Verse. 3698 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

اِنَّ اللہَ عٰلِمُ غَيْبِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اِنَّہٗ عَلِـيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۳۸
Inna Allaha AAalimu ghaybi alssamawati waalardi innahu AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور» بما في القلوب، فعلمه بغيره أولى بالنظر إلى حال الناس.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : تقريراً لدوامهم في العذاب، وذلك من حيث إن الله تعالى لما قال: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] ولا يزاد عليها، فلو قال قائل: الكافر ما كفر بالله إلا أياماً معدودة، فكان ينبغي أن لا يعذب إلى مثل تلك الأيام، فقال تعالى إن الله لا يخفى عليه غيب السموات فلا يخفى عليه ما في الصدور، وكان يعلم من الكافر أن في قلبه تمكن الكفر بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده. وفي قوله تعالى: {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } مسألة قد ذكرناها مرة ونعيدها أخرى، وهي أن لقائل أن يقول الصدور هي ذات اعتقادات وظنون، فكيف سمى الله الاعتقادات بذات الصدور؟ ويقرر السؤال قولهم أرض ذات أشجار وذات جنى إذا كان فيها ذلك، فكذلك الصدر فيه اعتقاد فهو ذو اعتقاد، فيقال له لما كان اعتبار الصدر بما فيه صار ما فيه كالساكن المالك حيث لا يقال الدار ذات زيد، ويصح أن يقال زيد ذو دار ومال وإن كان هو فيها.

القرطبي

تفسير : تقدم معناه في غير موضع. والمعنى: علم أنه لو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً، كما قال: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. و{عَالِمُ} إذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي والمستقبل، وإذا كان منوّناً لم يجز أن يكون للماضي.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى بعلمه غيب السمٰوات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر، وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله، ثم قال عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ} أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم. كما قال تعالى: {جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِى ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره، {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي: كلما استمروا على كفرهم، أبغضهم الله تعالى، وكلما استمروا فيه، خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين، فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب، فَعِلْمُهُ بغيره أولى بالنظر إلى حال الناس.

الماوردي

تفسير : {فَذُوقُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: حسرة الندم. الثاني: عذاب جهنم. قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْض} قال قتادة خلفاً بعد خلف قرناً بعد قرن، والخلف هو الثاني للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر رضي الله عنه يا خليفة الله، فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راضٍ بذلك. وقال بعد السلف إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي فعليه عقاب كفره. قوله عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دَونِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: شركاءكم في الأموال التي جعلتم لهم قسطاً منها الأوثان. الثاني: الذين أشركتموهم في العبادة.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء تذكير بالله تعالى ودلالة على وحدانيته وصفاته التي لا تنبغي الألوهية إلا معها، و"الغيب"، ما غاب عن البشر و {ذات الصدور} ما فيها من المعتقدات والمعاني ومنه قول أبي بكر: ذو بطن بنت خارجة، ومنه قول العرب: الذيب مغبوط بذي بطنه، أي بالنفخ الذي فيه فمن يراه يظنه شابعاً قريب عهد بأكل، و {خلائف} جمع خليفة كسفينة وسفائن ومدينة ومدائن، وقوله {فعليه كفره} فيه حذف مضاف تقديره "فعليه وبال كفره وضرر كفره"، و"المقت" احتقارك الإنسان من أجل معصيته أو ذنبه الذي يأتيه فإذا احتقرت تعسفاً منك فلا يسمى ذلك مقتاً، و"الخسار" مصدر من خسر يخسر أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى النار والعذاب، وقوله تعالى: {قل أرأيتم شركاءكم} الآية احتجاج على الكفار في بطلان أمر أصنامهم، وقفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه على أصنامهم وطلب منهم أن يعرضوا عليه الشيء الذي خلقته آلهتهم لتقوم حجتهم التي يزعمونها، ثم وقفهم مع اتضاح عجزهم عن خلق شيء على السماوات هل لهم فيها شرك وظاهر أيضاً، بعد هذا ثم وقفهم هل عندهم كتاب من الله تعالى ليبين لهم فيه ما قالوه، أي ليس ذلك كله عندهم، ثم أضرب بعد هذا الجحد المقدر فقال: بل إنما يعدون أنفسهم غروراً، و {أرأيتم} يتنزل عند سيبويه منزلة أخبروني، ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، وأضاف الشركاء إليهم من حيث جعلوهم شركاء لله، أي ليس للأصنام شركة بوجه إلا بقولكم فالواجب إضافتها إليكم، و {تدعون} معناه تعبدون، والرؤية في قوله {أروني} رؤية بصر، و"الشرك" الشركة مصدر أيضاً، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم "بينات" بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والأعمش وابن وثاب ونافع بخلاف عنه "بينة" بالإفراد والمراد به الجمع، ويحتمل أن يراد به الإفراد كما تقول: أنا من هذا الأمر على واضحة أو على جلية، و"الغرور" الذي كانوا يتعاطونه قولهم إن الأصنام تقرب من الله زلفى ونحوه مما يغبطهم، ولما ذكر تعالى ما يبين فساد أمر الأصنام وقف على الحجة على بطلانها عقب ذلك بذكر عظمته وقدرته ليبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله تعالى، فأخبر عن إمساكه السماوات والأرض بالقدرة، وقوله {أن تزولا} معناه كراهة {أن تزولا}، ومعنى الزوال هنا التنقل من مكانها والسقوط من علوها، وقال بعض المفسرين معناه {أن تزولا} عن الدوران، ويظهر من قول عبد الله بن مسعود أن السماء لا تدور وإنما تجري فيها الكواكب وذلك أن الطبري أسند أن جندباً الجبلي رحل إلى كعب الأحباري ثم رجع فقال له عبد الله بن مسعود: حدثنا ما حدثك، فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك، فقال له عبد الله بن مسعود: لوددت أنك افتديت رحلته بمثل راحلتك ورحلك، ثم قال:ما تمكنت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} وكفى بها زوالاً أن تدور، ولو دارت لكانت قد زالت، وقوله {ولئن زالتا} قيل أراد يوم القيامة عند طي السماء ونسف الجبال، فكأنه قال ولئن جاء وقت زوالهما، وقيل بل ذلك على جهة التوهم والفرض، ولئن فرضنا زوالهما فكأنه قال ولو زالتا، وقال بعضهم {لئن} في هذا الموضع بمعنى لو. قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ ابن أبي عبلة "ولو زالتا" وقوله {من بعده} فيه حذف مضاف تقديره من بعد تركه الإمساك، وقالت فرقة: اتصافه بالحلم والغفران في هذه الآية إنما هو إشارة إلى أن السماء كادت تزول والأرض كذلك لإشراك الكفرة فيمسكهما الله حلماً منه عن المشركين وتربصاً ليغفر لمن آمن منهم، كما قال في آية أخرى {أية : تكاد السماوات يتفطرن} تفسير : [مريم: 90] [الشورى: 5].

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} ما غاب فيهما عنكم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } كالتعليل لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم كل غيب في العالم. وذات الصدور مضمراتها وهي تأنيث ذو في نحو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن خارجة جاريةٌ. أي ما في بطنها من الحبل لأن الحبل يصحب البطن. وكذا المضمرات تصحب الصدور وذو موضوع لمعنى الصحبة {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } يقال للمستخلف خليفة ويجمع على خلائف، والمعنى أنه جعلكم خلفاء في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة {فَمَن كَفَرَ } منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله وخسار الآخرة كما قال {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} وهو أشد البغض {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } هلاكاً وخسراناً {قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ} آلهتكم التي أشركتموهم في العباد {ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} {أَرُونِىَ} بدل من {أَرَءَيْتُمْ} أخبروني كأنه قيل: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله؟ {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ } أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات {أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبَاً فَهُمْ عَلَىٰ بَيْنَٰتٍ مِّنْهُ} أي معهم كتاب من عند الله ينطق أنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب. {بينات} علي وابن عامر ونافع وأبو بكر {بَلْ إِن يَعِدُ } ما يعد {ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم } بدل من {ٱلظَّـٰلِمُونَ } وهم الرؤساء {بَعْضًا } أي الأتباع {إِلاَّ غُرُوراً } هو قولهم {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18]. {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } يمنعهما من أن تزولا لأن الإمساك منع {وَلَئِن زَالَتَآ} على سبيل الفرض {إِنْ أَمْسَكَهُمَا } ما أمسكهما {مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه. و«من» الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية للابتداء {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدَّا هدًّا لعظم كلمة الشرك كما قال {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ }تفسير : [مريم: 90] الآية. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } نصب على المصدر أي إقساماً بليغاً أو على الحال أي جاهدين في أيمانهم {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} بلغ قريشاً قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم أي من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى الدواهي {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } أي ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعداً عن الحق وهو إسناد مجازي {ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ} مفعول له وكذا {وَمَكْرَ ٱلسَّيّىء} والمعنى وما زادهم إلا نفوراً للاستنكار ومكر السيء، أو حال يعني مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وأصل قوله ومكر السيء وأن مكروا السيء أي المكر السيء، ثم ومكراً السيء ثم ومكر السيء والدليل عليه وقوله { وَلاَ يَحِيقُ } يحيط وينزل {ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءِ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} ولقد حاق بهم يوم بدر وفي المثل «من حفر لأخيه جباً وقع فيه مكباً {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} وهو إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم، والمعنى فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل الذي نزل بمن قبلهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك انتظاراً له منهم {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً } بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة لا يبدلها في ذاتها ولا يحولها عن أوقاتها وأن ذلك مفعول لا محالة. {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ } من أهل مكة {قُوَّةَ } اقتداراً فلم يتمكنوا من الفرار {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } ليسبقه ويفوته {مِن شَىْءٍ} أيّ شيء {فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَفِى ٱلاْرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً} بهم {قَدِيراً } قادراً عليهم {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } بما اقترفوا من المعاصي {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } على ظهر الأرض لأنه جرى ذكر الأرض في قوله {أية : لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [فاطر: 44] {مِن دَآبَّةٍ} من نسمة تدب عليها {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } إلى يوم القيامة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } أي لم تخف عليه حقيقة أمرهم وحكمة حكمهم والله الموفق للصواب.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بالإضافةِ. وقُرىء بالتَّنوينِ ونصبِ غيبَ على المفعوليةِ أي لا يخفى عليه خافيةٌ فيهما فلا تخفى عليه أحوالُهم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} قيل: إنَّه تعليلٌ لما قبله لأنَّه إذا علمَ مضمراتِ الصُّدورِ وهي أخفى ما يكونُ كان أعلمَ بغيرِها. {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ} يقال للمستخلَفِ خليفة وخليفٌ والأول يُجمع خلائفَ والثَّانِي خلفاءَ والمعنى أنَّه تعالى جعلكم خلفاءَه في إرضه وألقى إليكم مقاليدَ التَّصرفِ فيها وسلَّطكم على ما فيها وأباحَ لكم منافعها أو جعلكم خلفاءَ ممَّن قلبكم من الأممِ وأورثكَم ما بأيديهم من متاعِ الدُّنيا لتشكُروه بالتَّوحيدِ والطَّاعةِ {فَمَن كَفَرَ} منكُم مثلَ هذه النِّعمةِ السَّنيةِ وغمطَها {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي وبالُ كفرِه لا يتعداهُ إلى غيرِه. وقولُه تعالى {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} بـيانٌ لوبالِ الكفرِ وغائلتِه وهو مقتُ الله تعالى إيَّاهم أي بغضه الشَّديد الذي ليسَ وراءَهُ خزيٌّ وصغارٌ وخسارُ الأخرةِ الذي ما بعدَهُ شرٌّ وخسارٌ، والتَّكريرُ لزيادةِ التَّقريرِ والتَّنبـيهِ على أن اقتضاءِ الكُفر لكلِّ واحدٍ من الأمرين الهائلينِ القبـيحينِ بطريقِ الاستقلالِ والأصالةِ. {قُلْ} تبكيتاً لهم {أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ} أي آلَهتكم والإضافةُ إليهم لأنَّهم جعلوهم شركاءَ لله تعالى من غيرِ أنْ يكونَ له أصلٌ ما أصلاً وقيل: جعلُوهم شركاءَ لأنفسِهم فيما يملكونَهُ ويأباه سباقُ النَّظمِ الكريمِ وسياقُه {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} بدلُ اشتمالِ من أرأيتُم كأنَّه قيل أخبرُوني عن شركائِكم أرُوني أيَّ جزءٍ خلقُوا من الأرضِ {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي أمْ لهم شركةٌ مع الله سبحانه في خلقِ السَّمواتِ ليستحقُّوا بذلك شركةً في الألوهَّيةِ ذاتيَّةً {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} ينطقُ بأنَّا اتخذَّناهُم شركاءَ {فَهُمْ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّنْهُ} أي حجَّةٍ ظاهرةٍ من ذلكَ الكتابِ بأنَّ لهم شركةً جعليةً ويجوزُ أنْ يكونَ ضميرُ آتيناهُم للمشركينَ كما في قولِه تعالى: { أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً} تفسير : [سورة الروم: الآية 35] الخ وقُرىء على بـيِّناتٍ وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الشِّركَ أمرٌ خطيرٌ لا بُدَّ في إثباتهِ من تعاضدِ الدَّلائلِ {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} لمَّا نَفَى أنواعَ الحُججِ في ذلك أضربَ عنه بذكرِ ما حملَهم عليه وهو تغريرٌ الأسلافِ للأخلافِ وإضلالُ الرُّؤساءِ للأتباعِ بأنَّهم شفعاءُ عند الله يشفعُون لهم بالتَّقريبِ إليه.

القشيري

تفسير : أي عالِم بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجَحْدِ الكافرين. عالِمٌ بِمَنْ يريد بالناس السوءَ وبمَنْ يُحْسِنُ باللَّهِ الظنَّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله عالم غيب السموات والارض} اى يختص بالله علم كل شئ فيهما غاب عن العباد وخفى عليهم فكيف يخفى عليه احوالهم وانهم لو ردوا الى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه {انه} تعالى {عليم بذات الصدور} لم يقل ذوات الصدور لارادة الجنس وذات تأنيث ذى بمعنى صاحب والمعنى عليم بالضمرات صاحبة الصدور اى القلوب: وبالفارسية [داناست بجيزها كه مضمراست درسينها] فحذف الموصوف واقيمت صفته مقامه وجعلت الخواطر القائمة بالقلب صاحبة له بملازمتها وحلولها كما يقال للبن ذو الاناء ولولد المرأة وهو جنين ذو بطنها فالاضافة لادنى ملابسة. وفى التأويلات النجمية اى عالم باخلاص المخلصين وصدق الصادقين وهما من غيب سموات القلوب وعالم بنفاق المنافقين وجحد الجاحدين وهما من غيب ارض النفوس انتهى. ففيه وعد ووعيد وحكم الاول الجنة والقربة وحكم الثانى النار والفرقة. قيل لا يا رب الا ما لا خير فيه قال كذلك لا ادخل النار من عبادى الا من لا خير فيه وهو الايمان شعر : در خلائق روحهاى باك هست روحهاى شيرة كلناك هست واجبست اظهار اين نيك وتباه همجنان اظهار كندمها زكاه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الله عالمُ غيبِ السماوات والأرض} أي: ما غاب فيهما عنكم، {إِنه عليم بذاتِ الصدور} تعليل لِمَا قبله؛ لأنه إذا عَلِمَ ما في الصدور، وهي أخفى ما يكون، فقد عَلِمَ كل غيب في العالم. وذات الصدور: مضمراتها ووساوسها. وهي تأنيث "ذو" بمعنى: صاحب الوساوس والخطرات، تصحب الصدور وتُلازمها في الغالب، أي: عليم بما في القلوب، أو بحقائقها، على أن "ذات" بمعنى الحقيقة. {هو الذي جعلكم خلائفَ في الأرض} أي: جعلكم خلفاء عنه في التصرُّف في الأرض، قد ملككم مقاليد التصرُّف فيها، وسلطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها؛ لتشكروه بالتوحيد والطاعة. {فمَن كفر} منكم، وغمط مثل هذه النعمة السنيّة، {فعليه كُفْرُه} فوبالُ كفره راجعٌ عليه، وهو مقتُ الله، وخسران الآخرة، كما قال تعالى: {ولا يزيدُ الكافرين كفرُهُم عند ربهم إلا مَقْتاً} وهو أشد البغض، {ولا يزيد الكافرين كُفْرُهُم إِلا خساراً} هلاكاً وخسراناً. الإشارة: إن الله عالم بما غاب في سموات الأرواح، من أسرار العلوم والمكاشفات، والاطلاع على أسرار الذات، وأنوار الصفات، وما غاب في أرض النفوس من الموافقات أو المخالفات، إنه عليم بحقائق القلوب، من صفائها وكدرها، وما فيها من اليقين والمعرفة، وضدهما. قال القشيري: {إِنَّ الله عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ} بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجحد الكافرين، ومَن يريد بالناس شرًّا، ومَن يُحْسِن بالله ظَنًّا. هـ. وقال في قوله تعالى: {هو الذي جعلكم خلائف} أهل كلِّ عصرٍ خليفة عصر تقدمهم، فَمِنْ قومِ هم أنفسهم جَمال، ومن قوم أراذل وأنذال، والأفاضلُ زمانهم لهم محنة، والأراذلُ هم لزمانهم محنة. وحاصل كلامه: أن قوماً عرفوا حق الخلافة، فقاموا بحقها، وشكروا الله عليها، بالقيام بطاعته، فكانوا في زمانهم جمالاً لأنفسهم، ولأهل عصرهم، لكنهم لَمَّا تحمّلوا مشاق الطاعات، وترادف الأزمات، كان زمانهم لهم محنة. وقوماً لم يعرفوا حق الخلافة، فاشتغلوا بالعصيان، فانتحس الزمان بهم، فكانوا محنة لزمانهم. ثم ردّ على من كفر بالشرك فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ...}

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لا يظهر عداوة علىّ (ع) والكفر به على ظاهر الاكثر فهل يعلم الله ذلك؟- فقال: انّ الله عالم غيب السّماوات فكيف لا يعلم ما فى قلوب عباده {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تأكيد للازم الجملة السّابقة ولذلك لم يأت باداة الوصل.

اطفيش

تفسير : {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} فلا يخفي عليه حالهم. {إنه عليم بذات الصدور} فكيف لا يكون عليما بغيرها فهذا تعليل لما قبله وذات الصدور الامور التي هي صاحبة الصدور اي مضمرة في الصدور او الخصلة ذات الصدور او المعنى بالصدور نفسها وعينها فالعلم بها كناية عن العلم بما فيها.

اطفيش

تفسير : {إن الله عالمُ غَيْب السَّماوات والأرض} الأرضين ما غاب عنكم عليها أو تحتها أو داخلها من أجزائها وغيرها، وذكر ذلك تمثيل لعموم علمه بنفسه، وبكل ما سواه كالعرش والكرسى، فو الذى اقتضت حكمته وعلمه خلودكم، ولو قلت أعماركم فى المعصية، وقد علم أنكم لو رجعتم الى الدنيا لكفرتم، وأنكم لو خلدتم فى الدنيا لم تؤمنوا، وهو عالم بأحوال قلوبكم، والأصل غائب السماوات، أو ذا غيب السماوات {إنَّه عليمٌ بذات الصُّدور} بكلمة فى القلب، وهى أخفى مما ذكر، لأن ما ذكر لو حفر اليه أو طلع اليه لأدرك نعم يساويه ما تضمنته تلك الأشياء من مصالح، وما يتولد منها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي كل غيب فيهما أي لا يخفى عليه سبحانه خافية فيهما فلا تخفى عليه جل شأنه أحوالهم التي اقتضت الحكمة / أن يعاملوا بهذا هذه المعاملة ولا يخرجوا من النار، وقرأ جناح بن حبيش {عَـٰلِمُ } بالتنوين {غَيْبُ } بالنصب على المفعولية لعالم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } قيل إنه تعليل لما قبله لأنه تعالى إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان عز وجل أعلم بغيرها، وفيه نوع خفاء، وقال الإمام: إن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ تقرير لدوامهم في العذاب مع أنهم ما كفروا إلا أياماً معدودة فكأن سائلاً يسأل عن وجه ذلك فقيل: إن الله تعالى لا يخفى عليه غيب السماوات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور فكان يعلم سبحانه من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله تعالى ولا عبده انتهى، وظاهره أن الجملة الأولى تعليل للثانية على عكس ما قيل، ويمكن أن يقال: إن قوله تعالى: {أية : فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ }تفسير : [فاطر: 37] متضمن نفي أن يكون لهم نصير على سبيل الاستمرار ومستدع خلودهم في العذاب فكان مظنة أن يقال كيف ينفي ذلك على سبيل الاستمرار والعادة في الشاهد قاضية بوجود نصير لمن تطول أيام عذابه فأجيب بأن الله عالم غيب السماوات والأرض على معنى أنه تعالى محيط بالأشياء علماً فلو كان لهم نصير في وقت من الأوقات لعلمه ولما نفى ذلك على سبيل الاستمرار، وكذا مظنة أن يقال: كيف يخلدون في العذاب وهم قد ظلموا في أيام معدودة؟ فأجيب بأنه عليم بذات الصدور على معنى أنه تعالى يعلم ما انطوت عليه ضمائرهم فيعلم أنهم صمموا على ما هم فيه من الضلال والكفر إلى الأبد فكل من الجملتين مستأنف استئنافاً بيانياً فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} استئناف واصل بين جملة { أية : إن الله بعباده لخبير بصير } تفسير : [فاطر: 31] وبين جملة { أية : قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض } تفسير : [فاطر: 40] الآية، فتسلسلت معانيه فعاد إلى فذلكة الغرض السالف المنتقل عنه من قوله: { أية : وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } تفسير : [فاطر: 25] إلى قوله: { أية : إن اللَّه بعباده لخبير بصير } تفسير : [فاطر: 31]، فكانت جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} كالتذييل لجملة {إن اللَّه بعباده لخبير بصير}. وفي هذا إيماء إلى أن الله يجازي كل ذي نية على حسب ما أضمره ليزداد النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً بأن الله غير عالم بما يكنه المشركون. وجملة {إنه عليم بذات الصدور} مستأنفة هي كالنتيجة لِجملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} لأن ما في الصدور من الأمور المغيبة فيلزم من علم الله بغيب السموات والأرض علمه بما في صدور الناس. و «ذات الصدور» ضمائر الناس ونِيَّاتهم، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إنه عليم بذات الصدور } تفسير : في سورة الأنفال (43). وجيء في الإِخبار بعلم الله بالغيب بصيغة اسم الفاعل، وفي الإِخبار بعلمه بذات الصدور بصيغة المبالغة لأن المقصود من إخبار المخاطبين تنبيههم على أنه كناية عن انتفاء أن يفوت علمَه تعالى شيءٌ. وذلك كناية عن الجزاء عليه فهي كناية رمزية. وجملة هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} معترضة بين جملة {إن الله عالم غيب السماوات والأرض} الآية وبين جملة {فمن كفر فعليه كفره}. والخلائف: جمع خليفة، وهو الذي يخلف غيره في أمرٍ كانَ لذلك الغير، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : في سورة البقرة (30)، فيجوز أن يكون بعدَ أمم مضت كما في قوله: { أية : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } تفسير : في سورة يونس (14) فيَكون هذا بياناً لقوله: إن الله عالم غيب السماوات والأرض} أي هو الذي أوجدكم في الأرض فكيف لا يعلم ما غاب في قلوبكم كما قال تعالى: { أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } تفسير : [الملك: 14] ويكون مَا صْدَف ضمير جماعة المخاطبين شاملاً للمؤمنين وغيرهم من الناس. ويجوز أن يكون المعنى: هو الذي جعلكم متصرفين في الأرض، كقوله تعالى: { أية : ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } تفسير : [الأعراف: 129]، فيكون الكلام بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله قدّر أن يَكون المسلمون أهل سلطان في الأرض بعد أمم تداولت سيادة العالم ويُظهر بذلك دين الإِسلام على الدين كله. والجملة الاسمية مفيدة تقوّي الحكم الذي هو جعل الله المخاطبين خلائف في الأرض. وقد تفرّع على قوله: {عليم بذات الصدور} قولُه: {فمن كفر فعليه كفره} وهو شرط مستعمل كناية عن عدم الاهتمام بأمر دَوامهم على الكفر. وجملة {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} بيان لجملة {فمن كفر فعليه كفره} وكان مقتضى ظاهر هذا المعنى أن لا تعطف عليها لأن البيان لا يعطف على المبيَّن، وإنما خولف ذلك للدلالة على الاهتمام بهذا البيان فجعل مستقلاً بالقصد إلى الإِخبار به فعطفت على الجملة المبيَّنة بمضمونها تنبيهاً على ذلك الاستقلال، وهذا مقصد يفوت لو ترك العطف، أما ما تفيده مِن البيان فهو أمر لا يفوت لأنه تقتضيه نسبة معنى الجملة الثانية من معنى الجملة الأولى. والمقت: البغض مع خزي وصغار، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً } تفسير : في سورة النساء (22)، أي يزيدهم مقتَ الله إياهم، ومقت الله مجاز عن لازمه وهو إمساك لطفه عنهم وجزاؤهم بأشد العقاب. وتركيب جملة {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} تركيب عجيب لأن ظاهره يقتضي أن الكافرين كانوا قبل الكفر ممقوتين عند الله فلما كفروا زادهم كفرهم مقتاً عنده، في حال أن الكفر هو سبب مقت الله إياهم، ولو لم يكفروا لما مقتهم الله. فتأويل الآية: أنهم لمَّا وصفوا بالكفر ابتداءً ثم أخبر بأن كفرهم يزيدهم مقتاً عُلم أن المراد بكفرهم الثاني الدوام على الكفر يوماً بعد يوم، وقد كان المشركون يتكبّرون على المسلمين ويُشاقونهم ويؤيسونهم من الطماعية في أن يقبَلوا الإِسلام بأنهم أعظم من أن يتبعوهم وأنهم لا يفارقون دين آبائهم، ويحسبون ذلك مقتاً منهم للمسلمين فجازاهم الله بزيادة المقت على استمرار الكفر، قال تعالى: { أية : إن الذين كفروا ينادون لمقت اللَّه أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } تفسير : [غافر: 10]، يعني: ينادَون في المحشر، وكذلك القول في معنى قوله: {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً}. والخَسار: مصدر خسر مثل الخسارة، وهو: نقصان التجارة. واستعير لخيبة العمل؛ شبه عملهم في الكفر بعمل التاجر والخاسر، أي الذي بارت سلعته فباع بأقل مما اشتراها به فأصابه الخسار فكلما زاد بيعاً زادت خسارته حتى تفضي به إلى الإِفلاس، وقد تقدم ذلك في آيات كثيرة منها ما في سورة البقرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَالِمُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (38) - واللهُ عَالِمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيهِ ضَمَائِرُ المُجْرِمينَ الظَّالِمينَ، مِنْ تَصْمِيمٍ عَلَى الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ، فَمَهْمَا طَالَتْ أعْمَارُهُمْ فَلَنْ تَتَغَيَّر حَالُهم، وَلَوْ أَعَادَهُمْ إِلَى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى فِعْلِ مَا نُهُوا عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ السَّرَائِرُ، وَمَا تَنْطَوي عَلَيهِ الضَّمَائِرُ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ عَلَى عَمَلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاءت هذه الآية كتعليل لما قبلها، فالحق سبحانه يعلم كل ما غاب في السماوات وفي الأرض، ويعلم خفايا الصدور ومكنوناتها ونواياها وما يعلق بها، وقد علم سبحانه نوايا أهل النار، وعلم أنهم لو رجعوا إلى الدنيا لَعادوا لما كانوا عليه، فهذه تجربة لن تتكرر؛ لذلك أنهى الله معهم هذا الموقف، وحكم بعدم رجوعهم. ثم يقول الحق سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى جزاء أهل الدارين، وذكر أعمال الفريقين، أخبر تعالى عن سعة علمه تعالى، واطلاعه على غيب السماوات والأرض، التي غابت عن أبصار الخلق وعن علمهم، وأنه عالم بالسرائر، وما تنطوي عليه الصدور من الخير والشر والزكاء وغيره، فيعطي كلا ما يستحقه، وينزل كل أحد منزلته.