Verse. 3714 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَجَعَلْنَا مِنْۢ بَيْنِ اَيْدِيْہِمْ سَدًّا وَّمِنْ خَلْفِہِمْ سَدًّا فَاَغْشَيْنٰہُمْ فَہُمْ لَا يُبْصِرُوْنَ۝۹
WajaAAalna min bayni aydeehim saddan wamin khalfihim saddan faaghshaynahum fahum la yubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا» بفتح السين وضمها في الموضعين «فأغشيناهم فهم لا يبصرون» تمثيل أيضا لسدّ طرق الإيمان عليهم.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : يكون متمماً لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل والإيمان المورث للإيقان. إما باتباع الرسول أولاً فتلوح له الحقائق ثانياً وإما بظهور الأمور أولاً واتباع الرسول ثانياً، ولا يتبعون الرسول أولاً لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانياً، ولا يظهر لهم الحق أولاً لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانياً وفيه وجه آخر: وهو أن يقال المانع، إما أن يكون في النفس، وإما أن يكون خارجاً عنها، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما في النفس فالغل، وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت:53] وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنـٰقِهِمْ } تفسير : [يس: 8] {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق، وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } مسائل: المسألة الأولى: السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة ومن بين أيديهم سداً فلا يقدرون على السلوك، وأما السد من خلفهم، فما الفائدة فيه؟ فنقول الجواب عنه من وجوه الأول: هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول: جعلنا من بين أيديهم سداً فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية {وجعلنا من خلفهم سداً} فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية الثاني: هو أن الإنسان مبدأه من الله ومصيره إليه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من المصير إلى الله ولا ما خلفه من الدخول في الوجود بخلق الله الثالث: هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ } إشارة إلى إهلاكهم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟ فنقول ذلك من وجهين أحدهما: أن يكون ذلك بياناً لأمور مترتبة يكون بعضها سبباً للبعض فكأنه تعالى قال: {إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذٍ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله: وجعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئاً أصلاً وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريباً منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئاً، أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريباً من العين جداً. المسألة الثالثة: ذكر السدين من بين الأيدي ومن خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟ فنقول، أما على قولنا إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر، وأما على غير ذلك فنقول بما ذكر حصل العموم والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة، لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً ووجه آخر: أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للإغشاء كان السد ملتزقاً به وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال وقوله تعالى: {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد، فيظن أنه على الطريقة المستقيمة، وغير ضال.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ولم يصل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أقتله بهذا الحجر. فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية. وقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ٱبنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، يراصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه؛ فخرج عليهم عليه السلام وهو يقرأ «يس» وفي يده تراب فرماهم به وقرأ: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} فأطرقوا حتى مرّ عليهم عليه السلام. وقد مضى هذا في سورة «سبحان» ومضى في «الكهف» الكلام في «سَدًّا» بضم السين وفتحها وهما لغتان. {فَأغْشَيْنَاهُمْ} أي غطينا أبصارهم؛ وقد مضى في أول «البقرة». وقرأ ٱبن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر «فأعشيناهم» بالعين غير معجمة من العَشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال: شعر : متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الزخرف: 36] الآية. والمعنى متقارب، والمعنى أعميناهم؛ كما قال:شعر : ومن الحوادثِ لا أَبَالَكَ أَنّني ضُرِبتْ عليّ الأرضُ بالأَسْدَادِ لا أهتدي فيها لموضعِ تَلْعَةٍ بين العُذَيْبِ وبينَ أرضِ مُرَادِ تفسير : {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي الهدى؛ قاله قتادة. وقيل: محمداً حين ائتمروا على قتله؛ قاله السدي. وقال الضحاك: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} أي الدنيا {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} أي الآخرة؛ أي عَمُوا عن البعث وعَمُوا عن قبول الشرائع في الدنيا؛ قال الله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}تفسير : [فصلت: 25] أي زيّنوا لهم الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة. وقيل: على هذا «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا» أي غروراً بالدنيا «وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا» أي تكذيباً بالآخرة. وقيل: «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» الآخرة «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» الدُّنْيَا. {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تقدّم في «البقرة» والآية ردّ على القَدَرية وغيرهم. وعن ٱبن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلان القَدَريّ فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقَدَر؛ فقال: يكذبون عليّ يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }تفسير : [الإنسان: 2 ـ 3] قال: ٱقرأ يا غيلان فقرأ حتى ٱنتهى إلى قوله: {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} فقال ٱقرأ فقال: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أنّ هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان ٱقرأ أوّل سورة «يۤس» فقرأ حتى بلغ {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم؛ ٱشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. قال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبته، وإن كان كاذباً فسلّط عليه من لا يرحمه وٱجعله آية للمؤمنين؛ فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ٱبن عون: فأنا رأيته مصلوباً على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز. قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} يعني القرآن وعمل به. {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي ما غاب من عذابه وناره؛ قاله قتادة. وقيل: أي يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وٱنفراده بنفسه. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} أي لذنبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي الجنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } بفتح السين وضمها في الموضعين {فَأغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تمثيل أيضاً لسد طرق الإِيمان عليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَدّاً} عن الحق، أو ضلالاً، أو ظلمة منعتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم لما هموا به. قيل: ا لسُّد بالضم ما صنعه الله وبالفتح ما صنعه الناس. {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} بظلمة الكفر {فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} الهدى، أو بظلمة الليل فهم لا يبصرون الرسول صلى الله عليه وسلم لما هموا بقتله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [الآية: 9]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} وهو طول الأمل وطمع البقاء {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} فهو الغفلة عما سبق منه من الجنايات وقلة الندم والاستغفار عليه، أعماه تردده فى الغفلات عن الاعتذار لما سبق منه من الجنايات.

القشيري

تفسير : أغرقناهم اليومَ في بحار الضلالة وأحْطنا بهم سرادقات الجهالة. وفي الآخرة سنُغْرِقُهم في النار والأنكال، ونضيِّقُ عليهم الحال، بالسلاسل والأغلال. {فَأغْشَيْنَاهُمْ}: أعميناهم اليومَ عن شهود الحُجَّة، ونُلَبِّسُ في الآخرة سبيلَ المَحَجَّة، فَيتَعَثَّرُون في وَهَدَاتِ جهنم داخرين، ويبقون في حُرُقَاتها مهجورين، مطرودين ملعونين، لا نَقْطَعُ عنهم ما به يُعَذَّبُون، ولا نَرْحمهم مما منه يَشْكُون؛ تَمَادَى بهم حِرْمانُ الكفر، وأحاطت بهم سرادقاتُ الشقاء، وَوقعت عليهم السِّمَةُ بالفراق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} سد ما خلفهم سد قهر الازل وسد ما بين ايديهم شقاوة الا به----- منهم من نفسه لا جرم انهم فى غشاوات الغيرة ولا يبصرونه ابدا قال ابن عطا من بين ايدهم سال او ------وطمع البقاء ومن خلفهم سد اوهم الغفلة عما سبق منه من الجنايات وقلة الندم والاستغفار عليه اعماه تردده فى الغفلات عن الاعتذار لما سبق منه من الجنايات وقال الاستاذ غرقناهم اليوم فى بحار الضلالة واحطنا بهم سرادقات الجهالة وفى الأخرة تغرقهم فى النار والاتكال ويضيق عليهم الحال بالسلاسل والاغلال.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجعلنا} اى خلقنا لهم من كمال غضبنا عليهم وصيرنا {من بين ايديهم} [از بيش روى ايشان] {سدا} [ديوارى وحجابى] قرأه حفص بالفتح والباقون بالضم وكلاهما بمعنى. وقيل ما كان من عمل الناس بالفتح وكان من خلق الله بالضم {ومن خلفهم} [از بس ايشان] {سدا} [برده ومانعى] {فاغشيناهم} [الاغشاء: بربو شانيدن وكور كردن] والمضاف محذوف والتقدير غطينا ابصارهم وجعلنا عليها غشاوة وهو ما يغشى به الشئ: وبالفارسية [بس بيوشيديم جشمهاى ايشانرا] {فهم لا يبصرون} الفاء داخلة على الحكم المسبب عما قبله لان من احاطه السد من جميع جوانبه لا يبصر شيئا اذ الظاهر ان المراد ليس جهتى القدام والخلف فقط بل يعم جميع الجهات الا ان جهة القدام لما كانت اشرف الجهات واظهرها وجهة الخلف كانت ضدها خصت بالذكر. والآية اما تتمة للتمثيل وتكميل له أى تكميل اى وجعلنا مع ما ذكر من امامهم سدا عظيما سدا كذلك فغطينا بهما ابصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرون على ابصارهم شئ ما اصلا. واما تمثيل مستقل فان ما ذكر من جعلهم محصورين بين سدين هائلين قد غطينا بهما ابصارهم بحيث لا يبصرون شيئا قطعا كاف فى الكشف عن فظاعة حالهم وكونهم محبوسين فى مطمورة الغى والجهالات محرومين من النظر فى الادلة والايات. قال الامام المانع من النظر فى الآيات والدلائل قسمان. قسم يمنع من النظر فى الآيات التى فى انفسهم فشبه ذلك بالغل الذى يجعل صاحبه مقمحا لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه. وقسم يمنع من النظر فى آيات الآفاق فشبه بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا تتبين له الآيات التى فى الآفاق كما ان المقمح لا تتبين له الآيات التى فى الانفس فمن ابتلى بهما حرم من النظر بالكلية لان الدلائل والآيات مع كثرتها منحصرة فيهما كما قال تعالى {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم} تفسير : وقوله تعالى {أية : انا جعلنا فى اعناقهم} تفسير : مع قوله {وجعلنا من بين ايديهم} الخ اشارة الى عدم هدايتهم لآيات الله تعالى فى الانفس والآفاق [محققان كويند كه سد بيش طول املست وطمع بقا وسد عقب غفلت ازجنايات كذشته وقلت ندم واستغفار بروهركه اورا دوسد جنين احاطه كرده باشد هرآينه جشم او بوشيده باشد از نظردر دلائل قدرت ونه بيندر راه فلاح وهدايت] وفى المثنوى شعر : خلفهم سدا فاغشينا همو مى نه بيند بندرا بيش وبس او رنك صحرا درد آن سد كه خاست او نمى داند كه آن سر قضاست شاهد تو سد روى شاهداست مرشد تو كفت مرشداست تفسير : [وآوردند كه ابو جهل سوكند خورد بلات وعزى كه اكر ييغمبررا عليه السلام درنماز بيند سر مبارك او نعوذ بالله بشكند وعرب را ازو باز رهاند روزى ديد كه آن حضرت نماز مى كرد ودر حرم كعبه آن ملعون سنكى براداشت ونزد آن حضرت آمدوجون دست الا بردكه بروى زند دست اورا بجهد بسياراز كردن او دور كردند واين آيت يعنى {أية : انا جعلنا فى اعناقهم} تفسير : الخ آمدكه ما ايشانرا بازداشتيم جنانجه مغلولان ازكارها بازداشته شوند ومخزومى ديكر كه وليد بن مغيره است كفت من بروم وبدين سنك محمد را عليه السلام بكشم نعوذ بالله جون بنزديك آن حضرت آمد نابينا شد تاحس وآواز مى شنيد وكس را نديد] فرجع الى اصحابه فلم يرهم حتى نادوه واخبرهم بالحال فنزل فى حقه قوله تعالى {وجعلنا من بين ايديهم} الخ فيكون ضمير الجمع فى الآيتين على طريقة قولهم بنوا فلان فعلوا كذا والفاعل واحد منهم [وكفته اند اين آيت حرزى نيكوست كسى را كه ازدشمن ترسد اين آيت برروى دشمن خواند الله تعالى شر آن دشمن ازوى بازدارد دشمن را ازوى در حجاب كند جنانكه بارسول خدا كرد آن شب كه كافران قصدوى كردند بدر سراى وى آمدند تابر سروى هجوم برند رسول خدا على را رضى الله عنه برجاى خود خوابانيد وبيرون آمد وبايشان بركذشت واين آيت مى خواند {وجعلنا من بين ايديهم سدا} الخ ودشمنان اورا نديدند ودر حجاب بماندند رسو ل بركذشت وقصد مدينة كرد وآن ابتداى هجرت بود] كذا فى كشف الاسرار. وقال فى انسان العيون لما خرج عليه السلام من بيته الشريف اخذ حفنة من تراب ونثره على رؤس القوم عند الباب وتلا {يس والقرآن الحكيم} الى قوله {فاغشيناهم فهم لا يبصرون} فاخذ الله تعالى ابصارهم عنه عليه السلام فلم يبصروه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا تمثيل لحالهم، بحسب ما توجبه الأسباب والعلل الخارجية، كما أن الأول تمثيل لحالهم بحسب ما تؤدي إليه المبادئ والهيئات الداخلية، أي فَمَن هذه صفتهم في إعراضهم عن الحق، وتمردهم عن قبول الإيمان والهداية وسلوك الصراط المستقيم، فقد حلّ غضب الله عليهم وخذلانه إياهم، فكأنه قال: تركناهم مخذولين، وطردناهم ملعونين، بأسباب تدعوهم إلى طريق الشر والخذلان والطرد، إذ سدّ عليهم جوانبهم عن الوصول إلى دار النعيم، وضيق عليهم الطريق إلاّ إلى الجحيم، لأنهم أشقياء مردودون إلى أسفل سافلين، مقهورون بالقهر الإلهي لا ينجع فيهم الإنذار، ولا سبيل إلى خلاصهم من النار، {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس:33]. {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [غافر:6]. سُدَّتْ عليهم الطرقْ، وأُغلقت عليهم الأبوابُ، إذ القلب هو المشعر الإلهي، الذي هو محل الإلهام، فحُجِبُوا عنه بختمه وطبعه ورَيْنهِ، والسمع والبصر هما المشعران لإدراك الإنسان الكامل، خليفة الله في أرضه، وهما بابان للفهم والإعتبار، فحُرِموا عن جدواهما لطمس عيونهم، وصمم آذانهم، فلا يمكنهم الإنتفاع بهما، والاستعمال لهما فيما خلقا لأجله، لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى قلوبهم، فلا سبيل لهم في الباطن إلى العلوم الكشفية الإلهامية، ولا في الظاهر إلى العلوم التعليمية الكسبية الأدبية، فُسَّدتْ عليهم الطريقتان. فالسد الأول: الواقع من بين أيديهم، يوجب انسدادهم عن الوصول إلى عالم الآخرة، وعالم الغيب والباطن، الذي تتوجه إليه النفوس بحسب الفطرة بالموت الطبيعي. والسد الثاني: الواقع من خلفهم يوجب انسدادهم عن الانتفاع بعالم الأجسام، وصرف نعم الله، من الآلات والحواس الجسمانية فيما خُلِقَت لأجله، فحُبِسوا في سجون الظلمات، ووقعوا في شجون أودية الهوى والدركات، مُغَشَّون بأغشية الهيئات الرديّات، مُغَطَّون بأغطية الشواغل الماديات، ولذا قال: {فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي غطيناهم، وجعلنا على أبصارهم غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي، لأن شرط الرؤية مفقودة، لأنهم في حُجُب ثلاثة، وظلمات ثلاثة: عمى القلب أولاً، وعمى الشواغل والتعلقات ثانياً، وعمى الجحود والعناد ثالثاً، فما أعظم عذابهم وما أشد حجابهم، حيث قال الله فيهم، اعراضاً عنهم، وتسريحاً إيّاهم في مرتع الدواب خليعي العذار، وتسويةً بينهم وبين الأنعام السائمة بلا قيد وعقال.

الجنابذي

تفسير : {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} يعنى من جهة دنياهم او من جهة آخرتهم {سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} حتّى لا يبصروا من جهة دنياهم شيئاً يعتبروا به ولا من جهة آخرتهم {فَأغْشَيْنَاهُمْ} من جميع جوانبهم {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} قدّامهم وخلفهم ولا ايمانهم وشمائلهم لاغشائهم بالسّدّين، ولا يبصرون ما تحت اقدامهم لمنع الغلّ ذلك، ولا ما فوق رؤسهم لذلك، وذكر فى نزول الآية اشياء من اراد فليرجع الى المفصّلات.

الأعقم

تفسير : {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً}، قيل: سداً عن الحق، عن قتادة ومجاهد أي على جهة الذم حكمنا على أنهم بغير حق وبينهم وبين الحق سدَّاً، وقيل: أراد التشبيه أي كان بين أيديهم سداً يمنعهم من الايمان، وقيل: بل هو على حقيقته في القيامة وهو عبارة عن ضيق المكان في النار لا يجدون متقدماً ولا متأخراً {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} في النار، وقيل: معناه أنهم وإن انصرفوا عن الإِيمان والقرآن لزمهم ذلك حتى لا يتخلصون عنه {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي لا ينفع الانذار بهم {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب}، قيل: في حال غيبتهم عن الناس، وقيل: ما غاب عنه في أمر الآخرة {فبشِّره} يعني هؤلاء {بمغفرة} من الله {وأجر كريم} أي ثواب خالص {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا} من الأعمال {وآثارهم} مالهم، وقيل: أعمالهم التي صارت سنَّة بعد حسنا كان أو قبيحاً أو ما خلفوه من الأموال {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي كتاب مبين وهو اللوح المحفوظ {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية} يعني خبر القرية التي أهلكها الله تعالى بتكذيب الرسل، والقرية انطاكية {إذ جاءها المرسلون}، قيل: رسل عيسى، وقيل: هم رسل الله بعثهم إلى القرية، قال الحاكم: وهو الوجه، والذي قال جار الله: أنهم رسل عيسى وقد ذكره أيضاً في الحاكم إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان أرسل {اليهم اثنين}، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب يس، فسألهما فأخبراه، فقال: معكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض سنين فمسحا عليه فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفي على أيديهما خلق كثير، ورقى حديثهما إلى الملك فقال لهما الملك: ألكما إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك، فقال: حتى انظر في أمركما وتبعهما الناس فضربوهما، وقتل حبيباً فبعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك وأنس به، وقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين هل سمعت ما قالا؟ قال: لا حال بيني وبينهما الغضب، فدعاهما وقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال: صفاه وأوجزا، فقالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال: وما آيتكما؟ قالا: ما تمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين يُبصِر بهما، فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف؟ فقال: ليس لي عنك سرٌّ ان آلهتنا لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وكان شمعون يدخل معهم إلى الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبونه منهم، ثم قال: ان قدر إلهكما على إحياء ميّتاً آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال: إني دخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: فعرفتهم قال شمعون: وهذان، فتعجب الملك، فلما رأى شمعون أن كلامه قد أثر فيه نصحه وآمن وآمن قوم بإيمانه، ومن لم يؤمن صاح بهم جبريل فهلكوا، وقوله تعالى: {فعززنا} قوّينا {بثالث} وهو شمعون {فقالوا إنا إليكم مرسلون} يعني الرسل.

اطفيش

تفسير : {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} فهم بين سدين محيطين بهم من كل جهة فان ذكر امام ووراء كناية عن الاحاطة من كل جهة وليس المراد خصوص الجهتين وقرأ حمزة والكسائي وحفص بفتح السينين وهو لغة وقيل ما كان يفعل الناس فبالفتح وفيما كان بخلق الله بلا واسطة الناس فبالضم وعلى هذا القول ففي قراءة حمزة والكسائي وحفص تشبيه منع الله لهم عن الايمان بسوء اختبارهم لا بالقهر بجعل الناس السد المانع. وقال عكرمة: الفتح فيما كان بخلق الله والضم فيما كان من عمل الناس والمراد تشبيه خذلانهم وعدم توفيقهم بجعل السد الحائل بين شيئين. {فأغشيناهم} غطيناهم كلهم امصارهم وغيرهم وهذه مبالغة او المراد غطينا ابصارهم. وعن مجاهد: البسنا ابصارهم غشاوة وقرىء بالعين المهملة أي جعلناهم غشيا اي لا يبصرون ليلا هذا هو المعنى الحقيقي وتجوز به إلى عدم الابصار مطلقا ليلا او نهارا ثم جعل هذا كالحقيقة وتجوز به الى عدم الهداية هذا ما ظهر فهو مجاز بمرتبتين. {فهم لا يبصرون} سبيل الهدى وانت خبير بأن ذلك كله على سبيل التجوز في كل مما ذكر على حدة أو بعضه ترشيح او على سبيل التمثيل فيكون من المجاز المركب وهو اولى شبه حالهم بحال من هو في سجن لا يرى شيئا لظلمته وذلك ان جهلهم وسوء اختيارهم منعهم عن النظر في الآيات. وروي أن الآية نزلت في ابي جعل وصاحبه المخزومي حلف ابو جهل لعنه الله لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بالحجارة فاتاه وهو يصلي وفي يده حجر فلما رفعه للضرب الصقت يده لعنقه وألزق الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم انحلت يده وسقط الحجر فقال صاحبه المخزومي أنا اقتله بهذا الحجر فاتاه وهو يصلي فاعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع ألى اصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له ما صنعت قال ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يضرب بذنبه لو دنوت منه لأكلني وذكروا أنه صلى الله عليه وسلم بالغ في انذارهم وتسفيه عقولهم وسب الهتهم يوما فاظهروا له شدة الاداء وانصرف حزينا فقال ابو جهل لعنه الله يا معاشر قريش ان محمدا قد ابى الا ما ترون واني اعاهد الله لاجلسن له غدا بحجر ما يطيق حمله فاذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك او أمنعوني فيصنع بي بنو عبد مناف ما بدا لهم فقالوا والله ما نسلمك لشيء ابدا فلما اصبح اخذ حجرا كما وصف فلما سجد صلى الله عليه وسلم كعادته وقريش ينظرون احتمل اللعين الحجر ثم اقبل نحوه حتى اذا دنا منه رجع منهزما مستنقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذفه فقاموا إليه فقالوا مالك يا ابا الحكم قال قمت لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الابل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل صورته وانيابه لفحل قط فهم بي أن يأكلني. وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : ذاك جبريل لو دنا مني لاخذه تفسير : قال البوصيري: شعر : وابو جهل اذ رأى عنق الف حل اليه كانه العنقاء

اطفيش

تفسير : {وجَعَلنا مِن بيْن أيديهم} قدامهم {سدا} عظيما مانعاً من قبول دين الله باختيارهم {ومِنْ خْلْفِهِم سداً} كذلك، وذكرهما كناية عن جميع الجهات، وأيضا كفى عن ذكرهن قوله تعالى: {فأغشيناهم} غطيناهم، والفاء لمجرد الترتيب، إلا أنه يحتمل أن المراد أغشيناهم بالسدين، فتكون للتفريع {فهُم} بسبب ذلك {لا يُبْصرُون} الحق بسوء اختيارهم، فان تصميمهم على الكفر كالأغلال، واستكبارهم عن قبول الحق كالإقماح، إذ فيه إذ فيه رفع الرأس، وعدم النظر فى أحوال من قبلهم كسد من خلفهم، وفيما يستقبل كسد من قدامهم، وفى جمع الأيدى الى الأعناق تلويح الى منع التوفيق حين استكبروا، لأن المتضع يضع عنقه ولا يرفعه، وفى الاقماح تلويح الى أنهم لم ينظروا فى شأن أنفسهم، فان المقمح لا ينظر بدنه، وفى السد تلويح بأنهم لا ينظرون الى آيات الآفاق الدالة على الوحدانية، وفى أنا جعلنا إلخ تشبيه لتصميمهم على الكفر بربط الأيدى الى الأعناق، وجعل الأغلال فى الأعناق فى النار مستقبل، والماضى لتحقق الوقوع. أو المعنى قضينا بجعل الأغلال فى أعناقهم، ومثل قوله {لا يبصرون} قوله عز وجل: " أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا" تفسير : [الإسراء: 97] وقوله تعالى: " أية : قال رب لم حشرتني أعمى" تفسير : [طه: 125] وفى النار والمواقف مواطن، فتارة يبصرون ليعاينوا عذابهم وقبحهم وإخوانهم، قوله عز وجل: " أية : فبصرك اليوم حديد" تفسير : [ق: 22] إن لم يفسر بالإدراك، وليس المقام لذكر الإنفاق حتى يفسر جعل الأغلال فى الأعناق كناية عن عدم الإنفاق كقوله تعالى: " أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" تفسير : [الإسراء: 29] ولا بد من تفسير الآيات بما ذكر من وجوه الدين والآخرة مع ما طابقها من وقائع الحال فى الدنيا، مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة، فقام قوم من قريش ليأخذوه، فجمعت أيديهم الى أعناقهم ولا يبصرون، فأنشدوه الله تعالى، وما فى قريش بطن إلا وله صلى الله عليه وسلم قرابة فيهم، فدعا الله فشفاهم من ذلك، وإن أبا جهل لعنه الله، أخذ حجرا ليضربه فى الصلاة فألزق فى يده حين دنا، وانثنت يده الى عنقه، فرجع وما فك إلا بجهد، فأخذه مخزومى آخر، فلما دنا عمى، فنادى أصحابه فرجع بأبصره، وقد سمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رآه وقال: رأيت فحلا يخطر بذنبه لو دنوت لأكلنى، فأخذه مخزومى آخر فرجع ينكص حتى وقع على قفاه مغشيا عليه، فأخبرهم أنه رأى فحلا أعظم ما يكون يخطر بذنبه حين دنوت، لو لم أرجع لأكلنى فنزلت الآيات لذلك كله.

الالوسي

تفسير : {وَجَعَلْنَا } عطف على {أية : جَعَلْنَا} تفسير : [يس: 8] السابق {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قدامهم {سَدّا } عظيماً وقيل نوعاً من السد {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من ورائهم {سَدّا } كذلك والقدام والوراء كناية عن جميع الجهات {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } فغطينا بما جعلناه من السد أبصارهم، وعن مجاهد {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } فألبسنا أبصارهم غشاوة {فَهُمُ } بسبب ذلك {لاَّ يُبْصِرُونَ } لا يقدرون على إبصار شيء ما أصلاً. وقرأ جمع من السبعة وغيرهم {سَدّا } بضم السين وهي لغة فيه، وقيل ما كان من عمل الناس فهو بالفتح وما كان من خلق الله تعالى فهو بالضم، وقيل بالعكس وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن يعمر وعكرمة والنخعي وابن سيرين والحسن وأبو رجاء وزيد بن علي وأبو حنيفة ويزيد البربري ويزيد بن المهلب وابن مقسم {فأغشيانهم} بالعين من العشا وهو ضعف البصر، ومجموع المتعاطفين من قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا } الخ تأكيد وتقرير لما دل عليه قوله سبحانه: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ }تفسير : [يس: 7] الخ من / سوء اختيارهم وقبح حالهم فإن جعل الله تعالى إياهم بما أظهر فيهم من الإعجاب العظيم بأنفسهم مستكبرين عن اتباع الرسل عليهم السلام شامخين برؤوسهم غير خاضعين لما جاؤوا به وسد أبواب النظر فيما ينفعهم عليهم بالكلية ليس إلا لأنهم سيئو الاختيار وقبيحو الأحوال قد عشقت ذواتهم ما هم عليه عشقاً ذاتياً وطلبته طلباً استعدادياً فلم تكن لها قابلية لغيره ولم تلتفت إلى ما سواه، وإذا قايست بين ذواتهم وما هم عليه وبين الجسم والحيز أو الثلاثة والفردية مثلاً لم تكد تجد فرقاً أية : وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }تفسير : [النحل: 33] ففي الكلام تشبيهات متعددة كما لوحنا إليه، وهذا الوجه هو الذي يقتضيه ما عليه كثير من الأجلة وإن لم يذكروه في الآية؛ وفي «الانتصاف» إذا فرق التشبيه كان تصميمهم على الكفر مشبهاً بالأغلال وكان استكبارهم عن قبول الحق والتواضع لاستماعه مشبهاً بالإقماح لأن المقمح لا يطأطأ رأسه، وقوله تعالى: {أية : فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } تفسير : [يس: 8] تتمة للزوم الإقماح لهم وكان عدم النظر في أحوال الأمم الخالية مشبهاً بسد من خلفهم وعدم النظر في العواقب المستقبلة مشبهاً بسد من قدامهم وفي «التيسير» جمع الأيدي إلى الأذقان بالأغلال عبارة عن منع التوفيق حتى استكبروا عن الحق لأن المتكبر يوصف برفع العنق والمتواضع بضده كما في قوله تعالى: {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }تفسير : [الشعراء: 4] ولم يذكر المراد بجعل السد، وذكر الإمام أن المانع عن النظر في الآيات قسمان قسم يمنع عن النظر في الأنفس فشبه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحاً لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه وقسم يمنع عن النظر في الآفاق فشبه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق فلا يظهر له ما فيها من الآيات فمن ابتلي بهما حرم عن النظر بالكلية. واختار بعضهم كون {أية : إِنَّا جَعَلْنَا} تفسير : [يس: 8] الخ تمثيلاً مسوقاً لتقرير تصميمهم على الكفر وعدم ارعوائهم عنه فيكون قد مثل حالهم في ذلك بحال الذين غلت أعناقهم، وجوز في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا } الخ أن يكون تتمة لذلك وتكميلاً له وأن يكون تمثيلاً مستقلاً فإن جعلهم محصورين بين سدين هائلين قد غطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئاً قطعاً كاف في الكشف عن كمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في مطمورة الغي والجهالات. وقال أبو حيان الظاهر أن قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا } الآية على حقيقتها لما أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون أخبر سبحانه عن شيء من أحوالهم في الآخرة إذا دخلوا النار، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، ولا يضعف هذا كما زعم ابن عطية قوله تعالى: {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } لأن بصر الكافر يومئذٍ حديد يرى قبح حاله، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا }تفسير : [الإسراء: 97] وقوله سبحانه: {أية : قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ }تفسير : [طه: 125] فإما أن يكون ذلك حالين وإما أن يكون قوله تعالى: {أية : فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22] كناية عن إدراكه ما يؤول إليه حتى كأنه يبصره، واعترض بعضهم عليه بأنه يلزم أن يكون الكلام أجنبياً في البين وتوجيهه بأنه كالبيان لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } تفسير : [يس: 7] قد دغدغ فيه، والإنصاف أنه خلاف الظاهر. وقال الضحاك والفراء في قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } تفسير : [يس: 8] استعارة لمنعهم من النفقة في سبيل الله تعالى كما قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء: 29] ولعله جعل الجملة الثانية استعارة لمنعهم عن رؤية الخير والسعي فيه، ولا يخفى أن كون الكلام على هذا أجنبياً في البين في غاية الظهور. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس قال: كان النبـي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة فتأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم وإذا هم لا يبصرون فجاؤا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ننشدك الله تعالى والرحم يا محمد قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبـي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة / فدعا النبـي عليه الصلاة والسلام حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 1-2] ـ إلى قوله سبحانه: {أية : أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [يس: 10] فلم يؤمن من ذلك النفر أحد. وروي أن الآيتين نزلتا في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حمل حجراً لينال بها ما يريد برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأثبتت يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه والحجر قد لزق بيده فما فكوه إلا بجهد فأخذه مخزومي آخر فلما دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم طمس الله تعالى بصره فعاد إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه فقام ثالث فقال: لأشدخن أنا رأسه ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه فقيل له: ما شأنك؟ قال: عظيم رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا فحل ما رأيت فحلاً أعظم منه حال بيني وبينه فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني فجعل الغل يكون استعارة عن منع من أراد أذاه عليه الصلاة والسلام وجعل السد استعارة عن سلب قوة الإبصار كما قيل، وقال السدي: السد ظلمة حالت فمنعت الرؤية، وجاء في الآثار غير ذلك مما يقرب منه والربط عليها غير ظاهر، ولعله باعتبار إشارة الآيتين إلى ما هو عليه من التصميم على الكفر وشدة العناد؛ ومع هذا الأرجح في نظر البليغ حمل الكلام على غير ما تقتضيه ظواهر الآثار مما سمعت وليس فيها ما ينافيه عند التحقيق فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً}. هذا ارتقاء في حرمانهم من الاهتداء لو أرادوا تأملاً بأنّ فظاظة قلوبهم لا تقبل الاستنتاج من الأدلة والحجج بحيث لا يتحولون عما هم فيه، فمُثّلت حالهم بحالة من جُعلوا بين سدَّيْن، أي جدارين: سداً أمامهم، وسداً خلفهم، فلو راموا تحوّلاً عن مكانهم وسعيهم إلى مرادهم لما استطاعوه كقوله تعالى: { أية : فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون } تفسير : [يس: 67]، وقول أبي الشيص: شعر : وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي متأخَّر عنه ولا مُتَقَدَّم تفسير : وقد صرح بذلك في قول...: شعر : ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربتُ على الأرض بالأسداد لا أهتدي فيها لموضع تَلْعة بين العُذيب وبين أرض مُراد تفسير : وتقدم السدّ في سورة الكهف. وفي «مفاتيح الغيب»: مانع الإِيمان: إما أن يكون في النفس، وإما أن يكون خارجاً عنها. ولهم المانعان جميعاً: أما في النفس فالغُلّ، وأما من الخارج فالسد فلا يقع نظرهم على أنفسهم فيروا الآيات التي في أنفسهم لأن المُقْمَح لا يرى نفسه ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن مَن بين السدّين لا يبصرون الآفاق فلا تتبين لهم الآيات كما قال تعالى: { أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } تفسير : [فصلت: 53]. وإعادة فعل {وجعلنا} على الوجه الأول في معنى قوله: { أية : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } تفسير : [يس: 8] الآية، تأكيد لهذا الجعل، وأما على الوجه الثاني في معنى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} فإعادة فعل {وجعلنا} لأنه جَعْل حاصل في الدُّنيا فهو مغاير للجعل الحاصل يوم القيامة. وقرأ الجمهور {سداً} بالضم وهو اسم الجدار الذي يَسُدّ بين داخل وخارج. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالفتح وهو مصدر سمي به ما يُسد به. {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}. تفريع على كلا الفعلين { أية : جعلنا في أعناقهم أغلالاً } تفسير : [يس: 8] و{جعلنا من بين أيديهم سُدّاً ومن خلفهم سداً} لأن في كلا الفعلين مانعاً من أحوال النظر. وفي الكلام اكتفاء عن ذكر ما يتفرع ثانياً على تمثيلهم بمن جعلوا بين سُدين من عدم استطاعة التحول عمّا هم عليه. والإِغشاء: وضع الغشاء. وهو ما يغطي الشيء. والمراد: أغشينا أبصارهم، ففي الكلام حذف مضاف دلّ عليه السياق وأكّده التفريع بقوله: {فهم لا يبصرون}. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوي الحكم، أي تحقيق عدم إبصارهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأغْشَيْنَاهُمْ} (9) - وَزَينَّا لَهُمْ سُوءَ عَمَلِهِمْ، فَأُعْجِبُوا بِهِ، وَرَفَضُوا الخُضُوعَ لِمَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ، فَمَثَلُهُمْ مَثَلُ مَنْ أَحَاطَ بِهِ سَدَّانِ، مِنْ أَمَامِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، فَحَجَبَا عَنْهُ الرُّؤْيَةَ، فَهُوَ لاَ يُبْصِرُ شَيئاً مِمَّا حَوْلَهُ. سَدّاً - حَاجِزاً مَانِعاً. فَأَغْشَيْنَاهُمْ - فَأَلْبَسْنَا أَبْصَارَهُمْ غِشَاوَةً تَحْجُبُ عَنْهُمُ الرُّؤْيَةَ الوَاضِحَة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هل معنى هذا أن الله تعالى يساعدهم، ويُعينهم على الكفر؟ قالوا: نعم لأن عبدي حين أناديه فيتأبَّى عليَّ في ندائي، ولا يُقبِل عليَّ بعبوديته لي أعينه على كفره؛ لأنني رَبٌّ غني عنه، فإنْ أحب الكفر وعشقه ولم يَعُدْ هناك أمل في هدايته أختم على قلبه، فلا يدخله إيمان، ولا يخرج منه الكفر. لذلك مَنْ تجنَّى عليك وصَدَّ عنك فأعِنْه على ذلك، ولا تُذكِّره بنفسك. إذن: ما كفر أحد غَصْباً عن الله، إنما كفر بما أودع الله فيه من اختيار، ولأنه سبحانه رَبٌّ وهو خالق العباد، فعليه سبحانه أنْ يُعينهم، كلاً على ما يريد، فالذي أراد الإيمان وأحبَّه أعانه على الإيمان، والذي أراد الكفر وعَشِقه أيضاً أعانه عليه وساعده. لذلك ختم الله على قلوب الكافرين، وهنا يقول: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} [يس: 9] يعني: أمامهم {سَدّاً} [يس: 9] حاجزاً ومانعاً {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [يس: 9]. هذا مانع مادي خارج عن تكوين الإنسان {فَأغْشَيْنَاهُمْ} [يس: 9] يعني: جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاءً، فهم مصدودون عن الحق لأشياء. أولاً: في ذواتهم أغشينا أبصارهم فلا يروْنَ ولا يهتدون؛ لأنهم بذواتهم لم يذكروا عهد الفطرة الأولى التي فطر اللهُ الناس عليها. أما الخارج عنهم، ففي المنهج الذي لم يلتفتوا إليه، لا فيما أمامهم، ولا فيما وراءهم؛ لأن هناك سَدّاً يمنعهم، فلو تذكَّروا ما ينتظرهم لارتدعوا عن غَيِّهم، ولو تأملوا ما نزل بمَنْ سبقهم من المكذِّبين، وما حاق بهم من عذاب الله لرجعوا. لكن جعل الله من أمامهم سَدّاً، فلا يعرفون ما ينتظرهم، ومن خَلفهم سَدّاً فلا يتدبرون ما حاق بأسلافهم، ممَّن قال الله فيهم: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} تفسير : [العنكبوت: 40]. فإنْ قُلْتَ: الحق سبحانه جعل سَدّاً يمنعهم من الجهة الأمامية، وسَدّاً يمنعهم من الجهة الخلفية، فماذا لو ساروا على جنب إلى اليمين، أو إلى اليسار؟ قالوا: لو ساروا وتوجهوا إلى اليسار مثلاً لَصَار اليسار بالنسبة لهم أمام، واليمين صار خلفاً، فهم إذن مُحَاصرون بالموانع، بحيث لا أمل لهم في الرجوع إلى منهج الحق، وإلى الصواب. ويصح أن يكون المعنى {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [يس: 9] أي: مانعاً يمنعهم من التأمل والنظر في الأدلة العقلية المنصوبة أمامهم ليؤمنوا {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} [يس: 9] يمنعهم، فلم ينتهوا إلى الفطرة الإيمانية المُودَعة فيهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ...}.