٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار، أشار إلى أن النبـي صلى الله عليه وسلم ليس عليه الهداية المستلزمة للاهتداء، وإنما عليه الإنذار وقد لا يؤمن من المنذرين كثير وفي قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ } وجوه الأول: وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى: {أية : حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } تفسير : [ص: 85] الثاني: هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن وأن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض أنه لا يؤمن، وقال في حق غيره أنه يؤمن فحق القول أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره الثالث: هو أن يقال المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك لأن من يتوقف لاستماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، فإذا تحقق وأكد بالإيمان ولم يؤمن من أكثرهم فأكثرهم تبين أنهم لا يؤمنون لمضي وقت رجاء الإيمان ولأنهم لما لم يؤمنوا عندما حق القول واستمروا فإن كانوا يريدون شيئاً أوضح من البرهان فهو العيان وعند العيان لا يفيد الإيمان، وقوله: {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } على هذا الوجه معناه أن من لم تبلغه الدعوة والبرهان قليلون فحق القول على أكثر من لم يوجد منه الإيمان وعلى الأول والثاني ظاهر فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا وفيه وجه رابع وهو أن يقال لقد حقت كلمة العذاب العاجل على أكثرهم فهم لا يؤمنون وهو قريب من الأول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ } وجب {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } بالعذاب {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي الأكثر.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَقَّ الْقَوْلُ} وجب العذاب، أو سبق في علمي {أَكْثَرِهِمْ} الذين عاندوا الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش لم يؤمنوا، أو ماتوا على كفرهم، أو قتلوا عليه تحقيقاً لقوله {فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}.
الخازن
تفسير : {لقد حق القول} أي وجب العذاب. {على أكثرهم فهم لا يؤمنون} فيه إشارة إلى إرادة الله تعالى السابقة فيهم فهم لا يؤمنون لما سبق لهم من القدر بذلك. قوله عز وجل: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال له رجل من بني مخزوم أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه, فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له ما صنعت فقال: ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} قيل هذا على وجه التمثيل، ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع, فجعل الأغلال مثلاً لذلك, وقيل حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال, وقيل إنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل, وقيل إنها وصف في الحقيقة وهي ما سينزله الله عز وجل بهم في النار {فهي} يعني الأيدي {إلى الأذقان} جمع ذقن وهو أسفل اللحيين لأن الغل بجمع اليد إلى العنق {فهم مقمحون} يعني رافعو رؤوسهم مع غض البصر وقيل أراد أن الأغلال رفعت رؤوسهم فهم مرفعو الرؤوس برفع الأغلال لها {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً} معناه منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد, وقيل حجبناهم بالظلمة عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: {فأغشيناهم} يعني فأعميناهم {فهم لا يبصرون} يعني سبيل الهدى {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} يعني من يرد الله إضلاله لم ينفعه الإنذار {إنما تنذر من اتبع الذكر} يعني إنما ينفع إنذارك من اتبع القرآن فعمل بما فيه {وخشي الرحمن بالغيب} أي خافه في السر والعلن {فبشره بمغفرة} يعني لذنوبه {وأجر كريم} يعني الجنة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ} وجب العذاب {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهذا كقوله: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر:71] وفي الآية وجوه: أشهرها: أن المراد من القول هو قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي} تفسير : [السجدة:13] {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ} تفسير : [ص:85]. والثاني: أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي وُجِد وثَبَتَ بحيث لا يُبَدَّل بغيره. لا يبدل القول لدي. الثالث: المراد لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبانَ بُرْهَانُهُ، فإنهم لَمَّا لم يؤمنوا عندما ما حق القول واستمروا، فإن كانوا يريدون شيئاً أوضح من البرهان فهو العِنَاد وعند العناد لا يُفيد الإيمان. وقوله: "عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ" على هذا الوجه معناه أن من لم تَبْلُغْه الدعوة والبُرْهَانُ قليلُون فحق القَول على أكثرهم وهو من لم يوجد منه الإيمان وعلى الأول والثاني ظاهر، لأن أكثر الكفار ماتوا على الكفر. قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً} نزلت في أبي جهل وصاحِبَيْهِ، وذلك أن أبا جهل كان (قد) حلف لئن رأى محمداً يُصَلِّي ليَرْضَخَنَّ رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمَغَهُ به فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه، ولزق الحجرُ بيده، فلما رَجَعَ إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلِّي لِيَرْمِيَهُ بالحَجَر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يَرَهُمْ حتى نادوه فقالوا له: ماذا صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت كلامه، وحال بيني وبينه كهيئة الفحْل يخطر بِذَنبِهِ لو دنوتُ منه لأَكَلَنِي، فأنزل الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً}. ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} وتقدم أن المرادَ به البرهان قال بعد ذلك: بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضّرورة حيث التزقت يده بعنقه ومُنع من إرسال الحَجَر، وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن على أنه لا يؤمن أصلاً. وقال الفراء: معناه حبسْنَاهم عن الإنفاق في سبيل الله، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء:29] معناه ولا تُمْسِكْها عن النفقة. الرابع: قال ابن الخطيب وهو الأقوى وأنشد مناسبةً لما تقدم: إنّ ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وأما مناسبة قول الفراء لما تقدم أن قوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُون} يدخل فيه أنهم لا يصلون كقوله تعالى: {أية : لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة:143] أي صلاتكم عند بعض المفسرين، والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال: لا يُصَلّون ولا يُزَكون. قوله: {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} في هذا الضمير وجهان: أشهرهما: أنه عائد على الأَغْلاَل، لأنها هي المُحَدَّث عنها، ومعنى هذا الترتيب بالفاء أن الغُلَّ لِغِلَظهِ وعَرْضِهِ يصل إلى الذقن، لأنه يلبس العُنُقَ جَميعَهُ. قال الزمخشري: والمعنى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثِقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يَتَمَكَّن المَغلُول معنا من أن يُطَأْطِىءَ رَأْسَهُ. الثاني: أن الضمير يعود على "الأيدي" لأن الغُلَّ لا يكون إلاَّ في العنق، واليدين، ولذلك سمي جامعة، ودَلَّ على الأيدي وإن لم تُذْكر للملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغُلّ، وإليه ذهب الطَّبَرِيُّ. إلا أن الزمخشري قال: جعل الإِقماح نتيجة قوله: {فَهِيَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} ولو كان للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهراً، على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك للظاهر. وفي هذا الكلام قولان: أحدهما: أن جَعْل الأَغْلاَلِ حقيقة. والثاني: أنه استعارة، وعلى كل من القَوْلين جماعة من الصَّحَابة والتابعين. وقال الزَّمْخَشَرِيُّ: (مثل) لتصميمهم على الكفر، وأنَّه لا سبيل إِلى ارْعِوَائِهِمْ بأن جعلهم كالمَغْلُولِينَ المُقْمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يُطَأْطِئُونَ رُؤُوسَهُمْ له، وكالحاصلين بين سدّين لا يبصرون ما قدامهم ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن آيات الله. وقال غيره: هذا استعارة لمنع الله إيَّاهم من الإيمان وحولهم بينهم وبينه. (و) قال ابن عطية: وهذا أرجح الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يُؤْمِنون لما سبق لهم في الأول عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشَّقَاوة ما حالهم معه حال المغلوبين. وتقدم تفسير الأَذْقَان. وقال ابن الخطيب: المانع إما أن يكون في النفس فهو الغُلّ وإما من الخارج فالسد، فلم يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت:53] وذلك لأن المُقْمَحَ لا يرى (في) نفسه ولا يقع بصره على بَدَنِهِ، ولا يقع نظرهم على الآفاق فلا يتبين لهم الآيات التي في الآفاق. وعلى هذا فقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ.... وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في (الأنْفُسِ و) الآفاق. "فَهُمْ مُقْمَحُونَ" هذا الفاء لأحسن ترتيب، لأنه لما وصلت الأغلال إلى الأذقان لعرضها لزم عن ذلك ارتفاع رُؤُوسهم إلى فَوْق. أو ولما جمعت الأيدي إلى الأذقان وصارت تحتها لزم من ذلك رفعها إلى فوق فترتفعُ رُؤُوسُهُمْ. والإقماح رفع الرأس إلى فوق كالإقناع، وهو من قَمَحَ البعيرُ رأسَه إذا رفعها بعد الشُّرْب، إما لبرودة الماء وإما لكراهة طعمه قُمُوحاً وقِمَاحاً - بكسر القاف وضمها - وأقمحتُه أَنَا إقْمَاحاً، والجَمْع قِماحٌ، وأنشد: شعر : 4168- وَنَحْنُ عَلَى جَوَانِبِهَا قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرف كَالإبِلِ القِمَاحِ تفسير : يصف نفسه وجماعة كانوا في سفينة، فأصابهم المَيَدُ. قال الزجاج قيل: الكَانُونَيْن شهراً قِماحٍ، لأن الإِبل إذا وَرَدْنَ الماء رفعت رُؤُوسَها، لشِدة البرد وأنشد أبو زيد للهذلي: شعر : 4169- فَتًى مَا ابْنُ الأَغَرِّ إِذَا شَتَوْنَا وَحُبَّ الزَّادِ فِي شَهْرَيْ قمَاحِ تفسير : كذا رواه بضم القَاف، وابنُ السِّكِّيت بكسرها. وقال اللَّيْثُ: القُمُوح رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكرية ثم يعود. وقال أبو عبيدة إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والمشهور أنه رفع الرأس إلى السماء كما تقدم تحريره. وقال الحسن: القامح الطامح يبصره إلى موضع قدمه. وهذا ينبو عنه اللفظ والمعنى. وزاد بعضهم مع رفع الرأس غَضَّ البصر مستدلاً بالبيت المتقدم: شعر : 4170-........... نغض الطرف كالإبل القماح تفسير : وزاد مجاهد مع ذلك وضع اليد على الفم. وسأل الناس أمير المؤمنين (علياً) - كرم الله وجهه - عن هذه الآية فجلع يده تحت لِحْيَتِهِ، ورفع رأسه. وهذه الكيفية ترجّح قول الطَّبَريِّ في عود "فَهيَ" على الأيدي. قوله:{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} تقدم خلاف القراء في فتح السِّين وضمِّها والفرق بينهما مستوفًى آخرَ الكهف والحمدُ لله. وأما فائدة السد من بين الأيدي فإنهم في الدنيا سالكُون فيبغي أن يَسْلُكُوا الطّريقة المستقيمةَ {مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا} فلا يقدرون على السلوك. وأما فائدة السد من خلفهم فهو أنَّ الإنسان له فِطْريَّة والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول: جَعَلْنَا من بين أيديهم سدًّا فلا يسلكون طريق الاهتداء الذي هو فطرية وجعلنا من خلفهم سداً فلا يرجعون إلى الهداية والجبلية التي هي فطرية، وأيضاً فإن الإنسان مبدأه من الله ومصيره إليه فعمي الكافر لا يبصر ما بين من المصير إلى الله، وما خلفه من الدخول في الوجود بخلق الله وأيضاً فإنَّ السالك إذا لم يكن له بدّ من سلوك طريق، فإن اشتدَّ الطريقُ الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، وإذا اشتد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة يهلك. فقوله {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} إشارة إلى هَلاَكِهِمْ فصاروا بمنزلة من يبنى عليه الحائط وهو واقفٌ. قوله: "فأغشيناهم" العامة على الغين المعجمة أي غَطَّيْنَا أبْصَارَهُمْ وهو على حذف مضاف. وابن عباس وعمرُ بن عبد العزيز، والحَسَنُ، وابنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجَاءٍ في آخَرِينَ بالعين المهملة. وهو ضعف البصر. يقال: عَشِيَ بَصَرُهُ، وأَعْشَيْتُهُ أَنَا. وهذا يحتمل الحقيقة والاسْتِعَارَة. فصل قوله: "فَأَغْشَينَاهُمْ" بحرف الفاء يقتضي أن يكون الإِغشاء مرتباً على جعل السد فما وجهه؟ فيقال من وجهين: أحدهما: أن ذلك بيان لأمور مرتبة ليس بعضها سبباً في البعض فكأنه تعالى قال: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَلاَ يُبْصِرُون أنفسهم لإِقماحهم، وجعلنا من بين أيديهم سداً ومِنْ خلفهم سداً فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يَروا السماء ما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله: جَعَلْنَا عَلَى أَبْصَارهم غشاوة فلا يبصرون شيئاً أصلاً. والثاني: أن ذلك بيان لكون السدِّ قريباً منهم بحيث يصير ذلك كالغِشَاوة على أبصارهم، فإن من جعل من خلف وقدّامِه سدين مُلْتَزِقَيْن به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما يبقى عينه على سطح السد فلا يُبْصِرُ شيئاً، لأن شرط المرئيِّ أن يكون قريباً من العَيْن جِداً. فَإنْ قيلَ: ذكر السد من بين الأيدي ومن خَلْفٍ، ولم يذكر من اليَمِينِ والشِّمالِ فما الحكمة فيه؟. فالجواب: إن قلنا: إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر. وأما على غير ذلك فيقال: إنه حصل العموم بما ذكر والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة، لأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا مُتَوَجِّهِينَ إلى شيء، ومُوَلِّين عن شيء فصار ما إليه توجُّهُهُمْ ما بين أيديهم فجعل الله السد هناك فمنعه من السلوك فكيمفا توجه الكافر يجعل الله بين أيديه سداً وأيضاً (فإنَّا) لما بينا أن جعل السد سبباً لاستتار بصره فكان السد ملتزقاً به وهو ملتزق بالسدين، فلا قدره له على الحركة يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشِّمال. وقوله: {فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي لا يبصرون شئياً، أو لا يبصرون سبيلَ الحق؛ لأن الكافر مَصْدُورٌ عَنْ سبيل الهدى. قوله: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} تقدم الكلام عليه أول البقرة، بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغُلِّ والسدِّ والإغشاء والإعماء بقوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} أي الإنذارُ وعَدَمُهُ سيَّان بالنسبة إلى إيمانهم. {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} قال من قبل: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً} تفسير : [يس:6] وذلك يقتضي الإنذار العام وقال هنا: "إنَّما تنذر" وهو يقتضي التخصيص، فكيف الجمع بينهما؟! وطريقة من وجوه: الأول: أن قوله: "لتنذر" أي (كَيْفَ) ما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن. وقوله: "إِنَّما تُنْذِرُ" أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة لمن يتبع الذِّكْرَ وَيَخْشَى. الثاني: (هو) أنّ الله تعالى لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار وذكر (أن) الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلأى أهل العناد قال لنبيه: ليس إنذارك غيرَ مفيد من جميع الوجوه، فأنِذرْ على سبيل العموم وإنما يُنْذَرُ بذلك الإنذارِ العَام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد أنذر بإنذارك وتَتَبَّعْ بذكرك. الثالث: أن يقول: لتنذر أولاً فإذا أنذرت وبالغت (وبلغت)، واستهزأ البعض وتولى واستكبر فبعد ذلك إنما تُنْذِرُ الِّذِينَ اتَّبَعُوك. والمراد بالذكر: القرآن لتعريف الذكر الألف واللام. وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى: {أية : وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس:2]. وقيل: ما في القرآن من الآيات لقوله: {أية : وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص:1] فما جعل القرآن نفس الذكر. والمعنى إنما تُنْذِرُ العلماءَ الِّذِين يخشون ربهم. وقوله: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ} أي عمل صالحاً لقوله:{فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} وهذا جزاء العمل كقوله: {أية : فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الحج:50] والمراد بالغيب: ما غاب وهو أحوال يوم القيامة. وقيل الوَحْدانية. وقوله: "فَبَشِّرْه" إشارة إلى الرسالة، فإنَّ النَّبِيِّ بشيرٌ ونذيرٌ. وقوله: "بمغفرة" على التنكير أي بمغفرة واسعةٍ تسيرُ من جميع الجوانب "وَأجْرٍ كرِيمٍ" أي ذي كرم كقوله: "وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" والمراد به الجنة. قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} عند البعث. لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بهم المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: "فَبَشِّرهم بمغفرة" ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فاللَّه يحيي الموتى وُيجْزَى المنذَرُونَ والمُبشرُونَ ووجه آخر وهو أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحْيَاءُ الموتى. فصل "إنّا نحن" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبراً كقوله: شعر : 4171- أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي تفسير : ومثل هذا يقال عند الشُّهْرَة العظيمة، وذلك لأنَّ من لا يُعْرَفُ يُقَال (لَهُ): من أنت؟ فيقول: أنا ابنُ فُلاَنٍ فيُعْرَفُ، ومن يكون مشهوراً إذا قيل له: مَنْ أَنْتَ، يقول: أنا ولا معرفة لي أظهر من نفسي فيقال: إنَّا نَحْنُ معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا ينكر قدرتنا على إحياء الموتى. والثاني: أن الخبر "نُحْيِي" كأنه قال: "إِنَّا نُحِيي المَوْتَى" و "نحن" يكون تأكيداً. وفي قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} إشارة إلى الوحيد؛ لأن الإشراك يوجب التمييز، فإن "زيداً" إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال: "أنا زيد" لا يحصل التعريف التام، (لأن) للسامع أن يقول: أيُّمَا زيد؟ فيقول: ابنُ عمرو، (ولو كان هناك زيدٌ آخرُ أبو عمرو ولا يكفي قوله: ابن عمرو) فلام قال الله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أي ليس غيرنا أحد يشركنا حتى يقول: أنا كذا فيمتاز، وحينئذ تصير الأصول الثلاثة مذكورة: الرسالة والتوحيد والحشر. قوله: "وَنَكْتُبُ" العامة على بنائه للفاعل، فيكون "مَا قَدَّمُوا" مفعولاً به و "آثَارَهُمْ" عطف عليه. وزِرّ ومسروقٌ قَرَآهُ مبنياً للمفعول، و "آثَارُهُم" بالرفع عطفاً على "مَا قَدَّمُوا" لِقِيَامِهِ مَقَام الفَاعِل. فصل المعنى ماقدموا وأخروا، فاكتفي بأحدهما، لدلالته على الآخر كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] أي وَالبَرْدَ. وقيل: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحةً كانت أو فاسدةً، كقوله تعالى: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 95] أي بما قدمت في الوجود وأوجدته. وقيل: نكتب نِيَّاتِهِمْ فإِنها قبل الأعمال و "آثَارَهُمْ" أي أعمالهم. وفي "آثارهم" وجوه: أحدها: ما سنوا من سنة حسنة وسيئة. فالحسنة كالكتب المصنّفة والقناظر المبنية، والسيئة كالظّلامة المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة. قال - عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا ومِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَه كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْئاً" تفسير : وقيل: نكتب آثارهم أي خُطَاهم إلى المسجد؛ لما روي أبو سعيد الخُدْرِي قال: شَكَتْ بنو سلمة بُعْدَ منازِلِهم من المسجد فأنزل الله: {ونكتُبُ ما قدموا وآثارهم} فقال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : إنَّ اللَّه يَكْتُبُ خُطَوَاتِكُمْ وَيُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ" تفسير : . وقال - عَلَيْهِ (الصَّلاَةُ وَ) السَّلاَمُ -: "حديث : أَعْظَمُ النَّاس أَجْراً في الصَّلاَةِ أبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالِّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإمَام أَعْظَمُ أجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ" تفسير : فإن قيل: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: ("نُحْيي") و"نكتُبُ" ولم يقل: نكتب ما قَدَّمُوا وَنُحْيِيهمْ؟. فالجواب: أن الكتابة معظمة، لا من الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياءً وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً والإحياء هو المعتبر، والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء. (و) لأنه تعالى قال: {إِنَّا نَحْنُ} وذلك يفيد العظمة والجَبَرُوتَ، والإحياء العظيم يختص بالله، والكتابة دونه تقرير العريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم. قوله: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} العامة على نصب "كل" على الاشتغال. وأبو السَّمَّال قرأه مرفوعاً بالابتداء والأرجحُ قراءةُ العامة، لعطف جملة الاشتغال على جملة فعليةٍ. فصل "أَحْصَيْنَاهُ" حفظناه وثبّتناه "فِي إمَامٍ مُبينٍ". فقوله "أَحْصَيْنَاهُ" أبلغ من كتبناه، لأن كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده، فقال يحصي فيه. وإمامٌ جاء جمعاً في قوله: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} تفسير : [الإسراء:71] أي بأئمتهم وحينئذ فـ "إمَام" إذا كان فرداً فهو ككِتَاب وحِجِاب، وإذا كان جمعاً فهو كجِبَال. والمُبِينُ هو المظهر للأمور لكونه مُظْهراً (للملائكة ما) يفعلون وللناس ما يفعل بهم، وهو الفارق بين أحوال الخلق فيجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير. وسمي الكتاب إماماً، لأن الملائكة يأتمون به، ويتبعونه، وهو اللوح المحفوظ. وهذا بيان لكونه ما قدموا وآثارهم أمراً مكتوباً عليهم لايُبدَّل، فإن القَلَم جَفَّ بما هو كائن، فلما قال {نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} بين أن قبل ذلك كتابةً أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه. وقيل: إن ذلك مؤكّد لمعنى قوله: "وَنَكْتُبُ"؛ لأن من يكتب شيئاً في أرواق ويرميها وقد لا يجدها، فكأنه لم يكتب فقال: نكتُبُ ونَحفَظُ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى: {أية : عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه:52]. وقيل: إنَّ ذلكَ تعميمٌ بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم، وليست الكتابة مقتصرةً عليه بل كل شيء مُحْصًى في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأفعال والأقوال لا يَعزُبُ عن (علم) الله، ولا يفوته وهو قوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} تفسير : [القمر: 52-53] يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب.
البقاعي
تفسير : ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجباً للإلف له، والإلف قتال لما يوجب من الإصرار على المألوف لمحبته "وحبك للشيء يعمي ويصم" قال جواباً لمن يتوقع الجواب عما أثمرته حالهم: {لقد حق القول} أي الكامل في بابه وهو إيجاب العذاب بملازمة الغفلة {على أكثرهم فهم} أي بسبب ذلك {لا يؤمنون *} أي بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكباراً في الأرض ومكر السيىء. ولما كان المعنى أنه لا يتجدد منهم إيمان بعد البيان الواضح والحكمة الباهرة، وكان ذلك أمراً عجباً، علله بما يوجبه من تمثيل حالهم تصويراً لعزته سبحانه وباهر عظمته الذي لفت الكلام إليه لإفهامه - وهذا الذي ذكر هو اليوم معنى ومثال وفي الآخرة ذات ظاهر - وأنه ما انفك عنهم أصلاً وما زال، فقال: {إنا جعلنا} أي بما لنا من العظمة، وأكده لما لهم من التكذيب {في أعناقهم أغلالاً} أي من ظلمات الضلالات كل عنق غل، وأشار بالظرف إلى أنها من ضيقها لزت اللحم حتى تثنى على الحديد فكاد يغطيه فصار - والعنق فيه - كأنه فيها وهي محيطة به. ولما كان من المعلوم أن الحديد إذا وضع في العنق أنزله ثقله إلى المنكب، لم يذكر جهة السفل وذكر جهة العلو فقال: {فهي} أي الأغلال بعرضها واصلة بسبب هذا الجعل {إلى الأذقان} جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، فهي لذلك مانعة من مطاطأة الرأس. ولما كان هذا من رفع الرأس فعل المتكبر، وكان تكبرهم في غير موضعه، بيّن تعالى أنهم ملجؤون إليه فهو ذل في الباطن وإن كان كبراً في الظاهر فقال: {فهم} أي بسبب هذا الوصول {مقمحون *} من أقمح الرجل - إذا أقمحه غيره أي جعله قامحاً أي رافعاً رأسه غاضاً بصره لا ينظر إلا ببعض بصره هيئة المتكبر، وأصله من قولهم: قمح البعير - إذا رفع رأسه عند الشرب ولم يشرب الماء، قال في الجمع بين العباب والمحكم: قال بشر بن أبي حازم يصف سفينة، قال أبو حيان: ميتة أحدهم ليدفنها: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح تفسير : وقال الرازي في اللوامع: والمقمح: الذي يضرب رأسه إلى ظهره هيئة البعير، وقال القزاز: والمقمح: الشاخص بعيينه الرافع رأسه. أبو عمرو: والقامح من الإبل هو الذي لا يشرب وهو عطشان عطشاً شديداً ولا تقبل نفسه الماء، والقمح مصدر قمحت الشيء والاقتماح: أخذك الشيء في راحتك ثم تقمحه في فيك أي تبتلعه، والاسم القمحة كاللقمة والأكلة - انتهى. وكأن المقمح من هذا لأن هيئته عند هذا الابتلاع رفع الرأس وغض الطرف أو شخوصه إذا عسر عليه الابتلاع - والله أعلم, فهذا تمثيل لرفعهم رؤوسهم عن النظر إلى الداعي تكبراً وشماخة بحيث لو أمكنهم أن يسكنوا الجو لم يتأخروا صلافة وتيهاً، أو لأنهم يتركون هذا الأمر العظيم الحسن الجدير بأن يقبل عليه ويتروى منه وهم في غاية الحاجة إليه، فهم ذلك كالبعير القامح، إنما منعه من الماء مع شدة عطشه مانع عظيم أقمحه، ولكنه خفي أمره فلم يعلم ما هو، ولذلك بنى الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت حظهم من هذا الأمر الجليل. ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال: {وجعلنا} أي بعظمتنا. ولما كان المقصود حجبهم عن خير مخصوص، وهو المؤدي إلى السعادة الكاملة لا عن كل ما ينفعهم، أدخل الجار فقال: {من بين أيديهم} أي الوجه الذي يمكنهم علمه {سداً}. ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال: {ومن خلفهم} أي الوجه الذي هو خفي عنهم، وأعاد السد تأكيداً لإنكارهم ذلك وتحقيقاً لجعله فقال: {سداً} أي فصارت كل جهة يلتفت إليها منسدة، فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق ولا الخلوص إليه، فلذلك قال: {فأغشيناهم} أي جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة {فهم} أي بسبب ذلك {لا يبصرون *} أي لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة أصلاً. ولما منعوا بذلك حس البصر، أخبر عن حس السمع فقال: {وسواء} أي مستو ومعتدل غاية الاعتدال من غير نوع فرق؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم بالتعبير بأداة الاستعلاء إيذاناً بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع غيره أشد امتناعاً فقال: {عليهم ءأنذرتهم} أي ما أخبرناك به من الزواجر المانعة من الكفر {أم لم تنذرهم} ثم بيّن أن الذي استوى حالهم فيه بما سببه الإغشاء عدم الإيمان، فقال مستانفاً: {لا يؤمنون *}. ولما بيّن ما كان السبب المانع لهم من الإبصار، علم أن السبب المانع من السمع مثله، لأن المخبر عزيز، فهو إذا فعل شيئاً كان على وجه لا يمكن فيه حيلة. ولما أخبر أن الأكثر بهذه الصفة، استشرف السامع إلى أمارة يعرف بها الأقل الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جواباً له: {إنما تنذر} أي إنذاراً ينتفع به المنذر فيتأثر عنه النجاة، فالمعنى: إنما يؤمن بإنذارك {من اتبع الذكر} أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله من القرآن وغيره ويذكر به صاحبه ويشرف {وخشي الرحمن} أي خاف العام الرحمة خوفاً عظيماً، ودل لفت الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن أهل الخشية يكفيهم في الاتعاظ التذكير بالإحسان {بالغيب} أي بسبب ما يخبر به من مقدوراته الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه بسبب كونها قلباً من غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة لا غيب فيه، بل تجويزاً لما يجوز من انتقامه ولو بقطع إحسانه، لما ثبت له في سورة فاطر من القدرة والاختيار، ويخشاه أيضاً خشية خالصة في حال غيبته عمن يرائيه من الناس، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار، وهو المتقون الذين ثبت في البقرة أن الكتاب هدى لهم، وغيرهم لا سبيل إلى استقامته، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه ليس عليك إلا الإنذار، إن الله عليم بما يصنعون، فمن علم منه هذه الخشية أقبل به، ومن علم منه القساوة رده على عقبه بما حال دونه من الغشاوة - والله الموفق. ولما دل السياق على أن هذا نفع نفسه، تشوف السامع إلى معرفة جزائه، فقال مفرداً الضمير على النسق الماضي في مراعاة لفظ "من" دلالة على قلة هذا الصنف من الناس بأجمعهم في هذه السورة الجامعة بكونها قلباً لما تفرق في غيرها: {فبشره} أي بسبب خشيته بالغيب {بمغفرة} أي لذنوبه وإن عظمت وإن تكررت مواقعته لها وتوبته منها، فإن ذلك لا يمنع الاتصاف بالخشية. ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال: {وأجر كريم *} أي دارّ عظيم هنيء لذيذ متواصل، لا كدر فيه بوجه.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: حق القول على أهل الشقاوة فى الأزل أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية فالنبى صلى الله عليه وسلم يسمع خطابه من أسمعه الحق فى الأزل نداء السعادة فإذا سمع نداء النبى صلى الله عليه وسلم أجاب لما سبق له من إجابة لنداء الحق.
القشيري
تفسير : أي حقَّ القول بالعقوبة على أكثرهم لأنهم أصرُّوا على جَحْدِهم، وانهمكوا في جهلهم، فالمعلومُ منهم والمحكومُ عليهم أنَّهم لا يُؤمنون.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} حق القول الازلى ان اكثر الخلق لا يعرفونه لانه غيريب الازل والازلى لا يعرفه الا الازلى والحمد لله الذى حكم على الاكثر بالشقاوة وما حكم على الاقل الذين عرفوه به لا بغيره وهو اوراق بساتين قدسه ونسائم نرجس انسه وقال ابن عطا عن القول على اهل الشقاوة فى الازل انهم لا يدع ------ولو جاءتهم كل أية فالنبى صلى الله عليه وسلم يسمع خطابه من اسمعه الحق فى الازل نداء السعادة فاذا سمع نداء النبى صلى الله عليه وسلم اجاب لما سبق ---- اجابه لنداء الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد} اللام جواب القسم اى ولله لقد {حق القول} وجب وتحقق {على اكثرهم} اى اكثر القوم الذين تنذرهم وهم اهل مكة {فهم لا يؤمنون} اى بانذارك اياهم والفاء داخلة على الحكم المسبب عما قبله. واختلفوا فقال بعضهم القول حكم الله تعالى انهم من اهل النار. وفى المفردات علم الله بهم. وقال بعضهم القول كناية عن العذاب اى وجب على اكثرهم العذاب. والجمهور على ان المراد به قوله تعالى لابليس عند قوله {أية : لاغوينهم اجمعين} {لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين} تفسير : وهو المعنى بقوله {أية : ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} تفسير : وهذا القول لما تعلق بمن تبع ابليس من الجنّ والانس وكان اكثر اهل مكة ممن علم الله منهم الاصرار على اتباعه واختيار الكفر الى ان يموتوا كانوا ممن وجب وثبت عليهم مضمون هذا القول لكن لا بطريق الجبر من غير ان يكون من قبلهم ما يقتضيه بل بسبب اصرارهم الاختيارى على الكفر والانكار وعدم تأثرهم من التذكير والانذار. ولما كان مناط ثبوت القول وتحققه عليهم اصرارهم على الكفر الى الموت كان قوله {فهم لا يؤمنون} متفرعا فى الحقيقة على ذلك لا على ثبوت القول. قال الكاشفى [مراد آنانندكه خداى تعالى ميدانست كه ايشان بركفر ميرند يابر شرك كشته شوند جون ابو جهل واضراب او] وحقيقة هذا المقام ان الكل سعيدا كان او شقيا يجرون فى هذه النشأة على مقتضى استعداداتهم فالله تعالى يظهر احوالهم على صفحات اعمالهم لا يجبرهم فى شئ اصلا فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غيره فلا يلومن الانفسه والاعمال امارات وليست بموجبات فان مصير الامور فى النهاية الى ما جرى به القدر فى البداية. وفى الخبر الصحيح روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما قال حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يديه كتابان فقال للذى فى يده اليمنى "هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء اهل الجنة واسماء آبائهم وقبائلهم ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا" ثم قال للذى بشماله "هذا كتاب من رب العالمين فيه اسماء اهل النار واسماء آبائهم وقبائلهم ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ابدا" ثم قال بيده فنبذهما ثم قال "فرغ ربكم من العباد فريق فى الجنة وفريق فى السعير" تفسير : وحكم الله تعالى على الاكثر بالشقاوة فدل على ان الاقل هم اهل السعادة وهم الذين سمعوا فى الازل خطاب الحق ثم اذا سمعوا نداء النبى عليه السلام اجابوه لما سبق من الاجابة لنداء الحق. وانما كان اهل السعادة اقل لان المقصود من الايجاد ظهور الخليفة من العباد وهو يحصل بواحد مع ان الواحد على الحق هو السواد الاعظم فى الحقيقة. قال بعض الكبار من رأى محمدا عليه السلام فى اليقظة فقد رأى جميع المقربين لانطوائهم فيه ومن اهتدى بهداه فقد اهتدى بهدى جميع النبيين. والاسلام عمل. والايمان تصديق. والاحسان رؤية او كالرؤية فشرط الاسلام الانقياد وشرط الايمان الاعتقاد وشرط الاحسان الاشهاد فمن آمن فقد اعلى الدين ومن اعلاه فقد تعرض لعلوه وعزه عند الله تعالى ومن كفر فقد اراد اطفاء نور الله والله نوره: وفى المثنوى شعر : هركه برشمع خدا آرديفو شمع كى ميرد بسوز وبوزاو تفسير : لما قال المشركون يوم احد اعل هبل اعل هبل اذ لهم الله وهبلهم وهو صنم كان يعبد فى الجاهلية وهو الحجر الذى يطأه الناس فى العتبة السفلى من باب بنى شيبة وهو الآن مكبوب على وجهه وبلط الملوك فوقه البلاط فان كنت تفهم مثل هذه الاسرار والا فاسكت والله تعالى حكيم يضع الامور كلها فى مواضعها فكل ما ظهر فى العالم فهو حكمة وضعه فى محله لكن لا بد من الانكار لما انكره الشارع فاياك والغلط
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لأن الإيمانَ عبارة عن صيرورة النفس، بحيث يعرفُ الله وملائكتَه وكتبَه ورسلَه واليومَ الآخر، ويعملُ بمقتضاه، ويسلك بمؤداه، وينهى النفس عما يهواه، ويعبد الله كأنه يراه، وهذا مما لا يتيسر الا لنفس زكية، وقلب لطيف قابل لتصوير الحقائق، واكثر الناس غَلَبَتْ عليهم الجسميّةُ والكثافةُ، والنفاقُ والشيطنةُ، وكلاهما حجاب، إلا أن الاولَ، من باب النقص الواقع بسبب التجسّم في أول الفطرة، والثاني من باب المَرَضِ المزمِنِ الطاري. فاذا تقرر ذلك، فاعلَمْ أن القول قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة:13] وهو عبارة عن حكمه القضائي، وتقديره الازلي، بأن نظام هذا العالم وعمارته، وقوامه، ووجود العلماء المهتدين، وعبوديتهم، لا ينتظم ولا يصلح، الا بأن يكون في العالم نفوس غِلاظ وقلوب قاسية، وشياطين أنسية مكّارة بحسب ما غلب عليهم من طاعة الشهوة والغضب، وخدمةِ الهوى، والتردي إلى أسفل دَرْكِ جحيمِ الدنيا: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:119]. فيتوجّهون بتلك الدواعي والاغراض الخسيسة، الى عمارة الدنيا، والسعي في طلبها، والإخلاد اليها، والعمل لأجلِها، من الزراعة والعمارة، وإخراج القنوات، وتحصيل المزروعات، وصنعة المكاسب الدنيّة، والصنائع الكثيفة، كالحِجَامة والكَنْسِ والحِياكةِ وغير ذلك، وسبيل عمارة الدنيا، غيرُ سبيل عمارة الآخرة، من تلطيفِ السر بالتقوى، وتنويرِ الروح بالعلم والهدى، ألا ترى الى قوله تعالى في الحديث القدسي: "حديث : إني جعلتُ معصية آدمَ سبباً لِعِمارة العالَم" تفسير : وفي الحديث: "حديث : ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". تفسير : وقد اوردنا هذه المعاني والدلائل في تفسير سورة السجدة، عند قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة:13]. ومن تأمل في وضع الدنيا وأسبابها، علم أن التعيّش لا يتصور إلاّ بأن يكون أكثر الناس غليظي الطبائع، دنيّي الهمم، بعيدين عن تذكّر الدار الآخرة، وعالم الملكوت، كما دلَّت عليه آيات كثيرة في هذا الباب كقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف:103] وقوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف:106] وكقوله: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}تفسير : [الأعراف:179] الآية. وكقوله: {أية : وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [النحل:83]. وكقوله: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون:70]. وقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يونس:60]. وكلُ مَن توجَّه بقلبه إلى الدنيا، سهَّل الله له طريقَها، ومن توجَّهُ سِرُّهُ إلى الآخرة وعالم الملكوت، سهَّل الله له سبيلَها، وكلٌ ميسَّر لِمَا خُلِق له، ومآلُ طالبِ الدنيا إلى الجحيم، ومآلُ طالبِ الآخرة إلى النعيم، من كان لله كان الله له، ومن كان للدنيا كانت الدنيا سبيله ومبتغاه ومولاه: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء:115].
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ} بدخول النّار او بالعذاب {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} وفى الخبر المذكور انّه قال: ممّن لا يقرّون بولاية علىٍّ امير المؤمنين (ع) والائمّة من بعده (ع) {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} بولاية علىّ (ع) بالبيعة على يده او ايدى خلفائه (ع)، وفى ذلك الخبر انّه قال بولاية امير المؤمنين (ع) والاوصياء من بعده فلمّا لم يقرّوا كانت عقوبتهم ما ذكر الله.
الهواري
تفسير : قال: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ}. يعني لقد سبق القول على أكثرهم أي: من لا يؤمن منهم. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} أي: فهم فيما تدعوهم إليه من الهدى بمنزلة الذي في عنقه الغل، فهو لا يستطيع أن يبسط يده، أي: أنهم لا يقبلون الهدى، والمقمح، فيما ذكروا عن عبد الله بن مسعود? الذي غُلَّت يده إلى عنقه. وقال بعضهم: الأذقان: الوجوه، أي: غلّت يده فهي عند وجهه. وتفسير الحسن: المقمح: الطامح ببصره الذي لا يبصر موطئ قدمه، أي: حيث يطأ؛ أي: لا يبصر الهدى. وقال مجاهد: رافعو رؤوسهم وأيديهم موضوعة على أفواههم. قال: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} ذكروا عن عكرمة قال: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال: ما صنع الله فهو سَد، وما صنع ابن آدم فهو سُد]. وقد قالوا: (أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) تفسير : [فصّلت: 5] أي: فلا نبصر ما تقول. قال: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي: الهدى. وهذا كلّه كقوله: {وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} فلا يبصر الهدى بالكفر الذي عليه. قال: (أية : فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ) تفسير : [الجاثية: 23] أي: لا أحد يهديه بعد أن يضلّه الله بفعله. وبعضهم يقول: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} أي: ما كان عليه آباؤهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي: من خلف آبائهم {سَدّاً} يعنيهم؛ وهو تكذيبهم بالبعث. {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يعني ظلمة الكفر بكفرهم، {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي: لا يبصرون الهدى.
اطفيش
تفسير : {لقد حق القول} وجب العذاب أو لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. {على أكثرهم} وهم الذين قضي الله أنهم لا يؤمنون. كما قال عز وعلا {فهم لا يؤمنون} أي لأنهم قضى الله عليهم انهم لا يؤمنون.
اطفيش
تفسير : {لَقَد حقَّ} والله لقد صح وثبت {القَولُ} قولنا: "أية : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" تفسير : [هود: 119، السجدة: 13] وقولنا: "أية : لأملأن جهنم منك" تفسير : [ص: 85] الخ، وهذا: أولى من تفسير القول بعلم الله عز وجل أو بقضائه {عَلى أكْثَرهم} هم تبعة إبليس كما قال الله عز وجل: "أية : لأملأن جهنَّم منك وممن تبعك منهم أجمعين" تفسير : ص: 85] متعلق بحق كقوله تعالى: " أية : إن الذين حقت عليهم" تفسير : [يونس: 96] الخ، ويجوز على ضعف تعليق على بالقول، أى حق الكلام على أكثرهم بالسوء وهو العذاب، وتفسير حق القول بحق دين الله بالبرهان، ووجه قوله تعالى: {على أكثرهم} أنه حجة عليهم مهلكة، إذ لم يعلموا بها. {فَهُم} أى الأكثر {لا يُؤمنون} أى بسبب حق القول عليهم، مع اختيارهم، فليس إجبارا إذ لا يخفى أن المكلف قادر على ترك المعصية وعلى فعلها، فيختار فعلها وعلمه تعالى بأنه يختارها أزلى، ولا يخفى عنه شى ء، فاختيارى إياه أتابع لعلمه تعالى به، وان شئت فقل علمه تابع لاختياره، بمعنى أنه لا إجبار على كل حال مع أن اختياره مخلوق الله تعالى أيضا.
الالوسي
تفسير : {لَقَدْ حَقَّ } جواب لقسم محذوف أي والله لقد ثبت ووجب {ٱلْقَوْلِ } الذي قلته لإبليس يوم قال: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] وهو {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }تفسير : [هود: 119] {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } متعلق بحق. والمراد سبق في علمي دخول أكثرهم فيمن أملأ منهم جهنم وهم تبعة إبليس كما يشير إليه تقديم (الجنة) على (الناس) وصرح به قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [ص: 85]. ولا مانع من أن يراد بالقول لكن المشهور ما تقدم، وظاهر كلام الراغب أن المراد بالقول علم الله تعالى بهم ولا حاجة إلى التزام ذلك، وقيل: الجار متعلق بالقول ويقال قال عليه إذا تكلم فيه بالشر، والمراد لقد ثبت في الأزل عذابـي لهم، وفيه ما فيه، ويؤيد تعلقه بحق قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [يونس: 96]، ونقل / أبو حيان أن المعنى حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل عليهم السلام من التوحيد وغيره وبان برهانه وهو كما ترى. {فَهُمُ } أي الأكثر {لاَ يُؤْمِنُونَ } بإنذارك إياهم، والفاء تفريعية داخلة على الحكم المسبب عما قبله فيفيد أن ثبوت القول عليهم علة لتكذيبهم وكفرهم وهو علة له باعتبار سبق العلم بسوء اختيارهم وما هم عليه في نفس الأمر فإن علمه تعالى لا يتعلق بالأشياء إلا على ما هي عليه في أنفسها ومآله إلى أن سوء اختيارهم وما هم عليه في نفس الأمر علة لتكذيبهم وعدم إيمانهم بعد الإنذار فليس هناك جبر محض ولا أن المعلوم تابع للعلم. وقال بعضهم: الفاء إما تفريعية وكون ثبوت القول علة لعدم إيمانهم مبني على أن المعلوم تابع للعلم وإما تعليلية مفيدة أن عدم الإيمان علة لثبوب القول بناءً على أن العلم تابع للمعلوم، ولا يلزم الجبر على الوجهين، أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن العلم ليس علة مستقلة عند القائل بذلك بل لاختيارهم وكسبهم مدخل فيه فتأمل والتفريع هو الذي أميل إليه.
ابن عاشور
تفسير : هذا تفصيل لحال القوم الذين أُرسل محمد صلى الله عليه وسلم لينذرهم، فهم قسمان: قسم لم تنفع فيهم النذارة، وقسم اتبعوا الذكر وخافوا الله فانتفعوا بالنذارة. وبيَّن أن أكثر القوم حقت عليهم كلمة العذاب، أي عَلِم الله أنهم لا يؤمنون بما جَبَل عليه عقولهم من النفور عن الخير، فحقق في علمه وكَتب أنهم لا يؤمنون، فالفاء لتفريع انتفاء إيمان أكثرهم على القول الذي حق على أكثرهم. و{حَق}: بمعنى ثبت ووقع فَلا يقبل نقضاً. و{القول}: مصدر أريد به ما أراده الله تعالى بهم فهو قول من قبيل الكلام النفسي، أو مما أوحى الله به إلى رسله. والتعريف في {القول} تعريف الجنس، والمقول محذوف لدلالة تفريعه عليه. والتقدير: {لقد حق} القول، أي القول النفسي وهو المكتوب في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون فهم لا يؤمنون.
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن القول في قوله: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ}، وفي قوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [فصلت: 25] الآية. وفي قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} تفسير : [القصص: 63] الآية. وفي قوله تعالى: {أية : وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [يس: 70]. وقوله تعالى: {أية : فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} تفسير : [الصافات: 31] والكلمة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 96ـ97] وفي قوله تعالى: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71] أن المراد بالقول والكلمة أو الكلمات على قراءة، (حقت عليهم كلمات ربك) بصيغة الجمع، هو قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119] و [السجدة: 13] كما دلت على ذلك آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى في آخر سورة هود: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 118ـ119] وقوله تعالى في السجدة: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13]. وقوله تعالى: في أخريات ص: {أية : قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 84ـ85]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} يدلّ على أن أكثر الناس من أهل جهنم، كما دلّت على ذلك آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [هود: 17] و [الرعد: 1] و [غافر: 59]، {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103]، {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات: 71]، {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء:8و 67و 103و 121و 174و 190]. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116] الآية. وبيّنا بالسنة الصحيحة في أول سورة الحج: أن نصيب النار من الألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وأن نصيب الجنة منها واحد.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - لَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِنَا الأَزَلِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَخْتَارُونَ الإِيْمَانَ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بَرَسُولِهِمْ، فَوَافَقَ وَاقِعُهُمْ مَا عَلِمْنَاهُ عَنْهُمْ، فَلَنْ يُؤْمِنُوا. لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ - لَقَدْ ثَبَتَ وَوَجَبَ العِقَابُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى سطَّر أزلاً كلَّ ما يكون من مُسْتقبِلي أيِّ دعوة دينية المؤمنين بها والكافرين، لكنه سبحانه ترك للناس الاختيار، وكَوْنه تعالى يسجل ما سيحدث من الناس، ثم يأتي الحدث منهم وفْق ما سجَّل، هذا يعني أن ما قاله قديماً حقٌّ. والقرآن يقول مرة {حَقَّ ٱلْقَوْلُ} [يس: 7]، ومرة {أية : سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [هود: 40]، ومرة {أية : وَقَعَ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [النمل: 82]. وكلها تدل على أن ما سبق في علم الله من الإخبار عن مختار اختار الهدى أو الضلال مُسجَّل عنده تعالى، وهو حق كما أخبر الله به، ولو كان العبد غير مختار لَقُلْنا: إن الله قهره على ما أراد، لكنه مختار. والحق سبحانه له طلاقة القدرة وطلاقة العلم، فلعلمه تعالى بما سيكون سجل وكتب، وقد أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن أبي لهب: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} تفسير : [المسد: 1] فقد كان بوسع أبي لهب حين سمع هذه الآية أنْ ينطق بكلمة الإيمان ولو نفاقاً، وله إذن أنْ يتهم القرآن وأنْ يُكذِّبه، لكنه لم يفعل وظَلَّ على كفره حتى صَدَق فيه إخبار الله مع أنه مختار. كذلك في قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8] وعجيب منهم بعد أنْ فضحهم القرآن، وأخبرهم بما يدور في نفوسهم ألاَّ يؤمنوا به، وألاَّ يسألوا أنفسهم مَنِ الذي أخبر محمداً بما في نفوسنا، ولو لم يكُنْ منهم هذا القول في أنفسهم بالفعل لواجهوا محمداً، ولقالوا: لم يحدث منا هذا. لذلك الذين أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع إخباره بمغيبات لا تقع عليها عقول البشر أنكروا رسالته، ولكنهم أرادوا أن يُثبتوا له فوق الرسالة أنه إله يخبر بالشيء قبل حدوثه، فهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنا رسول وهم يريدونه إلهاً. القول السابق وقع على هؤلاء؛ لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم يكذبون ويعاندون {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] لذلك يقولون: إن للملائكة تعجباً، قالوا: وما تعجُّب الملائكة. قالوا: ساعة تقع في كون الله حركةٌ يجدون خبرها عندهم في الكتاب، فيقولون: ما أعلم ربنا وأقدره، يعني: ما أخبر الله به، وقع كما أخبر تماماً، مع أن العباد لهم حرية الاختيار. ولما حاول الفلاسفة عَرْض هذه المسألة: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين ترك الأمر للمكلَّف بالاختيار؛ لأن الإنسان نفسه قَبِل أنْ يكون مختاراً لم يلزمه الله بشيء، على خلاف السماوات والأرض والجبال، فقد رفضتْ هذا الاختيار، واخترت أن تكون مُسخَّرة لله، مقهورة لإرادته سبحانه. يقول تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. إذن: الحق سبحانه خَيّر الجميع فأبت السماوات والأرض والجبال، أما الإنسان فقد اغترَّ بعقله وذكائه وتصرفه في الأمور، فَقَبِل الاختيار، فحكم الله عليه بأنه ظلوم وجهول، ظلوم لأنه ظلم نفسه بتحمُّل الأمانة، وجهول لأنه ضمن وقت التحمل، ولم يَضمن وقت الأداء، فالعاقل هو الذي ينظر إلى وقت أداء الأمانة، لا إلى وقت تحمُّلها. فلو جاءك صديق يُودِع لديك مبلغاً من المال كأمانة لحين الحاجة إليه، فمن السهل أنْ تقبل هذا المبلغ وفي نيتك أداؤه عندما يطلبه صاحبه، لكنك لا تضمن أنْ تتغير ظروفك فتحتاج إليه، أو تتغير ذمتك، أو غير ذلك مما يطرأ على الإنسان. إذن: فجهل الإنسان هنا أنه أغفل وقت الأداء، وظُلْمه لنفسه أنه جَرَّ عليها مَا لا تقدر عليه؛ لأن شهوات نفسه لا بُدَّ أن تُلح عليه، ولا بُدَّ أنْ تُوقِعه في المخالفة. قالوا: إن العالم كله محكوم بأمرين: بمشهود، وغيب، ومن عجيب الأمر أن المشهود هو الدليل على الغيب، يعني خُذْ مما تراه دليلاً على ما لا تراه؛ لذلك حين نريد أنْ نربي في الناس الإيمانَ بالله نلفت أنظارهم إلى ملكوت السماوات والأرض: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [فصلت: 37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [فصلت: 39]. وبعد أنْ تتأمل في ملكوت الله وآياته في كونه فتؤمن به يعطيك قضايا أخرى لا يتسع لها عقلك، لماذا؟ لأنه سبحانه يريد للإيمان به عنصرين: أنْ تؤمن بالمشهد، وأن تسلم إذا آمنت بالمشهد على وجود حق، وهو الحق واجب الوجود، فتسمع منه سبحانه، فإنْ أخبرك بشيء لم يتسع له عقلك فاقبله من باطن الإيمان به. فإنْ قال لك إن الصراط مثلاً أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف فلا تنكر، وإنْ كان عقلك لا يتسع لإدراكها، لأن الذي قالها الله المشرع. فأنت أخذتَ من المشهد دليل الغيب وهو الله، وأخذتَ من دليل الغيب وهو الله إيمانك بأشياء لا يعقلها عقلك، فكأن المشهد والغيب عليهما مَدار الإيمان وغيره. فمطلوبات التديُّن إما مطلوبات من القلب، أو مطلوبات من الجوارح، أو مطلوبات من اللسان. فالقلب مطلوب منه العقيدة بأنْ يؤمن بواجب الوجود، وأنه واحد، وأن يؤمن بأنه لا بُدَّ أن يبلغني منهج حياتي؛ لأنه هو الذي خلقني وأنا صنعته، والصانع هو الذي يحدد قانون الصيانة لما صنع، وقانون الصيانة لا يكون إلا بالبلاغ. والحق سبحانه لا يكلم الخلْق واحداً واحداً، إنما يصطفي لهذه المهمة - مهمة البلاغ عنه سبحانه - مَنْ يشاء من الملائكة ومن البشر، فالمصطفى من الملائكة يبلغ المصطفى من البشر، والمصطفى من البشر يبلغ بقية الناس؛ لذلك ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية في ثلاث وعشرين سنة، ولو أن كل واحد انتظر أنْ يكلمه الله مباشرة لاستغرقتْ تربية الأمة أكثر من ذلك بكثير. إذن: البلاغ عن الله ضرورة من ضرورات وجود الله، وإلا إذا كان الله موجوداً فأنت لا تعرف أنه سبحانه واحد، أو أن له شريكاً، أنت بنفسك لا تعرف هذه المسألة، لا بُدَّ من رسول يخبرك: عن الله، عن اسمه، وعن صفاته، وعن مراده منك. لذلك الذين يعبدون الشمس أو القمر أو الشجر أو الحجر أبلغ رد عليهم أنْ نقول لهم أولاً: ما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لمعبوده في أمره ونَهْيه، فنقول: ماذا قالتْ لكم الشمس؟ بِمَ أمرتكم؟ وعن أيِّ شيء نهتْكم؟ ماذا أعدَّت لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها؟ إذن: هذه آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، فهي إذن باطلة مردودة. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال، قُلْنا: لو أن طارقاً طرق علينا الباب، لا بُدَّ أننا جميعاً سنلتقي في فكرة واحدة، هي أن طارقاً بالباب يريد الدخول، إنما لا أحد منا يعرف مَنْ هو؟ ولا لماذا أتى؟ ولا من أين، أهو بشير أم نذير؟ هذه أمور لا بد أننا سنختلف فيها. إذن: علينا أن نقف عند الحد الذي نتفق عليه، وهو أن طارقاً بالباب، ونترك لهذا الطارق أن يُعبِّر هو عن نفسه، فنقول: مَنْ أنت؟ فيقول: أنا فلان جئت لكذا وكذا. كذلك الحق سبحانه يكفي أنْ تستدل من صُنْع الكون العجيب أن له صانعاً عالماً قادراً حكيماً، له كل صفات الكمال، لكن مَنْ هو؟ وما مراده منك؟ هذه مهمة الرسول المبلِّغ عن الله. لذلك، فإن خيبة الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقُّل واجب الوجود سبحانه، بل أرادوا أنْ يتصوروا واجب الوجود، هذا هو خطؤهم، ولو وقفوا عند التعقُّل لكان كافياً، ثم تقول لمن تعقلته: من أنت؟ وماذا تريد مني؟ ماذا أعددتَ لي إنْ أطعتُك؟ وماذا تفعل بي إنْ عصيتُك؟ وعندها يرسل لك رسولاً يجيبك على كل هذه الأسئلة. هذا هو مطلوب التديُّن القلبي، وهو الاعتقاد بوجود إله واجب الوجود، واحد أحد، وأنه يرسل الرسول ليبلغ عنه، وهذا الرسول صادق في البلاغ مُؤيَّد بمعجزة، هذه مسألة عقلية واضحة. وبعد أنْ آمنتَ بهذه العقلية الواضحة المشهودة يخبرك بأشياء غيبية لا دليلَ عليها، كالإخبار مثلاً عن الجنة وصفاتها، وأنك ستتمتع فيها وتأكل دون أن تتغوط .. إلخ هذه كلها مسائل يقف العقل أمامها، لكن مَنْ أخبرك بها؟ الله الذي صدقك فيما شاهدتَ، وسبق أنْ آمنتَ به ووثقتَ بكلامه. ثم يأتي دور مطلوبات الجوارح، فالإله الذي آمنتَ به لا بُدَّ أنْ تكون على اتصال دائم به سبحانه؛ لذلك شرع لك الصلوات الخمس، وفيها دوام الولاء لله. لكن، لماذا جعلها خمس صلوات؟ قالوا: كانت خمسين لتستوعب كل الزمن يعني: خمسين تُوزَّع على أربع وعشرين ساعة، بمعدل صلاة كل نصف ساعة، ومن رحمة الله بنا أنْ جعلها خمساً في العمل، وخمسين في الأجر، ومع ذلك يملّ الناس منها. وأذكر أننا ونحن في الحرم، كنا نصلي الظهر مثلاً، وسرعان ما يُؤذَّن للعصر، فلا نتمكن من الجلوس في الحرم والتأمل فيه، والنكتة المشهورة في هذا المقام أن الشيخ أحمد رحمه الله كان كثيراً ما يُذكِّر واحداً منا بالصلاة (قوم يا واد صلي). فقال له: يا شيخ أحمد (احنا جايين نحج، مش جايين نصلي). إذن: نقول جُعِلَتْ الصلاة خمساً لتستوعب كل اليوم والليلة، ولتحقق استدامة الولاء لله تعالى، ثم أنت في الصلاة نفسها تجد هذه ركعتين، وهذه ثلاثاً، وهذه أربعاً دون أنْ يعي عقلُك الحكمة من العدد هنا، ويكفي أن تقول هنا إن الله هو الذي شرعها كذلك وتقف. ثم أنت لا تعيش في المجتمع بمفردك، بل مع أناس، منهم الضعيف، ومنهم الفقير والمحتاج، وهؤلاء لا بُدَّ أنْ يعيشوا كما تعيش أنت، فعليك أن تُعينهم بالزكاة أو الصدقة. ثم شرع لك الصيام، وهو عبادة تُعوِّدك ألاَّ تعصي الله وتُبعدك عن المخالفة، حتى تصير الاستقامة عادةً مُتأصِّلة فيك، والله يريد أنْ يستديم في التكاليف حرارة العبادة، لا إِلْفَ العادة؛ لذلك يأتي إلى ما أحلَّه لك في شعبان، ويمنعه عنك في رمضان. كذلك في اللسان الذاكر الناطق بالكلمات، هناك في القرآن كلام تفهمه، وكلام يقف أمامه عقلك، ففواتح السور مثلاً كلها مما تقف فيه العقول، والباقي مما تتفتَّح فيه العقول وتفهمه؛ لأن هناك فرقاً بين مَنْ يُقبل على الشيء لتعقله، ومَنْ يُقبل على الشيء بدون تعقُّل، ولكن لأن الآمر أمر به. وسبق أنْ ضربنا مثلاً قُلْنا: هَبْ أن سيداً في بيته وعنده عمال، فقال لواحد منهم: انقل هذا الحجر من مكانه إلى مكان آخر فقال: لا أقدر وحدي، وسوف أستعين بزميل لي، فقال: إن تحته مالاً هو لك، عندها سيكافح وحده لنقْل الحجر، إذن: نقله للعلة أم للأمر؟ للعلة، والإيمان لا يكون كذلك، الإيمان لا يكون لعلة، إنما انصياعاً للأمر. فالمعنى: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ} [يس: 7] يعني: وجب وثبت وجاء كما سجلناه عليهم، وقوله {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} [يس: 7] يعني: ليس عليهم جميعاً، وهذا كما قلنا سابقاً احتياط للواقع، وهو دليل على أن منهم مؤمنين، ولو رجلاً واحداً، وهذا الاحتياط من القرآن نسميه "صيانة الاحتمال". وقوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] إخبار يدل على حيثيات هذا الإخبار. ثم يقول سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):