Verse. 3706 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

يٰسۗ۝۱ۚ
Yaseen

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يس» الله أعلم بمراده به.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : قد ذكرنا كلاماً كلياً في حروف التهجي في سورة العنكبوت وذكرنا أن في كل سورة بدأ الله فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن ولنذكر ههنا أبحاثاً: البحث الأول: هو أن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أموراً تدل على أنها غير خالية عن الحكمة ولكن علم الإنسان لا يصل إليها بعينها فنقول ما هو الكلي من الحكمة فيها، أما بيان أن فيها ما يدل على الحكمة فهو أن الله تعالى ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفاً وهي نصف ثمانية وعشرين حرفاً، وهي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا الهمزة ألف متحركة، ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال وتسعة أحرف أخر في آخر الحروف من الفاء إلى الياء وعشرة من الوسط من الراء إلى الغين، وذكر من القسم الأول حرفين هما الألف والحاء وترك سبعة وترك من القسم الآخر حرفين هما الفاء والواو وذكر سبعة، ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الآخر من حروف الشفة إلا واحداً لم يتركه وهو الميم، والعشر الأواسط ذكر منها حرفاً وترك حرفاً فذكر الراء وترك الزاي وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين، وليس هذا أمراً يقع اتفاقاً بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة، وأما أن عينها غير معلومة فظاهر وهب أن واحداً يدعى فيها شيئًا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة {ن} و{ق} و{ص} وبعضها بحرفين كسورة {حم} و{يس} و{طس} و{طه} وبعضها بثلاثة أحرف كسورة {ألم} و{طسم} و{ألر} وبعضها بأربعة كسورتي {ألمر} و{المص} وبعضها بخمسة أحرف كسورتي {حم عسق} و{كهيعص} وهب أن قائلاً يقول إن هذا إشارة إلى أن الكلام، إما حرف، وإما فعل، وإما اسم، والحرف كثيراً ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق وغيرها وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وأن للشرط وغيرها والاسم والفعل والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألو وعلا يعلو في الفعل، والاسم والفعل جاء على أربعة، والاسم خاصة جاء على ثلاثة وأربعة وخمسة كفجل وسجل وجردحل فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه، فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر فلا يعلم تمام السر إلا الله ومن أعلمه الله به، إذا علمت هذا فنقول اعلم أن العبادة منها قلبية، ومنها لسانية، ومنها جارحية، وكل واحدة منها قسمان قسم عقل معناه وحقيقته وقسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلاً، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعاً كالصراط الذي (هو) أرق من الشعرة وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن والموقن كالبرق الخاطف والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر وكيفيات الجنة والنار فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول، وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات، وقد ذكرنا الحكمة فيه وهي أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتياً بمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ولو قال انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك ينقلها وإن لم يؤمن، إذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي فإذا قال: {حـم، يس، الم، طس } علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أمر به. البحث الثاني: قيل في خصوص يس إنه كلام هو نداء معناه يا إنسان، وتقريره هو أن تصغير إنسان إنيسين فكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال: {يس } أي أنيسين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى بعده: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يس: 3]. البحث الثالث: قرىء يس إما بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو قوله هذه كأنه قال: هذه يس، وإما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث، وقرىء يس إما بالنصب على معنى اتل يس وإما بالفتح كأين وكيف، وقرىء يس بالكسر كجير لإسكان الياء وكسرة ما قبلها ولا يجوز أن يقال بالجر لأن إضمار الجار غير جائز وليس فيه حرف قسم ظاهر وقوله تعالى: {وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } أي ذي الحكمة كعيشة راضية أي ذات رضا أو على أنه ناطق بالحكمة فهو كالحي المتكلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يسۤ } في «يۤس» أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة والكسائي {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } بإدغام النون في الواو. وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة «يَسِنْ» بإظهار النون. وقرأ عيسى بن عمر «يَسِنَ» بنصب النون. وقرأ ٱبن عباس وٱبن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «يسِنِ» بالكسر. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السَّمَيْقَع «يَسِنُ» بضم النون؛ فهذه خمس قراءات. القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية؛ لأن النون تدغم في الواو. ومن بيّن قال: سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، وإنما يكون الإدغام في الإدراج. وذكر سبيويه النصب وجعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولاً ولا يصرفه؛ لأنه عنده ٱسم أعجمي بمنزلة هابيل، والتقدير ٱذكر يسين. وجعله سيبويه ٱسماً للسورة. وقوله الآخر أن يكون مبنياً على الفتح مثل كيفَ وأينَ. وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبَّه بقول العرب جيرِ لا أفعل؛ فعلى هذا يكون «يسِنِ» قسَما. وقاله ٱبن عباس. وقيل: مشبَّه بأمِس وحذامِ وهؤلاءِ ورقاشِ. وأما الضم فمشبّه بمنذُ وحيثُ وقطُّ، وبالمنادى المفرد إذا قلت يا رجلُ، لمن يقف عليه. قال ٱبن السَّمَيْقَع وهارون: وقد جاء في تفسيرها يا رجل فالأولى بها الضم. قال ٱبن الأنباري: «يۤس» وقف حسن لمن قال هو ٱفتتاح للسورة. ومن قال: معنى «يۤس» يا رجل لم يقف عليه. وروي عن ٱبن عباس وٱبن مسعود وغيرهما أن معناه يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} تفسير : [الصافات: 130] أي على آل محمد. وقال سعيد بن جبير: هو ٱسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ودليله «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ». قال السيد الحميري:شعر : يا نفس لا تَمحضِي بالنُّصْحِ جاهدةً عَلَى المودَّةِ إلا آلَ ياسينَ تفسير : وقال أبو بكر الورّاق: معناه يا سيد البشر. وقيل: إنه ٱسم من أسماء الله؛ قاله مالك. روى عنه أشهب قال: سألته هل ينبغي لأحد أن يتسمّى بياسين؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله: {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } يقول هذا ٱسمي يۤس. قال ٱبن العربي هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمَّى بٱسم الرب إذا كان فيه معنى منه؛ كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلم. وإنما منع مالك من التسمية بـ «ـيسين»؛ لأنه ٱسم من أسماء الله لا يُدْرى معناه؛ فربما كان معناه ينفرد به الربّ فلا يجوز أن يقدم عليه العبد. فإن قيل فقد قال الله تعالى: {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجَّى هو الذي تكلم مالك عليه؛ لما فيه من الإشكال؛ والله أعلم. وقال بعض العلماء: ٱفتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودلّ المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد؛ وكذلك «يۤس» أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. ثم ٱختلفوا فيه أيضاً؛ فقال سعيد بن جُبير وعكرمة: هو بلغة الحبشة. وقال الشّعبي: هو بلغة طيّ. الحسن: بلغة كلب. الكلبي: هو بالسريانية فتكلمت به العرب فصار من لغتهم. وقد مضى هذا المعنى في «طه» وفي مقدّمة الكتاب مستوفى. وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى «يۤس» فحكى أبو محمد مكيّ أنه روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لي عند ربي عشرة أسماء»تفسير : ذكر أن منها طه ويۤس ٱسمان له. قلت: وذكر الماورديّ عن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويۤس والمزمّل والمدثِّر وعبد الله»تفسير : قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السُّلَميّ عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيّه صلى الله عليه وسلم. وعن ٱبن عباس: «يۤس» يا إنسان أراد محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال: هو قَسَم وهو من أسماء الله سبحانه. وقال الزجاج: قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل وقيل يا إنسان. وعن ٱبن الحنفية: «يۤس» يا محمد. وعن كعب: «يۤس» قَسَم أقسم الله به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام (قال) يا محمد «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ»، ثم قال: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ». فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصحّ فيه أنه قَسَم كان فيه من التعظيم ما تقدّم، ويؤكد فيه القَسَم عطف القَسَم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قَسَم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه؛ أي طريق لا ٱعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيِّد ما فيه، وقد قال عليه السلام: «حديث : أنا سيد ولد آدم»تفسير : ٱنتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلاً وما أرسلك الله إلينا؛ فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمداً من المرسلين. «والحكيم» المحكَم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض؛ كما قال: {أية : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}تفسير : [هود: 1]. وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. وقد يكون «الْحَكِيمِ» في حق الله بمعنى المحكِم بكسر الكاف كالأليم بمعنى المؤلم. {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي دين مستقيم وهو الإِسلام. وقال الزجاج: على طريق الأنبياء الذين تقدموك؛ (و) قال: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } خبر إن، و {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } خبر ثانٍ؛ أي إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. وقيل: المعنى لمن المرسلين على ٱستقامة؛ فيكون قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } من صلة المرسلين؛ أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 52 ـ 53] أي الصراط الذي أمر الله به. قوله تعالى: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } قرأ ٱبن عامر وحفص والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: «تَنْزِيلَ» بنصب اللام على المصدر؛ أي نزّل الله ذلك تنزيلاً. وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله: {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}تفسير : [محمد: 4] أي فضربا للرقاب. الباقون «تَنْزِيلُ» بالرفع على خبر ٱبتداء محذوف أي هو تنزيل، أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم. هذا وقرىء: «تَنْزِيلِ» بالجر على البدل من «الْقُرْآن» والتنزيل يرجع إلى القرآن. وقيل: إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي إنك لمن المرسلين، وإنك {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ }. فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال؛ قال الله تعالى: {أية : قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُو} تفسير : [الطلاق: 10 ـ 11] ويقال: أرسل الله المطر وأنزله بمعنى. ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء. ومن نصب قال: إنك لمن المرسلين إرسالاً من الْعَزيز الرحيم. و «العزِيزِ» المنتقم ممن خالفه «الرَّحِيم» بأهل طاعته.

البيضاوي

تفسير : مكية وعنه عليه الصلاة والسلام "يس تدعى المعمة تعم صاحبها خير الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة" وآيها ثلاث وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم {يس} في المعنى والإِعراب، وقيل معناه يا إنسان بلغة طيء، على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل (من الله) في أيمن. وقرىء بالكسر كجير وبالفتح على البناء كأين، أو الإِعراب على اتل يس أو بإضمار حرف القسم والفتحة لمنع الصرف وبالضم بناء كحيث، أو إعراباً على هذه {يس} وأمال الياء حمزة والكسائي وروح وأبو بكر وأدغم النون في واو. {وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ} ابن عامر والكسائي وأبو بكر وورش ويعقوب، وهي واو القسم أو العطف إن جعل {يس} مقسماً به. {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } لمن الذين أرسلوا. {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو التوحيد والإِستقامة في الأمور، ويجوز أن يكون {عَلَىٰ صِرٰطٍ} خبراً ثانياً أو حالاً من المستكن في الجار والمجرور، وفائدته وصف الشرع صريحاً بالاستقامة وإن دل عليه {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} التزاماً. {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} خبر محذوف والمصدر بمعنى المفعول. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالنصب بإضمار أعني أو فعله على أنه على أصله، وقرىء بالجر على البدل من القرآن. {لِتُنذِرَ قَوْماً} متعلق بـ {تَنزِيلَ} أو بمعنى {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. {مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ} قوماً غير منذر آباؤهم يعني آباءَهم الأقربين لتطاول مدة الفترة، فيكون صفة مبينة لشدة حاجتهم إلى إرساله، أو الذي أنذر به أو شيئاً أنذر به آباؤهم الأبعدون، فيكون مفعولاً ثانياً {لّتُنذِرَ }، أو إنذار آبائَهم على المصدر. {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ} متعلق بالنفي على الأول أي لم ينذروا فبقوا غافلين، أو بقوله {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} على الوجوه الأخرى أي أرسلناك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون. {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} يعني قوله تعالى: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }تفسير : [هود: 119] {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنهم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون. {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم. {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ} فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم له. {فَهُم مُّقْمَحُونَ} رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له. {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل. وقرأ حمزة والكسائي وحفص «سَدّا» بالفتح وهو لغة فيه، وقيل ما كان بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق الله فبالضم. وقرىء «فأعشيناهم» من العشاء. وقيل الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره. {وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَءَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} سبق في سورة «البقرة» تفسيره. {إِنَّمَا تُنذِرُ} إنذاراً يترتب عليه البغية المرومة. {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ} أي القرآن بالتأمل فيه والعمل به. {وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه كما هو رحمن، منتقم قهار. {فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة: أن يس بمعنى يا إنسان وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة، وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى. {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {إِنَّكَ} أي: يا محمد{لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } تفسير : [الشورى: 52 ــــ 53]. وقوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} يعني بهم: العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم عند قوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158]. وقوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالله، ولا يصدقون رسله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يس } الله أعلم بمراده به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يس } قرأ الجمهور بسكون النون، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص، وقالون، وورش بإدغام النون في الواو الذي بعدها، وقرأ عيسى بن عمر بفتح النون، وقرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم بكسرها، فالفتح على البناء، أو على أنه مفعول فعل مقدّر تقديره: اتل يسۤ، والكسر على البناء أيضاً كجير، وقيل: الفتح، والكسر للفرار من التقاء الساكنين. وأما وجه قراءة الجمهور بالسكون للنون، فلكونها مسرودة على نمط التعديد، فلا حظ لها من الإعراب. وقرأ هارون الأعور، ومحمد بن السميفع، والكلبي بضم النون على البناء كمنذ، وحيث، وقط، وقيل: على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي: هذه يسۤ، ومنعت من الصرف للعلمية، والتأنيث. واختلف في معنى هذه اللفظة، فقيل: معناها: يا رجل، أو يا إنسان. قال ابن الأنباري: الوقف على يسۤ حسن لمن قال: هو افتتاح للسورة، ومن قال: معناه: يا رجل، لم يقف عليه. وقال سعيد بن جبير، وغيره: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم دليله {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }، ومنه قول السعد الحميري:شعر : يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودّة إلاّ آل ياسين تفسير : ومنه قوله: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } تفسير : [الصافات: 130] أي: على آل محمد، وسيأتي في الصافات ما المراد بآل ياسين. قال الواحدي: قال ابن عباس، والمفسرون: يريد يا إنسان: يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر الورّاق: معناه: يا سيد البشر. وقال مالك: هو: اسم من أسماء الله تعالى، روى ذلك عنه أشهب. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق: أن معناه: يا سيد. وقال كعب: هو: قسم أقسم الله به، ورجح الزجاج أن معناه: يا محمد. واختلفوا هل هو عربيّ أو غير عربيّ؟، فقال سعيد بن جبير، وعكرمة: حبشي. وقال الكلبي: سرياني تكلمت به العرب، فصار من لغتهم. وقال الشعبي: هو بلغة طيّ. وقال الحسن: هو بلغة كلب. وقد تقدم في طه، وفي مفتتح سورة البقرة ما يغني عن التطويل ها هنا {وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } بالجرّ على أنه مقسم به ابتداء. وقيل: هو معطوف على يسۤ على تقدير كونه مجروراً بإضمار القسم. قال النقاش: لم يقسم الله لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلاّ لمحمد صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وتمجيداً، والحكيم المحكم الذي لا يتناقض، ولا يتخالف، أو الحكيم قائله، وجواب القسم {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }، وهذا ردّ على من أنكر رسالته من الكفار بقولهم: {أية : لَسْتَ مُرْسَلاً } تفسير : [الرعد: 43] وقوله: {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } خبر آخر لإنّ: أي: إنك على صراط مستقيم، والصراط المستقيم: الطريق القيم الموصل إلى المطلوب. قال الزجاج: على طريقة الأنبياء الذين تقدّموك، ويجوز: أن يكون في محل نصب على الحال {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر برفع "تنزيل" على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي: هو تنزيل، ويجوز: أن يكون خبراً لقوله: يسۤ إن جعل اسماً للسورة، وقرأ الباقون بالنصب على المصدرية: أي: نزّل الله ذلك تنزيل العزيز الرحيم. والمعنى: أن القرآن تنزيل العزيز الرحيم، وقيل: المعنى: إنك يا محمد تنزيل العزيز الرحيم، والأوّل أولى. وقيل: هو منصوب على المدح على قراءة من قرأ بالنصب، وعبر سبحانه عن المنزل بالمصدر مبالغة حتى كأنه نفس التنزيل، وقرأ أبو حيوة، والترمذي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة "تنزيل" بالجرّ على النعت للقرآن، أو البدل منه. واللام في {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } يجوز: أن تتعلق بـ {تنزيل}، أو بفعل مضمر يدلّ عليه {من المرسلين}: أي: أرسلناك لتنذر، و «ما» في {مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } هي: النافية: أي: لم ينذر آباؤهم، ويجوز: أن تكون موصولة، أو موصوفة: أي: لتنذر قوماً الذي أنذره آباؤهم، أو لتنذرهم عذاباً أنذره آباؤهم، ويجوز: أن تكون مصدرية: أي: إنذار آبائهم، وعلى القول بأنها نافية يكون المعنى: ما أنذر آباؤهم برسول من أنفسهم، ويجوز: أن يراد، ما أنذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، وقوله: {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } متعلق بنفي الإندار على الوجه الأوّل: أي: لم ينذر آباؤهم، فهم بسبب ذلك غافلون، وعلى الوجوه الآخرة متعلق بقوله {لتنذر}: أي: {فهم غافلون} عما أنذرنا به آباءهم، وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم لترتيب فهم غافلون على ما قبله، واللام في قوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } هي: الموطئة للقسم، أي: والله لقد حقّ القول على أكثرهم، ومعنى {حقّ}: ثبت، ووجب القول: أي: العذاب على أكثرهم: أي: أكثر أهل مكة، أو أكثر الكفار على الإطلاق، أو أكثر كفار العرب، وهم من مات على الكفر، وأصرّ عليه طول حياته، فيتفرّع قوله: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } على ما قبله بهذا الاعتبار، أي: لأن الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر، والموت عليه، وقيل: المراد بالقول المذكور هنا: هو قوله سبحانه: {أية : فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } تفسير : [صۤ: 84 ــ 85]. وجملة {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } تقرير لما قبلها مثلت حالهم بحال الذين غلت أعناقهم {فَهِىَ } أي: الأغلال منتهية {إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ }، فلا يقدرون عند ذلك على الالتفات، ولا يتمكنون من عطفها، وهو معنى قوله: {فَهُم مُّقْمَحُونَ } أي: رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم. قال الفراء، والزجاج: المقمح: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه، ومعنى الإقماح: رفع الرأس، وغضّ البصر، يقال: أقمح البعير رأسه، وقمح: إذا رفع رأسه، ولم يشرب الماء. قال الأزهري: أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى أذقانهم، ورؤوسهم صعداء، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. وقال قتادة: معنى مقمحون: مغلولون، والأوّل أولى، ومنه قول الشاعر:شعر : ونحن على جوانبها قعود نغضّ الطرف كالإبل القماح تفسير : قال الزجاج: قيل: للكانونين: شهرا قماح؛ لأن الإبل إذا وردت الماء رفعت رؤوسها لشدّة البرد، وأنشد قول أبي زيد الهذلي:شعر : فتى، ما ابن الأغرّ إذا شتونا وحب الزاد في شهري قماح تفسير : قال أبو عبيدة: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض، ولم يشرب. وقال أبو عبيدة أيضاً: هو مثل ضربه الله لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول، كما يقال: فلان حمار: أي: لا يبصر الهدى، وكما قال الشاعر:شعر : لهم عن الرشد أغلال وأقياد تفسير : وقال الفراء: هذا ضرب مثل: أي: حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء: 29]. وبه قال الضحاك. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في أعناقهم كما قال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } تفسير : [غافر: 71] وقرأ ابن عباس "إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً" قال الزجاج: أي: في أيديهم. قال النحاس: وهذه القراءة تفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف. قال: وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم، وفي أياديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فلفظ "هي" كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] وسرابيل تقيكم البرد، لأن ما وقى من الحرّ، وقى من البرد؛ لأن الغلّ إذا كان في العنق، فلا بدّ أن يكون في اليد، ولا سيما، وقد قال الله {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ }، فقد علم أنه يراد به الأيدي، فهم مقمحون، أي: رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غلت يداه إلى ذقنه ارتفع رأسه. وروي عن ابن عباس: أنه قرأ "إنا جعلنا في أيديهم أغلالاً"، وعن ابن مسعود: أنه قرأ "إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً" كما روي سابقاً من قراءة ابن عباس {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } أي: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه، وخلفه بالأسداد، والسد بضم السين، وفتحها لغتان. ومن هذا المعنى في الآية قول الشاعر:شعر : ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربت عليّ الأرض بالأسداد لا أهتدي فيها لموضع تلعة بين العذيب وبين أرض مراد تفسير : {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } أي: غطينا أبصارهم {فَهُمُ } بسبب ذلك {لاَّ يُبْصِرُونَ } أي: لا يقدرون على إبصار شيء. قال الفراء: فألبسنا أبصارهم غشوة: أي: عمى فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا قال قتادة: إن المعنى: لا يبصرون الهدى. وقال السدّي: لا يبصرون محمداً حين ائتمروا على قتله. وقال الضحاك: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً }: أي: الدنيا، {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } أي: الآخرة، {فأغشيناهم، فهم لا يبصرون}: أي: عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا. وقيل: ما بين أيديهم: الآخرة، وما خلفهم: الدنيا، قرأ الجمهور بالغين المعجمة: أي: غطينا أبصارهم، فهو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، ويحيـى بن يعمر، وأبو رجاء، وعكرمة بالعين المهملة من العشا، وهو: ضعف البصر. ومنه {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الزخرف: 36] {وَسَوَآء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي: إنذارك إياهم، وعدمه سواء. قال الزجاج: أي: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } أي: اتبع القرآن، وخشي الله في الدنيا، وجملة {لا يؤمنون} مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء، أو في محل نصب على الحال، أو بدل، و{بالغيب} في محل نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول {فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } أي: بشر هذا الذي اتبع الذكر، وخشي الرحمٰن بالغيب بمغفرة عظيمة، وأجر كريم، أي: حسن، وهو: الجنة. ثم أخبر سبحانه بإحيائه الموتى، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } أي: نبعثهم بعد الموت. وقال الحسن، والضحاك، أي: نحييهم بالإيمان بعد الجهل، والأوّل أولى. ثم توعدهم بكتب آثارهم، فقال: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } أي: أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة {وَءاثَارَهُمْ } أي: ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت. كمن سنّ سنّة حسنة، أو نحو ذلك، أو السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها: كمن سن سنّة سيئة. قال مجاهد، وابن زيد: ونظيره قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } تفسير : [الانفطار: 5] وقوله: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13]. وقيل: المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد، وبه قال جماعة من الصحابة، والتابعين. قال النحاس: وهو أولى ما قيل في الآية؛ لأنها نزلت في ذلك. ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشرّ، ومن الخير: تعليم العلم، وتصنيفه، والوقف على القرب، وعمارة المساجد، والقناطر. ومن الشرّ: ابتداع المظالم، وإحداث ما يضرّ بالناس، ويقتدي به أهل الجور، ويعملون عليه من مكس، أو غيره، ولهذا قال سبحانه: {وَكُلَّ شىْء أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } أي: وكل شيء من أعمال العباد، وغيرها كائناً ما كان، في إمام مبين، أي: كتاب مقتدى به موضح لكل شيء. قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال. قرأ الجمهور "ونكتب" على البناء للفاعل. وقرأ زرّ، ومسروق على البناء للمفعول. وقرأ الجمهور {كُلّ شَىْء أَحْصَيْنَـٰهُ } بنصب "كل" على الاشتغال. وقرأ أبو السمأل بالرفع على الابتداء. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، وابن عباس في قوله: {يس } قالا: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {يس } قال: يا إنسان. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، والضحاك، وعكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد، فيجهر بالقراءة، حتى تأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلاّ وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت {يس* وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } إلى قوله: {أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } قال: «حديث : فلم يؤمن من ذلك النفر أحد»تفسير : وفي الباب: روايات في سبب نزول ذلك، هذه الرواية أحسنها، وأقربها إلى الصحة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الأغلال: ما بين الصدر إلى الذقن {فَهُم مُّقْمَحُونَ } كما تقمح الدابة باللجام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } الآية قال: كانوا يمرّون على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يرونه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه ليؤذوه، فشقّ ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يسۤ، وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب وخرج وهو يقرؤها، ويذرّ التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه، فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: ننتظر محمداً، فقال: لقد رأيته داخلاً المسجد، قال: قوموا، فقد سحركم. وأخرج عبد الرّزّاق، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقيّ في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ }، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : إنه يكتب آثاركم» تفسير : ثم قرأ عليهم الآية: فتركوا. وأخرج الفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وفي صحيح مسلم، وغيره من حديث جابر قال: إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم، ويتحوّلوا قريباً من المسجد، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يس} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثاني: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس. الثالث: أنه فواتح من كلام الله تعالى افتتح به كلامه، قاله مجاهد. الرابع: أنه: يا محمد، قاله محمد بن الحنفية، وروى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّانِي في القُرآنِ بِسَبْعَةِ أَسْمَاءَ: مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَطه وَيس وَالمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ وَعَبدَ اللَّهِ ". تفسير : الخامس: أنه يا إنسان: قاله الحسن، وعكرمة، والضحاك، وسعيد ابن جبير. ثم اختلفوا فيه فقال سعيد بن جبير وعكرمة هي بلغة الحبشة. وحكى الكلبي أنه بالسريانية وقال الشعبي: هو بلغة طيىء. وقال آخرون: هي بلغة كلب. ويحتمل سادساً: يئس من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مؤمناً بالله، نفياً للإيمان أن يكون إلا بالشهادتين، واليأس أبلغ في النفي من جميع ألفاظه، ثم أثبت رسالته بقسَمه فقال: {وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: على شريعة واضحة. الثاني: على حجة بينة. قوله عز وجل: {لِّتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم قريش أنذروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينذر آباؤهم من قبلهم، قاله قتادة. الثاني: أنه عام ومعناه لتنذر قوماً كما أنذر آباؤهم، قاله السدي. {فَهُمْ غَافِلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: عن قبول الإِنذار. الثاني: عن استحقاق العذاب. قوله عز وجل: {لَقَدْ حَقَّ الْقَولُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: معناه لقد وجب العذاب على أكثرهم، قاله السدي. الثاني: لقد سبق علم الله في أكثرهم، قاله الضحاك. وفي هذا القول الذي حق عليهم وجهان: أحدهما: أنه الوعيد الذي أوجبه الله تعالى عليهم من العذاب. الثاني: أنه الإِخبار عنهم بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني الأكثرية الذين حق القول عليهم، وهم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفار قريش، وأكثرهم لم يؤمنوا فكان المخبر كالخبر.

ابن عطية

تفسير : أمال حمزة والكسائي الياء في {يس} غير مفرطين والجمهور يفتحونها ونافع وسط في ذلك، وقوله تعالى: {يس} يدخل فيه من الأقوال ما تقدم في الحروف المقطعة في أوائل السور، ويختص هذا بأقوال، منها أن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم دليله {إنك لمن المرسلين} وقال السيد الحميري: شعر : يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودة إلا آل ياسينا تفسير : وقال ابن عباس: معناه يا إنسان بلسان الحبشة، وقال أيضاً ابن عباس في كتاب الثعلبي: هو بلغة طيِّىء وذلك أنهم يقولون يا إيسان بمعنى إنسان ويجمعونه على أياسين فهذا منه، وقالت فرقة: "يا" حرف نداء، والسين مقامة مقام الإنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ومن قال إنه اسم من أسماء السورة أو من أسماء القرآن فذلك من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، وقرأ جمهور القراء {يس} و {أية : نون} تفسير : [القلم: 1] بسكون النون وإظهارها وإن كانت النون ساكنة تخفى مع الحروف فإنما هذا مع الانفصال، وإن حق هذه الحروف المقطعة في الأوائل أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف عنهما {يس والقرآن} بإدغام النون في الواو على عرف الاتصال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف بنصب النون، وهي قراءة عيسى بن عمرو رواها عن الغنوي، وقال قتادة: {يس} قسم، قال أبو حاتم: قياس هذا القول نصب النون كما تقول الله لأفعلن كذا، وقرأ الكلبي بضمها وقال هي بلغة طيىء "يا إنسان"، وقرأ أبو السمال وابن أبي إسحاق بخلاف بكسرها وهذه الوجوه الثلاثة هي للالتقاء، وقال أبو الفتح ويحتمل الرفع أن يكون اجتزاء بالسين من "يا إنسان"، وقال الزجاج النصب كأنه قال اتل يس وهو مذهب سيبويه على أنه اسم للسورة، و {يس} مشبهة الجملة من الكلام فلذلك عدت آية بخلاف {أية : طس} تفسير : [النحل: 14] ولم ينصرف {يس} للعجمة والتعريف، و {الحكيم} المحكم، فيكون فعيل بمعنى مفعل أي أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أن يكون {الحكيم} بناء فاعل أي ذو الحكمة، وقوله {على صراط مستقيم} يجوز أن تكون جملة في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنها في موضع حال من {المرسلين}، و"الصراط" الطريق، والمعنى على طريق وهدى ومهيع رشاد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "تنزيلُ" بالرفع على خبر الابتداء وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "تنزيلَ" بالنصب على المصدر، واختلف عن عاصم، وهي قراءة طلحة والأشهب وعيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {يسۤ} اسم للقرآن، أو لله ـ تعالى ـ أقسم به "ع"، أو فواتح من كلام الله ـ تعالى ـ افتتح بها كلامه، أو يا محمد وهو مأثور، أو يا إنسان بالحبشية أو السريانية، أو بلغة كلب، أو طيء.

النسفي

تفسير : {يس} عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه يا إنسان في لغة طيء، وعن ابن الحنفية يا محمد، وفي الحديث: «حديث : إن الله سماني في القرآن بسبعة أسماء: محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله»تفسير : وقيل يا سيد. {يَاسِين} بالإمالة: علي وحمزة وخلف وحماد ويحيـى {وَٱلْقُرْءَانِ} قسم {ٱلْحَكِيمُِ} ذي الحكمة أو لأنه دليل ناطق بالحكمة أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } جواب القسم وهو رد على الكفار حين قالوا: {أية : لَسْتَ مُرْسَلاً } تفسير : [الرعد: 43] {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } خبر بعد خبر أوصلة لـ {ٱلْمُرْسَلِينَ } أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام {تَنزِيلَ } بنصب اللام: شامي وكوفي غير أبي بكر على «اقرأ تنزيل» أو على أنه مصدر أي نزل تنزيل، وغيرهم بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل والمصدر بمعنى المفعول {ٱلْعَزِيزِ} الغالب بفصاحة نظم كتابه أو هام ذوي العناد {ٱلرَّحِيمِ } الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد. واللام في {لِتُنذِرَ قَوْماً } متصل بمعنى المرسلين أي أرسلت لتنذر قوماً {مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ } «ما» نافية عند الجمهور أي قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف بدليل قوله {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [القصص: 46] {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ }تفسير : [سبأ: 44]. أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره آباؤهم كقوله {أية : إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً }تفسير : [النبأ: 40] أو مصدرية أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } إن جعلت «ما» نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ لّتُنذِرَ}. كما تقول «أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل» {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } يعني قوله: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }تفسير : [السجدة:13] أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر. ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله بقوله {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها {فَهُم مُّقْمَحُونَ} مرفوعة رءوسهم. يقال: قمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجاً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحاً { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } بفتح السين: حمزة وعلي وحفص. وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله كالجبل ونحوه فبالضم {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } الحق والرشاد. وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره {وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي سواء عليهم الإنذار وتركه، والمعنى من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار. ورُوي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر: اللهم إن صدق فتب عليه وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع القرآن {وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } وخاف عقاب الله ولم يره {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } وهي العفو عن ذنوبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } أي الجنة.

الخازن

تفسير : قول عز وجل: {يس} قال ابن عباس: هو قسم، وعنه أن معناه يا إنسان بلغة طيىء يعني محمداً صلى الله عليه وسلم, وقيل يا سيد البشر وقيل هو اسم للقرآن {والقرآن الحكيم} أي ذي الحكمة لأنه دليل ناطق بالحكمة وهو قسم وجوابه {إنك لمن المرسلين} أي أقسم بالقرآن أن محمداً صلى الله عليه وسلم لمن المرسلين وهو رد على الكفار حيث قالوا لست مرسلاً {على صراط مستقيم} معناه وإنك على صراط مستقيم، وقيل معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على طريقة مستقيمة {تنزيل العزيز الرحيم} يعني القرآن تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم} يعني لم تنذر آباؤهم لأن قريشاً لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم, وقيل معناه لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من العذاب {فهم غافلون} أي عما يراد بهم من الإيمان والرشد.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يس} بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب. وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة. {تنزيل} بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. والباقون: بالرفع {سدّاً} بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد {فعززنا} بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل {آين} بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد. {أئن} بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل {أين} على وزن "كيف" {آن} بسكون النون وبالمد: يزيد مثل {آنذرتهم} {ذكرتم} بالتخفيف: زيد {ومالي} بسكون الياء: حمزة ويعقوب {ينقذوني} في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل {إني إذا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {إني آمنت} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {إلا صيحة واحدة} بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد {لما} بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم {الميتة} بالتشديد: أبو جعفر ونافع {عملت} بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل {لمستقر} بكسر القاف: زيد عن يعقوب {والقمر} بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس. الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير {ذرياتهم} على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب. الوقوف: {يس} ه كوفي {الحكيم} ه لا لجواب القسم {المرسلين} ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في {المرسلين} أي أرسلت على صراط {مستقيم} ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل {الرحيم} ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال {غافلون} ه {لا يؤمنون} ه {مقمحون} ه {لا يبصرون} ه {لا يؤمنون} ه {بالغيب} ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء {كريم} ه {وآثارهم} ط {مبين} ه {القرية} ه لأن "إذ" ليس ظرفاً {لاضرب} بل التقدير وإذكر إذ جاءها. وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من {أصحاب القرية} فلا وقف. {المرسلون} ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر {مرسلون} ه {مثلنا} لا {من شيء} لا لاتحاد المقول فيهما {تكذبون} ه {لمرسلون} ه ج {المبين} ه {بكم} ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول {أليم} ه {معكم} ط {ذكرتم} ط {مسرفون} ه {المرسلين} ه لأن {اتبعوا} بدل من الأوّل {مهتدون} ه {ترجعون} ه {ولا ينقذون} ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال {مبين} ه {فاسمعون} ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل {الجنة} ط {يعلمون} ه لا لتعلق الباء. {المكرمين} ه {منزلين} ه {خامدون} ه {العباد} ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة {يستهزؤن} ه {لا يرجعون} ه {محضرون} ه {يأكلون} ه {العيون} ه لا {ثمر} ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف {ايديهم} ط {يشكرون} ه {لا يعلمون} ه {مظلمون} ه ط {لها} ط {العليم} ه لا لمن قرأ {والقمر} بالرفع بالعطف على {الليل}، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً {القديم} ه {النهار} ط {يسبحون} ه {المشحون} ه لا {يركبون} ه {ينقذون} ه لا {حين} ه. التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس. ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم يؤيده قوله {إنك لمن المرسلين} وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك. وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة. وقوله {على صراط} كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم. وتنكير صراط للتعظيم. قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم. وقوله {ما أنذر آباؤهم} كقوله في "القصص" {أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير} تفسير : [الآية: 46] وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا {فهم غافلون} لهذا السبب. وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم. ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه تعالى جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم {أية : لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك} تفسير : [ص: 85] أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون. وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة. وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله تعالى فقال {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم. وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}تفسير : [الإسراء: 29] وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله {فهم لا يؤمنون} أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر. فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان. والضمير في قوله {فهي إلى الأذقان} راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق. وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة. وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً. والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته. والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما. وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس. ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة. ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله {وجعلنا من بين ايديهم سداً} قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق. ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ. وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة. ثم زاد ف التأكيد بقوله {فأغشيناهم} أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة {فهم لا يبصرون} شيئاً اصلاً. ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم {فهم لا يبصرون} وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره. ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً {وسواء عليهم} الآية. وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة. ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً. ثم بين بقوله {إنما تنذر} أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به. والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم. والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها. وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة. ومعنى الفاء في {فبشره} أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح. أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية. وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً {إنا نحن نحيي الموتى} على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات. والظاهر أن قوله {نحن} ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون {نحن} خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا. كأن الله تعالى قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى. وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز. ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال {ونكتب ما قدّموا} أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة. وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله {وآثارهم} يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد. عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم"تفسير : . وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها. وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم. سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟ الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر. وأيضاً قوله {إنا نحن} دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة. وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله {وكل شيء أحصيناه} ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه. وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء. والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تأس. {واضرب} لنفسك ولقومك {مثلاً} مثل {أصحاب القرية} وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها. وفي قوله {إذ أرسلنا} دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة. وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة. وأما القصة فإن عيسى عليه السلام أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟ قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص. وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم. من أوجدك وآلهتك. فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله سبحانه {فعززنا بثالث} من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية. وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟ قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك. فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك. فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا. فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم. وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم. فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة. قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن". وثانياً {ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم. ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة. وفي قولهم {وما علينا إلا البلاغ المبين} تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر. وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم. {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} بالقول أو بالحجارة. {وليمسنكم} بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت {عذاب أليم} {قالوا طائركم} أي سبب شؤمكم {معكم} وهو كفركم ومعاصيكم {أئن ذكرتم} يعني أتطيرون إن ذكرتم. ومن قرأ {أين} على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه. ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون {بل أنتم قوم مسرفون} في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء {وجاء من أقصى المدينة رجل} هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية. وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" تفسير : ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء. وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ. وقوله {من أقصى المدينة} ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم. ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون {أية : اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} تفسير : [غافر: 38] لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل. فقوله {اتبعوا} نصيحة وقوله {المرسلين} إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة. وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي. ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول. ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه. قال الحكيم {الذي فطرني} إشارة إلى وجود المقتضى. وقوله {ومالي} إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح {أية : ما لكم لا ترجون لله وقاراً} تفسير : [الآية: 13] لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك. وفي قوله {وإليه ترجعون} بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة. ثم أراد كمال التوحيد فقال {أئتخذ من دونه آلهة} فقوله {مالي لا أعبد الذي فطرني} فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله {أأتخذ} على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله. ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه. قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين. قال {إني آمنت بربكم} فاسمعوا قولي لتشهدوا لي. وإنما قال {بربكم} ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه. وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني. وفي قوله {قيل ادخل الجنة} وجهان أحدهما. أنه قتل. ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟ فقيل: قيل ادخل الجنة. والقائل هو الله سبحانه أو الملائكة بأمره. قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم. ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟ فقيل {قال يا ليت قومي يعلمون} وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً. ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة. وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن. و"ما" في قوله {بما غفر} مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود. فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله {غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} بإزاء قوله {فبشره بمغفرة وأجر كريم} ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً {وما أنزلنا على قومه} قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب. ثم قال {وما كنا منزلين} أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار. فالحاصل أنه تعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك. فمن قرأ {إلا صيحة} بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة. قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل. قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة. وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة. ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد. وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال. ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم. ثم بين بقوله {يا حسرة} أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله {ما يأتيهم} الآية. ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية. وقوله {أنهم إليهم لا يرجعون} بدل من {كم أهلكنا} التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم. ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم. من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية. ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره. وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟ وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم. ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل. ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: {وآية لهم الأرض الميتة} قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله {أية : أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}تفسير : [فصلت: 53] وقوله {أحييناها} استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس. شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : وقوله {فمنه يأكلون} بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم. وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ. ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول. والضمير في قوله {من ثمره} يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل. وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله {أية : أنا صببنا الماء صباً}تفسير : [عبس: 25] إلى قوله {أية : وفاكهة وأباً}تفسير : [عبس: 31] وقوله {وما عملت} من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور. ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك. هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق. وقيل: عمل الأيدي التجارة. وقيل: الطبخ ونحوه. ثم نزه نفسه بقوله {سبحان الذي خلق الأزواج} أي الأصناف والمراد بقوله {ومما لا يعلمون} أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو} تفسير : [المدثر: 31] {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17] قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس. وقوله {مما تنبت} لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد. فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف {أية : الذي خلق الأزواج كلها} تفسير : [الآية: 12] من غير تقييد. وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان. ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه. ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه. قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله. ومعنى {مظلمون} داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه. وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى. ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال {والشمس تجري لمستقرّ} أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات. وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد. وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها. وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة. وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة. وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة. وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة {ذلك} الجري على الوجوه المذكورة {تقدير العزيز} الغالب بقدرته على كل مقدور {العليم} بمبادئ الأمور وغاياتها. ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله {أية : وقدره منازل} تفسير : [الآية: 5] والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج. والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان. فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة. وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة. وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له. وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر. وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة. ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} لتباطؤ سيرها عن سيره {ولا الليل} أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها. وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار. وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار. والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة. وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر}تفسير : [النحل: 81] وكذا الكلام في قوله {ولا الليل سابق النهار} أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته. سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر. فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه. وأما قوله {وكل في فلك يسبحون} فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء. ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش. قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم. والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق. قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل. ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً. وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء. وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد. في الحديث "حديث : إنه نهى عن قتل الذراري"تفسير : يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله {وخلقنا لهم} إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر. وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع. ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً {وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث. وقوله {إلا رحمة} إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: شعر : ولم أسلم لكي أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام تفسير : التأويل: {يس} إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين {تنزيل العزيز الرحيم} فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك {نحيي} القلوب {الموتى ونكتب ما قدموا} من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم {أصحاب القرية} القلوب {إذ أرسلنا إليهم اثنين} من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود {فكذبوهما} النفس وصفاتها {فعززنا بثالث} من الجذبة {إنا تطيرنا بكم} لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه {طائركم معكم} لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة {رجل يسعى} هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق {لا يسألكم أجراً} لأنه لا شرب له من مشاربكم. {قيل ادخل الجنة} وهي عالم الأرواح وهو كقوله {أية : يا أيتها النفس المطمئنة}تفسير : [الفجر: 27] إلى قوله {أية : ادخلي جنتي}تفسير : [الفجر: 30] {على قومه من بعده} أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله. {صيحة واحدة} من وارد حق {فإذا هم} يعني النفس وصفاتها {خامدون} ميتون عن أنانيته بهويته {ألم يروا كم أهلكنا} فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم {وآية لهم} القلوب {الميتة أحييناها} بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات {خلق الأزواج} من الآباء العلوية والأمهات السفلية {مما تنبت} أرض البشرية بازدواج الكاف والنون. {ومن أنفسهم} بازدواج الروح والقلب {ومما لا يعلمون} من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت {وآية لهم} ليل البشرية {نسلخ منه} نهار الروحيانة {فإذا هم مظلمون} بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. وشمس نور الله {تجري لمستقر لها} وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب {قدرناه} ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين. فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99] وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : الفقر فخري"تفسير : . ثم أشار بقوله {لا الشمس ينبغي لها} إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً. ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ. {وإن نشأ} نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

الثعالبي

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {يسۤ * وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} قد تقدَّم الكلام في الحروف المقَطَّعة، ويختص هذا الموضعُ بأَقوالٍ، منها: أن ابن جبير قََالَ: يسۤ ٱسْمٌ من أسماء محمد ـــ عليه السلام ـــ وقال ابن عباس: معناه: يا إنسانُ، بالحبشية. وقال أيضاً: هو بلغة طَيِّىءٍ، وقال قتادةُ: «يسۤ» قسم و«الصراط» الطريق، والمعنى: إنك على طريق هدى بيِّن ومَهْيَعٍ رشاد، واختَلَفَ المفسرون في قوله تعالى: {مَّا أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} فقال عِكْرِمَةُ: «ما» بمعنى: الذي، والتقدير: الشيءُ الذي أُنذِر آباؤهم من النارِ والعذابِ، ويحتملُ أن تكون «ما» مصدريةً على هذا القول، ويكونُ الآباءُ هُمُ الأَقْدَمُونَ على مر الدهرِ. وقوله: {فَهُمْ} مع هذا التأويل بمعنى: فإِنّهم، دخلتِ الفاءُ لِقَطْع الجملة من الجملة، وقال قتادةُ: «ما» نافيةٌ، فالآباءُ عَلى هَذا هم الأقْرَبُونَ مِنْهُمْ، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ } تفسير : [سبأ:44] وهذه النِّذَارةُ المنفيةُ: هي نذارة المبَاشَرَة، كما قدَّمَنا، و{حَقَّ ٱلْقَوْلُ}، معناه: وَجَبَ العذابُ وسبَقَ القضَاءُ بهِ، وهذا فيِمَنْ لم يؤمنْ من قريشٍ كَمَنْ قُتِل بِبَدْرٍ، وغيرِهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يۤسۤ} بسكون النون. وأدغم النون في الواو بعدها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش بخلاف عنه. وكذلك النون من "نون والقلم" وأظهرهما الباقون. فمن أدغم فللخفّة، ولأنه لما وصل والنفي متقاربان من كلمتين أولهما ساكن وجب الإدغام كالمِثْلَيْن. ومن أظهر فاللمبالغة في تفكيك هذه الحروف بعضها من بعض، لأنه بنية الوقف وهذا أُجْرِيَ على القياس في الحروف المقطعة وكذلك التقى فيها الساكنان وصلاً ونقل إليهما حركة همزة الوصل على رأي نحو "الم. الله" كما تقدم تقريره. (وأمال الياء من"يس" الأخَوَانِ، وأبُو بكرٍ؛ لأنها اسم من الأسماء كما تقدم تقريره) أَوَّلَ البقرة. قال الفَارسيُّ: وإذا أمالوا "ياء" وهي حرف نداء فَلأَنْ يُمِيلُوا "يا" من "يس" أَجْدَرُ. وقرأ عيسى وابن أبي إسْحَاقَ بفتح النون إمَّا على البناء على الفتح تخفيفاً كـ "أَيْنَ وكَيْفَ" وإما على أنه مفعول بـ "اتْلُ" وإما على أنه مجرور بحرف القسم، وهو على الوجهين غير منصرف للعلمية والتأنيث ويجوز أن يكون منصوباً على إسْقاطِ حرف القسم كقوله: شعر : 4167-...................... ..........أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ تفسير : وقرأ الكلبي بضم النون، فقيل: على أنها خبرُ مبْتَدأ مُضْمَر، أي هذه يس ومُنِعَتْ من الصرف؛ لما تقدم. وقيل: بل هي حركة بناء كـ "حَيْثُ" فيجوز أن (يكون) خبراً كما تقدم وأن يكون مقسماً بها نحو: "عَهْدَ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ". وقيل: لأنها منادى فبنيت على الضم، ولهذا فسَّرها الكلي القارىء لها بـ "يَا إِنْسَانُ". قال: وهي لغة طَيِّىء. قال الزمخشري: إن صح معناه فوجهه أن يكون أصله يا أُنَيْسِينُ فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره كما قالوا في القسم: "مُ اللَّهِ" في أَيْمُنُ اللَّهِ. قال أبو حيان: والذي نقل عن العرب في تصغير إنسان أُنَيْسَان بياء بعدها ألف فدل أن أصله أُنْسِيَان؛ لأن التصغير يرد الأشياءَ إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره: أُنَيْسِين. وعلى تقديره أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أنْ يُبْنَى على الضم، لأنه منادى مُقْبَلٌ عليه، ومع ذلك فلا يجوز لأنه تحقير ويمتنع من ذلك في حق النُّبُوَّةِ. قال شهاب الدين: أما الاعتراض الأخير فصحيح نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعاً، ولذلك يحكى أن ابْن قُبَيْبَةَ (لمَّا قال) في المهَيْمِن إنه مصغر من "مُؤْمن" والأصل: مُؤَيْمِنٌ فأبدلت الهمزةُ هاءً قيل له: هذا يَقْرُبُ من الكفر فلْيَتَّقِ اللَّهَ قَائِلُهُ. وتقدمت هذه الحكايات في المائدة وما قيل فيها. وقد تقدم للزمخشري في "طه" ما يقرب من هذا البحث وتقدم كلام الشيخ معه. وقرأ ابْن أَبِي إسْحَاقَ أيضاً وأبو السَّمَّا يس بكسر النون، وذلك على أصل التقاء الساكنين ولا يجوز أن يكون حركة إعراب. "وَالقُرْآنِ" إما قسم مستأنف إن لم تجعل ما تقدم قسماً وإما عطف على ما قبله إن كان مقسماً به. وقد تقدم كلام عن الخليل في ذلك أوائلَ البقرة فاعتبرْهُ هنا فإنَّه حسنٌ جدَّا. فصل قد تقدمت في سورة العنكبوت ذكر حروف التهجي وأن كل سورة بدأ الله فيها يحروف التهجي كان في أوائله الذكر أو الكتاب أو القرآن. ولنذكر هَهُنا أن في ذكر الحروف أوائل السور أموراً تدل على أنها غير خالية عن الحكمة لكن علم الإنسان لا يصل إليها. والذي يدل على أن فيها حكمة من حيث الجملة هو أن الله تعالى ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفاً وهي نصفُ ثمانيةٍ وعشرينَ حرفاً هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف متحركة. ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثَة أقسام تسعةَ أحرف من الألف إلى الذال والتسعةَ الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرةً في الوسط من الراء إلى الغَيْن، وذكر من القسم الأول حرفين الألفَ والحاء وترك سبعةً، ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم يذكره وهو الخاء ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشَّفَةِ إلا واحداً لم يتركه وهو الميم. والعشر الأواسط ذكر منه حرفاً وترك حرفاً، فترك الزاي وذكر الراء وذكر السين وترك الشِّين، وذكر الصاد وترك الضاد، وذكر الطاء وترك الظّاء وذكر العين وترك الغيْن. وليس هذا أمراً يقع اتفاقاً بل هو ترتيب مقصود وهو لحكمة لكنها غير معلومة وهب أن واحداً يدعي فيه شيئاً فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسُورة "ن" و "ق" و"ص" وبعضها بحرفين كسورة "حم" و "يس" و "طه" وبعضها بثلاثة أحرف كسورة "الم" و "طسم" و "الر" وبعضها بأربعة أحرف كسورة "المر" و "المص" وبعضها بخمسة كسورة "حمعسق" و"كهيعص" وهب أنَّ قائلاً يقول: إن هذا إشارة بأن الكلام إما حرف، وإما فعل، وإما اسمٌ، والحرف كثيراً ما جاء على حرف كواوِ العطف وفاء العقيب، وهمزة الاستفهام، وكاف التشبيه، وياء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمِنْ للتبعيض و "أَوْ" للتخيير، و"أم" للاستفهام المتوسط، وإن للشرط وغيرها. والفعل والاسم والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعَلَى في الاسم وأَلا يألو وعَلاَ يعلو في الفعل، والاسم والفعل جاءا على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة كـ "عِجْل" وسنجل وجرَحْل. فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد، والبعض بأكثر فلا يعلم ما السِّرُّ إلا الله ومن أعْلَمَهُ الله به وإذا علم هذا العبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد منها قسمان: قمس عُقِل معناه وحقيقته وقسم لم يُعْلَمْ. أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلاً وإنما وجب الإيمَانُ به والاعتقاد سمعاً كالصّراط الذي هو أرق من الشعر وأحدّ من السيف، ويمر عليه المؤمن كالبَرْق الخاطف، والميزان الذي توزن به الأعمال الذي لا ثقل لها في نظر الناظر وكيفية الجنة والنار فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم (و) مقطوع به بالسمع ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون الإتيان إلا لمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي بها لفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده: انقُل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ولو قال انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمَر. وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللِّسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهيّ. فإذا قال: حم، يس، طس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالاً لما أمر به. فصل قال ابن عباس: يس قسم، ووري عنه أن معناه يا إنسان بلغة طيىء. قيل: لأن تصغير إنسان أُنَيْسِين كما تقدم عن الزمخشري فكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال: ياسين أي يا أُنَيْسِينُ. قال أكثر المفسرين يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - قال الحسن وسعيد بن جبير وجماعة. وقال أبو (العالية: يا رَجُلُ. وقال أبو بكر الوراق: يا سيِّد البشر. وقوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} أي ذي) الحكمة كـ {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:21] أي ذات رضا، أو أنه ناطق بالحكمة وهو كالحيِّ المتكلم. قوله: "إنَّكَ" جواب القسم و "عَلَى صِراطٍ" يجوز أن يكون متعلقاً بـ "المُرْسَلِين" يقول: أَرْسَلْتُ عليه، كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً} تفسير : [الفيل:3] وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنِّ في "لَمِنَ المُرْسَلِين" لوقوعه خبراً، وأن يكون حالاً من "المُرْسَلِينَ" وأن يكون خبراً ثانياً لـ "إِنَّكَ". فصل أقسم بالقرآن على أن محمداً من المرسلين. وهو رد على الكفار، حيث قالوا: (لَسْتَ مُرْسَلاً). فإن قيل: المطلب ثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقْسَام؟!. فالجواب من وجوه: الأول: إن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون بأن الأيْمَانَ الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي - عليه الصلاة والسلام - ذلك بقوله: "حديث : اليَمينُ الكَاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ" تفسير : ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي عليه - (الصلاة و) السلام - يصيبه عذاب آلهتهم، وهي الكواكب والنبي عليه (الصلاة و) السلام يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرْفَعَ شَأْناً وأمْنَعَ مَكَاناً، فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب. الثاني: أن المُتَنَاظِرَ(يْنِ) إذا وقع بينهما كلام، وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قدرت هذا بقوة جدالك، وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة، وعجزت أنا عن القدح فيه وهذا كثير الوقوع بين المُتَناظِرَيْنِ فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول، فلا يجد أمراً إلا باليمين فيقول: وَاللَّهِ إنِّي لَسْتُ مُكَابِراً، وإنَّ الأمر على ما ذكرت ولم علمت خلافه لرَجَعْتُ إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبي عليه (الصلاة و) السلام أقام البراهين، وقالت الكفرة: {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} تفسير : [سبأ:43] وقالوا {أية : لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأحقاف: 7] فالتمسك بالأيْمان لعدم فائدة. الدليل الثالث: أن هذا ليس مجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن معجزة ودليل كَوْنه مُرْسَلاً هو المعجزة والقرآن كذلك. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر في صورة الدليل؟ وما الحكمة في صورة اليمين؟ فالجواب: أن الدليل إذا ذكر لا في صورة اليمين، قد لا يُقْبِلُ عليه السامع فلا يفيد فائدة، فإذا ابتدأ به على صورة اليمين لا يقع ولا سيما من العظيم إلا على عظيم، والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصْغاء إليه فلصروة اليمين تقبل عليه الأسماع لكونه دليلاً شافياً يتشربه الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب. قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم. والمسقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصِد والدين كذلك فإنه يوصل إلى الله وهو المقصد. قوله: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} قرأ نافعٌ وابنُ كَثيروأبُو عمرو وأبو بكر برفع "تنزيلُ" على أنه خبر مبتدأ مضمير أي هُو تنزيل. ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ إذا جعلت "يس" اسماً للسورة أي هذه السورة المسمّاة بـ "يس" تنزيلٌ، أو هذه الأحرف المقطعة تنزيلٌ. والجملة القسمية على هذا اعتراض. والباقون بالنصب على المصدر كأنه قال: نَزَلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرحيم لتنذر. أو على أنه مفعول بفعل مَنْوِيٍّ كأنه قال والقرآن الحكيم أعين تَنْزِيلَ العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر. وهذا اختيار الزمخشري. وهو المراد بقوله: "أو عَلَى المَدْح". وهو في المعنى كالرفع على خبر ابتداء مضمر. و "تنزيل" مصدر مضاف لفاعله. وقيل: هو بمعنى منزِّل. وقرأ أبو حيوة واليزيدي وأبو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة تَنْزِيل بالجر على النعت للقرآن أو البدل منه، كأن قال: والقُرْآن الحكيم تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين. وقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} إشارة إلى أن الملك إذا أرسل فالمرسَلُ إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويُعِينُوا المُرْسَل، وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزاً، أو يخافوا المُرْسِل ويكرموا المُرْسَل وحينئذ يرحمهم الملك. أو يقال: المُرْسَلُ يكون معه في رسالته مَنْعٌ عن أشياء وإطلاق لأشياء والمنع يؤكده العزة والإطلاق يدل على الرحمة. قوله: "لِتُنْذِرَ" يجوز أن يتعلق بـ "تَنْزِيلُ" أو بمعنى المرسلين يعني بإضمار فعل يدل عليه هذا اللفظ أي أرْسَلْنَاك لِتُنْذِرَ. قوله: {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} يجوز أن تكون "ما" هذه بمعنى الذي، وأن تكون نكرة موصوفة والعائد على الوجهين مُقَّدرٌ. أي ما أنذره آباؤهم فتكون ما وصلتها أو وصفتها في محل نصب مفعولاً ثانياً لقوله: "لِتُنذِرَ" كقوله: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} تفسير : [النبأ:40] أو التقدير لِتُنْذِرَ قَوْماً الذي أُنْذِرَهُ آبَاؤُهُمْ من العذاب، أو لتنذر قوماً عذاباً أُنْذِرَهُ آبَاؤُهُمْ. ويجوز أن تكون مصدرية أي إنْذَار آبَائِهِم أي مثله. ويجوز أن تكون ما نافية، وتكون الجملة المنفية صلة لـ "قوماً" أي قوماً غير منذر آباؤهم. ويجوز أن تكون زائدة أي قوماً أنذر آباؤهم. والجملة المثبتة أيضاً صفة لـ "قوماً". قال أبو البقاء. وهو مناف للوجه الذي قبله. فعلى قولنا ما نافية، فالمعنى ما أنذر آبَاؤُهُم الأَدْنونَ وإن قلنا: ما للإثبات فالمعنى ليُنْذَرُوا بما أنذر آباؤهم الأولون. وقوله: "فَهُمْ غَافِلُونَ" أي عن الإيمان والرشد.

البقاعي

تفسير : ولما كان القلب من الإنسان المقصود بالذات من الأكوان في نحو ثلث بدنه من جهة رأسه، وكانت الياء في نحو ذلك من حروف "أبجد" فإنها العاشرة منها والسين بذلك المحل من حروف أ ب ت ث فإنها الثانية عشرة منها، وعلا هذان الحرفان - بما فيهما من الجهر - عن غاية الضعف ونزلا بما لهما من الهمس عن نهاية الشدة، إشارة إلى أن القلب الصحيح هو الزجاجي الشفاف الجامع بين الصلابة والرقة الذي علا بصلابته عن رقة الماء الذي لا يثبت فيه صورة، ونزل بلطافته عن قساوة الحجر الذي لا يكاد ينطبع فيه شيء إلا بغاية الجهد، فكان جامعاً بين الصلابة والرقة متهيئاً لأن تنطبع فيه الصور وتثبت ليكون قابلاً مفيداً، فيكون متخلفاً من صفات موجدة بالقدرة والاختيار اللذين دلت عليهما سورة الملائكة، وبمعرفة الخير فيجتلبه والشر فيجتنبه فيكون فيه شاهد من نفسه على الاعتقاد الحق في صانعه، وكانت المجهورة أقوى فقدمت الياء لجهرها، وكانتا - بعد اختلاف بالجهر والهمس - قد اتفقتا في الانفتاح والرخاوة والاستفال إشارة إلى أن القلب لا يصلح - كما تقدم - مع الصلابة التي هي في معنى الجهر إلا بالإخبات الذي هو في معنى الهمس، وبالنزول عن غاية الصلابة إلى حد الرخاوة لئلا يكون حجرياً قاسياً, بأن يكون فيه انفتاح ليكون مفيداً وقابلاً, ويكون مستفلاً ليكون إلى ربه بتواضعه واصلاً, وزادت السين بالصفير الذي فيه شدة وانتشار وقوة لضعفها عن الياء بالهمس فتعادلتا، ودل صفيرها على النفخ في الصور الذي صرحت به هذه السورة, ودل جهر الياء على قوته, ودل كونها من حروف النداء على خروجه عن الحد في الشده حتى تبدو عنه تلك الآثار المخلية للديار، المنفية للصغار والكبار، ثم الباغتة لهم من جميع الأقطار، امتثالاً لأمر الواحد القهار، وكان مخرجهما من اللسان الذي هو قلب المخارج الثلاثة لتوسطه وكثرة منافعه في ذلك، وكانت الياء من وسطه والسين من طرفه، وكان هذان المخرجان، مع كونهما وسطاً، مداراً لأكثر الحروف، هذا مع ما لهما من الأسرار التي تدق عن تصور الأفكار، قال تعالى: {يس *} وإن كان المعنى: يا إنسان، فهو قلب الموجودات المخلوقات كلها وخالصها وسرها ولبابها، وإن أريد: يا سيد، فهو خلاصة من سادهم، وإن أريد: يا رجل، فهو خلاصة البشر، وإن أريد: يا محمد، فهو خالصة الرجال الذين هم لباب البشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة وخيار وعين القلب، وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد اسمه صلى الله عليه وسلم بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد {قلب} وعدد اسمي الحرفين، ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية، فمبلغ عدده اثنا عشر. ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه على النفرة عنه، وأن مرسله تعالى بصير بعباده، عالم بما يصلحهم ومن يصلح منهم للرسالة وغيرها، وكان مدار مادة "قرأ" - كما مضى في سورة الحجر - الجمع مع الفرق، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله وهو وظيفة القلب، عبر في القسم بقوله: {والقرآن} ووصفه بصفة القلب العازف فقال: {الحكيم *} أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم. ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى، لما ثبت له من تمام القدرة وشمول العلم، وكان من أجلّ ثمرات الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم إليه النفوس، وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ، إلى ما يفتحه لهم من الكرم، ويبصرهم به من الحكم، وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، وكانت هي المنظور إليها أولاً لأنها السبب في الأصلين الآخرين، وكانوا قد ردوا رسالته نفوراً واستكباراً، قال مقدماً لها تقديم السببعلى مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبساً: {إنك لمن المرسلين *} أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم، فصاروا - بما وهبهم الله القوة النورانية - كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه. ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه أولهم خلقاً وآخرهم بعثاً، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه، وكان سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وكان قد جعل سبحانه من المكارم أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم، وكانت عدة المرسلين كما في حديث أبي أمامة الباهلي عن أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة وخمسة عشر، وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وهو في الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر عدد الرسل فقط، وكانت عقول العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان أنهم منه، أقسم سبحانه ظاهراً أنه منهم ورمزاً للأصفياء باطناً إلى أنهم منه، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلى الله عليه وسلم الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة، فكأنه قال: إنك يا ياسين الذي تأويله محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم، فصار رمزاً في رمز، وكنزاً نفيساً داخل كنز، وسراً من سر، وبراً إلى بر، وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح الخطاب، ثم علق باسم المفعول قوله: {على صراط} أي طريق واسع واضح {مستقيم *} أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه، وهو الصراط المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى في حق موسى وهارون عليه السلام {وهديناهما الصراط المستقيم} فيكون تنوينه - بما أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم، والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة، فليس لأحد أن يخصك من بينهم بالتكذيب. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بذلك بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدركها، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات، واصطفاه لإيضاح تلك البينات، فقال تعالى {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} ثم قال {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهو غافلون} فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار، ويبعثه التيقظ بالتذكار؛ ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسبباً عن الطبع وشر السابقة {لقد حق القول على أكثرهم} الآيات؛ ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى} فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم {أو من كان ميتاً فأحييناه} ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر فقال {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية} - الآيات، واتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون} الآية، ثم قال {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} إلى قوله: {أفلا تشكرون} ثم قال {وآية لهم الّيل نسلخ منه النهار} {وكل في فلك يسبحون} ثم قال {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} إلى قوله: {إلى حين} ثم ذكر إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة اعضائهم بأعمالهم، ثم تناسجت الآية جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوباً لمن سأل: هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو {تنزيل} أو حاله كونه تنزيل {العزيز} أي المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كانت هذه الصفة للقهر والغلبة، وكان ذلك لا يكون صفة كمال إلا بالرحمة قال: {الرحيم *} أي الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم بما يقيمهم على المنهاج الذي يرضاه لهم، فهو الواحد الذي لا مثل له أصلاً لما قهر به من عزته، وجبر به من رحمته. نزل إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز، وجعل إنزاله تدريجاً بحسب المصالح مطابقاً مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا بمثلها، ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظماً أعجز الخلق عن أن يدركوا جميع المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه، فكله إعجاز على ما له من إطناب وإيجاز. ولما ذكر المرسَل والمرسَل به والمرسِل؛ ذكر المرسَل له فقال: {لتنذر قوماً} أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة {ما أنذر} أي لم ينذر أصلاً {آباؤهم} أي الذين غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليه السلام ومن أتى بعدهم عند فترة الرسل. ولما كان عدم الإنذار موجباً لاستيلاء الحظوظ والشهوات على العقل فيحصل عن ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال: {فهم} أي بسبب زمان الفترة {غافلون *} أي المعنى على ان "ما" مفعول ثان لتنذر: أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين كانوا قبل التغيير، فإن هؤلاء غافلون عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال ‏{‏يسۤ‏}‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي لفظ قال‏:‏ يا محمد‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله ‏ {‏يسۤ‏} ‏ قال‏:‏ يا محمد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ‏{‏يسۤ‏}‏ قال‏:‏ يا إنسان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعكرمة والضحاك، مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏يس‏ۤ}‏ قال‏:‏ يا إنسان بالحبشية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب قال‏:‏ سألت مالك بن أنس أينبغي لاحد أن يتسمى بيس‏؟‏ فقال‏:‏ ما أراه ينبغي لقوله ‏ {‏يسۤ والقرآن الحكيم‏} ‏ يقول‏:‏ هذا اسمي، تسميت به‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله الله ‏ {‏يسۤ والقرآن الحكيم‏}‏ قال‏:‏ يقسم الله بما يشاء، ثم نزع بهذه الآية ‏{أية : ‏سلام على إِل ياسين‏}تفسير : ‏ ‏[‏الصافات: 130‏]‏ كأنه يرى أنه سلم على رسوله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي كثير في قوله ‏ {‏يسۤ والقرآن الحكيم‏} ‏ قال‏:‏ يقسم بألف عالم ‏{‏إنك لمن المرسلين‏}‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار في قوله ‏ {‏يس‏ۤ} ‏ قال‏:‏ هذا قسم، أقسم به ربك قال ‏ {‏يا محمد إنك لمن المرسلين‏} ‏ قبل أن اخلق الخلق بألفي عام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يسۤ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين‏} ‏ قال‏:‏ اقسم كما تسمعون أنه ‏ {‏لمن المرسلين على صراط مستقيم‏}‏ أي على الإِسلام ‏{‏تنزيل العزيز الرحيم‏} ‏ قال‏:‏ هو القرآن ‏{‏لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم‏}‏ قال‏:‏ قريش لم يأت العرب رسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لم يأتهم ولا آباءهم رسول قبله‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة ‏ {‏لتنذر قوماً ما أنذر آباءهم‏} ‏ قال بعضهم ‏ {‏لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم‏} ‏ ما أنذر الناس من قبلهم، وقال بعضهم ‏{‏لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم‏} ‏ أي هذه الأمة لم يأتهم نذير حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لقد حق القول على أكثرهم‏} ‏ قال‏:‏ سبق في علمه‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد، فيجهر بالقراءة، حتى تأذّى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم لا يبصرون، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ ننشدك الله والرحم يا محمد، ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ذلك عنهم‏.‏ فنزلت ‏{‏يسۤ والقرآن الحكيم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏} ‏ قال‏:‏ فلم يؤمن من ذلك النفر أحد‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن رأيت محمداً لأفعلن‏.‏ ولأفعلن‏.‏‏.‏‏.‏ فنزلت ‏{‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً‏}‏ إلى قوله ‏ {‏لا يبصرون‏}‏ فكانوا يقولون‏:‏ هذا محمد فيقول‏:‏ أين هو أين هو‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ لا يبصره‏. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وجعلنا من بين أيديهم سدا‏ً}‏ قال‏:‏ كفار قريش غطاء ‏ {‏فأغشيناهم‏} ‏ يقول‏:‏ ألبسنا أبصارهم ‏ {‏فهم لا يبصرون‏} ‏ النبي صلى الله عليه وسلم فيؤذونه، وذلك أن ناساً من بني مخزوم تواطئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه‏.‏ منهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة‏.‏ فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يسمعون قراءته، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم، فأعلمهم ذلك، فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه، سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضاً من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا‏ً.‏ فذلك قوله ‏ {‏وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا‏ً.‏‏.‏‏}‏. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ "حديث : اجتمع قريش؛ وفيهم أبو جهل على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا على بابه‏:‏ ان محمداً يزعم أنكم ان بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، وبعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نار تحرقون فيها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ حفنة من تراب في يده قال‏: "‏نعم،‏ أقول ذلك، وأنت أحدهم"، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هذه الآيات ‏{‏‏يسۤ والقرآن الحكيم‏}‏ إلى قوله ‏{‏فأغشيناهم فهم لا يبصرون‏}‏ حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه تراباً، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، وإذا عليه تراب فقالوا‏:‏ لقد كان صدقنا الذي حدثنا ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏ {‏الأغلال‏}‏ ما بين الصدر إلى الذقن ‏ {‏فهم مقمحون‏}‏ كما تقمح الدابة باللجام‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ‏ {‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏مقمحون‏}‏ قال‏:‏ مجموعة أيديهم إلى أعناقهم تحت الذقن‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏مقمحون‏} ‏ قال (المقمح)‏ الشامخ بأنفه، المنكس برأسه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإِبل القماح تفسير : وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا‏ً}‏ قال‏:‏ البخل‏.‏ أمسك الله أيديهم عن النفقة في سبيل الله ‏ {‏فهم لا يبصرون‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا‏ً} ‏ قال‏:‏ في بعض القراءات ‏"‏إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون" قال‏:‏ مغلولون عن كل خير‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏فهم مقمحون‏} ‏ قال‏:‏ رافعوا رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا‏ً"‏ برفع السين فيهما ‏ {‏فأغشيناهم‏}‏ بالغين‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم، ينتظرون خروجه ليؤذوه، فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة ‏ {‏‏يسۤ}‏ وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب، وخرج وهو يقرأها ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه، فيجد التراب وجاء بعضهم فقال‏:‏ ما يجلسكم‏؟‏ قالوا‏:‏ ننتظر محمداً فقال‏:‏ لقد رأيته داخلاً المسجد قالوا‏:‏ قوموا فقد سحركم‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ حديث : اجتمعت قريش فبعثوا عتبة بن ربيعة فقالوا‏:‏ أئتِ هذا الرجل، فقل له إن قومك يقولون‏:‏ إنك جئت بأمرٍ عظيم، ولم يكن عليه آباؤنا، ولا يتبعك عليه أحلامنا، وإنك إنما صنعت هذا إنك ذو حاجة، فإن كنت تريد المال فإن قومك سيجمعون لك ويعطونك، فدع ما تريد وعليك بما كان عليه آباؤك، فانطلق عليه عتبة فقال له‏:‏ الذي أمروه، فلما فرغ من قوله وسكت‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم، حم‏ۤ تنزيل من الرحمن الرحيم}‏ [‏فصلت: 1 - 2‏] فقرأ عليه من أولها حتى بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}‏ ‏[‏فصلت: 13‏] فرجع عتبة فأخبرهم الخبر، فقال‏:‏ لقد كلمني بكلام ما هو بشعر، ولا بسحر، وإنه لكلام عجيب، ما هو بكلام الناس، فوقعوا به، وقالوا نذهب إليه بأجمعنا، فلما أرادوا ذلك، طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمدهم حتى قام على رؤوسهم، وقال بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏يسۤ والقرآن الحكيم‏} حتى بلغ ‏{‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً‏}‏ فضرب الله بأيديهم على أعناقهم، فجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فأخذ تراباً، فجعله على رؤوسهم، ثم انصرف عنهم، ولا يدرون ما صنع بهم، فعجبوا وقالوا‏:‏ ما رأينا أحداً قط أسحر منه أنظروا ما صنع بنا" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ أئتمر ناس من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم ليسطوا عليه، فجاؤوا يريدون ذلك، فجعل الله ‏{‏من بين أيديهم سدا‏ً}‏ قال‏:‏ ظلمة ‏ {‏ومن خلفهم سداً‏} قال‏:‏ ظلمة ‏{‏فأغشيناهم فهم لا يبصرون‏} ‏ قال‏:‏ فلم يبصروا النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ كان ناس من المشركين من قريش يقول بعضهم لبعض‏:‏ لو قد رأيت محمداً لفعلت به كذا وكذا، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم في حلقة في المسجد، فوقف عليهم فقرأ ‏ {‏‏يسۤ والقرآن الحكيم‏} ‏ حتى بلغ {‏لا يبصرون‏} ‏ ثم أخذ تراباً، فجعل يذره على رؤوسهم، فما يرفع إليه رجل طرفه، ولا يتكلم كلمة، ثم جاوز النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم، والله ما سمعنا، والله ما أبصرنا، والله ما عقلنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً‏}‏ قال‏:‏ عن الحق ‏{‏فهم‏}‏ يترددون ‏{‏فأغشيناهم فهم لا يبصرون‏} ‏ هدى، ولا ينتفعون به‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ جعل هذا السد بينهم وبين الإِسلام والإِيمان، فلم يخلصوا إليه‏.‏ وقرأ ‏ {‏وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏} ‏ من منعه الله لا يستطيع‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقرأ ‏"‏من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً"‏ بنصب السين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه قرأ ‏ {‏فأغشيناهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {‏إنما تنذر من اتبع الذكر‏} ‏ قال‏:‏ اتباع الذكر اتباع القرآن ‏ {‏وخشي الرحمن بالغيب‏} ‏ قال‏:‏ خشي عذاب الله وناره ‏ {‏فبشره بمغفرة وأجر كريم‏} ‏ قال‏:‏ الجنة‏.

ابو السعود

تفسير : (سورة يس مكية. وعنه صلى الله عليه وسلم تدعى المعمة تعم صاحبها خير الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة وآياتها ثلاث وثمانون) {بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيم} {يس} إمَّا مسرودٌ على نمطِ التَعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ أو اسمٌ للسُّورةِ كما نصَّ عليه الخليلُ وسيبويه وعليه الأكثرُ فمحلُّه الرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أو النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ لفعلِ مضمرٍ. وعليهما مدارُ قراءةِ يسن بالرَّفع والنَّصبِ أي هَذه يسن أو اقرأْ يسن. ولا مساغَ للنَّصب بإضمارِ فعلِ القسمِ لأنَّ ما بعدَهُ مُقسمٌ بِه وقد أَبَوا الجمعَ بـين قَسَمين على شيءٍ واحدٍ قبل انقضاءِ الأوَّلِ ولا مجالَ للعطفِ لاختلافِهما إعراباً. وقيل هو مجرورٌ بإضمارِ باءِ القسمِ مفتوحٌ لكونِه غيرَ منصرفٍ كما سلف في فاتحةِ سُورة البقرةِ من أنَّ ما كانتْ من هذه الفواتحِ مفردة مثلَ صاد وقاف ونون أو كانت موازنةً لمفردٍ نحوِ طس ويسن وحم الموازنةِ لقابـيلَ وهابـيلَ يتأتَّى فيها الإعرابُ اللَّفظيُّ ذكَره سبـيويِه في بابِ أسماءِ السُّورِ من كتابِه. وقيل: هُما حركتا بناءٍ كما في حيثُ وأينَ حسَبما يشهدُ بذلك قراءةُ يسن بالكسر كجَيْرِ وقيل: الفتحُ والكسرُ تحريكٌ للجِدِّ في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أنَّ معناه يا إنسانُ في لغةِ طَيءٍ قالُوا المرادُ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. ولعلَّ أصلَه يا أُنيسين فاقتُصر على شطرِه كما قيل مَنُ الله في أيمَن الله {وَٱلْقُرْءانِ} بالجرِّ على أنَّه مقسمٌ به ابتداءً وقد جُوِّز أنْ يكونَ عطفاً على يسن على تقديرِ كونِه مجروراً بإضمارِ باءِ القسمِ {ٱلْحَكِيمِ} أي المتضمِّنِ للحكمةِ أو النَّاطقِ بها بطريقِ الاستعارةِ أو المتَّصفِ بها على الإسنادِ المجازيِّ، وقد جُوِّز أنْ يكونَ الأصلُ الحكيمُ قائلُه فحذُف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامَه فبانقلابِه مرفوعاً بعد الجرِّ استكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ كما مرَّ في صدرِ سُورة لُقمانَ {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} جوابٌ للقسم. والجملةُ لردِّ إنكار الكَفَرةِ بقولِهم في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لستَ مُرسَلاً. وهذه الشَّهادةُ منه عزَّ وجلَّ من جملة ما أُشير إليه بقوله تعالى في جوابهم: { أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تفسير : [سورة الرعد: الآية 43] وفي تخصيص القُرآن بالإقسامِ به أَوَّلاً بوصفه بالحكيمِ ثانياً تنويهٌ بشأنه وتنبـيهٌ على أنه كما يشهدُ برسالته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من حيث نظمُه المعجزُ المُنطوي على بدائعِ الحكم يشهدُ بها من هذه الحيثيَّةِ أيضاً لما أنَّ الإقسامَ بالشَّيءِ استشهاد به على تحقُّقِ مضمون الجملة القسميةِ وتقوية لثبوتِه فيكون شاهداً به ودليلاً عليه قَطْعاً.

السلمي

تفسير : قال جعفر الصادق - رحمة الله عليه -: فى قوله {يسۤ} يا سيد مخاطبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيدكم"تفسير : . لم يمدح نفسه ولكن أخبر عن معنى مخاطبة الحق إياه بقوله {يسۤ} فهذا شبيه بقول النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} تفسير : [الزخرف: 77]. قوله لأبى هريرة رضى الله عنه -"يا أبا هريرة" وغير ذلك فلما أخبر الله تعالى عنه بالسيادة مبهمًا وأمره بتصريحه صرّح بذلك فقال: "حديث : إن الله تعالى نادانى سيدًا فأنا سيد ولد آدم ولا فخر ". تفسير : أى ولا فخر بالسيادة لأن افتخارى بالعبودية أجَلّ من إخبارى عن نفسى بالسِّيادة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}. يقال معناه: يا سيد. ويقال: الياء تشير إلى يوم الميثاق، والشين تشير إلى سِرِّه مع الأحباب؛ فيقال بحقِّ يوم الميثاق وسِرِّي مع الأحباب، وبالقرآن الحكيم:- قوله جلّ ذكره: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إِنَّكَ - يا محمد لَمِنََ المرسلين، وإِنَّكَ لَعَلَى صراطٍ مستقيم.

البقلي

تفسير : {يسۤ} افهم ان حروف يس كحروف الطواسين وحروف الحواميم وغيرها من حروف التهجى الياء اشارة الى يد القدرة الازلية والسين الى سنا الربوبية اقسم سبحانه بثلث صفات بالقدرة وسنا الربوبية والكلام الازلى بقوله {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} مخاطبة المواجهة بعد شرف القسم بنفسه وصفاته لان المقسم به قديم فاقسم بالقدم لا بشئٍ خرج من العدم لشرائفه وفضائله قيل الياء يشير الى يوم الميثاق والسين بشير الى سره مع الاحباب فقال وبحث يوم الميثاق وسرى مع الاحباب والفرات الحكيم انك لمن المرسلين يا محمد قال جعفر الصادق يا سيد مخاطبا لنبيه عليه الصلاة والسلام بذلك لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يس} اما مسرود على نمط التعديل فلا حظ له من الاعراب او اسم للسورة وعليه الاكثر فمحله الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف اى هذه يس او النصب على انه مفعول لفعل مضمر اى اقرأ يس ويؤيد كونه اسم السورة قوله عليه السلام "حديث : ان الله تعالى قرأ طه ويس قبل ان خلق آدم بالفى عام فاذا سمعت الملائكة قالوا طوبى لامة ينزل عليهم هذا وطوبى لالسن تتكلم بهذا وطوبى لا جواف تحمل هذا" تفسير : [ودر خبرست كه جون دوستان حق در بهشت رسند از جناب جبروت ندا آيدكه از ديكران بسيار بشنيديد وقت آن آمدكه از ما شنويد "فيسمعهم سورة الفاتحة وطه ويس" مصطفى عليه السلام كفت] "حديث : كأن الناس لم يسمعوا القرآن حين سمعوا الرحمن يتلوه عليهم" تفسير : كما فى كشف الاسرار. وقال بعضهم ان الحروف المقطعة اسماء الله تعالى ويدل عليه ان عليا رضى الله عنه كان يقول (يا كهيعص يا حمعسق) فيكون مقسما به مجرورا او منصوبا باضمار حرف القسم وحذفه والمراد بحذفه ان لا يكون اثره باقيا وباضماره ان يبقى اثره مع عدم ذكره ففى نحو الله لافعلن يجوز النصب بنزع الخافض واعمال فعل القسم المقدر ويجوز الجر ايضا باضمار حرف الجر اى اقسم بيس اى الله تعالى. وفى الارشاد لامساغ للنصب باضمار فعل القسم لان ما بعده مقسم به وقد ابوا الجمع بين القسمين على شئ واحد قبل انقضاء الاول. وقال بعض الحكماء الالهية انها اسماء ملائكة هم اربعة عشر كما سبق بيان فى طسم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما وهو قول كثير منهم ان معنى (يس) يا انسان فى لغة طى على ان المراد به رسول الله عليه السلام ولعل اصله يا انيسين تصغير هو الله تعالى وهو لا يقول ولا يفعل الا ما هو صواب وحكمة فتكون "يا" من يس حرف نداء و "سين" شطر انيسين فلما كثر النداء به فى ألسنتهم اقتصروا على شطره الثانى للتخفيف كما قالوا فى القسم من الله اصله ايمن الله [واين خطاب باصورت رد بشريت مصطفاست عليه السلام جنانكه جاى ديكر كفت {أية : قل انما انا بشر مثلكم} تفسير : ازانجا كه انسانيت وجنسيت آنست او مشاكل خلق است واين خطاب باانسان بروفق آنست واز آنجاكه شرف نبوتست وتخصيص رسالت خطاب باوى اينست كه (يا ايها النبى: يا ايها الرسول) واين خطاب كه باصورت وبشري ازبهر آن رفت كه تانقاب غيرت سازند وهر نامحر مرا برجمال وكمال وى اطلاع ندهند اين جنانست كه كويند] شعر : ارسلانم خوان تاكس نه بداندكه كيم تفسير : وعن ابن الحنفية معناه يا محمد دليله قوله بعده انك لمن المرسلين وفى الحديث "حديث : ان الله سمانى بسبعة اسماء محمد واحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله" تفسير : ويؤيده انه يقال لاهل البيت آل يس كما قيل سلام على ال طه ويس سلام على ال خير النببين شعر : لله دركمو يا آل يا سينا تفسير : يقول الفقير يحتمل ان يكون المراد يس اول من عظمه الله تعالى بما فى سورة يس فلا يحصل التأييد. وقال الكاشفى [حقيقت آنست كه دركلام عرب از كلمه بحر فى تعبير ميكنند جنانجه شعر : قد قلت لها قفى فقالت ق تفسير : اى وقفت بس ميشايد كه جرف سين اشارت بكلمه يا سيد البشر او يا سيد الاولين والآخرين وحديث "حديث : انا سيد ولد آدم" تفسير : تفسير اين حرف بود] كما قال فى العرائس لم يمدح عليه السلام بذلك نفسه ولكن اخبر عن معنى مخاطبة الحق اياه بقوله يس انتهى. [وديكر ببايد دانست كه ازميان حروف سين را سويت اعتداليه هست كه ميان زبر وبينات او توافق وتساوى هست وهيج حرفى ديكر آن حال ندارد لا جرم مخصوص بحضرت ختميه است صلى الله عليه وسلم كه عدالت حقيقى خواه در طريق توحيد وخواه دراحكام شرع بد و اختصاص دارد شعر : تراست مرتبه اعتدال درهمه حال كه در خصائص توحيد اعدل ازهمه تمكن است ترا در مقام جمع الجمع بدين فضيلت مخصوص افضلى ازهمه تفسير : واز فحواى كلمات سابقة روايح رياحين قلب القرآن يس استشمام ميتواند نمود] وسيجيء تمامه فى آخر السورة ان شاء الله تعالى وقال نعمة الله النقشبندى يا من تحقق بينبوع بحر اليقين وسبح سالما من الانحراف والتلوين. وشيخ نجم الدين [كفت قسمست بيمن نبوت حبيب وبسر مطهر او]. وقال البقلى اقسم بيد القدرة الازلية وسناء الربوبية. وقال القشيرى الياء يشير الى يوم الميثاق والسين الى سره مع الاحباب كأنه قال بحق يوم الميثاق وسرى مع الاحباب والقرآن الخ. وذهب قوم الى ان الله تعالى لم يجعل لاحد سبيلا الى ادراك معانى الحروف المقطعة فى اوائل السور وقالوا ان الله تعالى متفرد بعلمها ونحن نؤمن بانها من جملة القرآن العظيم ونكل علمها اليه تعالى ونقرأها تعبدا وامتثالا لامر الله وتعظيما لكلامه وان لم نفهم منها ما نفهمه من سائر الآيات [درينابيع آورده كه هر حرفى ازحروف مقطعه را سريست ازاسرار خزانه غيب كه حضرت حق حبيب خودرا بر آن اطلاع داده بعد ازان جبرائيل برآن نازل شده وجزاخدا ورسول الله مقبول كسى بر آن وقوف ندارد]. قال الشيخ ابن نور الدين في بعض وارداته سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسرار المتشابهات من الحروف فقال هى من اسرار المحبة بينى وبين الله فقلت هل يعرفها احد فقال ولا يعرفها جدى ابراهيم عليه السلام هى من اسرار الله تعالى التى لا يطلع عليها نبى مرسل ولا ملك مقرب ويؤيده ما فى الاخبار حديث : ان جبريل عليه السلام نزل بقوله تعالى {كهيعص} فلما قال كاف قال النبى عليه السلام "علمت" فقال ها فقال "علمت" فقال يا فقال "علمت" فقال عين فقال "علمت" فقال صاد فقال "علمت" فقال جبريل كيف علمت ما لم اعلم . تفسير : يقول الفقير لا شك انه عليه السلام وصل الى مقام فى الكمال لم يصل اليه احد من كمال الافراد فضلا عن الغير ويدل عليه عبوره ليلة المعراج جميع المواطن والمقامات فلهذا جاز ان يقال لم يعرف احد من الثقلين والملائكة ما عرفه النبى عليه فان علوم الكل بالنسبة الى علمه كقطرة من البحر فله عليه السلام علم حقائق الحروف بما لا مزيده عليه بالنسبة الى ما فى حد البشر واما غيره فلهم علم لوازمها وبعض حقائقها بحسب استعداداتهم وقابلياتهم هذا ما يعطيه الحال والله تعالى اعلم بالخفايا والاسرار وما ينطوى عليه كتابه ويحيط به خطابه

ابن عجيبة

تفسير : بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ يقول الحق جلّ جلاله: {يس} أيها السيد المفخم، والمجيد المعظم، {و} حق {القرآن الحكيم} المحكم {إِنك لمن المرْسلين} وفي الحديث: "حديث : إن الله تعالى سمّاني في القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزّمّل، والمدّثر، وعبد الله"تفسير : ، قيل: ولا تصح الاسمية في يس؛ لإجماع القراء السبعة على قراءتها ساكنة، على أنها حروف هجاء محكية، ولو سمي بها لأعربت غير مصروفة، كهابيل وقابيل، ومثلها "طس" و "حم" كما قال الشاعر: شعر : لما سمى بها السورة فهلا تلى حميمَ قبل التكلم تفسير : فدلَّ على أنها حروف حال التلاوة. نعم قد قُرىء "يسُ" بضم النون، ونصبها، خارج السبعة، وعلى ذلك تخرج بأن اللفظ اسم للسورة، كأنه قال: اتل يس، على النصب، وعلى أنها اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وتوجه في قراءة الضم على النداء. هـ. قلت والظاهر إنها حروف مختصرة من السيد، على طريق الرمز بين الأحباء، إخفاء عن الرقباء. ثم أقسم على رسالته، ردّاً على مَن أنكره بقوله: {والقرآنِ الحكيمِ} أي: ذي الحكمة البالغة، أو: المحكم الذي لا ينسخه كتاب، أو: ذي كلام حكيم، فوصف بصفة المتكلم به، {إِنك لَمِنَ المرسلين} مِن أعظمهم وأجلِّهم. وهو ردٌّ على مَن قال من الكفار: {أية : لَسْتَ مُرْسَلاً} تفسير : [الرعد: 43]. {على صراطٍ مستقيمٍ} أي: كائناً على طريق مستقيم، يوصل مَن سلكه إلى جوار الكريم، فهو حال من المستكن في الجار والمجرور. وفائدته: وصف الشرع بالاستقامة صريحاً، وإن دلَّ عليه: {إِنك لمن المرسلين} التزاماً، أو: خبر ثان لإن. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: يس، معناه: يا سيد ـ رقَّاه أشرف المنازل، وإن لم يسم إليه بطرق التأميل، سُنَّة منه سبحانه أنه لا يضع أسراره إلا عند مَن تقاصرت الأوهام عن استحقاقه، ولذلك قَضوا بالعَجَب في استحقاقه، وقالوا: كيف آثر يتيم أبي طالب من بين البرية، ولقد كان ـ صلوات الله عليه ـ في سابق اختياره تعالى مقدّماً على الكافة من أشكاله وأضرابه، وفي معناه قيل: شعر : هذا وإن أصبح في أطمار وكان في فقر من اليسار آثرُ عندي من أخي وجاري وصاحب الدرهم والدينار وصاحب الأمر مع الإكثار تفسير : قال الورتجبي: قيل: الياء: الياء تُشير إلى يوم الميثاق، والسين تُشير إلى سره مع الأحباب، فقال: بحق يوم الميثاق، وسرى مع الأحباب، وبالقرآن الحكيم، إنك لَمن المرسلين يا محمد هـ. وجاء: "حديث : إن قلب القرآن يس، وقلبه: {سلام قولاً من رب رحيم} "تفسير : .قلت: وهو إشارة إلى سر القربة، الداعي إليه القرآن، وعليه مداره، وحاصله: تسليم الله على عباده كِفاحاً، لحياتهم به، وأنسهم بحديثه وسره. وقيل: لأن فيه تقرير أصول الدين. قاله في الحاشية الفاسية. ثم فسّر القرآن، المُقسَم به، فقال: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ....}

الطوسي

تفسير : عشر آيات كوفي وتسع في ما عداه عدّ الكوفي {يس} ولم يعده الباقون. قرأ الكسائي بامالة الألف من (ياسين) وكذلك حمزة إلا انه أقل إمالة الباقون بغير امالة. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابو بكر عن عاصم {تنزيل العزيز الرحيم} بالرفع الباقون بالنصب. فمن رفع، فعلى تقدير (ذلك) تنزيل العزيز، ومن نصب، فعلى تقدير (نزل) تنزيل العزيز الرحيم. وقرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر {سداً} بفتح السين في الموضعين. الباقون بضمها، وهما لغتان، وقال ابو عمرو: وما كان من فعل الله، فهو بالفتح. وعد أهل الكوفة {يس} آية ولم يعدوا (طس) لأن (طاسين) أشبه قابيل وهابيل في الوزن، والحروف الصحاح، ولم يشبهها (ياسين) لأن أوله حرف من حروف العلة وليس مثل ذلك في الاسماء المفردة، فاشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤس الآي. وقد مضى في ما تقدم أن افتتاح أوائل السور بأمثال هذه الحروف الأقوى فيها أنها اسماء للسور. وقيل: إنها اسماء القرآن، وقيل إنها حروف إذا جمعت انبأت عن اسم الله الأعظم، وغير ذلك من الاقاويل لا نطول بذكره. وقال الحسن: معناه يا رجل. وقال محمد بن الحنفية {يس} معناه يا إنسان يا محمد، وروي عن علي عليه السلام أنه قال سمى الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله في القرآن بسبعة اسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزمل، والمدثر، وعبد الله، وقيل: معناه بالسريانية يا إنسان. وقيل: معناه يا سيد الأولين والآخرين. وأخفى النون من (ياسين) الكسائي وابو بكر عن عاصم. الباقون ببيان النون، وهو الاجود لأن حروف الهجاء ينوى بها السكت والانقطاع عما بعدها. ومن قال بالاول قال لان النون والتنوين إنما يظهران عند حروف الحلق وليس ها هنا شيء منها. وقوله {والقرآن الحكيم} قسم من الله تعالى بهذا القرآن وصفه بأنه حكيم من حيث أن فيه الحكمة، فصار ذلك بمنزلة الناطق به للبيان عن الحق الذي يعمل به. والحكمة قد تكون المعرفة، وقد تكون ما يدعو إلى المعرفة، وأصله المنع من الخلل والفساد، فالمعرفة تدعو إلى ما أدى إلى الحق من برهان أو بيان قال الشاعر: شعر : أبني حنفية احكموا سفهاءكم إني اخاف عليكم أن اغضبا تفسير : أي امنعوهم. وقال قوم: إنما أقسم الله بالقرآن الحكيم لعظم شأنه وموضع العبرة به والفائدة فيه، والمقسم عليه قوله {إنك لمن المرسلين} أقسم تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله ممن أرسله الله بالنبوة والرسالة، وأنه {على صراط مستقيم} وهو طريق الحق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة {تنزيل العزيز الرحيم} من رفع فعلى تقدير ذلك تنزيل، ومن نصب فعلى تقدير نزل تنزيل. وموضع {على صراط مستقيم} يجوز ان يكون رفعاً على انه خبر، كأنه قال إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون نصباً على الحال للارسال، كأنه قال: أرسلوا مستقيماً طريقتهم. وقوله {لتنذر قوماً} معناه إنه أنزل القرآن لتخوف به من معاصي الله قوماً {ما أنذر آباؤهم} من قبل اراد به قريشاً أنذروا بنبوة محمد، وقيل: في معناه قولان: احدهما - قال عكرمة: معناه لتنذر قوماً مثل الذي أنذر آباؤهم. الثاني - قال قتادة: معناه لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم قبلهم - يعني في زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام {فهم غافلون} عما تضمنه القرآن وعما أنذر الله من نزول العذاب. ومثل الغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ومثله النسيان وهو ذهاب الشيء عن النفس بعد حضوره فيها. ثم اخبر تعالى مقسما انه {لقد حق القول على أكثرهم} اي وجب باستحقاق العقاب بادخالهم النار {فهم لا يؤمنون} لذلك، وقد سبق في علم الله. ثم اخبر تعالى فقال {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} أي جعل الغل في اعناقهم وهو جمع عنق {فهي إلى الأذقان} والاذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. وقيل بأيمانهم إلى اذقانهم، فكنى عنها، لانها معلومة. وقيل: التقدير بالاغلال بالايمان إلى الاذقان فهو محذوف، قال الشاعر: شعر : وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا ابتغيه أم الشر الذي لا يأتليني تفسير : {فهم مقمحون} فالمقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه، وقيل هو المقنع وهو الذي يجذب ذقنه حتى تصير في صدره ثم يرفع. والقمح من هذا وهو رفع الشيء إلى الفم، والبعير القامح الذي إذا أورده الماء في الشتاء رفع رأسه وشال به نصباً لشدة البرد، قال الشاعر: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالابل القماح تفسير : وقيل: قد رفعوا رؤسهم وشخصوا بأبصارهم - ذكره مجاهد - ثم قال {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً} ومعناه سداً عن الحق - في قول مجاهد وقتادة - اي على جهة الذم لهم، وصفهم بذلك لا أنهم منعوا منه وكذلك ذكر الاغلال كما قال الأفوه الازدي: شعر : كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر لهم عن الرشد اغلال واقياد تفسير : وفي تأويل الآيات قولان: احدهما - انه جعل جهلهم وذهابهم عن معرفة الحق غلا وسداً إذ كان المغلول الممنوع من التصرف امامه ووراءه ذاهب عما قد منع منه وحيل بينه وبين الدليل عليه إن الله تعالى لم يجعل الكافر مغلولا في الحقيقة ولا مسدوداً بين يديه ومن خلفه ولا في عينه غشاوة، كقوله تعالى {أية : وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً} تفسير : شبهه بمن في اذنيه وقر، فعلمنا بهذا التشبيه أنه إنما يريد بوصف الكفار بالوقر والكن والغل والسد التشبيه الذي عناه - ها هنا - ولو كان في إذن الكافر وقر على الحقيقة لم يجز تشبيهه بمن في اذنيه وقر، وهو كقولهم للجاهل: حمار وثور، وإنما يريدون المبالغة في وصفه بالجهل، ومعنى (جعلنا) يحتمل وجهين احدهما - انه كما شبههم بمن جعله مغلولا مقيداً أجرى عليه صفة الجعل بأنه مشبه للمجعول مغلولا مقيداً. والثاني - انه اراد البيان عن الحالة التي شبه بها المغلول المقيد، كما يقول القائل: جعلني فلان حماراً وجعلني ميتاً إذا وصفه بالحمارية والموت وشبهه بالحمار والميت وهذا واضح. والوجه الثاني - في تأويل الآيات انه أراد وصف حالهم في الآخرة، لأنه تعالى يوثقهم في الاغلال والسلاسل، كما قال تعالى {أية : خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه} تفسير : وقال {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} تفسير : وقال في السد الذي جعله لهم: فلا يبصرون كما قال {أية : يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب}تفسير : وقال {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم} تفسير : فلما كانت هذه حال الكفار في الآخرة، وصف حالهم في الدنيا. وقوله {فهم مقمحون} فقد فسرناه في آية اخرى وهي قوله {أية : مهطعين مقنعي رؤسهم} تفسير : والاقناع هو رفع الرأس واشخاصه فقد صح بما بيناه كلا الوجهين في الآية وزالت الشبهة بحمد الله. وقال السدي: إن ناساً من قريش ائتمروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله فلما جاءوه جعلت ايديهم إلى اعناقهم فلم يستطيعوا ان يبسطوا اليه يداً. وقال قوم: حال الله بينهم وبين ما أرادوا فعبر عن ذلك بأنه غلت ايديهم. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد {جعلنا في أعناقهم أغلالاً} من الآيات والبينات {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً} منها {فأغشيناهم} بها {فهم} مع ذلك {لا يبصرون} بدليل قوله {أية : أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} تفسير : وقرأ ابن مسعود وابن عباس {إنا جعلنا في ايمانهم اغلالا} لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، والمعنى إنا جعلنا في اعناقهم وفي أيمانهم اغلالا وقوله {فهي} كناية عن الايدي لا عن الاعناق، لأن الغل يجعل اليد تلي الذقن، والعنق والعنق هو مقارب الذقن، لان الغ يجعل العنق إلى الذقن. وقرأ الحسن {فأغشيناهم} بالعين المهملة، وهو ما يلحق من ضعف البصر وقيل: الآية نزلت في ابي جهل، لانه همّ بقتل النبي صلى الله عليه وآله فكان إذا خرج بالليل لا يراه، ويحول الله بينه وبينه. وقيل: السد فعل الانسان، والسد بالضم خلقه تعالى {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} أي حكمنا عليهم بأنهم كمن غشي بصره فهم لا يبصرون لذلك. وقيل: اغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى. وقيل: بظلمة الليل فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه وآله. ثم قال {سواء عليهم أأنذرتهم} يا محمد وخوفتهم {أم لم تنذرهم} وتخوفهم بالعقاب {فهم لا يؤمنون} للعناد وترك الالتفات والفكر في ما يخوفهم منه، فاستوى علمه تعالى في تركهم الايمان وعدولهم عنه إلى الكفر بسوء اختيارهم.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : أي: يا إنسان - أعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنه الإنسان الحقيقي المعنوي، الذي اجتمعت فيه صور الأسماء كلُها مفصَّلةً، كما في العقل الأول مجملةً - لِما رُوِي عن ابن عباس: "إن معناه "يا إنسان" في لغة طي"، وقيل في توجيهه لفظاً - إن صَحَّ النَّقلُ -: أن يكون أصلُه "يا أنيسين" فَكَثُر النداءُ به على ألسنتهم، حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القَسَمْ: "م الله" في "أيمن الله". وقد مرت الإشارة في سورة السجدة، إلى قاعدة كليّة في الحروف المقطَّعة، بها يمكن أن يُستَنبطَ معنى الإنسان الكامل، من كلمة "سين" فقط - إن كان "يا" حرف النداء. ومن مجموع "ياء" و "سين" بوجه اخر - إن لم يكن كذلك - فليُرجَعْ إليها. وقرئَ "ياسين" بالفتح، ككيف وأين، أو بالنصب، على "اتل يس"، وبالكسر على الأصل، وبالرفع على "هذه يس". واتفق أكثرُ المفسرين، على أن المراد منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وان اختلفت العبارات، وتعددت الإشارات، فقيل معناه: "يا إنسان". وهو قول ابن عباس. وقيل: "يا رجل". عن الحسن وأبي العالية. وقيل: معناه: "يا محمد" (صلى الله عليه وآله). عن سعيد بن جبير ومحمد بن حنفية. وقيل معناه: "يا سيد الأولين والآخرين" وقيل: "هو اسم النبي (صلى الله عليه وسلم)، عن علي وأبي جعفر الباقر (عليهما السلام). ولهذا يقال لآله (عليهم السلام): "آل يس".

الجنابذي

تفسير : قد مضى فى اوّل البقرة وفى غيرها ما يكفى لبيانها، وقد ورد فى الاخبار انّ يٰس ونون من اسماء محمّد (ص)، وقيل ههنا: انّ يٰس معناه يا انسان بلغة طىٍّ، وقرئ يٰس ونون باظهار النّون فى الوصل على الاصل، وقرئ بادغام النّون فى الواو على خلاف الاصل، وقرئ بكسر النّون بناء كجير، وبفتحها بناء كاين، او باضمار حرف القسم ومنع الصّرف وبالضّمّ بناء كحيث، او اعراباً على تقدير هذه يٰس.

الأعقم

تفسير : {يس}، قيل: اسم السورة، وقيل: إشارة إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف، وقيل: اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {والقرآن الحكيم} المظهر للحكمة {إنك لمن المرسلين} هذا جواب القسم أقسم أنه نبي من الأنبياء جواباً لقول الكفار لست مرسلاً {على صراط مستقيم} أي على طريق في الدين مستقيم {تنزيل} أي هذا القرآن {تنزيل العزيز} القادر {الرحيم} بعباده {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم} فيه وجهان: أحدهما ما بمعنى الذي تقديره كالذي أنذر آباؤهم، والثاني ما للنفي أي ما أنذر آباؤهم في حال الفترة لأن قريشاً لم يأتهم نبي قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) {فهم غافلون} عن الايمان {لقد حقّ القول على أكثرهم} أي وجب الوعيد على أكثرهم لعلمه تعالى أنهم لا يؤمنون {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} رفعوا رؤوسهم وشخصوا أبصارهم، قيل: المراد بالأغلال يوم القيامة، وصف الأغلال بالشدة وأنها تضمن اليد والعنق واكتفى بذكر، وقيل: جعلنا في أعناقهم أغلالاً ظلمات وضلالات كأنهم فيها، وجعلنا حكمنا عليهم بها.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يسۤ} يقول: يا إنسان، والسين حرف من حروف الإِنسان. يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا إنسان. {وَالْقُرْءَانِ الحَكِيمِ} أي: المحكم بالحلال والحرام. {إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [أقسم للنبي عليه السلام بالقرآن الحكيم إنه لمن المرسلين على صراط مستقيم، أي: على دين مستقيم]. والصراط هو الطريق المستقيم، أي: إلى الجنة. {تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} يعني القرآن هو تنزيل العزيز الرحيم، نزّله مع جبريل على محمد عليهما السلام. قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} قال بعضهم: لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم. وقال جماعة من أهل العلم: أي: بالذي أنذر آباؤهم. فمن قال: لم ينذر آباؤهم فهو يعني مثل قوله: (أية : مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ) تفسير : [السجدة: 3] يعني قريشاً. ومن قال: مثل الذي أنذر آباؤهم فهو يأخذها من هذه الآية: (أية : أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ) تفسير : [المؤمنون: 68] يعني من كان قبل قريش. قال: {فَهُمْ غَافِلُونَ} أي: عما جاءهم به النبي عليه السلام، أي: في غفلة من البعث.

اطفيش

تفسير : {يس} باخلاص فتحة الياء وآمالها ابو بكر وروح وحمزة والكسائي وادغم ابوبكر وابن عامر والكسائي وورش ويعقوب النون في الواو بعدها ويبقون الغنة وكذا في ن والقلم غير ان عامة اهل الاداء يأخذون من مذهب ورش بالبيان في السورتين للنون وقرىء بكسر النون على البناء وبالفتح على البناء او على الاعراب اي اتلو يس وعلى اضمار حرف القسم فالفتحة لمنع الصرف للعلمية وتأنيث السورة وبالضم بناء او اعرابا على ان التقدير هذه يس فقيل الله اعلم بمراده. وقال قتادة اسم للقرآن وقيل للسورة وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس هو قسم وعنه ان المراد يا انسان بلغة طيي وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم او اقتصر على شطره وكسرت السين وذلك الاقتصار لكثرة نداء الإنسان وقال جاز الله الأصل يا انيسين اقتصر كذلك كما قيل في ايمن من وم وفي رواية عن ابن عباس ان المعنى يا انسان بالحبشية وفي رواية عن قتادة انه قسم وقيل ان يس انسان بالسريانية وهو قول الكلبي وممن قال انه بلغه طيي الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وقيل بلغة كلب واقول الذي حفظت في تصغير انسان انيسيان على غير قياس ويرد على مدعي التصغير ان النبوة تمنع منها وقد نصوا على ان التصغير لا يدخل الأسماء المعظمة شرعا ولما قال ابن قتيبة ان المهيمن مصغر مؤمن بابدال الهمزة هاء قيل له هذا يقرب من الكفر فليتق الله قائله وقيل معناه يا محمد ذكره ابن الحنفية والضحاك قال ابو العالية وقيل يا رجل وقال ابو بكر الوراق، يا سيد البشر. وقال جعفر الصادق: انه اراد يا سيد مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه من تعظيمه وتمجيده ما لا يخفى. وعن طلحة عن ابن عباس انه قسم اقسم الله به وهو ان اسماء الله تعالى وقال كعب اقسم الله به قبل ان يخلق السماوات والأرض بالفي عام يا محمد إنك لمن المرسلين قال النقاش لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له صلى الله عليه وسلم {والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين} رد على الكفار إذ قالوا لست مرسلا ولا يخفى ما في ذلك من التأكيد بالقسم ووصف المقسم به وهو القرآن بالحكمة فهو أقسم بما لا ينطق الا بالحكمة والتأكيد بأن الجملة الإسمية ولو أراد لأكد بالاسمية وحدها والتأكيد باللام وبالادخال في زمرة المرسلين فإنه أبلغ من قولك إنه لمرسل ويجوز أن يكون وصف القرآن بالحكمة لأنه كلام الله والله حكيم وفيه التأكيد والوا عاطفة ان جعل يس قسما والمعطوف على المقسم به مقسم به وقسمية إن لم يجعل يس قسما.

اطفيش

تفسير : يقولون لست رسولا كما مر مثله فى السورة قبل هذه، فنزلت هذه الآيات الى " أية : غافلون" تفسير : [يس: 6] تصديقا له، كما قال الله عز وجل: " أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" تفسير : [الرعد: 43]. وهذه السورة قلب القرآن لاشتمالها على أمهات الأصول، يدفع بها الجهل والآفات، كما يصلح البدن بالقلب، تسمى: المعمة، والمدافعة، والقاضية، نعم خير الدنيا والآخرة لقارئها، وتكابد عنه البلوى فى الدنيا والآخرة، وتقضى له كل حاجة، روى ذلك بسند فيه ضعف، وروى يغفر له ما تقدم، وكمن قرأ القرآن عشر، وكمن قرأه احدى عشرة، وكمن قرأه اثنتين وعشرين، وروى مرفوعا كمن قرأه مرتين، وذلك الحسنة بالحسنة، يضاعف لمن يشاء الحسنة بعشر وأكثر، كما صح أن هذه الأمة أقصر أعماراً وأكثر ثوابا، فيكون لمن قرأ هذه السورة مرة كمن قرأ القرآن كله، مع أن لكل حرف منه عشر حسنات وأكثر، أى كمن قرأه بدون سورة يس ولك أن تقول معها، لأن الشىء مفردا غيره مقرونا بغيره. وفى أبى داود: " اقرءوا على موتاكم يس" ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أن لكل شيء قلباً، وأن قلب القرآن يس"تفسير : ، من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطاه من الأجر كلما قرأ القرآن اثنيتن وعشرين مرة" وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من قرأ يس أمام حاجته قضيت له" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من قرأها إن كان جائعا أشبعه الله تعالى، وإن كان ظمآن أرواه الله تعالى،وإن كان عريانا ألبسه الله تعالى، وإن كان خائفا آمنه الله تعالى، وإن كان متوحشا آنسه الله تعالى، وإن كان فقيرا أغناه الله تعالى، وإن كان فى السجن أخرجه الله تعالى، وإن كان أسيرا خلصه الله تعالى، وإن كان ضالا هداه الله تعالى وإن كان مديونا قضى الله دينه من خزائنه" تفسير : ومن سمع أنه من فعل كذا من عبادة كصوم وصلاة وصدقة كان له كذا وكذا من الدنيا كرزق وصحة بدن، ونصر فليفعل تلك العبادة لرضا الله تعالى، وللحسنات والنجاة من النار، وغفران الذنوب، ويدع بعد ذلك ولا ينشىء عبادة لأمر دنيوى بل ينشئها تقربا الى الله ويترتب عليها مراده من الدنيا. وما ورد من ذلك فى الحديث مخالفا لما ذكرت، فانه يأول به، فان أنواع العبادة لم توضع للدنيا، ثم إنه إن توهم أن له الأجر عليها فى الآخرة، قال الله عز وجل: قد أعطيتك فى الدنيا حاجتك التى عبدتنى لأجلها أو قد جازيتك عنها بكذا من أمر الدنيا، وإنما يتوسل الى أمور الدنيا بالدعاء، وهو مأمور به، وهو عبادة. ومعنى يس: يا إنسان بلغة طيىء والحبشة، فقيل أصله أنيسين، واعترض بأن المسموع أنيسيان، والحافظ حجة وليس ذلك من عنده، وأن الأصل عدم التصغير، ولو كان لله عز وجل أن يصغر لفظ وليه تعظيما، لكن لا يقال به إلا مع ورود مثله عن الله فى وليه، وإنيسيان دليل على أن الانسان من النسيان، فلعل يس كله اسم واحد للسورة، أى اتل يس، أو حروف مقطعة، أو يا حرف نداء، وسين حرف من إنسان اختصار كما اختصر شامن لفظ شاهد فى قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : كفى بالسيف شا ". تفسير : وإذا قيل: هذا نداء ورد على القائل أن حذف حرف النداء الداخل على النكرة المقصودة ضعيف، فما قيل فى الحديث الوارد فى حقوق الوالدين من وفاء الضمانة الزم رجل أمك، من أن رجل منادى أى الزم أمك يا رجل ضعيف، والصواب كسر الراء وإسكان الجيم مضافا الى الأم، اى اكسها واخدمها، ويدل لهذا حديث باب الجهاد:" حديث : ويحك الزم رجلها"تفسير : وعن ابن الحنفية: يس يا محمد، وفى الحديث: "حديث : إن الله تعالى سماني في القرآن بسبعة أسماء: محمد وأحمد، وطه ويس، والمزمل والمدثر، وعبد الله" تفسير : وقيل المراد يا سيد والحكيم فعيل للنسب بمعنى ذى الحكمة لاشتماله عليها، أو بمعنى مفعول من الرباعى بالزيادة، أى محكم أى متقن مضبوط كأعقدت العسل فهو عقيد، أى معقد ولا معمول لمرسلين، لأن المراد من أهل الرسالة لا من أهل الرسالة إلى كذا. ويجوز أن يكون الحكمة أسندت الى القرآن بمعنى الناطق بالحكمة على التجوز فى الاسناد، أو على الاستعارة المكنية، بأن شبه بالحى ورمز اليه بلازمه وهو النطق، ويجوز تسمية الانسان بيس، كما سمى به بعض أصحابنا، وبعض قومنا، ومن ذلك أن بعض أعراب المغرب الأوسط أكثر قراءة يس لأمر دنيوى، وأغير على حيهم، فصاح أين أنت يا يس يعنى السورة، فأجابه رجل من جهة العدو: ها أنا ذا يس، فهو إما رجل من العدو اسمه يس خلصه الله تعالى به، أو ملك أو ما شاء الله كان له من قراءته.

الالوسي

تفسير : الكلام فيه كالكلام في {أية : الۤمۤ}تفسير : [البقرة: 1] ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور إعراباً ومعنى عند كثير. وأخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طرق عن ابن عباس أنه قال: يس يا انسان وفي رواية أخرى عنه زيادة بالحبشية وفي أخرى عنه أيضاً في لغة طي. قال الزمخشري: إن صح هذا فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره كما في القسم م الله في أيمن الله. وتعقبه أبو حيان بأن المنقول عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف وهو دليل على أن الإنسان من النسيان وأصله إنسيان فلما صغر رده التصغير إلى أصله ولا نعلمهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه بقية أنيسين فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم ولا يبقى موقوفاً لأنه منادى مقبل عليه ومع ذلك لا يجوز التصغير في أسماء الأنبياء عليهم السلام كما لا يجوز في أسماء الله عز وجل، وما ذكره في ـ م ـ من أنه شطر أيمن قول، ومن النحويين من يقول ـ م ـ حرف قسم وليس شطر أيمن انتهى. قال الخفاجي: لزوم البناء على الضم مما لا كلام فيه فلعل من فسره بذلك يقرؤه بالضم على الأوجه فيه، وأما الاعتراضان الآخران فلا ورود لهما أصلاً، فأما الأول فلأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس وهو الأصح لا يلزمه فيما غير منه أن يقدره كذلك وهو لم يلفظ به حتى يقال له: إنك نطقت بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري، فإذا قال: المقدر مفروض عندي على القياس هل يتوجه عليه السؤال، وأما الأخير فلأن / التصغير في نحو ذلك إنما يمتنع منا وأما من الله تعالى فله سبحانه أن يطلق على نفسه عز وجل وعظماء خلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم والتحبيب ونحوه من معاني التصغير كما قال ابن الفارض:شعر : ما قلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشيء بالتصغير تفسير : والذي قاله أبو حيان في توجيه ذلك أنهم يقولون إيسان بمعنى إنسان ويجمعون على أياسين فهذا منه ولا يخفى أنه يحتاج إلى إثبات وبعده لا يخفى ما في التخريج عليه. وقالت فرقة: يا حرف نداء والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ونظيره ما جاء في الحديث «حديث : كفى بالسيف شا» تفسير : أي شاهداً، وأيد بما ذهب إليه ابن عباس في {أية : حـمۤ * عۤسۤقۤ}تفسير : [الشورى: 1-2] ونحوه من أنها حروف من جملة أسماء له تعالى وهي رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك. وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أن يس بمجموعه اسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام وهو ظاهر قول السيد الحميري:شعر : يا نفس لا تمحضي بالود جاهدة على المودة إلا آل ياسينا تفسير : ولتسميته صلى الله عليه وسلم بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند الواقفين على أسرار الحروف، وقد تكلمت ولله تعالى الحمد فيما تعلق بهذه الكلمة الشريفة ثلاثة أيام أشرع كل يوم منها بعد العصر وأختم قبيل المغرب وذلك في مجلس وعظي في المسجد الجامع الداودي واليوم لا أستطيع أن أذكر من ذاك بنت شفة بل لا أتذكر منه إلا رسماً هب عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه فحسبـي الله عمن سواه فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره. وقرىء بفتح الياء وإمالتها محضاً وبين بين. وقرأ جمع بسكون النون مدغمة في الواو، وآخرون بسكونها مظهرة والقراءتان سبعيتان، وقرأ ابن أبـي إسحاق وعيسى بفتح النون، قال أبو حاتم قياس قول قتادة: إنه قسم أن يكون على حد ـ الله لأفعلن ـ بالنصب. ويجوز أن يكون مجروراً بإضمار باء القسم وهو ممنوع من الصرف. وقال الزجاج: النصب على تقدير اتل يس وهذا على قول سيبويه أنه اسم للسورة، وقيل هو مبني والتحريك للجد في الهرب من التقاء الساكنين والفتح للخفة كما في أين، وسبب البناء غير خفي عليك إذا أحطت خبراً بما قرروا في {الۤمۤ} أول سورة البقرة. ولا تغفل عما قالوا في النصب بإضمار فعل القسم من أنه لا يسوغ لما فيه من جمع قسمين على مقسم عليه واحد وهو مستكره، ولا سبيل إلى جعل الواو بعد للعطف لا للقسم لمكان الاختلاف إعراباً. وقرأ الكلبـي بضم النون وخرج على أنه منادى مقصود بناءً على أنه بمعنى إنسان أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر هذه إذا كان اسماً للسورة وهذا إن كان اسماً للقرآن وهو يطلق على البعض كما يطلق على الكل، وجعله مبتدأ محذوف الخبر وهو قسم أي يس قسمي نحو أمانة الله لأفعلن بالرفع لا يخفى حاله، وقيل الضمة فيه ضمة بناءً كما في حيث. وقرأ أبو السمال وابن أبـي إسحاق أيضاً بكسرها، وخرج على أنه للجد في الهرب عن الساكنين بما هو الأصلي فتأمل وتذكر.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة. وإيقاعات سريعة. ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثاً وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها ـ سورة فاطر ـ وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها. وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار. والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية. وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة. فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها: {يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم..}. وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة؛ وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه. وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: {أية : وما علمناه الشعر ـ وما ينبغي له ـ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين }.. تفسير : كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية. فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين وهو يقول: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون؟ إني إذاً لفي ضلال مبين}.. وقرب ختام السورة يجيء ذكر هذا الموضوع مرة أخرى: {أية : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون }.. تفسير : والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة. تجيء في أولها: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}.. وتأتي في قصة أصحاب القرية، فيما وقع للرجل المؤمن. وقد كان جزاؤها العاجل في السياق: {قيل: ادخل الجنة. قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.. ثم ترد في وسط السورة: {أية : ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}.. تفسير : ثم يستطرد السياق إلى مشهد كامل من مشاهد القيامة. وفي نهاية السورة ترد هذه القضية في صورة حوار: {أية : وضرب لنا مثلاُ ونسي خلقه. قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم }.. تفسير : هذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية. ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها. هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة ـ بصفة خاصة ـ ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها. ومن مصارع الغابرين على مدار القرون. ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية: مشهد الأرض الميتة تدب فيها الحياة. ومشهد الليل يسلخ منه النهار فإذا هو ظلام. ومشهد الشمس تجري لمستقر لها. ومشهد القمر يتدرج في منازله حتى يعود كالعرجون القديم. ومشهد الفلك المشحون يحمل ذرية البشر الأولين. ومشهد الأنعام مُسخّرة للآدميين. ومشهد النطفة ثم مشهدها إنساناً وهو خصيم مبين! ومشهد الشجر الأخضر تكمن فيه النار التي يوقدون! وإلى جوار هذه المشاهد مؤثرات أخرى تلمس الوجدان الإنساني وتوقظه: منها صورة المكذبين الذين حقت عليهم كلمة الله بكفرهم فلم تعد تنفعهم الآيات والنذر: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون؛ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون}. ومنها صورة نفوسهم في سرهم وفي علانيتهم مكشوفة لعلم الله لا يداريها منه ستار.. ومنها تصوير وسيلة الخلق بكلمة لا تزيد: {أية : إنما أمره إذا أرد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون}.. تفسير : وكلها مؤثرات تلمس القلب البشري وهو يرى مصداقها في واقع الوجود. ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة أشواط: يبدأ الشوط الأول بالقسم بالحرفين: "يا. سين" وبالقرآن الحكيم، على رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه على صراط مستقيم. يتلو ذلك الكشف عن النهاية البائسة للغافلين الذين يكذبون. وهي حكم الله عليهم بألا يجدوا إلى الهداية سبيلاً، وأن يحال بينهم وبينها أبداً. وبيان أن الإنذار إنما ينفع من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب؛ فاستعد قلبه لاستقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان.. ثم يوجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يضرب لهم مثلاً أصحاب القرية، فيقص قصة التكذيب وعاقبة المكذبين. كما يعرض طبيعة الإيمان في قلب الرجل المؤمن وعاقبة الإيمان والتصديق.. ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بنداء الحسرة على العباد الذين ما يفتأون يكذبون كل رسول ويستهزئون به. غير معتبرين بمصارع المكذبين، ولا متيقظين لآيات الله في الكون وهي كثير.. وهنا يعرض تلك المشاهد الكونية التي سبقت الإشارة إليها في تقديم السورة، كما يعرض مشهداً مطولاً من مشاهد القيامة فيه الكثير من التفصيل. والشوط الثالث يكاد يلخص موضوعات السورة كلها. فينفي في أوله أن ما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شعر، وينفي عن الرسول كل علاقة بالشعر أصلاً. ثم يعرض بعض المشاهد واللمسات الدالة على الألوهية المنفردة، وينعى عليهم اتخاذ آلهة من دون الله يبتغون عندهم النصر وهم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة المدعاة!. ويتناول قضية البعث والنشور فيذكرهم بالنشأة الأولى من نطفة ليروا أن إحياء العظام وهي رميم كتلك النشأة ولا غرابة! ويذكرهم بالشجر الأخضر الذي تكمن فيه النار وهما في الظاهر بعيد من بعيد! وبخلق السماوات والأرض وهو شاهد بالقدرة على خلق أمثالهم من البشر في الأولى والآخرة.. وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون}. والآن نأخذ بعد هذا العرض المجمل في التفصيل.. {يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. إنما تنذر من اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم. إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}.. يقسم الله سبحانه بهذين الحرفين: "يا. سين" كما يقسم بالقرآن الحكيم. وهذا الجمع بين الأحرف المقطعة والقرآن يرجح الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور؛ والعلاقة بين ذكرها وذكر القرآن. وأن آية كونه من عند الله، الآية التي لا يتدبرونها فيردهم القرآن إليها، أنه مصوغ من جنس هذه الأحرف الميسرة لهم؛ ولكن نسقه التفكيري والتعبيري فوق ما يملكون صياغته من هذه الحروف. ويصف القرآن ـ وهو يقسم به ـ بأنه {القرآن الحكيم}. والحكمة صفة العاقل. والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة. وهي من مقتضيات أن يكون حكيماً. ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها. فإن لهذا القرآن لروحاً! وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصفي له قلبك وتصغي له روحك! وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك! وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات، كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته، حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح ظلاله! ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره؛ ويقف على الأبواب ينصت إذا سمع من داخلها من يرتل هذا القرآن. كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب! والقرآن حكيم. يخاطب كل أحد بما يدخل في طوقه. ويضرب على الوتر الحساس في قلبه. ويخاطبه بقدر. ويخاطبه بالحكمة التي تصلحه وتوجهه. والقرآن حكيم. يربي بحكمة، وفق منهج عقلي ونفسي مستقيم. منهج يطلق طاقات البشر كلها مع توجيهها الوجه الصالح القويم. ويقرر للحياة نظاماً كذلك يسمح بكل نشاط بشري في حدود ذلك المنهج الحكيم. يقسم الله سبحانه بياء وسين والقرآن الحكيم على حقيقة الوحي والرسالة إلى الرسول الكريم: {وإنك لمن المرسلين على صراط مستقيم}.. وما به سبحانه من حاجة إلى القسم. ولكن هذا القسم منه ـ جل جلاله ـ بالقرآن وحروفه، يخلع على المقسم به عظمة وجلالاً، فما يقسم الله سبحانه إلا بأمر عظيم، يرتفع إلى درجة القسم به واليمين! {إنك لمن المرسلين}.. والتعبير على هذا النحو يوحي بأن إرسال الرسل أمر مقرر، له سوابق مقررة. فليس هو الذي يراد إثباته. إنما المراد أن يثبت هو أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هؤلاء المرسلين. ويخاطبه هو بهذا القسم ـ ولا يوجهه إلى المنكرين المكذبين ـ ترفعاً بالقسم وبالرسول وبالرسالة عن أن تكون موضع جدل أو مناقشة. إنما هو الإخبار المباشر من الله للرسول. {إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم}.. وهذا بيان لطبيعة الرسالة بعد بيان حقيقة الرسول. وطبيعة هذه الرسالة الاستقامة. فهي قائمة كحد السيف لا عوج فيها ولا انحراف، ولا التواء فيها ولا ميل. الحق فيها واضح لا غموض فيه ولا التباس. ولا يميل مع هوى ولا ينحرف مع مصلحة. يجده من يطلبه في يسر وفي دقة وفي خلوص. وهي لاستقامتها ـ بسيطة لا تعقيد فيها ولا لف ولا دوران. لا تعقد الأمور ولا توقع في إشكالات من القضايا والتصورات والأشكال الجدلية. وإنما تصدع بالحق في أبسط صورة من صوره، وأعراها عن الشوائب والأخلاط، وأغناها عن الشرح، وتفصيص العبارات وتوليد الكلمات، والدخول بالمعاني في الدروب والمنحنيات! يمكن أن يعيش بها ومعها البادي والحاضر، والأمي والعالم، وساكن الكوخ وساكن العمارة؛ ويجد فيها كل حاجته؛ ويدرك منها ما تستقيم به حياته ونظامه وروابطه في يسر ولين. وهي مستقيمة مع فطرة الكون وناموس الوجود، وطبيعة الأشياء والأحياء حول الإنسان، فلا تصدم طبائع الأشياء، ولا تكلف الإنسان أن يصدمها، إنما هي مستقيمة على نهجها، متناسقة معها، متعاونة كذلك مع سائر القوانين التي تحكم هذا الوجود وما فيه ومن فيه. وهي من ثم مستقيمة على الطريق إلى الله، واصلة إليه موصلة به، لا يخشى تابعها أن يضل عن خالقه، ولا أن يلتوي عن الطريق إليه. فهو سالك درباً مستقيماً واصلاً ينتهي به إلى رضوان الخالق العظيم. والقرآن هو دليل هذا الصراط المستقيم. وحيثما سار الإنسان معه وجد هذه الاستقامة في تصويره للحق، وفي التوجيه إليه، وفي أحكامه الفاصلة في القيم، ووضع كل قيمة في موضعها الدقيق. {تنزيل العزيز الرحيم}.. يعرّف الله عباده بنفسه في مثل هذه المواضع، ليدركوا حقيقة ما نزّل إليهم. فهو العزيز القوي الذي يفعل ما يريد. وهو الرحيم بعباده الذي يفعل بهم ما يفعل، وهو يريد بهم الرحمة فيما يفعل. فأما حكمة هذا التنزيل فهي الإنذار والتبليغ: {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}.. والغفلة أشد ما يفسد القلوب. فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته. معطل عن الالتقاط والتأثر والاستجابة. تمر به دلائل الهدى أو يمر بها دون أن يحسها أو يدركها. ودون أن ينبض أو يستقبل. ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة التي كان فيها القوم، الذين مضت الأجيال دون أن ينذرهم منذر، أو ينبههم منبه. فهم من ذرية إسماعيل ولم يكن لهم بعده من رسول. فالإنذار قد يوقظ الغافلين المستغرقين في الغفلة، الذين لم يأتهم ولم يأت آباءهم نذير. ثم يكشف عن مصير هؤلاء الغافلين؛ وعما نزل بهم من قدر الله، وفق ما علم الله من قلوبهم ومن أمرهم. ما كان منه وما سيكون: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون}.. لقد قضي في أمرهم، وحق قدر الله على أكثرهم، بما علمه من حقيقتهم، وطبيعة مشاعرهم. فهم لا يؤمنون. وهذا هو المصير الأخير للأكثرين. فإن نفوسهم محجوبة عن الهدى مشدودة عن رؤية دلائله أو استشعارها. وهنا يرسم مشهداً حسياً لهذه الحالة النفسية، يصورهم كأنهم مغلولون ممنوعون قسراً عن النظر، محال بينهم وبين الهدى والإيمان بالحواجز والسدود، مغطى على أبصارهم فلا يبصرون: {إنا جعلنا في أعناقهم إغلالاً، فهي إلى الأذقان، فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً. فأغشيناهم فهم لا يبصرون}.. إن أيديهم مشدودة بالأغلال إلى أعناقهم، موضوعة تحت أذقانهم. ومن ثم فإن رؤوسهم مرفوعة قسراً، لا يملكون أن ينظروا بها إلى الأمام! ومن ثم فهم لا يملكون حرية النظر والرؤية وهم في هذا المشهد العنيف! وهم إلى هذا محال بينهم وبين الحق والهدى بسد من أمامهم وسد من خلفهم؛ فلو أرخي الشد فنظروا لم تنفذ أبصارهم كذلك من هذه السدود! وقد سدت عليهم سبيل الرؤية وأغشيت أبصارهم بالكلال! ومع عنف هذا المشهد الحسي وشدته فإن الإنسان ليلتقي بأناس من هذا النوع، يخيل إليه وهم لا يرون الحق الواضح ولا يدركونه أن هنالك حائلاً عنيفاً كهذا بينهم وبينه. وأنه إذا لم تكن هذه الأغلال في الأيدي، وإذا لم تكن الرؤوس مقمحة ومجبرة على الارتفاع، فإن نفوسهم وبصائرهم كذلك.. مشدودة عن الهدى قسراً وملفوتة عن الحق لفتاً. وبينها وبين دلائل الهدى سد من هنا وسد من هناك. وكذلك كان أولئك الذين واجهوا هذا القرآن بمثل ذلك الإنكار والجحود. وهو يصدع بالحجة، ويدلي بالبرهان. وهو بذاته حجة ذات سلطان لا يتماسك لها إنسان. {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم فهم لا يؤمنون}.. فلقد قضى الله فيهم بأمره، بما علمه من طبيعة قلوبهم التي لا ينفذ إليها الإيمان. ولا ينفع الإنذار قلباً غير مهيأ للإيمان، مشدود عنه، محال بينه وبينه بالسدود. فالإنذار لا يخلق القلوب، إنما يوقظ القلب الحي المستعد للتلقي: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، فبشره بمغفرة وأجر كريم}.. والذكر يراد به هنا القرآن ـ على الأرجح ـ والذي اتبع القرآن، وخشي الرحمن دون أن يراه، هو الذي ينتفع بالإنذار، فكأنه هو وحده الذي وجه إليه الإنذار. وكأنما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خصه به، وإن كان قد عمم. إلا أن أولئك حيل بينهم وبين تلقيه، فانحصر في من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب. وهذا يستحق التبشير بعد انتفاعه بالانذار: {فبشره بمغفرة وأجر كريم}.. المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر. والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب، واتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر. وهما متلازمان في القلب. فما تحل خشية الله في قلب إلا ويتبعها العمل بما أنزل. والاستقامة على النهج الذي أراد. وهنا يؤكد وقوع البعث؛ ودقة الحساب، الذي لا يفوته شيء: {إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}.. وإحياء الموتى هو إحدى القضايا التي استغرقت جدلاً طويلاً. وسيرد منه في هذه السورة أمثلة منوعة. وهو ينذرهم أن كل ما قدمت أيديهم من عمل، وكل ما خلفته أعمالهم من آثار، كلها تكتب وتحصى. فلا يند منها شيء ولا ينسى. والله سبحانه هو الذي يحيي الموتى، وهو الذي يكتب ما قدموا وآثارهم، وهو الذي يحصي كل شيء ويثبته. فلا بد إذن من وقوع هذا كله على الوجه الذي يليق بكل ما تتولاه يد الله. والإمام المبين. واللوح المحفوظ. وأمثالها. أقرب تفسير لها هو علم الله الأزلي القديم وهو بكل شيء محيط. وبعد عرض قضية الوحي والرسالة، وقضية البعث والحساب، في هذه الصورة التقريرية، يعود السياق ليعرضهما في صورة قصصية. تلمس القلب بما كان من مواقف التكذيب والإيمان وعواقبهما معروضة كالعيان: {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون. قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء، إن أنتم إلا تكذبون. قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين. قالوا: إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا: طائركم معكم، أإن ذكرتم؟ بل أنتم قوم مسرفون}.. ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية. وقد اختلفت فيها الروايات. ولا طائل وراء الجري مع هذه الروايات. وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئاً في دلالة القصة وإيحائها. ومن ثم أغفل التحديد، ومضى إلى صميم العبرة ولبابها. فهي قرية أرسل الله إليها رسولين. كما أرسل موسى وأخاه هارون ـ عليهما السلام ـ إلى فرعون وملئه. فكذبهما أهل تلك القرية، فعززهما الله برسول ثالث يؤكد أنه وأنهما رسل من عند الله. وتقدموا ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد {فقالوا: إنا إليكم مرسلون}.. هنا اعترض أهل القرية عليهم بالاعتراضات المكرورة في تاريخ الرسل والرسالات: {قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا}.. {وما أنزل الرحمن من شيء}.. {إن أنتم إلا تكذبون}.. وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك، كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول. فقد كانوا يتوقعون دائماً أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول وحياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير.. أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف لا تحيط به الأوهام والأساطير؟ كيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها؟! شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلئ بها الأسواق والبيوت؟! وهذه هي سذاجة التصور والتفكير. فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة. وليست في هذه الصورة الساذجة الطفولية. وإن هنالك لسراً هائلاً ضخماً، ولكنه يتمثل في الحقيقة البسيطة الواقعة. حقيقة إيداع إنسان من هؤلاء البشر الاستعداد اللدني الذي يتلقى به وحي السماء، حين يختاره الله لتلقي هذا الوحي العجيب. وهو أعجب من أن يكون الرسول ملكاً كما كانوا يقترحون! والرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية. وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي. النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به. وهم بشر. فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجاً من الحياة يملكون هم أن يقلدوه. ومن ثم كانت حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ معروضة لأنظار أمته. وسجل القرآن ـ كتاب الله الثابت ـ المعالم الرئيسية في هذه الحياة بأصغر تفصيلاتها وأحداثها، بوصفها تلك الصفحة المعروضة لأنظار أمته على مدار السنين والقرون. ومن هذه التفصيلات حياته المنزلية والشخصية. حتى خطرات قلبه سجلها القرآن في بعض الأحيان، لتطلع عليها الأجيال وترى فيها قلب ذلك النبي الإنسان. ولكن هذه الحقيقة الواضحة القريبة هي التي ظلت موضع الاعتراض من بني الإنسان! ولقد قال أهل تلك القرية لرسلهم الثلاثة: {ما أنتم إلا بشر مثلنا}.. وقصدوا أنكم لستم برسل.. {وما أنزل الرحمن من شيء}.. مما تدعون أنه نزله عليكم من الوحي والأمر بأن تدعونا إليه. {إن أنتم إلا تكذبون}.. وتدعون أنكم مرسلون! وفي ثقة المطمئن إلى صدقه، العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل: {قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين}.. إن الله يعلم. وهذا يكفي. وإن وظيفة الرسل البلاغ. وقد أدوه. والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون لأنفسهم من تصرف. وفيما يحملون في تصرفهم من أوزار. والأمر بين الرسل وبين الناس هو أمر ذلك التبليغ عن الله؛ فمتى تحقق ذلك فالأمر كله بعد ذلك إلى الله. ولكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواضح السهل اليسير؛ ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى؛ فتأخذهم العزة بالإثم؛ ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر عربيد: {قالوا: إنا تطيرنا بكم! لئن لم تنتهوا لنرجمنكم، وليمسنكم منا عذاب أليم}.. قالوا: إننا نتشاءم منكم؛ ونتوقع الشر في دعوتكم؛ فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن نسكت عليكم، ولن ندعكم في دعوتكم: {لنرجمنكم، وليمسنكم منا عذاب أليم}.. وهكذا أسفر الباطل عن غشمه؛ وأطلق على الهداة تهديده؛ وبغى في وجه كلمة الحق الهادئة، وعربد في التعبير والتفكير! ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق: {قالوا: طائركم معكم}.. فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية. والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة؛ وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم. مرتبط بنواياهم وأعمالهم، متوقف على كسبهم وعملهم. وفي وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيراً أو أن يجعلوه شراً. فإن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه، ومن خلال اتجاهه، ومن خلال عمله. وهو يحمل طائره معه. هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح. أما التشاؤم بالوجوه، أو التشاؤم بالأمكنة، أو التشاؤم بالكلمات.. فهو خرافة لا تستقيم على أصل مفهوم! وقالوا لهم: {أإن ذكرتم؟}.. يعني أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم! أفهذا جزاء التذكير؟ {بل أنتم قوم مسرفون}.. تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير؛ وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد؛ وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب! تلك كانت الاستجابة من القلوب المغلقة على دعوة الرسل. وهي مثل للقلوب التي تحدثت عنها السورة في الجولة الأولى؛ وصورة واقعية لذلك النموذج البشري المرسوم هناك. فأما النموذج الآخر الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، فكان له مسلك آخر وكانت له استجابة غير هذه الاستجابة: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى؛ قال: يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون. ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون؟ إني إذاً لفي ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون}.. إنها استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة. فيها الصدق. والبساطة. والحرارة. واستقامة الإدراك. وتلبية الإيقاع القوي للحق المبين. فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه. وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتاً؛ ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور؛ ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره. سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين. وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته. ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها.. {قال: يا قوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون}.. إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة، وهو لا يطلب أجراً، ولا يبتغي مغنماً.. إنه لصادق. وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسباً، ولا يطلب منهم أجراً؟ {اتبعوا من لا يسألكم أجراً}.. {وهم مهتدون}.. وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم. فهم يدعون إلى إله واحد. ويدعون إلى نهج واضح. ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض. فهم مهتدون إلى نهج سليم، وإلى طريق مستقيم. ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه هو وعن أسباب إيمانه، ويناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون؟ إني إذاً لفي ضلال مبين}.. إنه تساؤل الفطرة الشاعرة بالخالق، المشدودة إلى مصدر وجودها الوحيد.. {وما لي لا أعبد الذي فطرني؟} وما الذي يحيد بي عن هذا النهج الطبيعي الذي يخطر على النفس أول ما يخطر؟ إن الفطر مجذوبة إلى الذي فطرها، تتجه إليه أول ما تتجه، فلا تنحرف عنه إلا بدافع آخر خارج على فطرتها. ولا تلتوي إلا بمؤثر آخر ليس من طبيعتها. والتوجه إلى الخالق هو الأَوْلى، وهو الأول، وهو المتجه الذي لا يحتاج إلى عنصر خارج عن طبيعة النفس وانجذابها الفطري. والرجل المؤمن يحس هذا في قرارة نفسه، فيعبر عنه هذا التعبير الواضح البسيط، بلا تكلف ولا لف ولا تعقيد! وهو يحس بفطرته الصادقة الصافية كذلك أن المخلوق يرجع إلى الخالق في النهاية. كما يرجع كل شيء إلى مصدره الأصيل. فيقول: {وإليه ترجعون}.. ويتساءل لم لا أعبد الذي فطرني، والذي إليه المرجع والمصير؟ ويتحدث عن رجعتهم هم إليه. فهو خالقهم كذلك. ومن حقه أن يعبدوه. ثم يستعرض النهج الآخر المخالف للمنهج الفطري المستقيم. فيراه ضلالاً بيناً: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون؟}.. وهل أضل ممن يدع منطق الفطرة الذي يدعو المخلوق إلى عبادة خالقه، وينحرف إلى عبادة غير الخالق بدون ضرورة ولا دافع؟ وهل أضل ممن ينحرف عن الخالق إلى آلهة ضعاف لا يحمونه ولا يدفعون عنه الضر حين يريد به خالقه الضر بسبب انحرافه وضلاله؟ {إني إذاً لفي ضلال مبين}.. والآن وقد تحدث الرجل بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواضحة يقرر قراره الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين. لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد ومن كل تكذيب: {إني آمنت بربكم فاسمعون}.. وهكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة. وأشهدهم عليها. وهو يوحي إليهم أن يقولوها كما قالها. أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون! ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه. وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة. إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها، وعلى القوم وما هم فيه؛ ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق، متبعاً صوت الفطرة، وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل. نراه في العالم الآخر. ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة. تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد: {قيل: ادخل الجنة. قال: يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.. وتتصل الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء. وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة. ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق. ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم. ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين. ونرى الرجل المؤمن. وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة، يذكر قومه طيب القلب رضي النفس، يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة، ليعرفوا الحق، معرفة اليقين. هذا كان جزاء الإيمان. فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره. فهو ضعيف ضعيف: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء. وما كنا منزلين. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}.. ولا يطيل هنا في وصف مصرع القوم، تهويناً لشأنهم، وتصغيراً لقدرهم. فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم.. ويسدل الستار على مشهدهم البائس المهين الذليل!

ابن عاشور

تفسير : القول فيه كالقول في الحروف المقَطَّعة الواقعة في أوائل السور، ومن جملتها أنه اسم من أسماء الله تعالى، رواه أشهب عن مالك قاله ابن العربي، وفيه عن ابن عباس أنه: يا إنسان، بلسان الحبشة. وعنه أنها كذلك بلغة طيء، ولا أحسب هذا يصح عنه لأن كتابتها في المصاحف على حرفين تنافي ذلك. ومن الناس من يدعي أن يس من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وبنى عليه إسماعيل بن بكر الحِميري شاعر الرافضة المشهور عندهم بالسيد الحِميري قوله: شعر : يا نفْسِ لا تَمْحضِي بالودّ جَاهدة على المَودة إلاَّ آل ياسِينا تفسير : ولعله أخذه من قوله تعالى في سورة الصافات (130) { أية : سلام على آل ياسين } تفسير : فقد قيل إنه يعني آل محمد صلى الله عليه وسلم. ومن الناس من قال: إن يس اختزال: يا سيد، خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ويوهنه نطق القراء بها بنون. ومن الناس من يسمّي ابنه بهذه الكلمة وهو كثير في البلاد المصرية والشامية ومنهم الشيخ يس بن زين الدين العُليمي الحمصي المتوفى سنة 1061 صاحب التعاليق القيمة فإنما يكتب اسمه بحسب ما ينطق به لا بحروف التهجي وإن كان الناس يغفلون فيكتبونه بحرفين كما يكتب أول هذه السورة. قال ابن العربي قال أشهب: سألت مالكاً هل ينبغي لأحد أن يسمي يس؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله تعالى: { أية : يس والقرآن الحكيم } تفسير : [يس: 1، 2] يقول هذا: اسمي يس. قال ابن العربي: وهو كلام بديع لأن العبد لا يجوز أن يسمّى باسم الله إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم وقادر، وإنما منع مالك من التسمية بهذا لأنه اسم من أسماء الله لا يُدرَى معناه فربما كان معناه ينفرد به الرب فلا يجوز أن يقدم عليه العبْد فيقدم على خطر فاقتضى النظر رفعه عنه ا هــــ. وفيه نظر. والنطق باسم (يا) بدون مد تخفيف كما في كهيعص.

الشنقيطي

تفسير : التحقيق أنه من جملة الحروف المقطّعة في أوائل السور، والياء المذكورة فيه ذكرت في فاتحة سورة مريم في قوله تعالى: {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم: 1] والسين المذكورة فيه ذُكرت في أول الشعراء والقصص. في قوله: {طسۤم} وفي أول النمل في قوله: {طسۤ} وفي أول الشورى في قوله تعالى: {أية : حـمۤ عۤسۤقۤ} تفسير : [الشورى: 1ـ2].. وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يس: حرفان بُدئت بهما السورة على طريقة القرآن فى بدء بعض السور بالحروف المقطعة. 2- أقسم بالقرآن المشتمل على الحكمة والعلم النافع. 3- إنك يا محمد لمن الذين بعثهم الله إلى الناس بالهدى ودين الحق. 4- على طريق معتدل، هو دين الإسلام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يسۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا يسۤ، ويقرأ هكذا ياسِينْ والله أعلم بمراده به. والقرآن الحكيم: أي ذي الحكمة إذ وضع القرآن كل شيء في موضعه فهو لذلك حكيم ومحكم أيضاً بعجيب النظم وبديع المعاني. إنك لمن المرسلين: أي يا محمد من جملة الرسل الذين أرسلناهم إلى أقوامهم. على صراط مستقيم: أي طريق مستقيم الذي هو الإِسلام. تنزيل العزيز الرحيم: أي القرآن تنزيل العزيز في انتقامه ممن كفر به الرحيم بمن تاب إِليه. ما أنذر آباؤهم: أي لم ينذر آباؤهم إذ لم يأتهم رسول من فترة طويلة. فهم غافلون: أي لا يدرون عاقبة ما هم فيه من الكفر والضلال، ولا يعرفون ما ينجيهم من ذلك وهو الإِيمان وصالح الأعمال. لقد حق القول على أكثرهم: أي وجب عليهم العذاب فلذا هم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً: أي جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالأغلال. فهي إلى الأذقان: أي أيديهم مجموعة إلى أذقناهم، والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. فهم مقمحون: أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، فلذا لا يكسبون بأيديهم خيراً، ولا يذعنون برؤوسهم إلى حق. فأغشيناهم فهم لا يبصرون: أي جعلنا على أبصارهم غشاوة فهم لذلك لا يبصرون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون: أي استوى إنذارك لهم وعدمه في عدم إيمانهم. من اتبع الذكر: أي القرآن. وأجر كريم: أي بالجنة دار النعيم والسلام. إنا نحن نحي الموتى: أي نحن ربّ العزة نحيى الموتى للبعث والجزاء. ونكتب ما قدموا وآثارهم: أي ما عملوه من خير وشر لنحاسبهم، وآثارهم أي خطاهم إلى المساجد وما استنَّ به أحد من بعدهم. في إمام مبين: أي في اللوح المحفوظ. معنى الآيات: {يسۤ} الله أعلم بمراده به {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} أي المحكم نظماً ومعنىً وذي الحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه أقسم تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمد صلى الله عليه وسلم نبياً رسولاً فقال {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الذي هو الإِسلام. وقوله {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} أي هذا القرآن هو تنزيل الله {ٱلْعَزِيزِ} في الانتقام ممن كفر به وكذب رسوله {ٱلرَّحِيمِ} بأوليائه وصالحي عباده. وقوله {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} أي أرسلناك وأنزلنا إليك الكتاب لأجل أن تنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من فترة طويلة وهم مشركو العرب إذ لم يأتهم رسول من بعد إسماعيل عليه السلام {فَهُمْ غَافِلُونَ} أي لا يدرون عاقبة ما هم عليه من الشرك والشر والفساد، ومعنى تنذرهم تخوفهم عذاب الله تعالى المترتب على الشرك والمعاصي. وقوله تعالى {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} أي أكثر خصوم النبي صلى الله عليه وسلم من كفار قريش كأبي جهل حق عليهم القول الذي هو قوله تعالى {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119، السجدة: 13] فوجب لهم العذاب فلذا هم لا يؤمنون إذ لو آمنوا لما عذبوا، وعدم إيمانهم لم يكن مفروضاً عليهم وإنما هو باختيارهم وحرية إرادتهم إذ لو كان جبراً لما استحقوا العذاب عليه. وقوله تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ} أي أيديهم {إِلَى ٱلأَذْقَانِ} مشدودة بالأغلال {فَهُم مُّقْمَحُونَ} أي رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل لحالهم في عدم مدّ أيديهم للإِنفاق في الخير، وعدم إذعان رؤوسهم لقبول الحق وقوله {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} وهذا تمثيل آخر لحالهم وهي أنهم زيّنت لهم الحياة الدنيا فأصبحوا لا يرون غيرها فهو سد أمامهم ومانع لهم من الإِيمان وترك الشرك والمعاصي، وصورت لهم الآخرة بصورة باطلة مستحيلة الوقوع فكان ذلك سداً من خلفهم فهم لذلك لا يتوبون ولا يذكرون لعدم خوفهم من عذاب الآخرة وقوله تعالى {فَأغْشَيْنَاهُمْ} هذا مبالغة في إضلالهم فجعل على أعينهم غشاوة من كره الرسول صلى الله عليه وسلم وبغض ما جاء به فهم لذلك عمي لا يبصرون. وقوله تعالى {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} هذا إخبار منه تعالى بأن هذه المجموعة من خصوم الرسول صلى الله عليه وسلم من أكابر مجرمي مكة استوى فيهم الإِنذار النّبويّ وعدمه فهم لا يؤمنون فكأن الله تعالى يقول لرسوله إن هؤلاء العتاة من خصومك إنذارك لهم لا ينفعهم فأنذر الذين ينفعهم إنذارك ودع من سواهم وهو قوله تعالى {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} أي القرآن {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي خافه فلم يعصه وهو لا يراه، كما لم يعصه عندما يخلو بنفسه ولا يراه غيره فمثل هذا بشره بمغفرة منا لذنوبه وأجر كريم على صالح عمله وهو الجنة دار المتقين وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أي للبعث والجزاء {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ} أي أولئك الأموات أيام حياتهم من خير وشر، {وَآثَارَهُمْ} أي ونكتب آثارهم وهو ما اسْتُنَّ به من سننهم الحسنة أو السيئة. {وَكُلَّ شيْءٍ} أي من أعمال العبادة وغيرها {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} وهو اللوح المحفوظ، وسنجزي كلاً بما عمل. وفي هذا الخطاب تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية وتأكيد رسالته صلى الله عليه وسلم. 2- بيان الحكمة من إرسال الرسول وإنزال الكتاب الكريم. 3- بيان أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم بعث على فترة من الرسل. 4- بيان أن حب الدنيا والإقبال عليها والإعراض عن الآخرة وعدم الالتفات إليها يضعان الإِنسان بين حاجزين لا يستطيع تجاوزهما والتخلص منهما. 5- بيان أن الذنوب تقيد صاحبها وتحول بينه وبين فعل الخير أو قبول الحق. 6- بيان أن من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده يجزى بها كما يجزى على عمله الذي باشره بيده. 7- تقرير عقيدة القضاء والقدر وأن كل شيء في كتاب المقادير المعبر عنه بالإِمام. ومعنى المبين أي أن ما كتب فه بيّن واضح لا يجهل منه شيء.

القطان

تفسير : صراط مستقيم: طريق قويم من عقائد صحيحة وشرائع حقة. حق القول: ثبت القول. الأغلال: واحدها غُل بضم الغين، وهو ما تشد به اليد الى العنق للتعذيب. قمح الغلُّ الأسير: ضاق على عنقه فاضطره الى رفع رأسه. فمعنى مقمحون: رفعوا رؤوسهم وغضوا ابصارهم من الذل. من بين ايديهم: من امامهم. فأغشيناهم: غطينا ابصارهم وجعلنا على اعينهم غشاوة. الذِكر: القرآن. ما قدّموا: ما عملوا من الأعمال. وآثارهم: ما أبقوه من الحسنات او السيئات. في امام مبين: في أصلٍ يؤتمّ به.... يس: تُلفظ ياسين. من الحروف التي ابتدئت بها بعض السور، وتقدّم الكلامُ عليها. وقال بعضهم: معناها: يا إنسان، او الحكيم. وشاع عند الناس أنها اسم للرسول الكريم، وسمّوا بها. أقسم الله تعالى بالقرآن الكريم أنك أيها الرسول الكريم من المرسَلين الذين أرسلهم لهداية الناس الى دين قويم، وشرع مستقيمٍ من التوحيد ومكارم الأخلاق. وذلك لتنذِرَ قوماً لم يأتِهم نذير قبلك، فهم غافلون عما يجب عليهم وفي غفلة ساهون. {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} لقد وجب العقاب على أكثرِهم لعدم إيمانهم. {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً.... } مرتفعة إلى أذقانِهم، ولذلك ترى رؤوسَهم مرتفعة مشدودةً الى الوراء، لا يستطيعون ان يطأطئوها. وجعلنا أمامهم سدّا ومن خلْفِهم سدّا فهم محبوسون في سِجن الجهالة، وغطينا على أعينِهم فهم لا يُبصِرون. وإن إنذارَك لهم وعدَمه سواء، فهم لا يؤمنون. انما تنذرُ من اتبع القرآنَ، وخشي الله في سريرته، فبشِّره بمغفرةٍ من الله وأجرٍ كريم. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} ونسجل عليهم ما قدّموا من الأعمال الحسنة والسيئة. {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} في اللوح المحفوظ. قراءات قرأ حمزة والكسائي وروح وابو بكر: يس بإمالة الياء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص: تنزيلَ بفتح اللام، والباقون: تنزيلُ بالضم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: سَدّا بفتح السين. والباقون: بضمّها، وهما لغتان.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاسِين} (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ يَاسِينَ تَعني يَا إِنْسَانُ.

الثعلبي

تفسير : {يسۤ} اختلف القُراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي وخلف في أكثر الروايات {يسۤ} بكسر الياء بين اللفظين قراءة أهل المدينة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. الباقون: بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وحمزة وأيوب وأبو حاتم وعاصم في أكثر الروايات، (يسين)، بإظهار النون والسكون. واختلف فيه عن نافع وابن كثير، فقرأ عيسى بن عمر: (ياس) بالنصب، شبهه ب (أين) و(كيف)، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر النون، شبهه بأمسِ ورقاشِ وحذامِ وقرأ هارون الأعور: بضم النون، شبهه بمنذُ وحيثُ وقطُّ. الآخرون: بإخفاء النون. واختلف المفسرون في تأويله، فقيل: قسم، وقال ابن عباس: يعني يا إنسان بلغة طيىء عطا: بالسريانية، وقال أبو العالية: يا رجل، وقال سعيد بن جبير: يا محمّد، دليله قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. وقال السيد الحميري: شعر : يا نفس لا تمحضي بالنصح جامدة على المودة إلاّ آل ياسينا تفسير : وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. فإن قيل: لم عدّ {يسۤ} آية ولم يعد {أية : طسۤ}تفسير : [النمل: 1] آية؟ فالجواب أنّ {أية : طسۤ}تفسير : [النمل: 1] أشبه قابيل من جهة الزنة والحروف الصحاح و {يسۤ} أوله حرف علة وليس مثل ذلك في الأسماء المفردة، فأشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤوس الآي. {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} وهو جواب لقول الكفار: لستَ مرسلاً. {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ} قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بنصب اللام على المصدر كأنه قال: نزل تنزيلاً، وقيل: على الخروج من الوصف، وقرأ الآخرون بالرفع أي هو تنزيلُ {ٱلْعَزِيزِ}: الشديد المنع على الكافرين {ٱلرَّحِيمِ}: بـ [عباده] وأهل طاعته. {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} في الفترة، وقيل: بما أُنذر آباؤهم {فَهُمْ غَافِلُونَ} عن الإيمان والرشد. {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ} وجب العذاب {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا}، نزلت في أبي جهل وأصحابه المخزوميين، وذلك أنّ أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمداً يُصلّي ليرضخن برأسه. فأتاه وهو يُصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده. فلما عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر. فأتاه وهو يُصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَا}. {فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}: مغلولون، وأصل الإقماح غض البصر ورفع الرأس، يُقال: بعير مقمح إذا رفع رأسه وغض بصره، وبعير قامح إذا أروى من الماء فأقمح. قال الشاعر يذكر سفينة كان فيها: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغضّ الطرف كالإبل القماح تفسير : وقال أبو عبيدة: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، إنما أراد: منعناهم عن الإيمان وعما أرادوا بموانع، فجعل الأغلال مثلاً لذلك، وفي الخبر أنّ أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم أتته المرأة واسمها أمُ مالك فراودته عن نفسه، فأبى وأنشد يقول: شعر : فليس كعهد الدار يا أُمّ مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلُ وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى العدل شيئاً فاستراح العواذل تفسير : أراد منعنا: بموانع الإسلام عن تعاطي الزنا والفسق، وقال عكرمة: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً} يعني ظلمات وضلالات كانوا فيها. {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ}: فأعميناهم، العامة بالغين. أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا البغوي ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أبي شنبه البغدادي قال: حدّثنا أبو القاسم عثمان بن صالح الحناط قال: حدّثنا عثمان بن عمر عن شعبة عن علي بن نديمة قال: سمعت عكرمة يقول: بالعين غير معجمة وروى ذلك عن ابن عباس. {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} أخبرنا ابن فنجويه الدينوري عن عبد الله بن محمد بن شنبه قال: حدّثنا عمير بن مرداس قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا الحسين بن الوليد قال: حدّثنا حنان بن زهير العدوي عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه عن الفربابي قال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد بن عمرو الليثي أنّ الزهري حدثه قال: دعا عمر بن عبد العزيز غيلان القدري فقال: يا غيلان بلغني أنك تكلم في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون عليّ. قال: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ: {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} إلى قوله: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُون}. فقال غيلان: يا أمير المؤمنين والله لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم، أُشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول في القدر. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه، وإن كان كاذباً فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين. قال: فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه عن الفربابي قال: حدّثنا عبد الله بن معاذ قال: حدّثنا أبي عن بعض أصحابه قال: حدث محمد بن عمير بهذا الحديث ابن عون، فقال ابن عون: أنا رأيته مصلوباً على باب دمشق. {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} يعني إنما ينفع إنذارك لأنه كان ينذر الكل {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ}: القرآن فعمل به {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ}: أخبره {بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} عند البعث {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} من الأعمال {وَآثَارَهُمْ} ما استُن به بعدهم، نظيره قوله: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}تفسير : [القيامة: 13]، وقوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}تفسير : [الإنفطار: 5]. وقال المغيرة بن شعبة والضحاك: نزلت في بني عذرة، وكانت منازلهم بعيدة عن المسجد فشق عليهم حضور الصلوات، فأنزل الله عز وجل: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} يعني خُطاهم إلى المسجد. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفربابي قال: حدّثنا حنان بن موسى قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد الحريري عن أبي نضرة عن جابر عن عبد الله قال: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حول المسجد خالية فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا فقال:حديث : "يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد؟" فقالوا: يا رسول الله، بعد علينا المسجد، والبقاع حول المسجد خالية. فقال: "يا بني سلمة، دياركم فإنما تكتب آثاركم"تفسير : . قال: فما وددنا بحضرة المسجد لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الذي قال.. أخبرنا أبو علي الروزباري قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي قال: حدّثنا أبو حاتم الرازي قال: حدّثنا قرة بن حبيب قال: حدّثنا عتبة بن عبد الله عن ثابت عن أنس في قوله سبحانه: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} قال: الخُطى يوم الجمعة. {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} علمناه وعدّدناه وبيناه {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} وهو اللوح المحفوظ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (يس) يصح أنْ تكون حروفاً مُقطَّعة مثل (الم) و (طه)، ويصح أنْ تكون حروفاً مُقطّعة صادفتْ اسماً؛ لذلك من أسمائه صلى الله عليه وسلم: يس وطه، ولا مانع أن يكون الاسم على حرفين، بل على حرف واحد مثل (ن) في قوله تعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1] وقد جُعِل عَلَماً على سيدنا ذي النون عليه السلام، كذلك؛ (ق) أصبح عَلَماً على الجبل المعروف. إذن: هذه حروف مُقطَّعة، يمكن أنْ تُنقل إلى العَلَمية، ويُسمَّى بها. وكثيراً ما تحدَّثنا عن الحروف المقطَّعة في أوائل السور، وكلما مَرَّ بنا حروف مُقطَّعة لا بُدَّ أنْ نتحدث عَمَّا تحتمله من المعاني، والذي يثبت في الذِّهْن أن الحرف له اسم ومُسمَّى، اسم الحرف لا يعرفه إلا المتعلم، أما مُسمَّى الحرف فيعرفه المتعلم ويعرفه الأمي، الأمي مثلاً يعرف الفعل (أكل) ويقول: أكلتُ، لكن لا يستطيع أنْ يتهجَّى حروفه؛ لأنه لا يعرف إلا مُسمَّى الحروف، أما المتعلم فيعرف اسم الحرف فيقول: ألف فتحة، وكاف فتحة، ولام فتحة. فكيف إذن عرف محمد صلى الله عليه وسلم أسماء هذه الحروف ونطق بها، وهو الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة؟ الجواب: أنه عُلِّم وعُرف من ربه عز وجل. والقرآن جاء معجزة يتحدَّى القوم فيما نبغوا فيه، والعرب كانوا أهلَ فصاحة وبيان، ويكفي أنهم كانوا يقيمون المعارض والأسواق للكلمة، كما نقيم نحن الآن المعارض للصناعات المتميزة، ومعروف عند العرب سوق عكاظ وسوق المربد والمجنة .. الخ. وقد بلغ من اهتمامهم بالكلمة والأسلوب أنْ يُعلقوا القصائد الشهيرة عندهم على الكعبة، وسُمِّيت هذه القصائد "المعلَّقات"، وهي أشهر ما عُرِف من الشعر الجاهلي. وكَوْن القرآن يتحداهم هذه شهادة لهم بالتفوق، فالضعيف لا يُتحدى بل القوى، كما نرى الآن مثلاً في تحطيم الرقم القياسي في مجال من المجالات. وتحدِّي القرآن للعرب في الفصاحة والبلاغة مثل تحدَِّي سيدنا موسى للسحرة، وتحدِّي سيدنا عيسى للأطباء، إذن: هذه سنة متبعة في جميع الأمم يتحداها الحق سبحانه بما نبغوا فيه. كذلك القرآن الكريم جاء بلغة العرب وحروفهم وكلماتهم التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله، لماذا مع أن مادة الكلام واحدة؟ قالوا: لأن المتكلم بالقرآن هو الحق سبحانه. وقد أوضحنا هذه المسألة بمَثَل - ولله المثل الأعلى - قُلْنا: لو أردتَ اختبار مجموعة من عمال النسيج أيُّهم أمهر لا يصح أنْ تعطي أحدهم مثلاً حريراً، وآخر قطناً، وآخر صوفاً؛ لأن المادة الخام مختلفة، إنما تعطي الجميع مادة واحدة، ثم تنظر في نسيج كل منهم، كذلك القرآن ولغة العرب، المادة واحدة لكن المتكلم هنا العرب، والمتكلم هنا الحق سبحانه. وحين تتأمل حروف العربية تجدها ثمانية وعشرين حرفاً، والحروف المقطَّعة في القرآن أربعة عشر، فهي إذن نصف الحروف العربية. وللفخر الرازي - رحمه الله - جدول مدهش ينظم هذه الحروف، ويوضح أنها وُضعِت هكذا لحكمة، ووُضِعَتْ بقدر وحساب، هذه الحروف الأربعة عشر تقسم كما يلي: مجموع حروف اللغة ثمانية وعشرون حرفاً، التسعة الأوائل بداية من الألف إلى الذال لم تأخذ الحروف المقطعة منها إلا حرفين: الألف والحاء، وتركت منها سبعة أحرف أما التسعة أحرف الأخيرة، وتبدأ من الفاء فقد أخذتْ منها الحروف المقطعة سبعة أحرف هي: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وتركتْ منها الفاء والواو، فهي إذن على عكس التسعة الأُول. أما الحروف العشرة في الوسط، والتي تبدأ من الراء وتنتهي بالغين، فلها نَسَق آخر، حيث أخذت الحروفُ المقطعة منها الأحرف غير المنقوطة، وهي الراء والسين والصاد والطاء والعين، وتركت منها الزاي والشين والضاد والظاء والغين. كذلك حين نتأمل مثلاً حروف الحَلْق تجد الخاء في المجموعة الأولى لم تُذكر في الحروف المقطعة، وذُكِرت الميم في المجموعة الأخيرة. وهكذا نرى أن هذه الحروف لم تُوضع هكذا اعتباطاً أو كما اتفق، إنما وُضِعت بقدر ونظام له حكمة ووراءه أسرار، وُضِعت بهندسة مقصودة الذات فهي مثل سنان المفتاح، والله سبحانه وتعالى يفتح بها لمَنْ يشاء، ومن حكمته تعالى أنه لم يُعْطِ كل أسرار هذه الحروف لجيل من الأجيال، إنما وزَّع عطاءها على مَرِّ الأزمان بحيث لا يستقبل جيل من الأجيال كلامَ الله بلا عطاء، وليظل القرآن نوراً يضيء جنبات الدنيا إلى قيام الساعة؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. هذه السين الدالة على الاستقبال نطق بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {أية : سَنُرِيهِمْ} تفسير : [فصلت: 53] وظهرت في عهده أسرار، ونطق بها مَنْ بعده من الأجيال المتعاقبة، وظهرت لها أسرار، وسنظل ننطق بها وتتجلَّى لنا أسرارها إلى قيام الساعة، وإلى أنْ تظهر الآية الكبرى وهي القيامة. إذن: فعطاء القرآن عطاء مستمر لا ينقطع أبداً. لذلك لما تناقشنا مع بعض المستشرقين في سان فرانسيسكو حول موضوع المخترعين والمكتشفين الذين خدموا البشرية وأسعدوها باختراعاتهم واكتشافاتهم. قال أحدهم: عجباً للمسلمين! لماذا لا يدخل هؤلاء المكتشفون الذين أسعدوا البشرية الجنة؟ فأوضحنا له أنهم نعم خدموا البشرية، لمن لم يكُنِ الله في بالهم حين اكتشفوا ما اكتشفوا، بل كان في بالهم الشهرة والمجد والذِّكْر بين الناس، وقد نالوا ما يريدون فخلّدنا ذِكْراهم وأقمنا لهم التماثيل .. الخ فينطبق عليهم الحديث: "حديث : عملتَ ليُقَال وقد قيل " تفسير : إذن: هؤلاء العلماء الذين خدموا البشرية وأسعدوها وهم غير مؤمنين بالله ما هم إلا خَدَم سخَّرهم الله لخدمة البشر، فهم كالشمس والقمر وغيرهما، سخرهما الله للإنسان لفائدته ولمنفعته، ما هم إلا جنود من جنود الله يخدمون هذا الحرف في {أية : سَنُرِيهِمْ} تفسير : [فصلت: 53] ليظل يعطي على مَرِّ الأزمان، وفي كل المستقبل. هؤلاء العلماء غير المؤمنين بالله مَثَلهم كمثَل خادم عندك قُلْتَ له: احمل هذا الحجر مثلاً، فقال لك إنه ثقيل عليَّ لا أقوى على حَمْله، فإنْ قلت له: استعِنْ بمَنْ يحمله معك ربما قال لك لا أجد، لكن إنْ قُلْتَ له احمله وسوف تجد تحته كنزاً هو لك فإنه سيحمله وحده، في هذه الحالة: أحمَله احتراماً لأمرك؟ أم حمله طمعاً في الكنز؟ كذلك لما تقدمتْ العلوم اكتشفوا أن الخمر تضر بالكبد، فأقلع كثيرون عن شربها مخافة ضررها، وبعد أنْ عرف العلة، أمَّا المؤمن فيقلع عنها قبل أنْ يعرف هذه الحقيقة، يقلع عنها لأن ربه عز وجل نهاه عن شربها فينتهي ثقة منه في حكمة ربه، واحتراماً لأمره، ولو لم يعرف العلة. ولأن سورة يس، ثبت في الحديث أنها قلب القرآن فيجب أن نستهل الاستعاذة والتسمية قبلها، كما استهللناها في السُّوَر قبلها، فالحق سبحانه الذي أنزل القرآن معجزة وكتاب هداية على سيدنا رسول الله ليصحح للمؤمنين به حركة حياتهم قال: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} تفسير : [النحل: 98]. وقلنا سابقاً: إن علة هذا الأمر من الأعلى أن الشيطان حينما عصى ربه في السجود لآدم، وحدث الحوار بينه وبين ربه قال: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] يعني: حتى لا يتميز آدم وبنوه عنِّي في المعصية {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83] فقوله: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] أي: في أنْ يسلكوا طريقاً غير الطريق الذي رسمه الله لهم، والطريق الذي رسمه الله لهم هو الصراط المستقيم الذي قال فيه: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. نعم، لأن الشيطان لا يأتي الخمارة ولا أماكن القمار والمعصية، إنما يتعرض لأهل الطاعات ليفسد عليهم طاعتهم، والصراط المستقيم هنا هو منهج الله الذي وضعه لإسعاد البشرية، فإبليس بدل أنْ ينتظر إلى أنْ تنفذ منهج الله في حركة الجوارح طاعة ومعصية يأتي للأساس الذي تأخذ عنه تلك الجوارح منهج الحركة، فإذا قرأتَ القرآن جاء ليفسد عليك القراءة. لذلك يُعلِّمك ربك - عز وجل - الاستعاذة، أولاً لتقطع على الشيطان هذا السبيل؛ لأنه لن ينتظرك حتى تقرأ، وحتى تأتي بثمرة هذه القراءة في حركة الحياة، بل يأتي إلى القرآن نفسه فيفسده عليك من البداية، فإنْ أردتَ أن تنتصر عليه فاستعذ بالله منه. وحين تستعيذ منه بالله فإنك تلجأ إلى ركن قوي ودرع وَاقٍ لا ينفذ إليك منه شيء من وسوسة الشيطان وهَمْزه وغَمْزه؛ لذلك كان الشيطان واعياً حين قال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83] فهم الذين يحتمون منه في حِمَى ربهم وخالقهم. أما قوله تعالى {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فالحق سبحانه خلق الإنسان، وجعله سيد هذا الكون، وسخَّر له كل شيء، ومما سخَّر له سخر أبعاضه لإرادته، فسخَّر مثلاً لسانه لإرادته، فإنْ كان مؤمناً قال: الله واحد. وإنْ كان غير ذلك قال: الله ثالث ثلاثة، كذلك سخَّر له العين تنظر إلى ما أحلَّ وإلى ما حرَّم كذلك الرِّجْل، فكل جوارحك سخَّرها الله لك إنْ أردتَ منها طاعة أطاعتْ، وإنْ أردتَ منها معصية عصتْ، فالإرادة هي التي تملي ما تريده، والجوارح لا تملك إلا أنْ تنفذ طاعة أو معصية لأنها مُسخَّرة. وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالقائد الأعلى للجيش حين يرسل مثلاً القائد الأدنى على رأس كتيبة في مهمة ما، فعلى الكتيبة أنْ تطيع أمر هذا القائد المباشر طاعة عمياء، حتى لو كانت هذه الأوامر في غير صالحهم، وليس لهم أن يعترضوا عليه حتى إذا ما عادوا إلى القائد الأعلى اشتكَوْا له ما كان من قائدهم المباشر، كذلك طاعة الجوارح لإرادة الإنسان في الدنيا. أما في الآخرة فسوف تُسْلَب منه هذه القيادة لجوارحه، وسوف تشهد هذه الجوارح على صاحبها أمام الحق الأعلى سبحانه، ففي الآخرة لا سلطانَ لأحد إلا الله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وقال سبحانه: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. وقال: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [فصلت: 21]. فإذا كنتَ تريد عملاً من الأعمال، هذا العمل يتطلب منك أولاً طاقة عقلية فكرية تخطط له، ثم يتطلب قوة في الجوارح لتفعل، مَنِ الذي خلق لك العقل المفكر؟ ومَنِ الذي أمدَّ جوارحك بالقوة والطاقة الفاعلة؟ أهي تأتمر لك وتفعل مطلوبك بقوة ذاتية فيك؟ أم بتقدير الله لها؟ إذن: عليم أنْ تُقبل على كل فعل، فكراً وتخطيطاً وتنفيذاً وعملاً بقولك بسم الله، وحين تقولها فكأنك تقول للجوارح: أنا لا أطلب منك بقوتي، ولكن من باطن قوة بسم الله، فبسم الله أفعل لا بي. بدليل أن الله تعالى إنْ أراد سلب الإنسان ذاتية الحركة وذاتية الطاقة والفكر فتُشَلّ الجوارح ويُشَلّ التفكير، إذن: أقْبل على كل أعمالك ببسم الله الذي يُعينك عليها. ثم أنت في الأعمال تحتاج إلى حكمة، وإلى قدرة، وإلى علم .. الخ، فمَن الجامع لكل هذه الصفات؟ إنه الله. إذن: فقُلْ بسم الله الجامع لصفات الكمال كله الممِدّ خَلْقه بها، فهو سبحان العالم الذي يمدّك بالعلم، القادر الذي يمدك بالقدرة، الحكيم الذي يمدّك بالحكمة، العزيز الذي يمدّك بالعزة، القهار الذي يمدّك بالقهر .. الخ. ألسنا نسمع القاضي يقول عندما يجلس للحكم: بآسم الشعب يعني: هو لا يحكم بذاته، إنما يحكم بقوة الشعب، كذلك المؤمن يقول: بسم الله عند كل عمل يعني أيتها الجوارح، أطيعيني من باطن طاعتك لله. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بقوله {أية : الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} تفسير : [الفاتحة: 1] لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق مختارين، فكان منهم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وربما غفل الإنسان عن منهج الله فصدرتْ منه صغائر بل وكبائر، فكيف يقبل على عمله ببسم الله؟ وكيف يستعين به سبحانه وقد عصاه. لذلك يقول له ربه عز وجل لا تستح أنْ تقول بسم الله، لأنني رحمن رحيم، أغفر لك وأتجاوز عَمَّا كان منك، ولن أتخلَّى عنك، إذن: تشجَّع ولا تترك الاستعانة باسمي مهما كان منك من ذنوب، واعتمد في ذلك على أنِّي رحمن رحيم. وقد رُوِي أن الأصمعي سمع رجلاً يقول - وهو يطوف بالكعبة - اللهم إني عاصيك وأستحي أنْ أطلب منك، لكن أطلب مِمَّنْ، وليس في الكون إلا أنت؟ فقال له الأصمعي: يا هذا، إن ربك قد أجابك لحُسن مسألتك له. والحق سبحانه وتعالى حين يُعدِّد نعمه على عباده يقول {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] نعم، لأن عَدَّ الشيء مظنة إحصائه، ومع تقدُّم العلوم وتخصُّص جامعات ومعاهد للإحصاء لم يُقبل أحد على عَدِّ نِعَم الله؛ لأنها لا تُعَدُّ، بل النعمة الواحدة مطمور فيها مَا لا يُحصى من النعم؛ لذلك لم يقُل سبحانه: وإنْ تعدوا نِعَم الله، بل نعمة الله، فالنعمة الواحدة مستور فيها ما لا يُدرَكُ من النعم. ونلحظ في هذه الآية أنها وردتْ في موضعين، لكن لكل منهما تذييل، فواحدة: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] والأخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنت أيها الإنسان المُنْعَم عليه ما تُقابل به نِعَم الله من الظلم وكفران النعمة، فربُّكَ المنعِم سبحانه يقابل ظلمك وكفرك لنعمه باستدامة النعم؛ لأنه غفور ورحيم. وللعلماء أقوال في (يس) قالوا: الياء للنداء و (س) من أسمائه صلى الله عليه وسلم؛ لأن عادة العرب أنْ تحذف بعض حروف الكلمة، وتُبقي على الحرف المميز قوى الجرْس، فمثلاً كلمة إنسان، السين أقوى حرف فيها؛ لذلك ورد قول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفى بالسيف شا" تفسير : والمراد: شاهداً. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدلُّلِ وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمي فأجْمِلِي تفسير : والمراد: فاطمة. ونحن في حديثنا اليومي نختصر بعض الحروف، فحين ننادي مثلا يا أحمد، بعضنا لا ينطق الدال، وخاصة في لهجة الدمايطة. إذن: فحَذْف بعض الحروف وإبقاء بعضها مما له جَرْس قوي أمر وارد في لغة العرب. وقال آخرون: بل اسمه صلى الله عليه وسلم (يس) وحُذِفت ياء النداء والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه وتعالى علَّم الإنسان الأسماء كلها، يعني: علَّمه الكلمة المطلوبة له في التخاطب، وبعد ذلك ساعةَ يتكلم الإنسانُ ويتخاطب يتواضع ويصطلح على أسماء أخرى، فالإنسان مثلاً الآن يعرف (التليفزيون) ويتعارف على هذا الاسم، فهل علَّم الله آدم اسم (التليفزيون)؟ لا إنما اصطلح عليه الإنسان بما علَّمه الله. فالمعنى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] أي: الصالحة لتخاطبه الآن في البيئة البدائية، وعليه هو أنْ يُنمي لغته، فيضع لهذا الشيء اسم كذا، وهذا اسم كذا. ونحن نعرف أن الحروف قسمان: القسم الأول: حروف مَبْني يعني مهمتها بناء الكلمة، دون أن يكون لها معنى غير ذلك، كما نقول مثلاً: كتب، فالكاف والتاء والباء حروف تُبنى منها هذه الكلمة دون أنْ تعطي معنى آخر زيادةً على معنى هذا الفعل الذي كوَّنته الحروف. القسم الثاني: حروف معنى، وهي أن يكون للحرف معنى يدل عليه بذاته كما نقول: كتبتُ. فهذه التاء الأخيرة تحمل معنى آخر غير معنى الكتابة؛ لأنها تدل على الفاعل المتكلم فإنْ جاءت مفتوحة دلَّتْ على الفاعل المخاطب، وإنْ جاءت مكسورة دلَّتْ على المؤنث، وهكذا. وقُلْنا: إن اسم الحرف قد يصادف عَلَماً على شيء، فالسين مثلاً اسم لنهر معروف، والعين حرف معجم لكن سُمِّي به أشياء كثيرة: العين الباصرة، وعين الماء، والعين بمعنى الجاسوس، والعين للنفيس من المال من الذهب أو الفضة. وقوله سبحانه: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} [يس: 2] هذه الواو تسمى واو القسم فما دخلتْ عليه كاليمين، لكن هل المطالب التي يريدها المتكلم من المخاطب تأتي بالقسم أم بالدليل؟ تأتي بالدليل، وقد يأتي اليمين فيه الدلالة على الغرض المراد. فمثلاً يقول لك صاحبك: يا أخي أنت لم تُقدِّرني، لأنني مررتُ بأزمة، فلم تقف بجانبي فتقول له: وحياة الشيك الذي كتبتُه لك يوم كذا، وحياة الهدية التي أخذتها يوم كذا، فتحلف له بالدليل على صِدْقك. كذلك هنا الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق. كلمة قرآن مصدر لقرأ تقول قرأت قراءة وقرآناً، ولا بُدَّ أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فقلنا قرآناً لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، وهي أيضاً تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور. ومرة أخرى يسميه الذِّكْر، لأنه يُذكِّرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172]. وهذا التذكير بالعهد الأول يُعَدُّ رحمة من الله بنا، فمن رحمة الله بنا أن يُذكِّرنا إذا نسينا أو غفلنا، فمنذ أنْ خلق آدم وإلى الآن، الحق - تباك وتعالى - يُذكِّر عباده، فكما يُلقِّن الوالد ولده حركة الحياة يُلقِّنه أولاً حركة هذا الدين، ولا بد أنْ يستمر هذا التلقين وهذا التذكير، وأنْ يتوالى من جيل إلى جيل؛ لأن طبيعة الإنسان فيه غفلة وفيه نسيان، وتحدث منه معصية. لذلك الذين قالوا: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 22] كاذبون في هذا القول؛ لأن آدم وأمته في البداية كانوا على هُدًى، فلماذا لم تتبعوهم؟ إذن: أنتم اتبعتُم الآباء الضالين لا المهتدين. كذلك حين تتأمل مسألة جمع القرآن تجد أن الذين جمعوا القرآن كانوا يتحرَّوْن في الآية قبل تسجيلها أن تكون مكتوبة أولاً في قرطاس أو في الرقاع والعظام التي سُجِّل عليها القرآن أولاً، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، لماذا؟ قالوا: لأن القرطاس لا هوى له، فيغير ما كتب فيه، أما الإنسان الحافظ فهو عُرْضَة للخطأ والنسيان والغفلة، فلا بُدَّ أنْ يكون معه آخر يُذكِّره على حَدِّ قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [البقرة: 282]. والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وَضْع الشيء في موضعه الحق ليؤدي مهمته، وكلُّ المعاني الدينية مأخوذة من مُحسَّات قبل الدين، فمثلاً الفَرَس يركبه الإنسان ليُوصلِّه إلى مراداته، فإنْ كان مرادك من ركوب الفرس التنزُّه بين الحقول سار بك سَيْراً بطيئاً كسَيْر الحنطور مثلاً، وإنْ أردتَ به قَطْع المسافة جرى بك كالريح. لذلك جعلوا للحصان لجاماً يُوضَع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يُسمى الحَكَمَة ومنها الحِكْمَةُ التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع المسائل في موضعها، فالإنسان له هوًى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يُقوِّم هذا الميل ويُصلحه، والقرآن في الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحَكَمة للفرس. ولحكمة القرآن اختصّ بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي أتناوله في أيِّ وقت وعلى أيِّ حال كنت جُنُباً أو مُحدثاً، أما القرآن فلا يمسُّه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تُقبل على مقدس له خصوصية، فإياك أنْ تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 77-79]. فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك مُقبِل على كتاب له تميُّز عن سائر الكتب الأخرى. كذلك للقرآن خصوصية في حروفه، فالحروف هي التي تُكوِّن الكلمات، فهي عبارة عن نبرات صوتية، لكل منها منطقة في أعضاء الكلام، فمثلاً حروف تخرج من الجوف والصدر هي: شعر : هَمْزٌ فَهَاءٌ ثُمَّ عَيْنٌ حَاءُ مُهْملَتَانِ ثُمَّ غَيْنٌ فَاءُ تفسير : فإنْ خرجنا من منطقة الجوف نجد الحروف اللسانية التي تُنطق من اللسان بداية من: (لغلوغه) ثم وسطه ثم طرفه. فالقاف مثلاً تخرج من أقصى اللسان، والشين والجيم من وسطه، والضاد واللام والراء من طرفه، كذلك هناك حروف تخرج من الشَّفة، كالفاء من باطن الشَّفة السفلي، والباء من باطن الشفتين معاً، كذلك الواو يشترك في نطقها الشفتان. ولكي نقرأ القرآن قراءة صحيحة لا بُدَّ أنْ نلتزم بهذه المخارج الصوتية، على خلاف قراءة أيِّ كتاب آخر، فلا يُشترط له هذا الشرط؛ لذلك نقول: إن كمال القرآن لا يتعدى ما دام له طريقة معينة ونغمة مضبوطة، فلا بُدَّ أن تُراعى. فمثلاً لو أنك تتكلم في خطبة عادية تقول: أيها السادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، لقد استدعاني فلان لألتقي به في مكان كذا.. لو نطقتَ هذا الكلام بنغمة القرآن وطريقته لكان شيئاً غير مقبول (بايخ) أمَّا إنْ كان هذا النَّغَم في القرآن، فإنه يأتي جميلاً متناسقاً. إذن: كمال القرآن لا يُتعدَّى حتى في نطقه؛ لأن هذا شيء مُختصٌّ به وحده دون غيره من الكلام، فإنْ عدَّيْتَ خصائص القرآن إلى غيره من الكلام جاء سخيفاً مردوداً لا يُقبل. أذكر ونحن صغار أنهم كانوا ينصحوننا بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي مثل "العبرات" أو "النظرات" لنتعلم الأسلوب الجميل في كتابه الإنشاء، وبالفعل كان أسلوبنا يتحسَّن ويترقَّى بقراءة كتب الأدب، ونكتسب منها تعبيرات جديدة، فإنْ جئتَ إلى حافظ القرآن الذي جوَّده على القراءات العشر أو الأربعة عشر، وقرأتَ له كلمة أو مقالاً، فإنك تجد أسلوبه لا يتأثر بالقرآن لماذا؟ لأن كمال أسلوب القرآن لا يُتعدَّى. إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نَظْمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يُبَارى ولا يُنقل إلى غيره. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {أَغْلاَلاً} جمع غُلّ وهو القيد الذي يوضع في اليد، وقد تشدُّ به اليد مع العنق {مُّقْمَحُونَ} رافعو الرؤوس مع غض البصر، قال أهل اللغة: الإِقماح: رفع الرأس وغض البصر يقال: أقمح البعير إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب، قال بشر يصف سفينة: شعر : ونحن على جوانبها قعودٌ نغضُّ الطرف كالإِبل القِماح تفسير : {سَدّاً} السَّد: الحاجز والمانع بين الشيئين {فَعَزَّزْنَا} عززه قوَّاه وشدَّ من أزره {تَطَيَّرْنَا} تشاءمنا، والتطير التشاؤم، وأصله من الطير إذا طار الى جهة اليسار تشاءموا به {خَامِدُونَ} ميتون لا حراك بهم كما تخمد النار. التفسِير: {يسۤ} الحروف المقطعة في أوائل بعض السور الكريمة للتنبيه على إعجاز القرآن، وأنه مصوغ من جنس هذه الحروف الهجائية التي يعرفونها ويتكلمون بها، ولكنَّ نظمه البديع المعجز آيةٌ على كونه من عند الله وقال ابن عباس: معنى "يسۤ" يا إنسان في لغة طيء، وقيل: هو اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله بعده {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} وقيل معناه: يا سيد البشر قاله أبو بكر الوراق {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} قسم من الله تعالى بالقرآن، والحكيم معناه المحكم، الذي لا يلحقه تغيير ولا تبديل، ولا يعتريه تناقض أو بطلان قال القرطبي: أُحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل وقال أبو السعود: أي المتضمن للحكمة أو الناطق بالحكمة من حيث نظُمه المعجزُ، المنطوي على بدائع الحكم.. والخلاصة فقد أقسم تعالى بهذا الكتاب المحكم، المعجز في نظمه، وبديع معانيه، المتقن في تشريعه وأحكامه، الذي بلغ أعلى طبقات البلاغة، على أن محمداً رسوله، وفي هذا القسم من التعظيم والتفخيم لشأن الرسول ما فيه {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} جواب القسم أي إنك يا محمد لمن المرسلين من رب العالمين لهداية الخلق قال ابن عباس: قالت كفار قريش: لست يا محمد مرسلاً، وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن العظيم المحكم أن محمداً صلى الله عليه وسلم من المرسلين {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي على طريق ونهج مستقيم، لا انحراف فيه ولا اعوجاج، هو الإِسلام دين الرسل قبلك، الذين جاءوا بالإِيمان والتوحيد قال الطبري: أي على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى وهو الإِسلام كما قال قتادة، والتنكير للتفخيم والتعظيم {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} أي هذا القرآن الهادي المنير، تنزيلٌ من ربّ العزة جل وعلا، العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} أي لتنذر يا محمد بهذا القرآن العرب، الذين ما جاءهم رسولٌ ولا كتاب، لتطاول زمن الفترة عليهم، والمراد بالإِنذار تخويفهم من عذاب الله {فَهُمْ غَافِلُونَ} أي فهم بسبب ذلك غافلون عن الهدى والإِيمان، يتخبطون في ظلمات الشرك وعبادة الأوثان.. ثم بيَّن تعالى استحقاقهم للعذاب بإِصرارهم على الكفر والتكذيب فقال {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} اللام موطئة للقسم أي والله لقد وجب عذاب النار على أكثر هؤلاء المشركين، بسبب إصرارهم على الكفر والإِنكار، وعدم تأثرهم بالتذكير والإِنذار، فهم لذلك لا يؤمنون بما جئتهم به يا محمد.. ثم بيَّن تعالى سبب تركهم الإِيمان فقال {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} تمثيلٌ وتصوير لحال المشركين في ضلالهم بحال الذي جعل في يده غلٌّ وجمعت يده إلى عنقه، فبقي رافعاً رأسه لا يخفضه قال في الجلالين: وهذا تمثيل والمراد أنهم لا يُذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له قال ابن كثير: ومعنى الآية: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء، كمن جُعل في عُنقه غلٌّ، وجمعت يداه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مُقمحاً، والمُقمح هو الرافع رأسه، واكتفى بذكر الغُلِّ في العنق عن ذكر اليدين، لأن الغُلَّ إنما يُعرف فيما جمع اليدين مع العنق وقال أبو السعود: مثِّل حالهم بحال الذين غُلَّت أعناقهم {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} أي فالأغلال منتهيةٌ إلى أذقانهم، فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يُطأطئون رؤوسهم، غاضون أبصارهم، بحيث لا يكادون يرون الحقَّ، أو ينظرون إلى جهته {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال أبو السعود: وهذا تتمةٌ للتمثيل وتكميلٌ له أي وجعلنا من أمامهم سداً عظيماً، ومن ورائهم سداً كذلك {فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي فغطينا بهما أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يبصرون شيئاً أصلاً، لأنهم أصبحوا محصورين بين سدين هائلين، وهذا بيان لكمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في مطمورة الغيِّ والجهالات، محرومين عن النظر في الأدلة والآيات، قال المفسرون: وهذا كله تمثيل لسدِّ طرق الإِيمان عليهم، بمن سُدَّت عليه الطرق فهو لا يهتدي لمقصوده {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} أي يستوي عندهم إنذارك يا محمد وتخويفك لهم وعدمه، لأن من خيَّم على عقله ظلام الضلال، وعشعشت في قلبه شهوات الطغيان، لا تنفعه القوارع والزواجر {لاَ يُؤمِنُونَ} أي فهم بسبب ذلك لا يؤمنون، لأنَّ الإِنذار لا يخلق القلوب الميتة، إِنما يوقظ القلب الحيَّ المستعد لتلقي الإِيمان، وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم وكشف لحقيقة ما انطوت عليه قلوبهم من الطغيان {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} أي إِنما ينفع إِنذارك يا محمد من آمن بالقرآن وعمل بما فيه {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي وخاف الله دون أن يراه قال أبو حيان: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ} أي المتصف بالرحمة، والرحمةُ تدعو إلى الرجاء، لكنه مع علمه برحمته يخشاه جل وعلا، خوفاً من أن يسلبه ما أنعم به عليه ومعنى "بالغيب" أي بالخلوة عند مغيب الإِنسان عن عيون البشر {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لما انتفع بالإِنذار كان جديراً بالبشارة أي فبشره يا محمد بمغفرةٍ عظيمة من الله لذنوبه، وأجر كريمٍ في الآخرة في جنات النعيم قال ابن كثير: الأجر الكريم هو الكثير الواسع، الحسن الجميل وذلك إِنما يكون في الجنة.. ولما ذكر تعالى أمر الرسالة ذكر بعدها أمر البعث والنشور فقال {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أي نبعثهم من قبورهم بعد موتهم للحساب والجزاء {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} قال الطبري: أي ونكتب ما قدَّموا في الدنيا من خير وشر، ومن صالح الأعمال وسيئها {وَآثَارَهُمْ} أي وآثار خطاهم بأرجلهم إلى المساجد، وفي الحديث عن جابر قال: "حديث : أراد بنو سَلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ـ والبقاع خالية ـ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا بني سلمة دياركم تُكتب آثارُكم، دياركم تُكتب آثاركم" فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا"تفسير : {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} أي وكل شيء من الأشياء أو أمرٍ من الأمور جمعناه وضبطناه في كتاب مسطور هو صحائف الأعمال كقوله تعالى {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} تفسير : [الإسراء: 71] أي بكتاب أعمالهم، الشاهد عليهم بما عملوه من خيرٍ أو شرٍ، وقال مجاهد وقتادة: هو اللوح المحفوظ وقال أبو حيان: "ونكتب ما قدَّموا" أي ونحصي، فعبَّر عن إحاطة علمه جل وعلا بأعمالهم بالكتابة التي تُضبط بها الأشياء.. ثم ذكر تعالى للمشركين قصة أهل القرية الذين كذبوا الرسل فأهلكهم الله بصيحةٍ من السماء فقال {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} أي واذكر يا محمد لقومك الذين كذبوك قصة أصحاب القرية "إنطاكية" التي هي في الغرابة كالمثل السائر والقول العجيب {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} أي حين جاءهم رسلنا الذين أرسلناهم لهدايتهم قال القرطبي: وهذه القرية هي "إنطاكية" في قول جميع المفسرين أرسل الله إليهم ثلاثة رسل وهم "صادق" و"مصدوق" و"شمعون" أُمر صلى الله عليه وسلم بإِنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حلَّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل من الله، وقيل هم رسل عيسى {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} أي حين بعثنا إليهم رسولين فبادروهما بالتكذيب {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي قوَّيناهما وشددنا أزرهما برسولٍ ثالث {فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} أي نحن رسل الله مرسلون لهدايتكم {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي ليس لكم فضلٌ علينا وما أنتم إلا بشر مثلنا، فكيف أوحى الله إليكم دوننا؟ {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} أي لم ينزل الله شيئاً من الوحي والرسالة {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} أي ما أنتم إلا قوم تكذبون في دعوى الرسالة {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} أي أجابهم الرسل بقولهم الله يعلم أننا رسله إليكم، ولو كنا كذبة لانتقم منا أشدَّ الانتقام قال ابن جزي: أكدوا الخبر هنا باللام {لَمُرْسَلُونَ} لأنه جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإِنه إخبارٌ مجرد {وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي وليس علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله بلاغاً واضحاً جلياً لا غموض فيه، فإِن آمنتم فلكم السعادة، وإِن كذبتم فلكم الشقاوة قال أبو حيان: وفي هذا وعيدٌ لهم، ووصف البلاغ بـ {ٱلْمُبِينُ} لأنه الواضح بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، كما روي في هذه القصة من المعجزات الدالة على صدق الرسل، من إبراء الأكمه والأبرص وإِحياء الميت {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي قال لهم أهل القرية: إنّا تشاءمنا بكم وبدعوتكم القبيحة لنا إلى الإِيمان، وترك عبادة الأوثان قال المفسرون: ووجه تشاؤمهم بالرسل أنهم دعوهم إلى دينٍ غير ما يدينون به، فاستغربوه واستقبحوه ونفرت عنه طبيعتهم المعوجة، فتشاءموا بمن دعا إليه كأنهم قالوا: أعاذنا الله مما تدعوننا إليه، ثم توعَّدُوا الرسل بقولهم {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} أي والله لئن لم تمتنعوا عن قولكم، ودعوتكم لنا إلى التوحيد، ورفض ديننا {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لنرجمنَّكم بالحجارة حتى تموتوا، ولنقتلنَّكم شرَّ قِتلة {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي قالت الرسل لهم: ليس شؤمكم بسببنا، وإِنما شؤمكم بسببكم، وبكفركم، وعصيانكم، وسوء أعمالكم {أَئِن ذُكِّرْتُم}؟ شرطٌ جوابه محذوف لدلالة السياق عليه أي أئن ذكرناكم ووعظناكم ودعوناكم إلى توحيد الله، تشاءمتم بنا وتوعدتمونا بالرجم والتعذيب؟ {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي ليس الأمر كما زعمتم بل أنتم قومٌ عادتكم الإِسرافُ في العصيان والإِجرام، وهو توبيخٌ لهم مع الزجر والتقريع {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} أي وجاء من أبعد أطراف المدينة رجل يعدو، يسرع في مشيه وهو "حبيب النجار" قال ابن كثير: إن أهل القرية همُّوا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى لينصرهم من قومه، وهو ـ حبيب النجار ـ كان يعمل الحرير وهو الحباك، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه وقال القرطبي: كان حبيب مجذوماً ومنزله عند أقصى أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم لعلهم يرحمونه ويكشفون ضُرَّه، فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل ودعوه إلى الله قال: هل من آية؟ قالوا نعم نحن ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك! فقال إن هذا لعجيبٌ، إني أدعو هذه الآلهة سبعين سنة لتفرج عني فلم تستطع فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا نعم ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر، فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، فلمَّا همَّ قومه بقتل الرسل جاءهم مسرعاً وقال ما قصة القرآن {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي اتبعوا الرسل الكرام الداعين إلى توحيد الله، وإِنما قال {يٰقَوْمِ} تأليفاً لقلوبهم واستمالة لها لقبول النصيحة، ثم كرر القول تأكيداً وبياناً للسبب فقال {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أي اتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين المخلصين، الذين لا يسألونكم أُجرة على الإِيمان، وهم على هدى وبصيرة فيما يدعونكم إليه من توحيد الله {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تلطفٌ في الإِرشاد لهم كأنه ينصح نفسه، ويختار لهم ما يختار لنفسه، وفيه نوع تقريع على ترك عبادة خالقهم والمعنى أيُ شيء يمنعني من أن أعبد خالقي الذي أبدع خلقي؟ وإِليه مرجعكم بعد الموت فيجازي كلاً بعمله؟ {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} استفهام إنكاري أي كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع ولا تنفع ولا تغني عن عابدها شيئاً؟ {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي هي في المهانة والحقارة بحيث لو أراد الله أن يُنزل بي شيئاً من الضر والأذى وشفعت لي لم تنفع شفاعتهم ولم يقدروا على إِنقاذي، فكيف وهي أحجار لا تسمع ولا تنفع ولا تشفع؟ {وَلاَ يُنقِذُونَ} أي ولا يقدرون على إنقاذي من عذاب الله {إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إني إن عبدت غير الله واتخذت الأصنام آلهة لفي خسران ظاهر جلي.. وبعد النصح والتذكير أعلن إسلامه، وأشهر إيمانه فقال {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم، فاسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي قال المفسرون: لما قال لهم ذلك ونصحهم وأعلن إيمانه، وثبوا عليه وثبة رجلٍ واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه أذاهم قال الطبري: وثبوا عليه فوطئوه بأقدامهم حتى مات، وقيل: رموه بالحجارة حتى مات {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} أي فلما مات قال الله له: ادخل الجنة مع الشهداء الأبرار، جزاءً على صدق إِيمانك وفوزك بالشهادة قال ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، وقال الله له {ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} فدخلها فهو يُرزق فيها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحُزنها ونَصَبها {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} أي فلما دخل الجنة وعاين ما أكرمه الله بها لإِيمانه وصبره تمنى أن يعلم قومه بحاله، ليعلموا حسن مآله أي يا ليتهم يعلمون بالسبب الذي من أجله غفر لي ربي ذنوبي، وأكرمني بدخول جنات النعيم قال ابن عباس: نصح قومه في حياته، ونصحهم بعد مماته قال أبو السعود: وإِنما تمنَّى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب الثواب والأجر، بالتوبة عن الكفر والدخول في الإِيمان، جرياً على سنن الأولياء في الترحم على الأعداء {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} هذا تحقيرٌ لهم وتصغيرٌ لشأنهم {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي ما كانت عقوبتهم إِلا صيحةً واحدة صاح بهم جبريل، فإذا هم ميتون لا حراك بهم، قد أُخمدت أنفاسهم حتَّى صاروا كالنار الخامدة قال المفسرون: وفي الآية استحقار لإِهلاكهم فإِنهم أذل وأهون على الله من أن يرسل الملائكة لإِهلاكهم، وقد روي أنه لما قُتل "حبيب النجار" غضب الله تعالى له، فعجَّل لهم النقمة فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم، فجعل طريق استئصالهم بالصيحة، ثم قال تعالى {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي يا أسفاً على هؤلاء المكذبين لرسل الله المنكرين لآياته ويا حسرةً عليهم، ما جاءهم رسولٌ إلا كذبوه واستهزءوا به، وهكذا عادة المجرمين في كل زمان ومكان قال في حاشية البيضاوي: إنهم أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم أو يُتحسر عليهم، فإن الأمر لفخامته وشدته، بلغ إلى حيث إن كل من يتأتى منه التلهف إذا نظر إلى حال استهزائهم بالرسل تحسَّر عليهم، وقال: يا لها من حسرةٍ وخيبة على هؤلاء المحرومين، حيث بدَّلوا الإِيمان بالكفر، والسعادة بالشقاوة، وفي الآية تعريضٌ بكفار قريش حيث كذبوا سيد المرسلين. ولمّا مثل حال كفار مكة بحال أصحاب القرية وبَّخ المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي ألم يتعظ هؤلاء المشركين بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، ويعلموا أن هؤلاء المهلكين لا عودة لهم إلى الدنيا بعد هلاكهم؟ {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي وأن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب والجزاء يوم القيامة بين يدي أحكم الحاكمين، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها؟ قال أبو حيان: وجاءت هذه الجملة بعد ذكر الإِهلاك تبييناً إلى أن الله تعالى لا يترك المهلكين بل بعد الهلاك جمعٌ وحساب، وثواب وعقاب. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1ـ التأكيد بأكثر من مؤكد لأن المخاطب منكر مثل {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} فقد أُكد كل منهما بـ "إنَّ" و"اللام" ويسمى هذا الضرب إنكارياً. 2ـ الاستعارة التمثيلية {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً..} الآية شبَّه حال الكفار في امتناعهم من الهدى والإِيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل والأغلال فأصبح رأسه مرفوعاً لا يستطيع خفضاً له ولا التفاتاً، وبمن سُدَّت الطُرقُ في وجهه فلم يهتد لمقصوده، وذلك بطريق الاستعارة التمثيلية. 3ـ الطباق {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... ومِنْ خَلْفِهِمْ}. 4ـ طباق السلب {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}. 5ـ الجناس الناقص {نَحْنُ نُحْيِي} لتغير بعض الحروف. 6ـ الإِطناب بتكرار الفعل {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً}. 7ـ الاستفهام للتوبيخ {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً}؟ 8ـ الحذف لدلالة السياق عليه {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} أي فلما أشهر إيمانه قتلوه فقيل له ادخل الجنة. 9ـ جناس الاشتقاق بين {تَطَيَّرْنَا...وطَائِرُكُم} وبين {أَرْسَلْنَآ... والمُّرْسَلُونَ}. 10ـ مراعاة الفواصل وهو من خصائص القرآن لما فيه من روعة البيان، وحسن الوقع على السمع، وهو كثير مشهور. تنبيه: من محاسن التنزيل الكريم وبلاغته الخارقة، هو الإِيجاز في القصص والأنباء، والإِشارة إلى روحها وسرّها، لأن القصد من القصص التذكير والاعتبار، ولهذا لم يذكر في القصة اسم البلدة، ولا اسم الشخص الذي دعاهم إلى الله، ولا اسم الرسل الكرام، لأن كل ذلك ليس هو الهدف من القصة، وقس على هذا سائر قصص القرآن.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}. قال محمدُ بن الحنفية يس: يا محمد وقال: زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: يس يا إنسان.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} الآية هذه السورة مكية وقرىء: تنزيل بالنصب على المصدر وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل. {لِتُنذِرَ} متعلق بتنزيل والظاهر أن قوله أغلالا هي الحقيقة لا استعارة لما أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون أخبر عن شىء من أحوالهم في الآخرة إذ دخلوا النار والظاهر عود الضمير في فهي إلى الأغلال لأنها هي المذكورة والمحدث عنها أي هي عريضة تبلغ بحرفها الأذقان والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه إلى السماء وذلك هو الاقماح وقال الفراء: القمح الذي يغض بصره بعد رفع رأسه. وقال الزجاج: يقال أقمح البصير رأسه عن ري وقمح هو وقال أبو عبيدة قمح قموحاً رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب والجمع قماح. ومنه قول بشر يصف سفينة أخذهم الميد فيها: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإِبل القماح تفسير : {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} مبالغة في عدم إيصال الخير إليهم والسد تقدم شرحه وقرىء بضم السين وفتحها فيهما. {فَأغْشَيْنَاهُمْ} أي أغشينا أبصارهم جعلنا عليها غشاوة. {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ} تقدم الكلام عليه ولما ذكر تعالى أمر الرسالة وهي أحد الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمناً ذكر الحشر وهو أحد الأصول الثلاثة والثالث هو التوحيد فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أي بعد إماتتهم. {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} كناية عن المجازاة أي ونحصر فعبر عن إحاطة علمه بأعمالهم بالكتابة التي تضبط بها الأشياء. {وَآثَارَهُمْ} أي خطاهم إلى المساجد والسير الحسنة والسيئة وما قدموا من النيات الصالحة. {وَكُلَّ شيْءٍ} نصب على الاشتغال والإِمام المبين اللوح المحفوظ. {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} تقدم الكلام على أضرب مع المثل في البقرة والقرية أنطاكية بلا خلاف أي قصة أصحاب القرية. {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} هم ثلاثة جمعهم في المجيء وإن اختلفوا في زمان المجيء. {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} الظاهر من أرسلنا أنهم أنبياء أرسلهم الله تعالى ويدل عليه قول المرسل إليهم. {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} وهذه المحاورة لا تكون إلا مع من أرسله الله تعالى وهو قول ابن عباس وكعب. {فَكَذَّبُوهُمَا} أي دعواهم إلى الله تعالى وأخبرا أنهما رسولا الله فكذبوهما. {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي قوينا وشددّنا ويقال تعزز لحم الناقة إذا صلب ويقال للأرض الصلبة العزاز. {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي تشاء منا بكم قال مقاتل: احتبس عليهم المطر وقيل أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم الرسل. {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} أي بالحجارة. و{عَذَابٌ أَلِيمٌ} هو الحريق. {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي حظكم وما صار لكم من خير أو شر معكم أي من أفعالكم أي ليس هو من أجلنا بل بكفركم. {أَئِن ذُكِّرْتُم} ثم محذوف تقديره تطيرتم. {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} إسمه حبيب قاله ابن عباس قيل وهو ابن إسرائيل وكان قصاراً وقيل غير ذلك ومن أقصى المدينة أي من أبعد مواضعها وقيل كان مجذوماً عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره فلما دعاه الرسل إلى عبادة الله تعالى قال هل من آية قال: نعم ندعو ربنا القادر يفرج عنك ما بك فقال: إن هذا لعجيب سبعون سنة ادعوا هذه الآلهة فلم تستطع يفرجه ربكم في غداة واحدة قالوا: نعم ربنا على ما يشاء قدير وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به كأن لم يكن به بأس فأقبل على التكسب فإِذا أمسى تصدق بكسبه نصف لعياله ونصف يطعمه فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم فقال: يا قوم اتبعوا المرسلين وحبيب هذا ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما ولم يؤمن بنبي غيره أحد إلا بعد ظهوره ومعنى يسعى يمشي على قدميه. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} الظاهر أنه لا يقول ذلك إلا بعد تقدم إيمانه كما سبق في قصته وقيل جاء يسعى وسمع قولهم وفهمه فلما فهمه روي أنه تعقب أمرهم وسبره بأن قال لهم أتطلبون أجراً على دعوتكم هذه قالوا: لا فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم والإِيمان بهم واحتج عليم بقوله: {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أي وهم على هدى من الله تعالى أمرهم أولاً باتباع المرسلين أي هم رسل الله إليكم فاتبعوهم ثم أمرهم ثانياً بجملة جامعة في الترغيب في كونهم لا ينقص منهم من حطام الدنيا شىء وفي كونهم يهتدون بهداهم فيشتملون على خير الدنيا وخير الآخرة وقد أجاز بعض النحويين في من ان تكون بدلاً من المرسلين ظهر فيه العامل كما ظهر إذا كان حرف جر كقوله تعالى: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الزخرف: 33] والجمهور لا يعربون ما صرح فيه بالعامل الرافع والناصب بدلاً بل يجعلون ذلك مخصوصاً بحرف الجر وإذا ذكر الرافع والناصب سموا ذلك بالتتبيع لا بالبدل. {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} موضع وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ولذلك قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ولولا أنه قصد ذلك لقال وإليه أرجع ثم أتبع الكلام كذلك مخاطباً لنفسه فقال: {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} قاصرة عن كل شىء لا تشفع ولا تضر ولا تنفع فإِن أرداكم الله بضر وشفعت لكم لم تنفع. {شَفَاعَتُهُمْ} ولم يقدروا على إنقاذكم فبدأ أولاً بانتفاء الجاه في كون شفاعتهم لا تنفع ثم ثانياً بانتفاء الإِنقاذ عنه إذ هو نتيجة ثم صرح بإِيمانه وصدع بالحق فقال مخاطباً لقومه.

الجيلاني

تفسير : {يسۤ} [يس: 1] يا من تحقق بينبوع بحر اليقين، وسبح فيه سالماً عن الانحراف والتلوين. {وَ} حق {ٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} [يس: 2] المحكم نظمه وأسلوبه، المتقن معناه وفحواه. {إِنَّكَ} يا أكمل الرسل وخاتم الأنبياء، المبعوث إلى كافة البرايا {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 3] المتمكنين. {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يس: 4] موصل إلى التوحيد الذاتي، بلا عوج وانحراف. وكيف لا يكون القرآن العظيم حكيماً مع أنه {تَنزِيلَ} أي: منزل من عند {ٱلْعَزِيزِ} الغالب، القادر على جميع المقدورات على الوجه الأحكم الأبلغ {ٱلرَّحِيمِ} [يس: 5] في إنزاله على الأنام؛ ليوقظهم عن نوم الغفلة ونعاس النيسان. إنما أنزل الحكيم المنان عليك يا أكمل الرسل هذا القرآن {لِتُنذِرَ} أنت {قَوْماً} لم يبعث فيهم نذير من قبلك {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} الأقربون أيضاً؛ إذ هم ليسوا من أهل الكتاب وتابعي الملة؛ لتمادي مدة فترة الرسل بعد عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - أو المعني {لِتُنذِرَ قَوْماً} [يس: 6] بالذي أنذر به آباؤهم الأبعدون. وبعدما قد تطاول أيام الفترة، انطقع عنهم أثر الإنذار، وصار كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بالجملة {فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] أي: القوم الذين قد أُرسلت إليهم يا أكمل الرسل، ذاهلون عن الإنذار والمنذر، بل عن مطلق الرشد والهداية؛ إذ هم متولدون في زمان فترة الرسل. وكيف لا ينذرهم سبحانه ولا سيرسل إليهم من يصلح أحوالهم {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ} وسبق الحكم من الله، ومضى القضاء منه سبحانه {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} أي: أكثر أهل مكة بالكفر والعذاب، وعدم الوصول إلى خير المنقلب والمآب، وبعدما قد ثبت في حضرة علمه سبحانه كفرهم وضلالهم {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] بالله، ولا يصدقون برسوله وكتابه. وكيف يؤمنون أولئك المصرون على الكفر والعناد المقضيون من عدنا بالشقاوة الأزلية {إِنَّا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ} التي هي سبب التفاتهم وتمايلهم نحو الحق وآلة انعطافهم للإطاعة والانقياد بالدين القويم {أَغْلاَلاً} وصيرناهم مغلولوين من الأيدي إلى الأعناق، بحيث لا يمكنهم الطأطأة والانخفاض أصلاً، ولا بدَّ للتدرين والانقياد من التذلل والخضوع، وكيف يمكنهم هذا {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} أي: أغلالهم منتهية إلى لحيتهم {فَهُم مُّقْمَحُونَ} [يس: 8] رافعون رءوسهم، مضطرون برفعها بسبب تلك الأغلال الضيقة، بحيث لا يسع لهم التفات يمنة ويسرة، وفوقاً وتحتاً. بل {وَجَعَلْنَا} لهم من كما ضبنا إياهم {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أي: قدامهم {سَدّاً} حجاباً كثيفاً {ومِنْ خَلْفِهِمْ} أيضاً {سَدّاً} غطاء غليظاً كذلك، فصاروا محفوفين بين الحجب الكثيفة المانعة عن إبصار نور الهداية والتوحيد، وبالجملة: {فَأغْشَيْنَاهُمْ} أي: أعمينا عيون بصائرهم التي هي سبب رؤية الآيات ودرك الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9] الشواهد الظاهرة والآيات الباهرة حتى يرشدهم إلى الهداية والإيمان، فحرموا عن قبول الحق، وانصرفوا عن صراطه، فهلكوا في تيه الغواية والضلال، أعاذنا الله وعموم عباده عن ذلك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يس: 1-4] يشير إلى سيادة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أنه ما بلغ أحد من المرسلين إلى رتبته في السيادة، وذلك أنه تعالى أقسم بالقرآن الحكيم أنه لمن المرسلين على صراط مستقيم إلى قاب قوسين من القرب أو أدنى أي: بل أدنى من كمال القرب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل" تفسير : فإن لكل نبي مرسل كان يسير إلى مقام معين على صراطٍ مستقيم هو صراط الله. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ليلة المعراج رأى في كل سماء بعض الأنبياء حتى قال: رأيت موسى عليه السلام في السماء السادسة، ورأى إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وقد عبر عنهم إلى كمال رتبته ما بلغ أحد من العالمين إليها وإنما قال: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}؛ لأنه منبع كل حكمة ومعدن كل عظة. وقوله: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} [يس: 5] يشير إلى أن القرآن تنزيل من عزيز غني لا يحتاج في تنزيله لعلة بل هو رحيم اقتضت حكمته تنزيل القرآن فإنه حبل الله ليعتصم به الطالب الصادق ويصعد إلى سرادقات عزته وعظمته. وقوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] يُشير إلى أنا خصصناك بإنذار قوم {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] مُنذ عيسى عليه السلام وقد حصلوا في أيام الفترة لتنذرهم بهذا القرآن فإنه هادي العباد إلى سبيل الرشاد. وقوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] يشير إلى القول الذي صدر منه في الأزل لخلق الموجودات. كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40] كما أردناه فحق ذلك القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون على وفق إرادتنا، {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ} [يس: 8] بالتقدير في الأزل {أَغْلاَلاً} [يس: 8] من الأحكام الأزلية في صورة المواقع من الإيمان {فَهِىَ} يعني: المواقع {إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} [يس: 8] فيما قدرنا لهم {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} [يس: 9] في الأزل {سَدّاً} من العزة بينهم وبين الإيمان {ومِنْ خَلْفِهِمْ} إلى الأبد { سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ} بظلمة البشرية {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9] طريق السداد وسبيل الرشاد. وبقوله: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 10] يشير إلى أن أحاط بهم سرادقات الشقاء وتمادى بهم إلى تعاطي الجفاء وسد بين أيديهم وخلفهم سداً أنواع البلاء كيف يصبح فيهم الإنذار وينجيهم النصح من عذاب النار.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا قسم من اللّه تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة. ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها. { إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة. ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم. ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى اللّه عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } معتدل، موصل إلى اللّه وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر اللّه وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم { تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: العزيز. الرحيم. فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل اللّه إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة اللّه به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما. ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال اللّه فيهم { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } أي: نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم. وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا } وهي جمع "غل" و "الغل" ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، { فَهُمْ مُقْمَحُونَ } أي: رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها. { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا } أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، { فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. { وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟! والقسم الثاني: الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: { إِنَّمَا تُنْذِرُ } أي: إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك { مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ } [أي:] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، { وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } أي: من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية اللّه تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين { فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } لذنوبه، { وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة. { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، { وَآثَارَهُمْ } وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر. ولهذا: { من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة } وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما. { وَكُلَّ شَيْءٍ } من الأعمال والنيات وغيرها { أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 790 : 1 :3 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {يسۤ} قال، فواتح كلام الله عز وجل. [الآية 1]. 791 : 2 : 4 - سفين عن جويبر عن الضحاك قال، يا محمد.

همام الصنعاني

تفسير : 2457- عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان الجزري، عن مقسم: أَن النبي صلى الله عليه وسلم كان بَعَثَ عُرْوَةَ بن مسعود إلى أهل الطائف، إلى قومه ثقيف فدعاهم إلى الإِسلام، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بسهمٍ فقتله. فقال: ما أشبهه بصاحب يس. 2458- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يسۤ}: [الآية: 1]، قال: اسم من أسماء القرآن. 2459- معمر، عن أيوب، عن عِكْرِمة، قال: كانَ ناسٌ من المشركينَ من قريش يقول بعضهم: لو قد رأيت محمداً لقد فعلتُ به كذا وكذا، ويقول بعضهم: لو قد رأيته لفعلتُ به كذا وكذا، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم في حَلقَةٍ بالمسجد فوقف عليهم، وقرأ: {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} حتى بلغ {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الآية: 9]، ثم أخذ تُراباً فجعلَ يذره على رؤوسهم، فما رفع إليه رجل طرفه، ولا تكلَّم بكلمة، ثم جاوزَ النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يَنْفضُونَ التراب عن رؤوسهم ولحاهم، وهم يقولونَ: والله ما سمعنا، والله ما أَبْصَرنا، والله ما عقلنا. 2460- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَهُم مُّقْمَحُونَ}: [الآية: 8]، قال: مغلَّلون. 2461- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}: [الآية: 6]، قال: يقول بعضهم: لم يأتهم نذير قبلك، ويقول بعضهم: {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ}، يقول: مثل الذي أنذر آباؤهم. 2462- معمر، عن منصور، أن ابن مسعود قال لأصحابه: نِعْم القومُ أنتم، لولا آية في ياسين، {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}: [الآية: 7]، وَكَانَ يَقْرؤُهَا كَذَلِكَ. 2464- معمر، عن قتادة، في قوله: {مُّقْمَحُونَ}: [الآية: 8]، أي: المغلَّلُونَ. 2465- معمر، عن قتادة، في قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً}: [الآية: 9]، قال: ضلالة.