Verse. 3716 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّـبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ۝۰ۚ فَبَشِّرْہُ بِمَغْفِرَۃٍ وَّاَجْرٍ كَرِيْمٍ۝۱۱
Innama tunthiru mani ittabaAAa alththikra wakhashiya alrrahmana bialghaybi fabashshirhu bimaghfiratin waajrin kareemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما تنذر» ينفع إنذارك «من أتَّبع الذكر» القرآن «وخشي الرحمن بالغيب» خافه ولم يره «فبشّره بمغفرة وأجر كريم» هو الجنة.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قال من قبل: {أية : لّتُنذِرَ } تفسير : [يس: 6] وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا وقال: {إِنَّمَا تُنذِرُ } وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما؟ نقول من وجوه: الأول: هو أن قوله: {لّتُنذِرَ } أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن وقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ } أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى الثاني: هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه: ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك الثالث: هو أن نقول قوله: {لّتُنذِرَ } أي أولاً فإذا أنذرت وبالغت وبلغت واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك الرابع: وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول، وإنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن. المسألة الثانية: قوله: {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } يحتمل وجوهاً الأول: وهو المشهور من اتبع القرآن الثاني: من اتبع ما في القرآن من الآيات ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلْقُرْءانِ ذِي الذكر } تفسير : [ص:1] فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث: من اتبع البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه: إنما تنذر العلماء الذين يخشون وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر:28] وكقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [البقرة:82] فقوله: {ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } أي آمن، وقوله: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ } أي عمل صالحاً وهذا الوجه يتأيد بقوله: {فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } لأنا ذكرنا مراراً أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور والأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } تفسير : [سبأ: 4] وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف واللام، وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى: {أية : وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يس: 2] وقوله: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ } فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمٰن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة وتكملة اللطيفة: هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } تفسير : [الإسراء: 110] حتى قال بعض الأئمة: هما علمان إذا عرفت هذا فالله اسم ينبـىء عن الهيبة والرحمن ينبـىء عن العاطفية فقال في موضع{ أية : يرجو الله} تفسير : [الأحزاب: 21] وقال ههنا: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ } يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه، وقوله: {بِٱلْغَيْبِ } يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة، والمشهور أن المراد بالغيب ما غاب عنا وهو أحوال القيامة، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه، وقوله: {فَبَشّرْهُ } فيه إشارة إلى الأمر الثاني من أمري الرسالة فإن النبـي صلى الله عليه وسلم بشير ونذير وقد ذكر أنه أرسل لينذر وذكر أن الإنذار النافع عند اتباع الذكر، فقال بشر: كما أنذرت ونفعت، وقوله: {بِمَغْفِرَةٍ } على التنكير أي بمغفرة واسعة تستر من جميع الجوانب حتى لا يرى عليه أثر من آثار النفس ويظهر عليه أنوار الروح الزكية {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } أي ذي كرم، وقد ذكرنا ما في الكريم في قوله: {أية : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 4] وفي قوله: {أية : وَرِزْقًا كَرِيماً} تفسير : [الأحزاب:31].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا تُنذِرُ } ينفع إنذارك {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } القرآن {وَخشِىَ ٱلرَّحْمٰنَ بِٱلْغَيْبِ } خافه ولم يره {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } هو الجنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْغَيْبِ} بما يغيب عن الناس من شر عمله، أو بما غاب من عذاب الله ـ تعالى ـ.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ...} الآية، «إنما» ليست للحَصر هنا؛ بل هيَ على جِهة تخصيصِ مَنْ ينفعُه الإنذارُ، «واتباعُ الذكر» هو العملُ بما في كتابِ اللَّه والاقتداءُ به. قال قتادة: الذكر: القرآن. وقوله: {بِٱلْغَيْبِ}، أي: بالخَلَواتِ عِنْد مَغِيبِ الإنسانِ عَنْ أعينِ البشَرِ. ثم أخبر ـــ تعالى ـــ بإحيائهِ المَوْتَى ردًّا على الكَفَرةِ، ثم توعَّدَهم بذِكْرِ كُتُبِ الآثار وإحصاءِ كلِّ شَيْءٍ، وكُلِّ مَا يَصْنعهُ الإنسانُ فَيَدْخُلُ فِيما قَدَّمَ، ويَدْخَلُ فِي آثاره، لكنه سبحانه؛ ذكرَ الأمْرَ من الجهتَينِ؛ وليُنَبِّهَ على الآثارِ التي تَبْقَى، وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنسانِ من خَيْرٍ وشرٍ. وقال جابر بن عبد اللَّه وأبُو سعيد: إن هذه الآيةَ نَزَلت في بني سَلَمَةَ؛ على ما تقدم، وقولُ النبي ـــ عليه السلام ـــ لَهُمْ: «حديث : دِيارُكُم تكْتبُ آثاركم»تفسير : والإمامُ المبينُ: قال قتادة وابن زيد: هو اللَّوحُ المحْفُوظُ، وقالت فرقة: أراد صُحُفَ الأعمالِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}[11] قال: من عبدالله في سره أورثه اليقين، ومن عبدالله بصدق اللسان لم يستقر قلبه دون العرش، ومن عبدالله بالإنصاف كانت السماوات والأرض في ميزانه. قيل: وما الإنصاف؟ قال: الإنصاف أن لا تتحرك جميع أعضائك إلا لله، ومتى طالبته برزق الغد فقد ذهب إنصافك، لأن القلب لا يحمل همين، والإنصاف بينك وبين الخلق أن تأخذ بالفضل، فإذا طلبت الإنصاف فلست بمنصف. وحكي عن يحيى وعيسى عليهما السلام أنهما خرجا يمشيان، فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا ابن خالتي، لقد أصبت اليوم خطيئة، ما أرى الله يغفرها لك. قال: وما هي؟ قال: صدمت امرأة. قال: والله ما شعرت بها. قال عيسى: سبحان الله، بدنك معي، فأين قلبك؟ قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل صلوات الله عليه طرفة عين، لظننت أني ما عرفت الله عزَّ وجلَّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} [الآية:11]. قال الحسين: أشرف منازل الذاكرين من نسى ذكره فى مشاهدة مذكوره وحفظ أوقاته عن الرجوع إلى رؤية الذكر.

القشيري

تفسير : أي إنما ينتفع بإنذارك مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ فإنَّ إنذارك - وإِن كان عاماً في الكُلِّ وللكُلِّ - فإنَّ الذين كفروا على غيِّهم يُصِرُّون.. ألاَ سَاء ما يحْكُمون، وإن كانوا لا يعلمون قُبْحَ ما يفعلون. أمَّا الذين اتبعوا الذكر، واستبصروا، وانتفعوا بالذي سمعوه منك، وبه عملوا - فقد استوجبوا أنْ تُبَشِّرَهم؛ فَبَشِّرْهُم، وأخبِرْهم على وجهٍ يظهر السرور بمضمون خبرك عليهم. {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}: كبير وافرٍ على أعمالهم - وإن كان فيها خَلَلٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} الانذار لا يوثر الا فى اصحاب الذكر لانهم فى مشاهدة عظمة المذكور يفزعون منه باقدار ما شاهدوه من العظمة والكبرياء فبركة موعظة الصادق تزيد لهم تعظيم اله واجلاله وتابع الذكر تابع السنة ثم تابع الحال والوقت والوجد حتى فنى هو فى ذكره وفنى ذكره فى رؤية مذكوره لانه شاهد العظمة بنعت الفناء فى الحضرة عين غاب عن الخلق بقوله {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} علم الرحمن فى غيب الرحمن {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لما جرى عليه من وقفه الحال وكشف المشاهدة الكريمة الازلية الابدية قال الحسين اشرف منازل الذاكرين من نسى ذكره فى مشاهدة المذكور وحفظ اوقاته من الرجوع الى الرؤية الذكر.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما تنذر} اى ما ينفع انذارك الا {من اتبع الذكر} اى القرآن بالتأمل فيه او الوعظ والتذكير ولم يصر على اتباع خطوات الشيطان {وخشى الرحمن بالغيب} اى خاف عقابه تعالى والحال انه غائب عن العقاب على انه حال من الفاعل او الحال ان العقاب غائب عنه اى قبل نزول العقاب وحلوله على انه حال من المفعول او حال كونه غائبا عن عيون الناس فى خلوته ولم يغتر برحمته فانه منتقم قهار كما انه رحيم غفار وكيف يؤمن سخطه وعذابه بعدان قال {أية : ان عذاب ربهم غير مأمون} تفسير : ومن كان نعمته بسبب رحمته اكثر فالخوف منه اتم مخافة ان يقطع عنه النعم المتواترة فظهر وجه ذكر الرحمن مع الخشية مع ان الظاهر ان يذكر معها ما ينبئ عن القهر. وفى التأويلات النجمية {وخشى الرحمن بالغيب} اى بنور غيبتى يشاهد وخامة عاقبة الكفر والعصيان ويتحقق عنده بشواهد الحق كمالية حلاوة الايمان ورفعة رتبة العرفان {فبشره} اى من اتبع وخشى وحد الضمير مراعاة اللفظ من {بمغفرة} عظيمة لذنوبة {واجر كريم} حسن مرضى لاعماله الصالحة لا يقادر قدره وهو الجنة وما فيها مما اعده الله لعباده الجامعين بين اتباع ذكره وخشيته والفاء لترتيب البشارة او الام بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية. يقول الفقير رتب التبشير بمثنى على مثنى فالتأمل فى القرآن او التأثر من الوعظ يؤدى الى الايمان المؤدى الى المغفرة لان الله تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء والخشية تودى الى الحسنات المؤدية الى الاجر الكريم لانه تعالى قال {جزاء بما كانوا يعملون}. قال بعضهم الانذار لا يؤثر الا فى اصحاب الذكر لانهم فى مشاهدة عظمة المذكور فبركة موعظة الصادق تزيد لهم تعظيم الله تعالى واجلاله واذا زاد هذا المعنى زادت العبودية وزال التعب وحصل الانس مع الرب. واعلم ان الجنة دار جمال وانس وتنزل الهى لطيف. واما النار فهى دار جلال وجبروت فالاسم الرب مع اهل الجنة والاسم الجبار مع اهل النار ابد الآبدين ودهر الداهرين وقد قال تعالى "حديث : هؤلاء للجنة ولا ابالي وهؤلاء للنار ولا ابالى" تفسير : وانما كان الحق تعالى لا يبالى بذلك لان رحمته سبقت غضبه فى حق الموحدين او فى حق المشركين ويكون المراد بالرحمة رحمة الايجاد من العدم لانها سابقة على سبب الغضب الواقع منهم فلذلك كان تعالى لا يبالى بما فعل بالفريقين. ولو كان المراد من عدم المبالاة ما توهمه بضعهم لما وقع والاخذ بالجرائم ولا وصف الحق نفسه بالغضب ولا كان البطش الشديد هذا كله من المبالاة والتهم بالمأخوذ كذا فى الفتوحات المكية

الطوسي

تفسير : قرأ ابو بكر عن عاصم {فعززنا} مخففاً بمعنى فقهرنا من قولهم: من عزيز الباقون بالتشديد يعني قوينا الاثنين بثالث معيناً، لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إن هؤلاء الكفار لا يؤمنون أبداً واخبره بأنه سواء عليهم الانذار وترك الانذار بين ههنا حال من ينتفع بالانذار فقال {إنما تنذر من اتبع الذكر} ومعناه إنما ينتفع بانذارك وتخويفك من اتبع الذكر، لان نفس الانذار قد حصل للجميع وأضافه - ها هنا - إلى من اتبع الذكر لما كانوا المنتفعين به، كما قال {هدى للمتقين}. والذكر المذكور - ها هنا - القرآن - في قول قتادة - {وخشي الرحمن بالغيب} قيل في معناه قولان: احدهما - وخشى الرحمن وخاف ارتكاب معاصيه في غيبه عن الناس. والثاني - وخشي الرحمن في ما غاب عنه من الآخرة وأمرها. ثم قال لنبيه من هذه صفته {فبشره بمغفرة} من الله لذنوبه {واجر} أي ثواب {كريم} وهو ما يفعله الله على وجه الاجلال والاكرام. وقيل: الاجر الكريم الجنة. ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال {إنا نحن نحي الموتي} بعد أن افنيناهم {ونكتب ما قدموا} من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وهو قول مجاهد وقتادة {وآثارهم} قال مجاهد: يعني خطاهم إلى المساجد، لان بني سلمة من الانصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم من المسجد والصلاة مع رسول الله، فنزلت فيهم الآية. وقيل: معناه وآثارهم التي تبقى بعدهم ويقتدى بهم فيها. ثم قال {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} ومعناه أحصيناه في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ. والوجه في احصاء ذلك في إمام مبين اعتبار الملائكة به إذا قابلوا به ما يحدث من الامور، وكان فيه دليل على معلومات الله على التفصيل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {واضرب لهم مثلا} معناه اذكر لهم مثلا. وقيل: معناه مثل لهم مثلا، من قولهم: هؤلاء اضراب أي امثال. وقوله {أصحاب القرية} قال عكرمة والفراء: هي انطاكية {إذ جاءها المرسلون} اي حيث بعث الله اليهم بالرسل {إذ أرسلنا إليهم اثنين} يعني رسولين. وقال قوم: كانا رسولي عيسى من حواريه. وقال آخرون: كانا رسولين من رسل الله وهو الظاهر {فكذبوهما} أي جحدوا نبوتهما {فعززنا بثالث} أي فعززهما الله بثالث فيمن قرأ بالتشديد وشد ظهرهما به - في قول مجاهد وابن زيد - ومن خفف أراد فغلب الله بثالث أرسله اليهم {فقالوا} لهم يا اهل القرية {إنا إليكم مرسلون} ارسلنا الله اليكم {قالوا} لهم {ما أنتم إلا بشر مثلنا} أي ليس أنتم إلا بشر أمثالنا، فدخلت عليهم الشبهة فاعتقدوا أنه من حيث انهم امثالهم في البشرية لا يصلح ان يكونوا رسلا كما لا يصلحون هم لذلك {وما أنزل الرحمن من شيء} مما تذكرونه وتدعونا اليه {إن أنتم إلا تكذبون} أي ليس انتم إلا كاذبون على الله ومتخرصون عليه في ادعائكم الرسالة، وذهب عنهم معنى {أية : اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : وأنه تعالى علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة وتحملهم لاعبائها ولم يعلم ذلك من حالهم بل على خلاف ذلك.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}: لكونه ذا فطرة صحيحة، وقلب خاضع خاشع لذكر الله، خاش من الرحمان في عالم الغيب، وإنما أطلق هذا الاسم، للإشارة إلى أن خشية أهل العرفان، حاصلة من إدراك العظمة لله، وشدة النوريَّة الالهية، واشعة الرحمة اللامتناهية، وليست الخشية منهم خشية العقاب، وإلاّ لَنَاسب أن يذكر بدل اسم "الرحمان" اسم "المنتقم" أو "القهّار" أو "العدل". واعلم أن نفي الإنذار هاهنا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بالقياس إلى الأشقياء المردودين، كما يستفاد من كلمة "انما" الكائنة للحصر، ليس بمناف لثبوته سابقاً مع انتفاء الإيمان، وذلك لأن النفي ها هنا باعتبار. نفي ترتّب الغاية والبغية، لأن ثمرة الإنذار ترتّبُ الإيمان، فإذا انتفت الثمرة، فكأنه انتفى الإنذار، وأما الإثبات، فهو باعتبار تحققه في نفسه، مع قطع النظر عن التأثير ووجود الأثر، فلا يتنافيان، وهذا كالشمس المضيئة، التي شأنها إضاءة وجه الأرض، فإذا حَجَب عنها حجاب، وحدث فوق الأرض سحاب، فلم يستضيء منها وجه الأرض، يصدق على الشمس حينئذ إنها مضيئة، ويصدق أيضاً أنها غير مضيئة، كل منهما باعتبار آخر. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ}: من الله له عن ذنوبه المتقدمة والمتأخرة، كوروده في جحيم الدنيا، ومصاحبة مؤذياتها، وقبوله الصفات الهَيوليَّة مدة بشوم الإقتران مع أقران السوء ورؤيتهم. {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [11]: ونعيم جسيم، من جنة الأفعال والصفات، أو الذات، على حسب الدرجات. ولما كان قبول دعوة الحق بالإنذار، والاهتداء بفهم الآيات والأنوار، وطلب اليقين بحقائق الدين، يوجب أن يحيى القلوب بالحياة الأبدية الأخروية، ويتنوّر بروح الحقائق والمعارف اليقينية. ويتخلص من موت الجهالة، وينجو من عذاب الأخلاق الرديّة، وكل ما يخرج من القوة إلى الفعل، فيحتاج إلى سبب يخرجه، والمخرج للنفوس الميتة بموت الجهل وعذاب النقص والآفة، إلى روح العقل المستفاد، المضيء في دار المعاد، وفسحة المعارف والأنوار، الواقعة في دار القرار، ومشاهدة الصور الحسان، الموجودة في طبقات الجنان، إنما يكون مبدءاً درّاكاً فعّالاً للمعقولات، خلاّقاً للعلوم المفارقة عن هذه الماديات، وهو الباري سبحانه، أو ضَرْبٌ من ملائكته المقربين، إذ لو لم يكن حصول المعارف عنده، أو عند مُقرَّبيه، بتأييده على سبيل الفعّالية، لكان مفتقراً في إدراكه للمعارف والعلوم، وخروجه من القوة إلى الفعل، إلى مبدء آخر أجل منه رتبة وفضيلة، فيلزم أن يكون إله العالم ناقصاً في رتبته، مفتقراً إلى غيره في كمال وجوده، وهو ممتنع عليه - تعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً -

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} قد مضى مكرّراً انّ الذّكر هو الولاية التّكوينيّة والتّكليفيّة وانّ محمّداً (ص) وعليّاً (ع) لكونهما متّحدين مع الولاية يكونان ذكراً، وانّ القرآن ايضاً صورة الولاية، وانّ الذّكر اللّسانىّ والخيالىّ صورة ذلك الذّكر فالمقصود بالذّكر ههنا هو الولاية التّكوينيّة الّتى هى عبارة عن الفطرة الانسانيّة ومن اتّبع الفطرة الانسانيّة علم بحسب فطرته بالله، ومن علم بالله خشيه، ولا ينفع الانذار الاّ لمن توجّه الى فطرته وقذف الله فى قلبه نور العلم وخشى ربّه {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} عظيمة لجميع مساويه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لا نقصان ولا نفاد فيه ولا منّة فيه على المأجور.

اطفيش

تفسير : {إنما تنذر من اتبع الذكر} القرآن أو الوعظ. {وخشى الرحمن بالغيب} تقدم معنى الخشية بالغيب أي إنما يؤثر انذارك فيمن صفته ذلك فلا منافاة بين هذا وقوله لتنذر قوما. {فبشره} أي بشر ذلك المتبع للذكر الخاشي الرحمن بالغيب. {بمغفرة} عظيمة عامة لذنوبه. {وأجر كريم} هو الجنة.

اطفيش

تفسير : {إنَّما تُنْذر من اتبَّع الذِّكْر} أى إنما يؤثر إنذارك فيمن اتبع الذكر، فعبر بالمسبب عن المسبب، كأنه قيل إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر، أو تنذر من يتبع، أو من سبق فى علم الله أنه يتبع، والمراد أيضا النفع والتأثير، أو إنما تنذر إنذارا نافعا من اتبع الذكر، وأما غيره فانذاركه كالعدم فى شأنه، ولك الأجر العظيم، ومعنى إنذار من اتبع الذكر وعظه وإخباره بما نزل، أو زيادة تخويفه ربما صدر بعد، أو عما صدر منه بعد اتباع الذكر، فلا تحصيل حاصل. والذكر القرآن أو الوعظ، ومثل ذلك فى قوله تعالى: {وخشي الرَّحْمن} خافه خوف إجلال، أو خاف عقابه ولم يغتر بأنه رحمن للمذنب، فانه مع رحمته شديد العذاب، سريع العقاب، كما قال جل وعلا " أية : نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" تفسير : [الحجر: 49 - 50] "أية : إن ربك لسريع العقاب " تفسير : [الأعراف: 167] وللتنبيه على ذلك لم يذكر مع الخشية ما يناسبها كالقهار وشديد العقاب. {بالغَيْب} حال من الضمير من خشى أى غائب عن الله، أى غير مشاهد له، والله مشاهد له، أو من عقاب المحذوف أى خشى عقاب الرحمن حال كون العقاب غير حاضر أو غائبا عن أعين الناس خوف الرياء، أو متعلق بخشى أى خشى فى الغيب أى القلب {فبشرهُ} بسبب الاتباع والخشية {بمغْفِرةٍ} عظيمة لما تقدم من ذنبه وما تأخر {وأجْرٍ كَريمٍ} على عمله الصالح لا يعرف قدره إلا الله عز وعلا فى الجنة، فهو زائد على دخوله الجنة، كما فى الحديث القدسى: " حديث : اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " تفسير : وأحق ما ينال به ذلك توحيد الله سبحانه، ومن توحيده اعتقاد أنه لا يرى، لأن رؤيته ولو بلا كيف لم تخرج عن التحيز والانكشاف، وهما المحذور، ولو كان اللسان لا يفى بتفسيرهما.

الالوسي

تفسير : ولما بين كون الإنذار عندهم كعدمه عقب ببيان من يتأثر منه فقال سبحانه: {إِنَّمَا تُنذِرُ } أي إنذاراً مستتبعاً للأثر {مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } أي القرآن - كما روي عن قتادة - بالتأمل فيه والعمل به، وقيل: الوعظَ، واتبع بمعنى يتبع، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو المعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين وبالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الاتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل: المراد من اتبع في علم الله تعالى وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم. {وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ } أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه مع عظم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}تفسير : [الحجر: 49-50]. ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه {بِٱلْغَيْبِ } حال من المضاف المقدر في نظم الكلام كما أشرنا إليه أي خشي عقاب الرحمن حال كون العقاب ملتبساً بالغيب أي غائباً عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل {خَشِىَ } أي خشي عقاب الرحمن غائباً عن / العقاب غير مشاهد له أو خشي غائباً عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم عن الرياء، وبعضهم فسر الغيب بالقلب وجعل الجار متعلقاً بخشي أي خشي في قلبه ولم يكن مظهراً للخشية وليس بخاش، قيل: ويجوز جعله حالاً من {ٱلرَّحْمَـٰنُ } ولا يخفى حاله، والكلام في خشي على طرز الكلام في {اتبِع}. {فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } عظيمة لما سلف، وقيل: لما يفرط منه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } حسن لا يقادر قدره لما أسلف، والفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية. وفي «البحر» لما أجدت فيه النذارة فبشره الخ فلا تغفل، وعن قتادة تفسير الأجر الكريم بالجنة والمراد نعيمها الشامل لما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأجل جميع ذلك رؤية الله عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : لما تضمن قوله: { أية : وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم } تفسير : [يس: 10] أن الإِنذار في جانب الذين حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون هو وعدمه سواء وكان ذلك قد يُوهم انتفاء الجدوى من الغير وبعض من فضل أهل الإِيمان أعقب ببيان جدوى الإِنذار بالنسبة لمن اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب. و{الذكر} القرآن. والاتّباع: حقيقته الاقتفاء والسَّيْر وراء سائر، وهو هنا مستعار للإِقبال على الشيء والعناية به لأن المتبع شيئاً يعتني باقتفائه، فاتباع الذكر تصديقُه والإِيمانُ بما فيه لأن التدبر فيه يفضي إلى العمل به، كما ورد في قصة إيمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه وجد لَوْحاً فيه سورة طه عند أخته فأخذ يقرأُ ويتدّبر فآمن. وكان المشركون يُعرضون عن سماع القرآن ويصُدُّون الناس عن سماعه، ويبين ذلك ما في قصة عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول في مبدأ حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلس عبد الله بن أُبَيّ فنزل فسلم وتلا عليهم القرآن حتى إذا فرغ قال عبدُ الله بن أُبَيّ: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك إن كان حقاً، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدّثْه ومن لم يأتك فلا تَغُتَّه به » تفسير : . ولما كان الإِقبال على سماع القرآن مُفضياً إلى الإِيمان بما فيه لأنه يداخل القلب كما قال الوليد بن المغيرة «إن له لَحَلاوة، وإن عليه لَطَلاوة، وإن أسفله لمُغْدِق، وإن أعلاه لمُثمر». أُتبعت صلة {اتبع الذكر} بجملة {وخشي الرحمان بالغيب}، فكان المراد من اتّباع الذكر أكمل أنواعه الذي لا يعقبه إعراض فهو مؤدَ إلى امتثال المتبِعين ما يدعوهم إليه. وخشية الرحمان: تقواه في خويصة أنفسهم، وهؤلاء هم المؤمنون تنويهاً بشأنهم وبشأن الإِنذار، فهذا قسيم قوله: { أية : لقد حق القول على أكثرهم } تفسير : [يس: 7] وهو بقية تفصِيل قوله: { أية : لتنذر قوماً } تفسير : [يس: 6]. والغرض تقوية داعية الرسول صلى الله عليه وسلم في الإِنذار، والثناءُ على الذين قَبِلوا نذارته فآمنوا. فمعنى فعل {تنذر} هو الإِنذار المترتب عليه أثره من الخشية والامتثال، كأنه قيل: إنما تنذر فينتذر مَن اتبع الذكر، أي مَن ذلك شأنهم لأنهم آمنوا ويتقون. والتعبير بفعل المضيّ للدلالة على تحقيق الاتّباع والخشية. والمراد: ابتداءً الاتّباع. ثم فرع على هذا التنويه الأمر بتبشير هؤلاء بمغفرة ما كان منهم في زمن الجاهلية وما يقترفون من اللمم. والجمع بين {تنذر} و «بشر» فيه محسن الطِباق، مع بيان أن أول أمرهم الإِنذار وعاقبته التبشير. والأجر: الثواب على الإِيمان والطاعات، ووصفه بالكريم لأنه الأفضل في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : إني ألقي إلي كتاب كريم } تفسير : في سورة النمل (29). والتعبير بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة لوجهين: أحدهما: أن المشركين كانوا ينكرون اسم الرحمان، كما قال تعالى: { أية : قالوا وما الرحمان } تفسير : [الفرقان: 60]. والثاني: الإِشارة إلى أن رحمته لا تقتضي عدم خشيته فالمؤمن يخشى الله مع علمه برحمته فهو يرجو الرحمة. فالقصر المستفاد من قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} وهو قصر الإِنذار على التعلّق بــــ{من اتبع الذكر} وخشِي الله هو بالتأويل الذي تُؤُوّل به معنى فعل {تنذر}، أي حصول فائدة الإِنذار يكون قصراً حقيقياً، وإن أبيت إلا إبقاء فعل {تنذر} على ظاهر استعمال الأفعال وهو الدلالة على وقوع مصادرها فالقصر ادعائي بتنزيل إنذار الذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا منزلة عدم الإِنذار في انتفاء فائدته.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}. تقدم إيضاحه مع نظائره من الآيات في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [فاطر: 18].

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِإِنْذَارِكَ الذِينَ يَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، حِينَ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، اعْتِقَاداً مِنْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرَاهُمْ، وَيُرَاقِبُ أَعْمَالَهُمْ (بالغَيْبِ)، فَبَشِّر هَؤُلاَءِ المتَّبِعِينَ أَحْكَامَ الدِّين، الخَائِفِينَ مِنْ عِقَابِ اللهِ، بِمَغْفِرةٍ وَعَفْوٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِذُنُوبِهِمْ، وَأَجْرٍ وَاسِعٍ كَرِيمٍ مِنَ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: إنذارك يا محمد يجدي مع مَنْ يذكر الله ويخافه، ويؤمن به، ويؤمن بقدرته تعالى على البعث وعلى الحساب، هذا الذي ينتفع بالإنذار ويستفيد منه على خلاف المكذِّب للأصل، كيف يستفيد من الإنذار؟ ومعنى {ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} [يس: 11] أي: القرآن. والخشية: خوف، لكن بمهابة، فأنت تخاف الله وتهابه، وكذلك ترجوه، أما الخوف من غير الله فخوف بكُرْه؛ لأنه خوف من جبروت؛ لذلك جاءت بعد الخشية صفة الرحمة {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ} [يس: 11] فأنت تخاف ممَّن اتصف بالعطف والحنان، وهذا أَدْعى أنْ يُحبِّبك فيمَنْ تخاف منه ويعطفك إليه، فتكون خشيتك له ممزوجة بالهيبة والوقار، وبالرجاء فيه؛ لذلك قال سبحانه: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ} [يس: 11] حتى لا تنفر من الذي تخافه. وهذه الخشية تكون من المؤمن {بِٱلْغَيْبِ} [يس: 11] يعني: ساعةَ يكون غائباً عن الناس منفرداً، فإنه يخشى الله، ولا يخشى الناس، ولا يحتاج إلى رقيب؛ لأن رقابة البشر للبشر لا تُجدي؛ لأنك ستجعل عليه رقيباً من جنسه، وما جاز على المراقَب يجوز على المراقب من تدليس وغيره، حتى حين تجعل على المراقِب تفتيشاً مفاجئاً لا تأمن التدليس. وسبق أنْ ضربنا مثلاً برجل المرور، فالواحد منا قبل أنْ يُسمح له بقيادة سيارة لا بُدَّ أنْ يمرَّ بشروط قاسية تضمن أولاً سلامة السيارة التي يقودها، ثم تمكّنه هو من فن القيادة، ولا بُدَّ أنْ يجتاز الاختبارات اللازمة لذلك، ومع هذا كله مِنَّا مَنْ يلتزم، ومِنَّا مَنْ لا يلتزم بالقواعد المرورية؛ لذلك نجعل رجل المرور ليراقب وينظم حركة المرور في الشوارع، وعليه مَنْ يراقبه. لكن لما وجدوا أن رجل المرور يمكن أنْ يُدلس، فيأخذ الرخصة من مخالف، ويتغافل عن آخر استحدثوا آلات للمراقبة مثل الرادارات، لتكون أكثر دقة، لكن هذه الآلات مَنْ يُشغِّلها؟ بشر يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم. إذن: حين يكون المراقب من جنس المراقَب، فعملية المراقبة لا تفيد، ولو جعلنا على كل منا رقيباً لاحتجْنا إلى جيوش من الحراس. إذن: ماذا نفعل لنحكم هذا العالم كله؟ محمد صلى الله عليه وسلم جاء ولرسالته ميزات الرسالة الكاملة، فرسالته غير محدودة بزمان ولا بمكان، فالزمان والمكان هما اللذان يحصران الأحداث، فهما ظرفان للحدث، فإذا لم يكُنْ حدث موجوداً فلا زمانَ ولا مكانَ؛ لذلك لا يصح أنْ يُقال بالنسبة لله تعالى: أين ولا متى، لأن أيْن ومتى مخلوقتان لله. وإذا كان الزمان والمكان يشتركان في الظرفية للحدث إلا أن المكان ظرف قارٌّ يعني: ثابت، والزمان ظرف متغير، فهذا وقته الصبح، وهذا الظهر ونقول: هذا قبل كذا، وهذا بعد كذا. رسول الله جاء برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وجاء بمنهج لصيانة الإنسان في العالم كله مع اختلاف بيئاته وطبائعه، وفي الأزمنة باختلاف عصورها، فكيف تتحقق هذه الصيانة وهذه المراقبة؟ ما دام محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بمنهج ليحكم به العالم كله زماناً ومكاناً، فلا يصح أنْ يجعل على كل فرد منه رقيباً من جنسه، ولا حتى من الملائكة، إنما عليه أنْ يربي في نفوس الناس خشية الله، وأنْ يزرع في قلوبهم المهابة منه سبحانه بالغيب وهذا هو الرقيب الحقيقي والرقيب الملازم الذي لا ينفكّ عنك، ولا يفارقك لحظة. لذلك، المرأة التي راودها الرجل وأغراها بأنهما في فلاة لا يراهما أحد فقال لها: ما يمنعك مني، وما يرانا غير الكواكب؟ فقالت له: يا أبله، وأين مُكوكب الكواكب؟ هذه هي خشية الرحمن بالغيب. ورُوِي أن المعتضد وهو أحد ملوك دولة بني بُوَيْه أيام الخلافة العباسية، وكان مشهوراً بالذكاء والعدل، وحدث أن جاء رجل إلى سوف بغداد ليبيع عِقْداً نفيساً ليحج بثمنه، فلم يجد في السوق مشترياً لنفاسة العقد، ومرَّ الرجل بشيخ وقور عليه علامات الصلاح فقال: هذا رجل أمين أُودع عنده هذا العقد أمانة حتى أعود من الحج، فلما عاد من الحج سأل الشيخ عن العقد الذي تركه عنده، فأنكره الشيخ، وخابت كل محاولاته لاستعادة العِقد. سمعه أحد المارة فقال: يا هذا إنه رجل مخادع كذاب، اذهب إلى المعتضد، وسوف يعيد لك العقد بذكائه وحيلته، ذهب الرجل إلى المعتضد وقصَّ عليه القصة فقال له: اذهب في الغد واجلس بجوار هذا الرجل، وسوف أمرُّ عليك في موكبي فلا تَقُمْ لي وإنْ كلَّمتُك فرُدّ وأنت جالس، ودَعْني أتصرف في هذه المسألة. وفي الغد مَرَّ المعتضد في موكبه المهيب، وحوله الحاشية و (الهيلمان) والصولجان فنظر إلى صاحب العقد وقال: يا فلان منذ متى وأنت هنا؟ وكيف لا تخبرني بوجودك لأقابلك وأؤدي لك حقك. سمع الشيخ هذا الكلام فظنَّ أن الرجل من معارف الملك ومن أتباعه، فارتعد ونادى صاحب العِقْد، وقال له: أرجوك لا تذكرني أمام الملك بحكاية العِقْد هذه، وقَام إلى العِقْد فردّه إلى صاحبه، ذهب الرجل بالعقد إلى المعتضد فتبسم، وقال له: انتظرني في الغد أمام دكان هذا الشيخ. وبالفعل جاء المعتضد، لكنه هذه المرة كان بصحبته المشنقة، فأمر بنَصْبها أمام دكان هذا المخادع، وأمر به فشنقوه. ثم قال: هذا جزاء مَنْ كان إيمانه بين الناس مشهداً، وليس إيمانه بالغيب - يعني: بعيداً عن أعين الناس. لذلك جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وكانوا أول الناس سَعْياً للصلاة، وكانوا أصحاب الصف الأول خلف رسول الله، ومع ذلك كان هذا جزاءهم لماذا؟ لأن المنافق متناقض مع نفسه، فلسانه خلاف قلبه. ومن معاني الغيب في قوله تعالى: {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} [يس: 11] أي: الغيب الذي أخبر الله به من أن هناك آخرة وبعثاً وحشراً وحساباً. وهذه الخشية لله تكون بالغيب يعني: الإيمان بالغيب، والله تعالى نؤمن به سبحانه وهو غيب، والغيب كما قلنا: ما غاب عنك ولا يوجد في الكون طريق يُوصِّلك إليه ولا مقدمات، فنحن نعرف مثلاً في حل تمارين الهندسة أو النظرية: الفرض والمعطيات والمطلوب، فالمعطيات والمقدمات تُوصِّلك للغاية وللمطلوب. لذلك تجد أن علم الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب استأثر الله به، لا يُظهِر عليه أحداً إلا مَنِ ارتضى من رسول، ولم يجعل لهذا النوع من الغيب مقدمات تُوصَل إليه وتدلّ عليه، وهناك غيب له مقدمات تدلُّك عليه، فإنِ استخدمتَ هذه المقدمات توصَّلْتَ بها اليوم إلى ما كان غيباً بالأمس، وينبغي عليك أن تستدلّ بالغيب الذي صار مشهداً لك على أنْ تصدق بالغيب الذي لم تدرك غيبه، ولا سبيل لك إليه، ينبغي أنْ يحفزك ما ترى على أنْ تؤمن بما لم تَرَهُ. وقلنا: إن هذا النوع من الغيب وهو الغيب الذي له مقدمات تُوصِّل إليه، له ميلاد يظهر فيه، فإنْ صادف هذا الميلاد بحثاً من البشر، وكان البحث سبباً في ظهوره، وإلا أظهره الله مصادفة، كما جاءت أغلب الاكتشافات التي تخدم البشرية الآن مصادفة؛ لأن ميلاد الغيب جاء وبحثُك عنه لم يجيء. والمؤمن هو الذي يزداد إيمانه بالغيب حين يستدل بما ظهر له على ما لم يظهر، ومن العلماء والموهوبين من الناس مَنْ يفسر لك الغيب الذي لم يأتِ أوانه بشيء موجود بالفعل، ومن ذلك ما رُوِي أن الروم أرسلتْ إلى أمير المؤمنين أنْ يرسل إليهم عالماً يفقههم في أمور الدين، فأرسل إليهم الشّعْبي فجعلوا يسألونه فيما يَخْفَى عليهم من الدين، وكان مما عرضوه عليه أن الإنسان حين يُنعَّم في الجنة يأكل ولا يتغوَّط، فكيف يكون ذلك؟ فرد الشَّعْبي بما عنده من الإشراقات التنويرية التي يفتح الله بها على مَنْ يشاء. وقال لهم: أرأيتم الجنين في بطن أمه، إنه يتغذى وينمو دون أنْ يتغوط، ولو تغوَّط في مشيمته لاحترق، كذلك الإنسان في الجنة يأكل ولا يتغوَّط؛ لأنه يتغذى بطهي الله له، فالله يعطيه بقَدَر بحيث لا يبقى شيء يتغوّطه الإنسان، أمّا نحن فنأكل بطهينا لأنفسنا، ولا نأكل بقدْر الحاجة، لذلك نتغوط. قالوا له: زعمتم أنكم تأخذون من الجنة ما تشاءون دون أنْ ينقص منها شيء، فكيف ذلك؟ قال: لأن الشيء ينقص بالأخذ منه حين لا يكون له مدد من الغير، فإنْ كان له مدد لا ينقص، والمدد في الجنة مِن الله، فكيف يتأتى النقصان؟ شيء آخر: لو جئتَ إلى المصباح فأخذتَ مه شعلة، بل آلاف الشعلات، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ وهكذا رَدّ الشعبي، وأُعجب به القوم، وكتبوا له كتاباً يُوصله إلى أمير المؤمنين، وكأنهم حسدوا أمير المؤمنين أن تكون مثل هذه العقلية وهذه الموهبة في خدمته، وكان في الكتاب: عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي، كيف يُولُّون غيره؟ فلما ذهب الشعبي وسلَّمه الكتاب قرأه أمير المؤمنين، وقال للشعبي: أتدري ما في الكتاب؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: اقرأ، فقرأ الشعبيُّ العبارة: عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي كيف يُولُّون غيره؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، لأنه لم يَركَ، ولو رآك لغيَّر رأيه. والمتأمل في مسألة الإنذار يجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارين: عام للعالمين جميعاً، وهو إنذار بلاغ من الله للجميع المؤمن والكافر، وهو الذي قال الله فيه: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً..} تفسير : [فاطر: 24] فالذين يؤمنون بالله ينتفعون بالإنذار، وينتفعون بالبشارة، والذين لا يؤمنون لا ينتفعون من ذلك بشيء. والإنذار الآخر إنذار خاص بمَنْ خَشِي الرحمن بالغيب، وهو إنذار القبول، وينتفع به مَنْ خشي الرحمن بالغيب، فالذين لا يخشوْن ربهم سبق أن أُنذروا، لكن إنذار بلاغ، فلم ينتفعوا به؛ لذلك لم يشملهم الإنذار الخاص. وقوله سبحانه: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11] قلنا: إن البشارة: إخبار بالخير قبل أوانه ليحفزك إلى أسباب الخير ويُطعمك فيها، وتلحظ هنا أن المغفرة سبقتْ الأجر، لماذا؟ قالوا: لأن الحق - سبحانه وتعالى - قبل أن يُعطيك النعمة يصرف عنك العذاب أولاً؛ لأن التخلية كما قلنا تسبق التحلية، ثم إن المغفرة دائماً هي جزاء الإيمان بالله، أما الأجر فجزاء العمل بمنهج الله؛ لذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] فمَنْ آمن بالله أَمِنَ العذاب وضمن المغفرة، فإنْ أراد الأجر فعليه بالعمل الصالح. ووصف الأجر نفسه بأنه كريم مع أن الكريم هو المعطي سبحانه، فالمعنى أن كرم المعطي تعدَّى إلى العطية، فصارت العطية كريمة، وكأنها تتلهَّف على صاحبها، كما يتلهَّف الرجل إلى العطاء؛ لذلك قلنا: إن النعمة التي يُنعِم الله بها على خَلْقه تعشق صاحبها، وتسعى إليه وتكره مَنْ يحسده عليها، أو يحقد عليه بسببها. لذلك لا تذهب إلى هذا الحاسد الحاقد، ولا يناله منها خير أبداً، وكأن المُنعِم سبحانه يقول: ما دُمْتَ قد كرهتَ النعمة عند غيرك، فلن تنال منها شيئاً؛ لأنك تُخطِّئ الله في عطائه، وتعترض على قضائه، فكيف تأتيك نعمته؟ لكن إنْ أحببت النعمة عند غيرك تأتِكَ وتطرق هي بابك. وهذه المسألة لها شواهد كثيرة من حياتنا، أذكر منها أن رجلاً من بلدنا ميت غمر جاءني يشكو قسوة عمه الغني عليه، وأنه رغم غِنَاه بخيل عليه. ويستعمل الأغراب، ويتركه هو بدون عمل، وغير ذلك مما ذكره في شكواه، وكان معي في هذه الجلسة أهلي، فقالت له: يا ابني أنت دائماً تشتم عمك وتخوض في حقه، قال: نعم لأنه لا يسأل عني. فقلت له: أسألك سؤالاً وأستحلفك ألاَّ تكذب، فلما رأى أنني سأحلفه على المصحف تراجع، فقلت له: أتحب النعمة عند عمك؟ قال: لا، كيف أحبها، وأنا لا أنال منها شيئاً، قلتُ: لو أحببتَ النعمة عند عمك، وتمنيتَ له الخير والمزيد لجاءتك النعمة تطرق بابك، قال: إذن أرجوك يا مولانا تكلم عمي وتوصيه عليَّ. ويبدو أن الرجل حاول فعلاً إصلاح نفسه، فأصلح الله ما بينه وبين عمه، فبعد صلاة الفجر جاءني يطرق الباب، فلما دخل قال وهو يبكي: يا مولانا أحكي لك حكاية أغرب من الخيال. قلت: ما هي؟ قال: قبل الفجر بساعة جاء مَنْ يطرق عليَّ الباب بشدة، فقمت ففتحت الباب، فإذا به عمي يعاتبنى ويقول: كيف تتركني للأغراب ينهبون مالي وأنت (داير) على حَلِّ شعرك، خذ المفاتيح، ومن الصباح تفتح المحلات، وتباشر بنفسك مصالحي. فقلت له. نعم، لأنك أحببتَ النعمة عند عمك وغيَّرتَ ما في نفسك ناحيته. إذن: مَنْ أراد أن تكون نِعَم الناس كلها عنده. فَلْيُحب النعمة عند غيره. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} [يس: 11] بالمداومة عليه {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} [يس: 11] يعني: بنور غيبي يشاهد وخاصة عاقبة الكفر والعصيان ويتحقق عنده بشواهد الحق كماليته حلاوة الإيمان ورفعة رتبة العرفان {فَبَشِّرْهُ} [يس: 11] أنهم استوجبوا {بِمَغْفِرَةٍ} [يس: 11] منه خالصة {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11] يناسب كرمه. ثم أخبر عن إنعامه العميم وأجره الكريم بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} [يس: 12] أي: نحيي قلوباً ماتت بالقسوة بماء يمطر عليها من ضروب الإقبال والزلفة، {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ} [يس: 12] من الأنفاس المتصاعدة ندماً على ما فرطوا فيه أو شوقاً إلى لقائنا {وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] خطأ أقدام صدقهم على بساط التقرب إلينا وتزرف دموعهم على عرصات خدودهم { وَكُلَّ شيْءٍ} [يس: 12] مما يتقربون به إلينا {أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: 12] ثبتنا آثاره وأنواره في لوح محفوظ قلوب أحبابنا. وقوله: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] إلى قوله: {أية : فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}تفسير : [يس: 29] يشير إلى أصناف ألطافه مع أحبابه وأنواع قهره مع أعدائه منها ضرب مثلاً لأصحاب قرية القلوب {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] من ألطافه كرة بعد مرة، {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} [يس: 14] رسولين من الخواطر الروحانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور وللإنابة إلى دار الخلود، {فَكَذَّبُوهُمَا} [يس: 14] النفس وصفاتها {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] من الجذبة {فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ} [يس: 14-15] أي: النفس وصفاتها {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: 15] أي: ما أنتم إلا الخواطر البشرية {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} [يس: 15] أي: من خاطر الإلهام والجذبة {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15] بالانتماء إلى الحضرة.