٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : ويحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السموات والأرض كما قال تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } تفسير : [مريم:90،91] ويدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } كان حليماً ما ترك تعذيبهم إلا حلماً منه وإلا كانوا يستحقون إسقاط السماء وانطباق الأرض عليهم وإنما أخر إزالة السموات إلى قيام الساعة حلماً، وتحتمل الآية وجهاً ثالثاً: وهو أن يكون ذلك من باب التسليم وإثبات المطلوب على تقدير التسليم أيضاً كأنه تعالى قال شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئاً ولا في السماء جزءاً ولا قدروا على الشفاعة، فلا عبادة لهم. وهب أنهم فعلوا شيئاً من الأشياء فهل يقدرون على إمساك السموات والأرض؟ ولا يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون به، كما قال تعالى عنهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] ويؤيد هذا قوله: {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } فإذا تبين أن لا معبود إلا الله من حيث إن غيره لم يخلق من الأشياء وإن قال الكافر بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك له إنه كان حليماً غفوراً، حليماً حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم وغفوراً يغفر لمن تاب ويرحمه وإن استحق العقاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} لما بيّن أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من السموات والأرض بيّن أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. و«أن» في موضع نصب بمعنى كراهة أن تزولاً، أو لئلا تزولا، أو يحمل على المعنى؛ لأن المعنى أن الله يمنع السموات والأرض أن تزولا، فلا حاجة على هذا إلى إضمار، وهذا قول الزجاج. {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} قال الفرّاء: أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. و«إن» بمعنى ما. قال: وهو مثل قوله: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } تفسير : [الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة. وعن إبراهيم قال: دخل رجل من أصحاب ابن مسعود إلى كعب الأحبار يتعلم منه العلم، فلما رجع قال له ابن مسعود: ما الذي أصبت من كعب؟ قال: سمعت كعباً يقول: إن السماء تدور على قُطْب مثل قطب الرّحَى، في عمود على مِنكب مَلَك؛ فقال له عبد الله؛ وددتُ أنك انقلبت براحلتك ورحلها، كذب كعب، ما ترك يهوديَّته! إن الله تعالى يقول: «إن الله يُمسِك السمواتِ والأرضَ أن تزولا» إن السموات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. وعن ابن عباس نحوه، وأنه قال لرجل مقبل من الشام: من لقِيت به؟ قال كعباً. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب مَلَك. قال: كذب كعب، أما ترك يهوديَّته بعدُ! إن الله تعالى يقول: «إِن الله يُمسِك السموات والأرض أن تزولا» والسموات سبع والأرضون سبع، ولكن لما ذكّرهما أجراهما مجرى شيئين، فعادت الكناية إليهما، وهو كقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}تفسير : [الأنبياء: 30] ثم ختم الآية بقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} لأن المعنى فيما ذكره بعض أهل التأويل: أن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين، وقولِهم اتخذ الله ولداً. قال الكلبي: لما قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، كادت السموات والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية فيه؛ وهو كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}تفسير : [مريم: 89 ـ 90] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } أي يمنعهما من الزوال {وَلَئِنِ } لام قسم {زَالَتآ إِنْ } ما {أَمْسَكَهُمَا } يمسكهما {مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ } أي سواه {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } في تأخير عقاب الكفار.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل؟ فأرسل الله ملكاً إليه، فارقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يتحفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه يلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس احداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطقت يداه وانكسرت القارورتان قال: ضرب الله له مثلاً أن الله تبارك وتعالى لو كان ينام، ما كان يمسك السماء ولا الأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن خرشة بن الحر رضي الله عنه قال: حدثني عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال: يا جبريل هل ينام ربك؟ فقال جبريل: يا رب ان عبدك موسى يسألك هل تنام؟ فقال الله: "يا جبريل قل له فليأخذ بيده قارورتين، وليقم على الجبل من أول الليل حتى يصبح، فقام على الجبل وأخذ قارورتين فصبر، فلما كان آخر الليل غلبته عيناه، فسقطتا فانكسرتا فقال: يا جبريل انكسرت القارورتان فقال الله: يا جبريل قل لعبدي إني لو نمت لزالت السموات والأرض". وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن عكرمة قال: أسر موسى عليه السلام إلى الملائكة هل ينام رب العزة؟ قال: فسهر موسى أربعة أيام ولياليهن، ثم قام على المنبر يخطب، ورفع إليه قارورتين في كل يد قارورة، وأرسل الله عليه النعاس، وهو يخطب إذ أدنى يده من الأخرى، وهو يضرب القارورة على الأخرى، ففزع ورد يده ثم خطب، ثم أدنى يده، فضرب بها على الأخرى، ففزع ثم قال: {أية : لا إله إلا الله الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : [البقرة: 255] قال عكرمة: السنة التي يضرب برأسه وهو جالس والنوم الذي يرقد. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه، أن موسى عليه السلام قال له قومه: أينام ربك؟ قال "اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" فأوحى الله إلى موسى: ان خذ قارورتين، فاملأهما ماء. ففعل، فنعس، فنام، فسقطتا من يده، فانكسرتا، فأوحى الله إلى موسى اني: أمسك السموات والأرض أَنْ تزولا ولو نِمْتُ لزالتا قال البيهقي رضي الله عنه: هذا أشبه أن يكون هو المحفوظ. وأخرج الطبراني في كتاب السنة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل ينام ربنا؟ إلخ. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعاً، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان، وجنوده، وأتباعه، وأشياعه من الجن والإِنس. اللهم كن لي جاراً من شرهم. جل ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك، ثلاث مرات. وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن العبد إذا دخل بيته، وأوى إلى فراشه، ابتدره ملكه وشيطانه. يقول شيطانه: اختم بشر. ويقول الملك: اختم بخير. فإن ذكر الله وحده طرد الملك الشيطان، وظل يكلؤه، وإن هو انتبه من منامه، ابتدره ملكه وشيطانه. يقول له الشيطان: افتح بشر. ويقول الملك: افتح بخير. فإن هو قال الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها. الحمد لله الذي {يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً} وقال الحمد لله الذي {يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم} [الحج: 56] قال: فإن خرج من فراشه فمات كان شهيداً، وإن قام يصلي صلّى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على حوت، والسلسلة على أذن الحوت في يد الله تعالى، فذلك قوله {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} قال: من مكانهما. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن كعباً كان يقول: إن السماء تدور على نصب مثل نصب الرحا. فقال حذيفة بن اليمان: كذب كعب {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن شقيق قال: قيل لابن مسعود إن كعباً يقول: إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا، في عمود على منكب ملك فقال: كذب كعب {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} وكفى بها زوالاً أن تدور.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ غايةِ قُبحِ الشِّركِ وهو له أنْ يمسكهما كراهةَ زوالِهما أو يمنعهما أنْ تزولا لأنَّ الإمساك منع {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا} أي مَا أمسكهما {مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ} من بعدِ إمساكِه تعالى أو من بعدِ الزَّوالِ. والجملةُ سادَّةٌ مسدَّ الجوابـينِ ومِن الأوُلى مزيدةٌ لتأكيدِ العُمومِ والثَّانيةُ للابتداءِ {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} غيرَ معاجلٍ بالعقوبةِ التي تستوجبُها جناياتُهم حيثُ أمسكَهما وكانتا جديرتينِ بأنْ تهدّا هداً حسبما قال تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} تفسير : [سورة مريم: الآية 90] وقُرىء ولو زَالَتا. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} بلغ قُريشاً قبل مبعثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أهلَ الكتابِ كذَّبوا رسلَهم فقالُوا لعنَ الله اليَّهودَ والنَّصارَى أتتُهم الرُّسلُ فكذَّبُوهم فوالله لئن أتانا رسولٌ لنكونَّن أهدى من إِحدى الأممِ اليَّهودِ والنَّصارَى وغيرِهم أو من الأمَّةِ التي يُقال لها إِحدى الأممِ تفضيلاً لها على غيرِها في الهُدَى والاستقامةِ. {فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ} وأيُّ نذير أشرفُ الرُّسُلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ {مَّا زَادَهُمْ} أي النَّذيرُ أو مجيئةُ {إِلاَّ نُفُورًا} تُباعداً عن الحقِّ {ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ} بدلٌ من نُفوراً أي مفعولٌ له {وَمَكْرَ ٱلسَّيّىء} أصلُه وإنْ مكرُوا السَّيءَ أيَّ المكرَ السَّىءَ ثم ومكراً السَّيءَ ثم ومكرَ السيء وقرىء بسكونِ الهمزةِ في الوصلِ ولعلَّه اختلاسٌ ظُنَّ سُكوتاً أو وقفةٌ خفيفةٌ وقرىء مكراً سيِّئاً {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينتظرونَ {إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ} أي سُنَّة الله فيهم بتعذيبِ مكذِّبـيهم {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} بأنْ يضع موضعَ العذابِ غيرَ العذابِ{وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} بأنْ ينقله من المكذِّبـين إلى غيرِهم. والفاءُ لتعليلِ ما يُفيدُه الحكمُ بانتظارِهم العذابَ من مجيئهِ ونفيُ وجدانِ التَّبديلِ والتَّحويلِ عبارةٌ عن نفيِ وجودِها بالطَّريقِ البُرهانِّي وتخصيصُ كلَ منُهما بنفيٍ مستقلَ لتأكيدِ انتفائِهما. {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} استشهاد على ما قبلَه من جريانِ سُنَّتِه تعالى على تعذيبِ المُكذِّبـينَ بما يشاهدوَنُه في مسايرِهم إلى الشَّامِ واليمنِ والعراقِ من آثار دمار الأممِ الماضيةِ العاتيةِ والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ. والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يليقُ بالمقامِ أي أقعدُوا في مساكنِهم ولم يسيرُوا في الأرضِ فينظُروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلِهم {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وأطولَ أعماراً فما نفعُهم طولُ المَدَى وما أغنَى عنهم شدَّةُ القُوى. ومحلُّ الجملةِ النَّصبُ على الحاليَّةِ. وقولُه تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء} أي ليسبقَه وبفوتَه {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} اعتراضٌ مقررٌ لما يُفهم مَّما قبله من استئصالِ الأممِ السَّالفةِ. وقولُه تعالىَ {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} أي مُبالغاً في العلمِ والقُدرةِ ولذلك علمَ بجميعِ أعمالِهم السَّيئةِ فعاقبَهم بموجبِها تعليل لذلك.
القشيري
تفسير : أمسكها بقدرته، وأتقنهما بحكمته، ورتَّبهما بمشيئته، وخلَقَ أهلَهما على موجب قضيته، فلا شبيهَ في إبقائها وإفنائهما يُسَاهِمُه، ولا شريكَ في وجودِهما ونظامهما يُقَاسِمُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله يمسك السموات والارض} اى يحفظهما بقدرته فان الامساك ضد الارسال وهو التعلق بالشئ وحفظه {ان تزولا} الزوال الذهاب وهو يقال فى كل شئ قد كان ثابتا قبل اى كراهة زوالهما عن اماكنهما فان الممكن حال بقائه لا بدله من حافظ فعلى هذا يكون مفعولا له او يمنعها من ان تزولا لان الامساك منع يقال امسكت عنه كذا اى منعته فعلى هذا يكون مفعولا به {ولئن زالتا} اى والله لئن زالت السموات والارض عن مقرهما ومركزهما بتخليتهما كما يكون يوم القيامة {ان} نافية اى ما {امسكهما} [نكاه ندارد ايشانرا] اى ما قدر على اعادتهما الى مكانهما {من احد} [هيج يكى] ومن مزيدة لتأكيد نفى الامساك عن كل احد {من بعده} من للابتداء اى من بعد امساكه تعالى او من بعد الزوال والجملة سادة مسد الجوابين للقسم والشرط {انه} سبحانه {كان حليما} غير معاجل بالعقوبة التى تستوجبها جنايات الكفار حيث امسكهما وكانتا جديرتين بان تهدّا هدّا لعظم كلمة الشرك {غفورا} لمن رجع عن كلمة الكفر وقال بالوحدانية. والحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب كما فى المفردات. والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لا يأمن العقوبة فى صفة الصبور كما يأمنها فى صفة الحليم يعنى ان الصبور يشعر بانه يعاقب فى الآخرة بخلاف الحليم كما فى المفاتيح ولعل هذا بالنسبة الى المؤمنين دون الكفار. قال فى بحر العلوم الحليم مجازى اى يفعل بعباده فعل من يحلم على المسيئ ولا يعاجلهم بالعقوبة مع تكاثر ذنوبهم. وفى شرح الاسماء للامام الغزالى رحمه الله تعالى الحليم هو الذى يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الامر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مغ غاية الاقتدار عجلة وطيش. فعلى العاقل ان يتخلق بهذا الاسم بان يصفح عن الجنايات ويسامح فى المعاملات بل يجازى الاساءة بالاحسان فانه من كمالات الانسان شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اساء تفسير : ـ روى ـ عن بعضهم انه كان محبوسا وكان يعرض غدوة وعشية ليقتل فرأى النبى عليه السلام فى النوم فقال له اقرأ واشار الى هذا الآية فقال كم اقرأ فقال اربعمائة مرة فقرأ فلم يذكر عشرين ليلة حتى اخرج. ولعل سره ان السموات والارض اشارة الى الارواح والاجساد فكما ان الله تعالى يحفظ عالم الصورة من اوجه وحضيضه فكذا يحفظ ما هو انموذجه وهو عالم الانسان. وايضا ان الجانى وان كان مستحقا للعقوبة لكن مقتضى الاسم الحليم ترك المعاجلة بل الصفح بالكلية ففى مداومة الآية استعطاف واستنزال للرحمة على الجسم والروح وطلب بقائهما. واعلم ان التوحيد سبب لنظام العالم بأسره ألا يرى انه لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الارض الله الله اى لا يوجد من يوحد توحيدا حقيقيا فانه اذا انقرض اهل هذا التوحيد وانتقل الامر من الظهور الى البطون يزول العالم وينتقض اجزاؤه لانه اذا يكون كجسد بلا روح والروح اذا فارق الجسد يتسارع الى الجسد البلى والفساد. ففى الآية اخبار عن عظيم قدرة الله على حفظ السموات والارض وامساكهما عن الزوال والذهاب ان الانسان الكامل من حيث انه خليفة الله هو العماد المعنوى فيه يحفظ الله عالم الارواح والاجسام. وفى الفتوحات المكية لا بد فى كل اقليم او بلد او قرية من ولى به يحفظ الله تلك الجهة سواء كان اهل تلك الجهة مؤمنين او كفارا ـ يروى ـ ان آخر مولود فى النوع الانسانى يكون بالصين فيسرى بعد ولادته العقم فى الرجال والنساء ويدعوهم الى الله فلا يجاب فى هذه الدعوة فاذا قبضه الله وقبض مؤمنى زمانه بقى من بقى مثل البهائم لا يحلون حلالا ولا يحرمون حراما فعليهم تقوم الساعة وتخرب الدنيا وينتقل الامر الى الآخرة شعر : مدار نظم امور جهان انسانست جميع اهل جهان جسم وجان انسانست فناى عالم صورت برحلتش مربوط مقام بود سما اوت كرد بارض هبوط
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الله يُمسك السماواتِ والأرضَ أن تزولاَ} أي: يمنعهما من أن تزولا؛ لأن إمساكهما منع. والمشهور عند المنجمين: أن السموات هي الأفلاك التي تدور دورة بين الليل والنهار. وإنكار ابن يهود على كعب، كما في الثعلبي، تحامل؛ إذ لا يلزم من دورانها عدم إمساكها بالقدرة، وانظر عند قوله: {أية : وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا...} تفسير : [يس: 38] قال القشيري: أمسكهما بقدرته، وأتقنهما بحكمته، وزينهما بمشيئته، وخلق أهلهما على موجب قضيته، فلا شبيه في إبقائهما وإمساكهما يُسَاهِمُه، ولا شريك في إيجادهما وإعدامهما يقاسمه. هـ. {ولَئِن زَالَتَا} على سبيل الفرض، {إِنْ أَمْسَكَهُما من أحدٍ من بعده} من بعد إمساكه. و "من" الأولى: مزيدة، لتأكيد النفي، والثانية: ابتدائية، {إِنه كان حليماً غفوراً} غير معاجل بالعقوبة، حيث أمسكهما على مَن يشرك به ويعصيه، وكانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً، كما قال: {أية : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...} تفسير : [مريم: 90] الآية. الإشارة: الوجود قائم بين سماء القدرة وأرض الحكمة، بين سماء الأرواح وأرض الأشباح، بين سماء المعاني وأرض الحس، فلو زال أحدهما لاختل نظام الوجود، وبطلت حكمة الحكيم العليم. الأول: عالم التعريف، والثاني: عالم التكليف. الأول: محل التنزيه، والثاني: محل التشبيه، الأول: محل أسرار الذات، والثاني: محل أنوار الصفات، مع اتحاد المظهر؛ إذ الصفات لا تفارق الموصوف، فافهم. وفي بعض الأثر: "إن العبد إذا عصى الله استأذنت السماء أن تسقط عليه من فوقه، والأرض أن تخسف من تحته، فيمسكها الله تعالى بحلمه وعفوه، ثم تلى الآية: {إِن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} إلى قوله: {كان حليماً غفوراً} هـ. بالمعنى. ثم ذكر عناد قريش وعتوهم، تتميماً لقوله: {والذين كفروا لهم نار جهنم...} إلخ. فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ...}
الطوسي
تفسير : خمس آيات كوفي ومكي ومدني الأول. وست شامي، وفي عدد اسماعيل. وسبع بصري. عد البصري والشامي واسماعيل {تبديلاً} وعد البصري قبله {تزولا} ولم يعد ذلك الباقون. لما بين الله تعالى أن الاصنام لا تقدر على شيء وأن ليس لها شرك في السموات والأرض، أخبر عن عظيم قدرته وسعة سلطانه فقال{إن الله يمسك السماوات} بأن يسكنها حالا بعد حال، ولا يقدر على تسكينها غيره تعالى حال بعد حال، لأنه يسكنها بغير عمد، فالارضون ساكنة بلا عمد والسموات ساكنة باسكانه. وهي غير الأفلاك التي تجري فيها النجوم، قال عبد الله بن مسعود ان السموات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. ومنعهما بهذا التسكين من أن تزولا عن مواضعها او تهوي او تسقط، ومعنى {أن تزولا} كراهة أن تزولا. وقال الكوفيون: معناه ألا تزولا عن مراكزهما، فحذف (لا). ثم قال {ولئن زالتا} معنى (لئن) (لو) ويوضع كل واحد منهما مكان الآخر، لانهما يجابان بجواب واحد. ومثله {أية : ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً} تفسير : ومعناه و (لو) ومعنى {ولئن زالتا} يعني عن مقرهما {إن أمسكهما من أحد من بعده} أي ليس يسكنها احد ولا يقدر عليه احد بعد الله تعالى {إنه كان حليماً} يعني القادر الذي لا يعاجل واحداً بالعقوبة، ولا يحلم إلا قادر، لان من ليس بقادر، لا يصح ان يعاقب، فلا يحلم وإنما حلمه أناة بمن استحق العقوبة {غفوراً} أي ستاراً لذنوبهم إذا تابوا لا يفضحهم بها على رؤس الأشهاد، و (الغفور) الكثير الغفران لذنوب عباده بالتوبة وبالتفضل لمن يشاء منهم. ثم حكى عن الكفار أنهم {أقسموا بالله} يعني حلفوا به {جهد أيمانهم} أي غاية وسعهم وطاقتهم {لئن جاءهم نذير} أي مخوف من جهة الله يخوفهم من معاصيه {ليكونن أهدى} إلى اتباعه والقبول منه {من إحدى الأمم} الماضية وأسبق إلى اتباعه {فلما جاءهم نذير} أي محمد صلى الله عليه وآله جاءهم يخوفهم بالله {ما زادهم} مجيئه {إلا نفوراً} أي ازدادوا عند مجيئه نفوراً عن الحق وهرباً منه لا أن مجيئه زادهم ذلك. ثم بين تعالى انهم ينفرون عند مجيء النبي {استكباراً} أي طلباً للكبر والتجبر على غيرهم {في الأرض} من أن يقروا بالحق {ومكر السيء} أي وحيلة الأفعال القبيحة والمعاصي لانهم قصدوا بذلك الفرار من اتباع محمد والايمان به، والسيء الشرك - في قول قتادة - واضيف اليه كما قال {أية : لحق اليقين} تفسير : وفي قراءة عبد الله بن مسعود {ومكراً سيئاً} وقد سكن حمزة وحده الهمزة. الباقون جروها بالاضافة. والتسكين لحن عندهم اعني البصريين، لا يجوز ان يقرأ به. وقيل الوجه في تسكين حمزة كثرة الحركات في الكلام، كما قال الشاعر: شعر : إذا اعوججن قلت صاحب قوم تفسير : فسكن الباء لكترة الحركات، والصحيح الأول، لأن مثل هذا إنما يجوز في ضرورة الشعر، قال ابو علي النحوي: يجوز أن يكون أجراه في الوصل مجرى الوقف، وتقدير ومكرراً المكر السيء، فأضيف المصدر إلى صفة المصدر، وتقديره ومكروا المكر السيء بدلالة قوله {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} ومعناه لا ينزل باحد جزاء المكر السيء إلا بمن فعله {فهل ينظرون} أي فهل ينتظرون {إلا سنة الأولين} من نزول العقاب بهم وحلول النقمة عليهم جزاء على كفرهم، فان كانوا ينتظرون ذلك {فلن تجد} يا محمد والمراد به الكفار {لسنة الله تبديلاً} أي لا يغير الله عادته من عقوبة من جحد ربوبيته {ولن تجد لسنة الله تحويلاً} ولا يبدلها بغيرها، فالتبديل تصير الشيء مكان غيره، والتحويل تصير الشيء في غير المكان الذي كان فيه، والتغيير تصيير الشيء على خلاف ما كان. ثم قال {أولم يسيروا في الأرض} يعني هؤلاء الكفار الذين انكروا إهلاك الله الأمم الماضية. أما ساروا في الارض {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا} أولئك {أشد منهم} من هؤلاء {قوة وما كان الله ليعجزه من شيء} إذ لم يكن يفوته شيء {في السماوات ولا في الأرض انه كان عليماً} عالماً بجميع الأشياء {قديراً} قادراً على ما لا نهاية له، ويقدر على اجناس لا يقدرون عليها. ثم اخبر تعالى ممننا على الناس بتأخير عقابهم بان قال {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} أي جزاء على معاصيهم عاجلا {ما ترك على ظهرها} ظهر الارض {من دابة} تدبّ على رجليها {ولكن يؤخرهم إلى أجل} يعني إلى الوقت المعلوم الذي قدره لتعذيبهم {فإذا جاء أجلهم} يعني الوقت المقدر المعلوم {فإن الله} تعالى {كان بعباده بصيراً} أي عالماً بأحوالهم لا يخفى عليه شيء منها فيجازي كل انسان على قدر فعله من طاعة او معصية، والضمير في قوله {على ظهرها} عائد إلى الارض وإن لم يجر لها ذكر لدلالة الكلام عليه، لأنه معلوم أنهم على ظهر الارض دون غيرها، على أنه قد تقدم قوله {أو لم يسيروا في الأرض} وفي قوله {إن الله يمسك السماوات والأرض} فيجوز أن يرد الكناية اليها.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} اى يمسك سماوات الطّبع وارضه من الزّوال عن امكنتهما، او المراد يمسك سماوات الارواح واراضى الاشباح من الزّوال عن مقامهما، او سماوات العالم الصّغير وارضه من الزّوال والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما للشّركاء دخل فى السّماوات والارض فى العالم الكبير ولا فى العالم الصّغير؟- فقال بنحو الحصر: انّ الله لا غيره يمسك السّماوات والارض ان تزولا {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} من بعد الله او من بعد الزّوال {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} فلذلك لا يعجل فى عذاب الشّركاء وعابديهم {غَفُوراً} يغفر لمن تاب منهم.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ} أي: لئلا تزولا. {وَلَئِن زَالَتَآ إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}. وهذه صفة. يقول: إن زالتا ولن تزولا. ذكروا عن الأعمش عمّن حدّثه عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً جاء إليه؛ فرأى عبدُ الله بن مسعود عليه أثرَ السفر، فقال له: من أين قدمت؟ قال: من الشام. قال: فمن لقيت؟ قال: لقيت فلاناً وفلاناً، ولقيت كعبَ الأحبار. قال: فما حدّثك به؟ قال: حدّثني أن السماوات تدور على منكبي مَلك. فقال عبد الله بن مسعود: ليتك افتديت من لُقِيّك إياه براحلتك ورَحلك؛ كذب كعب، إن الله يقول: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}. قال الله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} أي: حليماً لا يعجِّل بالعقوبة، غفوراً لمن تاب وآمن. قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لِّيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ} كقوله: (أية : وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ) تفسير : [الصافات: 167-169]. قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي: الإِيمان. {اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ} أي: عن عبادة الله {وَمَكْرَ السَّيِّىءِ} يعني الشرك وما يمكرون برسول الله وبدينه. وقال في آية أخرى: (أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...)تفسير : إلى آخر الآية [الأنفال: 30]. قال: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وهذا وعيد لهم. قال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ} أي: سنة الله في الأولين. كقوله: (أية : سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) تفسير : [غافر: 85] المشركين، أي: إنهم كانوا إذا كذّبوا رسلهم أهلكهم، فيؤمنون عند نزول العذاب فلا يقبل ذلك منهم. قال: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً} أي: لا يبدِّل بها غيرها {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً} أي: لا تحول. وأخّر عذاب كفار آخر هذه الأمّة إلى النفخة الأولى بالاستئصال، بها يكون هلاكهم. وقد عذّب أوائل مشركي هذه الأمَّة بالسيف يوم بدر.
اطفيش
تفسير : {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} اي تفنيا او تنتقلا عن موضعهما او كراهة ان تزولا او لئلا تزولا فحذفت اللام ولا وهو ابعد والامساك هو امساك قدرته تعالى عن المماسة والملاصقة او هو منع وعلى كل حال فالممكن الموجود لا بد له من حافظ او ذلك كناية عن عظم كلمة الشرك حتى ان منها انهداد السماوات والارض فلولا ان الله امسكهما لانهدتا ومثله يكاد السماوات والارض يتفطرن منه وتنشق الارض. {ولئن زالتا} قسم متقدم وشرط متأخر فقوله. {إن} أي ما. {أمسكهما من} زايدة مؤكدة. {أحد من بعده} دونه جواب القسم دال على جواب الشرط وقيل كاف عن جواب الشرط وقرىء ولو زالتا ومن الداخلة على بعد وقيل زائدة عند ابن مالك ولو في الاثبات او التعريف او فيهما وللابتداء عند بعض. {إنه كان حليما غفورا} اذ امسكهما مع فعلهم ما يجب به وقوعهما. وعن ابن عباس انه قال لرجل مقبل من الشام من لقيت به قال كعب قال وما سمعته يقول قال سمعته يقول ان السماوات على منكب ملك قال كذب كعب، اما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية. وعن الاعمش عمن حدثه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - انه رأى رجلا عليه اثر السفر فقال له من اين قدمت، فقال من الشام قال لقيت فلانا وفلانا ولقيت كعب الاحبار قال فما حدثك به قال حدثني ان السماوات تدور على فلك فقال عبدالله بن مسعود كذب كعب السماء لا تدور وانما تجري فيها الكواكب فان الله سبحانه وتعالى يقول ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده سبحانه الله كيف يكون كعب كاذبا وامساك الملك السماوات على منكبه امساك لله لهن ودروانهن ليس هو الانتقال الذي ذكر الله فان الموضع الذي تدور فيه كله هو موضع لها والله اعلم وبلغ قريشا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ان أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا لعن الله اليهود والنصارى اتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن اتانا رسول لنكونن اهدى من احدى الامم ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه ونزل في ذلك. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي غاية اجتهادهم فيها. {لئن جاءهم نذير} اي رسول. {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} اليهود والنصارى فالجمع بمعنى التثنية او لان في اليهود والنصارى امما او المراد اليهود والنصارى وغيرهم ومعنى كونهم اهدى من احدى الامم انهم يكونون اهدى من امة ذات هدى وفضل من بين الامم تفضيلا لانفسهم على من هو فاضل فكانه قيل ليكونن اهدى من الامة التي يقال فيها هي احدى الامم تفضيلا لما على غيرها في الهدي والاستقامة او المعنى انهم يكونون اهدى من احدى الامم اليهود والنصارى او وغيرهم لا نستوي معها بل نكون احسن حالا منها في امر الرسول. {فلما جاءهم نذير} واي نذير وهو رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {ما زادهم} أي النذير او مجيئه. {إلا نفورا} تباعدا عن الحق واسناد الزيادة للنذير من الاسناد للسبب فان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجئيه هما السببان في نفورهم وقد كانوا من قبل على شرك ولما جاء ازادوا شركا ولو لم يجىء لم يتصفوا بالنفور وهذا كقوله فزادتهم رجسا الى رجسهم.
اطفيش
تفسير : {إنَّ اللهَ يُمْسك السَّماوات والأرض أن تَزولا} يمنعهما عن أو من أن تزولا، قيل: أو يمسكهما كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، والزوال التلف والفناء، أو الانتقال والمخلوقات، كما احتاجت الى الموجد سبحانه احتاجت بعد إيجاده إياها الى ابقائه إيَّاها، ولو لم يبقها لفنيت، ولم يقتصر على السقوط، وان شاء أبقاها وأسقطها، وليس شركاؤكم ماسكين لهما، ويجوز أن يكون إن تزولا بدل اشتمال، ويمسك يمنع، والسموات غير الأفلاك، وهن والأرض سواكن، والمتحرك النجوم والقمران، وزعم بعض أنهن ثوابت والمتحرك الأرض تميل للمشرق، فيكون الغروب، وتميل للمغرب فيكون الطلوع، وتميل جانبا فتختلف مطالع النجوم، وذلك كذب لا دليل، ويرده تحقيق الاختبار، وقوله تعالى: "أية : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق" تفسير : [البقرة: 258] وظاهر إسناد الطلوع والغروب للشمس حيث ذكر. {ولئن زَالتَا} أشرفتا على التلف أو الانتقال، لكن لا تشرفان عليه كما قرىء: ولو زالت بلو الامتناعية، قيل أو إن زالتا يوم القيامة على أنهما تزولان يومها، ولو كان ذلك مرادا هنا لقيل: إذا زالتا، إلا إن كانت صيغة الشك لشكهم فى قيامها، أو فى طيها {إن أمْسَكهما} ما أمسكهما عن الزوال بعد الاشراف عليه، أو عن الزيادة فى الزوال بعد وقوعه {من} صلة فى الفاعل {أحدٍ من بعدهِ} من هذه للابتداء والهاء لله تعالى أو لإمساكه أو للزوال، أى بعد الاشراف عليه، والجملة جواب القسم لتقدمه قبل الشرط بدليل اللام لا للشرط، وإلا قرن بالفاء ولا جواب لشرط مقدر، بل أغنى عن تقديره جواب القسم، وإذا قلت: قم إن قمت، فليس مرادك قم إن قمت فقم، وإذا لم يكن مرادا لك فكيف يقدر، ولو كانوا شركاء لله لأمسكوهما إذا زالتا. {إنَّه كانَ حليما} على المشركين فلم يعاجلهم بالإهلاك {غَفُوراً} لمن تاب منهم أو من غيرهم، مع عظم المعصية، ولا سيما الاشراك، ولولا حلمه وغفرانه لأسقط السماء، وأخرب الأرض، سمع بعض قريش أن الله أرسل الى اليهود والنصارى رسلا فكذبوهم، فقالوا: لعنكم الله، لو جاءنا رسول لم نكذبه، فجاءهم صلى الله عليه وسلم فكذبوه، فنزل قوله تعالى: {وأقسَمُوا بالله جَهْد أيْمانهم} غاية أيمانهم، وهو مفعول مطلق {لئن جاءهم نذيرٌ} رسول من الله {ليكُونّن أهْدى من إحْدى الأمَم} لا نكذبه كما كذب اليهود والنصارى رسلهم، وجملة لئن جاءهم إلخ جواب اقسموا، والذى قالوا: "لئن جاءنا نذير لنكونّن" ووضع ضميرى الغيبة موضع ضميرى التكلم، وليس احدى العبارتين أولى من الأخرى، وكلتاهما أصل، ولو قال وقالوا لكان الأصل التكلم، فلا تهم، وإحدى عام فى الاثبات على أن إضافته للجنس، فاكتسبت العموم، وكأنه قيل: من واحدات الأمم، أى من الأمم الواحدات، أى الفاضلات، فنكون أمة فاضلة من جملة الأمم الفاضلات، تقول: زيد واحد قومه، أى أفضلهم، وهند إحدى النساء أى فاضلتهن. {فلمَّا جاءهم نذيرٌ} أعظم النذر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعظم الكتب، وزعم مقاتل أنه انشقاق القمر، ولا يقبل {ما زادهم} أى هذا النذير، أى قول هذا النذير {إلا نفوراً} بعدا عنه وعن ما جاء به، وإسناد الزيادة الى النذير من الاسناد الى السبب، فان قوله: إنى رسول الله، وإن الله يأمر بكذا غير مقبول عندهم، بل سبب للنفور.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهوله أي إن الله تعالى يحفظ السماوات والأرض كراهة زوالهما أو لئلا تزولا وتضمحلا فإن الممكن كما يحتاج إلى الواجب سبحانه حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه، وقال الزجاج: {يُمْسِكُ } بمعنى يمنع و {أن تزولا} مفعوله على الحذف والإيصال لأنه يتعدى بمن أي يمنعهما من أن تزولا، وفي «البحر» يجوز أن يكون {أن تزولا} بدل اشتمال من (السماوات والأرض) أي يمنع سبحانه زوال السماوات والأرض، وفسر بعضهم الزوال بالانتقال عن المكان أي إن الله تعالى يمنع السماوات من أن تنتقل عن مكانها فترتفع أو تنخفض ويمنع الأرض أيضاً من أن تنتقل كذلك، وفي أثر أخرجه عبد بن حميد وجماعة عن ابن عباس ما يقتضيه، وقيل: زوالهما دورانهما فهما ساكنتان والدائرة بالنجوم أفلاكها وهي غير السماوات، فقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد عن شقيق قال: قيل لابن مسعود إن كعباً يقول: إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحى في عمود على منكب ملك فقال: كذب كعب إن الله تعالى يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } وكفى بها زوالاً أن تدور، والمنصور عند السلف أن السماوات لا تدور وأنها غير الأفلاك، وكثير من الإسلاميين ذهبوا إلى أنها تدور وأنها ليست غير الأفلاك، وأما الأرض فلا خلاف بين المسلمين في سكونها والفلاسفة مختلفون والمعظم على السكون، ومنهم من ذهب إلى أنها متحركة وأن الطلوع والغروب بحركتها ورد ذلك في موضعه، والأولى في تفسير الآية ما سمعت أولا وكذا كونها مسوقة لما ذكرنا، وقيل إنه تعالى لما بين فساد أمر الشركاء ووقف على الحجة في بطلانها عقب بذلك عظمته عز وجل وقدرته سبحانه ليتبين الشيء بضده وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله عز وجل. {وَلَئِن زَالَتَا } أي إن أشرفتا على الزوال على سبيل الفرض والتقدير، ويؤيده قراءة ابن أبـي عبلة {وَلَوْ زَالَتَا } وقيل إن ذلك إشارة إلى ما يقع يوم القيامة من طي السماوات ونسف الجبال. {إِنْ أَمْسَكَهُمَا } أي ما أمسكهما {مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } أي من بعد إمساكه تعالى أو من بعد الزوال، والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة في «لئن» وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وأمسك بمعنى يمسك كما في قوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلّ ءايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } تفسير : [البقرة: 145] ومن الأول مزيدة لتأكيد العموم والثانية للابتداء. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فلذا حلم على المشركين وغفر لمن تاب منهم مع عظم جرمهم المقتضي لتعجيل العقوبة وعدم إمساك السماوات والأرض وتخريب العالم الذي هم فيه فلا يتوهم أن / المقام يقتضي ذكر القدرة لا الحلم والمغفرة.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من نفي أن يكون لشركائهم خلق أو شركة تصرف في الكائنات التي في السماء والأرض إلى إثبات أنه تعالى هو القيّوم على السماوات والأرض لتبقَيَا موجودتَيْن فهو الحافظ بقدرته نظام بقائهما. وهذا الإِمساك هو الذي يعبر عنه في علم الهيئة بنظام الجاذبية بحيث لا يعْتريه خلل. وعبر عن ذلك الحفظ بالإِمساك على طريقة التمثيل. وحقيقة الإِمساك: القبض باليد على الشيء بحيث لا ينفلت ولا يتفرق، فمُثل حال حفظ نظام السماوات والأرض بحال استقرار الشيء الذي يُمسكه الممسك بيده، ولمّا كان في الإِمساك معنى المنع عُدّي إلى الزوال بــــ{مِن}، وحذفت كما هو شأن حروف الجر مع {أنْ} و{أنَّ} في الغالب، وأكد هذا الخبر بحرف التوكيد لتحقيق معناه وأنه لا تسامح فيه ولا مبالغة، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ويمسك السماء } تفسير : في سورة الحج (65). ثم أشير إلى أن شأن الممكنات المصير إلى الزوال والتحول ولو بعد أدهار فعطف عليه قوله: {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده}، فالزوال المفروض أيضاً مراد به اختلال نظامهما الذي يؤدي إلى تطاحنهما. والزوال يطلق على العدم، ويطلق على التحول من مكان إلى مكان، ومنه زوال الشمس عن كبد السماء، وتقدم آخِرَ سورة إبراهيم. وقد اختير هذا الفعل دون غيره لأن المقصود معناه المشترك فإن الله يُمسكهما من أن يُعْدما، ويمسكهما من أن يتحول نظام حركتهما، كما قال تعالى: { أية : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } تفسير : [يس: 40]. فالله مريد استمرار انتظام حركة الكواكب والأرض على هذا النظام المشاهد المسمى بالنظام الشمسي وكذلك نظام الكواكب الأخرى الخارجة عنه إلى فلك الثوابت، أي إذا أراد الله انقراض تلك العوالم أو بعضِها قيّض فيها طوارىء الخلل والفساد والخَرْق بعد الالتئام والفتق بعد الرتق، فتفككت وانتشرت إلى ما لا يَعلم مصيره إلا الله تعالى وحينئذٍ لا يستطيع غيره مدافعة ذلك ولا إرجاعها إلى نظامها السابق فربما اضمحلت أو اضمحل بعضها، وربما أخذت مسالك جديدة من البقاء. وفي هذا إيقاظ للبصائر لتَعلم ذلك علماً إجمالياً وتتدبر في انتساق هذا النظام البديع. فاللام موطئة للقسم. والشرط وجوابه مقسم عليه، أي محقق تعليق الجواب بالشرط ووقوعه عنده، وجواب الشرط هو الجملة المنفية بــــ{إن} النافية وهي أيضاً سادّة مسدّ جواب القسم. وإذ قد تحقق بالجملة السابقة أن الله ممسكهما عن الزوال علم أن زوالهما المفروض لا يكون إلا بإرادة الله تعالى زوالهما وإلا لبطل أنه ممسكهما من الزوال. وأسند فعل {زالتا} إلى {السماوات والأرض} على تأويل السماوات بسماء واحدة. وأسند الزوال إليهما للعلم بأن الله هو الذي يزيلهما لقوله: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا}. وجيء في نفي إمساك أحد بحرف {مِن} المؤكدة للنفي تنصيصاً على عموم النكرة في سياق النفي، أي لا يستطيع أحد كائناً من كان إمساكهما وإرجاعهما. و«من بعد» صفة {أحد} و{من} ابتدائية، أي أحد ناشىء أو كائن من زمان بعده، لأن حقيقة (بعدٍ) تأخر زمان أحد عن زمن غيره المضافِ إليه (بعد) وهو هنا مجاز عن المغايرة بطريق المجاز المرسل لأن بعدية الزمان المضاف تقتضي مغايرة صاحب تلك البعدية، كقوله تعالى: { أية : فمن يهديه من بعد اللَّه } تفسير : [الجاثية: 23]، أي غير الله فالضمير المضاف إليه (بعد) عائد إلى الله تعالى. وهذا نظير استعمال (وراءٍ) بمعنى (دون) أو بمعنى (غير) أيضاً في قول النابغة: شعر : وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب تفسير : وفي ذكر إمساك السماوات عن الزوال بعد الإِطناب في محاجة المشركين وتفظيع غرورهم تعريض بأن ما يدْعون إليه من الفظاعة من شأنه أن يزلزل الأرضين ويسقط السماء كسفاً لولا أن الله أراد بقاءهما لحكمة، كما في قوله تعالى: { أية : لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً } تفسير : [مريم: 89، 90]. وهذه دلالة من مستتبعات التراكيب باعتبار مثار مقامات التكلم بها، وهو أيضاً تعريض بالتهديد. ولذلك أتبع بالتذييل بوصف الله تعالى بالحلم والمغفرة لما يشمله صفة الحليم من حلمه على المؤمنين أن لا يزعجهم بفجائع عظيمة، وعلى المشركين بتأخير مؤاخذتهم فإن التأخير من أثر الحلم، وما تقتضيه صفة الغفور من أن في الإِمهال إعذاراً للظالمين لعلهم يرجعون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : «لعل الله أن يُخرج من أصلابهم مَن يعبده» لما رأى مَلَك الجبال فقال له: «إن شئتَ أن أطبق عليهم الأَخشَبين» تفسير : . وفعل {كان} المخبر به عن ضمير الجلالة مفيد لتقرر الاتصاف بالصفتين الحسنيين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 41- إن الله هو الذى يمنع اختلال نظام السموات والأرض، ويحفظهما بقدرته من الزوال، ولئن قدِّر لهما الزوال ما استطاع أحد أن يحفظهما بعد الله. إنه كان حليماً لا يُعجل بعقوبة المخالفين غفوراً لذنوب الراجعين إليه. 42- وأقسم الكافرون بالله غاية اجتهادهم فى تأكيد يمينهم: لئن جاءهم رسول ينذرهم ليكونن أكثر هداية من إحدى الأمم التى كذبت رسلها، فلما جاءهم رسول منهم ينذرهم ما زادهم بإنذاره ونصحه إلا نفوراً عن الحق. 43- نفروا استكباراً فى الأرض وأنفة من الخضوع للرسول والدين الذى جاء به، ومكروا مكر السيئ - وهو الشيطان الذى قادهم إلى الانصراف عن الدين ومحاربة الرسول - ولا يحيط ضرر المكر السيئ إلا بمن دبروه، فهل ينتظرون إلا ما جرت به سنة الله فى الذين سبقوهم؟ فلن تجد لطريقة الله فى معاملة الأمم تغييراً يُطمِّع هؤلاء الماكرين فى وضع لم يكن لمن سبقوهم، ولن تجد لسنة الله تحويلا عن اتجاهها. 44- اقعدوا وأنكروا وعيد الله للمشركين، ولم يسيروا فى الأرض فينظروا بأعينهم آثار الهلاك الذى أنزل على من قبلهم عقاباً لتكذيبهم الرسل؟! وكان من قبلهم من الأمم أشد منهم قوة، فلم تمنعهم قوتهم من عذاب الله، وما كان ليعجزه من شئ فى السموات ولا فى الأرض. إنه واسع العلم عظيم القدر.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {وَلَئِن} (41) - إِنَّ اللهَ تَعَالى بِقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ جَعَلَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ مُسْتَقِرَّةً، تَسيرُ فِي أَفْلاَكِها بِانْتِظَامٍ وَهُدوءٍ، وَقُدْرَتُهُ تَعَالى هِيَ التِي تَمنَعُها مِنَ الاضْطِرَابِ وَالخُرُوجِ عَنْ مَسَارَاتِها، والانفلاتِ في الفَضَاءِ عَلَى غَيرِ هُدًى. وَإِذا أَشْرَفَتْ عَلَى الزَّوَالِ، مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ أَنْ يُمْسِكَها، وَهُوَ تَعَالَى مَعَ عَظيمِ قُدْرَتِهِ، وَوَاسِعِ سُلْطَانِهِ، حَلِيمٌ غَفُورٌ، يَرَى عِبَادَهُ يَعْصُونَهُ، وَيَكْفُرُونَ بِهِ، فَيَحْلُمُ عَلَيهِمْ، وَيُؤَخِّرُ عِقَابَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ إِليهِ فَيَغْفِرَ لَهُمْ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نَعَم، الله وحده هو الذي يُمسك السماوات أنْ تقع على الأرض ويمسك السماوات والأرض أن تزولا يعني: تتحرك من أماكنها، وتسقط وتتهدم، ولو تركها الخالق سبحانه ما استطاع أحد أنْ يُمسكها {مِّن بَعْدِهِ} [فاطر: 41] أي: سِوَاه، وهذه المسألة لله وحده، ليس له فيها شريك ولا معارض، وهي من صميم {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]. والحق سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، لأنه سبحانه خلق السماوات بغير عَمَد، وبغير دعائم تحملها {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [لقمان: 10]. وأرني غير الله يستطيع أنْ يرفع هذه القبة الزرقاء هكذا بغير عَمَد، إن قصارى ما وصل إليه التقدم البشري بناء كوبرى مثلاً يمتد لعدة مترات بدون دعائم في وسطه، مع أنهم يستعيضون عن ذلك بدعائم أقوى في أطرافه، بحيث تحمل الوسط وتشده ويسمونها الكباري المعلَّقة، فأين هذا من رفع السماء؟ والسماء كما قلنا: هي كلُّ ما علاك، فالله يمسك السماء بما فيها من نجوم وأقمار وكواكب ومجرات، ويمسك الأرض أنْ تميد بأهلها، وأن تضطرب بهم. ولما تكلم العلماء في هذه المسألة قالوا: إنها الجاذبية التي تمسك الأشياء، لكن إنْ كانت الجاذبية للأرض، فلماذا لم تجذب النجوم مثلاً، وهي بين السماء والأرض؟ إذن: المسألة قدرة إلهية، ونظام للكون مُحكم، يجعل لكل مخلوق في السماوات والأرض ما يحفظ توازنه ويمسكه أنْ يقع. و (إنْ) في قوله تعالى: {وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا} [فاطر: 41] يعني ما يمسكهما، فهي بمعنى أداة النفي، كما في قوله تعالى: {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2]. وتُختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [فاطر: 41] ولك أنْ تسأل: ما علاقة هاتين الصفتين لله تعالى الحليم والغفور بمسألة إمساك السماوات والأرض، وهي مسألة كونية؟ قالوا: لأن هذه المسألة يكثر حولها الجدال، وكثيراً ما يتعدى الإنسانُ حددوه فيها، فيسأل عمّا لا ينبغي له الخوض فيه، وعن كيفية إمساك السماوات والأرض، وهو يمشي في أنحاء الأرض، ويركب الطائرة في جَوِّ السماء، فلا يرى شيئاً، ولا يرى أعمدة. وهذه مسألة لا دخلَ لنا فيها، ويكفي أن الخالق عز وجل أخبرنا عنها بقوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [لقمان: 10] أي: لا يوجد لها عُمد بالفعل، أو لها عمد، لكن لا ترونها ويصح المعنيان، وعلينا أن نقف عند هذا الحدِّ. فالحق سبحانه حليم لا يعاقب المتجرئين عليه، الخائضين في حقه، بل إن المنكرين لوجوده سبحانه لا يعاجلهم بالعقوبة، ولولا حِلْمه تعالى كان (دربكها) على رؤوسهم. وقد ورد في الحديث القدسي: "حديث : قالت الأرض: يا رب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، فقد طَعم خيرك ومنع شكرك، وقالت السماء: يا رب ائذن لي أنْ أسقط كِسفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أنْ أسقط على ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أنْ أُغرِق ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم.. ". تفسير : إذن: لولا حِلْم الله علينا ومغفرته لذنوبنا ما أمسك السماوات والأرض، ولتهدَّمَ هذا الكون على مَنْ فيه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام رحمته، وسعة حلمه ومغفرته، وأنه تعالى يمسك السماوات والأرض عن الزوال، فإنهما لو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق، ولعجزت قدرهم وقواهم عنهما. ولكنه تعالى، قضى أن يكونا كما وجدا، ليحصل للخلق القرار، والنفع، والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه وقوة قدرته، ما به تمتلئ قلوبهم له إجلالا وتعظيما، ومحبة وتكريما، وليعلموا كمال حلمه ومغفرته، بإمهال المذنبين، وعدم معالجته للعاصين، مع أنه لو أمر السماء لحصبتهم، ولو أذن للأرض لابتلعتهم، ولكن وسعتهم مغفرته، وحلمه، وكرمه { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):