النفى {ولا يخفف عنهم من عذابها} طرفة عين بل كلما خبت زيد استعارها: يعنى [هركاه كه آتش فرونشيند زيادة كنند احراق والتهاب اورا]. وقوله كلما خبت لا يدل على تخفيف عنهم بل على نقصان فى النار ثم يزداد كما فى كشف الاسرار. قوله عنهم نائب مناب الفاعل ومن عذابها فى موقع النصب او بالعكس وان كانت زائدة يتعين له الرفع {كذلك} اى مثل هذا الجزاء الفظيع {نجزى} [جزاميدهيم] {كل كفور} مبالغ فى الكفر او فى الكفران لا جزاء اخف وادنى منه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "فيموتوا": جواب النفي. يقول الحق جلّ جلاله: {والذين كفروا لهم نارُ جهنَّمَ} يُخلدون فيها، {لا يُقْضَى عليهم فيموتوا} أي: لا يحكم بموت ثان فيستريحوا، {ولا يُخفف عنهم من عذابها} ساعة، بل كلما خبت زِيد إسعارها، وهذا مثل قوله: {أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} تفسير : [الزخرف: 75]، وذكر عياض انعقاد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يُثابون عليها. ولا تخفيف عذاب. وقد ورد في الصحيح سؤال عائشة عن ابن جدعان، وأنه كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعُه، فقال عليه السلام: "حديث : لا، فإنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" تفسير : .ثم قال عياض: ولكن بعضهم يكون أشد عذاباً، بحسب جرائمهم. وذكر أبو بكر البيهقي: أنه يجوز أن يراد بما ورد في الآيات والأخبار من بطلان خيرات الكفار: أنهم لا يتخلصون بها من النار، ولكن يُخفف عنهم ما يستوجبونه بجناية سوى الكفر، ودافعه المازري. قال شارح الصغاني بعد هذا النقل: وعلى ما قاله عياض، فما ورد في أبي طالب من النفع بشفاعته صلى الله عليه وسلم، بسبب ذبِّه عنه ونصرته له، مختص به. هـ. ويرد عليه ما ورد من التخفيف في حاتم بكرمه، فالظاهر ما قاله البيهقي. والله أعلم. ومثل ما قاله في أبي طالب، قيل في انتفاع أبي لهب بعتق ثويبة، كما في الصحيح. والحاصل: أن التخفيف يقع في بعض الكفار، لبره في الدنيا، تفضلاً منه تعالى، لا في مقابلة عملهم؛ لعدم شرط قبوله. انظر الحاشية. {كذلك} أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع، {نجزي كلَّ كفور} مبالغ في الكفران {وهم يصطرخون فيها}: يستغيثون، فهو يفتعلون، من: الصراخ، وهو الصياح بجهد ومشقة. فاستعمل في الاستغاثة لجهر صوت المستغيث. يقولون: {ربَّنا أخْرِجنا} منها، ورُدنا إلى الدنيا {نعملْ صالحاً غير الذي كنا نعملُ} فنؤمن بعد الكفر، ونُطيع بعد المعصية. فيُجابون بعد قدر عمر الدنيا: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يتذكَّرُ فيه مَن تَذَكَّرَ} أي: أَوَلَم نعمركم تعميراً يتذكر فيه المتذكر. وهو متناول لكل عمر يتمكن منه المكلّف من إصلاح شأنه، والتدبُّر في آياته، وإن قصُر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وقيل: هو ثماني عشرة سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، وقيل: أربعون. وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب، مسح الشيطان على وجهه. وقال: وجه لا يُفلح أبداً، وقيل: ستون. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة" تفسير : ،وفي البخاري عنه عليه السلام: "حديث : أعذر الله المرء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة ". تفسير : {وجاءكم النذيرُ} أي: الرسول عليه السلام، أو: الكتاب، وقيل: الشيخوخة، وزوال السن، وقيل: الشيب. قال ابن عزيز: وليس هذا شيء؛ لأن الحجة تلحق كل بالغ وإن لم يشب. وإن كانت العرب تسمي الشيب النذير. هـ. ولقوله تعالى بعدُ: {فلما جاءهم نذير} فإنه يتعين كونه الرسول، وهو عطف على معنى: {أو لم نعمركم} لأن لفظه استخبار، كأنه قيل: قد عمَّرناكم وجاءكم النذير. قال قتادة: احتج عليهم بطول العمر، وبالرسول، فانقطعت حجتهم. قال تعالى: {فذُوقوا} العذاب {فما للظالمين من نصيرٍ} يدفع العذاب عنهم. الإشارة: الذين كفروا بطريق الخصوصية، وأنكروا وجود التربية بالاصطلاح، فبقوا مع نفوسهم، لهم نار القطيعة ولو دخلوا الجنة الحسية، لا يُقضى عليهم فيموتوا، ويرجعوا إلى الاستعداد بدخول الحضرة، ولا يُخفف عنهم من عذاب حجاب الغفلة، بل يزيد الحجاب بتراكم الحظوظ، ونسج الأكنة على القلوب، كذلك نجزي كل كفور وجحود لطريق التربية. وهم يصطرخون فيها، بلسان حالهم، قائلين: ربنا أخرجنا، ورُدّنا إلى دار الفناء، نعمل صالحاً غير الذي كنا نعملُ، حتى ندخل، كما دخلها أهل العزم واليقظة؟ فيقال لهم: أَوَلَم نُعمركم ما يتذكر فيه مَن تذكر، وجاءكم النذير، مَن ينذركم وبال القطيعة، ويُعرفكم بطريق الحضرة، فأنكرتموه، فذُوقوا وبال القطيعة، فما للظالمين من نصير. ولمّا كان الكفر والإيمان من أعمال القلوب قد يخفى على الناس أخبر أنّ الله هو مطلع على ما فيها فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابوعمرو وحده {يجزى} بضم الياء على ما لم يسم فاعله. الباقون بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وحفص {على بينة} بالتوحيد لقوله {قد جاءكم بينة من ربكم} الباقون {بينات} على الجمع، لانها مكتوبة في المصاحف بالألف والتاء، والبينة والبينات القرآن، وفي قوله {أية : حتى تأتيهم البينة رسول من الله} تفسير : وهو محمد صلى الله عليه وآله. ويقال: بان الشيء وأبان إذا تبين، فهو باين ومبين، وأبنته أنا وبينته لا غير والبينة وزنها (فيعلة) فاجتمع ياآن فأدغم احداهما في الأخرى. لما اخبر الله تعالى عن أحوال اهل الآخرة وما أعده لأهل الجنة من أنواع الثواب أخبر - ها هنا - عن حال الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب فقال {والذين كفروا} بوحدانية الله وجحدوا نبوة نبيه {لهم نار جهنم} عقوبة لهم على كفرهم يعذبون فيها {لا يقضى عليهم فيموتوا} أي لا يحكم عليهم بالموت فيموتوا فيستريحوا، يقال قضى فلان إذا مات {ولا يخفف عنهم من عذابها} معناه ولا ييسر عليهم عذاب النار ولا يسهل عليهم ومثل هذا العذاب ونظيره {كذلك نجزي كل كفور} جاحد لوحدانيته تعالى ومكذب لانبيائه. ثم اخبر تعالى عن حال من هو في النار فقال {وهم يصطرخون فيها} أي يتصايحون بالاستغاثة، فالاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة، وهو افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لاجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما فعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد بالاستعلاء والاطباق ويوافق التاء بالمخرج. ويقولون {ربنا أخرجنا} من عذاب النار {نعمل صالحاً} يعني نعمل بالطاعات والاعمال الصالحات التي أمرنا بها {غير الذي كنا نعمل} من المعاصي، فيقول الله لهم - في جوابه تبكيتا لهم وإنكاراً عليهم {أو لم نعمركم} في دار الدنيا. وقال ابن عباس، ومسروق: العمر الذي ذكره الله أربعون سنة، وفي رواية أخرى ستون سنة، وهو قول علي عليه السلام {ما يتذكر فيه من تذكر} أي عمرناكم مقدار ما يمكن أن يتذكر ويعتبر وينظر ويفكر من يريد أن يتفكر ويتذكر {وجاءكم النذير} يعني المخوف من معاصي الله، قال ابن زيد: يعني به محمداً صلى الله عليه وآله وقال غيره: أراد الشيب. وقيل: الحمى {فذوقوا} معاشر الكفار عقاب كفركم ومعاصيكم {فما للظالمين من نصير} اي ليس لمن ظلم - وبخس نفسه حقها بارتكاب المعاصي - ناصر يدفع عنه العذاب. ثم اخبر تعالى بأنه {عالم غيب السماوات والأرض} لا يخفى عليه شيء مما غاب عن جميع الخلائق علمه {إنه عليم بذات الصدور} ومعناه اتقوا واحذروا أن تضمروا في أنفسكم ما يكرهه الله تعالى، فانه عليم بما في الصدور لا يخفى عليه شئ منها. وقوله {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} معناه جعلكم معاشر الكفار أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن. وهو قول قتادة {فمن كفر} أي جحد وحدانيته وأنكر نبوة نبيه صلى الله عليه وآله {فعليه} عقاب {كفره} دون غيره {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} أي لا يزيدهم كفرهم بالله عند الله إلا أشد البغض لان المقت اشد البغض {ولا يزيد الكافرين} أيضاً {كفرهم إلا خساراً} لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم النار بدلا منها {وذلك هو الخسران المبين} ثم قال موبخاً لهم {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} قيل: معناه إدعوا شركاءكم في الاموال التي جعلتم لها قسطاً من السائبة والوصيلة والانعام والحر ث، وهي الأوثان. وقيل: شركاءكم الذين اشركتموهم في العبادة مع الله {أروني ماذا خلقوا من الأرض} معناه أي شيء اخترعوه وانشؤه فيدخل عليكم بذلك شبهة {أم لهم شرك في السماوات؟} أي لهم شركة في خلق السموات؟ على وجه المعاونة لله؟ {أم آتيناهم كتاباً}؟ أي أعطيناهم كتاباً أمرناهم فيه بما يفعلونه {فهم على بينة منه} اي من ذلك الكتاب، فان جميع ذلك محال لا يمكنهم ادعاء شيء من ذلك، ولا إقامة حجة ولا شبهة عليه {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً} ومعناه ليس شيء من ذلك لكم، ليس يعد الظالمون أنفسهم بعضهم بعضاً إلا غروراً يغترون به وزوراً يتعدون به، يقال: غره يغره غروراً إذا أطمعه في ما لا يطمع فيه. فان قيل: الآية تدل أن الله سبحانه ينفرد بالخلق دون العباد، لأنه بين أن من تهيأ له الخلق فهو إله. قلنا: هذا كقوله {أية : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} تفسير : فكما لا يدل على ان من كان له يد أو رجل يكون إلهاً، فكذلك لا يجب ان يكون من يخلق يكون الها على انه بين المراد بالخلق، فقال {ماذا خلقوا من الأرض} لا يقدر على خلق الارض ولا على شيء منه إلا الله تعالى على أنا لا نطلق اسم خالق إلا على الله، ونقيده في الواحد منا.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او بمحمّد (ص) او بآله (ع) او بالايمان او بالكتاب او بنعمة الولاية او بمطلق النّعم فانّه مقابل قوله ثمّ اورثنا الكتاب لانّه بمنزلة ان يقال: انّ الّذين آمنوا لهم كذا، والّذين كفروا {لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} فيستريحوا من عذابها {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} من الكفر بالولاية او بسائر ما ذكر، روى عن علىٍّ (ع) انّه قال: حديث : قال رسول الله (ص): يا علىّ ما بين من يحبّك وبين ان يرى ما يقرّبه عيناه الاّ ان يعاين الموت، ثمّ تلا: ربّنا اخرجنا نعمل صالحاً غير الّذى كنّا نعمل تفسير : يعنى اعداء علىّ (ع)، وهذا الحديث يدلّ على انّ المراد بالّذين كفروا من كفر بالولاية وهو يدلّ على شمول الآية لمطلق المؤمنين بالولاية {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} بتقدير القول مثل قوله ربّنا أخرجنا {مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} فسّر العمر الّذى يتذكّر فيه بثمانى عشرة سنة، وفى خبرٍ انّ العبد لفى فسحة من امره ما بينه وبين اربعين سنة وبعد ذلك يوحى الله الى ملائكته انّى قد عمّرت عبدى عمراً فغلّظا وشدّدا واحفظا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره، وفى خبرٍ: العمر الّذى اعذر الله فيه الى ابن آدم ستّون سنةً، وفى آخر عن النّبىّ (ص): من عمّره الله ستّين سنة فقد أعذر اليه {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} جملة حاليّة {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} يدفع العذاب عنهم.

الأعقم

تفسير : {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} {وهم يصطرخون فيها} أي يستغيثون بصوت عالٍ لما نالهم من العذاب يقولون: {ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل} في الدنيا، فيقول الله مجيباً لهم: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} أي لسنا أبقيناكم وعمرناكم مدة طويلة قيل: أربعون سنة، وقيل: ستون عن ابن عباس، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أكثر أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" تفسير : {وجاءكم النذير} قيل: هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس وأبي علي وجماعة، وقيل: القرآن، وقيل: هو الشيب، وروي في العجائب والغرائب أن النذير هو العقل {فذوقوا} العذاب {فما للظالمين من نصير} {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} أي اتقوا معاصيه فإنه عالم بجميع ذلك وبما في الصدور فيجازيكم به {هو الذي جعلكم خلائف} يا أمة محمد {فمن كفر فعليه كفره} أي يعود وباله وضرره عليه {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} وهو أشد البغض، وقيل: عذاباً {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً} قيل: هلاكاً {قل} يا محمد أو أيها السامع لهؤلاء الكفار {أرأيتم شركاءكم الذين} أشركتموهم في أموالكم وهي الأوثان، وقيل: أشركتموهم في العبادة {الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض} حتى يستحق على ذلك الشرك في الإِلهيَّة، وقيل: ما خلقوا في الأرض من شيء أم لهم مع الله شريك في خلق السماوات {أم آتيناهم كتاباً} يدل على ما هم عليه {فهم على بينة منه} أي حجة، يعني لا دليل لهم عقلاً ولا سمعاً وإنما اعتقدوا تقليداً {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً} يعني أن ذلك منهم غروراً، وهو قولهم: إن هؤلاء شفعاؤنا عند الله {إن الله يمسك السماوات والأرض ان تزولا} كراهة أن تزولا، أي يمنعهما من أن تزولا لأن الإِمساك منع {إنه كان حليماً غفوراً} غير معاجل بالعقوبة.

اطفيش

تفسير : {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى} بالموت. {عليهم فيموتوا} ليستريحوا مما هم فيه والنصب بان في جواب النفي وقرىء بثبوت النون عطفا على يقضي أي فلا يموتون {ولا يخفف عنهم من عذابها} طرفة بل كلما خبت زدناهم سعيرا. {كذلك} مثل ذلك الجزاء. {نجزي} وقرأ نجازى فينصب {كل كفور} مبالغ في الشرك او المعاصي.

اطفيش

تفسير : {والَّذين كَفَروا لَهُم نارُ جهنَّم لا يُقْضى عَليْهم} لا يقتلون، يقال: قضى عليه بمعنى قتله أو لا يحكم عليهم بالموت، وعلى بمعنى اللام، أو على ظاهرها من الإيقاع على الشىء، أو باعتبار الأصل فى الموت بأنه مكروه، كأنه قيل: لا يقضى عليهم بالموت الذى كرهوه فى الدنيا، وأما فى النار فهو أحب شىء إليهم والجملة حال من هاء لهم، أو من نار لكن على تقدير الرابط، أى لا يقضى فيها عليهم {فيمُوتُوا} يستريحُوا {ولا يخفَّف عنْهُم من عَذابها} من عذاب النار المعهود لهم، كلما خبت زدناهم سعيراً، وانتقالهم الى الزمهرير ليس تخفيفا من عذاب النار، فانه أشد، أو مثلها وإن رد الضمير الى جهنم لا الى النار، فالزمهرير أيضا من جهنم، ولو لم يكن من نارها فإنها دار واحدة تشتمل على النار، والزمهرير ونائب الفاعل عنهم لقربه، أو من عذابها لأنه العمدة فى المقام {كَذلكَ نَجزي كلَّ كفُورٍ} مبالغ فى الكفر، وكل كافر يدخلها، وصيغة المبالغة لأن الكلام مع المبالغين فيه، ولا حصر فى الآية.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ } أي لا يحكم عليهم بموت ثان {فَيَمُوتُواْ } ليستريحوا بذلك من عذابها بالكلية وإنما فسر لا يقضى بما ذكر دون لا يموتون لئلا يلغوا فيموتوا ويحتاج إلى تأويله بيستريحوا. ونصب (يموتوا) في جواب النفي بإضمار أن والمراد انتفاء المسبب لانتفاء السبب أي ما يكون حكم بالموت فكيف يكون الموت. وقرأ عيسى والحسن {فيموتون} بالنون عطفاً كما قال أبو عثمان المازني على {يقضى } كقوله تعالى: {أية : لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }تفسير : [المرسلات: 36] أي لا يقضى عليهم ولا يموتون. {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } المعهود لهم بل كلما خبت زيد إسعارها، والمراد دوام العذاب فلا ينافي تعذيبهم بالزمهرير ونحوه، ونائب فاعل {يخفف عنهم} و{من عذابها} في موضع نصب ويجوز العكس، وجوز أن تكون (من) زائدة فيتعين رفع مجرورها على أنه النائب عن الفاعل على ما قال أبو البقاء. وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو {ولا يخفف} بإسكان الفاء شبه المنفصل بالمتصل كقوله:شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب تفسير : {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع {نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ } مبالغ في الكفر أو الكفران لا جزاء أخف وأدنى منه. وقرأ أبو عمرو وأبو حاتم عن نافع {يجزى } بالياء مبنياً للمفعول و {كل } بالرفع على النيابة عن الفاعل وقرىء {نجازي} بنون مضمومة وألف بعد الجيم.

ابن عاشور

تفسير : مقابلة الأقسام الثلاثة للذين أُورثوا الكتاب بذكر الكافرين يزيدنا يقيناً بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم يوضح أن الجنة دار للأقسام الثلاثة على تفاوت في الزمان والمكان. وفي قوله تعالى في الكفار: {ولا يخفف عنهم من عذابها} إيماء إلى أن نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين. فجملة {والذين كفروا} معطوفة على جملة { أية : جنات عدن يدخلونها } تفسير : [فاطر: 33]. ووقع الإِخبار عن نار جهنم بأنها {لهم} بلام الاستحقاق للدلالة على أنها أعدت لجزاء أعمالهم كقوله تعالى: { أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } تفسير : في سورة البقرة (24) وقوله: { أية : واتقوا النار التي أعدت للكافرين } تفسير : في سورة آل عمران (131)، فنار عقاب عصاة المؤمنين نار مخالفة أو أنها أعدت للكافرين. وإنما دخل فيها من أدخل من المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لاقترافهم الأعمال السيئة التي شأنها أن تكون للكافرين. وقدم المجرور في {لهم نار جهنم} على المسند إليه للتشويق إلى ذكر المسند إليه حتى إذا سمعه السامعون تمكن من نفوسهم تمام التمكن. وجملة {لا يقضى عليهم} بدل اشتمال من جملة {لهم نار جهنم}، والقضاء: حقيقته الحكم، ومنه قضاء الله حكمه وما أوجده في مخلوقاته. وقد يستعمل بمعنى أماته كقوله تعالى: { أية : فوكزه موسى فقضى عليه } تفسير : [القصص: 15]. وهو هنا محتمل للحقيقة، أي لا يقدرُ الله موتهم، فقوله: {فيموتوا} مسبب على القضاء. والمعنى: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا، ومحتمل للمجاز وهو الموت. وتفريع {فيموتوا} على هذا الوجه أنهم لا يموتون إلا الإِماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإِحساس، فيفيد أنهم يُماتون مَوتاً ليس فيه من الموت إلا آلامه دون راحته، قال تعالى: { أية : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } تفسير : [الزخرف: 77] وقال تعالى: { أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب } تفسير : [النساء: 56]. وضمير {عذابها} عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم. ووقع {كذلك} موقع المفعول المطلق لقوله: {نجزي} أي نجزيهم جزاء كذلك الجزاء، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا } تفسير : في سورة البقرة (143). وجملة {كذلك نجزي كل كفور} تذييل. والكفور: الشديد الكفر، وهو المشرك. وقرأ الجمهور {نجزي} بنون العظمة ونصب {كل}. وقرأه أبو عمرو وحده {يُجزَى} بياء الغائب والبناء للنائب ورفع {كل}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 36- والذين كفروا جزاؤهم المعد لهم نار جهنم يدخلونها، لا يقضى عليهم الله بالموت فيموتوا، ولا يخفف عنهم شئ من عذابها فيستريحوا. كذلك نجزى به كل متمادٍ فى الكفر مصرٍّ عليه. 37- وهم يستغيثون فيها قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل صالحاً غير العمل الذى كنا نعمله فى الدنيا، فيقول لهم: ألم نمكنكم من العمل ونطل أعماركم زمناً يتمكن فيه من التدبر من يتدبر، وجاءكم الرسول يحذركم من هذا العذاب؟ فذوقوا فى جهنم جزاء ظلمكم، فليس للظالمين من ناصر أو معين. 38- إن الله مطلع على كل غائب فى السموات والأرض، لا يغيب عن علمه شئ، ولو أجابكم وأعادكم إلى الدنيا لعدتم إلى ما نهاكم عنه. إنه - تعالى - عليم بخفايا الصدور من النزعات والميول. 39- الله هو الذى جعل بعضكم يخلف بعضاً فى تعمير الأرض وتثميرها، وهو حقيق بالشكر لا بالكفر، فمن كفر بالله فعليه وزر كفره، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بغضاً وغضباً، ولا يزيد الكافرين إلا خسراناً. 40- قل - أيها النبى - للمشركين: أخبرونى: أأبصرتم حال شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله؟! أخبرونى: أى جزء خلقوا من الأرض؟! بل ألهم شركة مع الله فى خلق السموات؟! لم نعطهم كتاباً بالشركة فهم على حجة منه، بل ما يعد الظالمون بعضهم بعضاً بشفاعة الآلهة التى يشركونها مع الله إلا باطلا وزخرفاً لا يخدع إلا ضعاف العقول.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يقضى عليهم: أي بالموت فيموتوا ويستريحوا. كذلك نجزي كل كفور: أي كذلك الجزاء نجزي كل كفور بنا وبآياتنا ولقائنا. وهم يصطرخون فيها: أي يصيحون بأعلى أصواتهم يطلبون الخروج منها. يقولون: أي في عويلهم وصراخهم ربنا أخرجنا أي منها نعمل صالحاً. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه: أي وقتا يتذكر فيه من تذكر. وجاءكم النذير: أي الرسول فلم تجيبوا وأصررتم على الشرك والمعاصي. إنه عليم بذات الصدور: أي بما في القلوب من إصرار على الكفر ولو عاش الكافر طوال الحياة. خلائف في الأرض: يخلف بعضكم بعضاً. والخلائف جمع خليفة وهو من يخلف غيره. فعليه كفره: أي وبال كفره. إلا مقتاً: أي إلا غضباً شديداً عليهم من الله عز وجل. إلا خساراً: أي في الآخرة إذ يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. معنى الآيات: بعدما ذكر تعالى جزاء أهل الإِيمان والعمل الصالح ذكر جزاء أهل الكفر والمعاصي فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالله وآياته ولقائه {لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} أي جزاء لهم {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ} أي بالموت فيموتوا حتى يستريحوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا طرفة عين. وقوله تعالى {كَذَلِكَ} أي الجزاء {نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي مبالغ في الكفر مكثر منه. وقوله: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} أي في جهنم أي يصرخون بأعلى أصواتهم في بكاء وعويل يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} أي من النار ورُدنا إلى الحياة الدنيا {نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} أي من الشرك والمعاصي. فيقال لهم: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} أي أتطلبون الخروج من النار لتعملوا صالحاً ولم نعمركم أي نطل أعماركم بحيث يتذكر فيها من يريد أن يتذكر وجاءكم النذير فلم تجيبوه وأصررتم على الشرك والمعاصي، إذاً فذوقوا عذاب النار {فَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي من نصير ينصرهم فيخرجهم من النار. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي كل ما غاب في السماوات والأرض {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} ومن ذلك أنه عليم بما في قلوبكم وما كنتم مصرين عليه من الشرك والشر والفساد ولو عشتم الدهر كله. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي يخلف بعضكم بعضاً وفي ذلك ما يمكّن من العظة والاعتبار إذ العاقل من اعتبر بغيره فقد هلكت قبلكم أمم بذنوبهم فلم لا تتعظون بهم وقد خلفتموهم وجئتم بعدهم إذاً فلا عذر لكم أبداً. وبعد هذا البيان فمن كفر فعليه كفره هو الذي يتحمل جزاءه، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم {إِلاَّ مَقْتاً} أي بعداً عن الرحمة وبغضاً شديداً، {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ} أي المصرين على الكفر كفرهم {إِلاَّ خَسَاراً} أي هلاكاً في الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مُرّ العذاب وأليمه الذي هو جزاء الكافرين. 2- الإِعذار لمن بلّغه الله من العمر أربعين سنة. 3- الكافر يعذب أبداً لعلم الله تعالى به وأنه لو عاش آلاف السنين ما أقلع عن كفره ولا حاول أن يتوب منه فلذا يعذب أبداً. 4- في كون البشرية أجيالاً جيلا يذهب وآخر يأتي مجال للعظة والعبرة والعاقل من اعتبر بغيره. 5- الاستمرار على الكفر لا يزيد صاحبه إلا بعداً عن الرحمة ومقتاً عند الله تعالى والمقت أشد الغضب.

القطان

تفسير : لا يقضى عليهم: لا يحكم عليهم بموت ثان. يصطرخون: يصيحون أشد الصياح للاستغاثة. نعمّركم: نمهلكم. خلائف: جمع خليفة وهو الذي يخلف من قبله. ثم بيّن حال الجاحدين الكافرين وما ينتظرهم من عذاب فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} هؤلاء الذين لم يؤمنوا واستمرّوا على عنادهم وجحودهم سيكون مقامُهم في نارِ جهنّم يعذَّبون فيها لا يموتون، ولا يخفف عنهم العذاب. {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} هذا جزاء كل من يكفر. وهم من شدة العذاب يستغيثون فيها قائلين: ربنا، أخرِجنا من النار حتى نعملَ صالحاً غير الذي كنا نعمله في الدنيا، فيقول لهم: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} ألم نمكّنكم من العمل ونُطِلْ أعماركم زمنا يمكن فيه التدبر لِمَنْ يريد ذلك؟ لقد جاءكم الرسول يحذّركم من هذا العذاب.... فذوقوا في جهنم جزاء ظُلمكم ومخالفتكم للانبياء في حياتكم الدنيا. {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}. ان الله مطلع على كل غائب في السماوات والأرض، لا يغيبُ عن علمه شيء، ولو أجابكم وأعادكم الى الدنيا لعُدتم الى ما نهاكم عنه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. والله هو الذي جعل بعضكم يخلُفُ بعضاً في تعمير الأرض وتثميرها، فمن كفر بالله فعليه وِزْرُ كفرِه، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم الا مقتا وبغضا. قراءات: قرأ ابو عمرو وحده: كذلك يجزى كل كفور بضم الياء وفتح الزاي. والباقون: نجزي بفتح النون وكسر الزاي.

د. أسعد حومد

تفسير : (36) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَعِقَابُهُمْ سَيَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ فِيها بِمَوتٍ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ العَذابِ وَالآلاَمِ، وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ وَلا يُفَتَّرُ. وَكُلَّما خَبَتْ نَارُ جَهَنَّمَ زَادَهَا اللهُ سَعِيراً، لِيَسْتَمِرَّ عَذَابُهُم شَدِيداً أليماً. وَمِثْلُ هذا الجَزاءِ يَجْزِي اللهُ بِهِ كُلَّ كَافِرٍ بِاللهِ، جَاحِدٍ بِأَنْعُمِهِ، مُكَذِّبٍ لِرُسُلِهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} أي لا يقبضون فيستريحون. وذكر عن الحسن: فيموتون، و {لاَ} يكون حينئذ جواباً للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون. كقوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات: 36]. {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} قراءة العامة بنصب النون واللام وقرأ أبو عمرو بضم الياء واللام وفتح الزاي على غير تسمية الفاعل. {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ}: يدعون ويستغيثون ويصيحون فيها، وهو افتعال من الصراخ، ويُقال للمغيث: صارخ وللمستغيث: صارخ. {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} من النار {نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} في الدُّنيا، فيقول الله عز وجل: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ}. اختلفوا في هذه المدة، فقال قتادة والكلبي: ثماني عشرة سنة، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال ابن عباس: ستون سنة. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه وأحمد بن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة حدّثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن عبد الرَّحْمن بن أبي حصين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: "حديث : إذا كان يوم القيامة نُودي أين أبناء الستين؟ وهو الذي قال الله عز وجل فيه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن حرجة قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: حدّثنا الحجبي عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يُحدث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: "حديث : من عمّره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه عن أحمد بن جعفر بن حمدان عن إبراهيم بن سهلويه عن الحسين بن عرفة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعمار أُمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : معترك منايا أُمتي ما بين الستين إلى السبعين ". تفسير : {وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} أي الرسول، وقال زيد بن علي: القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسين بن الفضل: يعني الشيب، وفيه قيل: شعر : رأيت الشيب من نُذُر المنايا لصاحبها وحسبك من نذيرِ فحدّ الشيبِ أُهبة ذي وقار فلا خلفٌ يكون مع القتير تفسير : وقال آخر: شعر : وقائلة تبيض والغواني نوافر عن معاينة القتير فقلت لها المشيب نذير عمري ولستُ مسوداً وجه النذير تفسير : {فَذُوقُواْ} أي العذاب {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} غضباً {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً * قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي في الأرض {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} يأمرهم بذلك {فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ}. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش وحمزة {بَيِّنَةٍ} على الواحد، وقرأ غيرهم (بينات) بالجمع، وهو اختيار أبي عبيد قال: لموافقة الخط. فإني قد رأيتها في بعض المصاحف بالألف والتاء. {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}، روى مغيرة عن إبراهيم قال: جاء من أصحاب عبد الله بن مسعود إلى كعب ليتعلم من علمه، فلما رجع قال عبد الله: هات الذي أصبت من كعب. قال: سمعت كعباً يقول: إنّ السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا في عمود على منكب ملك. فقال عبد الله: وددت أنك انفلتّ من رحلتك براحلتك ورحلها، كذب كعب ما ترك يهوديته بعدُ، إنّ الله عز وجل يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ} الآية، إن السماوات لاتدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} وذلك أنّ قريشاً لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى ديناً منهم، وهذا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه فأنزل الله عز وجل: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ}، يعني اليهود والنصارى، {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ}: محمد صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} بعداً ونفاراً. {ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ} ونصب {ٱسْتِكْبَاراً} على البدل من النفور، قاله الأخفش، وقيل: على المصدر، وقيل: نزع الخافض. {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} يعني العمل القبيح، وقال الكلبي: هو إجماعهم على الشرك وقتل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، أي لا يحل ولا ينزل، ويحيط ويلحق فقتلوا يوم بدر، وقراءة العامة {ٱلسَّيِّىءِ}: بإشباع الإعراب فيها، وجزم الأعمش وحمزة (ومكر السَّيْ) تخفيفاً وكراهة لالتقاء الحركات ولم يعملا ذلك في الأُخرى، والقراءة المرضية ما عليه العامة. وفي الحديث أنّ كعباً قال لابن عباس: قرأت في التوراة: من حفر حفرة وقع فيها. فقال ابن عباس: أنا أوجد لك ذلك في القرآن، ثم قرأ قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}. وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن الحسن البلخي قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري قال: بلغنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تمكر ولا تعن ماكراً؛ فإن: الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، ولا تبغ ولا تعن باغياً، بقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} [يونس: 23] ولا تنكث ولا تلعن ناكثاً فإنّ الله سبحانه يقول: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [الفتح: 10] ". تفسير : {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ} يعني العذاب إذا كفروا {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً}. {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً * وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} من الجرائم {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا}، يعني الأرض كناية عن غير مذكور {مِن دَآبَّةٍ}. قال الأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة: الناس دون غيرهم، وأجراها الآخرون على العموم. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه [عن] الفربابي قال: حدّثني أبو مسعود أحمد بن الفرات قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أصاب الله عز وجل قوماً بعذاب أصاب به من بين ظهرانيهم ثم يبعثون على أعمالهم يوم القيامة ". تفسير : وقال قتادة في هذه الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح فأهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلاّ ما حُمل في سفينة نوح، وقال ابن مسعود: كاد الجعل يُعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ هذه الآية، وقال أنس: إنّ الضب ليموت هزلاً في جحره بذنب ابن آدم، وقال يحيى ابن أبي كثير: أمر رجل بمعروف ونهى عن منكر، فقال له رجل: عليك نفسك فإنّ الظالم لا يضر إلاّ نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده، إنّ الحباري لتموت هزلاً في وكرها بظلم الظالم. وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: يحبس المطر فيهلك كل شيء. {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : اللام في {لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} [فاطر: 36] تفيد الملكية والاختصاص، كما نقول: فلان له كذا وكذا، فكأنهم يتعلَّقون بها، وهي تتعلق بهم تعلُّق المالك بالمملوك، وساعةَ يدخلونها والعياذ بالله يودُّون الخلاص منها ولو بالموت، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : كَفَى بكَ دَاءً أنْ تَرَى الموْتَ شَافِياً وحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنَّ أَمانيا تفسير : نعم: يتمنَّوْنَ الخلاص ولو بالموت، لكن هيهات لهم ذلك، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى في موضع آخر: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} تفسير : [الزخرف: 77] فالموت ليس عذاباً، بل هو بالنسبة لهم راحة من عذاب أشدّ وأبْقى. وأذكر أن بعض المستشارين ادعى أن كتاب الله ليس فيه دليل على رَجْم الزانية المحصنة، واستدل على ذلك بقوله تعالى في الإماء: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25]. على اعتبار أن الرجم لا يتجزأ ليكون فيه نصف رجم، وما دام الرجم لا يتجزأ فلا رجمَ إذن. فربنا سبحانه وتعالى ألهم وقلنا والحمد لله: علينا أن نحدد أولاً ما العذاب؟ العذاب: إيلام حَيٍّ، وإذا ما جمعنا آيات القرآن في الموضوع بعضها إلى بعض، وَضُحَتْ لنا الصورة وظهر المعنى، فالله يقول في قصة هدهد سليمان عليه السلام: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} تفسير : [النمل: 21] إذن: الموت أو الذبح أو القتل ليس عذاباً. والرجم إماتة، والإماتة إنهاء للعذاب. والحق سبحانه وتعالى حين قال هذا النص شاء الله سبحانه أن يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم بياناً بهذا النص، وفَرْق بين حكم تأخذه بالنص، وحكم تأخذه بالتطبيق الفعلي من المشرِّع صلى الله عليه وسلم؛ لأن النص يمكن لك أنْ تؤوله، أما التطبيق الفعلي من رسول الله فلا تأويلَ فيه، وقد ثبت أن رسول الله رجم بالفعل. ولو كان الأمر كما يدَّعي المستشار لكانت الآية: فعليهن نصف ما على المحصنات دون أن تذكر العذاب، فقوله تعالى: {أية : مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] يعني: لا من غيره، فهو بيان للنصف، نصف العذاب، والرجم ليس عذاباً، بل إنهاء للعذاب. ثم يخبر سبحانه عن حال أهل النار {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] أي: أنه عذاب دائم لا ينقطع ولا يفتر، فالإنسان مثلاً في الدنيا قد يُبْتلى - والعياذ بالله - بأنْ يُعتقل ويُضرب مثلاً ليُقرَّ بما حدث، إلى أن يصير جسمه جسماً (أطرش) يعني: لا يشعر بالألم لكثرة الضرب؛ لذلك مثل هؤلاء يُضرب جَلْدة، أو عدة جلدات، ثم لا يشعر بعدها بشيء، ويصدق فيه قول الشاعر: شعر : مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهَوَانُ عَلَيْهِ مَا لجُرْحٍ ميِّتٍ إيلامُ تفسير : أو قَوْل الآخر: شعر : وكنتُ إذَا أَصَابَتْنى سِهَامٌ تَكسَّرَتِ النِّصَالُ على النِّصَالِ تفسير : إذن: عذاب الدنيا قد يُخفَّف، ولو بهذه العادة الرديئة، وهي فقدان الإحساس بالعذاب حين يفقد الجلد اتصاله بالمخ، أما عذاب الآخرة فلا يُخفَّف عنهم مهما طال بهم؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56].

الجيلاني

تفسير : نفى سبحانه بعد نفي الملزوم؛ مبالغاً وتأكيداً، ثم أردف سبحانه وعد المؤمنين بوعيد الكافرين على مقتضى سنته المستمرة في كتابه، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وأعرضوا عن كتبه ورسله، وأنكروا بالبعث والحشر وإعادة المعدوم {لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} أي: معدة مسعرة لهم؛ ليعذبوا بها في النشأة الأخرى تعذيباً شديداً إلى حيث {لاَ يُقْضَىٰ} ولا يحكم {عَلَيْهِمْ} بالموت من عنده سبحانه {فَيَمُوتُواْ} كي يستريحوا، بل كلما أشرفوا على الهلاك يعادوا ويعذبوا {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} أبداً، ولا يمهلون ساعة حتى يتنفسوا، بل صاروا معذبين على التعاقب والتوالي أبداً بلا فرجة أصلاً، كأبناء الدنيا المعذبين في دار الحرمان بنيران الإمكان إلى حيث تستوعب جميع أوقاتهم وأزمانهم، بحيث لا يسع لهم التنفس والتفرج أصلاً {كَذَلِكَ} أي: مثل ما نجازي أولئك المصرين على الكفر والعناد {نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36] لحقوق نعمنا، منكر لمقتضيات جودنا وكرمنا. {وَهُمْ} من شدة فزعهم وهولهم {يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} ويستغيثون من الله، صارخين، متحسرين، قائلين من كمال الضجرة والحسرة: {رَبَّنَآ} يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم، فكفرناك وأعرضنا عنك وعن كتبك ورسلك {أَخْرِجْنَا} وأعدنا منها إلى الدنيا كرة أخرى {نَعْمَلْ صَالِحاً} مقبولاً عندك، مرضياً لك {غَيْرَ} العمل {ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} عناداً ومكابرة، فالآن ظهر لنا الحق بطلان ما كنا نعمل من الأعمال الفاسدة الغير المطابقة لكتبك ودين رسلك، فلو أخرجتنا وأعدتنا لآمنا بك وبكتبك ورسلك، وبجميع ما جاءوا به من عندك. وبعدما تمادوا وتطالوا في بث الشكوى، قيل لهم من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَ} تطلبون المهلة منا وتستمهلون عنا {وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} ونمهلكم أيها المسرفون المفرطون في الدنيا طويلاً إلى حيث يسع في جميع {مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} أي: وقت وسيع، يتذككر فيه من كان بصدد التذكر والتنبه، وهو من وقت البلوغ إلى سيتن سنة غالباً، ولم تتذكروا في تلك المدة لا من تلقاء أنفسكم مع أنكم مجبولون على فطرة التذكر {وَ} مع ذلك {جَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} المذكر، المنذر لكم عن أمثال ما أنتم عليه الآن، فأنكرتم له ولم تتذكروا أيضاً بقوله، حتى ظهر عليكم أمارات الشيب المذكر المخبر لكم للرحيل إلى السفر الطويل، ومع ذلك لم تتزودوا لها، فالآن قد انقضى وقت التذكر والتدبر، ومضى أوان التدارك والتلاقي، تطلبون العود والخروج؟! هيهات هيهات، إن وقت التفقد قد فات {فَذُوقُواْ} العذاب المخلد بدل تلك اللذات، فاعلموا الآن {فَمَا لِلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى حدود الله {مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: 37] ينصرهم في رفع العذاب، أو يشفع لهم عند الله لتخفيفه عنهم، بل هم خالدون في النار أبد الآباد، لا سبيل لنجاتهم أصلاً. ربنا بعدنا عن سخطك وغضبك، وأحينا وأمتنا على مقتضى إرادتك ورضاك وارزقنا في النشأة الأخرى لقياك، إنك على ما تشاء قدير. وكيف يسع لأحد من المخلوقات أن يشفع عنده سبحانه لعصاة عباده أو ينصرهم في الأنقاذ عن عذابه بعدما ثبت جرائمهم في حضرة علمه وتعلق إرادته بأخذهم على ظلمهم؟!. {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على جميع ما لاح عليه برق الوجود {عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: بواطن ما في العلويات {وَٱلأَرْضِ} أي: بواطن ما في السفليات أيضاً، وكيف يخفى عليه سبحانه ما في سرائر عباده وضمائرهم {إِنَّهُ} سبحانه {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [فاطر: 38] أي: جميع مكنونات الصدور ومضمراتها، ومقتضيات استعداداتهم وقابلياتهم مطلقاً؛ لأنه المراقب لهم في جميع حالاتهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن من لا نسب له ولا سبب بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} [فاطر: 36] يشير إلى من سر صفاء القلب ونور الروح الفطري بظلمات صفات البشرية يعذب بنار البعد والقطيعة، {لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ} [فاطر: 36] بالموت {فَيَمُوتُواْ} [فاطر: 36] بالأرواح والنفوس {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] عذاب البعد والقطيعة {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36] بستر نعمتنا بالكفران { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} [فاطر: 37] تستغيث أرواحهم في نار البعد يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} [فاطر: 37] من ظلمات البشرية {نَعْمَلْ صَالِحاً} [فاطر: 37] تصفية للقلب وتحلية للروح {غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] من متابعة الهوى والطبع ومخالفات الشرع يقول لهم منادي العزة: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} [فاطر: 37] أي: لم تبلغوا حد البلاغة التي تفتح بها نظر العقل فينظروا بنظر العقل إلى المصنوعات فيعرفوا صانعها. { وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} [فاطر: 37] أي: وما جاءكم النذير فيدعوكم إلى الله ويخوفكم منه فإذا لم تستعملوا العقل ولم تسمعوا قول نذير الظاهر من الأنبياء وقول نذير الباطن من الإلهامات الربانية وما رجعتم بالقلوب إلى الحضرة المقدسة، {فَذُوقُواْ} [فاطر: 37] عذاب نار البعد الذي كنتم معذبين به ولمن كنتم نائمون فما ذقتم ذوق العذاب {فَمَا لِلظَّالِمِينَ} على أنفسهم بصرف الاستعداد لعبودية الحق تعالى في غير موضعه من عبودية الدنيا والهوى والشيطان {مِن نَّصِيرٍ} يغيثه منهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [فاطر: 38] سماوات القلوب {وَٱلأَرْضِ} [فاطر: 38] أرض النفوس، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [فاطر: 38] أي: عالم بإخلاص المخلصين وصدق الصادقين وهما من غيب سماوات القلوب وعالم بنفاق المنافقين وجحد الجاحدين وهما من غيب أرض النفوس ومجمع الجميع الصدور.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى حال أهل الجنة ونعيمهم، ذكر حال أهل النار وعذابهم فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } أي: جحدوا ما جاءتهم به رسلهم من الآيات، وأنكروا لقاء ربهم. { لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ } يعذبون فيها أشد العذاب، وأبلغ العقاب. { لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ } بالموت { فَيَمُوتُوا } فيستريحوا، { وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } فشدة العذاب وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات. { كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } أي: يصرخون ويتصايحون ويستغيثون ويقولون: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } فاعترفوا بذنبهم، وعرفوا أن اللّه عدل فيهم، ولكن سألوا الرجعة في غير وقتها، فيقال لهم: { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا } أي: دهرا وعمرا { يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ } أي: يتمكن فيه من أراد التذكر من العمل، متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، حتى إذا انقضت آجالكم، وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان، بأشر الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار دار الجزاء على الأعمال، سألتم الرجعة؟ هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب مهانين، ولهذا قال: { فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } ينصرهم فيخرجهم منها، أو يخفف عنهم من عذابها.