Verse. 3699 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

ہُوَالَّذِيْ جَعَلَكُمْ خَلٰۗىِٕفَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْہِ كُفْرُہٗ۝۰ۭ وَلَا يَزِيْدُ الْكٰفِرِيْنَ كُفْرُہُمْ عِنْدَ رَبِّہِمْ اِلَّا مَقْتًا۝۰ۚ وَلَا يَزِيْدُ الْكٰفِرِيْنَ كُفْرُہُمْ اِلَّا خَسَارًا۝۳۹
Huwa allathee jaAAalakum khalaifa fee alardi faman kafara faAAalayhi kufruhu wala yazeedu alkafireena kufruhum AAinda rabbihim illa maqtan wala yazeedu alkafireena kufruhum illa khasaran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي جعلكم خلائف في الأرض» جمع خليفة، أي يخلف بعضكم بعضا «فمن كفر» منكم «فعليه كفره» أي وبال كفره «ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا» غضبا «ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا» للآخرة.

39

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِي ٱلأَرْضِ }. تقريراً لقطع حجتهم فإنهم لما قالوا: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً } تفسير : [فاطر:37] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ } تفسير : [فاطر:37] إشارة إلى أن التمكين والإمهال مدة يمكن فيها المعرفة قد حصل وما آمنتم وزاد عليه بقوله: {أية : وَجَاءكُمُ ٱلنَّذِيرُ } تفسير : [فاطر: 37] أي آتيناكم عقولاً، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد على ذلك بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِي ٱلأَرْضِ } أي نبهكم بمن مضى وحال من انقضى فإنكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عنادكم أخفى وفسادكم أخف، لكن أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلائف في الأرض، أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وتصبحون بحالهم راضين {فَمَن كَفَرَ } بعد هذا كله {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } لأن الكافر السابق كان ممقوتاً كالعبد الذي لا يخدم سيده واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت كالعبد الذي ينصحه الناصح ويأمره بخدمة سيده ويعده ويوعده ولا ينفعه النصح ولا يسعده والتالي لهم الذي رأى عذاب من تقدم ولم يخش عذابه أمقت الكل. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } أي الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيد إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسارة، فإن العمر كالرأس مال من اشترى به رضا الله ربح، ومن اشترى به سخطه خسر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} قال قتادة: خَلَفاً بعد خَلَف؛ قَرْناً بعد قرن. والخلف هو التالي للمتقدّم، ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفة الله؛ فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي بُغضاً وغضباً. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} أي هلاكاً وضلالاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } جمع خليفة، أي يخلف بعضكم بعضاً {فَمَن كَفَرَ } منكم {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } غضباً {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } للآخرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَلآئِفَ} يخلف بعضكم بعضاً خلفاً بعد خلف وقرناً بعد قرن والخلف هو التالي للمتقدم ولما قيل لأبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ خليفة الله قال: لست خليفة الله ولكني خليفة رسوله وأنا راضي بذلك، قال بعض السلف: إنما يُستخلف من يغيب، أو يموت والله ـ تعالى ـ لا يغيب ولا يموت {فَعَلَيْهِ} عقاب كفره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} أي خلف بعضكم بضعاً. وقيل: جعلكم أمة واحدة خلت من قبلها ما ينبغي أن يعتبر به فجعلكم خلائف في الأرض أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وترضون بحالهم، فمن كفر بعد هذا كله "فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ" أي وبالُ كُفْرِهِ {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي غضباً لأن الكافر (و) السابق كان ممقُوتاً {وَلاَ يَزِيدُ ٱلكَافِرينَ كُفْرُهُمْ إلاَّ خَسَاراً} أي الكفر لا ينفع عند الله حيث لاي يزيد إلا المقت ولا ينفهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسار لأن العمر كرأسِ (مالٍ) من اشترى به رضى اللَّهَ رِبحَ ومن اشترى به سخطه خَسِرَ. قوله: "أَرَأَيْتُم" فيها وجهان: أحدهما: أنها ألف استفهام على بابها ولم تتضمن هذه الكملة معنى أَخْبِرُونِي بل هو استفهام حقيقي وقوله: "أَرُونِي" أمر تعجيز. والثاني: أَنَّ الاستفهام غير مراد وأنها ضُمِّنَتْ معنى أَخْبِرُونِي. فعلى هذا يتعدى لاثنين: أحدهم: شُرَكَاءَكُمْ. والثاني: الجملة الاستفهامية من قوله "مَاذَا خَلَقُوا". وَ "أَرُوِنِي" يحتمل أن تكون جملة اعتراضية. والثاني: أن تكون المسألة من باب الإعمال فَإنَّ "أَرَأَيْتُمْ" يطلب "مَاذَا خَلَقُوا" مفعولاً ثانياً و "أَرُونِي" أيضاً يطلبه معلقاً له وتكون المسألة من باب إعمال الثاني على مُخْتَارِ البَصْرِيِّين، و"أَرُونِي" هنا بصريَّة تعدت للثاني بهمزة النقل والبصرية قبل النقل تعلق بالاستفهام كقولهم: "أَمَا تَرَى أيّ بَرْق هَهُنا" وقد تقدم الكلام على (أن) "أَرأَيْتُمْ" هذه في الأنعام. وقال ابن عطية هنا: "أرأيتم" ينزل عند سيبويه منزلة أخبروني ولذلك لا يحتاج إلى مفعولين. وهو غلط بل يحتاج كما تقدم تقريره. وجعل الزمخشري الجملة من قوله "أَرُونِي" بدلاً من قوله: "أَرَأيتُمْ" قال: لأن معنى أرأيتم أخبروني. وردَّهُ أبو حيان بأن البدل إذا دخلت عليه أداة الاستفهام (لا) يلزم إعادتها في المبدل ولم تعد هنا وأيضاً فإبدال جملة من جملة لم يعهد في لسانهم. قال شهاب الدين: والجواب عن الأول أن الاستفهام فيه غير مراد قطعاً فلم تعد أداته، وأما قوله: لم يوجد في لسانهم فقد وجد ومنه: شعر : 4163- مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بِنَا... .................. تفسير : (و): شعر : 4416- إنَّ عَلَيَّ اللَّهَ أنْ تُبَايِعَا تُؤْخَذَ كَرْهاً وَتُجِيبَ طَائِعاً تفسير : وقد نص النحويون على أنه متى كانت الجملة في معنى الأول ومبينة لها أبدلت منها. فصل هذه الآية تقرير للتوحيد وإبطال للإشراك والمعنى جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَائِي بزعمكم يعني الأصنام "أرُوني" أخبروني {ماذا خلقوا من الأرض} فقال: "شركاءكم" فأضافهم إليهم من حيث إنَّ الأصنامَ في الحقيقة لم تكن شركاء لله وإنما هم الذين جعلوها شركاء فقال شركاءكم أي الشركاء بجعلكم. ويحتمل أن يقال: معنى شركاءكم أي {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98]. ويحتمل أن يكون معنى "أرأيتم" أي أعلمتم هذه الأصنام التي تدعونها هل لها قدرة أم لا؟ فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها؟ وإن كنتم تعلمون أن لها قدرة فأروني قدرتها في أي شيء أهي في الأرض كما قال بعضهم: إن الله إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض وهم الذين قالوا: أمور الأرض من الكواكب والأصنام صورها أم هي في السموات كما قال بعضهم: إن السموات خلقت باستعانة الملائكة شركاء في خلق السموات وهذه الأصنام صورها أم قدرتها في الشفاعة لكم كما قال بعضهم: "إنما نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى" فهل معهم كتاب من الله؟ قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتاباً فهم على بينة منه؟ قوله: {آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ } الأحسن في هذا الضمير أن يعود على "الشُّرَكَاء" ليتناسق الضمائر. وقيل: يعود على المشركين كقول مقاتل فيكون التفاتاً من خطاب إلى غيبة. وقرأ أبُو عمرو وحمزةُ وابنُ كثير وحفصٌ بيِّنة بالإفراد والباقون بيِّنَات بالجمع أي دلائل واضحة منه مِمَّا في ذلك الكتاب من ضُرُوبِ البَيَانِ. قوله: {بَلْ إِن يَعِدُ} "إن" نافية والمعنى ما يعد الظالمون {بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} غرهم الشيطان وزين لهم عبادة الأصنام. والغرورو ما يغر الإنسان ما لا أصل له، قال مقاتل: يعين ما يَعِدُ الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة في الآخرة غرور باطل. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} لما بين أنه لا خلق للأصنام ولا قدرة لها بين أن الله قادر بقوله: إن الله يمسك السموات والأرض. ويحتمل أن يقال: لما بين شركهم قال: مقتضى شركهم زوال السموات والأرض كقوله تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْاْ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} تفسير : [مريم:90-91] ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية "إنَّ اللَّهَ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً" حليماً ما ترك تعذيبهم إلا حلماً منه وإلا كانوا يستحقون إسْقَاط السّماء وانطباق الأرض عليهم. وإنما أَخَّر إزالة السموات لقيام الساعة حكماً. ويحتمل أن يقال: إن ذلك من باب التسليم وإثبات المطلوب كأنه تعالى قال: شُرَكَاؤُكم مَا خَلَقُوا من الأرض شيئاً ولا من السماء جزءاً لا قدرة لهم على الشفاعة فلا عِبَادة لهم وهَبْ أنهم فعلوا شيئاً من الأشياء فهل يقدرون على إمْسَاكِ السموات والأرض ولا يمكنهم القول بأنهم يَقْدِرُون لأنهم ما كانوا يقولون ذلك كما قال تعالى عنهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان:25] ويؤيد هذا قوله: {وَلَئِنْ زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} فإذن تبين أن لا معبودَ إلاَّ الله من حيث إن غيره لم يخلق شيئاً من الأشياء وإن قال كافرٌ بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك. قوله: "أَنْ تَزُولاَ" يجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي كَرَاهَةَ أَنْ تَزُولاَ. وقيل: لئلا تزولا، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على إسقاط الخافض أي يمنعهما من أن تزولا. كذا قدره أبو إسحاق ويجوز أن يكون بدل اشتمال أي يمنع زَوَالَهُمَا. قوله: "إِنْ أَمْسَكَهُمَا" جواب القسم الموطأ له بلام القسم وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم ولذلك كان فعل الشرط ماضياً. وقول الزمخشري: إنه سدّ مسد الجوابين يعني أنه دال على جواب الشرط. قال أبو حيان؛ وإن أُخذ كلامه على ظاهر لم يصح لأنه لو سد مسدهما لكان له موضع من الإعراب من حيث إنه سد مسدّ جواب الشرط ولا موضع له من حيث إنه سد مسد جواب القسم، والشيء الواحد لا يكون معمولاً غير معمول. و "مِنْ أَحَدٍ" من مزيدة لتأكيد الاستغراق و"مِنْ بَعْدِهِ" من لابتداء الغاية والمعنى أَحَدٌ سواه {إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غفوراً}، "حليماً" حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم "غفوراً" لمن تاب ويرحمه وإن إستحق العِقَابَ. فإن قيل: ما معنى ذكر الحليم هَهُنَا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت من عقوبة الكفار فأمسكهما الله - عزّ وجلّ - عن الزوال لحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقُوبة. قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} يعني كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قَالُوا لَعَنَ الل‍َّهُ اليهودَ والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله وقالوا: "لو أتانا رسول لَنَكُونَنَّ أَهْدَى" ديناً منهم وذلك قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بعث محمد كذبوه فأنزل الله - عزّ وجلّ - {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمَانِهمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ} رسول {لَيكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إحْدى الأمم} يعني اليهود والنصارى. وقيل: المعنى أهدى مما نحن عليه. وعلى هذا فقوله: {مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} للتبيين كما يقال: زَيْدٌ مِنَ المسلمين، ويؤيده قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي صاروا أضل مما كانوا يقولون: نكون أهدى. وقيل: المراد أهدى من إحدى الأمم كقولك: زَيْدٌ أَوْلَى مِنْ عَمْرو. وقيل: المراد بإحدى الأمم العموم أي إن إحْدَى الأمم يفرض واعلم أنه لما بين إنكارهم للتوحيد من تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه يحث كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلاً وقالوا إنما نكذب محمداً - عليه (الصلاة و) السلام - لكونه كاذباً ولو تبين لنا كونُه رسولاً لآمنَّا كما قال تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} تفسير : [الأنعام:109] وهذا مبالغة في التكذيب. قوله: "لَّيَكُونُنّ" جواب القسم المقدر والكلام فيه كما تقدم. وقوله: "لَئِن جَآءَهُم" حكاية لمعنى كلامهم لا للفظه إذ لو كان كذلك لكان التركيب لَئِنْ جَاءَنَا لَنَكُونَنَّ. قوله: {مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} أي من الأمة التي يقال فيها: هي إحدى الأمم تفضيلاً لها كقولهم: هو إحْدَ(ى) الأَحَدَيْنِ قالَ: شعر : 4165- حَتَّى اسْتَثَارُوا بِيَ إحْدَى الإحَدِ لَيْثاً هِزَبْراً في سِلاَح مُعْتَدِ تفسير : قوله: "مَا زَادَهُمْ" جواب "لَمَّا". وفيه دليل على أنها حرف لا ظرف إذا لا يعملُ ما بعد "ما" النافية فيما قبلها، وتقدمت له نظائر. وإسناد الزيادة للنذير مجاز لأنه سبب في ذلك كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة:125] فصل معنى جاءهم أي صح لهم مجيئه بالمعجزة وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - {مَا زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً} أي ما زادهم بمجيئه إلا تباعداً عن الهدى. قوله: "اسْتِكْباراً" يجوز أن يكون مفعولاً له أي لأجل الاستكبار. وأن يكون بدلاً من "نُفُوراً" وأن يكون حالاً أي حال كونهم مستكبرين. قال الأخفش. قوله: "ومكر السيّىء" فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على "استكباراً". والثاني: أنه عطف على "نُفُوراً". وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ الأصل والمَكْر والسيِّىء. وقرأ العامَّةُ بخفض همزة "السيّىء". وحمزة والأعمش بسكونها وصلاً. وقد تجرأت النحاة وغيرهم على هذه القراءة ونسبوها لِلِّحْنِ ونزهوا الأعمش من أن يكون قرأ بها. قالوا: وإنما وقف مسكناً فظُنَّ أنه واصل فغلط عليه. وقد احتج لها قومٌ بأنه إجراء الوصل مُجْرى الوقف أو أجري المنفصل مُجْرى المتصل وحسَّنه كون الكسرة على حرف ثقيل بعد ياء مشددة مكسورة. وقد تقدَّمَ أَنَّ أبا عمرو يقرأ: "إلى بارِئْكُمْ" "عند بارِئْكُمْ" بسكون الهمزة. فهذا أولى لزيادة الثقل هنا. وقد تقدم هُنا (كَ) أمثلة وشواهد، وروي عن ابن كثير "ومَكْرَ السّأي" بهمزة ساكنة بعد السين ثم ياء مكسورة. (و) خرجت على أنها مقلوبة من السَّيْء، والسَّيْءُ مخفف (من السيّىء) كالمَيْتِ من الميِّت قال الحَمَاسِيُّ: شعر : 4166- وَلاَ يَجْزُونَ من حَسَنٍ بسَيْءٍ ولا يَجْزُونَ مِنْ غِلَظٍ بِلِينِ تفسير : وقد كثر في قراءة القلب نحو ضِيَاءٍ، وتَأيَسُوا ولا يَأيَسُ، كما تقدم تحقيقه. وقرأ عبد الله: "وَمَكْراً سَيِّئاً" بالتنكير وهو موافق لما قبله. وقرىء: ولا يُحِيقُ بضم الياء المَكْرَ السَّيِّىءَ بالنصب على أن الفاعل ضمير الله تعالى؛ أي لا يُحِيطُ اللَّهُ الْمَكْرَ السَّيِّىءَ إلاَّ بأهله. فصل المراد بالمكر السيّىء أي القبيح أضيف المكر إلى صفته قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك. وقيل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ابن الخطيب: هذا من إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال: عِلْمُ الفِقْهِ وحِرْفَةُ الحِدَادَةِ ومعناه: ومكروا مكراً سيئاً ثم عُرِّفَ لظهور مكرهم ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيّىء لكون السر فيه أبين الأمور. ويحتمل أن يقال: بأن المكر استعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} تفسير : [فاطر:10] أي يعملون السيئات. قوله: {ولا يحيق المكر السيّىء} أي لا يحل ولا يحيط، وقوله: "يَحِيقُ" ينبىء عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق. فإن قيل: كثيراً ما نرى الماكر يمكُر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك. فالجواب من جوه: أحدهما: أن يكون المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث قتلوه يوم بدر وغيره. وثانيها: أن نقول: المكرُ عام وهو الأصح، فإن النبي - عليه (الصلاة و) السلام - نهى عن المكر وأخبر بقوله: "حديث : لا تَمْكُرُوا وَلاَ تُعِينُوا مَاكِراً فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَلاَ يَحيقُ المَكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بِأهْلِهِ" تفسير : وعلى هذا (فذلك) الرجل الماكر يكون أهلاً فلا يرد نقضاً. وثالثها: أن الأعمال بعواقبها ومن مكر غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقّة المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ} يعني إن كان لمكرهم في الحال رواجٌ فالعاقبة للتقوى والأمور بخَوَاتِيمها. قوله: "سُنَّةَ الأَوَّلِينَ" مصدر مضاف لمفعوله و "وسُنَّةَ اللَّهِ" مصدر مضاف لفاعله لأنه سنَّها بهم فصحت إضافتها إلى الفاعل والمفعول. وهذا جواب (عن) سؤال وهو أن الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله في الأولين والجواب عن هذا السؤال من وجهين: أحدهما: أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول لتعلقه بهما من وجهٍ دون وجه فيقال فيما إذا ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبِ عمرو وكيْف ضرب مع ما له من الْقَومِ والقُوة؟ وعجبتُ من ضَرْب عمرو وكيف ضرب مع ماله من العلم والحلم؟ فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها (سنة) سنت بهم وإضافتها إلى نفسه بعدها بقوله: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ} لأنها سنة من الله، فعلى هذا نقول: أضافها في الأول إليهم حيث قال: سنة الأولين، لأن سنة الله الإهلاك بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيتهما فإذا قال: سنة الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله لأنها لما علمت فالإضافة إلى الله تعظيماً وتبين أنها أمر واقعٌ ليس لها من دافع. وثانيهما: أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم عن الإقرار وسنة الله استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين والله يأتي بسنةٍ لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقِّها. فإن قيل: ما الحكمة في تكرار التبديل والتحويل؟ فالجواب: أن المراد بقوله: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} حصول العلم بأن العذاب لا يبدل بغيره وبقوله: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} حصول العلم بأن العذاب مع أنه لا يتبدل بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المُسِيءِ. فصل المعنى فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مَضَى من الكفار والمخاطب بقوله: "فَلَن تَجِدَ" عام كأنه قال: لن تجد أيها السامع وقيل: الخطاب مع محمد - عليه (الصلاة و) السلام -.

البقاعي

تفسير : ولما كان من أنشأ شيئاً كان أعلم به، وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة صانعه، وتمام قدرته ملزوم لتمام علمه، قال: {هو} أي وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم {الذي جعلكم} أي أيها الناس {خلائف} جمع خليفة، وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائماً به، والخلفاء جمع خليف - قال الأصبهاني، وقال القشيري: أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم، فمن قوم هم لسلفهم جمال، ومن قوم هم أراذل وأندال، الأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. ولما كان المراد توهية أمر شركائهم، وكانت تحصل بسلب قدرتهم على ما مكن فيه سبحانه العابدين من الأرض، أدخل الجار دلالة على أنهم على كثرتهم وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف من بعدهم عنهم، ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان، وهم في الأصل قطعة يسيرة من ترابها فقال: {في الأرض} أي فيما أنتم فيه منها لا غيره تتصرفون فيه بما قدرتم عليه، ولو شاء لم يصرفكم فيه، فمن حقه أن تشكروه ولا تكفروه. ولما ثبت أن ذلك نعمة منه، عمرهم فيه مدة يتذكر فيه من تذكر، تسبب عنه قوله: {فمن كفر} أي بعد علمه بأن الله هو الذي مكنه لا غيره، واحتقر هذه النعمة السنية {فعليه} أي خاصة {كفره} أي ضرره. ولما كان كون الشيء على الشيء محتملاً لأمور، بيّن حاله بقوله مؤكداً لأجل من يتوهم أن بسط الدنيا على الفاجر ربح وإكرام من الله له {ولا} أي والحال لأنه لا {يزيد الكافرين} أي المغطين للحق {كفرهم} أي الذي هم متلبسون به ظانون أنه يسعدهم وهو راسخون فيه غير متمكنين عنه، ولذا لم يقل: لا يزيد من كفر قد يكون كفره غير راسخ فيسلم {عند ربهم} أي المحسن إليهم {إلا مقتاً} أي لأنه يعاملهم معاملة من يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار. ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها، وكان ذكرها إنما هو تصوير له بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها، وكانوا ينكحون نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت، نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت إلى المحسن، فقال ذاكراً للغاية مبيناً أن محط نظرهم الخسارة المالية تسفيلاً لهممهم زيادة في توبيخهم: {ولا يزيد الكافرين} أي العريقين في صفة التغطية للحق {كفرهم إلا خساراً *} أي في الدنيا والآخرة في المال والنفس وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت. ولما بيّن أنه سبحانه هو الذي استخلفهم، أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى الإعتراف به فقال: {قل أرءيتم} أي أخبروني {شركاءكم} أضافهم إليهم لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئاً من شركته لأنهم ما نقصوه شيئاً من ملكه، وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالشوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء بقوله: {الذين تدعون} أي تدعونهم شركاء {من دون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان التقدير: بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة، ألهم شرك في الأرض، بنى عليه قوله مكرراً لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من عبدوه من دونه: {أروني ماذا} أي الذي أو أيّ شيء {خلقوا من الأرض} أي لتصح لكم دعوى الشركة فيهم، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا، ولعل استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم، والله تعالى، بخلاف ذلك في كل من الأمرين، مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز، وكل أحد يعلم أنه خالق لكل مخلوق، فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق. ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه، قال مؤكداً لذلك موسعاً لهم في المحال، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال: {أم لهم شرك} أي وإن كان قليلاً {في السماوات} أي أروني ما خلقوا في السماوات، فالآية من الاحتباك: حذف أولاً الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانياً عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانياً مثله أولاً عليه. ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن المسموع، مؤذناً بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال: {أم آتيناهم} أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة {كتاباً} أي دالاً على انه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة ثبتت لهم شركة {فهم} أي المشركون {على بينة} أي حجة ظاهرة، وبينات - على القراءة الأخرى، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان {منه} أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ولا مستحين منه. ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان، بل على غرور، قال منبهاً لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبراً أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه يسألون، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام، {بل إن} أي ما {يعد الظالمون} أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها {بعضهم بعضاً} أي الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا تنفع {إلا غروراً *}. ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به النسبة إلى جلال عظمته، وكانوا لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك، وكان ربما أقدم على ادعائه معاند منهم أو من غيرهم، وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف، وكانوا لا علم لهم بشيء من الزلازل والزوال، قال مبيناً عظمته سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزاً مهدداً لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبيناً للنعمة بعدم المعاجلة بالهلاك، وأكده لأن من الناس المكذوب به وهم المعطلة، ومنهم من عمله - وإن كان مقراً - عمل المكذب وهو من ينكر شيئاً من قدرته كالبعث: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يمسك السماوات} أي على كبرها وعلوها {والأرض} أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ما يشاهدون إمساكاً مانعاً من {أن تزولا *} أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة، أو زوالاً لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عناداً أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه. ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان، أتبعه ما هو أبين منه، فقال معبراً بأداة الإمكان: {ولئن زالتا} أي بزلزلة أو خراب {إن} أي ما {أمسكهما} وأكد استغراق النفي بقوله: {من أحد} ولما كان المراد أن غيره سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل، أثبت الجار فقال: {من بعده} أي بعد إزالته لهما، بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها والأصنام من جملته، فدل ذلك قطعاً على أن الشركاء مفعولة لا فاعلة. ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب، وكان كأنه قيل: هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام وشديد الإجرام، قال جواباً لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول: {إنه كان} أي أزلاً وأبداً {حليماً} أي ليس من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرص، ورغب في الإقلاع مشيراً إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله: {غفوراً *} أي محاء لذنوب من رجع إليه، وأقبل بالاعتراف عليه، فلا يعاقبه ولا يعاتبه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏هو الذي جعلكم خلائف في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أمة بعد أمة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏هو الذي جعلكم خلائف في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن‏.‏ وفي قوله ‏{‏أروني ماذا خلقوا من الأرض‏} ‏ قال‏:‏ لا شيء والله خلقوا منها‏.‏ وفي قوله ‏ {‏أم لهم شرك في السماوات‏} ‏ قال‏:‏ لا والله ما لهم فيهما من شرك ‏ {‏أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه‏} ‏ يقول‏:‏ أم آتيناهم كتاباً فهو يأمرهم أن لا يشركوا بي‏.

القشيري

تفسير : أهلُ كلِّ عصرٍ خليفٌ عَمَن تقدمهم؛ فَمِنْ قومٍ هم لِسَلَفِهم حَمَال، ومِنْ قوم أراذل وأنذال؛ فالأفاضلُ زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وقد قالوا: شعر : يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه حَيَّا غدٌ والْتَفَتَ الأمسُ

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} اى الله تعالى وهو مبتدأ خبره قوله {الذى جعلكم خلائف فى الارض} جمع خليفة واما خلفاء فجمع خليف وكلاهما بمعنى المستخلف اى جعلكم خلفاء فى ارضه والقى اليكم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها واباح لكم منافعها او جعلكم خلفاء ممن كان قبلكم من الامم واورثكم ما بايديهم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة. وفيه اشارة الى ان كل واحد من الافاضل والاراذل خليفة من خلفائه فى ارض الدنيا. فالافاضل يظهرون جمال صنائعه فى مرآة اخلاقهم الربانية وعلومهم اللدنية. والاراذل يظهرون كمال بدائعه فى مرآة حرفهم وصنعة ايديهم. ومن خلافتهم ان الله تعالى استخلفهم فى خلق كثير من الاشياء كالخبز فانه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال والانسان بخلافته يطحنها ويخبزها وكالثواب فانه تعالى يخلق القطن والانسان يغزله وينسج منه الثوب بالخلافة وهلم جرا {فمن} [بس هركه] {كفر} منكم نعمة الخلافة بان يخالف امر مستخلفه ولا ينقاد لاحكامه ويتبع هواه {فعليه كفره} اى وبال كفره وجزاؤه وهو الطرد واللعن والنار لا يتعداه الى غيره {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم الا مقتا}. قال الراغب المقت البغض الشديد لمن يراه متعاطيا لقبيح: يعنى [نتيجه كفرايشان بنسبت مكر بغض ربانى كه سبب غضب جاودانى همان تواند بود] {ولا يزيد الكافرين كفرهم الا خسارا} [مكر زيانى در آخرت كه حرمانست ازجنت] والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه على ان اقتضاء الكفر لكل واحد من الامرين الهائلين القبيحين بطريق الاستقلال والاصالة. والتنكير للتعظيم اى مقتا عظيما ليس وراءه خزى وصغار وخسارا عظيما ليس بعده شر وتبار

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} لنفسه فانّه جعلكم على مثاله او خلائف للماضين وهذه منقطعة عن سابقها وتمهيد لما بعدها، او هو جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ناشٍ من سابقها كأنّه قيل: هو يعلم ما فى الصّدور؟- فقال: هو الّذى جعلكم خلائف فكيف لا يعلم ما فى صدوركم {فَمَن كَفَرَ} بالله او بالنّبوّة او بالولاية او بنعمة الخلافة او بمطلق النّعم {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} لا على غيره لانّ الله عادل وعالم بكفر الكافر وايمان المؤمن {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} فانّ مقت الرّبّ مورث لا محالة لخسار العبد.

اطفيش

تفسير : {هو الذي جعلكم خلائف} يخلف بعضكم بعضا ملقيا اليكم مقاليد التصرف خلق زيد عمرا صار اميرا بعده او جعلكم يموت بعض ويولد بعض جمع خليفة واما خليف فيجمع على خلفاء وقيل جمع خليف. {في الأرض} ويجوز ان يراد جعلكم امة خلفت من قبلها من الامم في الارض ورأت ما يجب عليها ان تعتبر به فتوحد وتطيع. {فمن كفر فعليه كفره} أي جزاء كفره. {ولا يزيد الكافرين كفرهم} الذي يتجدد لهم ويتقوى. {عند ربهم إلا مقتا} أي اشد البغض وهو بغض الله سبحانه لهم وقيل المقت الغضب كلما ازدادوا كفرا ازدادوا بغضا وغضبا. {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} خسارة الاخرة وهذا بيان لما قبله والتنكير في الموضعين للتعظيم او هو في الثاني للتكثير وانما كرر يزيد والكافرين وكفرهم تقبيحا للكفر واشعارا بان اقتضاء الكفر للمقت واقتضاه للخسار كل واحد منهما مستقل بتقبيحه وبايجاب التجنب عنه.

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذي جَعلكم خلائف في الأرض} عمن قبلكم تتصرفون فيها تصرف الوارث فيما ورث، وتكلفون كما كلفوا لتشكروه بالتوحيد والعبادة، ولا تكفروا كما كفروا، وأهلكوا افتهلكوا كما هلكوا إن لم تعظوا بهم، والخطاب عام، أو لأهل مكة {فمن كَفَر} ابتداء أو ارتدادا، أو استمر على الشرك {فعَليْه كُفْره} وبال كفره لا على غيره {ولا يَزيدُ الكافرين كُفْرهم عنْد ربِّهم} متعلق بيزيد {إلامَقْتاً} أشد البغض، وبغضه تعالى عقابه، وهو منزه عن حقيقة البغض لأنه تألم فى القلب، وضيقه بشىء، فعبر بالملزوم والسبب عن اللازم والمسبب، فالجملة بيان لوبال كفره المذكور، وكرر فى قوله: {ولا يَزيد الكافرين كفْرهُم إلا خَساراً} فى الآخرة للتأكيد وزيادة التقرير، وإشارة بأنه لو لم يكن إلا المقت على الكفر لظهر للمتدبر تركه، ولو لم يكن إلا الخسار بكفره لاختار تركه، والخسار زيادة العذاب، أو جزاء تضييع أبدانهم وأموالهم وعقولهم عن العمل، بما ينفعهم فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } ملقي إليكم مقاليد التصرف وانتفاع بما فيها أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم من الأمم وأورثكم ما بأيديكم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة أو جعلكم بدل من كان قبلكم من الأمم الذين كذبوا الرسل فهلكوا فلم تتعظوا بحالهم وما حل بهم من الهلاك، والخطاب قيل عام، واستظهره في «البحر»، وقيل: لأهل مكة، والخلائف جمع خليفة وقد اطرد جمع فعيلة على فعائل وأما الخلفاء فجمع خليف ككريم وكرماء، وجوز الواحدي كونه جمع خليفة أيضاً وهو خلاف المشهور. {فَمَن كَفَرَ } منكم مثل هذه النعمة السنية وغمطها أو فمن استمر على الكفر وترك الإيمان بعد أن لطف به وجعل له ما ينبهه على ما يترتب على ذلك {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره وجزاؤه لا على غيره. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً } أشد الاحتقار والبغض والغضب. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } في الآخرة، وجملة {وَلاَ يَزِيدُ } الخ بيان وتفسير لقوله سبحانه: {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } ولزيادة تفصيله نزل منزلة المغاير له ولولا ذلك لفصل عنه، والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد واحد من الأمرين الأمرين المقت والخسارة مستقل باقتضاء قبحه ووجود التجنب عنه بمعنى أنه لو لم يكن الكفر مستوجباً لشيء سوى مقت الله تعالى لكفى ذلك في قبحه وكذا لو لم يستوجب شيئاً سوى الخسار لكفى.

سيد قطب

تفسير : هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل على جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى: جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسك بالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}. وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد.. {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض. فمن كفر فعليه كفره. ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً. ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً}. إن تتابع الأجيال في الأرض، وذهاب جيل ومجيء جيل، ووراثة هذا لذاك، وانتهاء دولة وقيام دولة، وانطفاء شعلة واتقاد شعلة. وهذا الدثور والظهور المتواليان على مر الدهور.. إن التفكير في هذه الحركة الدائبة خليق أن يجد للقلب عبرة وعظة، وأن يشعر الحاضرين أنهم سيكونون بعد حين غابرين، يتأمل الآتون بعدهم آثارهم ويتذاكرون أخبارهم، كما هم يتأملون آثار من كانوا قبلهم ويتذاكرون أخبارهم. وجدير بأن يوقظ الغافلين إلى اليد التي تدير الأعمار، وتقلب الصولجان، وتديل الدول، وتورث الملك، وتجعل من الجيل خليفة لجيل. وكل شيء يمضي وينتهي ويزول، والله وحده هو الباقي الدائم الذي لا يزول ولا يحول. ومن كان شأنه أن ينتهي ويمضي، فلا يخلد ولا يبقى. من كان شأنه أنه سائح في رحلة ذات أجل؛ وأن يعقبه من بعده ليرى ماذا ترك وماذا عمل، وأن يصير في النهاية إلى من يحاسبه على ما قال وما فعل. من كان هذا شأنه جدير بأن يحسن ثواءه القليل، ويترك وراءه الذكر الجميل، ويقدم بين يديه ما ينفعه في مثواه الأخير. هذه بعض الخواطر التي تساور الخاطر، حين يوضع أمامه مشهد الدثور والظهور، الطلوع والأفول، والدول الدائلة، والحياة الزائلة، والوراثة الدائبة جيلاً بعد جيل: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض}.. وفي ظل هذا المشهد المؤثر المتتابع المناظر، يذكرهم بفردية التبعة، فلا يحمل أحد عن أحد شيئاً، ولا يدفع أحد عن أحد شيئاً؛ ويشير إلى ما هم فيه من إعراض وكفر وضلال، وعاقبته الخاسرة في نهاية المطاف: {فمن كفر فعليه كفره. ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً. ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً}. والمقت أشد البغض. ومن يمقته ربه فأي خسران ينتظره؟ وهذا المقت في ذاته خسران يفوق كل خسران؟! والجولة الثانية في السماوات والأرض، لتقصِّي أي أثر أو أي خبر لشركائهم الذين يدعونهم من دون الله، والسماوات والأرض لا تحس لهم أثراً، ولا تعرف عنهم خبراً: {قل: أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله؟ أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات؟ أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه؟ بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً}. والحجة واضحة والدليل بيّن. فهذه الأرض بكل ما فيها ومن فيها. هذه هي مشهودة منظورة. أي جزء فيها أو أي شيء يمكن أن يدعي مدع أن أحداً ـ غير الله ـ خلقه وأنشأه! إن كل شيء يصرخ في وجه هذه الدعوى لو جرؤ عليها مدع. وكل شيء يهتف بأن الذي أبدعه هو الله؛ وهو يحمل آثار الصنعة التي لا يدعيها مدع، لأنه لا تشبهها صنعة، مما يعمل العاجزون أبناء الفناء! {أم لهم شرك في السماوات؟}.. ولا هذه من باب أولى! فما يجرؤ أحد على أن يزعم لهذه الآلهة المدعاة مشاركة في خلق السماوات. ولا مشاركة في ملكية السماوات. كائنة ما كانت. حتى الذين كانوا يشركون الجن أو الملائكة.. فقصارى ما كانوا يزعمون أن يستعينوا بالشياطين على إبلاغهم خبر السماء. أو يستشفعوا بالملائكة عند الله. ولم يرتق ادعاؤهم يوماً إلى الزعم بأن لهم شركاً في السماء! {أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه؟}.. وحتى هذه الدرجة ـ درجة أن يكون الله قد آتى هؤلاء الشركاء كتاباً فهم مستيقنون منه، واثقون بما فيه ـ لم يبلغها أولئك الشركاء المزعومون.. والنص يحتمل أن يكون هذا السؤال الإنكاري موجهاً إلى المشركين أنفسهم ـ لا إلى الشركاء ـ فإن إصرارهم على شركهم قد يوحي بأنهم يستمدون عقيدتهم هذه من كتاب أوتوه من الله فهم على بينة منه وبرهان. وليس هذا صحيحاً ولا يمكن أن يدعوه. وعلى هذا المعنى يكون هناك إيحاء بأن أمر العقيدة إنما يتلقى من كتاب من الله بيّن. وأن هذا هو المصدر الوحيد الوثيق. وليس لهم من هذا شيء يدعونه؛ بينما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاءهم بكتاب من عند الله بيّن. فما لهم يعرضون عنه، وهو السبيل الوحيد لاستمداد العقيدة؟! {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً}.. والظالمون يعد بعضهم بعضاً أن طريقتهم هي المثلى؛ وأنهم هم المنتصرون في النهاية. وإن هم إلا مخدوعون مغرورون، يغر بعضهم بعضاً، ويعيشون في هذا الغرور الذي لا يجدي شيئاً.. والجولة الثالثة ـ بعد نفي أن يكون للشركاء ذكر ولا خبر في السماوات ولا في الأرض ـ تكشف عن يد الله القوية الجبارة تمسك بالسماوات والأرض وتحفظهما وتدبر أمرهما بلا شريك: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. إنه كان حليماً غفوراً}.. ونظرة إلى السماوات والأرض؛ وإلى هذه الأجرام التي لا تحصى منتثرة في ذلك الفضاء الذي لا تعلم له حدود. وكلها قائمة في مواضعها، تدور في أفلاكها محافظة على مداراتها، لا تختل، ولا تخرج عنها، ولا تبطئ أو تسرع في دورتها، وكلها لا تقوم على عمد، ولا تشد بأمراس، ولا تستند على شيء من هنا أو من هناك.. نظرة إلى تلك الخلائق الهائلة العجيبة جديرة بأن تفتح البصيرة على اليد الخفية القاهرة القادرة التي تمسك بهذه الخلائق وتحفظها أن تزول. ولئن زالت السماوات والأرض عن مواضعها، واختلت وتناثرت بدداً، فما أحد بقادر على أن يمسكها بعد ذلك أبداً. وذلك هو الموعد الذي ضربه القرآن كثيراً لنهاية هذا العالم. حين يختل نظام الأفلاك وتضطرب وتتحطم وتتناثر؛ ويذهب كل شيء في هذا الفضاء لا يمسك أحد زمامه. وهذا هو الموعد المضروب للحساب والجزاء على ما كان في الحياة الدنيا. والانتهاء إلى العالم الآخر، الذي يختلف في طبيعته عن عالم الأرض اختلافاً كاملاً. ومن ثم يعقب على إمساك السماوات والأرض أن تزولا بقوله: {إنه كان حليماً غفوراً}.. {حليماً} يمهل الناس، ولا ينهي هذا العالم بهم، ولا يأخذ بنواصيهم إلى الحساب والجزاء إلا في الأجل المعلوم. ويدع لهم الفرصة للتوبة والعمل والاستعداد. {غفوراً} لا يؤاخذ الناس بكل ما اجترموا، بل يتجاوز عن كثير من سيئاتهم ويغفرها متى علم فيهم خيراً. وهو تعقيب موح ينبه الغافلين لاقتناص الفرصة قبل أن تذهب فلا تعود. والجولة الرابعة مع القوم وما عاهدوا الله عليه، ثم ما انتهوا بعد ذلك إليه من نقض للعهد، وفساد في الأرض. وتحذير لهم من سنة الله التي لا تتخلف، ولا تبديل فيها ولا تحويل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم. فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيئ ـ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ـ فهل ينظرون إلا سنة الأولين؟ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً}.. ولقد كان العرب يرون اليهود أهل كتاب يجاورونهم في الجزيرة؛ وكانوا يرون من أمر انحرافهم وسوء سلوكهم ما يرون؛ وكانوا يسمعون من تاريخهم وقتلهم رسلهم، وإعراضهم عن الحق الذي جاءوهم به. وكانوا إذ ذاك ينحون على اليهود؛ ويقسمون بالله حتى ما يدعون مجالاً للتشديد في القسم: {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم}.. يعنون اليهود. يعرضون بهم بهذا التعبير ولا يصرحون! ذلك كان حالهم وتلك كانت أيمانهم.. يعرضها كأنما يدعو المستمعين ليشهدوا على ما كان من هؤلاء القوم في جاهليتهم. ثم يعرض ما كان منهم بعد ذلك حينما حقق الله أمنيتهم، وأرسل فيهم نذيراً: {فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيىء!}.. وإنه لقبيح بمن كانوا يقسمون هذه الأيمان المشددة أن يكون هذا مسلكهم: استكباراً في الأرض ومكر السيئ. والقرآن يكشفهم هذا الكشف، ويسجل عليهم هذا المسلك. ثم يضيف إلى هذه المواجهة الأدبية المزرية بهم، تهديد كل من يسلك هذا المسلك الزري: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله}.. فما يصيب مكرهم السيئ أحداً إلا أنفسهم؛ وهو يحيط بهم ويحيق ويحبط أعمالهم. وإذا كان الأمر كذلك فماذا ينتظرون إذن؟ إنهم لا ينتظرون إلا أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم، وهو معروف لهم. وإلا أن تمضي سنة الله الثابتة في طريقها الذي لا يحيد: {فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً}.. والأمور لا تمضي في الناس جزافاً؛ والحياة لا تجري في الأرض عبثاً؛ فهناك نواميس ثابتة تتحقق، لا تتبدل ولا تتحول. والقرآن يقرر هذه الحقيقة، ويعلمها للناس، كي لا ينظروا الأحداث فرادى، ولا يعيشوا الحياة غافلين عن سننها الأصيلة. محصورين في فترة قصيرة من الزمان، وحيز محدود من المكان. ويرفع تصورهم لارتباطات الحياة، وسنن الوجود، فيوجههم دائماً إلى ثبات السنن واطراد النواميس. ويوجه أنظارهم إلى مصداق هذا فيما وقع للأجيال قبلهم؛ ودلالة ذلك الماضي على ثبات السنن واطراد النواميس. وهذه الجولة الخامسة نموذج من نماذج هذا التوجيه بعد تقرير الحقيقة الكلية من أن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ـ وكانوا أشد منهم قوة ـ وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض. إنه كان عليماً قديراً}. والسير في الأرض بعين مفتوحة وقلب يقظ؛ والوقوف على مصارع الغابرين، وتأمل ما كانوا فيه وما صاروا إليه.. كل أولئك خليق بأن تستقر في القلب ظلال وإيحاءات ومشاعر وتقوى.. ومن ثم هذه التوجيهات المكررة في القرآن للسير في الأرض والوقوف على مصارع الغابرين، وآثار الذاهبين. وإيقاظ القلوب من الغفلة التي تسدر فيها، فلا تقف. وإذا وقفت لا تحس. وإذا أحست لا تعتبر. وينشأ عن هذه الغفلة غفلة أخرى عن سنن الله الثابتة. وقصور عن إدراك الأحداث وربطها بقوانينها الكلية. وهي الميزة التي تميز الإنسان المدرك من الحيوان البهيم، الذي يعيش حياته منفصلة اللحظات والحالات؛ لا رابط لها، ولا قاعدة تحكمها. والجنس البشري كله وحدة أمام وحدة السنن والنواميس. وأمام هذه الوقفة التي يقفهم إياها على مصارع الغابرين قبلهم ـ وكانوا أشد منهم قوة ـ فلم تعصمهم قوتهم من المصير المحتوم. أمام هذه الوقفة يوجه حسهم إلى قوة الله الكبرى. القوة التي لا يغلبها شيء ولا يعجزها شيء؛ والتي أخذت الغابرين وهي قادرة على أخذهم كالأولين: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض}.. ويعقب على هذه الحقيقة بما يفسرها ويعرض أسانيدها: {إنه كان عليماً قديراً}.. يحيط علمه بكل شيء في السماوات والأرض؛ وتقوم قدرته إلى جانب علمه. فلا يند عن علمه شيء، ولا يقف لقدرته شيء. ومن ثم لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. ولا مهرب من قدرته ولا استخفاء من علمه: {إنه كان عليماً قديراً}.. وأخيراً يجيء ختام السورة، يكشف عن حلم الله ورحمته إلى جانب قوته وقدرته؛ ويؤكد أن إمهال الناس عن حلم وعن رحمة، لا يؤثر في دقة الحساب وعدل الجزاء في النهاية: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً}.. إن ما يرتكبه الناس من كفر لنعمة الله، ومن شر في الأرض وفساد، ومن ظلم في الأرض وطغيان. إن هذا كله لفظيع شنيع ولو يؤاخذ الله الناس به؛ لتجاوزهم ـ لضخامته وشناعته وبشاعته ـ إلى كل حي على ظهر هذه الأرض. ولأصبحت الأرض كلها غير صالحه للحياة إطلاقاً. لا لحياة البشر فحسب، ولكن لكل حياة أخرى! والتعبير على هذا النحو يبرز شناعة ما يكسب الناس وبشاعته وأثره المفسد المدمر للحياة كلها لو آخذهم الله به مؤاخذة سريعة. غير أن الله حليم لا يعجل على الناس: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى}.. يؤخرهم أفراداً إلى أجلهم الفردي حتى تنقضي أعمارهم في الدنيا. ويؤخرهم جماعات إلى أجلهم في الخلافة المقدرة لهم حتى يسلموها إلى جيل آخر. ويؤخرهم جنساً إلى أجلهم المحدد لعمر هذا العالم ومجيء الساعة الكبرى. ويفسح لهم في الفرصة لعلهم يحسنون صنعاً. {فإذا جاء أجلهم}.. وانتهى وقت العمل والكسب، وحان وقت الحساب والجزاء، فإن الله لن يظلمهم شيئاً: {فإن الله كان بعباده بصيراً}.. وبصره بعباده كفيل بتوفيتهم حسابهم وفق عملهم وكسبهم، لا تفوت منهم ولا عليهم كبيرة ولا صغيرة. هذا هو الإيقاع الأخير في السورة التي بدأت بحمد الله فاطر السماوات والأرض. {أية : جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة} تفسير : يحملون رسالة السماء إلى الأرض. وما فيها من تبشير وإنذار فإما إلى جنة وإما إلى نار.. وبين البدء والختام تلك الجولات العظام في تلك العوالم التي طوفت بها السورة. وهذه نهاية المطاف. ونهاية الحياة. ونهاية الإنسان..

د. أسعد حومد

تفسير : {خَلاَئِفَ} {ٱلْكَافِرِينَ} (39) - وَهُوَ تَعَالى الذِي جَعَلَكُمْ فِي الأَرْضِ خُلَفَاءَ، يَخْلُفُ جِيلٌ مِنْكُمْ جِيلاً آخَرَ، وَيَنْتَفِعُ فِي الأَرْضِ، وَيَتَصَرَّفُ بِما فِيها، لِتَشْكُرُوهُ بالطَّاعَةِ والتَّوْحِيدِ والعِبَادَةِ، فَمَنْ عَصَى أَمْرَ رَبِّهِ وَجَحَد بِآيَاتِهِ، وَكَفَر بِخَالِقِهِ، وَبِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِ، فَإِنَّما يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيهِ، لأَنَّهُ هُوَ الذِي سَيَلْقَى العِقَابَ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاسْتِمْرَارُ هؤُلاءِ فِي الكُفْرِ يَزِيدُ فِي كُرْهِ اللهِ، وَبُغْضِهِ لَهُمْ، وَكُلَّمَا اطْمَأَنُّوا إِلى كُفْرِهِمْ زَادَتْ خَسَارَتُهُمْ لأَِنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَحَقَّ عَلَيهِمْ سُوءُ العَذَابِ. جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ - خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. مَقْتاً - أَشَدَّ البُغْضِ وَالغَضَبِ والاحْتِقَارِ. خَسَاراً - هَلاَكاً وخُسْرَاناً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: {خَلاَئِفَ} [فاطر: 39] خلفاء: يخلف بعضكم بعضاً. وفي آية أخرى {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30] أي: خليفة لله في أرضه؛ لذلك وهبنا الله صفاتٍ من صفاته سبحانه، لنباشر بها مهمتنا في الأرض، فإنْ وجدت فينا قدرة على العمل فهي من قدرة الله، وإنْ وجدت في تصرفاتنا حكمة فهي فيض من حكمة الله، وإنْ وجدت فينا عزة فهي من عزة الله .. الخ. هذا هو معنى الخلافة؛ لأن الإنسان حين يتأمل ذاته يجد أن كلَّ ما فيه موهوب له من خالقه سبحانه، ليس ذاتياً فيه. وسبق أنْ قلنا مثلاً: إنك لمجرد إرادتك أنْ تقوم من مكانك تجد نفسك قد قُمت دون أن تعرف ماذا حدث في أعضائك وعضلاتك، وكيف صدرت الأوامر لهذه العضلات أنْ تتحرك، هذه في الحقيقة صفة من صفات الخالق سبحانه وهبك شيئاً منها، بدليل أنه سبحانه إنْ سلبك هذه القوة لا تستطيع القيام، وقد سلبها بالفعل من غيرك ليبين لك أن قوتك ليست ذاتية فيك، فلا تغترَّ بها. تلحظ مثلاً بعد تطور الصناعة أن العلماء استخدموا حركات البشر في صناعة (الأوناش والبلدوزرات) فترى الحركة الواحدة تحتاج إلى عدة حركات من الآلة، وتحتاج إلى أنْ يضغط السائق على زِرٍّ معين لهذه الحركة، أما أنت فلا تحتاج فى حركة أعضائك إلى شيء من هذا. فبمجرد أن تريد الفعل تفعله وتتفاعل معك أعضاؤك وعضلاتك، وتؤدي لك ما تريد منها دون أن تشعر أنت بشيء، فإذا كنتَ أنت وأنت مخلوق لله تعالى حين تريد شيئاً تفعله دون أنْ تأمر عضواً من أعضائك، ولا عضلة من عضلات جسمك، فما بالك بالخالق سبحانه؟ أتنكر أنه سبحانه يقول للشيء كُنْ فيكون؟ {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. أنت حينما تريد حركة لا تأمر شيئاً من أعضائك، لأنك لا تعرف أيَّها تأمر، فالأعضاء والعضلات والأعصاب أشياء متداخلة، ولا تدري أنت ما يدور بداخلك لتؤدي هذه الحركة؛ لذلك سوَّاك الخالق سبحانه على صورة تنفعل لك أعضاؤك بمجرد إرادتك، أما الخالق سبحانه فيأمر الأشياء ويقول لها: كُنْ. لأنه سبحانه يعلم الآلة التي تتحرك. وأيضاً الخالق سبحانه لم يترك لك أمراً على جوارحك، إنما ذلَّلها لك وطوَّعها لإرادتك؛ لأنك لا تضمن إنْ أمرتها أنْ تطيعك وتستجيب لك، أمّا الخالق سبحانه فإن أمر الأشياء أطاعته، بدليل أن الإنسان حين يُسْلَب القدرة على الحركة، أو حين يصيبه هذا المرض والعياذ بالله يريد أنْ يحرك أصبعاً من أصابعه فلا يستطيع. والحق سبحانه وتعالى قبل أنْ يستدعي الخليفة إلى الوجود خلق له قبل أن يخلقه، وضمن له قُوتَه ومُقومات حياته وضرورياتها إلى قيام الساعة، ثم ترك للعقول أن تعمل، وأن تستنبط من الضروريات ما يُترف الحياة ويثريها. إذن: أنت أيها الخليفة لله في الأرض ليس لك أن تستقبل أمر الله في (افعل كذا) و (لا تفعل كذا) بالطاعة والانقياد، فإنْ كفرتَ بعد ذلك {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [فاطر: 39] كفرت يعني لم تُطع افعل ولا تفعل، والكفر يعني الستر، وكفر بالله يعني: ستره، كأن الله كان ظاهراً، فستره الكافر بكفره؛ لذلك قلنا: إن الكفر أول دليل على الإيمان، فلولا وجود الله ما كان الكفر. وكما أن هناك كفراً بالله الذي استخلفك، هناك كفر بما اسْتُخْلِفْتَ فيه، كُفْر بالنعمة بأنْ تنسى واهبها لك والمنعِم عليك بها، ومن كفر النعمة أن تكسل عن استنباطها واستخراجها من باطن الأرض، وتتركها مطمورة لا ينتفع الناس بها، ومن كُفْر النعمة أيضاً ألاَّ تؤدي حقَّ الله فيها، وأنْ تسترها عن مُستحقها المحتاج إليه. وما يعانيه العالم الآن من أزمات في القوت ومجاعات ما هو إلا نتيجة طبيعية لكفر النعمة، إما بالتكاسل والقعود عن استنباطها، وإما نستنبطها لكن تشح بها نفوسنا وتبخل، بدليل أننا عِشْنا فترة طويلة في الوادي الضيق، ولم نحاول ولم نحاول استنباط خيرات الصحراء، فلما تنبهنا إلى ضرورة غزو الصحراء وتعميرها أصابنا هوس الاستنباط، فزرعنا الترف ولم نزرع الضروريات فتجد السوق عندنا مليئاً بالبرتقال والموز والعنب والكنتالوب والفراولة.. الخ ونحن (نشحت) رغيف العيش، ونستجدي غيرنا ضروريات حياتنا. إذن: الجزاء هنا من جنس العمل {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [فاطر: 39] أي: يُجزى به، فالذي كفر بالمنعِم له جزاؤه، وجزاؤه العذاب في الآخرة، والذي كفر بالنعمة له جزاؤه، وجزاؤه أنْ يموت جوعاً وأنْ يُذلَّ لغيره، وإنْ ذُلَّ لغيره فلن ينفذ أمراً ولا نهياً، ولن يهتم بدين ولا بمنهج. ورحم الله أجدادنا الذين قالوا: (اللي لقمته من فاسه كلمته من راسه). ثم يقول سبحانه مُبيِّناً عاقبة الكفر {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} [فاطر: 39] نعم، الكفر يُزيد صاحبه مَقْتاً وكراهية من الله عز وجل؛ لأنك كفرت بمَنْ؟ كفرتَ بالله ربك وخالقك ورازقك وواهبك النِّعَم، وكل كفر بشيء من هذا يستوجب لك كراهية وبُغْضاً من الله، وهذا البغض يزيد بالاستمرار في الكفر والتصميم عليه، ثم بعد هذا كله يزيد الكفر صاحبه {خَسَاراً} [فاطر: 39] وأيُّ خسارة بعد الكفر بالله، الخسارة هنا كبيرة؛ لأنها هلاك وخسران لخيرَيْ الدنيا والآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي...}.

الجيلاني

تفسير : فكيف تغفلون عنه سبحانه وتذهلون عن تذكره أيها الغافلون، مع أنه سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ} عن ذاته وأظهركم على صورته وأعطاكم التصرف {فِي ٱلأَرْضِ} وسلطكم على عموم ما عليها، وسخر لكم جميع ما فيها من المواليد؛ تتميماً لخلافتكم وتكريماً لكم على سائر مخلوقاته، وبعدما فعل بكم سبحانه من الكرامة و الإفضال وحسن الفعال ما فعل {فَمَن كَفَرَ} وأعرض عن الإيمان به سبحانه وبكتبه ورسله وبما جرى في لوح قضائه وحضرة علمه {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: يحمل عليه وبال كفره وإعراضه، وينتقم عنه على مقتضاه بلا لحوق شين وعيب عليه سبحانه؛ إذ هو في ذاته منزه عن إيمان عباده وكفرهم، بل {وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ} أي: إصرارهم على الشرك واستنكافهم عن الإيمان بالله والكتب والرسل {عِندَ رَبِّهِمْ} المطلع على سرائرهم وضمائرهم {إِلاَّ مَقْتاً} أي: غضباً وبغضاً شديداً منه سبحانه إياهم، وطرداً لهم عن ساحة عز قبوله {وَ} بالجملة: {لاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ} وشركهم في النشأة الأولى {إِلاَّ خَسَاراً} [فاطر: 39] نقصاناً وحرماناً في النشأة الأخرى عما أعد للمؤمنين من أنواع الكرامات والمقامات العلية، لا خسران أعظم منه. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمشركين؛ تقريعاً لهم وتبكيتاً بعدما سجلنا عليهم المقت والطرد وأنواع الخسران والخذلان: {أَرَأَيْتُمْ} وأبصرتم أيها المجبولون على الغواية والعناد {شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} وتدعون آلهة {مِن دُونِ ٱللَّهِ} مشاركين له سبحانه في الألوهية والربوبية {أَرُونِي} وأخبروني أيها المكابرون المعاندون {مَاذَا خَلَقُواْ} وأوجدوا {مِنَ ٱلأَرْضِ} أي: أي شيء خلقوا في الأرض بالاستقلال والاختيار حتى يتصفوا بالألوهية؟ {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ} أي: أروني هل لهم مشاركة مع الله {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: خلقها وإبداعها {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} أي: أ روني هل أنزلنا عليهم كتاباً دالاً على مشاركتهم معنا في الألوهية والربوبية؟ {فَهُمْ} أي: أولئك المدعون المكابرون مطلعون، فائزون {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ} أي: حجج ودلائل واضحة من الكتاب دالة على شركة أولئك التمايل العاطلة مع العليم القدير الحكيم، فظاهر أنه ما أنزل إليهم كتاباً كذلك {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ} أي: ليس الباعث لهم على ادعاء الشرك أمثال هذه المذكورات من الدلائل العقلية والنقلية، بل لا باعث لهم سوى الوعد الكاذب الذي يعد بعضهم بعضاً، وبالجملة: ما يعد الظالمون الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية {بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} [فاطر: 40] وتغريراً من الشرفاء بالأراذل منهم، والرؤساء بالضعفاء، وتلبيساً من أصحاب الثروة على ذوي الأحلام السخيفة منهم؛ حفظاً لجاههم وسيادتهم، والله المطلع بجميع حالات عباده يعلم تغريرهم وتلبيسهم ويمهلهم، ولا يعاجل بالانتقام لكمال حلمه. {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظة والكبرياء {يُمْسِكُ} ويضبط {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} ويمنعهما من {أَن تَزُولاَ} بشرك المشركين، وافترائهم على الله بإثبات الشركاء له، وبشؤم عصيانهم وفسقهم فيما بينهم {وَلَئِن زَالَتَآ} ولم يمسكهما سبحانه {إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} أي: ما أمسكهما عن الزوال من أحد بعد الله سبحانه، لكنه سبحانه أمسكهما، ولم يعاجل بانتقام عصاة عباده {إِنَّهُ} سبحانه {كَانَ} في ذاته {حَلِيماً} لا يعاجل بالانتقاممم عند ظهور الجرائم {غَفُوراً} [فاطر: 41] لمن تاب عنهما، وأناب إلى الله مخلصاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} [فاطر: 39] يُشير إلى أن كل واحد من الأفاضل والأراذل خليفة من خلفائه في أرض الدنيا والأفاضل يظهرون جمال صفاته في مرآة أخلاقهم الربانية وهو سبحانه يتجلى بذاته وجميع صفاته بمرآة قلوب الصادقين منهم؛ لتكون مرآة قلوبهم لجمال صفاته وجلال ذاته مظهره، والأراذل يظهرون جمال صنائعه وكمال بدائعه في مرآة حرفهم وصنعة أيديهم ومن خلافتهم أن الله تعالى استخلفهم في خلق كثير من الأشياء كالخبز، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال، والإنسان بخلافته يطحنها ويخبزها، وكالثوب فإنه تعالى يخلق القطن والإنسان يغزله وينسج منه الثوب بالخلافة. وبقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} [فاطر: 45] يشير إلى أنه ما من إنسان إلا ويصدر منه ما يستوجبه المؤاخذة ولكن الله بفضله ورحمته {يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر: 45] فإذا جاء أجلهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} [فاطر: 45] يؤاخذ به من يكون عنده من أهل المؤاخذة، ويعفو عمن هو أهل للعفو.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال حكمته ورحمته بعباده، أنه قدر بقضائه السابق، أن يجعل بعضهم يخلف بعضا في الأرض، ويرسل لكل أمة من الأمم النذر، فينظر كيف يعملون، فمن كفر باللّه وبما جاءت به رسله، فإن كفره عليه، وعليه إثمه وعقوبته، ولا يحمل عنه أحد، ولا يزداد الكافر بكفره إلا مقت ربه له وبغضه إياه، وأي: عقوبة أعظم من مقت الرب الكريم؟! { وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا } أي: يخسرون أنفسهم وأهليهم وأعمالهم ومنازلهم في الجنة، فالكافر لا يزال في زيادة من الشقاء والخسران، والخزي عند اللّه وعند خلقه والحرمان.

همام الصنعاني

تفسير : 2450- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 39]، قال: خلف بعد خلف، وقرن بعد قرن.