Verse. 3704 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

اَوَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَيَنْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ وَكَانُوْۗا اَشَدَّ مِنْہُمْ قُوَّۃً۝۰ۭ وَمَا كَانَ اللہُ لِيُعْجِزَہٗ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمٰوٰتِ وَلَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ عَلِــيْمًا قَدِيْرًا۝۴۴
Awalam yaseeroo fee alardi fayanthuroo kayfa kana AAaqibatu allatheena min qablihim wakanoo ashadda minhum quwwatan wama kana Allahu liyuAAjizahu min shayin fee alssamawati wala fee alardi innahu kana AAaleeman qadeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أوْ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة» فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم «وما كان الله ليعجزه من شيء» يسبقه ويفوته «في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما» أي بالأشياء كلها «قديرا» عليها.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً }. لما ذكر أن للأولين سنة وهي الإهلاك نبههم بتذكير حال الأولين فإنهم كانوا مارين على ديارهم رائين لآثارهم وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم، أما الأول فلطول أعمارهم وشدة اقتدارهم، وأما عملهم فلأنهم لم يكذبوا مثل محمد ولا محمداً وأنتم يا أهل مكة كذبتم محمداً ومن تقدمه، وقوله تعالى: {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قد ذكرناه في سورة الروم، بقي فيه أبحاث: الأول: قال هناك: { أية : كَانُواْ أَشَدَّ } تفسير : [الروم: 9] من غير واو، وقال ههنا بالواو فما الفرق؟ نقول قول القائل: أما رأيت زيداً كيف أكرمني وأعظم منك، يفيد أن القائل يخبره بأن زيداً أعظم، وإذا قال: أما رأيته كيف أكرمني هو أعظم منك يفيد أنه تقرر أن كلا المعنيين حاصل عند السامع كأنه رآه أكرمه ورآه أكبر منه ولا شك أن هذه العبارة الأخيرة تفيد كون الأمر الثاني في الظهور مثل الأول بحيث لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم ولا إخبار، إذا علمت هذا فنقول المذكور ههنا كونهم أشد منهم قوة لا غير، ولعل ذلك كان ظاهراً عندهم فقال بالواو أي نظركم كما يقع على عاقبة أمرهم يقع على قوتهم، وأما هناك فالمذكور أشياء كثيرة فإنه قال: {أية : كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَا } تفسير : [الروم: 9] وفي موضع آخر قال: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [غافر: 82] ولعل علمهم لم يحصل بإثارتهم الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس القوة ورجحانهم فيما عليهم كان معلوماً عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمهم أنهم أقوى منهم ولا نزاع فيه. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون بياناً لهم أي أن الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا الله وما فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه والثاني: أن يكون قطعاً لأطماع الجهال فإن قائلاً لو قال: هب أن الأولين كانوا أشد قوة وأطول أعماراً لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها آثار فقال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً } بأفعالهم وأقوالهم: {قَدِيراً } على إهلاكهم واستئصالهم.

القرطبي

تفسير : بين السنة التي ذكرها؛ أي أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود، وبمَدْيَنَ وأمثالهم لما كذّبوا الرسل، فتدبروا ذلك بنظرهم إلى مساكنهم ودورهم، وبما سمعوا على التواتر بما حلّ بهم، أفليس فيه عبرة وبيان لهم؛ ليسوا خيراً من أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى؛ دليله قوله: {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي إذا أراد إنزال عذاب بقوم لم يعْجزه ذلك. {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها، فخلت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعيم، بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئاً، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ لأنه تعالى لايعجزه شيء إذا أراد كونه في السموات والأرض، {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها، ثم قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل الأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}. وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب، {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} أي: ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}. آخر تفسير سورة فاطر، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } يسبقه ويفوته {مِن شَىْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً } أي بالأشياء كلها {قَدِيراً } عليها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} يعني من الذنوب. {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} قال يحيى بن سلام بحبس المطر عنهم وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني جميع الحيوان مما دب ودرج، قاله ابن مسعود، قال قتادة: وقد فعل ذلك زمان نوح عليه السلام. الثاني: من الإنس والجن دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل، قاله الكلبي. الثالث: من الناس وحدهم، قاله ابن جريج. {وَلكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه قولان: أحدهما: الأجل المسمى الذي وعدهم في اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. الثاني: إلى يوم القيامة، قاله يحيى. {فَإذَا جَآءَ أَجَلُهُم} فيه قولان: أحدهما: نزول العذاب. الثاني: البعث في القيامة. {فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} يحتمل وجهين: أحدهما: بصيراً بأجلهم. الثاني: بصيراً بأعمالهم، والله أعلم.

ابن عطية

تفسير : لما توعدهم تعالى في الآية قبلها بسنة الأولين وأن الله تعالى لا يبدلها في الكفرة، وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره كديار ثمود ونحوها، و"يعجزه" معناه يفوته ويفلته، و {من} في قوله تعالى: {من شيء} زائدة مؤكدة، و"عليم قدير" صفتان لائقتان بهذا الموضع، لأن مع العلم والقدرة لا يتعذر شيء، ثم بين تعالى الوجه في إمهاله من أمهل من عباده أن ذلك إنما هو لأن الآخرة من وراء الجميع وفيها يستوفى جزاء كل أحد، ولو جازى عز وجل في الدنيا على الذنوب لأهلك الجميع، وقوله تعالى: {من دابة} مبالغة، والمراد بنو آدم لأنهم المجازون، وقيل المراد الجن والإنس، وقيل كل ما دب على الأرض من الحيوان وأكثره إنما هو لمنفعة ابن آدم وبسببه، والضمير في {ظهرها} عائد على {الأرض} المتقدم ذكرها، ولو لم يتقدم لها ذكر لأمكن في هذا الموضع لبيان الأمر ولكانت كـ {أية : تورات بالحجاب} تفسير : [ص: 32] ونحوها، و"الأجل المسمى" القيامة، وقوله {فإن الله كان بعباده بصيراً} توعد وفيه للمتقين وعد.

الخازن

تفسير : {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين قبلهم} معناه أنهم يعتبرون بمن مضى وبآثارهم وعلامات هلاكهم {وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه} أي ليفوت عنه {من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} أي من الجرائم {ما ترك على ظهرها} أي ظهر الأرض {من دابة} أي من نسمة تدب عليها يريد بني آدم وغيرهم كما أهلك من كان في زمن نوح بالطوفان إلا من كان في السفينة {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} يعني يوم القيامة {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد أهل طاعته وأهل معصيته وقيل بصيراً بمن يستحق العقوبة وبمن يستحق الكرامة والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} لما ذكر الأولين وسنته في إهلاكهم نبههم بتذكير الأولين فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم وكانوا أطول أعماراً منهم وأشد اقتداراً ومع هذا لم يكذبوا مِثْلَ محمد وأنتم يا أهْلَ مكة كفرتم محمداً ومَنْ تَقَدَّمَهُ. قوله: "وَكَانُوا أَشَدَّ" جملة في موضع نصب على الحال ونظيرتها في الروم: "كَانُوا" بلا "واو" على أنها مستأنفة فالمَقْصِدانِ مُخْتَلِفَان. وقال ابن الخطيب: الفرق بينهما أن قول القائل: "أمَا رَأَيْتَ زَيْداً كَيْفَ أَكْرَمَنِي هُو أَعْظَمُ مِنْكَ" يفيد أن القائل يخبره بأن زيداً أعظمُ وإذا قال: مَا رَأَيته كَيْفَ أكْرَمَنِي وهُوَ أَعْظَمُ (مِنْكَ) يفيد أن يقرر أن المعنيين حاصلان عند السامع كأنه رآه أكرمه ورآه أكرم منه (و) لا شك في أن هذه العبارة الأخيرة تفيد كون الأمر الثاني في الظهور مثل الأول بحيثُ لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم ولا إخبار. وإذا علم هذا فنقول: المذكور ههنا كونُهم أشدَّ منهم قوة لا غير ولعل ذلك كان ظاهراً عندهم فقال "بالواو" أي نظركم كما يقع على عاقبة أمرهم يقع على قولهم وأما هناك فالمذكور أشياء كثيرة فإنه قال: {أية : أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ} تفسير : [الروم: 9]. وفي موضع آخر قال: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [غافر:82] ولعل عملهم لم يحصل بإثارتهم في الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس القوة ورجحانهم كان معلوماً عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمها أنها أَقْوَى منها ولا تنازع فيه. قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ} أي ليفوت عنه. وهذا يحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون المراد بيان أن الأولين مع شدة قوتهم ما عجزوا الله وما فاتوه فهم أولى بأن لا يُعْجزوه. والثاني: أن يكون قطعاً لاعتقاد الجهال فإنَّ قائلاً لو قال: هب أن الأولين كانوا أشدَّ قوةً وأطْوَلَ أعماراً لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين بأمور أرضيةٍ لها خواص أو كواكبُ سماوية لها أثارها فقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً} بأفعالهم وأقوالهم "قَدِيراً" على إهلاكهم واستئصالهم. قوله:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} من الجرائم {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} يعني على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور. وتقدم نظيرها في النحل، إلاَّ أن هناك لم يجر للأرض ذكر بل عاد الضمير على ما فُهِمَ من السِّياق وهنا قد صرح بها في قوله: {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} فيعود الضمير إليها لأنها أقرب، وأيضاً فلقوله: "مِنْ دَابَّةٍ" والدب إنما يكون على ظهر الأرض وهنا قال: "عَلَى ظَهْرِهَا" استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها والمقام هنا يناسب ذلك لأنه حث على السير للنظر والاعتبار. قوله: "مِن دَابَّةٍ" أي كما في زمن نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أهلك الله ما على ظهر الأرض من كان في السفينة مع نُوحٍ. فإن قيل: إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما (بال) الدوَابِّ يهلكون؟ فالجواب من وجوه: أحدهما: أن خلق الجواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدوابّ أقرب النعم، لأن المفردَ (أولاً) ثم المركب والمركب إما أن يكون معدناً وإما أن يكون نامياً والنامي إما أن يكون حيواناً أو نباتاً والحيوان إما إنساناً أو غير إنسان فالدوابّ أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان. الثاني: أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقا (ء الأشياء) بالإنسان كما أنَّ بقاء الإنسان بالأشياء لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فإذا كان الهلاك عاماً لا يبقى من الإنسان من يُعَمِّر فلا يبقى الأبنية والزروع فما تبقى الخيرات الإلهية فإن بقاءها لحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك السَّقْيِ الْقَلْبِ. الثالث: أن إنزال المطر إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات. فإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابلهُ الوجه فهو كالتضاد؟ فيقال: من حيث إنَّ الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن من باب ووجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن. قوله: {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قيل: هو يوم القيامة. وقيل: يوم لا يوجد في الخلق مؤمن وقيل: لكل أمة أجل، ولكل أجل كتاب وأجل قوم محمد - عليه (الصلاة و) السلام - أيام القتل والأسر كيوم بدر وغيره. قوله: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} تسلية للؤمنين لأنه قال: ما ترك على ظهرها من دابة وقال {أية : لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25] فقال: فَإذَا جَاءَ الْهَلاَك فاللَّهُ بالعباد بصيرٌ، قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصيته، (و) روى أبو أمامةَ عن أُبيِّ بْن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْمَلاَئِكَةِ دَعَتْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَمَانِيةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ أَنْ ادْخُلْ مِنْ أيّ الأبْوَابِ شِئْتَ" تفسير : . [والله الموفّقُ للصّواب، وإليه المرجعُ والمآبُ].

البقاعي

تفسير : ولما بيّن أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله، وأنكر ذلك عليهم، وكان التقدير: ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم المستمرة من غير تخلف اصلاً في أن من كذب رسولاً أخذ، فقال عاطفاً عليه استشهاداً على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم: {أولم يسيروا} أي فيما مضى من الزمان {في الأرض} أي التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق {فينظروا} أي فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} أي على أيّ حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، وهذا معنى يس {أية : أنهم إليهم لا يرجعون}تفسير : [يس: 31] سواء كما يأتي أن شاء الله تعالى بيانه. ولما كان السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار, مكّن قوة الذين خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال: {وكانوا} أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا {أشد منهم} أي من هؤلاء {قوة} في قوتي الاستكبار والمكر الجارّ بعد العار إلى النار. ولما كان التقدير: فما أعجز الله أمر أمة منهم، ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا رسولهم، وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو، عطف عليه قوله، مؤكداً إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير، وأنهم لا يغلبون أبداً لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف: {وما كان الله} أي الذي له جميع العظمة؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله: {ليعجزه} أي مريداً لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى! وأبلغ في التأكيد بقوله: {من شيء} أي قل أو جل! وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله: {في السماوات} أي جهة العلو، وأكد بإعادة النافي فقال: {ولا في الأرض} أي جهة السفل. ولما كان منشأ العجز الجهل، علل بقوله مؤكداً لما ذكر في أول الآية: {إنه كان} أي أزلاً وأبداً {عليماً} أي شامل العلم {قديراً *} أي كامل القدرة، فلا يريد شيئاً إلا كان. ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون: ما له لا يهلكنا، علم أن التقدير: لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم، فعطف عليه قوله إظهاراً للحكم مع العلم: {ولو يؤاخذ الله} أي بما له من صفات العلو {الناس} أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة. ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من آثار الجوارح، عبر هنا بالكسب وفك المصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال: {بما كسبوا} أي من جميع أعمالهم سواء كان حراماً أو لا {ما ترك على ظهرها} أي الأرض {من دآبة} أي بل كان يهلك الكل، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره، لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال، وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم، وذلك كما فعل في زمان نوح عليه السلام، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة {ولكن} لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش، بل يحلم عنهم فهو {يؤخرهم} أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ {إلى أجل مسمى} أي سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك {فإذا جاء أجلهم} أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجابي الإبقائي بعث كلاًّ منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز. ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث، أكد فقال: {فإن الله} أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار {كان} ولم يزل. ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال: {بعباده} الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم واحوالهم {بصيراً *} أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار، لما شوهد له سبحانه من الآثار، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة، ولا تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه، حتى صار عقلاً مجرداً صافياً، حاكماً على الشهوات والحظوظ قاهراً كافياً.

القشيري

تفسير : في الجملة ما خاب له وليٌّ، وما ربح له عدوٌّ، ولا ينال الحقيقةَ مَنْ انعكس قَصْدُه، بل يرتدُّ عليه كَيْدُه؛ وهو سبحانه يُدَمِّر على أعدائه تدميراً ويوسع لأوليائه فضلاً كبيراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {أولم يسيروا فى الارض} الهمزة للانكار والنفى والواو للعطف على مقدر اى اقعد مشركوا مكة فى مساكنهم ولم يسيروا ولم يمضوا فى الارض الى جانب الشام واليمن والعراق للتجارة {فينظروا} بمشاهدة آثار ديار الامم الماضية العاتية {كيف كان عقابة الذين} جاؤها {من قبلهم} اى هلكوا لما كذبوا الرسل وآثار هلاكهم باقية فى ديارهم {كانوا} اى والحال ان الذين من قبلهم كعاد وثمود وسبأ كانوا {اشد منهم قوة} [سخترين ازمكيان ازروى توانايى] واطول اعمارا فما نفعهم طول المدى وما اغنى عنهم شدة القوى {وما كان الله ليعجزه من شئ} [الاعجاز: عاجز كردن] واللام ومن لتأكيد النفى والمعنى استحال من كل الوجوه ان يعجز الله تعالى شئ ويسبقه ويفوته {فى السموات ولا} تأكيد آخر لما النافية ففى هذا الكلام ثلاثة تأكيدات {فى الارض} [بس هرجه خواهد كند وكسى بر حكم او بيشى نكيرد] {انه} تعالى {كان عليما} بليغ العلم بكل شئ فى العالم مما وجد ويوجد {قديرا} بليغ القدرة على كل ممكن ولذلك علم بجميع اعمالهم السيئة فعاقبهم بموجبها فمن كان قادرا على معاقبة من قبلهم كان قادرا عل معاقبتهم اذا كانت اعمالهم مثل اعمالهم والآية وعظ من الله تعالى ليعتبروا شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بينداندر بند بند كيراز مصائب دكران تانكيرند ديكران زتوبند تفسير : والاشارة انه ما خاب له تعالى ولى ولا ربح له عدو فقد وسع لاوليائه فضلا كثيرا ودمر على اعدائه تدميرا وسبب الفضل والولاية هو التوحيد كما ان سبب القهر والعداوة هو الشرك. قال بعض الكبار ما اخذ الله من اخذ من الامم الا فى آخر النهار كالعنين وذلك لان اسباب التأثير الآلهى المعتاد فى الطبيعة قد مرت عليه وما اثرت فيه فدل على ان العنة فيه استحكمت لا تزول فلما عدمت فائدة النكاح من لذة وتناسل فرق بينهما اذ كان النكاح موضوعا للالتذاذ او للتناسل اولهما معا او فى حق طائفة لكذا وفى حق اخرى لكذا وفى حق اخرى للمجموع وكذلك اليوم فى حق من اخذ من الامم اذا انقضت دورته وقع الاخذ الآلهى فى آخره انتهى. كلامه قدس سره. واعلم ان الله تعالى امهل عباده ولم يأخذهم بغتة ليروا ان العفو والاحسان احب اليه من الاخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه وان رحمته سبقت غضبه ثم انهم اذا لم يعرفوا الفضل من العدل واللطف من القهر والجمال من الجلال اخذهم فى الدنيا والاخرة بانواع البلاء والعذاب وهى تطهير فى حق المؤمن وعقوبة محضة فى حق الكافر لانه ليس من اهل التطهير اذ التطهير انما يتعلق بلوث المعاصى غير الكفر عصمنا الله واياكم مما يوجب سخطه وعذابه وعقابه

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} حتّى يشاهدوا آثار الرّسل وآثار مصدّقيهم ومكذّبيهم {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فيعتبروا بهم ويتأسّوا بالمصدّقين ويجتنبوا عن مثل افعال المكذّبين واقوالهم وقد مضى مكرّراً تفسير الارض والسّير فيها بارض القرآن والاخبار والسّير الماضية وبارض العالم الصّغير {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فهؤلاء اولى لضعفهم بان يجتنبوا عن مثل افعالهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ} عن انفاذ امره وامضاء سنّته {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً} بجملة الاشياء فيعلم تكذيب المكذّب واستكباره ومكره وتصديق المصدّق وتسليمه {قَدِيراً} على ما يريد.

الهواري

تفسير : قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: بلى، قد ساروا، وليتفكروا فيما أهلك الله به الأمم فليحذروا أن ينزل بهم ما نزل بهم. وكان عاقبة الذين من قبلهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قال: {وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ} أي: ليسبقه {مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: حتى لا يقدر عليه {إِنَّه كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}. قوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا} أي: بما عملوا {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} يقول: يحبس عنهم المطر، فهلك ما في الأرض من دابّة. {وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ} يعني المشركين {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: الساعة التي يكون بها هلاك آخر كفّار هذه الأمة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي: الساعة {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} لا تخفى عنه منهم خافية، أي: لا يكذب صادقاً، ولا يصدّق كاذباً ولا يقضي بباطل، سبحانه وتعالى.

اطفيش

تفسير : {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} ساروا في متاجرهم الى الشام والعراق واليمن، ورأوا اثار الماضين وعلامات هلاكهم فهلا ازدجروا لئلا يصيبهم ما اصاب هؤلاء. {وكانوا أشد منهم قوة} ولم تغن عنهم قوتهم سبحان من لا تتفاوت الاشياء في قدرته. {وما كان الله ليعجزه من شيء} يسبقه ويفوته {في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما} بالاشياء كلها. {قديرا} عليها {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من المعاصي. {ما ترك على ظهرها} اي ظهر الارض بدليل قوله. {من} زائدة في المفعول. {دابة} فان الدبيب يكون على الارض والمراد بالدابة الناس بدليل قوله عز وجل {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} وهو يوم القيامة وقيل المراد بالدابة الناس وغيرهم يهلك الجميع من شوم ذنوب بني آدم والجن وفي جعل الدواب منافع لهم. قال ابن مسعود - رضي الله عنه - كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا وقال انس ان الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم وان المطر يحبس وتهلك اشياء. {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} بأهل الطاعة وأهل المعصية فيجازي كلا فهذا وعد للطائعين ووعيد للعاصين. اللهم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالسورة اخز النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم رضي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {أو لَم يسيرُوا في الأرض فيَنْظروا كيف كان عاقبة الَّذين من قَبْلهم} من المكذبين عاقبهم الله على التكذيب، يرون بقية منازلهم خالية فى سفرهم الى الشام والعراق واليمن، والهمزة مما بعد الواو، وإلا قدرنا أقعدوا ولم يسيروا {وكانُوا} أى من قبلهم، والواو للحال على تقدير المشهور، حيث كان الفعل ماضيا مثبتاً متصرفا {أشدّ منْهُم قُوةً} فى أبدانهم ومنافعها {وما كان الله ليعْجزه مِن شيء} لا يفوته شىء عما أراد به من ايجاد واعدام، وزيادة ونقص وتعذيب وغير ذلك، كالعلم به "أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصَاها" تفسير : [الكهف: 49] وكون الواو عاطفة أولى من كونها للحال من واو كانوا {في السَّماوات ولا في الأرض إنَّه كانَ عليماً قديراً}.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } استشهاد على ما قبله من جريان سنة الله تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلتهم إلى الشام واليمن والعراق / من آثار الأمم الماضية وعلامات هلاكهم، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام على رأي أي أقعدوا ولم يسيروا، وقوله تعالى: {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } أي ليس من شأنه عز شأنه أن يسبقه ويفوته {مِن شَىْء } أي شيء و(من) لاستغراق الأشياء {فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } هو نظير {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً }تفسير : [الكهف: 49] والواو حالية أو عاطفة. وفي «الإرشاد» الجملة اعتراض مقرر لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السالفة، وظاهره أن الواو اعتراضية. {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } مبالغاً في العلم والقدرة، والجملة تعليل لنفي الإعجاز.

ابن عاشور

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}. عطف على جملة { أية : فهل ينظرون إلا سنت الأولين } تفسير : [فاطر: 43] استدلالاً على أن مساواتهم للأولين تنذر بأن سيحل بهم ما حلّ بأولئك من نوع ما يشاهدونه من آثار استئصالهم في ديارهم. وجملة {وكانوا أشد منهم قوة} في موضع الحال، أي كان عاقبتهم الاضمحلال مع أنهم أشد قوة من هؤلاء فيكون استئصال هؤلاء أقرب. وجيء بهذه الحال في هذه الآية لما يفيده موقع الحال من استحضار صورة تلك القوة إيثاراً للإِيجاز لاقتراب ختم السورة. ولذلك لم يؤت في نظائرها بجملة الحال ولكن أتى فيها بجملة وصففٍ في قوله في سورة غافر (21): { أية : الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض }، تفسير : وفي سورة الروم (9) { أية : الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } تفسير : حيث أوثر فيهما الإِطناب بتعداد بعض مظاهر تلك القوة. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيرًا}. لما عَرَض وصف الأمم السابقة بأنهم أشد قوة من قريش في معرض التمثيل بالأولين تهديداً واستعداداً لتلقّي مثل عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن الطماعية في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من المنجيات ما لم يكن للأمم الخالية كزعمهم: أن لهم آلهة تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها أو دفاعها فقيل: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض}، أي هَبكم أقوى من الأولين أو أشدّ حِيلة منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم، فما أنتم بمفلَتين من عذاب الله لأن الله لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء كقوله: { أية : وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون اللَّه من ولي ولا نصير } تفسير : [العنكبوت: 22]. وجيء بلام الجحود مع {كان} المنفية لإِفادة تأكيد نفي كل شيء يحول دون قدرة الله وإرادته، فهذه الجملة كالاحتراس. ومعنى «يعجِزه»: يجعله عاجزاً عن تحقيق مراده فيه فيفلت أحد عن مراد الله منه. وجملة {إنه كان عليماً قديراً} تعليل لانتفاء شيء يغالب مراد الله بأن الله شديد العلم واسعه لا يخفى عليه شيء وبأنه شديد القدرة. وقد حصر هذان الوصفان انتفاء أن يكون شيء يعجز الله لأن عجز المريد عن تحقيق إرادته: إما أن يكون سببه خفاء موضع تحقق الإِرادة، وهذا ينافي إحاطة العلم، أو عدم استطاعة التمكن منه وهذا ينافي عموم القدرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكانوا أشد منهم قوة: أي وأهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسلهم. وما كان الله ليعجزه من شيء: أي ليسبقه ويفوته فلم يتمكن منه. إنه كان عليماً قديرا: أي عليماً بالأشياء كلها قديراً عليها كلها. بما كسبوا: أي من الذنوب والمعاصي. ما ترك على ظهرها: أي ظهر الأرض من دابة أي نسمة تدب على الأرض وهي كل ذي روح. إلى أجل مسمى: أي يوم القيامة. فإن الله كان بعباده بصيراً: فيحاسبهم ويجزيهم بحسب كسبهم خيراً كان أو شراً. معنى الآيات: لما هدد الله تعالى المشركين بإمضاء سنته فيهم وهي تعذيب وإهلاك المكذبين إذا أصروا على التكذيب ولم يتوبوا. قال {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ} أي المشركون المكذبون لرسولنا {فِي ٱلأَرْضِ} شمالاً أو جنوباً {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كقوم صالح وقوم هود، إنها كانت دماراً وخساراً {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي من هؤلاء المشركين اليوم قوة وقوله تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي لم يكن ليعجز الله شيء فيفوت الله ويهرب منه ولا يقدر عليه بل إنه غالب لكل شيء وقاهر له وقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} تقرير لقدرته وعجز كل شيء أمامه، فإن العليم القدير لا يعجزه شيء بالاختفاء والتستر، ولا بالمقاومة والهرب. وقوله تعالى {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} وهي الآية الأخيرة من هذا السياق [45] أي ولو كان الله يؤاخذ الناس بذنوبهم فكلُّ من أذنب ذنباً انتقم منه فأهلكه ما ترك على ظهر الأرض من نسمة ذات روح تدب على وجه الأرض، ولكنه تعالى يؤخر الظالمين {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي معين الوقت محدده إن كان في الدنيا ففي الدنيا، وإن كان يوم القيامة ففي القيامة. وقوله {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} يخبر بأنه إذا جاء أجل الظالمين فإنه تعالى بصير بهم لا يخفى عليه منهم أحد فيهلكهم ولا يبقى منهم أحداً لكامل علمه وعظيم قدرته، الا فليتق الله الظالمون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية السير في الأرض للعبرة لا للتنزه واللهو واللعب. 2- بيان أن الله لا يعجزه شيء وذلك لعلمه وقدرته وهي حال توجب الترهيب منه تعالى والإِنابة إليه. 3- حرمة استعجال العذاب فإِن لكل شيء أجلا ووقتاً معيناً لا يتم قبله فلا معنى للاستعجال بحال.

القطان

تفسير : الدابة: كل حيوان يدب على الأرض بما فيه الانسان. أوَلَم يَسِرْ هؤلاء المشركون أثناء رَحلاتهم الى الشام ويروا الأرض التي أهلكنا فيها أهلَها بكفرهم وجعلناهم مثلاً لمن بعدهم. لقد كان أولئك أقوى منهم واغنى فلم تمنعهم قوتهم من عذاب الله. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} وهذا تهديدٌ لهم أنهم إذا ساروا على تمرّدِهم وعنادهم فمصيرهم مصيرُ من سبقَهم، وان هذا سهلٌ عليه، ولا يُعجِزه شيء يريده في هذا الكون الكبير كله. ولو يؤاخذ الله الناس بما يكسبونه من آثام وما يجرّونه على أنفسهم من الفتن، ما تَرَكَ على ظهر الأرض دابةً تدبّ عليها، ولكنه يؤخرهم الى يوم الحساب والجزاء، فإذا جاء موعدُهم هذا فسيجازيهم بكل ما عملوا ولا يفلِتُ من حسابه احد، إنه باعمال عباده بصير لا يخفى عليه شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (44) - أَوْ لَمْ يَسِرْ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ في الأَرْضِ التِي أَهْلَكْنا أَهْلَها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيِبِهم رُسُلَ رَبِّهم، أثناءَ رِحْلاَتِهم في تِجَارَاتِهم، فينظروا كَيْفَ أَهْلَكْنَا المُكَذِّبينَ السَّالِفِينَ، وَدَمَّرْنَا عَليهم تَدْميراً، وَلَمْ نَتْرُكْ لَهُمْ مِنْ بَاقيةٍ؟ وَكَانَ أُولئِكَ السَّالِفُونَ أَكْثَرَ قُوَّةً مِنْ مُشْرِكِي قومِكَ فكانَ حَرِيّاً بِمُشْرِكِي قُريشٍ أَنْ يَتَّعِظُوا بِمَا رَأَوْه، وأَنْ يَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ والطُّغْيَانِ والتَّكْذِيبِ. واللهُ تَعالى لا يُعجزُه إِدراكُ شيءٍ في السَّمَاواتِ أَوْ في الأَرْضِ، لذَلِكَ فَإِنَّ هؤلاءِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَفُوتُوا اللهَ، ولا أَنْ يُفْلِتُوا منْ عِقَابِهِ، إِنْ أَرَادَ إهْلاَكَهُم وَعِقَابَهم. وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أن تُعَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةُ، فَيُعَجِّلُهَا لَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهِ اسْتِعْدادٌ للتَّوْبَةِ، فَيُؤَخِّرُهُ لِيَتُوبَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلى الانْتِقَامِ مِمَّنْ شَاءَ، وَعَلَى هِدَايَةِ مَنْ شَاءَ إلى الإِيمانِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الاستفهام في {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ ..} [فاطر: 44] استفهام يفيد التعجُّب، يعني: كيف يكون منهم هذا {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [فاطر: 44] أي من المكذِّبين الذين أخذهم الله {وَكَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فاطر: 44]. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. نعم، كانوا في حركة حياتهم وفي أسفارهم يمرُّون على قُرى عَادٍ وثمود، وقوم لوط وقوم صالح .. الخ وكانوا يروْنَ آثارهم وما حَاق بهم من الدمار والخراب بعد أنْ كذَّبوا رسلهم، وكانوا أصحاب حضارات وعمارة وقصور لا مثيل لها. كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 6-14]. والعجيب أن أصحاب هذه الحضارات التي جابت سمعتُها الآفاق لم يستطيعوا أن يضعوا لحضاراتهم ما يصونها من الاندثار. ولنا ملحظ في قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [فاطر: 44]. فمنذ عهد قريب كنا نعتقد أن السير في الأرض يعني على الأرض؛ لأننا نسير عليها لا فيها، إلى أن اكتشفنا أن الأرض فيها الأقوات، وسيد الأقوات الهواء، بدليل أنك تصبر على الماء لعدة أيام، وتصبر أكثر منها على الطعام، لكنك لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق أو زفير، لو حُبس عنك لفارقتَ الحياة. وعرفنا أن هواء الأرض من الأرض؛ لذلك يدور معها ويرتبط بها إذن: نحن بهذا المعنى لا نسير على الأرض، إنما نسير فيها، حتى الذي يحلق بالطائرة في طبقات الجو العليا أيضاً يسير في الأرض؛ لأن الهواء من الأرض، وهو أصل قوامها نفساً وقوتاً. وليتأكد لك أن الهواء سيد الأقوات، إجر هذه التجربة، خذ إصيصاً أو برميلاً مثلاً وضَع فيه تربة زراعية بوزن معين، وازرع فيه شجرة مثمرة كالموز مثلاً، وبعد فترة زِنْ الثمار التي أخذتها من الشجرة وزِن ما نقص من التربة، وسوف تجد أن التربة نقصتْ بمقدار خمسة بالمائة، أما نسبة الخمسة والتسعين فمن الهواء. فكأن الهواء هو المغذِّى الأساسى للنبات؛ لذلك نقول: إنه الأصل فى القوت، على خلاف ما كنا نعتقده من أن التربة هي الأصل في القوت، لذلك يشير القرآن إلى هذه المسألة، فيقول سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66] فذكر الفوقية قبل التحتية. الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ ..} [فاطر: 44] يريد من الكفار أنْ ينظروا إلى مواقع الحياة، لا إلى كلامنا، ولا إلى كلامهم، بل واقع الحياة المشَاهَد، فقال {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ} [فاطر: 44] لأنهم ساروا بالفعل؛ لأنهم كانوا أمة لها تجارة في الصيف إلى الشمال، وفي الشتاء إلى الجنوب. وفي هذه الأسفار رأوا الكثير من آثار مَنْ سبقهم، فهل رأوا في السابقين رسولاً هُزِم من المكذبين به؟ لقد هزم الله المكذبين والكافرين، وكتب النصر للمؤمنين الصادقين، وهؤلاء الذين أخذهم الله كانوا أشدَّ منهم قوةً، لكنها قوة البشر مهما بلغتْ من التقدم ماذا تفعل أمام قوة الله، فلا تنظر إلى قوة الرسول، لكن انظر إلى قوة مَنْ أرسله، ومَنْ تكفَّل بحفظه ونصرته. إذن: هذه معركة ليست بين خَلْق وخَلْق، إنما بين خَلْق معاندين للخالق سبحانه، فهل تُعجِزون الله؟ لذلك ينفي الحق سبحانه أنْ يكونوا معجزين، وينفي أن يكونوا معاجزين، وفَرْق بين الاثنين: معجز إنْ أعجزه ولو مرة يعني: أتى بما يعجزه، إنما مُعاجز فيها مشاركة ومفاعلة، كأن الإعجاز كان بينهما سِجَال، وفيه أَخْذ ورَدٌّ. فكأن الحق سبحانه يُملي لهم ويمهلهم، فيجعل لهم الغَلَبة، في بعض الجَوْلات ليستنفد كل أنواع الحيل، ويستنفد كل قُواهم، إذن: مهما كانت قوتكم، ومهما استعنتُم وتقوَّيتم بحضارات أخرى فلن تُعجزوا الله؛ لأن الله تعالى لا يُعجزه شيء، وليس له سبحانه شريك أو مقابل يساعدكم، فهو إله واحد يساعد المؤمنين به وينصرهم، وأنتم لا ناصرَ لكم، والحق سبحانه أهلك المكذِّبين قبلكم، وكانوا أشد منكم قوةً، والذي يقدر على الأشدِّ أقدر من باب أَوْلَى على الأضعف. والحق سبحانه وتعالى حين يريد أنْ يؤكد أمراً واقعياً من الممكن أنْ يأتي به في صورة الخبر، فيقول: لقد ساروا في الأرض، ورأوا كذا وكذا، لكن عدل عن الخبر هنا إلى الاستفهام، يعني: اسألوهم أساروا أم لم يسيروا؟ والحق سبحانه لا يسأل هذا السؤال إلا وهو واثق أنهم سيقولون سِرْنا، وهذا يؤكد الكلام؛ لأنه إقرار من المخاطب نفسه، كما أن الاستفهام بالنفي أقوى في تقرُّر المخاطب من الاستفهام بالإثبات. ومسألة السير في الأرض أخذتْ حظاً واسعاً من القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى يريد من الناس أنْ ينظروا إلى الآيات الكونية، وأنْ يتأملوا في الكون ليقفوا على أسراره، وعلى دلائل القدرة فيه؛ لذلك يأمرنا الحق سبحانه مرّة بقوله: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ} تفسير : [النمل: 69] ومرة: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ} تفسير : [الأنعام: 11]. فما الفرق بين التعبيرين؟ قالوا: السير في الأرض يكون إما للنظر والاعتبار وإما للاستثمار، فقوله تعالى: {أية : فَٱنظُرُواْ} تفسير : [النمل: 69] للسير المراد منه الاعتبار والتأمل في آيات الله، وفي هندسة الكون العجيبة التي تدلُّنا على قدرة الخالق سبحانه. أما قوله {أية : ثُمَّ ٱنْظُرُواْ} تفسير : [الأنعام: 11] فهي للسير الذي يُرَاد منه العمل والاستثمار وطلب الرزق، فحتى إنْ سِرْتَ في أنحاء الأرض طلباً للرزق وللاستثمار لا تَنْسَ ولا تغفل عن الاعتبار وعن التأمل، ولا تحرم نفسك من النظر في الآيات وفي مُلْك الله الواسع، خاصة إذا اختلفتْ البيئات. فالبيئة الصحراوية البدوية كبادية الحجاز مثلاً تسير فيها لا تكاد ترى فيها أثراً للون الأخضر، وفي إندونيسيا مثلاً ذهبنا إلى أماكن تكسوها الخضرة، بحيث لا ترى بقعة من الأرض خالية من النبات، وفي كل من هاتين البيئتين خيراتها وما يُميِّزها عن الأخرى؛ لذلك قالوا في المثل: (اللي يعيش ياما يشوف، واللي يمشي يشوف أكثر). ثم يقول سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} [فاطر: 44]. سبق أنْ تكلَمنا في معنى يُعجِزه، الآية هنا لا تنفي أن شيئاً في السماوات أو في الأرض يُعجِز الحق سبحانه، إنما تنفي مجرد أنْ يكون هذا أو يُتصوَّر، فهذا أمر لا يُتصور ولا يكون أصلاً. وقوله: {مِن شَيْءٍ} [فاطر: 44] من هنا تنصُّ على العموم يعني: من بداية ما يقال له شيء كما تقول: ما عندي مال، فيجوز أنْ يكون لديك مال، لكن قليل لا يُعْتَدُّ به، فإنْ قلتَ: ما عندي من مال فقد نفيتَ وجود كل ما يُقال له مال، مهما كان قليلاً ولو قرشاً واحداً. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} [فاطر: 44] يُبيِّن علة أنه سبحانه لا يُعجزه شيء، فالله تعالى عليم بعلم محيط لا يعزب عنه شيء، فإن بيَّتوا شيئاً علمه الله وعلم مكانه، ثم هو سبحانه قدير، عالم بقدرة، وهذان هما عُنْصرا الغَلَبة العلم والقدرة، تعلم الشيء وتقدر أنْ تردَّه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ} معناه يَفُوتُهُ ويَسبِقُهُ.

الجيلاني

تفسير : {أَ} ينكرون سنة الله في الأمم الماضية الهالكة بتعذيب الله إياهم بسبب تكذيب الرسل والإنكار عليهم {وَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} بنظرة العبرة {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} القوم {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} مكذبين لرسله {وَ} الحال أ نهم قد {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ} أي: من هؤلاء المكذبين لك يا أكمل الرسل {قُوَّةً} وقدرة، وأكثر شوكة وأموالاً وأولاداً {وَ} مع ذلك {مَا كَانَ ٱللَّهُ} المتعزز برداء العز والعلاء على جميع ما جرى في ملكه من الأشياء {لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ} بأن يفوت عنه شيء حقير ويعزب عن حضرة علمه ذرة يسير لا {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ} أي: العلويات {وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات، وكيف يفوت عن خبرته سبحانه شيء {إِنَّهُ} في ذاته {كَانَ عَلِيماً} لا يعزب عن حضرة علمه شيء {قَدِيراً} [فاطر: 44] على إظهار ما في خزانة علمه بلا فترة وفتور، وفطور وقصور. {وَ} من كمال حلم الله على عباده، ونهاية رأفته ورحمته منهم أنه {لَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ} المطلع لجميع ما جرى في ملكه من الجرائم الموجبة للأخذ والانتقام {ٱلنَّاسَ} الذين كلفوا من عنده سبحانه بترك الجرائم والآثام المانعة من الوصول إلى المبدئ الحقيقي {بِمَا كَسَبُواْ} أي: شؤم ما اكتسبوا لأنفسهم من المعاصي التي منعوا عنها {مَا تَرَكَ} سبحانه {عَلَىٰ ظَهْرِهَا} أي: على ظهر الأرض {مِن دَآبَّةٍ} أي: متحركة من المكلفين غير مأخوذة بجرم، بل بجرائم كثيرة عظيمة؛ إذ قلما يخلوا إنسان عن طغيان ونسيان {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ} أي: يؤخر أخذهم سبحانه ويمهلهم {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} معين مقدر للأخذ والانتقام، وهو يوم القيامة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} الموعود المعين عند الله، المعلوم له سبحانه فقط، بلا إفشاء وإطلاع منه لأحد من أنبيائه ورسله، أُخذوا حينئذ بما اقترفوا من الجرائم والمعاصي بلا فوت شيء منها {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المراقب، المحافظ على جميع ما جرى في ملكه وملكوته {كَانَ بِعِبَادِهِ} في جميع أوقات وجودهم، بل باستعداداتهم وقابلياتهم، وما جرى عليهم فيها {بَصِيراً} [فاطر: 45] شهيداً مطلعاً يجازيهم على مقتضى إطلاعه وخبرته بأعمالهم ونياتهم فيها. ربنا أصلح لنا عواقب أمورنا ويسر علينا كل عسير. خاتمة السورة عليك أيها السالك، المتشمر لإعداد زاد يوم الميعاد، وفقك الله على إتمامه أن تلف شملك وتجمع همك للركون إلى الآخرة التي هي دار الخلود والقرار، وتجتهد في رفع الموانع والشواغل العائقة عن هذا الميل، وفلك أن تنقطع عن مألوفاتك ومشتهياتك التي هي أسباب الأخذ والبطش الإلهي، وتنخلع عن لوازم تعيناتك المشتملة على أنواع الفتن والمحن حسب ما يسَّر الله عليك، معرضاً عن الدنيا الدنية ومستلذاتها البهية ومشتهياتها الشهية؛ إذ لا قرار لها ولا مدار لما يترتب عليها، بل كلها زائدل فإنٍ، مورث لأنواع الحسرات في النشأة الأولى، ولأشد العذاب والزفرات في النشأة الأخرى. والمؤيد من عند الله بالعقل المفاض المميز بين الصلاح والفساد، وبين الفاني والباقي، والمرشد والهادي إلى فضاء التوحيد، والمتذكر له، كيف يختار الفاني على الباقي واللذات الجسمانية الزائلة سريعاً، الجالبة للأحزان الطويلة على اللذات الروحانية القارة المستتبعة للحالات العلية، والمقامات السنية التي لا يعرضها انقراض ولا انقضاء ولا نفوذ ولا انتهاء؟!. ربِّ اختم بفضلك عواقب أمورنا بالخير والحسنى، إنك على ما تشاء قدير وبرجاء الراجين جدير.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يحض تعالى على السير في الأرض، في القلوب والأبدان، للاعتبار، لا لمجرد النظر والغفلة، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ممن كذبوا الرسل، وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأشد قوة، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، فلما جاءهم العذاب، لم تنفعهم قوتهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا، ونفذت فيهم قدرة اللّه ومشيئته. { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } لكمال علمه وقدرته { إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } . ثم ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا } من الذنوب { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } أي: لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة. { وَلَكِنْ } يمهلهم تعالى ولا يهملهم و { يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر. تم تفسير سورة فاطر، والحمد للّه رب العالمين