Verse. 3705 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللہُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوْا مَا تَرَكَ عَلٰي ظَہْرِہَا مِنْ دَاۗبَّۃٍ وَّلٰكِنْ يُّؤَخِّرُہُمْ اِلٰۗى اَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۚ فَاِذَا جَاۗءَ اَجَلُہُمْ فَاِنَّ اللہَ كَانَ بِعِبَادِہٖ بَصِيْرًا۝۴۵ۧ
Walaw yuakhithu Allahu alnnasa bima kasaboo ma taraka AAala thahriha min dabbatin walakin yuakhkhiruhum ila ajalin musamman faitha jaa ajaluhum fainna Allaha kana biAAibadihi baseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا» من المعاصي «ما ترك على ظهرها» أي الأرض «من دابة» نسمة تدبّ عليها «ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى» أي يوم القيامة «فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا» فيجازيهم على أعمالهم، بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : لما خوف الله المكذبين بمن مضى وكانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم يستعجلون بالعذاب ويقولون عجل لنا عذابنا فقال الله: للعذاب أجل والله لا يؤاخذ الله الناس بنفس الظلم فإن الإنسان ظلوم جهول، وإنما يؤاخذ بالإصرار وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الإيمان ممن كتب الله إيمانه فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذبين ولو آخذهم بنفس الظلم لكان كل يوم إهلاك وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب يهلكون؟ نقول الجواب من وجوه أحدها: أن خلق الدواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدواب أقرب النعم لأن المفرد أولاً ثم المركب والمركب إما أن يكون معدنياً وإما أن يكون نامياً والنامي إما أن يكون حيواناً وإما أن يكون نباتاً، والحيوان إما إنسان وإما غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان الثاني: هو أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أن بقاء الإنسان بالأشياء وذلك لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فيبقى الإنسان فإذا كان الهلاك عاماً لا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الأبنية والزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك بالسقي والعلف الثالث: هو أن إنزال المطر هو إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات وقوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } الوجه الثالث: لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر، أما حيوانات البحر فتعيش بماء البحار. المسألة الثانية: قوله تعالى: {عَلَىٰ ظَهْرِهَا } كناية عن الأرض وهي غير مذكورة فكيف علم؟ نقول مما تقدم ومما تأخر، أما ما تقدم فقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [فاطر:44] فهو أقرب المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها، وأما ما تأخر فقوله: {مِن دَابَّةٍ } لأن الدواب على ظهر الأرض، فإن قيل كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض، مع أن الوجه مقابل الظهر كالمضاد؟ نقول من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر يقال له ظهر الأرض، ومن حيث إن ذلك هو المقابل للخلق المواجه لهم يقال له وجهها، على أن الظهر في مقابلة البطن والظهر والظاهر من باب والبطن والباطن من باب، فوجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن. المسألة الثالثة: في قوله تعالى: {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } وجوه أحدها: إلى يوم القيامة وهو مسمى مذكور في كثير من المواضع ثانيها: يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن على ما تقدم ثالثها: لكل أمة أجل ولكل أجل كتاب وأجل قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيام القتل والأسر كيوم بدر وغيره. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } تسلية للمؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما قال: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } وقال: {أية : لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال:25] قال: فإذا جاء الهلاك فالله بالعباد بصير، إما أن ينجيهم أو يكون توفيهم تقريباً من الله لا تعذيباً، لا يقال قد ذكرت أن الله لا يؤاخذ بمجرد الظلم، وإنما يؤاخذ حين يجتمع الناس على الضلال ونقول بأنه تعالى عند الإهلاك يهلك المؤمن فكيف هذا، نقول قد ذكرنا أن الإماتة والإفناء إن كان للتعذيب فهو مؤاخذة بالذنب وإهلاك، وإن كان لإيصال الثواب فليس بإهلاك ولا بمؤاخذة، والله لا يؤاخذ الناس إلا عند عموم الكفر، وقوله: {بَصِيراً } اللفظ أتم في التسلية من العليم وغيره لأن البصير بالشيء الناظر إليه أولى بالإنجاء من العالم بحالة دون أن يراه والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} يعني من الذنوب. {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دَبّ ودَرَج. قال قتادة: وقد فُعل ذلك زمن نوح عليه السلام. وقال الكلبيّ: {مِن دَآبَّةٍ} يريد الجنّ والإنس دون غيرهما؛ لأنه مُكَلَّفان بالعقل. وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم. قلت: والأوّل أظهر؛ لأنه عن صحابيّ كبير. قال ابن مسعود: كاد الجُعَل أن يُعذب في جُحره بذنب ابن آدم. وقال يحيـى بن أبي كثير: أمَر رجل بالمعروف ونَهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك؛ فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ والله الذي لا إلٰه إلا هو ـ ثم قال ـ والذي نفسي بيده إن الحُبَارَى لتموت هُزْلاً في وَكرها بظلم الظالم. وقال الثُّمَالي ويحيـى بن سلام في هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شيء. وقد مضى في «البقرة» نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تفسير {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجَدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا هناك حديث البَرَاء بن عازب قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} قال: «دواب الأرض»تفسير : . {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال مقاتل: الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللّوح المحفوظ. وقال يحيـى: هو يوم القيامة. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ} أي بمن يستحق العقاب منهم {بَصِيراً }. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذا» «بصِيراً» كما لا يجوز: اليوم إن زيداً خارج. ولكن العامل فيها «جاء» لشبهها بحروف المجازاة، والأسماء التي يجازَى بها يعمل فيها ما بعدها. وسيبويه لا يرى المجازاة بـ«ـإذا» إلا في الشعر، كما قال:شعر : إذا قَصُرت أسيافنا كان وصلها خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } من المعاصي {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } أي الأرض {مِن دَآبَّةٍ } نسمة تدبّ عليها {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي يوم القيامة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } فيجازيهم على أعمالهم، بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِمَا كَسَبُواْ} من الذنوب {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} قيل: بحبس المطر عنهم. عام في كل ما دَبَّ ودرج وقد فعل ذلك زمن الطوفان، أو من الجن والإنس دون غيرهم لأنهما أهل تكليف أو من الناس وحدهم {أَجَلٍ مُّسَمّىً} وعدوا به في اللوح المحفوظ، أو القيامة {جَآءَ أَجَلُهُمْ} نزول العذاب، أو القيامة.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} جميعاً {بِمَا كَسَبُواْ} من السَّيئاتِ كما فُعل بأولئكَ {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا} أي على ظهرِ الأرضِ {مِن دَابَّةٍ} من نسمةٍ تدُبُّ عليها من بني آدمَ وقيل: ومن غيرِهم أيضاً من شؤمِ معاصِيهم. وهو المرويُّ عن ابن مسعودٍ وأنس رضي الله عنهما. ويُعضدُ الأوَّلِ قولُه تعالى {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} وهو يومُ القيامةِ {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} فيجازيهم عندَ ذلك بأعمالِهم إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرَّاً فشرٌّ. عن النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ: « حديث : مَن قرأَ سورةَ الملائكةِ دعتْهُ ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ أنِ ادخلْ من أيِّ بابٍ شئتَ » تفسير : والله تعالَى أعلمُ.

القشيري

تفسير : لو عَجَّلَ لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تَفِ أعمارُهم القليلةُ به، وما اتسعت أيامُهم القصيرة له، فأَخَّرَ ذلك ليومِ الحَشْرِ... فإِنَّه طويلٌ. واللَّهُ على كل شيءٍ قديرٌ، وبأمورِ عبادِه خبيرٌ بصير.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو يواخذ الله الناس} جميعا {بما كسبوا} من المعاصى: وبالفارسية [واكر مؤاخذه كرد خداى تعالى مردمانرا بجزاى آنجه كسب ميكنند از شرك ومعصيت جنانكه مؤاخذه كرد امم ماضيه] {ما ترك على ظهرها} الظهر بالفارسية [بشت] والكناية راجعة الى الارض وان لم يسبق ذكرها لكونها مفهومة من المقام {من دابة} من نسمة تدب عليها من بنى آدم لانهم المكلفون المجازون ويعضده ما بعد الآية او من غيرهم ايضا فان شؤم معاصى المكلفين يلحق الدواب فى الصحارى والطيور فى الهواء بالقحط ونحوه. ولذا يقال من اذنب ذنبا فجميع الخلق من الانس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماؤه يوم القيامة وقد اهلك الله فى زمان نوح عليه السلام جميع الحيوانات الا ما كان منها فى السفينة وذلك بشؤم المشركين وسببهم. وقال بعض الائمة ليس معناه ان البهيمة توخذ بذنب ابن آدم ولكنها خلقت لابن آدم فلا معنى لابقائها بعد افناء من خلقت له {ولكن يؤخرهم الى اجل مسمى} وقت معين معلوم عند الله وهو يوم القيامة {فاذا جاء اجلهم} [بس جون بيايد وقت هلاك ايشان] {فان الله كان بعباده بصيرا} فيجازيهم عند ذلك باعمالهم ان خيرا فخير وان شرا فشر شعر : آنرا بلوامع رضا بنوازد اين را بلوامع غضب بكدازد كس را بقضاى قدرتش كارى نيست آنست صلاح خلق كوميسازد تفسير : وفى الآية اشارة الى انه ما من انسان الا يصدر منه ما يستوجب المؤاخذة ولكن الله تعالى بفضله ورحمته يمهل ثم يؤاخذ من كان اهل المؤاخذة ويعفو عمن هو اهل العفو. ففى الآية بيان حلمه تعالى وارشاد للعباد الى الحلم فان الحلم حجاب الآفات وملح الاخلاق. وساد احنف بن قيس بعقله وحلمه حتى كان يتجرد لامره مائة الف سيف وكان امراء الامصار يلتجئون اليه فى المهمات وهو المضروب به المثل فى الحلم وقال له رجل دلنى على المروء فقال عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح ثم قال ألا ادلك على ادوى الداء قال بلى قال اكتساب الذم بلا منفعة. ومن بلاغات الزمخشرى "البأس والحلم حاتمى واحنفى: والدين والعلم حنيفى وحنفى" وفيه لف ونشر على الترتيب والبأس الشجاعة وفيها السخاوة اذ لا تكون الشجاعة الا بسخاوة النفس ولا تكون السخاوة الا بالشجاعة فان المال محبوب لا يصدر انفاقه الا ممن غلب على نفسه. والجود منسوب الى حاتم بن عبدالله بن سعد الطائى. والحلم منسوب الى الاحق المذكور. والدين منسوب الى ابراهيم بن الحنيف معلم ابى حنيفة رحمه الله. والعلم منسوب الى ابى حنيفة وفى هذا المعنى قيل شعر : الفقه زرع ابن مسعود وعلقمة حصاده ثم ابراهيم دوّاس نعمان طاحنه يعقوب عاجنه محمد خابز والآكل الناس تفسير : ثم ان الحلم لا بد وان يكون فى محله كما قيل شعر : ارى الحلم فى بعض المواضع ذلة وفى بعضها عزا يسود فاعله تفسير : وكذلك الاحسان فانه انما يحسن اذ وقع فى موقعه شعر : هر آنكس كه بردزد رحمت كند ببازوى خود كاروان ميزند تفسير : ثم ان البصير هو المدرك لكل موجود برؤيته. وخاصية هذا الاسم وجود التوفيق فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مائة مرة فتح الله بصيرته ووفقّه لصالح القول والعمل نسأل الله سبحانه ان يفتح بصيرتنا الى جانب الملكوت ويأخذنا عن التعلق بعالم الناسوت ويحلم عنا باسمه الحليم ويختمنا بالخير ممن اتى بقلب سليم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلَ جلاله: {ولو يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بما كسبوا} بما اقترفوا من المعاصي {ما ترك على ظهرها} على ظهر الأرض؛ لأنه جرى ذكرها في قوله: {أية : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِى السَّمَاواتِ وَلاَ فِى الأَرْضِ إِنَّهُ} تفسير : [فاطر: 44]، {من دابةٍ} من نسمة تدبُّ عليها. قيل: أهل المعاصي فقط من الناس، وقيل: من الجن والإنس. والمشهور: أنه عام في كل ما يدب؛ لأن الكل خُلق للآدمي. وعن ابن مسعود: (إِن الجُعل ليُعذب في جحره بذنب ابن آدم)، يعني ما يصيبه من القحط، بشؤم معاصيه. وقال أبو هرير: إن الحبارى لتموت هزالاً في وكرها بظلم الظالم. هـ. قال القشيري: لو عَجَّل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب، لم تَفِ أعمارُهم القليلةُ، وما اتسعت أفهامُهم القصيرة له، فأخَّرَ ذلك ليوم الحَشْرِ، فإِنَّه طويل، والله على كل شيء قدير، بأمور عباده بصير، وإليه المصير هـ وهذا معنى قوله: {ولكن يُؤخرهم إِلى أجَلٍ مسمىً} هو يوم القيامة، {فإِذا جاء أجَلُهُم} أجل جمعهم، {فإِن الله كان بعباده بصيراً} أي: لن يخفى عليه حقيقة أمرهم، وحكمة حكمهم، فيجازيهم على قدر أعمالهم. الإشارة: تعجيل العقوبة في دار الدنيا للمؤمن إحسان، وتأخيرها لدار الدوام استدراج وخذلان. فكل مَن له عناية سابقة؛ عاتبه الله في الدنيا، بمصيبة في بدنه، أو ماله، أو في أهله، ومَن لا عناية له أُخرت عقوباته كلها لدار الجزاء. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه، وبسيدنا محمد نبيه صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ} كأنّه توهّم متوهّم انّ الله ان كان عالماً بهم وقديراً على مؤاخذتهم فلم لا يؤاخذهم؟! فعطف قوله ولو يؤاخذ الله {ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} رفعاً لذلك التّوهّم {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا} اى ظهر الارض {مِن دَآبَّةٍ} بشؤم اعمال بنى آدم ومؤاخذة دوابّ الارض بمؤاخذتهم {وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} فيجازى كلاًّ باعماله ولا يفوت احدٌ منه.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ } جميعاً {بِمَا كَسَبُواْ } فعلوا من السيآت كما واخذ أولئك {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } أي ظهر الأرض وقد سبق ذكرها في قوله تعالى: {أية : فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [فاطر: 44] فليس من الاضمار قبل الذكر كما زعمه الرضي؛ وظهر الأرض مجاز عن ظاهرها كما قال الراغب وغيره، وقيل: في الكلام استعارة مكنية تخييلية والمراد ما ترك عليها {مِن دَابَّةٍ } أي من حيوان يدب على الأرض لشؤم المعاصي، وقد قال سبحانه {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }تفسير : [الأنفال: 25] وهو المروي عن ابن مسعود، وقيل: المراد بالدابة الإنس وحدهم وأيد بقوله تعالى: {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } وهو يوم القيامة فإن الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء نوعهم، وقيل: هو لجميع من ذكر تغليباً ويوم القيامة الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات. {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } فيجازي المكلفين منهم عند ذلك بأعمالهم إن شراً فشر وإن خيراً فخير، وجملة {فإن الله} الخ موضوعة موضع الجزاء والجزاء في الحقيقة يجازي كما أشرنا إليه، هذا والله تعالى هو الموفق للخير ولا اعتماد إلا عليه. ومن باب الإشارة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إشارة إلى إيجاد عالمي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة مقدم على إيجاد عالم الكثافة، ويشير إلى ذلك ما شاع ((خلق الله تعالى الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } في إيصال أوامره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في مخلوقاته على أيديهم {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ } إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد {أية : يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء } تفسير : [فاطر: 1] عام في الملك وغيره، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } الزيادة المشار إليها وغيرها {أية : فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [فاطر: 2] فيه إشارة إلى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه عز وجل {أية : وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [فاطر: 4] تسلية لحبيبه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على إيذاء أعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }تفسير : [فاطر: 9] جرت سنته تعالى في أحياء الأرض بهذه الكيفية كذلك إذا أراد سبحانه احياء أرض القلب فيرسل أولاً رياح الإرادة فتثير سحاب المحبة ثم يأتي مطر الجود والعناية فينبت في القلب رياحين الروح وأزهار البسط ونوار الأنوار ويطيب العيش. {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } تفسير : [فاطر: 10] إشارة إلى أن العزة الحقيقية لا تحصل بدون الفناء، ولا تغفل عن حديث «حديث : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»تفسير : الخ {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } وهو أبعد المخلوقات من الحضرة وأسفلها / وأكثفها {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وفيها نوع ما من اللطافة {أية : ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } تفسير : [فاطر: 11] إشارة إلى ما حصل لهم من ازدواج الروح اللطيف العلوي والقالب الكثيف السفلى وهو مبدأ استعداد الوقوف على عوالم الغيب والشهادة {وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ } قيل أي بحر العلم الوهبـي وبحر العلم الكسبـي {هَـٰذَا } أي بحر العلم الوهبـي {عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ } لخلوه عن عوارض الشكوك والأوهام {وَهَـٰذَا } أي بحر العلم الكسبـي {مِلْحٌ أُجَاجٌ } لما فيه من مشقة الفكر ومرارة الكسب وعروض الشكوك والتردد والاضطراب {وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } إشارات لطيفة تتغذون بها وتتقوون على الأعمال {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وهي الأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة والأحوال المستحسنة التي تكسب صاحبها زينة {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ } سفن الشريعة والطريقة {فِيهِ مَوَاخِرَ } جارية {أية : لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }تفسير : [فاطر: 12] بالوصول إلى حضرته عز وجل فعل ذلك {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ } في سائر شؤونكم، ومراتب الفقر متفاوتة وكلما ازداد الإنسان قرباً منه عز وجل ازداد فقره إليه لازدياد المحبة حينئذ وكلما زاد العشق زاد فقر العاشق إلى المعشوق حتى يفنى {أية : وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } تفسير : [فاطر: 15] فيه من البشارة ما فيه {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] أي العلماء به تعالى وبشؤونه فهم كلما ازدادوا علما ازدادوا خشية لما يظهر لهم من عظمته عز وجل وأنهم بالنسبة إليه تعالى شأنه لا شيء {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ } تفسير : [فاطر: 32] قيل: الظالم لنفسه السالك والمقتصد السالك المجذوب والسابق المجذوب السالك، والسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه عز وجل {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } حزن تخيل الهجر فلا حزن للعاشق أعظم من حزن تخيل هجر معشوقه له وجفوته إياه {أية : إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } تفسير : [فاطر: 34] فلا بدع إذا أذهب عنا ذلك وآمننا من القطيعة والهجران {ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه سبحانه {أية : وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } تفسير : [فاطر: 35] هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر الحبيب، وقيل: لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم، هذا ونسأل الله تعالى من فضله الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب ودود.

ابن عاشور

تفسير : تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزاً أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا: { أية : اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمْطِرْ علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : [الأنفال: 32] فعلَّمهم أن لعذاب الله آجالاً اقتضتها حِكمتهُ، فيها رَعْي مصالح أمم آخرين، أو استبقاءُ أجيال آتين. فالمراد بــــ{الناس} مجموع الأمة، وضمير «ما كسبوا» وضمير {يؤخرهم} عائد إلى {أجل}. ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله: {فإذا جاء أجلهم} إلا أن هذه الآية جاء فيها {بما كسبوا} وهنالك جاء فيها { أية : بظلمهم } تفسير : [النحل: 61] لأن ما كسبوا يعم الظلم وغيره. وأوثر في سورة النحل {بظلمهم} لأنها جاءت عقب تشنيع ظلم عظيم من ظلمهم وهو ظلم بناتهم المَوْءُودَات وإلا أن هنالك قال: { أية : ما ترك عليها } تفسير : [النحل: 61] وهنا {ما ترك على ظهرها} وهو تفنن تبعه المعري في قوله: شعر : وإن شئت فازعم أن مَن فوق ظهرها عبيدُك واستشهدْ إِلَهٰك يَشْهَدِ تفسير : والضمير للأرض هنا وهناك في البيت لأنها معلومة من المقام. والظهر: حقيقته متن الدابة الذي يظهر منها، وهو ما يعلو الصلب من الجسد وهو مقابل البطن فأطلق على ظهر الإِنسان أيضاً وإن كان غير ظاهر لأن الذي يظهر من الإِنسان صدره وبطنه. وظهر الأرض مستعار لبسطها الذي يستقر عليه مخلوقات الأرض تشبيهاً للأرض بالدابة المركوبة على طريقة المكنية. ثم شاع ذلك فصار من الحقيقة. فأما قوله هنا: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً}، وقد قال هنالك { أية : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } تفسير : [النحل: 61]، فما هنا إيماء إلى الحكمة في تأخيرهم إلى أجل مسمى. والتقدير: فإذا جاء أجلهم آخذَهم بما كسبوا فإن الله كان بعباده بصيراً، أي عليماً في حالي التأخير ومجيء الأجل، ولهذا فقوله: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً} دليل جواب (إذَا) وليس هو جوابها، ولذلك كان حقيقاً بقرنه بفاء التسبب، وأما ما في سورة النحل فهو الجواب وهو تهديد بأنهم إذا جاء أجلهم وقع بهم العذاب دون إمهال. وقوله: {فإن اللَّه كان بعباده بصيراً} هو أيضاً جواب عن سؤال مقدر أن يقال: ماذا جنت الدوابّ حتى يستأصلها الله بسبب ما كسب الناس، وكيف يهلك كل من على الأرض وفيهم المؤمنون والصالحون، فأفيد أن الله أعلم بعدله. فأما الدواب فإنها مخلوقة لأجل الإِنسان كما قال تعالى: { أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } تفسير : [البقرة: 29]، فإهلاكها قد يكون إنذاراً للناس لعلهم يقلعون عن إجرامهم، وأما حال المؤمنين في حين إهلاك الكفار فالله أعلم بهم فلعل الله أن يجعل لهم طريقاً إلى النجاة كما نجّى هوداً ومن معه، ولعله إن أهلكهم أن يعوض لهم حسن الدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ثم يحشرون على نياتهم».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له وشواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [النحل: 61] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 45- ولو يعاقب الله الناس فى الدنيا لعم العقاب، وما ترك على ظهر الأرض دابة، لصدور الذنوب منهم جميعاً، ولكن يؤخر عقابهم إلى زمن معين هو يوم القيامة، فإذا جاء أجلهم المضروب لهم فسيجازيهم بكل دقة، لأنه كان بأعمال عباده بصيراً، لا يخفى عليه شئ منها.

د. أسعد حومد

تفسير : (45) - وَلوْ أَنَّ اللهَ تَعَالى عَاقَبَ النَّاسَ عَلَى جَميعِ ذُنُوبِهِمْ في الدُّنيا لأَهْلَكَ جَمِيعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ أرْزَاقٍ وَدَوَابَّ، وَلَكِنَّهُ تَعَالى يَدِّخِرُ مُؤَاخَذَتَهُمْ إِلى أجَلٍ مُسَمَّى، هُوَ يَوْمُ القِيَامة، فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بعملهِ. وَهُوَ تَعَالى بَصِيرٌ بأَعْمَالِ العِبَادِ وَبما اكْتَسَبُوا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لا يَغيبُ عَنْهُ مِنْهُ شَيءٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى رحيم يُوالي نعمه حتى على الكافرين به، والعاصين لأوامره، ولو أن الله تعالى آخذهم بظلمهم - وظلمهم كثير - ما ترك أحداً منهم، فلماذا يعاملنا الله هذه المعاملة؟ ولماذا يمهلنا هذا الإمهال؟ قالوا: لأنه تعالى ربنا وخالقنا، ويعلم أن الإنسان ضعيف أمام شهوات نفسه، ضعيف أمام هواه وأمام شيطانه؛ لذلك سبق حِلْمُه غَضَبه، وسبق عفوُه مؤاخدته، وقال سبحانه {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]. وورد في الأثر أن الحق سبحانه يخاطبنا بقوله تعالى: " .. لو لم تذنبوا لخلقتُ خلقاً غيركم يذنبون، فيستغفرون فأغفر لهم" وإلاَّ فكيف يُوصف الحق سبحانه بأنه توَّاب غفَّار، فالحق سبحانه يريد أنْ يثبت لنفسه سبحانه كل صفات الكمال، وأولها الوجود الواجب، ثم الحياة، وكل الصفات تابعة لهاتين الصفتين. وهذه الصفات لله تعالى يمكن أنْ تقسم إلى قسمين: قسم له مقابل: وهي صفات الفِعْل من الله تعالى، مثل: المحيي يقابلها المميت، والمعز يقابلها المذل، وقسم ليس له مقابل وهي صفات الذات مثل: الحي العزيز القهار الحليم، فهي صفات لا نقيضَ لها. والحق سبحانه لا يُؤاخذ الناسَ بما كسبوا. أي: من التعدي والظلم؛ لأن الله خلق الإنسان، وخلق له شهوات وغرائزَ، وكل أمور الدين جاءت لِتُعلي هذه الشهوات، وتسمو بهذه الغرائز، لا لتمحوها، جاءت لتهذبها لا لتقضي عليها، وإلا لو أن الحق سبحانه أراد ألاَّ تحدث هذه التعديات وهذا الظلم ما جعل الغرائز أصلاً. فمثلاً غريزة الجنس خلقها الله لعمارة الكون، ويريد الله من الإنسان أنْ يُعلي من هذه الغريزة بحيث تكون في الحلال وتحت مظلة الشرع، وسبق أنْ بيَّنا الفرق في هذه المسألة حين تتم في النور وتحت مظلة شرع الله، وعلى كلمات الله، وكيف نفرح بها ونعلنها ونفخر بها، أما لو تمت في الخفاء بعيداً عَمَّا شرعَ اللهُ فنحاول كتمانها، والتخلص من ثمرتها إنْ كان لها ثمرة، وإنْ ظهرت للناس كانت وصمةَ عار لا تُمحَى. لذلك جاء في الحديث حديث : أن رجلاً من الصحابة كان شديد الغيرة على بناته، فلما تقدم رجل لخطبة واحدة منهن ذهب ليخبر رسول الله، فتبسَّم رسول الله وقال له: "جدع الحلال أنف الغيرة" ". تفسير : يعني: الأمر الذي كنت تغار منه ولا تقبله، الآن تفرح به وتدعو الناس إليه، لماذا؟ لأنه جاء من طريق الحلال الذي شرعه الله، وكلمة الحق هي التي أبرزتْ العواطف، وجعلتْ المهيِّج المثير مُسْعِداً لا غضاضة فيه. كذلك غريزة حب الاستطلاع موجودة في الإنسان ليتأمل الكون من حوله، ويبحث عن أسرار الله فيه، وما جعلها الله للتلصُّص على الناس، وتتبُّع عوراتهم وأعراضهم. كذلك الأكل والشرب غريزة جعلها الله لأنها مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة، وينبغي أنْ تكون في هذه الحدود حدود استبقاء الحياة، لا أنْ تتحوَّل إلى نَهَم وشَراهة، وتصل إلى حَدِّ التُّخمة. والغريزة جعلها الله في الإنسان لحكمة، فالولد مثلاً يتحمل أبوه مشقة تربيته والإنفاق عليه، ويظل الولد عالة على أبيه طيلة خمس عشرة سنة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالعملية الجنسية، وجعل فيها لذة الجماع لزَهدَ كثيرون في الإنجاب، كذلك الأم تتحمل مشقة الحمل والولادة والرضاعة .. إلخ، حتى أنها لتُقسم في الولادة أنها لا تحمل مرة أخرى، لكن عندما يذهب ألم الوضع، ويكبر الولد تشتاق إلى غيره .. وهكذا. وحين تتأمل مسألة الغريزة تجد أن الخالق سبحانه جعل في الإنسان الغريزة ونقيضها، فتراه في موقف رحيماً وفي موقف آخر غَضُوباً، أو عزيزاً في موقف، ذليلاً في موقف آخر، وهاتان الغريزتان لا تجتمعان في الإنسان في وقت واحد، فالظرف الإيماني يحكم عليه مرة بأن يكون عزيزاً، ومرة بأن يكون ذليلاً. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54]. وقوله سبحانه: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29]. إذن: الخالق عز وجل جعل فيك الغرائز المتناقضة، لا يكبت شيئاً منها، لكن لِتُستعمل كل غريزة منها في موقعها المناسب. ومعنى: {يُؤَاخِذُ} [فاطر: 45] يعني: يعاقب ويجازي {بِمَا كَسَبُواْ} [فاطر: 45] نقول: كسب واكتسب، كلمة كسب تدل على وجود تجارة فيها ربح ومكسب زيادة على رأس المال، وهي تدل على المكسب الذي يأتي طبيعياً، أما اكتسب ففيها مفاعلة، وهي على وزن افتعل، ففيها افتعال وتكلُّف. لذلك يستعمل القرآن كسب في الخير واكتسب في الشر {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286] لأن فعل الخير يأتي منك طبيعياً، لا تكلفَ فيه ولا افتعال على خلاف الشر، فيحتاج إلى محاولات وإلى حِيَل واحتياط وتلصُّص .. الخ. لذلك قلنا: إن الطاعة لا تُكلِّف الإنسان شيئاً، أما المعصية فهي التي تكلف الكثير؛ لأن الطاعة تأتي منك طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى حِيَل واحتيال وافتعال. فإن قُلْتَ: فما بَالُ قوله تعالى في السيئة {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 81]. نقول: استعمل القرآن كسب مع السيئة؛ لأنه يتحدث عن الذين أسرفوا على أنفسهم، وبالغوا في المعصية حتى أحبوها وعشقوها، بل ويتحدثون بها ويجاهرون، وحتى أن المعصية تأتي منهم طبيعية، كأنها طاعة، ويفعلونها بلا افتعال ولا احتياط، فهي في حَقِّهم كسبٌ لا اكتساب، ويفرحون بها كأنها مكسب فلا يُؤنِّبون أنفسهم، ولا يلومونها، ولا يندمون على معصيتهم. والآية هنا بنفس هذا المعنى {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ ..} [فاطر: 45] يعني: عشقوا المعصية والظلم وفرحوا به كأنه مكسب. ثم يأتي جواب الشرط: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ..} [فاطر: 45] معنى الدابة: كل ما يدبّ على الأرض. أي: يمشي عليها الهُوَيْنَا، لكن غلبتْ الكلمة على ما يُركب ويحمل الأثقال. لذلك قال العربي لآخر: لقد أَعْيَيْتَني شبَّ ودبَّ يعني في شبابك، وفي شيخوختك، وأنت تدبّ وتمشي الهُوَيْنا. لكن، ما ذنب الدوابِّ تتحمل عاقبة ظلم الإنسان؟ قالوا: العلاقة هنا أن الدابة مخلوقة مُذلَّلة لخدمة الإنسان وراحته، فمعنى هلاك الدواب أنْ تمتنع راحة الإنسان، وأنْ يمتنع المطر وتجدب الأرض، وعندها لا يجد الإنسان قُوته، لا من لحوم الدواب ولا من نبات الأرض، وفي هذا إذلال للإنسان الذي يرى وسائل حياته وأسباب راحته تُسلَب منه دون أنْ يفعل شيئاً، ولا يقدر على شيء. وحين نتتبع آيات القرآن نجد أنه تكلَّم عن هذا المعنى في موضعين: الأول: في سورة النحل: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [النحل: 61]. والآخر هنا في فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} [فاطر: 45]. قد يرى البعض في الآيتين تكراراً، وحاشا لله أن يكون في كلامه تكرار، فإذا تأملتَ لوجدتَ بينهما خلافاً، يجعل لكل منهما معناها الخاص. فالأولى تتكلم عن ظلم الناس، والأخرى عَمَّا اكتسبوه من السيئات عامة، وكل من اللفظين يعطيك لقطة جديدة لأنني قد أظلم، لكن أندم على ظلمي، ولا أفرح به، ولا أتمادى فيه، أما إنْ صار عادةً لي حتى عشقته، فهو اكتساب وافتعال بالمعنى الذي ذكرنا. الأولى تقول: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا} [فاطر: 45] والأخرى: {أية : مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} تفسير : [النحل: 61] كذلك في تذييل الآيتين، ففي الأولى يتحدث الحق سبحانه عن الزمن والأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي الأخرى يتحدث عن الجزاء، وأن الله تعالى بصير بأعمال عباده، لا يخفى عليه منهم شيء، إذن: فالآيتان متكاملتان، ليس فيهما تكرار أبداً. وضمير الغائب في {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا} [فاطر: 45] و {أية : مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} تفسير : [النحل: 61] هذا الضمير متصل بالآية قبلها: {أية : ..وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 44] فالضمير يعود على أقرب مذكور، وهو الأرض، ويفهم هذا المرجع أيضاً بالقرينة العقلية؛ لأن المعنى ينصرف إليها. وهذه الآية لها معنا قصة ونحن صغار في كُتَّاب الشيخ حسن رحمه الله، وكان الشيخ يكلف العريف أنْ يُصحِّح لنا الألواح، وفي هذا اليوم جلس الشيخ حسن يصحح لنا بنفسه، لكن في هذا اليوم لم أكُنْ صححت اللوح (وطلعت خالص) وانتظرت الفَلَكة والمقرعة (تشتغل)، لكن الشيخ قال لي: اسمع أنا سأعلمك كيف تقرأ هذه الآية دون أنْ تخلطها بآية النحل، لا تجمع الظائين ولا السينين يعني: إن قلت (بِظُلمِهِمْ) فلا تقل (عَلَى ظَهْرِهَا) وإنْ قلتَ (بِمَا كَسَبُوا) فلا تقل (لاَ يَسْتأخِرون سَاعةً) وهكذا كان شيخنا رحمه الله يعايش القرآن ويتفاعل معه، وصدق الله العظيم {أية : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر: 22]. وكان لي معه أيضاً - رحمة الله عليه - قصة أخرى، ما زلت أذكرها في سورة الشورى، وجلس الشيخ يُصحِّح لنا اللوح وكنا هربنا ولم نصحح، فلما جلستُ أمام الشيخ قرأت (حم عسق) وقد مرت بنا حم وطه وغيرهما لكن لم يمر بنا مثل (عسق) فقرأتها كما هي عَسَق، فضربني الشيخ فقرأتُ أيضاً عَسَق فضربني، وفي المرة الثالثة عرف أنني لم أصحح اللوح على العريف، فقال: قُلْ عين سين قاف، فظلت ملازمة لي لا أنساها حتى الآن، رحمهم الله ورَضي عنهم أجمعين. والمراد بالأجل في {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} [فاطر: 45] أي: القيامة والعذاب، أو جاء أجل إفنائهم بعذاب يستأصلهم، وعرفنا أن عذاب الاستئصال مثل الصيحة والرجفة والخسف .. الخ لا ينزل إلا على يأس من هداية القوم، بحيث لم يَعُدْ هناك أمل في حياتهم، كما جاء في قصة سيدنا نوح - عليه السلام - لما قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 26-27]. لكن إنْ كان هناك أمل في أنْ يؤمن بعض القوم فلا ينزل بهم مثل هذا العذاب. أو: يراد بالأجل هنا أجل الأمة، كما قال سبحانه: {أية : لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} تفسير : [يونس: 49] فكأن الآجال ثلاثة: أجل للدنيا ونهايته قيام الساعة، وأجل للشخص الواحد بانتهاء عمره، وأجل للأمة كلها حين يأتيها عذاب عام يقضى عليهم جميعاً مرة واحدة. أو: لكل أمة أجل تنتصر فيه، وتغلب مع وجود المعاندين والكافرين، كما حدث لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انتصر المسلمون في بدر، فقد كان لأمة الظلم والكفر أجل انتهى بالإسلام وقوة المسلمين، مع أن الأمل كان بصيصاً من نور، بحيث يغلب اليأسُ على الأمل. حتى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقول لما نزلت: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] قال عمر: أىُّ جمع هذا ونحن عاجزون عن حماية أنفسنا؟ فلما جاءت بدر وانتصر المسلمون، قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] فقد اشتدتْ شوكة الإسلام، وقوَى المسلمون، وأذنت دولة الكفر بالزوال، انتهى أجل الأمة الكافرة الظالمة، وبدأ أجل الأمة المؤمنة. لذلك حين نتأمل قوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ ..} تفسير : [فاطر: 19-22]. نجد أربعة متقابلات، الأولان منها مطابقان لحاله صلى الله عليه وسلم مع أمته قبل انتشار الإسلام في فترة غلبة الجاهلية على سيدنا رسول الله وأتباعه في مكة، فالأعمى أي: الجاهل بالحكم، والبصير العالم به، والظلمات يعني: الضلال والكفر، والنور هو الإيمان، لأنهم كانوا عمياً، فأراد الله أنْ يُبصِّرهم، وكانوا في ظلمات الجهل والضلال فأخرجهم الله منها إلى نور الإيمان. أما المتقابلان الأخيران فيطابقان حاله صلى الله عليه وسلم مع أمته بعد أن أرسى الإسلامُ دعائمه، وتمكّن من نفوس المؤمنين {أية : وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تفسير : [فاطر: 21-22] فتراه بدأ بصفة الإيجاب فلم يقل الحرور ولا الظل كما قال {أية : ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} تفسير : [فاطر: 19] لماذا؟ لأن الحديث هنا عن أمة النصر وأمة الإيمان، فناسب أنْ يبدأ التقابل بصفة الخير التي تناسب هذه الأمة الجديدة. وفي هذا المعنى إشارة لطيفة إلى انتهاء الجاهلية وظلماتها وعماها، وإيذان ببداية أجل جديد، لأمة الإيمان الوليدة التي تستظل بواحة الإيمان بعد أنْ أحياهم الله بالإيمان وكانوا أمواتاً بالكفر، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ..} تفسير : [الأنعام: 122]. وسبق أنْ بيَّنا الفرق بين مَيْت وميِّت، الميِّت بالتشديد هو مَنْ يؤول أمره إلى الموت وإنْ كان حياً، ومن ذلك خطاب الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] يعني: سيؤول أمرك إلى الموت. أما ميْت بالسكون فهو الذي مات بالفعل. إذن: نستطيع أن نقول {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} [فاطر: 45] أي: بنُصْرة الإيمان على الكفر {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} [فاطر: 45] كلمة عباد وعبيد جمع لعبد، ومع أنهما جَمْع لمفرد واحد إلا أن معناهما مختلف؛ لأن الإنسان العبد مِلْك سيده، وما دام مِلْكه فهو مطيع لأوامره، والإنسان المؤمن له اختيار، فالله تعالى يخاطبه وهو يطيع أو يعصي، في حين أن العبد لا يعصي سيده إنْ كان من البشر. نعم قد يخالف أمر الله، لكنه لا يخالف أمر سيده، كيف؟ قالوا: لأن الله تعالى هو الحليم الغفار، أما السيد من البشر فلا يخلو من جبروت، أو طغيان، أو استبداد وتسلُّط. وفَرْق بين طاعة العبد وهو مختار أنْ يعصي وطاعته وهو مقهور على الطاعة، وسبق أنْ مثَّلْنا لهذه المسألة بعبدين سعيد وسعد، سعيد شُدَّ إلى سيده بسلسلة لا يستطيع الفكاك منها، وسعد أُطلِق حُراً لا يقيده شيء، وحين ينادي السيد على أحدهما يأتيه، فأيهما أطوع؟ لا شك أن سعداً أطوع من سعيد؛ لأنه يأتي سيده وهو قادر مختار ألاَّ يأتي، أما سعيد فلا يملك إلا أنْ يجيب؛ لأنه لو عصى لجذبه السيد من السلسلة. كذلك الحق سبحانه خلق الخَلْق مختارين، ووضع لهم هذه القاعدة: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] مَنْ شاء أطاع، ومَنْ شاء عصى، وهذا تصرُّف العبيد مع سيدهم، فإنْ قال العبد: يا ربِّ أنت خلقتني ورزقتني وجعلتَ لي الجوارح، وجعلتني مختاراً، وأنا عبد من عبيدك؛ لذلك أتنازل عن اختياري لاختيارك، وعن مرادي لمرادك، لقد اختار هذا العبد أنْ يكون مقهوراً لربه مسخراً كما سُخِّرت السماء والأرض. وهؤلاء هم العباد، وهم الصفوة من الخَلْق الذين آثروا مراد الله على مراد أنفسهم؛ لذلك يتحدث عنهم الحق سبحانه ويعطينا صورة لهم: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63] يعني: متواضعين غير متكبرين، وعلامَ التكبر {أية : إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37]. {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 63-68]. هذه صفات ثمانٍ ترسم لنا صورة كاملة لمن استحقوا أن يكونوا عباد الله؛ لذلك يخاطبهم ربهم في موضع آخر: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر: 53]. ومن رحمة الله بعباده أن الحسنة تمحو السيئة، كما قال سبحانه: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} تفسير : [هود: 114]. بل وأعظم من ذلك، ألاّ تقتصر رحمة الله على محو السيئة، إنما تُبدَّل السيئة بعد التوبة حسنة: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 70]. وحول معنى (عباد) و (عبيد) الذي أوضحناه سمعنا مَنْ يعترض ويقول: في القرآن ما يناقض هذا المعنى، وهو قوله تعالى في موقف القيامة يخاطب الكبراء والسادة الذين أضلُّوا الناس وزيَّنوا لهم الكفر: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الفرقان: 17]. ونقول: ليس بين الآيات تعارض كما تقولون؛ لأن الحديث هنا عن الآخرة، وليس في الآخرة اختيار، فلا فَرْق بين (عباد) و (عبيد) في الآخرة. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} [فاطر: 45] ذكر هنا صفة البصر؛ لأنها أقوى وسائل العلم والإدراك، فللعلم وسائل متعددة ذكرها الحق سبحانه في قوله: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. فالسمع أول وسائل الإدراك، وهو أول جارحة تتنبه وتؤدي مهمتها في المولود، بدليل أنك تضع مثلاً أصبعك أمام عينه، فلا تطرف، أما إنْ صرخْتَ في أذنه ينزعج ويستجيب للصوت، والسمع كذلك هو الحاسة التي لا تتعطل أثناء النوم؛ لأن بها يتم الاستدعاء، والسمع هو الوسيلة الأولى في القيم والمعنويات، وبه يستقبل الإنسان منهج الله. أما البصر وإنْ جاء في المرتبة الثانية إلا أنه أكبر من السمع وأقوى؛ لأنك قد تسمع عن الشيء، لكن لا تلتفت إليه، فإنْ تحوّل من السمع إلى البصر فقد وصل إلى قمة الإدراك الذي لا شكَّ فيه؛ لذلك يقولون: ليس من العين أين. والشيء الذي تسمع عنه قد يكون كاذباً، أمَّا الشيء الذي تبصره فإنه لا يكون إلا حقاً. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - حين يريد أن يؤكد لنا معلومة، يقول سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [الزمر: 21] لأن الذي تراه العين هو الآكد. وأبو جعفر لما قال لمقاتل: عِظني يا مقاتل، قال له: أعظك بما سمعتُ، أم ربما رأيتُ؟ بالله أجيبوا أنتم بماذا؟ قال: عِظْني بما رأيتَ، نعم لأنك قد تسمع كذباً، أمَّا إنْ رأيتَ بالعين فهو الحق.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} معناه يعاقبُهُم ويكافِئُهُم.

همام الصنعاني

تفسير : 2451- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}: [الآية: 45]، قال: قد فعل ذلك زمان نوح. 2452- قال معمر: وبلغني أن ابن مَسْعُودٍ كان يقرأ هذه الآية فيقول: كادَ الجُعَلُ أن يَهْلكَ بذنب غيْرِهِ. 2453- قال معمر: وبلغني أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله، لو سألت الله أن يجعل ذنوبنا كذنوب بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بني إسرائيل، كان إذا أَذْنَبَ أحدُهم أصبح مكتوباً على بابه، ذنبه، وكفَّارته، فإما أن يجحد فيكفر، وإما أن يقر بها فيعيَّر بذلك، وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك، الاستغفار والتوبة ".