٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أنهم لا يؤمنون بين أن ذلك من الله فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا } وفيه وجوه أحدها: أن المراد إنا جعلناهم ممسكين لا ينفقون في سبيل الله كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء:29] والثاني: أن الآية نزلت في أبـي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد، فرآه ساجداً فأخذ صخرة ورفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده ويده بعنقه. والثالث: وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وفيه مسائل: المسألة الأولى: هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام؟ نقول الوجه الأول: له مناسبة وهي أن قوله تعالى: {أية : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [يس: 7] يدخل فيه أنهم لا يصلون كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة على ما بينا فكأنه قال لا يصلون ولا يزكون، وأما على الوجه الثاني فمناسبة خفية وهي أنه لما قال: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } تفسير : [يس: 7] وذكرنا أن المراد به البرهان قال بعد ذلك بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من إرسال الحجر وهو يضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلاً والتفسير هو الوجه الثالث. المسألة الثانية: قوله: {فَهِيَ } راجعة إلى ماذا؟ نقول فيها وجهان أحدهما: أنها راجعة إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة ولكنها معلومة لأن المغلول تكون أيديه مجموعة في الغل إلى عنقه وثانيهما: وهو ما اختاره الزمخشري أنها راجعة إلى الأغلال، معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطىء رأسه. المسألة الثالثة: كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فنقول المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن خلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبـي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعاً كالمغلول الذي يجعل ممنوعاً من إبصار الطريق الحسي، ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطىء رأسه ولا يحركه تحريك المصدق، ويصدق هذا قوله: {مُّقْمَحُونَ } فإن المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبـي يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة وكأنه تعالى قال: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهم مقمحون لا يخضعون الرقاب لأمر الله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحاً، ولهذا قال تعالى: {فَهُم مُّقْمَحُونَ} والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أم زرع في كلامها: وأشرب فأتقمح، أي: أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئاً وتروياً، واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين؛ كما قال الشاعر:شعر : فما أَدري إذا يَمَّمْتُ أَرْضاً أُريدُ الخَيْرَ أَيُّهما يَلِيني أألخيرُ الذي أنا أَبْتَغيهِ أَمِ الشَّرُّ الذي لا يَأْتَليني؟ تفسير : فاكتفى بذكر الخير عن الشر، لما دل الكلام والسياق عليه، وهكذا هذا، لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِىۤ أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ} قال: هو كقوله عز وجل: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : [الإسراء: 29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد: {فَهُم مُّقْمَحُونَ} قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} قال مجاهد: عن الحق، {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. وقوله تعالى: {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ} أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي: لا ينتفعون بخير، ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ: {فأعشيناهم} بالعين المهملة من العشا، وهو داء في العين، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96 ــــ 97] ثم قال: من منعه الله تعالى، لا يستطيع. وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً، لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: {إِنَّا جَعَلْنَا فِىۤ أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً} ــــ إلى قوله ــــ {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} قال: وكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصره، رواه ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه، كنتم ملوكاً، فإذا متم، بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه، كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ: {يسۤوَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} ــــ حتى انتهى إلى قوله تعالى. ــــ {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، وباتوا رصداء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: مالكم؟ قالوا: ننتظر محمداً، قال: قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه تراباً، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي جهل فقال: «حديث : وأنا أقول ذلك، إن لهم مني لذبحاً، وإنه أحدهم».تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَءَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} أي: فقد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار، ولا يتأثرون به، وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96 ــــ 97] {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر، وهو القرآن العظيم، {وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي: حيث لا يراه أحد إلا الله تبارك وتعالى، يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعل {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} أي: لذنوبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي: كثير واسع حسن جميل؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الملك: 12] ثم قال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق؛ كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الحديد: 17]. وقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} أي: من الأعمال، وفي قوله تعالى: {وَءَاثَارَهُمْ} قولان: (أحدهما) تكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضاً، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ كقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً» تفسير : رواه مسلم من رواية شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وفيه قصة مجتابي النِّمار المضريين، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى ابن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة عن عبدالملك بن عمير عن المنذر بن جرير عن أبيه، فذكره. وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده»تفسير : ، وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} قال: ما أورثوا من الضلالة. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} يعني: ما أثروا، يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيراً، فلهم مثل أجورهم لاينقص من أجر من عمل به شيئاً، وإن كانت شراً، فعليهم مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً، ذكرهما ابن أبي حاتم، وهذا القول هو اختيار البغوي. (والقول الثاني) أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد: {مَاَ قَدَّمُواْ} أعمالهم، {وَءَاثَارَهُمْ} قال: خطاهم بأرجلهم، وكذا قال الحسن وقتاده: {وَءَاثَارَهُمْ} يعني: خطاهم. وقال قتادة: لو كان الله عز وجل مغفلاً شيئاً من شأنك يابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره، وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى، فليفعل. وقد وردت في هذا المعنى أحاديث: (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «حديث : إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟» تفسير : قالوا: نعم يارسول الله قد أردنا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم»تفسير : ، وهكذا رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة، واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، عن جابر رضي الله عنه به. (الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي سفيان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن آثاركم تكتب» تفسير : فلم ينتقلوا، تفرد بإخراجه الترمذي عند تفسيره هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به، ثم قال: حسن غريب من حديث الثوري، ورواه ابن جرير عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن طريف ــــ وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي ــــ عن أبي نضرة به. وقد روي من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فأقاموا في مكانهم. وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم. (الحديث الثالث) قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فقالوا: نثبت مكاننا، هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع. ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل، عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فثبتوا في منازلهم. (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: توفي رجل في المدينة، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال «حديث : يا ليته مات في غير مولده»تفسير : ، فقال رجل من الناس: ولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة»تفسير : ، ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب عن حيي بن عبد الله به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين عن ثابت قال: مشيت مع أنس رضي الله عنه، فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويداً، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب؟ وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} أي: وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور، مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين ههنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتاده وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذا في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} تفسير : [الإسراء: 71] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر، كما قال عز وجل: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [الزمر: 69] وقال تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}تفسير : [الكهف: 49].
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنٰقِهِمْ أَغْلَٰلاً } بأن تضم إليها الأيدي لأنّ الغل يجمع اليد إلى العنق {فَهِىَ } أي الأيدي مجموعة {إِلَى ٱلأَذْقَانِ } جمع ذقن وهي مجتمع اللحيين {فَهُم مُّقْمَحُونَ } رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإِيمان ولا يخفضون رؤوسهم له.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِِهِمْ أَغْلاَلاً} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول من التصرف، قاله يحيى بن سلام. الثاني: ما حكاه السدي أن ناساً من قريش ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءوا يريدون ذلك فجعلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يداً. الثالث: أن المراد به جعل الله سبحانه لهم في النار من الأغلال في أعناقهم ويكون الجعل ها هنا مأخوذاً من الجُعالة التي هي الأجرة كأن جعالتهم في النار الأغلال، حكاه ابن بحر. وفي قوله: {فِي أَعْنَاقِهِمْ} قولان: أحدهما: في أيديهم، فكنى بالأعناق عن الأيدي لأن الغُل يكون في الأيدي، قاله الكلبي، وحكى قطرب أنها في قراءة ابن عباس: {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِم أَغْلاَلاً} الثاني: أنها في الأعناق حقيقة، لأن الأيدي تجمع في الغل إلى الأعناق، قاله ابن عباس {فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ} فيه وجهان: أحدهما: إلى الوجوه فكنى عنها بالأذقان لأنها منها، قاله قتادة، أي قد غلت يده عند وجهه. الثاني: أنها الأذقان المنحدرة عن الشفة في أسفل الوجه لأن أيديهم تماسها إذا علت. {فَهُم مُّقْمَحُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: رفع رؤوسهم ووضع أيديهم على أفواههم، قاله مجاهد. الثاني: هو الطامح ببصره إلى موطىء قدمه، قاله الحسن. الثالث: هو غض الطرف ورفع الرأس مأخوذ من البعير المقمح وهو أن يرفع رأسه ويطبق أجفانه في الشتاء إذا ورد ماء كريهاً، حكاه النقاش. وقال المبرد، وأنشد قول الشاعر: شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح تفسير : الرابع: هو أن يجذب ذقنه إلى صدره ثم يرفعه مأخوذ من القمح وهو رفع الشيء إلى الفم، حكاه عليّ بن عيسى وقاله أبو عبيدة. قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني ضلالاً، قاله قتادة. الثاني: سداً عن الحق، قاله مجاهد. الثالث: ظلمة سدت قريشاً عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا لقتله قاله السدي. قال عكرمة: ما صنع الله تعالى فهو السُدُّ بالضم، وما صنع الإنسان فهو السد بالفتح. {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: فأغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى، قاله يحيى بن سلام، ومعنى قول مجاهد. الثاني: فأغشيناهم بظلمة الليل فهم لا يبصرون محمداً صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا على قتله، قاله السدي، ومحمد بن كعب. قوله عز وجل: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكرَ} يعني القرآن. {وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ} فيه وجهان: أحدهما: ما يغيب به عن الناس من شر عمله، قاله السدي. الثاني: ما غاب من عذاب الله وناره، قاله قتادة. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} لذنبه. {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لطاعته، وفيه وجهان: أحدهما: أنه الكثير. الثاني: الذي تنال معه الكرامة. قوله عز وجل: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} فيه وجهان: أحدهما: نحييهم بالإيمان بعد الكفر، قاله الضحاك. الثاني: بالبعث للجزاء، قاله يحيى بن سلام. {ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ما قدموا هو ما عملوا من خير أو شر، وآثارهم ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، قاله سعيد بن جبير. الثاني: ما قدموا: أعمالهم، وآثارهم: خطاهم إلى المساجد، قاله مجاهد. روى سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: {إنَّا نَحْنُ نُحِيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلَمْ يَنتَقِلُوا ". تفسير : ويحتمل إن لم يثبت نقل هذا السبب تأويلاً ثالثاً أن آثارهم هو أن يصلح من صاحبهم بصلاحهم، أو يفسد بفسادهم. {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} فيه وجهان: أحدهما: علمناه. الثاني: حفظناه. {في إمَامٍ مُّبِينٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: اللوح المحفوظ، قاله السدي. الثاني: أم الكتاب قاله مجاهد. الثالث: معناه طريق مستقيم، قاله الضحاك.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَغْلالاً} شبّه امتناعهم من الهدى بامتناع المغلول من التصرف، أو همَّت ظائفة منهم بالرسول صلى الله عليه وسلم فغُلّت أيديهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يداً {فِى أَعْنَاقِهِمْ} عبّر عن الأيدي بالأعناق لأن الغل يكون في الأيدي، أو أراد حقيقة الأعناق لأن الأيدي تجمع بالأغلال إلى الأعناق "ع" {إِلَى الأَذْقَانِ} مجتمع اللحيين والأيدي تماسها، أو عَبَّر بها عن الوجوه لأنها منها {مُّقْمَحُونَ} المقمح الرافع رأسه الواضع يده على فيه، أو الطامح ببصره إلى موضع قدميه "ح" أو غض الطرف ورفع [الرأس مأخوذ] من [البعير] المقمح وهو الذي يرفع رأسه ويطبق أجفانه في الشتاء إذا ورد ماء، أو أن يجذب ذقنه إلى صدره ثم يرفعه من القمح وهو رفع الشيء [إلى الفم].
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً} الآية. قال مكي: قيل: هي حقيقةٌ في الآخِرَة إذا دخلوا النار. وقال ابن عباس وغيره: الآيةُ استعارةٌ لِحالِ الكَفَرَةِ الذين أرادوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بسوءٍ، فجعلَ اللَّهُ هذهِ مثَلاً لَهُمْ في كَفِّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُ ومَنْعِهم مِنْ إذَايَتِهِ حينَ بَيَّتُوهُ. وقالتْ فرقة: الآيةُ مُسْتَعَارَةُ المعانِي مِنْ مَنْعِ اللَّه تعالى إيَّاهم مِنَ الإيمَانِ، وَحَوْلِه بَيْنَهم وبَيْنَه، وهذا أرجح الأقوال، و«الغُلُّ»: ما أحاط بالعُنق على معنى التَّثْقِيفِ والتَّضْيِيقِ والتَّعْذِيبِ. وقوله: {فَهِىَ} يحتملُ أنْ تَعُودَ على الأغلالِ، أي: هي عريضة تبلَغُ بحرفِها الأذقَانَ، والذَّقَنُ: مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَيَضْطَرُّ المغلولُ إلى رفع وجههِ نحو السماء، وذلك هو الإقْمَاحُ، وهو نحوُ الإقْنَاعِ في الهيئة. قال قتادة: المقمح: الرافعُ رأسه، ويحتملُ: وهو قول الطبري أنْ تَعُودَ (هي) على الأيْدِي؛ وذلك أن الغُلَّ إنما يكونُ في العُنُقِ مَعَ اليَدَيْنِ، ورُوِي أن في مصحف ابن مسعودٍ وأُبيِّ «إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ» وفي بعضها «في أَيْدِيهِمْ»، وأرَى الناسَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ الإقْمَاحَ فَجَعَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ لَحْيَيْهِ وأَلْصَقَهُمَا وَرَفَعَ رَأْسَهُ، وقرأ الجمهورُ: «سُدَّا» ـــ بِضَمِّ السينِ في الموضعين ـــ، وقرأ حمزةُ والكسائي وغيرُهما (سَدَّا) ـــ بفتح السين ـــ، فقيل: هما بمعنًى، أي: حائلاً يَسُدُّ طَريقَهم، وقال عكرمةُ: مَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُه البَشرُ فهو بالضَّمِّ، وما كان خِلْقَةً فهو بالفَتْحِ، ومعنى الآية: أن طريقَ الهُدَى سُدَّ دُونَهم.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً} تقريرٌ لتصميمهم على الكُفرِ وعدم ارعوائِهم عنه بتمثيلِ حالِهم بحال الذين غُلَّتْ أعناقُهم {فَهِيَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ} أي فالأغلالُ منتهيةٌ إلى أذقانِهم فلا تدعُهم يلتفتونَ إلى الحقِّ ولاَ يَعطفونَ أعناقَهم نحوَه ولا يُطأطئونَ رؤوسَهم له {فَهُم مُّقْمَحُونَ} رافعونَ رؤوسَهم غاضُّون أبصارَهم بحيثُ لا يكادُون يَروَن الحقَّ أو ينظرُون إلى جهتِه {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} إمَّا تتَّمةٌ للتَّمثيل وتكميلٌ له أي تكميلٍ أي وجعلنا مع ما ذُكر من أمامهم سَدَّاً عظيماً ومن ورائهم سَدَّاً كذلك فغطَّينا بهما أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرونَ على إبصارِ شيءٍ ما أصلاً وإمَّا تمثيلٌ مستقلٌّ فإنَّ ما ذُكر من جعلهم محصورينَ بـين سَدَّينِ هائلين قد غطَّيا أبصارَهم بحيث لا يُبصرون شيئاً قطعاً كافٍ في الكشف عن كمال فظاعةِ حالِهم وكونِهم محبوسين في مطمورةِ الغيِّ والجهالاتِ محرومين عن النَّظرِ في الأدلَّةِ والآياتِ وقُرىء سُدَّاً بالضمِّ وهي لغةٌ فيه، وقيل ما كان من عمل النَّاسِ فهو بالفتحِ وما كان من خلقِ الله فبالضمِّ. وقُرىء فأعشينَاهم من العَشَا. وقيل الآيتانِ في بني مخزومٍ وذلك أنَّ أبا جهلٍ حلف لئِن رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي ليرضخنَّ رأسَه فأتاه وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصلِّي ومعه حجرٌ ليدمغَه فلَّما رفع يدَه انثنتْ يدُه إلى عنقِه ولزق الحجرُ بـيده حتَّى فكُّوه عنها بجهدٍ فرجع إلى قومه فأخبرَهم بذلك فقال مخزوميٌّ آخرُ أنا أقتلُه بهذا الحجرِ فذهب فأَعمى الله تعالى بصرَهُ. {وَسَوَآء عَلَيْهِمْ أَءنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} بـيانٌ لشأنِهم بطريق التَّصريحِ إثرَ بـيانِه بطريق التَّميلِ أي مستوٍ عندهم إنذارُك إيَّاهم وعدمُه حسبما مرَّ تحقيقُه في سورةِ البقرةِ وقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ} استئنافٌ مؤكِّدٌ لما قبله مبـيِّنٌ لما فيه من إجمالِ ما فيه الاستواءُ أو حالٌ مؤكِّدةٌ له أو بدلٌ منه ولما بُـيِّن كونَ الإنذارِ عندهم كعدمِه عقب ببـيانِ من يتأثَّر منه فقيل {إِنَّمَا تُنذِرُ} أي إنذاراً مستتبعاً للأثر {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ} أي القُرآنَ بالتَّامُّلِ فيه أو الوعظِ ولم يصرَّ على اتِّباعِ خُطُوات الشَّيطانِ {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي خافَ عقابَه وهو غائبٌ عنه على أنَّه حالٌ من الفاعلِ أو المفعولِ أو خافَه في سريرتِه ولم يغترَّ برحمتِه فإنَّه منتقمٌ قهَّار كما أنَّه رحيمٌ غَفَّار كما نطق به قولُه تعالى: { أية : نَبّىء عِبَادِى أَنّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [سورة الحجر: الآية 49] {فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} عظيمةٍ {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لا يُقادر قدرُه. والفاء لترتيب البشارةِ أو الأمرِ بها على ما قبلها من اتِّباعِ الذِّكرِ والخشيةِ.
القشيري
تفسير : سَنَجُرُّهُم إلى هوانهم وصغرهم، وسنذيقهم وبالَ أمرهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {جعلنا} خلقنا او صيرنا {فى اعناقهم} جمع بالفارسية [كردن] والضمير الى اكثر اهل مكة {اغلالا} عظيمة ثقالا جمع غل بالضم وهو ما يشد به اليد الى العنق للتعذيب والتشديد سواء كان من الحديد او غيره. وقال القهستانى الغل الطوق من حديد الجامع لليد الى العنق المانع عن تحرك الرأس. وفى المفردات اصل الغلل تدرع الشئ وتوسطه ومنه الغلل للماء الجارى مختص بما يقيد به فيجعل الاعضاء وسطه وغل فلان قيد به. وقيل للبخيل هو مغلول اليد قال تعالى {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم} تفسير : انتهى. {فهى الى الاذقان} الفاء للنتيجة او التعقيب. والاذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين بالفارسية [زنخدان] اى فالاغلال منتهية الى اذقانهم بحيث لا يتمكن المغلول منها من تحرك الرأس والالتفات: وبالفارسية [بس آن غلها وزنجيرها ييوسته شده بزنخدا نهاى ايشان ونمى كذارندكه سرها بجنبانند] ووجه وصول الغل الى الذقن هو اما كونه غليظا عريضا يملأ ما بين الصدر والذقن فلا جرم يصل الى الذقن ويرفع الرأس الى فوق واما كون طوق الغل الذى يجمع اليدين الى العنق بحيث يكون فى ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة يدخل فيها رأس العمود الواصل بين ذلك الطوق وبين قيد اليد خارجا عن الحلقة الى الذقن فلا يخليه يحرك رأسه {فهم مقمحون} رافعون رؤسهم غاضون ابصارهم فان الاقماح رفع الرأس الى فوق مع غض البصر يقال قمح البعير قموحا فهو قامح اذا رفع رأسه عند الحوض بعد الشرب اما لارتوائه او لبرودة الماء او لكراهة طعمه واقمحت البعير شددت رأسه الى خلف واقمحه الغل اذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه. قال بعضهم لفظ الآية وان كان ماضيا لكنه اشارة الى ما يفعل بهم فى الآخرة كقوله تعالى {وجعلنا الاغلال فى اعناق الذين كفروا} الآية ولهذا قال الفقهاء كره جعل الغل فى عنق عبده لانه عقوبة اهل النار. قال الفقيه ان فى زماننا جرت العادة بذلك اذا خيف من الاباق بخلاف التقييد فان غير مكروه لانه سنة المسلمين فى المتمردين هذا والجمهور على ان الآية تمثيل لحال الاكثر فى تصميمهم على الكفر وعدم امتناعهم عنه وعدم التفاتهم الى الحق وعدم انعطاف اعناقهم نحوه بحال الذين غلت اعناقهم فوصلت الاغلال الى اذقانهم وبقوا رافعين رؤسهم غاضين ابصارهم فهم ايضا لا يلتفتون الى الحق ولا يعطفون اعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤسهم له ولا يكادون يرون الحق او ينظرون الى جهته. وقال الراغب قوله فهم مقمحون تشبيه بحال البعير ومثل لهم وقصد الى وصفهم بالتأبى عن الانقياد للحق وعن الاذعان لقبول الرشد والتأبى عن الانفاق فى سبيل الله انتهى: وفى المثنوى شعر : كفت اغلالا فهم به مقمحون نيست آن اغلال برما از برون بند بنهان ليك ازآهن را بتر بند آهن را كند باره بتر بند آهن را توان كردن جدا بند غيبى نداند كس دوا مرد را زبنور اكر نيشى زند طبع او آن لحظة بر دفعى تند زخم نيش اما جوازهستئ تست غم قوى باشد نكردد درد ست تفسير : قال النقشبندى هى اغلال الامانى والآمال وسلاسل الحرص والطمع بمزخرفات الدنيا الدنية وما يترتب عليها من اللذات الوهمية والشهوات البهيمة
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ثم مثّل تَصْمِيمَهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى تعليمهم وإرشادهم بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ}. الضمير للأغلال، لأن طوقَ الغِلّ في عنق المغلول، يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن، حلقةٌ فيها رأس عمود خارجاً منها إلى الذقن، فلا يتمكن معه من خفض رأسه أو قذاله. {فَهُم مُّقْمَحُونَ} [8]: رافعون رؤوسهم، وغاضّون أبصارَهم، من "قَمَحَ البعيرُ" إذا رَوِيَ ورفع رأسه، وقيل للكانونَيْنِ: "شهرا قِماح" لأن الإبلَ إذا وَرَدَتِ الماءَ فيهما رَفَعَتْ رأسها لشدة بَرْدِهِ. ومنهم من جعل الضمير للأيدي على سبيل الكناية، وإن لم تكن مذكورة، لدلالة الأغلال والأعناق عليها، وذلك، لأن الغِلّ يَجْمَعُ اليد إلى الذقن والعنق، ولا يجمع العنق إلى الذقن، وأكَدَ ذلك بما روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قرءا: (إنّا جعلنَا في أَيْمانِهم أغلالاً) وبقراءة بعضهم: (في أيديهم). ورجح الأول بقوله: (فهم مقمحون)، حيث جعل الإقماح نتيجة ما ذكر، وإلاّ لَمْ يكن للسببية وجه ظاهر، وبأن الإضْمارَ ضَرْبٌ من التعسف، وعدولٌ عن الظاهر، وعلى الوجهين لا يتفاوت المعنى، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق. والمقصود، تمثيل حال الجهلة الناقصين الكافرين، أو المعاندين والمنافقين، المعرضين عن العلم واليقين، والحكمة والدين، في إعراضهم عن استماع كلام أهل الحق، بِرَجُلٍ غُلَّتْ يداه إلى عنقه، لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير، وهو إشارة إلى قصور القوى العملية، التي هي بمنزلة اليد اليسرى لها، عن فعل الخيرات، وترك اللذات، وَبِرَجُلٍ طامحٍ برأسه لا يبصر مواطيء قدمه، وهو إشارة إلى استنكاف النفس العسوفة الجحودة العنودة، المحجوبة بفطانتها البَتْراء، المغترة ببصيرتها العمشاء عن قبول التعلم، والاستكبار عن الحق، والاغترار بالعقل الجزئي، وذلك لأن المستكبر عند استكباره، يكون رافعاً رأسه، لاوياً عنقَه، شامخاً بأنفه، لا ينظر إلى الأرض. وإنما أضاف الجعل إلى نفسه، إمّا لأن عند تلاوة النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن عليهم، ودعوته إيّاهم، صاروا بهذه الصفة، فهو مثل قوله: {أية : حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي}تفسير : [المؤمنون:110]. وإما لأن الموجِدَ لهذه النفس الشقية الجاهلة، التي كفرت بأنعم الله، إنما خلقها لأجل تعمير هذه الدنيا الفانية، واستخدامها لأمور حيوانية، وهو مما يستتبع لأوصاف وأخلاقٍ ذميمة، وهيئات رديئة، ينشأ منها هذه الحالات عند سماع الآيات، لأنها ما خُلِقَتْ لأجل السعادة الأخروية، بل خُلِقَتْ لأشياء أُخَر، لو لم تكن هي لوقع الضرر في أشياء شريفة، رُوعي جانبُها ولفتها (لمها) فافهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً} هى صور اعمالهم او جزاء اعمالهم بناءً على تجسّم الاعمال وجزاء العامل بصورة اخرى اخرويّة مناسبة لصورة الاعمال المجسّمة، والاتيان بالماضى امّا لتحقّق وقوعه او للاشارة الى انّ الاغلال تكون فى اعناقهم فى الدّنيا لكن مداركهم خدرة لا يدركونها وذلك انّ الاغلال الاخرويّة مأخوذة من الاخلاق الدّنيويّة وهى فى الدّنيا محيطة بهم وفى الآخرة تظهر بصورة الاغلال {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} لسعتها واحاطتها بجميع ابدانهم {فَهُم مُّقْمَحُونَ} اقمح الغلّ الاسير، ترك رأسه مرفوعاً لضيقه.
اطفيش
تفسير : {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} الغل ما يربط به شبه الله سبحانه خذلانهم وعدم توفيقهم للإيمان بربط أيديهم مثلا إلى أعناقهم فهم مصممون على الكفر لا تؤثر فيهم الآيات. {فهي} أي الاغلال. {إلى الأذقان} أي منتهية إلى الأذقان جمع ذقن وهو اسفل اللحيين، يعني أن الأغلال ملئت أعناقهم، وانتهت الى الأذقان فمنعتهم من ان يطأطئوا برؤوسهم لعظمها أو كثيرة ليها أو بحلقتها الثانية التي يكون فيها العمود وهذا ترشيح للتشبيه المذكور او تمثيل اخر لعدم تطأطئهم للايمان. وقال الطبري: الضمير للأبدي لأن الغل يجمع اليد إلى العنق وفيه بعد لأنه خلاف الظاهر ولأن الأقماح يناسب المعنى الاول وقرا ابن عباس انا جعلنا في أيديهم، وابن مسعود في ايمانهم. {فهم مقمحون} مرفوعة رؤوسهم بسبب الاغلال مغضوضة ابصارهم لا يلتفتون نحو الحق ولا يميلون بأعناقهم اليه وهذا تصريح بما دل عليه فهي إلى الأذقان ويجوز ان يراد بالأقماح مطلق التكبر والترفع عن الإيمان وفسر على الأقماح بأن الصق يديه تحت لحييه ورفع رأسه.
اطفيش
تفسير : {إنَّا جَعَلنا في أعْناقهم} جمع عنق بضم العين والنون، أو بضمها وإسكان النون، أو بضمها وفتح النون، جمع قلة للكثرة لا جمع عنيق {أغلالا} عظيمة هائلة جمع غل بالضم للقلة أريد به الكثرة، وهو ما تجمع به اليد أو اليدان الى العنق تضييقا وتعذيبا، ولذلك يسمى جامعة، وقد يطلق الغل على ما يربط به اليدان وحدهما، أو اليد وحدها، أو العنق وحدها، أو غير ذلك من الأعضاء، أو متعدد، وصح المعنى بلا تأويل بالقلب، بأن الأصل أعناقهم فى أغلال، لأن المعنى فى أعناقهم مع اليدين، أو اليد للتعذيب. {فَهِي} أى الأغلال، والفاء للتفريع أى أغلالا عظيمة حتى أنها بلغت الأذقان، أو لمجرد التعقيب، على أن التنوين والتنكير فى أغلال ليس للتعظيم {إلى الأذقان} المعهودة، إذ لا بد لهم من الأذقان، أو أل نائب عن المضاف اليه، أى الى أذقانهم متعلق بمحذوف جوازا، لأنه كون خاص، أى منتهية الى الأذقان، ولم ينتقل اليه ضمير منتهية، لأنه ينتقل من الكون العام، والجمع للقلة مراد به الكثرة، والمفرد ذقن بفتح الذال والقاف وهو مجتمع أسف اللحيين {فَهُم} بسبب انتهائها الى الأذقان بتضييق {مُقْمَحون} مرفوعة وجوههم الى فوق بربط عمود تحت اللحيين، وليس غض البصر شرطا فيه، وقيل هى عائد الى الأيدى المعلومة من ذكر الأعناق والأغلال معا كما دل ذكر الخير على الشر فى قوله: شعر : وما أدرى إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يلينى تفسير : أى أى واحد من الخير والشر، وصرخ بهما فى عقبة فى قوله: شعر : الخير الذى أنا ابتغيه أم الشر الذى لا يأتينى تفسير : فإقماح وجوههم للتضييق على الأذقان بالأيدى، والفاء سببية، وذلك كله ظاهر إلا أن فيه إلغاء الظاهر، وإرجاع الضمير الى غير الظاهر.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ } جمع عنق بالضم وبضمتين وهو الجيد ويقال عنيق كأمير وعنق كصرد {أَغْلَـٰلاً } جمع غل بالضم وهو على ما قيل ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، وفي «البحر» الغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة. وذكر الراغب أنه ما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه، وأصله من الغلل تدرع الشيء وتوسطه ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر وقد يقال له الغيل، وكأن في الكلام عليه قلباً أي جعلنا أعناقهم في أغلال كما تقول جعلت الخاتم في أصبعي أي جعلت أصبعي في الخاتم، وجوز أن يكون على حد {أية : لأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ }تفسير : [طه: 71] والتنوين للتعظيم والتهويل أي أغلالاً عظيمة هائلة، وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة مما يؤيد ذلك. {فَهِىَ} أي الأغلال كما هو الظاهر {إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } جمع ذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما، وأل للعهد أو عوض عن المضاف إليه والظرف متعلق بكون خاص خبر هي أي فهي واصلة أو منتهية إلى أذقانهم، والفاء للتفريع، وقيل: لمجرد التعقيب بناءً على عدم حمل التنوين على التعظيم والتهويل. وقوله تعالى: {فَهُمُ مُّقْمَحُونَ} نتيجة {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } فالفاء تفريعية أيضاً، والمقمح على ما في «النهاية» الذي يرفع رأسه ويغض بصره وكأنه أراد المجهول بحيث يرفع الخ. وقال أبو عبيدة: يقال قمح البعير قموحاً إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب والجمع قماح، ومنه قول بشر يصف سفينة أخذهم الميد فيها:شعر : ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح تفسير : وقال الليث: هو رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكريه ثم يعود، ومنه قيل للكانونين شهرا قماح بضم القاف وكسرها لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رؤوسها لشدة برده، وقال الراغب: القمح رفع الرأس لسف الشيء المتخذ من القمح أي البر إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج إلى حين الاكتناز ثم يقال لرفع الرأس كيفما كان قمح، وقمح البعير رفع رأسه وأقمحت البعير شددت رأسه إلى خلف، وقيل: المقمح الذي يجذب ذقنه حتى يصير في صدره ثم يرفع، وقال مجاهد: القامح الرافع الرأس الواضع يده على فيه، وقال الحسن: هو الطامح ببصره إلى موضع قدمه، وظاهره يقتضي أن يكون هناك نكس للرأس والمعروف في القمح الرفع، ووجه التفريع / أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء ويوطىء قذاله فلا يزال مقمحاً لا سيما إذا كان الغل عظيماً، وقال ابن عطية: إن الأغلال عريضة تبلغ بحروفها الأذقان أي فيحصل القمح، وكلام ابن الأثير يشعر أن القمح لضيق الغل، وإن أريد جعلنا في كل من أعناقهم أغلالاً كان أمر القمح أظهر وأظهر، وقال البغوي والطبري والزجاج والطبرسي: ضمير هي للأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى لأن الغل يتضمن العنق واليد ولذلك سمي جامعة وما يكون في العنق وحده أو في اليد وحدها لا يسمى غلاً فمتى ذكر مع العنق فاليد مرادة أيضاً ومتى ذكر مع اليد كما في قراءة ابن عباس {فَى أَيْدِيهِمْ أَغْلَـٰلاً } وفي قراءة ابن مسعود {فِى أَيْمَـٰنِهِمْ أَغْلَـٰلاً } فالعنق مراد أيضاً، وهذا ضرب من الإيجاز والاختصار ونظير ذلك قول الشاعر:شعر : وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا يأتليني تفسير : حيث ذكر الخير وحده وقال أيهما أي الخير والشر، وقد علم أن الخير والشر يعرضان للإنسان، واختار الزمخشري ما تقدم ثم قال: والدليل عليه قوله تعالى: {فَهُم مُّقْمَحُونَ } ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الأقماح ظاهراً على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج اهـ. وصاحب «الانتصاف» أراد الانتصار للجماعة فقال: يحتمل أن يكون الفاء في {فَهُم مُّقْمَحُونَ } للتعقيب كسابقه أو للتسبب فإن ضغط اليد مع العنق يوجب الإقماح لأن اليد تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن رافعة لها ولأن اليد إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول فربما يتحيل بها على فكاك الغل فيكون منبهاً على انسداد باب الحيلة اهـ. قال صاحب «الكشف»: والجواب أنه لا فخامة للتعقيب المجرد، ثم إن ما ذكره الزمخشري وقد أشرنا إليه نحن فيما سبق مستقل في حصول الإقماح فأين التعقيب، وبه خرج الجواب عن التسبب، وقوله ولأن اليد الخ لا يستقل جواباً دون الأولين اهـ، وعلى العلات رجوع الضمير إلى الأغلال هو الحري بالاعتبار وبلاغة الكتاب الكريم تقتضيه ولا تكاد تلتفت إلى غيره.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { أية : لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } تفسير : [يس: 7] فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على مَا تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلاً. والجعل: تكوين الشيء، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، فيجوز أن يكون تمثيلاً بأن شُبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإِسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين، أي الرافعين رؤوسهم الغاضِّين أبصارهم لا يلتفتون يميناً ولا شِمالاً فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية. وذِكر {فهي إلى الأذقان} لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطاطىء رأسه وجِعَه ذقنه فلازم السكون وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة. وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأَغلال، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإِنصاف بالإِقماح. فالفاء في قوله: {فهي إلى الأذقان} عطف على جملة {جعلنا في أعناقهم أغلالاً}، أي جعلنا أغلالاً، أي فأبلغناها إلى الأذقان. والجعل: هنا حقيقة وهو ما خلق في نفوسهم من خلق التكبر والمكابرة. والأغلال: جمع غُلّ بضم الغين، وهو حلقة عريضة من حديد كالقلادة ذات أضلاع من إحدى جهاتها وطرفين يقابلان أضلاعهما فيهما أثقاب متوازية تشد الحلقة من طرفيها على رقبة المغلول بعمود من حديد له رأس كالكرة الصغيرة يسقط ذلك العمُود في الأثقاب فإذا انتهى إلى رأسه الذي كالكرة استقرّ ليمنع الغُلّ من الانحلال والتفلّت، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وأولئك الأغلال في أعناقهم } تفسير : في سورة الرعد (5). والفاء في قوله: {فهم مقمحون} تفريع على جملة {فهي إلى الأذقان}. والمقمَح: بصيغة اسم المفعول المجعول قامحاً، أي رافعاً رأسه ناظراً إلى فوقه يقال: قمحه الغُلّ، إذا جعل رأسه مرفوعاً وغضّ بصره، فمدلوله مركب من شيئين. والأذقان: جمع ذَقَن بالتحريك، وهو مجتمع اللحيين. وتقدم في الإِسراء. ويجوز أن يكون قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} الخ وعيداً بما سيحلّ بهم يوم القيامة حين يساقون إلى جهنم في الأغلال كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون } تفسير : في سورة غافر [71، 72]، فيكون فعل {جعلنا} مستقبلاً وعبر عنه بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه كقوله تعالى: { أية : أتى أمر اللَّه } تفسير : [النحل: 1]، أي سنجعل في أعناقهم أغلالاً.
الشنقيطي
تفسير : الأغلال: جمع غلّ وهو الذي يجمع الأيذي إلى الأعناق، والأذقان: جمع ذقن وهو ملتقى اللحيين، والمقمح بصيغة اسم المفعول، هوالرافع، رأسه. والسد بالفتح والضم: هو الحاجز الذي يسدّ طريق الوصول إلى ما وراءه. وقوله: {فَأغْشَيْنَا} أي جعلنا على أبصارهم الغشاوة، وهي الغطاء الذي يكون على العين يمنعها من الإبصار، ومنه قوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} تفسير : [البقرة: 7] وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23]. وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص: شعر : هويتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها تفسير : والمراد بالآية الكريمة: أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علم الله المذكورين في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7] صرفهم الله عن الإيمان صرفاً عظيماً مانعاً من وصوله إليهم، لأن من جعل في عنقه غلّ، وصار الغل إلى ذقنه، حتى صار رأسه مرفوعاً لا يقدر أن يطأطئه، وجعل أمامه سدّ، وخلفه سدّ وجعل على بصره الغشاوة لا حيلة له في التصرف، ولا جلب نفع لنفسه، ولا في دفع ضرّ عنها، فالذين أشقاهم الله بهذه المثابة لا يصل إليهم خير. وهذا المعنى الذي دّلت عليه هذه الآية من كونه جلّ وعلا يصرف الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه عن الحق ويحول بينهم وبينه، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الكهف: 57] وقوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} تفسير : [البقرة: 7] وقوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23] وقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنعام: 125] وقوله تعالى: {أية : ومَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } تفسير : [الأعراف: 186] وقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 41]. وقوله تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [النحل: 108] وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} تفسير : [هود: 20]. وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} تفسير : [الكهف: 101] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدمنا أن هذا الطبع والختم على القلوب وكذلك الأغلال في الأعناق، والسدّ من بين أيديهم ومن خلفهم، أن جميع تلك الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب أن الله إنما جعلها عليهم بسبب مسارعتهم، لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك، بطمس البصائر والختم على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار، لأن من شؤم السيئات أن الله جلّ وعلا يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشرّ، والحيلولة بينه وبين الخير جزاه الله بذلك على كفره جزاء وفاقاً. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155] فالباء سببية، وفي الآية: تصريح منه تعالى أن سبب ذلك الطبع على قلوبهم هو كفرهم، وكقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [المنافقون: 3] ومعلوم أن الفاء من حروف التعليل: أي فطبع على قلوبهم بسبب كفرهم ذلك، وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]. وقوله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] وقوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقد دلّت هذه الآية على أن شؤم السيئات يجرّ صاحبه إلى التمادي في السيئات، ويفهم من مفهوم مخالفة ذلك، أن فعل الخير يؤدي إلى التمادي في فعل الخير، وهو كذلك كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69] وقوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن: 11] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم: أن قول من قال من أهل العلم: إن معنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً} أن المراد بذلك الأغلال، التي يعذبون بها في الآخرة كقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 71ـ72] خلاف التحقيق، بل المراد بجعل الأغلال في أعناقهم وما ذكر معه في الآية هو صرفهم عن الإيمان والهدى في دار الدنيا كما أوضحنا وقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: {سَدّاً} بالفتح في الموضعين، وقرأه الباقون بضم السين، ومعناهما واحد على الصواب. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْناقِهِمْ} {أَغْلاَلاً} (8) - إِنَّا جَعَلْنَا هَؤُلاَءِ الذِينَ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ مِنَ الأَشْقِيَاءِ لاَ يُؤْمِنُونَ، كَمَنْ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ قَيْدٌ (غِلٌّ)، فَجُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ تَحْتَ ذَقْنِهِ، فَصَارَ مُقْمَحاً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطأطِئَ رَأَسَهُ، وَهَكَذَا فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مَغْلُولُونَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ نَافِعٍ. المُقَمَحُ - الرَّافِعُ رَأْسَهُ إِلَى الأَعْلَى وَهُوَ غَاضُّ البَصَرِ. الأَغْلاَلُ - قُيُودٌ تُشَدَّ بِهَا الأَيْدِي إِلَى الأَعْنَاقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعطينا الحق سبحانه في هذه الآية تصويراً لحال هؤلاء الكافرين المعرضين عن اتباع الحق، فيقول: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} [يس: 8] الأغلال: مفردها غل، وهو الحديدة التي تمسك اليد وتشدّها تحت الذقن، وحين تشد اليد تحت الذقن ترتفع الرأس إلى أعلى، وبالتالي يرتفع مستوى النظر إلى أعلى، فلا يكاد يرى الإنسانُ طريقه، ولا يهتدي إلى موضع قدمه. وهذه الصورة واضحة أيضاً في معنى كلمة {مُّقْمَحُونَ} [يس: 8] المقمح: مأخوذ من إبل قماح، وقماح الإبل أنها حين تذهب لشرب الماء تغرف منه، ثم ترفع رءوسها إلى أعلى. قال بعضهم: إن هذه صورة رسمها الحق سبحانه لمن غَلَّ يده عن الصدقة وعن الإنفاق، كذلك تُغَلُّ يده إلى عنقه يوم القيامة، بحيث يؤثر هذا الغُلُّ في مساره الذي بنى عليه حركة حياته، والحق سبحانه يوازن دائماً بين ما فعله المستحق للجزاء والجزاء، فالجزاء من جنس العمل. ومثال ذلك قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 34] هذا هو العمل، فما الجزاء {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 35]. هذه مواضع ثلاثة من الإنسان: الجِبَاه، والجُنُوب، والظُّهور جاءت بهذا الترتيب لتطابق تماماً ما فعله صاحب المال الذي كنز ماله وضَنَّ به على الفقير، فقد كان الفقير يأتيه فيلوى عنه جبهته ويعطيه جَنْبه، ثم يدير له ظهره وينصرف عنه، فجاء عذابهم على مقدار ما فعلوه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: فَهُم مُّقْمَحُونَ} [الآية: 8]. قال: يقول: رافعو رؤوسهم. وأَيديهم موضوعة على أَفواههم. يعني: أَغلالهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [الآية: 9]. يعني عن الحق فهم يترددون في الضلال.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} والأَذقانُ: مَجامعُ اللحى. والواحد: ذِقنٌ. وذقنُ الإنسانِ: مَجامعُ لحييهِ. والمُقمحُ: الرافعُ رَأسه. وكذلك المُقنعُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):