Verse. 3711 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّاۗ اُنْذِرَ اٰبَاۗؤُہُمْ فَہُمْ غٰفِلُوْنَ۝۶
Litunthira qawman ma onthira abaohum fahum ghafiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لتنذرَ» به «قوما» متعلق بتنزيل «ما أنذر آباؤهم» أي لم ينذروا في زمن الفترة «فهم» أي القوم «غافلون» عن الإيمان والرشد.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : وقوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ }. قد تقدم تفسيره في قوله: { أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [القصص:46] وقيل المراد الإثبات وهو على وجهين أحدهما: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم، فتكون ما مصدرية الثاني: أن تكون موصولة معناه: لتنذر قوماً الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلاً، وعلى قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟ نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين. المسألة الثانية: قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ } يقتضي أن لا يكون النبـي صلى الله عليه وسلم مأموراً بإنذار اليهود لأن آباءَهم أنذروا، نقول ليس كذلك، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر، وأما على قولنا هي نافية فكذلك، وقد بينا ذلك في قوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } تفسير : [السجدة: 3] وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فإن الله إذا أرسل رسولاً فما دام في القوم من يبين دين ذلك النبـي ويأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر، فإذا لم يبق فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولاً آخر مقرراً لدين من كان قبله أو واضعاً لشرع آخر، فمعنى قوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ } أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا، فهذا دليل على كون النبـي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً بالحق إلى الخلق كافة. المسألة الثالثة: قوله: {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة ويخالفونه فحق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيباً من قبل أن يبعث الله رسولاً، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة، وليس هذا قولاً بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو خلق في قوم علماً بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} «ما» لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير، منهم قتادة؛ لأنها نفي والمعنى: لتنذر قوماً ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم؛ قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضاً. وقيل: إن «ما» والفعل مصدر؛ أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم. ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء؛ فالمعنى لم ينذَروا برسول من أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونَسُوا. ويجوز أن يكون هذا خطاباً لقوم لم يبلغهم خبر نبيّ، وقد قال الله: {أية : وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ } تفسير : [سبأ: 44] وقال: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [سجدة: 3] أي لم يأتهم نبيّ. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك، ويقال للمعرض عن الشيء إنه غافل عنه. وقيل: {فَهُمْ غَافِلُونَ} عن عقاب الله. قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} أي وجب العذاب على أكثرهم {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره. ثم بيّن سبب تركهم الإيمان فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}. قيل: نزلت في أبي جهل ٱبن هشام وصاحبيه المخزوميين؛ وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلّي ليرضخنّ رأسه بحجر؛ فلما رآه ذهب فرفع حجراً ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده؛ قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما؛ فهو على هذا تمثيل أي هو بمنزلة من غُلَّت يدُه إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضَخ رأسه. فأتاه وهو يصلّي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخنّ أنا رأسه. ثم أخذ الحجر وٱنطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خَرَّ على قفاه مغشيّا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال شأني عظيم! رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فَحْل يَخطِر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه، فوالَّلاتِ والعُزّى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ }. وقرأ ابن عباس: «إِنَّا جَعَلْنَا فيِ أَيْمَانِهِمْ». وقال الزجاج: وقرىء «إِنَّا جَعَلْنَا فيِ أَيْدِيهِم». قال النحاس: وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ بما خالف المصحف. وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة؛ التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81] وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف؛ لأن ما وقى من الحر وقى من البرد؛ لأن الغُلّ إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله عز وجل: {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} فقد علم أنه يراد به الأيدي. {فَهُم مُّقْمَحُونَ} أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غُلّت يده إلى ذَقنه ٱرتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال النحاس، وهذا أجلّ ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. قال: يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. قال النحاس: والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها. كما يقال: قَهَرته وكَهَرته. قال الأصمعِي: يقال أكمحتُ الدابَة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها. ومنه قول الشاعر:شعر : ... والـرأسُ مُكَمـحُ تفسير : ويقال: أكمحتها وأكفحتها وكبحتها؛ هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي. وقَمَح البعير قُمُوُحاً: إذا رفع رأسه عند الحوض وٱمتنع من الشرب، فهو بعير قامِحٌ وقمِحٌ؛ يقال: شَرِب فتقمّح وٱنقمح بمعنًى إذا رفع رأسه وترك الشرب رِيًّا. وقد قامحت إبلُك: إذا وردت ولم تشرب، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو برد. وهي إبل مُقامحة، وبعير مقامح، وناقة مقامح أيضاً، والجمع قمِاح على غير قياس؛ قال بشر يصف سفينة:شعر : ونحن على جَوانبها قُعُودٌ نَغُض الطرفَ كالإبل القِمَاحِ تفسير : والإقماح: رفع الرأس وغض البصر؛ يقال: أقْمَحه الغُلّ إذا ترك رأسه مرفوعاً من ضيقه. وشهرا قمِاح: أشدّ ما يكون من البرد، وهما الكانونان سميا بذلك؛ لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رؤوسها؛ ومنه قَمِحتُ السويَق. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم في ٱمتناعهم من الهدى كامتناع المغلول؛ قاله يحيى بن سلاّم وأبو عبيدة. وكما يقال: فلان حمار؛ أي لا يبصر الهدى. وكما قال:شعر : لهم عـن الرشـدِ أغـلالٌ وأقيـاد تفسير : وفي الخبر: أن أبا ذؤيب كان يهوى ٱمرأة في الجاهلية، فلما أسلم راودته فأبى وأنشأ يقول:شعر : فليس كعهدِ الدارِ يا أُم مَالكٍ ولكن أحاطت بالرقاب السلاسِل وعاد الفتى كالكهلِ ليس بقائلٍ سِوى العدلِ شيئاً فٱستراح العواذِلُ تفسير : أراد مُنِعْنَا بموانع الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق. وقال الفراء أيضاً: هذا ضرب مثل؛ أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء: 29] وقاله الضحاك. وقيل: إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جُعل في يده غُلٌّ فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعاً رأسه لا يخفضه، وغاضًّا بصره لا يفتحه. والمتكبر يوصف بانتصاب العنق. وقال الأزهري: إن أيديهم لما غُلَّت عند أعناقهم رَفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صُعُداً كالإبل ترفع رؤوسها. وهذا المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار، وعند قوم بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم. وقيل: الآية إشارة إلى ما يُفعَل بأقوام غداً في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل؛ كما قال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ} تفسير : [غافر: 71] وأخبر عنه بلفظ الماضي. «فَهُمْ مُقْمَحُونَ» تقدّم تفسيره. قال مجاهد: «مُقْمَحُونَ» مُغلُّون عن كل خير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِّتُنذِرَ } به {قَوْماً } متعلق بتنزيل {مَّآ أُنذِرَ ءَابآؤُهُمْ } أي لم ينذروا في زمن الفترة {فَهُمْ } أي القوم {غَٰفِلُونَ } عن الإِيمان والرشد.

ابن عطية

تفسير : اختلف المفسرون في قوله {ما أنذر}، فقال عكرمة {ما} بمعنى الذي، والتقدير الشيء الذي أنذره الآباء من النار والعذاب، ويحتمل أن تكون {ما} مصدرية على هذا القول من أن الآباء أنذروا. قال القاضي أبو محمد: فـ"الآباء" على هذا كله هم الأقدمون على مر الدهور، وقوله تعالى: {فهم}، مع هذا التأويل بمعنى فإنهم دخلت الفاء لقطع الجملة من الجملة، وقال قتادة {ما} نافية أي أن آباءهم لم ينذروا، فالآباء على هذا هم القريبون منهم، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} تفسير : [سبأ: 44]، وهذه النذارة المنفية هي نذارة المباشرة والأمر والنهي، وإلا فدعوة الله تعالى من الأرض لم تنقطع قط، وقوله {فهم} على هذا، الفاء منه واصلة بين الجملتين، ورابطة للثانية بالأولى، و {حق القول} معناه وجب العذاب وسبق القضاء به هذا فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر وغيرهم، وقوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} الآية قال مكي: قيل هي حقيقة في أحوال الآخرة وإذا دخلوا النار. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} يضعف هذا القول لأن بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديد يرى قبح حاله، وقال الضحاك: معناه متعناهم من النفقة في سبيل الله، كما قال تعالى {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} تفسير : [الإسراء: 23]، وقال ابن عباس وابن إسحاق: الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا محمداً صلى الله عليه وسلم بسوء، فجعل الله تعالى هذا مثالاً لهم في كفه إياهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ومنعهم من إذايته حين بيتوه، قال عكرمة: نزلت هذه الآية حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم فمنعه الله تعالى منه، الحديث، وفي غير ذلك من المواطن وقالت فرقة: الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى آباءهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه. قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم {لا يؤمنون} بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين، والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة هذا معنى التغليل، وقوله تعالى: {فهي} يحتمل أن يعود على "الأغلال" أي هي عريضة تبلغ بحرفها {الأذقان}، والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء وذلك هو "الإقماح" وهو نحو الإقناع في الهيئة ونحوه ما يفعله الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد وعند الملوحات والحموضة القوية ونحوه، ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود "هي" على الأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين، وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبيّ "إنا جعلنا في أيمانهم"، وفي بضعها "في أيديهم"، وقد ذكرنا معنى "الإقماح"، وقال قتادة: المقمح الرافع رأسه، وقال قتادة: {مقمحون} مضللون عن كل خير، وأرى الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقها ورفع رأسه، وقرأ الجمهور "سُداً" بضم السين في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وطلحة وابن وثاب وعكرمة والنخعي وابن كثير "سَداً" بفتح السين، وقال أبو علي: قال قوم هما بمعنى واحد أي حائلاً يسد طريقهم، وقال عكرمة: ما كان مما يفعله البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح. قال القاضي أبو محمد: والسد ما سد وحال، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب: طلع سد مع انتشار الطفل، أي سحاب سد الأفق، ومنه قولهم: جراد سد، ومعنى الآية أن طريق الهدى سد دونهم، وقرأ جمهور الناس "فأغشيناهم" بالغين منقوطة أي جعلنا على أعينهم غشاوة، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين "فأعشيناهم" بالعين غير منقوطة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي من العشى أي أضعفنا أبصارهم والمعنى {فهم لا يبصرون} رشداً ولا هدى، وقرأ يزيد البربري "فأغشيتهم" بتاء دون ألف وبالغين منقوطة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} كما أنذر آباؤهم فيكون عاماً، أو خاص بقريش أنذروا ولم ينذر آباؤهم قبلهم.

القشيري

تفسير : أي خَصَصْنَاكَ بهذا القرآن، وأنزلنا عليكَ هذا الفُرقان لِتُنْذِرَ به قوماً حصلوا في أيام الفترة، وانقرض أسلافـُهم على هذه الصِّفَةِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {لتنذر} متعلق بتنزيل اى لتخوف بالقرآن {قوما ما انذر آباؤهم} ما نافية والجملة صفة مبينة لغاية احتياجهم الى الانذار. والمعنى لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم الاقربون لتطاول مدة الفترة ولم يكونوا من اهل الكتاب ويؤيده قوله تعالى {أية : وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير} تفسير : يعنى العرب وقوله {أية : هو الذى بعث فى الاميين} تفسير : الى قوله {أية : وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين} تفسير : ويجوز ان تكون ما موصوله او موصوفة على ان تكون الجملة مفعولا ثانيا لتنذر بحذف العائد. والمعنى لتنذر قوما العذاب الذى انذره او عذابا انذره آباؤهم الابعدون فى زمن اسماعيل عليه السلام وانما وصف الآباء فى التفسير الاول بالاقربين وفى الثانى بالابعدين لئلا يلزم ان يكونوا منذرين وغير منذرين فآباؤهم الاقدمون اتاهم النذير لا محالة بخلاف آبائهم الادنين وهم قريش فيكون ذلك بمعنى قوله {أية : أفلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين } تفسير : فان قلت كيف هذا وقد وقعت الفترات فى الازمنة بين نبى ونبى حسبما يحكى فى التواريخ واما الحديث فقيل كان خالد مبعوثا الى بنى عبس خاصة دون غيرهم من العرب وكان بين عهد عيسى وعهد نبينا عليه السلام. ويقال ان قبره بناحية جرجان على قلة جبل يقال له خدا وقد قال فيه الرسول عليه السلام لبعض من بناته جاءته "حديث : يا بنت نبى ضيعه قومه" تفسير : كذا فى الاسئلة المقحمة. ويحتمل التوفيق بوجه آخر وهو ان المراد بالامة التى خلافيها نذير هى الامة المستأصلة فانه لم يستأصل قوم الا بعد النذير والاصرار على تكذيبه وايضا ان خلو النذير فى كل عصر يستلزم وجوده فى كل ناحية والله اعلم {فهم غافلون} متعلق بنفى الانذار مترتب عليه. والضمير للفريقين اى لم ينذر آباؤهم فهم جميعا لاجله غافلون عن الايمان والرشد وحجج التوحيد وادلة البعث والفاء ادخله على الحكم المسبب عما قبله فالنفى المتقدم سبب له يعنى ان عدم انذارهم هو سبب غفلتهم ويجوز ان يكون متعلقا بقوله لتنذر رد التعليل انذاره فالضمير للقوم خاصته اى فهم غالفون بما انذر آباؤهم الاقدمون لامتداد المدة فالفاء داخلة على سبب الحكم المتقدم. والغفلة ذهاب المعنى عن النفس والنسيان ذهابه عنها بعد حضوره. قال بعضهم الغفلة نوم القلب فلا تعتبر حركة اللسان اذا كان القلب نائما ولا يضر سكونه اذا كان متيقظا ومعنى التيقظ ان يشهده تعالى حافظا له رقيبا عليه قائما بمصالحه. قال المولى الجامى قدس سره شعر : رب تال يفوه بالقرآن وهويفضى به الى الخذلان لعنتست اين كه بهر لهجه وصوت شود ازتو حضور خاطر فوت فكر حسن غنا برد هوشت متكلم شود فرا موشت نشود بر دل توتابنده كين كلام خداست يابنده حكم لعنت ز قفل بى اخلاص نيست باقارئان قرآن خاص بس مصلى كه درميان نماز ميكند برخداى عرض نياز جون در صدق نيست باز برو ميكند لعنت آن نماز برو تفسير : وفى الحديث "حديث : الغفلة فى ثلاث الغفلة عن ذكر الله والغفلة فيما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس وغفلة الرجل عن نفسه فى الدين " تفسير : وفى كشف الاسرار [غافلان دواند يكى ازكار دين غافل واز طلب اصلاح خود بى خبر سربدنيا درنهاده ومست شهوت كشته وديدة فكرت وعبرت برهم نهاده حاصل وى آنست كه رب العزة كفت {والذين هم عن آياتنا غافلون اولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} وفى الخبر "حديث : عجبت لغافل وليس بمغفول عنه" تفسير : [ديكر غافلى است بسنديده ازكار دنيا وترتيب معاش غافل سلطان حقيقت بر باطن وى استيلا نموده در مكائفه جلال احديث جنان مستهلك شده كه ازخود غائب كشته نه ازدنيا خبر دارد نه از عقبا بزبان حال ميكويد] شعر : اين جهان دردست عقلست آن جهان دردست روح باى همت برقفاى هر دوده سالار زن تفسير : قالوا الصوفى كائن بائن شعر : هركه حق داد نور معرفتش كائن بائن بود صفتش جان بحق تن بغير حق كائن تن زحق جان زغير حق بائن ظاهر او بخلق بيوسته باطن او زخلق بكسسته از درون آشنا وهمخانه وزبرون در لبان بيكانه تفسير : فاهل هذه الصفة هم المتيقظون حقيقة وان ناموا لانه لا تنام عين العارفين وما سواهم هم النائمون حقيقة وان سهروا لانه لم تنفتح ابصار قلوبهم [ودر وصايا واردست كه يا على بامردكان منشين على رضى الله عنه كفت يا رسول الله مردكان كيانند كفت اهل جهلت وغفلت] اللهم اجعلنا من اهل العلم والعرفان والايقان والشهود والعيان وشرفنا بلقائك فى الدارين واصرفنا عن ملاحظة الكونين آمين

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : ثم بيَّن الغاية في إرسال الرسل، وتنزيلِ الكتاب بقوله: {لِتُنذِرَ}: بهذا القرآن، وتُعَلِّمَ بهذا الكتابَ والحكمة. {قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ}: الأقدمونَ، وأشياخُهم الماضون بهذه المعارف الغامضة، الأبيّة، والمقاصد الشريفة الإلهية، خصوصاً علم المعاد، وبعض أحوال المبدء مما لا تستقل به العقول، ولا يدركُه أحدٌ إلا بمتابعة أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). {فَهُمْ غَافِلُونَ} [6]: عمَّا وراءَ طَوْرِ العقل، كما يغفل سائر عوامِّ الناس وأصحاب الحواس، عما يدركه الأكياسُ بدقة عقولهم، من غير استيناس بالقرآن ولا اقتباس. وقوله: {قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} صفة وموصوف، من باب وصف الشيء بحال متعلقه، اي "قوماً غير منذر آباؤهم" على نحو قوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} تفسير : [القصص:46]. والمعنى - والله أعلم - أن الاديان والعلوم لم تكن في الازمنة الماضية والامم السابقة، بهذه المثابة، من التمامية والكمال، والتقديس عن النقص والشر والوبال، كما في قوله تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:151]. وعن قتادة: لانهم كانوا في زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وعن الحسن: لم يأتهم نذير من أنفسهم وقومهم وان جاءهم من غيرهم. وقيل: معناه: لم يأتهم مَن أنذَرَهُم بالكتاب حسب ما أتيت، وهذا على قول من قال: كان في العرب قبل نبينا صلى الله عليه وآله من هو نبي كخالد بن سنان، وقس بن ساعدة، وهذا الوجه قريب مما ذكرناه أوّلاً، فافهم. ومنهم من جعل "ما" مصدرية، او موصولة منصوبة على المفعولية الثانوية، فيكون الكلام على هذين الوجهين، لإثبات الإنذار السابق لا لِنَفْيِه، أي: لتنذر قوماً انذارَ آبائهم. او: لتنذر قوماً ما انذر آباؤهم من العذاب وغيره، فقوله: "فهم" متعلق على الاول بالنفي، يعني: عدم الانذار منشأ غفلتهم وذهولهم. وعلى الثاني، متعلق بالانذار، من باب تعلق السبب المستدعي لشيء به، كما تقول: عِظْ فلاناً فإنه غافل، أو: فهو غافل.

الجنابذي

تفسير : عن الله وعقابه وثوابه وامره ونهيه، وفى خبرٍ منسوبٍ الى الصّادق (ع) اشعارٌ بانّ المعنى لتنذر بولاية أمير المؤمنين (ع) فهم غافلون عنها وذلك انّ الولاية غاية الرّسالة واصل جملة الاحكام والوعدات والوعيدات.

اطفيش

تفسير : {لتنذر} أي ارسلناك لتنذر او متعلق بتنزيل او بقوله من المرسلين لنيابته عما يصح التعليق به او بما تعلق به وهو ثابت مثلا باعتبار كونه منفعلا عن المثبت بكسر الباء وهو الله او بقدر مثبت بفتح الباء. {قوما} وهم قريش. {ما أنذر آباؤهم} ما نافية قاله قتادة والجملة صفة قوما وقريش الادنون لم يأتهم رسول قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لتطاول مدة الفترة واما قريش الاوائل فقد انذروا فالذين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم احوج ما يكونون إلى الانذار لطول الفترة ويجوز ان يكون ما موصولا اسميا مفعولا ثانيا لا نذر واقعة على العذاب اي لتنذرهم العذاب الذي انذر به اباءهم الأوائل وهو قول عكرمة كقوله سبحانه انا انذرناكم عذابا قريبا أو حرفيا فالمصدر مفعول مطلق أي لتنذر قوما انذار ابائهم الاوائل أو نكرة موصوفة. {فهم غافلون} عما يراد بهم من الإيمان والرشد وهو متفرع على قوله ما انذر آباؤهم إن كانت ما نافية وتعليل لقول إنك لمن المرسلين مع علته إن كان لتنذر علة له او تعليل لتنذر ان لم تجعل نافية وقد تجعل تفريعا على ما انذر آباؤهم ولو كانت غير نافية لأن الكلام يفهم لم ينذروا.

اطفيش

تفسير : {لتُنْذر قَوماً} متعلق بتنزيل، أو بمحذوف، أى نزلناه لتنذر، أو أرسلناك لتنذر {ما} نافية كقوله تعالى: " أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك" تفسير : [القصص: 46، السجدة: 3] وقوله تعالى: " أية : وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير" تفسير : [سبأ: 44] {أنْذَر آباؤهمْ} نعت لقوما، والمراد ما أنذر آباؤهم الأدنون، فهم فى غاية من الاحتياج الى الإنذار، وأما آباؤهم الأبعدون فقد أنذرهم أبوهم اسماعيل، فتطاول الأمد حتى نسيت شريعته، ويقال: لم تنقطع النذارة إلا أنها قل صاحبها، واستضعف، وكان لا يؤخذ به، ولم تصل قريشا ففى كل زمان مثل قس بن ساعدة، وزيد عمر، وأو المراد ما باشروا إنذار نبى، ولو باشروا انذار مثل قس، وانذار أهل الكتاب. والإنذار: الاعلام بأمر الوحى الذى يترتب عليه العذاب، إذا لم يؤخذ به، أو نفس الوعيد على عدم الايمان، كقوله تعالى:"أية : إنا أنذرناكم عذاباً قريباً " تفسير : [النبأ: 40] والأول أولى لا عقاب قيل الوحى والارسال، ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة أو اسما موصولا مفعولا مطلقا، أى انذارا أنذره آباؤهم الأقدمون ببناء أنذره للمفعول، أو الانذار الذى أنذره آباؤهم الأقدمون ببناء أنذره للمفعول، والهاء المقدرة فى الموضعين رابطة للصفة أو الصلة، أو مصدرية أى لتنذر قوما إنذار آبائهم، أى مثل إنذار آبائهم. {فهم غافلون} عن دين الله تعالى بسبب أنه لم ينذر آباءهم، والضمير للقوم، ولو أنذر آباؤهم لا تصل الإنذار، فلا يغفلون إلا عمدا، وهذا أولى من رد الضمير إلى القوم، وآبائهم، ومن رده الى الآباء أى لم ينذر آباؤهم، فهم أحوج الى الانذار، ويجوز تعليق الجملة بتنذر، فتكون الفاء للتعليل أى لتنذرهم، لأنهم غافلون، وكذا إن علقت بمرسلين أو بأنزلناه المحذوف المعلق لتنذر أو نحوه، وإذا جعلنا ما اسما أو حرف مصدر فالغفلة عما أنذر به آباؤهم.

الالوسي

تفسير : {لّتُنذِرَ } متعلق بتنزيل أو بفعله المضمر على الوجه الثاني في إعرابه أي نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر به أو بما يدل عليه {أية : لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [يس: 3] أي أرسلت أو إنك مرسل لتنذر {قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } أي لم تنذر آباؤهم على ما روي عن قتادة فما نافية والجملة صفة {قَوْماً } مبينة لغاية احتياجهم إلى الإنذار، والمراد بالإنذار الإعلام أو التخويف ومفعوله الثاني محذوف أي عذاباً لقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } تفسير : [النبأ: 40] والمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون وإلا فالأبعدون قد أنذرهم إسماعيل عليه السلام وبلغهم شريعة إبراهيم عليه السلام. وقد كان منهم من تمسك بشرعه على أتم وجه ثم تراخى الأمر وتطاول المدد فلم يبق من شريعته عليه السلام إلا الاسم. وفي «البحر» الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم ولا آباءهم القريبين، وأما أن النذارة انقطعت فلا، ولما شرعت آثارها تندرس بعث النبـي صلى الله عليه وسلم وما ذكره المتكلمون من حال أهل الفترات فهو على حسب الفرض اهـ. وعليه فالمعنى ما أنذر آباءهم رسول أي لم يباشرهم بالإنذار لا أنه لم ينذرهم منذر أصلاً فيجوز أن يكون قد أنذرهم من ليس بنبـي كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة فلا منافاة بين ما هنا وقوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }تفسير : [فاطر: 24] وليس في ذلك إنكار الفترة المذكورة في قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ }تفسير : [المائدة: 19] لأنها فترة إرسال وانقطاعها زماناً لا فترة إنذار مطلقاً. وعن عكرمة {مَا } بمعنى الذي، وجوز أن تكون موصوفة وهي على الوجهين مفعول ثان لتنذر أي لتنذر قوماً الذي أنذره أو شيئاً أنذره الرسل آباءهم الأبعدين، وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون (ما) مصدرية فتكون نعتاً لمصدر مؤكد أي لتنذر قوما إنذاراً مثل إنذار الرسل آباءهم الأبعدين، وقيل هي زائدة وليس بشيء. {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون، وعلى الأوجه الباقية متعلق بقوله تعالى: {لّتُنذِرَ } أو بما يفيده {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 3] وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى: {لّتُنذِرَ } على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم اهـ، ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً.

الشنقيطي

تفسير : لفظة (ما) في قوله تعالى: {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} قيل نافية وهو الصحيح، وقيل موصولة، وعليه فهو المفعول الثاني لتنذر. وقيل مصدرية. وقد قدمنا دلالة الآيات على أنها نافية وأنّ مما يدل على ذلك ترتيبه بالفاء عليه قوله بعده: {فَهُمْ غَافِلُونَ}، ولأن كونهم غافلين يناسب عدم الإنذار، لا الإنذار، وهذا هو الظاهر مع آيات أخر، دالة على ذلك كما أوضحنا ذلك كلّه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15].

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَآؤُهُمْ} {غَافِلُونَ} (6) - إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَكَ العَرَبَ، الذينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَكَ، فَهُمْ سَاهُونَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ مَعْرِفَةِ الأَدْيَانِ والشَّرَائِعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإنذار: التخويف من معطب مهلك، ويشترط أنْ يكون الإنذار قبل وقوع الشيء ليؤدي الإنذار مهمته في أنْ يردع الإنسان عنه، فلا يقع في أسباب الهلاك، ويستطيع أنْ يحتاط لنفسه، وأن ينجو بها. ومعنى {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] ساعة تسمع (ما) تظن أنها نافية، كذلك قال المفسرون. قالوا: لأنهم كانوا أي: الآباء أهل غفلة، وعلى فترة من الرسل، فلم يكُنْ لهم رسول ينذرهم. فإنْ قُلْنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرسل نذيراً للناس كافة، بمن فيهم من اليهود والنصارى قالوا: لا، ليس نذيراً لنا، فقد جاءنا نذير من قبله، جاءنا موسى وجاءنا عيسى. وحَلُّ هذا الإشكال أن نقول: نعم موسى عليه السلام أنذر قومه، وعيسى عليه السلام أنذر قومه، لكن مرَّتْ عليهم جميعاً فترات احتلفوا فيها وضَلُّوا، ولم يأْتِ لهم نذير يردُّهم عن ضلالهم، إذن: جاءكم النذير، لكنكم لم تستمروا على نذارته، وها هو محمد صلى الله عليه وسلم جاءكم نذيراً جديداً. أو: أن (ما) هنا بمعنى اسم موصول أى: لتنذر قوماً بالذي أنذر به آباؤهم، كما أُنذِر آباؤهم من قبلهم. يعني: لستَ بِدْعاً من الرسل. وقوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] الغفلة أن يوجد شيء كان بخاطرك، ثم لم يتعلَّق قلبك به حتى يدخل في مرتبة النسيان، فلا تذكره إلا حين يأتي مَنْ ينبهك إليه، ويُذكِّرك به، والنسيان ليس وظيفة القلب، إنما وظيفة العقل والذاكرة، فلو أن القلب مُتعلِّق بالشيء، فكلما طرأتْ عليه غفلة تعلَّق القلبُ بها يسدها، فتظل في الذاكرة لا تغفل عنها.