Verse. 3702 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَاَقْسَمُوْا بِاللہِ جَہْدَ اَيْمَانِہِمْ لَىِٕنْ جَاۗءَہُمْ نَذِيْرٌ لَّيَكُوْنُنَّ اَہْدٰى مِنْ اِحْدَى الْاُمَمِ۝۰ۚ فَلَمَّا جَاۗءَہُمْ نَذِيْرٌ مَّا زَادَہُمْ اِلَّا نُفُوْرَۨا۝۴۲ۙ
Waaqsamoo biAllahi jahda aymanihim lain jaahum natheerun layakoonunna ahda min ihda alomami falamma jaahum natheerun ma zadahum illa nufooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأقسموا» أي كفار مكة «بالله جهد أيمانهم» غاية اجتهادهم فيها «لئن جاءهم نذير» رسول «ليكوننَّ أهدى من إحدى الأمم» اليهود والنصارى وغيرهم، أي أيَّ واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا، إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، «فلما جاءهم نذير» محمد صلى الله عليه وسلم «ما زادهم» مجيئه «إلا نفورا» تباعدا عن الهدى.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه حيث إنهم كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلاً وقالوا: إنما نكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكونه كاذباً، ولو تبين لنا كونه رسولاً لآمنا كما قال تعالى عنهم: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } تفسير : [الأنعام:109] وهذا مبالغة منهم في التكذيب، كما أن من ينكر دين إنسان قد يقول والله لو علمت أن له شيئاً علي لقضيته وزدت له، إظهاراً لكونه مطالباً بالباطل، فكذلك ههنا عاندوا وقالوا والله لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم فلما جاءهم نذير أي محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم أي صح مجيؤه لهم بالبينة ما زادهم إلا نفوراً، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا كافرين بالله ورسوله ولأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا، بعد الرسالة وقال بعض المفسرين: إن أهل مكة كانوا يلعنون اليهود والنصارى على أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم وقالو لو جاءنا رسول لأطعناه واتبعناه، وهذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر مطلقاً، فكيف كانوا يعترفون بالرسل، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وما جاءهم كتاب ولولا كتاب الله وبيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئاً وكذبوا في شيء؟ بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره وإنما ننكر كون محمد رسولاً من حيث إنه كاذب ولو صح كونه رسولاً لآمنا وقوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ } أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة، وفي قوله: {أَهْدَىٰ } وجهان أحدهما: أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه وعلى هذا فقوله: {مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } أي صاروا أضل مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى وثانيهما: أن يكون المراد أن نكون أهدى من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو، وفي الأمم وجهان أحدهما: أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم وفيه تعريض وثانيهما: أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ومن كان في زمانهم. ثم قال تعالى: {ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ } ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون حالاً أي مستكبرين في الأرض وثانيها: أن يكون مفعولاً له أي للاستكبار وثالثها: أن يكون بدلاً عن النفور وقوله: {وَمَكْرَ السَّيِّىء } إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكراً سيئاً ثم عرف لظهور مكرهم، ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيء لكون السوء فيه أبين الأمور، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [فاطر: 10] أي يعملون السيئات، ومكرهم السيء، وهو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول في الإيمان وإظهار الإنكار، ثم قال: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } أي لا يحيط إلا بفاعله وفي قوله: {وَلاَ يَحِيقُ } وقوله: {إِلاَّ بِأَهْلِهِ } فوائد، أما في قوله: {يَحِيقُ } فهي أنها تنبـىء عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق وفيه من التحذير ما ليس في قوله ولا يلحق أو ولا يصل، وأما في قوله: {بِأَهْلِهِ } ففيه ما ليس في قول القائل ولا يحيق المكر السيء إلا بالماكر، كي لا يأمن المسيء فإن من أساء ومكره سيء آخر قد يلحقه جزاء على سيئه، وأما إذا لم يكن سيئاً فلا يكون أهلاً فيأمن المكر السيء، وأما في النفي والإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السيء يحيق بأهله، فلا ينبـىء عن عدم الحيق بغير أهله، فإن قال قائل: كثيراً ما نرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك، فنقول الجواب عنه من وجوه أحدها: أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبـي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر وغيره وثانيها: هو أن نقول المكر السيء عام وهو الأصح فإن النبـي عليه السلام نهى عن المكر وأخبر عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله» تفسير : وعلى هذا فذلك الرجل الممكور به (لا) يكون أهلاً فلا يرد نقضاً وثالثها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا، ويبين هذا المعنى قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ } يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها، فيهلكون كما هلك الأولون. وقوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ } أي ليس لهم بعد هذا إلا انتظار الإهلاك وهو سنة الأولين وفيه مسائل: المسألة الأولى: الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله بالأولين، فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف إلى الفاعل والمفعول لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد عمراً عجبت من ضرب عمرو كيف ضرب مع ماله من العزم والقوة وعجبت من ضرب زيد كيف ضرب مع ماله من العلم والحكمة فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها سنة سنت بهم وأضافها إلى نفسه بعدها بقوله: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } لأنها سنة من سنن الله، إذا علمت هذا فنقول أضافها في الأول إليهم حيث قال: {سنة الأَولين } لأن سنة الله الإهلاك بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيهما فإذا قال سنة الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله، لأنها لما علمت فالإضافة إلى الله تعظمها وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع وثانيهما: أن المراد من سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم عن الإقرار، وسنة الله استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين والله يأتي بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها. المسألة الثانية: التبديل تحويل فما الحكمة في التكرار؟ نقول بقوله: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، وبقوله: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً } حصل العلم بأن العذاب مع أنه لا تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسيء. المسألة الثالثة: المخاطب بقوله: {فَلَن تَجِدَ } يحتمل وجهين وقد تقدم مراراً أحدهما: أن يكون عاماً كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة الله تبديلاً والثاني: أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فكأنه قال: سنة الله أنه لا يهلك ما بقي في القوم من كتب الله إيمانه، فإذا آمن من في علم الله أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح: {أية : إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ } تفسير : [نوح:27] أي تمهل الأمر وجاء وقت سنتك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، فلَعنوا مَن كذّب نبيَّه منهم، وأقسموا بالله جلّ اسمه {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي نبيّ {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} يعني ممن كذّب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنَّوْه وهو النذير من أنفسهم، نفروا عنه ولم يؤمنوا به. {ٱسْتِكْبَاراً} أي عُتُوًّا عن الإيمان {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} أي مكر العمل السيىء وهو الكفر وخَدْع الضعفاء، وصدّهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. وأنّث «مِن إِحدى الأمم» لتأنيث أُمّة؛ قاله الأخفش. وقرأ حمزة والأخفش «ومكر السَّيِّىء وَلا يَحِيق الْمَكْرُ السَّيِّىءُ» فحذف الإعراب من الأوّل وأثبته في الثاني. قال الزجاج: وهو لحن؛ وإنما صار لحناً لأنه حذف الإعراب منه. وزعم المبرِّد أنه لا يجوز في كلام ولا في شعر؛ لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها، لأنها دخلت للفرق بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من أدّى عنه، قال: والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق، والحركة في الثاني أثقل منها في الأوّل لأنها ضمة بين كسرتين. وقد احتج بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره:شعر : إذا اعـوجـجـن قـلـتُ صاحِـبْ قَـوِّمِ تفسير : وقال الآخر:شعر : فاليوم أشْرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ إثماً مِن الله ولا واغلِ تفسير : وهذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين، والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به على وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه. وزعم الزجاج أن أبا العباس أنشده:شعر : إذا اعـوجـجـن قـلـت صـاح قـوّم تفسير : وأنه أنشد:شعر : فـالـيـوم اشـرب غيـر مستـحقِـبٍ تفسير : بوصل الألف على الأمر؛ ذكر جميعه النحاس. الزمخشريّ: وقرأ حمزة «ومكر السَّيّىءْ» بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات، ولعله اختلس فظن سكوناً، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ «ولا يحِيق». وقرأ ابن مسعود «ومَكْراً سيئاً». وقال المهدويّ: ومن سكّن الهمزة من قوله: {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} فهو على تقدير الوقف عليه، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، أو على أنه أسكن الهمزة لتوالي الكسرات والياءات، كما قال:شعر : فـالـيـوم اشـرب غيـر مستـحقـب تفسير : قال القشيريّ: وقرأ حمزة «ومكر السيىءْ» بسكون الهمزة، وخطّأه أقوام. وقال قوم: لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام، فغلط الراوي وروي ذلك عنه في الإدراج، وقد سبق الكلام في أمثال هذا، وقلنا: ما ثبت بالاستفاضة أو التواتر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأه فلا بدّ من جوازه، ولا يجوز أن يقال: إنه لحن، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره أفصح منه، وإن كان هو فصيحاً. {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي لا ينزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك. وقيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. وقال الشاعر:شعر : وقد دفعوا المنية فاستقلت ذراعاً بعد ما كانت تحيق تفسير : أي تنزل، وهذا قول قُطْرُب. وقال الكلبيّ: «يَحِيق» بمعنى يُحيط. والحَوْق الإحاطة، يقال: حاق به كذا أي أحاط به. وعن ابن عباس أن كعباً قال له: إني أجد في التوارة «من حفَر لأخيه حُفرةً وقع فيها؟» فقال ابن عباس: فإني أوجِدُك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ «ولا يَحِيق المكر السيىء إلا بِأهلِهِ». وفي أمثال العرب «من حفَر لأخيه جُبًّا وَقع فيه مُنْكَبّاً» وروى الزُّهريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تَمكر ولا تُعِن ماكراً»تفسير : فإن الله تعالى يقول: {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}، ولا تَبْغِ ولا تُعنْ باغياً فإن الله تعالى يقول؛ «أية : فَمن نَكَث فإنما يَنْكُثُ على نفسِهِ» تفسير : [الفتح:10] وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [يونس:23] وقال بعض الحكماء:شعر : يأيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى تُحصي المصائب وَتنسى النِّعم تفسير : وفي الحديث: «حديث : المكر والخديعة في النار»تفسير : . فقوله: «في النار» يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار؛ لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث: «حديث : وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة»تفسير : . وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة. قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ} أي إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} أي أجرى الله العذاب على الكفار، ويجعل ذلك سُنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك، ولا أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره. والسُّنّة الطريقة، والجمع سُنَن. وقد مضى في «آل عمران» وأضافها إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا}تفسير : [الإسراء: 77] فأضاف إلى القوم لتعلّق الأمر بالجانبين؛ وهو كالأجل، تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم؛ قال الله تعالى: {أية : فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} تفسير : [العنكبوت: 5] وقال: «فإذا جاء أجلهم».

البيضاوي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ}. وذلك أن قريشاً لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكونن {أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأمَمِ}، أي من واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم، أو من الأمة التي يقال فيها هي {إِحْدَى ٱلأمَمِ} تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ} يعني محمداً عليه الصلاة والسلام. {مَّا زَادَهُمْ} أي النذير أو مجيئه على التسبب. {إِلاَّ نُفُورًا} تباعداً عن الحق. {ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ} بدل من نفوراً أو مفعول له. {وَمَكْرَ ٱلسَّيّىء} أصله وإن مكروا المكر السيء فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف. وقرأ حمزة وحده بسكون الهمزة في الوصل. {وَلاَ يَحِيقُ} ولا يحيط. {ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وهو الماكر وقد حاق بهم يوم بدر، وقرىء {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ} أي ولا يحيق الله. {فَهَلْ يَنظُرُونَ } ينتظرون. {إِلا سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم. {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً } إذ لا يبدلها بجعله غير التعذيب تعذيباً ولا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم، وقوله: {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} استشهاد علم بما يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين. {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْءٍ} ليسبقه ويفوته. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً} بالأشياء كلها. {قَدِيراً} عليها. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } من المعاصي. {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } ظهر الأرض {مِن دَابَّةٍ} من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم، وقيل المراد بالدابة الإِنس وحده لقوله: {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} هو يوم القيامة. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} فيجازيهم على أعمالهم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن أدخل من أي باب شئت».

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن قريش والعرب: أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ}، أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل، قاله الضحاك وغيره؛ كقوله تعالى: {أية : أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} تفسير : [الأنعام: 156 ــــ 157] وكقوله تعالى: {أية : وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 167 ــــ 170] قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين، {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي: ما ازدادوا إلا كفراً إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: {ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ} أي: استكبروا عن اتباع آيات الله، {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} أي: ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم. قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياك ومكر السيىء، فإنه لايحيق المكر السيىء إلا بأهله، ولهم من الله طالب» تفسير : وقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن، لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ} {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [يونس: 23] {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [الفتح: 10] وقوله عز وجل: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} يعني: عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي: لاتغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} أي: {أية : وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} تفسير : [الرعد: 11] ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ } أي كفار مكة {بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } غاية اجتهادهم فيها {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ } رسول {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } اليهود والنصارى وغيرهما، أي: أيّ واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضهما بعضاً، إذ { أية : وَقَاَلتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ } تفسير : [113:2] {فَلَمَّا جآءَهُمْ نَذِيرٌ } محمد صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ } مجيئه {إِلاَّ نُفُورًا } تباعداً عن الهدى.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله تعلى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وحلفوا بالله جل اسمه يميناً. {لَئِن جَآءَهُم نَذِيرٌ} أي نبي. {لَّيَكُوننَّ أَهْدَى مِنْ إحْدَى الأُمَمْ} يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {مَّا زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً} فيه وجهان: أحدهما: نفوراً عن الرسول. الثاني: نفوراً عن الحق. قوله عز وجل: {اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: استكباراً عن عبادة الله، قاله يحيى بن سلام. الثاني: استكباراً بمعاصي الله، وهذا قول متأخر. {وَمَكْرَ السَّيِّىءِ} فيه وجهان: أحدهما: الشرك بالله، قاله يحيى. الثاني: أنه المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه كما قال تعالى: {أية : وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30] الآية. {وَلاَ يَحِيقُ الْمُكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ} فيه وجهان: أحدهما: قاله الكلبي، يحيق بمعنى يحيط. الثاني: قاله قطرب، يحيق بمعنى ينزل، وأنشد قول الشاعر: شعر : وقد دفعوا المنية فاستقلت ذراعاً بعدما كادت تحيقُ تفسير : قال فعاد ذلك عليهم بقتلهم يوم بدر. {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ} يعني سنة الله في الأولين، وفيها وجهان: أحدهما: نزول العذاب بهم عند إصرارهم في التكذيب. الثاني: لا تقبل منهم التوبة عند نزول العذاب.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {أقسموا} لكفار قريش، وذلك أنه روي أن كفار قريش كانت قبل الإسلام تأخذ على اليهود والنصارى في تكذيب بعضهم بعضاً وتقول لو جاءنا نحن رسول لكنا أهدى من هؤلاء وهؤلاء، و {جهد أيمانهم} منصوب على المصدر، أي بغاية اجتهادهم، و {إحدى الأمم} يريد اليهود والنصارى، و"النفور" البعد عن الشيء والفزع منه والاستبشاع له، و {استكباراً} قيل فيه بدل من النفور، وقيل مفعول من أجله، أي نفروا من أجل الاستكبار، وأضاف "المكر" إلى {السَّيِّىء} وهو صفة كما قيل دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي، وقرأ الجمهور بكسر الهمزة من "السَّيِّىء" وقرأ حمزة وحده "السَّيِّىء" بسكون الهمزة وهو في الثانية برفع الهمزة كالجماعة، ولحن هذه القراءة الزجاج ووجهها أبو علي الفارسي بوجوه منها أن يكون أسكن لتوالي الحركات كما قال: "قلت صاحب قوم" على أن المبرد روى هذا قلت صاح، وكما قال امرؤ القيس: [السريع] شعر : اليوم أشربْ غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : على أن المبرد قد رواه فاشرب وكما قال جرير: [البسيط] شعر : سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى ولن تعرفْكم العَرب تفسير : وقرأ ابن مسعود "ومكراً سيئاً"، قال أبو الفتح: يعضده تنكير ما قبله من قوله {استكباراً}، و {يحيق} معناه يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل إلا في المكروه، وقوله {إلا بأهله}، أي أنه لا بد أن يحيق بهم إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة فعاقبته الفاسدة لهم، وإن حاق في الدنيا بغيرهم أحياناً فعاقبة ذلك على أهله، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، فقال ابن عباس: أنا أوجدك هذا في كتاب الله تعالى: {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله}، و {ينظرون} معناه ينتظرون، و"السنة" الطريقة والعادة، وقوله {فلن تجد لسنة الله تبديلاً} أي لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا توعد بين.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} يعني: قريشاً {لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} وذلك أَنه رُوِي: أن كُفَّارَ قريش كانت قبل الإسلام تنكر على اليهود والنصارى، وتَأْخُذُ عليهم في تكذيب بعضهم بعضاً وتقول: لو جاءنا نحنُ رَسُوْلٌ لكنا أَهدىٰ من هؤلاءِ، و{إِحْدَى ٱلأُمَمِ}: يُريدونَ: اليهود والنصارى، {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ} وهو: محمدٌ صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} وقرأ ابن مسعود: و«مَكْرًا سَيِّئاً»، و {يَحِيقُ}: معناه: يحيط ويحل وينزل ولا يستعملُ إلا في المكروه و {يَنظُرُونَ} معناهُ: ينتظرون والسنة: الطريقةُ والعادَةُ. وقوله: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي: لتعذيبه الكفرة المكذبين وفي هذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} لمَّا توعدهم سبحانه بسنةِ الأولين وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره؛ كديارِ ثمودَ ونحوِها، و«يعجُزه»: معناه: يفوته ويفلته. وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} الآية: قوله: {مِن دَابَّةٍ}: مبالغة، والمراد: بنو آدم؛ لأنهم المُجَاوَزْنَ، وقيل: المراد الإنس والجن، وقيل: المُرادُ: كُل ما دبَّ من الحيوانِ وأكثرُهُ إنما هو لِمَنْفَعَةِ ابن آدَم، وبسببه، والضمير في: {ظَهْرِهَا} عائدٌ على الأرض والأجل المسمى القيامة. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}: وعيدٌ, وفيه للمتقين وعدٌ, وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً والحمد للَّه على ما أنعم به.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فقالوا: إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئاً من السماوات ولا من الأرض ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا الله، وإنما نعبدهم لقربونا إلى الله زلفى، كما كان يفعل آباؤنا، ولولا أنه لهم على ذلك دليلاً ما فعلوه، عطف عليه قوله مبيناً ضلالهم في تكذيبهم الرسل بعد ما ظهر من ضلالهم في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلاً على حلمه مع علمه: {وأقسموا} أي كفار مكة {بالله} أي الذي لا عظيم غيره {جهد أيمانهم} أي بغاية ما يقدرون عليه من الأيمان، قال البغوي: لما بلغهم - يعني كفار مكة - أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى! أتتهم رسلهم فكذبوهم، لو أتانا رسول لنكونن أهدى ديناً منهم. ولما أخبر عن قسمهم، حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله: {لئن جاءهم} وعبر بالسبب الأعظم للرسالة فقال: {نذير} أي من عند الله {ليكونن} أي الكفار {أهدى} أي أعظم في الهدى {من إحدى} أي واحدة من {الأمم} أي السالفة أو من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر أهدى منها، قال أبو حيان: كما قالوا هو أحد الأحدين، وهي إحدى الأحد، يريدون التفضيل في الدهاء والعقل. لأنهم أحد أذهاناً وأقوم لساناً وأعظم عقولاً، وألزم لما يدعو إليه العقل، وأطلب لما يشهد بالفضل، وأكدوا بالقسم لأن الناظر لتكذيب أهل العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق قياساً أخروياً، ودل على إسراعهم في الكذب بالفاء فقال: {فلما جاءهم نذير} أي على ما شرطوا وزيادة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفساً وأشرفهم نسباً وأكرمهم في كل خلق أماً وأباً، وأمتنهم في كل مأثرة سبباً {ما زادهم} أي مجيئه شيئاً مما هم عليه من الأحوال {إلا نفوراً *} أي لأنه كان سبباً في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة, فأعرقت في الضلال فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق. ولما كانوا قد جبلوا على الضلال، وكان النفور قد يكون لأمر محمود أو مباح، علله بقوله: {استكباراً} أي طلباً لإيجاد الكبر لأنفسهم {في الأرض} أي التي من شأنها السفول والتواضع والخمول {ومكر السيىء} أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم لإيهان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء نور الله، وقراءة عبد الله {ومكراً سيئاً} يدل على أنه من إضافة الشيء إلى صفته، وقراءة حمزة بإسكان الهمزة بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر وإتقانه وإخفائه جهدهم {ولا} أي والحال أنه لا {يحيق} أي يحيط إحاطة لازمة ضارة {المكر السيىء} أي الذي هو عريق في السوء {إلا بأهله} وإن آذى غير أهله، لكنه لا يحيط بذلك الغير، وعن الزهري أنه قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول هذه الآية، ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً يقول الله {إنما بغيكم على أنفسكم} ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثاً قال الله: {ومن نكث فإنما ينكث على نفسه} . تفسير : ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها، قال مسبباً عن ذلك: {فهل ينظرون} أي ينتظرون، ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر المتكبر، ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة، لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه وشدة استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ولا آت لأن غيره بالنسبة إليه عدم. ولما جعل استقبالهم لذلك انتظاراً منهم له، وكان الاستفهام إنكاريا، فكان بمعنى النفي قال: {إلا سنت الأولين} أي طريقتهم في سرعة أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم. ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس، عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق، تنبيهاً على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه غيره، فسبب عن حصر النظر أو الانتظار في ذلك قوله، مؤكداً لأجل اعتقاد الكفرة الجازم بأنهم لا يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم: {فلن تجد} أي أصلاً في وقت من الأوقات {لسنت الله} أي طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها، وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين {تبديلاً} أي من أحد يأتي بسنة أخرى غيرها تكون بدلاً لها لأنه لا مكافئ له {ولن تجد لسنت الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {تحويلاً *} أي من حالة إلى أخفى منها لأنه لا مرد لقضائه، لأنه لا كفوء له، وفي الآية أن أكثر حديث النفس الكذب، فلا ينبغي لأحد أن يظن بنفسه خيراً ولا أن يقضي على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة تبرؤاً من الحول والقوة لعل الله يسلمه في عاقبته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هلال أنه بلغه أن قريشاً كانت تقول‏:‏ إن الله بعث منا نبياً ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكاً بكتابها منا‏.‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏لو أن عندنا ذكراً من الأولين‏} ‏تفسير : [‏الصافات: 168‏]‏ ‏{أية : ‏لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأنعام: 157‏]‏ ‏ {‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم‏} ‏ وكانت اليهود تستفتح به على الأنصار فيقولون‏:‏ إنا نجد نبياً يخرج‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏فلما جاءهم نذير‏}‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ما زادهم إلا نفوراً، استكباراً في الأرض ومكر السيء‏}‏ وهو الشرك ‏ {‏ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله‏}‏ أي الشرك ‏ {‏فهل ينظرون إلا سنة الأولين‏} ‏ قال‏:‏ عقوبة الأولين‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏} ‏ قال‏:‏ قريش ‏ {‏ليكونن أهدى من إحدى الأمم‏} قال‏:‏ أهل الكتاب‏.‏ وفي قوله تعالى ‏{‏ومكر السيء‏} ‏ قال‏:‏ الشرك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال‏:‏ ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به:‏ من مكر، أو بغي، أو نكث‏.‏ ثم قرأ ‏{‏ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله‏} ‏ ‏{‏أية : يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏تفسير : ‏[‏يونس: 23‏]‏، ‏{أية : ‏فمن نكث فإنما ينكث على نفسه‏}‏ تفسير : ‏[‏الفتح: 10‏]‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‏حديث : إياكم والمكر السيء فإنه ‏{‏لا يحيق المكر السيء إلا بأهله‏}‏ ولهم من الله طالب‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏ {‏فهل ينظرون إلا سنة الأولين‏} قال‏:‏ هل ينظرون إلا أن يصيبهم من العذاب مثل ما أصاب الأولين من العذاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏وما كان الله ليعجزه‏} ‏ قال‏:‏ لن يفوته‏.‏ قوله تعالى {‏ولو يؤاخذ الله الناس‏}‏ ‏. وأخرج الفريابي وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال‏:‏ ان كان الجعل ليعذب في جحره من ذنب ابن آدم، ثم قرأ ‏{‏ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة‏} ‏ والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}. ليس لقولهم تحقيق، ولا لِعَهدْهِم وضمانهم توثيق، وما يَعِدُون من أَنفسهم فصريحُ زُورٍ، وما يُوهِمُون مِنْ وفائهم فَصِرْفُ تغريرٍ.. وكذلك المريدُ في أوان نشاطه تـُمَنِّيه نَفْسُه فتظاهر أمام مَنْ تقدِّمه حالاً بأنه عاهد الله، وأنه أَكَّدَ عقده مع الله.. فإذا عَضَّتْه شهوتـُه، وأراد الشيطانُ أن يكذبه صَرَعَه بكيده، وأركسه في هوة غَيِّة، ومُنْيَةِ نَفْسِه؛ فيسودُّ وَجْهُه، وتذهب عند اللَّهِ وجاهتُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {واقسموا بالله} اقسم حلف اصله من القسامة وهى ايمان تقسم على اولياء المقتول ثم صار اسما لكل حلف كما فى المفردات والضمير لمشركى مكة: والمعنى بالفارسية [وسوكند خوردند اهل مكه بخداى تعالى] {جهد ايمانهم} مصدر فى موقع الحال اى جاهدين فى ايمانهم. والجهد والجهد الطاقة والمشقة. وقيل الجهد بالفتح المشقة وبالضم الوسع والايمان بالفتح جمع يمين واليمين فى الحلف مستعار من اليمين بمعى اليد اعتبارا بما يفعل المحالف والمعاهد عنده. قال الراغب اى حلفوا واجتهدوا فى الحلف ان يأتوا به على ابلغ ما فى وسعهم انتهى. وكان اهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالاصنام وبغير ذلك وكانوا يحلفون بالله ويسمونه جهد اليمين وهى اليمين المغلظة كما قال النابغة شعر : حلفت فلم اترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مطلب تفسير : اى كما ان الله تعالى اعلى المطالب كذلك الحلف به اعلى الاحلاف ـ روى ـ ان قريشا بلغهم قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا لعن الله اليهود والنصارى اتتهم الرسل فكذبوهم وحلفوا {لئن جاءهم نذير} اى والله لئن جاء قريشا نبى منذر {ليكونن اهدى} اطوع واصوب دينا {من احدى الامم} [از يكى امتان كذشته] اى من كل من اليهود والنصارى وغيرهم لان احدى شائعة. والامم جمع فليس المراد احدى الامتين اليهود و النصارى فقط ولم يقل من الامم بدون احدى لانه لو قال لجاز ان يراد بعض الامم وقوله فى اواخر الانعام {أية : ان تقولوا انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} تفسير : اى اليهود والنصارى ثم قوله {أية : او تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب لكنا اهدى منهم} تفسير : اى الى الحق لا ينافى العموم لان تخصيص الطائفتين وكتابيهما انما هو لاشتهارهما بين الامم واشتهارهما فيما بين الكتب السماوية. وقال بعضهم معنى من احدى الامم من الامة التى يقال لها احدى الامم تفضيلا لها على غيرها فى الهدى والاستقامة ومنه قولهم للداهية هى احدى الدواهى اى العظيمة واحدى سبع اى احدى ليالى عاد فى الشدة. وفى الآية اشارة الى ان الانسان لما كان مركبا من الروح والجسد فبروحانيته يميل الى الدين وما يتعلق به وببشريته يميل الى الدنيا وما يتعلق بها الكافر والمؤمن فيه سواء الا ان الكافر اذا مال الى شئ من الدين بحسب غلبة روحانيته على بشريته وعاهد عليه ثم وقع فى معرض الوفاء به لم توافقه نفسه لانها مائلة الى الكفر راغبة عن الدين وظلمة الكفر تحرّضه على نقض العهد فينقضه وان المؤمن اذا مال الى شئ من الدنيا بحسب غلبة بشريته على روحانيته وعاهد عليه وهو يريد الوفاء به يمنعه نور ايمانه عن ذلك ويحرضه على نقض العهد فينقضه وكذلك المريد الصادق اذا اشتد عليه القبض وملت نفسه من مقاساة شدة الرياضة والمجاهدة يمنى نفسه بنوع من الرخص استمالة لها وربما عاهد الله عليه ويؤكد الشيطان فيه عهده ويمنيه وبعده فاذا وقع فى معرض الوفاء واراد ان يفى بعده فاذا صدقت ارادته تسبق عزيمته وتحرك سلسلة طلبه فينقض عهده مع النفس ويجدد عهد الطلب مع الله ويتمسك بدوام الذكر وملازمته الى ان يفتح الله بمفتاح الذكر باب قلبه الى الحضرة ويزهق بمجيئ الحق باطل ما تمناه {فلما جاءهم نذير} وأى نذير افضل الكل واشرف الانبياء والرسل عليهم السلام {ما زادهم} اى النذير او مجيئه على التسبب {الا نفورا} تباعدا عن الحق والهدى: وبالفارسية [مكر رميدن از حق ودورشدن]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "جهد": نصب على المصدر، أو على الحال. و "استكبار" و "مكر": مفعول من أجله أو حال. يقول الحق جلّ جلاله: {وأقسموا بالله جَهْدَ أيمانهم} أي: إقساماً وثيقاً، أو: جاهدين في أيمانهم: {لئن جاءهم نذير} رسول {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} المهتدية، بدليل قوله: {أهدى} وقوله في سورة الأنعام: {أية : لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 157] وذلك أن قريشاً قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، أي: من الأمة التي يقال فيها: هي أهدى الأمم، تفضيلاً لها على غيرها في الهُدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة: هي أهدى الدواهي. فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ما زادهم إِلا نُفوراً} أي: ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعداً عن الحق، وهو إسنادٌ مجازيّ؛ إذ لا فاعل غيره. {استكباراً في الأرض ومكرَ السيىء} أي: ما زادهم إلا تهوُّراً للاستكبار ومكر السيىء. أو: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، المكر القبيح، وهو إجماعهم على قتله عليه الصلاة والسلام، وإذاية مَن تبعه. وأصل قوله: {ومكر السيىء}: وأن مكروا المكر السيىء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم أبدل "أن" مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف إلى صفته اتساعاً، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع. {ولا يحيق المكرُ السيىء إِلا بأهله} أي: لا يحيط وينزل المكر السيىء إلا بمَن مكره، وقد حاق بهم يوم بدر. وفي المثل: مَن حفر حفرة وقع فيها {فهل ينظُرون إِلا سُنَّة الأولين}: ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين الأولين، من العذاب المستأصل، كما هي سُنَّة الله فيمن كذّب الرسل. {فلن تجد لسُنة الله تبديلاً، ولن تجد لسُنة الله تحويلاً} بيّن أن سُنَّته ـ التي هي الانتقام من مكذِّبي الرسل ـ سُنَّة ماضية، لا يبدلها في ذاتها، ولا يحوّلها عن وقتها، وأنَّ ذلك مفعول لا محالة. {أَوَلَم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} ممن كذَبوا رسلهم، كيف أهلكهم الله ودمرهم، كعاد، وثمود، وقرىء قوم لوط. استشهد عليهم بما كانوا يُشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق، من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم. {و} قد {كانوا أشدَّ منهم قوةً} واقتداراً، فلم يتمكنوا من الفرار، {وما كان الله ليُعْجِزَه} ليسبقه ويفوته {من شيءٍ} أيَّ شيء كان {في السماوات ولا في الأرض إِنه كان عليماً} بأحوالهم {قديراً} على أخذهم. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول مَن يدخل معه، فلما ظهر، عاند واستكبر، وربما أنكر ومكر. نعوذ بالله من سابق الخذلان. قال القشيري: ليس لقولهم تحقيق، ولا لضمانهم توثيق، وما يَعدُون من أنفسهم فصريحُ زورٍ، وما يُوهمُون من وِفاقهم فصِرْفُ غرور. وكذلك المريد في أول نشاطه، تُمَنِّيه نَفْسُه ما لا يقدر عليه، فربما يعاهد الله، ويؤكد فيه عقداً مع الله، فإذا عَضّتْهُ شهوتُه، وأراد الشيطانُ أن يكذبه، صَرَعه بكيده، وأركسه في كُوةِ غيِّه، وفتنةِ نَفْسه؛ فيسودُّ وجْهُه، ويذهب ماء وجهه. ثم قال في قوله: {أولم يسيروا...} الخ: ما خاب له وليٌّ، وما ربح له عدو، ولا تنال الحقيقةُ بمَن انعكس قَصْدُه، وارتدَ عليه كيدُه، دَمّر على أعدائه تدميراً، وأوسع لأوليائه فضلاً كبيراً. هـ. ثم تمّم قوله: {إِنه كان حليماً غفوراً}، بقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} يميناً غليظاً {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} من اليهود والنّصارى وهذا ديدن النّساء وكلّ من كان على شيمتهنّ بان يقولوا: لو كان كذا لكان كذا، فيمشون ويعيشون على قول: لو كان كذا، قيل: انّ قريشاً لمّا بلغهم انّ اهل الكتاب كذّبوا رسلهم (ع) قالوا: لعن الله اليهود والنّصارى لو اتانا رسولٌ لنكوننّ اهدى من احدى الامم {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} يعنى محمّداً (ص) {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} عن النّذير فضلاً ان يكونوا مهتدين او اهدى.

الأعقم

تفسير : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية نزلت في مشركي قريش أي حلفوا بالله مجتهدين {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم}، قيل: اليهود والنصارى {فلما جاءهم نذير} وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ما زادهم إلا نفوراً} بعداً عنه {استكباراً في الأرض} قيل: نفروا تكبراً {ومكر السيء} قيل: هو كفرهم وعبادتهم غيره، وقيل: هو اجتماعهم على مكر السيء {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} قيل: لا يحل وبال المكر السيء إلا بأهله أي عقوبته، وقيل: دبروا قتله فقتلوا يوم بدر {فهل ينظرون} إلا سنة الأولين أي طريقتهم وهو إنزال العقوبة على العصاة {فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} ممن كفروا فأهلكناهم {وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض انه كان عليماً قديراً} {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من المعاصي {ما ترك على ظهرها من دابة} قيل: ما يدب من سائر الحيوانات محنة، وقيل: إذا هلك المكلفون لا بد أن يهلك الحيوانات إذ لا أحد ينتفع، وعن أبي هريرة أنه سمع رجل يأمر بمعروف وينهي عن منكر فقال له ذلك المأمور: عليك نفسك والظالم لا يضر إلا نفسه، فقال أبو هريرة: كذبت ان الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم، وقيل: يحبس الله المطر فتهلك الدواب، وقيل: الدابة اسم لمستحق العقاب من الكفار، وقيل: أراد الجن والإِنس، وقيل: أراد المكلفين من الإِنس {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} وقت معلوم وهو القيامة {فإذا جاء أجلهم} أي وقتهم المعروف لهم فعل بهم ما يستحقونه فحذف لدلالة الكلام عليه {فإن الله كان بعباده بصيراً} أي عالم بأحوالهم وأعمالهم وما يستحقونه عليها.

الالوسي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم {لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } الضمائر لقريش، وذلك أنهم بلغهم قبل مبعث النبـي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فكان منهم بعد ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية و{لَئِنِ جَاءهُمْ} جاء على المعنى وإلا فهم قالوا: {أية : جَاءنَا} تفسير : [الملك: 9] وكذا {لَّيَكُونُنَّ } و(إحدى) بمعنى واحدة، والظاهر أنها عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم، وتعريف {ٱلأُمَمِ } للعهد والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم فنؤمن جميعاً ولا يكذب أحد منا أو المعنى لنكونن أهدى من أمة يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها من الأمم كما يقال هو واحد القوم وواحد عصره وكما قالوا هو أحد الأحدين وهي إحدى الإحَد يريدون التفضيل في الدعاء والعقل، قال الشاعر:شعر : حتى استثاروا بي إحدى الإحَد ليثا هِزْبراً ذا سلاح معتد تفسير : وقد نص ابن مالك في «التسهيل» على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الإحَد لكن قال الدماميني في «شرحه»: إنما ثبت استعماله في إحدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كإحدى الإحَد وأحد الأحدين أو المضاف إلى وصف كأحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل، وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافة أصلاً فإنهم يقولون للداهية العظيمة هي إحدى من سبع أي إحدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر. وقال صاحب «الكشف»: إن دلالة {إِحْدَى ٱلأُمَمِ } على التفضيل ليست بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب شعر : أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله، وفيه أنه متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح. {فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ } وأي نذير وهو أشرف الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس وقتادة وهو الظاهر، وعن مقاتل هو انشقاق القمر وهو أخفى من السها والمقام عنه يأبـى {مَّا زَادَهُمْ } أي النذير أو مجيئه {إِلاَّ نُفُورًا } تباعداً عن الحق وهرباً منه، وإسناد الزيادة إلى ذلك مجاز لأنه هو السبب لها. والجملة جواب لما. واستدل بالآية على حرفيتها لمكان النفي المانع عن عمل ما بعده فيها، وفيه بحث.

ابن عاشور

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * ٱسْتِكْبَاراً فِى ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}. هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة، ولم يروَ خبر عن السلَف يعين صدور مقالتهم هذه، ولا قائلها سوى كلام أثر عن الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من {أقسموا}، وتفسير المراد {من إحدى الأمم} ولم يقل إنه سبب نزول. وقال كثير من المُفسرين: إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا بلغهم أن اليهود والنصارى كذَّبوا الرسل. والذي يلوح لي: أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب أو إلى بلاد الشام، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم، فكان المشركون لا يجرأون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون أن يتركوا دين الشرك فكانوا يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلاً إلى العرب ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم، كما قال تعالى: { أية : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } تفسير : [الأنعام: 157]. والأظهر أن يكون الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى عليه السلام فإنهم يقولون: إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإِنسان إلى الحق وكانت الدعوة إلى النصرانية فاشية في بلاد العرب أيام الجاهلية وتنصرت قبائل كثيرة مثل تغلب، ولخم، وكلب، ونجران، فكانت هذه الدعوة إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد لا دعوة تشريع، فإذا ثبتت هذه الوصية فما أراها إلا توطئة لدين يجيء تعمّ دعوته سائر البشر، فكانت وصيته وسطاً بين أحوال الرسل الماضين إذ كانت دعوتهم خاصة وبين حالة الرسالة المحمدية العامة لكافة الناس عزماً. أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن. وأحسب أن الدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام، أو تشهير أنها لا تستحق العبادة، لا يخلو عنها علماءُ موحِّدون، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون بعض النصاح من أحبار يهود يثرب يعرض لقريش إذا مروا على يثرب بأنهم على ضلال من الشرك فيعتذرون بما في هذه الآية. وهي تساوق قوله تعالى: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } تفسير : [الأنعام: 155 ـــ 157]. فيتضح بهذا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من أخبار ضلال المشركين في شأن الربوبية وفي شأن الرسالة والتديّن، وأن ما حكي فيها هو من ضلالاتهم ومجازفتهم. والقَسَم بين أهل الجاهلية أكثره بالله، وقد يقسمون بالأصنام وبآبائهم وعَمرهم. والغالب في ذلك أن يقولوا: باللات والعزى، ولذلك جاء في الحديث: « حديث : مَن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله »، تفسير : أي من جرى على لسانه ذلك جريَ الكلام الغالب وذلك في صدر انتشار الإِسلام. وجَهد اليمين: أبلغها وأقواهَا. وأصله من الجَهد وهو التعب، يقال: بلغ كذَا مِنِّي الجَهد، أي عملته حتى بلغ عملُه مني تعبي، كناية عن شدة عزمه في العمل. فَجهْد الأيمان هنا كناية عن تأكيدها، وتقدم نظيره في قوله تعالى: { أية : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } تفسير : في سورة [العقود: 53]، وتقدم في سورة الأنعام وسورة النحل وسورة النور. وانتصب {جهد} على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع لأنه صفة لِما كان حقه أن يكون مفعولاً مطلقاً وهو {أيمانهم} إذ هو جمع يمين وهو الحلف فهو مرادف لــــ{أقَسموا}، فتقديره: وأقسموا بالله قسماً جهداً، وهو صفة بالمصدر أضيفت إلى موصوفها. وجملة {لئن جاءهم نذير} الخ بيان لجملة {أقسموا} كقوله تعالى: { أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم } تفسير : الآية [طه: 120]. وعبر عن الرسول بالنذير لأن مجادلة أهل الكتاب إياهم كانت مشتملة على تخويف وإنذار، ولذلك لم يقتصر على وصف النذير في قوله تعالى: { أية : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } تفسير : [المائدة: 19]. وهذا يرجح أن تكون المجادلة جرت بينهم وبين بعض النصارى لأن الإِنجيل معظمه نذارة. و{إحدى الأمم} أمة من الأمم ذات الدين؛ فإن عنوا بها أمة معروفة: إمّا الأمة النصرانية، وإما الأمة اليهودية، أو الصابئة كان التعبير عنها بــــ{إحدى الأمم} إبهاماً لها يحتمل أن يكون إبهاماً من كلام المقسمين تجنباً لمجابهة تلك الأمة بصريح التفضيل عليها، ويحتمل أن يكون إبهاماً من كلام القرآن على عادة القرآن في الترفع عما لا فائدة في تعيينه إذ المقصود أنهم أشهدوا الله على أنهم إن جاءهم رسول يكونوا أسبق من غيرهم اهتداء فإذا هم لم يشموا رائحة الاهتداء. ويحتمل أن يكون فريق من المشركين نظَّروا في قَسَمهم بهدي اليهود، وفريق نظَّروا بهدي النصارى، وفريق بهدي الصابئة، فجَمعت عبارة القرآن ذلك بقوله: {من إحدى الأمم} ليأتي على مقالة كل فريق مع الإِيجاز. وذكر في «الكشاف» وجهاً آخر أن يكون {إحدى الأمم} بمعنى أفضل الأمم، فيكون من تعبير المقسمين، أي أهدى من أفضل الأمم، ولكنه بناه على التنظير بما ليس له نظير، وهو قولهم: إحدى الإِحَد (بكسر الهمزة وفتح الحاء في الإِحَد) ولا يتم التنظير لأن قولهم: إحدى الإِحَد، جرى مجرى المثل في استعظام الأمر في الشرّ أو الخير. وقرينة إرادة الاستعظام إضافة «إحدى» إلى اسم من لفظها فلا يقتضي أنه معنى يراد في حالة تجرد {إحدى} عن الإضافة. وبين: {أهدى} و{إحدى} الجناس المحرِّف. وهذه الآية وغيرها وما يؤثر من تنصُّر بعض العرب ومن اتساع بعضهم في التحنف يدل على أنهم كانوا يعلمون رسالة الرسل، وأما ما حكي عنهم في قوله تعالى: { أية : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } تفسير : [الأنعام: 91]، فذلك صدر منهم في الملاجّة والمحاجّة لما لزمتهم الحجة بأن الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من البشر وكانت أحوالهم أحوال البشر مثل قوله تعالى: { أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } تفسير : [الفرقان: 20] فلجأوا إلى إنكار أن يوحي الله إلى بشر شيئاً. وأما ما حكي عنهم هنا فهو شأنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. والنذير: المنذر بكلامه. فالمعنى: فلما جاءهم رسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن جاءهم رسول قبله كما قال تعالى: { أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك } تفسير : [القصص: 46] وهذا غير القسم المحكي في قوله تعالى: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها». والزيادة: أصلها نماء وتوفر في ذوات. وقد يراد بها القوة في الصفات على وجه الاستعارة كقوله تعالى: { أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم } تفسير : [التوبة: 125]. ومن ثمة تطلق الزيادة أيضاً على طروّ حال على حال، أو تغيير حال إلى غيره كقوله تعالى: { أية : فلن نزيدكم إلا عذاباً } تفسير : [النبأ: 30]. وتطلق على ما يطرأ من الخير على الإِنسان وإن لم يكن نوعه عنده من قبل كقوله تعالى: { أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } تفسير : [يونس: 26]، أي وعطاء يزيد في خيرهم. ولما كان مجيء الرسول يقتضي تغير أحوال المرسل إليهم إلى ما هو أحسن كان الظنّ بهم لَمَّا أقسموا قسمهم ذلك أنهم إذا جاءهم النذير اهتَدوا وازدَادُوا من الخير أن كانوا على شأن من الخير فإن البشر لا يخلو من جانب من الخير قوي أو ضعيف فإذا بهم صاروا نافرين من الدين الذي جاءهم. والاستثناء مفرع من مفعول {زادهم} المحذوف، أي ما أفادهم صلاحاً وحالاً أو نحو ذلك إلا نفوراً فيكون الاستثناء في قوله: {إلا نفوراً} من تأكيد الشيء بما يُشبه ضده لأنهم لم يكونوا نافرين من قبل. ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما أقسموا: {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى} كان حالهم حال النفور من قبول دعوة النصارى إياهم إلى دينهم أو من الاتعاظ بمواعظ اليهود في تقبيح الشرك فأقسموا ذلك القسم تفصياً من المجادلة، وباعثهم عليه النفور من مفارقة الشرك، فلما جاءهم الرسول ما زادهم شيئاً وإنما زادهم نفوراً، فالزيادة بمعنى التغيير والاستثناء تأكيد للشيء بما يشبه ضده. والنفور هو نفورهم السابق، فالمعنى لم يزدهم شيئاً وحَالهم هي هي. وضمير {زادهم} عائد إلى رسول أو إلى المجيء المأخوذ من {جاءهم}. وإسناد الزيادة إليه على كلا الاعتبارين مجاز عقلي لأن الرسول أو مجيئه ليس هو يزيدهم ولكنه سبب تقوية نفورهم أو استمرار نفورهم. و{استكبارا} بدل اشتمال من {نفوراً} أو مفعول لأجله، لأن النفور في معنى الفعل فصحّ إعماله في المفعول له. والتقدير: نفروا لأجل الاستكبار في الأرض. والاستكبار: شدة التكبر، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب. والأرض: موطن القوم كما في قوله تعالى: { أية : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا } تفسير : [الأعراف: 88] أي بلدنا، فالتعريف في {الأرض} للعهد. والمعنى: أنهم استكبروا في قومهم أن يتبعوا واحداً منهم. {ومكر السيىء} عطف على {استكباراً} بالوجوه الثلاثة، وإضافة {مكر} إلى {السيىء} من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل: عِشَاء الآخرة. وأصله: أن يمكروا المكر السيّىء بقرينة قوله: {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله}. والمكر: إخفاء الأذى وهو سيِّىء لأنه من الغدر وهو مناف للخلق الكريم، فوصفه بالسيّىء وصف كاشف، ولَعل التنبيهَ إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة الموصوف إلى الوصف لإِظهار ملازمة الوَصف للموصوف فلم يقل: ومكراً سيئاً (ولم يرخص في المكر إلا في الحرب لأنها مدخول فيها على مثله) أي مكراً بالنذير وأتباعه وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره. وقد تبين كذبهم في قسمهم إذ قالوا: «لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى منهم» وأنهم ما أرادوا به إلا التفصّي من اللوم. وجملة {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} تذييل أو موعظة. و{يحيق}: ينزل به شيء مكروه حاق به، أي نزل وأَحاط إحاطة سوء، أي لا يقع أثره إلا على أهله. وفيه حذف مضاف تقديره: ضر المكر السيّىء أو سوء المكر السيىء كما دل عليه فعل {يحيق}؛ فإن كان التعريف في {المكر} للجنس كان المراد بــــ «أهله» كل ماكر. وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملِها على التذييل ليعم كل مكر وكل ماكر، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين، فيكون القصر الذي في الجملة قصراً ادعائياً مبنيّاً على عدم الاعتداد بالضر القليل الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة جزائه على مَكره فيكون ذلك من النواميس التي قدَّرها القدر لنظام هذا العالم لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض لأن الإِنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكَّر بعضهم لبعض وتبادروا الإِضرار والإِهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يَقع فيه فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيُبلى بظالم». وقال الشاعر: شعر : لكل شيء آفة من جنسه حتى الحديدُ سطا عليه المِبْرَد تفسير : وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى: { أية : والله لا يحب الفساد } تفسير : [البقرة: 205]. وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تمكر ولا تُعِن ماكراً فإن الله يقول {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} » تفسير : ، ومن كلام العرب «من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً»، ومن كلام عامة أهل تونس (يا حافرْ حُفرة السَّوْء ما تحفر إلا قِيَاسكَ». وإذا كان تعريف {المكر} تعريف العهد كان المعنى: ولا يحيق هذا المكر إلا بأهله، أي الذين جاءهم النذير فازدادوا نفوراً، فيكون موقع قوله: {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} موقع الوعيد بأن الله يدفع عن رسوله صلى الله عليه وسلم مكرهم ويحيق ضر مكرهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح، فيكون على نحو قوله تعالى: { أية : ومكروا ومكر اللَّه واللَّه خير الماكرين } تفسير : [آل عمران: 54] فالقصر حقيقي. فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية. واعلم أن قوله تعالى: {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} قد جُعل في علم المعاني مثالاً للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب. وأول من رأيْته مثَّل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في «الإِيضاح» وفي «تلخيص المفتاح»، وهو مما زاده على ما في «المفتاح» ولم يمثل صاحب «المفتاح» للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني فإن الشيخ عبد القاهر لم يذكر الإِيجاز والإِطناب في كتابه. وإذ قد صرح صاحب «المفتاح» «أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا يحمد في باب البلاغة ولا يذم» فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في الكلام البليغ بَلْه المعجز. ومن العجيب إقرار العلامة التفتزاني كلام صاحب «تلخيص المفتاح» وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من الإِيجاز لأنه قائم مقام جملتين: جملة إثبات للمقصود، وجملة نفيه عما سواه، فالمساواة أن يقال: يحيق المكر السيّىء بالماكرين دون غيرهم، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإِيجاز. وفيه أيضاً حذف مضاف إذ التقدير: ولا يحيق ضر المكر السيّىء إلا بأهله على أن في قوله: {بأهله} إيجازاً لأنه عوض عن أن يقال: بالذين تقلدوه. والوجه أن المساواة لم تقع في القرآن وإنما مواقعها في محادثات الناس التي لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة. وقرأ حمزة وحده {ومكر السيىء} بسكون الهمزة في حالة الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف. {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً}. تفريع على جملة {فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً} الآية. ويجوز أن يكون تفريعاً على جملة {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} على الوجه الثاني في تعريف {المكر} وفي المراد بــــ{بأهله}، أي كما مكر الذين من قبلهم فحاق بهم مكرُهم كذلك هؤلاء. و{ينظرون} هنا من النظر بمعنى الانتظار. كقول ذي الرُّم:ة شعر : وشُعثٍ ينظُرون إلى بِلال كما نَظَر العِطاش حَيَا الغمام تفسير : فقوله: «إلى» مفرد مضاف، وهو النعمة وجمعه آلاء. ومعنى الانتظار هنا: أنهم يستقبلون ما حلّ بالمكذبين قَبلهم، فشبه لزوم حلول العذاب بهم بالشيء المعلوم لهم المنتظر منهم على وجه الاستعارة. والسُّنَّة: العادة: والأوّلون: هم السابقون من الأمم الذين كذبوا رسلهم، بقرينة سياق الكلام. و{سنة} مفعول {ينظرون} وهو على حذف مضاف. تقديره: مِثلَ أو قِياسَ، وهذا كقوله تعالى: { أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } تفسير : [يونس: 102]. والفاء في قوله: {فلن تجد لسنت اللَّه تبديلاً} فاء فصيحة لأن ما قبلها لمّا ذكّر الناس بسنة الله في المكذبين أفصح عن اطّراد سنن الله تعالى في خلقه. والتقدير: إذا علموا ذلك فلن تجد لسنة الله تبديلاً. و{لن} لتأكيد النفي. والخطاب في {تجد} لغير معيّن فيعم كل مخاطب، وبذلك يتسنّى أن يسير هذا الخبر مسير الأمثال. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للمشركين. والتبديل: تغيير شيء وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } تفسير : في سورة [النساء: 2]. والتحويل: نقل الشيء من مكان إلى غيره، وكأنه مشتق من الحَوْل وهو الجانب. والمعنى: أنه لا تقع الكرامة في موقع العقاب، ولا يترك عقاب الجاني. وفي هذا المعنى قول الحكماء: ما بالطبع لا يتخلف ولا يختلف.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ}. قد قدّمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى {أية : أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 157] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَيْمَانِهِمْ} {لَئِن} (42) - وَأَقْسَمَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ، قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِليهِمْ، أَيْمَاناً مُغَلَّظَةً (جَهْدَ أيْمَانِهِم) أَنَّهُم إِذا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ جميعِ الأُمَمِ التِي أَرْسَلَ اللهُ فِيها رُسُلاً مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ حِينَ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولاً مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَعَهُ القُرآنُ العَظِيمُ، لَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلا كُفْراً وَعُتُوّاً وَبُعْداً عَنِ الإِيمَانِ (نُفُوراً). جَهْدَ أَيمانِهِمْ - مُجْتَهِدِينَ فِي الحَلْفِ بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ. نُفُوراًُ - تَبَاعُداً عَنِ الحَقِّ وَفِراراً مِنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [فاطر: 42] أي: اجتهدوا في القَسَم والحَلِف بأغلظ الأيمان {لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} [فاطر: 42] رسول {لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ} [فاطر: 42] أشد هداية {مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} [فاطر: 42] أي: أَهْدى من الأمم السابقة يعني: سيكونون في المقدمة. والحق سبحانه يُوضِّح لنا هذا المعنى في موضع آخر، فيقول سبحانه: {أية : وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الصافات: 167-169]. وهذا كله قولهم بأفواههم، ويعلم الله أنهم كاذبون، لكنه سبحانه يُرخى لهم العنان، ولا يكشف هذا الكذب فيقول لهم: دَعْكم من الأوَّلين، وها هو الذكر الذي طلبتم وقلتم إنكم ستكونون به أهدى الناس، والمراد هنا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [فاطر: 42] يعني: إعراضاً وتباعداً عن الحق وعن الهداية، لماذا؟ لأن الذكْر الذي جاءهم جاء على يد محمد، ولو جاء على يد رجل عظيم كما يقولون لَقَبِلوه: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فيرد الله عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الزخرف: 32]. عجيب منهم أنْ يريدوا قسمة رحمة الله على هواهم واختيار رسول الله كما يحبون {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. كيف والله قد قسم بينهم أبسط أمور حياتهم في الدنيا، فجعل هذا غنياً، وهذا فقيراً، وهذا قوياً، وهذا ضعيفاً. لكن هذا القول منهم دليل على أن القرآن عندهم لا غبارَ عليه، وأنهم لا يُكذِّبون به مع أنهم قالوا عنه إنه سحر، وأنه كهانة، وأنه شعر، ومع هذا يعترفون بأن القرآن لا غُبار عليه، لكن آفته أنه نزل على محمد بالذات. ثم يُبيِّن الحق سبحانه عِلَّة نفورهم، فيقول: {ٱسْتِكْبَاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من كمال حلم الله وإمهاله على المستوجبين لأنواع المقت والانتقام بعدما عهدوا مع الله ونقضوا عهودهم، وإن كفار قريش خذلهم الله {أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: اجتهدوا في تأكيدها، وبالغوا في تغليظها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أن من أهل الكتاب قوم كذبوا رسلهمه، فأنكروا عليهم ولم يقبلوا من الرسل قولهم، فأنكروا عليهم مقسمين: والله {لَئِن جَآءَهُمْ} يعني: قريشاً {نَذِيرٌ} مرسل من عند الله، ينذرهم عما لا يعنيهم ويرشدهم إلى ما يعنيهم {لَّيَكُونُنَّ} في الإطاعة والانقياد للنبي النذير البشير {أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} أي: كل واحد وأحد من أهدى من كل واحد من النصارى واليهود وغيرهم من الأمم، فواثقوا عهودهم مع الله على ذلك {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي: نذير وبشير هو أكمل من سائر المرسلين المنذرين، وأفضل منهم؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ} مجيئه وبعثته {إِلاَّ نُفُوراً} [فاطر: 42] أي: نفرة عن الحق وإعراضاً عن أهله، وتباعداً عن قبول قوله ودينه. وإنما أنكروا له وأعرضوا عنه وعن دينه صلى الله عليه وسلم {ٱسْتِكْبَاراً} أي: طلبوا كبراً وخيلاءً {فِي ٱلأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ} أي: طلبوا أيضاً أن مكروا المكر السيئ، وأصل التركيب هذا، فعدل إلى صورة المضاف إلى السيئ اتساعاً؛ تأكيداً ومبالغة، والمكر السيئ: كل عمل قبيح صدر عنهم أو الشرك أو إرادة قتله صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تمكروا وتعينوا ماكراً فإن الله يقول: {وَلاَ يَحِيقُ} - أي: يحل ويحيط - {ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}"تفسير : وهو الماكر، فلحق بوال الشرك للمشركين وكذا وبال كل قبيح مكوره عائد إلى فاعله {فَهَلْ يَنظُرُونَ} أي: ما يملهون ويتنظرون أولئك المشركون؛ يعني: أهل مكة {إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ} أي: سنة الله فيهم بأن عذب سبحانه مكذيبهم ومصريهم على الإنكار والتكذيب، وبعدما ثبت في علم الله ولوح قضائه تعذيبهم فلا بدَّ أن يقع حتماً {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ} وهي: نزول العذاب على المكذبين {تَبْدِيلاً} إن تعلق مشيئته به وثبت في لوح قضائه؛ إذ لا يبدل الحكم دونه سبحانه {وَ} أيضاً {لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43] بأن ينتقل عذاب المكذبين العاصين إلى المصدقين المطيعين البريئين من العصيان والطغيان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وأقسم هؤلاء، الذين كذبوك يا رسول اللّه، قسما اجتهدوا فيه بالأيمان الغليظة. { لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ } أي: أهدى من اليهود والنصارى [أهل الكتب]، فلم يفوا بتلك الإقسامات والعهود. { فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } لم يهتدوا، ولم يصيروا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يدوموا على ضلالهم الذي كان، بل { مَا زَادَهُمْ } ذلك { إِلا نُفُورًا } وزيادة ضلال وبغي وعناد. وليس إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلا لوفقوا له، ولكنه صادر عن استكبار في الأرض على الخلق، وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ويمشي خلفهم المقتدون. { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ } الذي مقصوده مقصود سيئ، ومآله وما يرمي إليه سيئ باطل { إِلا بِأَهْلِهِ } فمكرهم إنما يعود عليهم، وقد أبان اللّه لعباده في هذه المقالات وتلك الإقسامات، أنهم كذبة في ذلك مزورون، فاستبان خزيهم، وظهرت فضيحتهم، وتبين قصدهم السيئ، فعاد مكرهم في نحورهم، ورد اللّه كيدهم في صدورهم. فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة اللّه في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فَلْيَتَرَّقب هؤلاء، ما فعل بأولئك.