Verse. 3717 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اِنَّا نَحْنُ نُـحْيِ الْمَوْتٰى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوْا وَاٰثَارَہُمْ۝۰ۭوَكُلَّ شَيْءٍ اَحْصَيْنٰہُ فِيْۗ اِمَامٍ مُّبِيْنٍ۝۱۲ۧ
Inna nahnu nuhyee almawta wanaktubu ma qaddamoo waatharahum wakulla shayin ahsaynahu fee imamin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا نحن نحي الموتى» للبعث «ونكتب» في اللوح المحفوظ «ما قدَّموا» في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليه «وآثارهم» ما استنَّ به بعدهم «وكل شيء» نصبه بفعل يفسره «أحصيناه» ضبطناه «في إمام مبين» كتاب بيّن، هو اللوح المحفوظ.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : في الترتيب وجوه أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: {أية : فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } تفسير : [يس:11] ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيـي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: {إِنَّا نَحْنُ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبراً كقول القائل: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت؟ فيقول: أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهوراً إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال: إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما: أن يكون الخبر {نُحْىِ } كأنه قال إنا نحيـي الموتى، و {نَحْنُ } يكون تأكيداً والأول أولى. المسألة الثانية: {إنا نحن} فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيداً إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال أنا زيد لم يحصل التعريف التام، لأن للسامع أن يقول: أيما زيد؟ فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو، فلما قال الله: {إِنَّا نَحْنُ } أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز، وحينئذٍ تصير الأصول الثلاثة مذكورة؛ الرسالة والتوحيد والحشر. المسألة الثالثة: قوله: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } فيه وجوه أحدها: المراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل:81] والمراد والبرد أيضاً وثانيها: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [البقرة:95] أي بما قدمت في الوجود على غيره وأوجدته وثالثها: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه. المسألة الرابعة: وآثارهم فيه وجوه الأول: آثارهم أقدامهم فإن جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم» تفسير : والثاني: هي السنن الحسنة، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والحبائس الدارة، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» تفسير : فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها والثالث: ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل العمل. المسألة الخامسة: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: نحيـي ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال: {إِنَّا نَحْنُ } وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله: {وَكُلَّ شيْء أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون ذلك بياناً لكون ما قدموا وآثارهم أمراً مكتوباً عليهم لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه وثانيها: أن يكون ذلك مؤكداً لمعنى قوله: {وَنَكْتُبُ } لأن من يكتب شيئاً في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهذا كقوله تعالى: { أية : عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِى كِتَـٰبٍ لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى } تفسير : [طه: 52] وثالثها: أن يكون ذلك تعميماً بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } تفسير : [القمر: 52، 53] يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء فعلوه مكتوب، وقوله: {أَحْصَيْنَـٰهُ } أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده فقال: هو محصي فيه وسمي الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ، وإمام جاء جمعاً في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } تفسير : [الإسراء: 71] أي بأئمتهم وحينئذٍ فإمام إذا كان فرداً فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعاً فهو كجبال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهراً للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردًّا على الكفرة. وقال الضحاك والحسن: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل. والأوّل أظهر؛ أي نحييهم بالبعث للجزاء. ثم توعدهم بذكره كَتْب الآثار وهي: الثانية ـ وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان. قال قتادة: معناه مِن عملٍ. وقاله مجاهد وٱبن زيد. ونظيره قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } تفسير : [الانفطار: 5] وقوله: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ }تفسير : [القيامة: 13]، وقال: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}تفسير : [الحشر: 18] فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها: من أثر حسن؛ كعلم علَّموه، أو كتاب صنَّفوه، أو حبيس احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رِباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سَيِّىءٍ كوظيفة وظفها بعض الظلاّم على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شيء أحدثه فيه صدّ عن ذكر الله من ألحان ومَلاِهٍ، وكذلك كل سُنّة حسنة، أو سيئة يستنّ بها. وقيل: هي آثار المشَّائين إلى المساجد. وعلى هذا المعنى تأوّل الآية عمر وٱبن عباس وسعيد بن جُبير. وعن ٱبن عباس أيضاً أن معنى: «وَآثَارَهُمْ» خُطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك؛ لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يُكتبُ له برِجلٍ حصنة وتُحطُّ عنه برِجل سيئة ذاهباً وراجعاً إذا خرج إلى المسجد».تفسير : قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : كانت بنو سَلِمة في ناحية المدينة فأرادوا النُّقلَة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلواتفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سَلِمة أن يتحوّلوا إلى قرب المسجد؛ قال: والبقاع خالية؛ قال: فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتَبْ آثارُكم ديارَكم تُكْتَبْ آثارُكم»تفسير : فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحوّلنا. وقال ثابت البُنَاني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما ٱنقضت الصلاة قال: مشيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأسرعت، فحبسني فلما ٱنقضت الصلاة قال: «حديث : أمَا علمت أن الآثار تُكتَب»تفسير : فهذا ٱحتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد أيضاً والحسن: الآثار في هذه الآية الخُطَا. وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخُطَا إلى الجمعة. وواحد الآثار أثَر ويقال أَثْر. الثالثة: في هذه الأحاديث المفسّرة لمعنى الآية دليل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه إلى الأبعد؟ ٱختلف فيه؛ فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدَث إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجْراً. وكره الحسن وغيره هذا؛ وقال: لا يدع مسجداً قربَه ويأتي غيره. وهذا مذهب مالك. وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. وخرّج ٱبن ماجه من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاةً وصلاته في المسجد الذي يُجمَّع فيه بخمسمائة صلاة»تفسير : . الرابعة: «دياركم» منصوب على الإغراء أي ٱلزموا، و «نكتب» جزم على جواب ذلك الأمر. «وكُلَّ» نصب بفعل مضمر يدلّ عليه «أَحْصَيْنَاهُ» كأنه قال: وأحصينا كل شيء أحصيناه. ويجوز رفعه بالابتداء إلا أن نصبه أولى؛ ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهو قول الخليل وسيبويه. والإمام: الكتاب المقتدَى به الذي هو حجة. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ. وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} الأموات بالبعث أو الجهال بالهداية. {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة. {وَءَاثَارَهُمْ} الحسنة كعلم علموه وحبيس وقفوه، والسيئة كإشاعة باطل وتأسيس ظلم. {وَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ. {وَٱضْرِبْ لَهُم} ومثل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد أي مثال واحد، وهو يتعدى إلى مفعولين لتضمنه معنى الجعل وهما: {مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } على حذف مضاف أي اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلاً، ويجوز أن يقتصر على واحد ويجعل المقدر بدلاً من الملفوظ أو بياناً له، والقرية انطاكية. {إِذْ جَاءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} بدل من أصحاب القرية، و {ٱلْمُرْسَلُونَ} رسل عيسى عليه الصلاة والسلام إلى أهلها وإضافته إلى نفسه في قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} لأنه فعل رسوله وخليفته وهما يحيـى ويونس، وقيل غيرهما. {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا} فقوينا، وقرأ أبو بكر مخففاً من عزه إذا غلبه وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به. {بِثَالِثٍ} وهو شمعون. {فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } وذَلِكَ أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا حبيباً النجار يرعى غنماً فسألهما فأخبراه فقال: أمعكما آية فقالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير وبلغ حديثهما إلى الملك وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك، قال حتى أنظر في أمركما فحبسهما، ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر أصحاب الملك حتى استأنسوا به وأوصلوه إلى الملك فأنس به، فقال له يوماً: سمعت أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه، قال فدعاهما فقال شمعون من أرسلكما قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال صفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال وما آيتكما، قالا: ما يتمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصره، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين ينظر بهما، فقال شمعون أرأيت لو سألت آلهتك حتى تصنع مثل هذا حتى يكون لك ولها الشرف، قال ليس لي عنك سر آلهتنا لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، ثم قال إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فأتوا بغلام مات منذ سبعة أيام فدعوا الله فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسناً يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال الملك من هم قال شمعون وهذان فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن في جمع، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل عليه الصلاة والسلام فهلكوا. {قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون، ورفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا. {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ} وحي ورسالة. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} في دعوى الرسالة. {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} استشهدوا بعلم الله وهو يجري مجرى القسم، وزادوا اللام المؤكدة لأنه جواب عن إنكارهم. {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} الظاهر البين بالآيات الشاهدة لصحته، وهو المحسن للاستشهاد فإنه لا يحسن إلا ببينة. {قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} تشاءمنا بكم، وذلك لاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له وتنفرهم عنه. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} عن مقالتكم هذه. {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. {قَالُواْ طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ} سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم، وقرىء «طيركم معكم». {أَئِن ذُكّرْتُم} وعظتم، وجواب الشرط محذوف مثل تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب، وقد قرىء بألف بين الهمزتين وبفتح أن بمعنى أتطيرتم لأن ذكرتم وأن بغير الاستفهام و «أين ذكرتم» بمعنى طائركم معكم حيث جرى ذكركم وهو أبلغ. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} قوم عادتكم الإِسراف في العصيان فمن ثم جاءكم الشؤم، أو في الضلال ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم ويتبرك به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } للبعث {وَنَكْتُبُ } في اللوح المحفوظ {مَاَ قَدَّمُواْ } في حياتهم من خير وشرّ ليُجازوا عليه {وَءَاثَٰرَهُمْ } ما استنَّ به بعدهم {وَكُلَّ شَىْءٍ } نصبه بفعل يفسره {أَحْصَيْنَٰهُ } ضبطناه {فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } كتاب بيِّن، هو اللوح المحفوظ.

ابن عبد السلام

تفسير : {نُحْىِ الْمَوْتَى} بالإيمان بعد الكفر، أو بالبعث للجزاء {مَا قَدَّمُواْ} من خير، أو شر {وَءَاثَارَهُمْ} ما ابتدءوا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، أو خطاهم إلى المساجد نزلت لما أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : إن آثاركم تكتب " تفسير : فلم يتحولوا {إِمَامٍ} اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب، أو طريق مستقيم.

النسفي

تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ ٱلْمَوْتَىٰ } نبعثهم بعد مماتهم أو نخرجهم من الشرك إلى الإيمان {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها {وَءَاثَارَهُمْ } ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علّموه أو كتاب صنّفوه أو حبيس حبّسوه أو رباط أو مسجد صنعوه أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلمة، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ونحوه قوله تعالى {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ }تفسير : [القيامة: 13] قدم من أعماله وأخر من آثاره. وقيل: هي خطاهم إلى الجمعة أو إلى الجماعة {وَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ } عددناه وبيناه {فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها. {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } ومثل لهم من قولهم «عندي من هذا الضرب كذا» أي من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد أي على مثال واحد، والمعنى واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية أي أنطاكية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، والمثل الثاني بيان للأول. وانتصاب {إِذْ } بأنه بدل من {أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } {جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان {إِذْ } بدل من {إِذْ } الأولى {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ } أي أرسل عيسى بأمرنا {ٱثْنَيْنِ } صادقاً وصدوقاً، فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له ـ وهو حبيب النجار ـ فسأل عن حالهما فقالا: نحن رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص، وكان له ابن مريض مدة سنتين فمسحاه فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفي على أيديهما خلق كثير، فدعاهما الملك وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك. فقال: حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل: حبسا ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت قولهما؟ قال: لا. فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء ورزق كل حي وليس له شريك. فقال: صفاه وأوجزا. قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك. فدعا بغلام أكمه فدعوا الله فأبصر الغلام. فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف؟ قال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار لما مت عليه من الشرك وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا. وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون وهذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا. {فَكَذَّبُوهُمَا } فكذب أصحاب القرية الرسولين {فَعَزَزْنَا } فقويناهما، {فَعَزَّزْنَا } أبو بكر من عزّه يعزّه إذا غلبه أي فغلبنا وقهرنا {بِثَالِثٍ } وهو شمعون وترك ذكر المفعول به لأن المراد ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل، وإذا كان الكلام منصباً إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض {فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } أي قال الثلاثة لأهل القرية {قَالُواْ } أي أصحاب القرية {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } رفع {بشر} هنا ونصب في قوله {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا }تفسير : [يوسف: 31] لانتقاض النفي بـ «إلا» فلم يبق لما شبه بليس وهو الموجب لعمله {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ} أي وحياً {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } ما أنتم إلا كذبة. {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } أكد الثاني باللام دون الأول لأن الأول ابتداء إخبار والثاني جواب عن إنكار فيحتاج إلى زيادة تأكيد. و {رَبُّنَا يَعْلَمُ } جارٍ مجرى القسم في التوحيد وكذلك قولهم «شهد الله» و «علم الله» {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته {قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } تشاءمنا بكم وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة ذلك. وقيل: حبس عنهم المطر فقالوا ذلك {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ } عن مقالتكم هذه {لَنَرْجُمَنَّكُمْ } لنقتلنكم أو لنطردنكم أو لنشتمنكم {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } وليصيبنكم عذاب النار وهو أشد عذاب {قَالُواْ طَـٰئِرُكُم } أي سبب شؤمكم {مَّعَكُمْ } وهو الكفر {أئِن} بهمزة الاستفهام وحرف الشرط: كوفي وشامي { ذُكِّرْتُم } وعظتم ودعيتم إلى الإسلام، وجواب الشرط مضمر وتقديره «تطيرتم»، {آين} بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: أبو عمرو، و {أَيْنَ } بهمزة مقصورة بعدها ياء مسكورة: مكي ونافع. {ذكرتم} بالتخفيف: يزيد {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } مجاوزون الحد في العصيان فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم مسرفون في ضلالكم وغيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله. {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ } هو حبيب النجار وكان في غار من الجبل يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال: أتسألون على ما جئتم به أجراً؟ قالوا: لا {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـئَلُكُمْ أَجْراً } على تبليغ الرسالة {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } أي الرسل: فقالوا: أو أنت على دين هؤلاء؟ فقال: {وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وإليه مرجعكم، {وَمَا لِى } حمزة. {ءَأَتَّخِذُ} بهمزتين: كوفي { مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } يعني الأصنام {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ} شرط جوابه {لاَّ تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} من مكروه، {ولا ينقذوني} {فاسمعوني} في الحالين: يعقوب { إِنِّى إِذاً } أي إذا اتخذت {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ظاهر بين. ولما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل فقال لهم {إِنِّى ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } أي اسمعوا إيماني لتشهدوا لي به. ولما قتل {قِيلَ } له {ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ } وقبره في سوق أنطاكية. ولم يقل «قيل له» لأن الكلام سيق لبيان المقول لا لبيان المقول له مع كونه معلوماً، وفيه دلالة أن الجنة مخلوقة. وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه وهو في الجنة ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض، فلما دخل الجنة ورأى نعيمها {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى} أي بمغفرة ربي لي أو بالذي غفر لي {وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } بالجنة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى} يعني للبعث {ونكتب ما قدموا} أي من الأعمال من خير وشر {وآثارهم} أي ونكتب ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة (م) عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء, ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" تفسير : وقيل نكتب خطاهم إلى المسجد, عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال "حديث : كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (خ) عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة فقال: "يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟" فأقاموا" تفسير : . قوله تعرى يعني تخلى فتترك عراء وهو الفضاء من الأرض الخالي الذي لا يستره شيء (م). عن جابر قال حديث : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" فقالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال: "بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"" تفسير : . فقالوا ما يسرنا إذا تحولنا. قوله بني سلمة أي يا بني سلمة وقوله: دياركم أي الزموا دياركم (ق). عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام ". تفسير : قوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه} أي حفظناه وعددناه وأثبتناه {في إمام مبين} يعني اللوح المحفوظ. قوله عز وجل: {واضرب لهم مثلاً} يعني صف لهم شبهاً مثل حالهم من قصة {أصحاب القرية} يعني أنطاكية {إذ جاءها المرسلون} يعني رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. (ذكر القصة في ذلك) قال العلماء بأخبار الأنبياء بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى أهل إنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب ياسين فسلما عليه فقال الشيخ لهما من أنتما فقالا رسولا عيسى عليه الصلاة والسلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال الشيخ لهما أمعكما آية قالا نعم نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله قال الشيخ إن لي ابناً مريضاً منذ سنين قالا: فانطلق بنا نطلع على حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحاً ففشا الخبر في المدينة وشفى الله تعالى على أيديهما كثيراً من المرضى, وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه انطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى خبرهما إليه فدعا بهما، وقال: من أنتما قالا: رسولا عيسى عليه الصلاة والسلام، قال: وفيم جئتما قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر فقال ولنا إله دون آلهتنا قالا نعم الذي أوجدك وآلهتك قال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما وقال وهب بعث عيسى عليه السلام هذين الرجلين إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائتي جلدة فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة والسلام رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرهما ليبصرهما, فدخل شمعون البلد متنكراً فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته فقال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما، فقال: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك, فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا, قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, فقال شمعون: وما آيتكما؟ قال: ما تتمناه فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذ بندقتين من طين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك إن أنت سألت إلهك حتى يصنع لك مثل هذا كان لك الشرف ولإلهك, فقال له الملك ليس لي عنك سر مكتوم فإن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم, فقال الملك للرسولين إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك إن هاهنا ميتاً قد مات منذ سبعة أيام ابن دهقان وأنا أخّرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائباً, فجاؤوا بالميت وقد تغيّر وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سراً فقام الميت وقال: إني ميت منذ سبعة أيام ووجدت مشركاً فأدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم عليه فآمنوا بالله ثم قال فتحت أبواب السماء فنظرت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك ومن الثلاثة قال شمعون وهذان وأشار بيده إلى صاحبيه فعجب الملك من ذلك فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن معه قوم وكفر آخرون وقيل بل كفر الملك وأجمع على قتل الرسل هو وقومه فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين.

البقاعي

تفسير : ولما بين الأصل الثاني هو الرسالة وأتبعها ثمرتها المختومة بالبشارة، وكان الأصل الثالث في الإيمان - وهو البعث - سبباً عظيماً في الترقية إلى اعتقاد الوحدانية التي هي الأصل الأول، وكان أكثر الخائفين منه سبحانه مقتراً عليهم في دنياهم منغضة عليهم حياتهم، علل هذه البشارة إعلاماً بأن هذا الأجر في هذه الدار بالملابس الباطنة الفاخرة من المعارف والسكينة والبركات والطمأنينة، وبعد البعث بالملابس الطاهرة الزاهرة المسببة عن الملابس الدنيوية الباطنة الخفية من غير أهلها، بشارة لهم ونذارة للقسم الذي قبلهم بقوله، مقدماً للبعث لما ذكر من فائدته، لافتاً القول إلى مظهر العظمة إيذاناً بعظمة هذه المقاصد وبأنه لا يحمي لهؤلاء الخلص مع قلتهم ومباينتهم للأولين مع كثرتهم إلا من له العظمة الباهرة: {إنا نحن} أي بما لنا من العظمة التي لا تضاهى {نحيي} أي بحسب التدريج الآن وجملة في الساعة {الموتى} أي كلهم حساً بالبعث ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلم الجهل {ونكتب} أي من صالح وغيره شيئاً فشيئاً بعده فلا يتعدى التفصيل شيئاً في ذلك الإجمال {ما قدموا} من جميع أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم جملة عند نفخ الروح {وآثارهم} أي سننهم التي تبقى من بعدهم صالحة كانت أو غير صالحة، ونجازي كلاً بما يستحق في الدار الآخرة التي الجزاء فيها لا ينقطع، فلا أكرم منه إذا كان كريماً. ولما كان ذلك ربما أوهم الاقتصار على كتابة ما ذكر من أحوال الآدميين أو الحاجة إلى الكتابة، دل على قدرته على ما لا تمكن القدرة عليه لأحد غيره في أقل قليل مما ذكر، فكيف بما فوقه، فقال ناصباً عطفاً لفعليه وهي "تكتب": {وكل شيء} أي من أمر الأحياء وغيرهم {أحصيناه} أي قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وكتبناه {في إمام} أي كتاب هو أهل لأن يقصد {مبين *} أي لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال على أحد أراد علمه منه، فلله هذه القدرة الباهرة والعظمة الظاهرة والعزة القاهرة، فالآية من الاحتباك: دل فعل الإحصاء على مصدره وذكر الإمام على فعل الكتابة. ولما انتهى الكلام إلى هنا، وكان مقصود السورة كما سلف إثبات الرسالة لإنذار يوم الجمع، وكان الإنذار غاية، وكانت الغايات هي المقاصد بالذات، وكانت غاية الإنذار اتباع الذكر، فكان ذلك غاية الغاية، كان الكلام على المتبعين أولى بالتقديم على أنه يلزم من الكلام فيهم الكلام في أضدادهم, وهم المعرضون الذين حق عليهم القول والكلام على اليوم المنذر به، فلذلك ضرب المثل الجامع لذلك كله، ومر إلى أن صور البعث تصويراً لم يتقدم مثله، ثم عطف بآية الطمس وما بعدها على القسم المعرض، ثم رجع إلى الكلام على الرسول والكتاب. ولما دل سبحانه على ما له من القدرة الكاملة بالأفعال الهائلة من كل من الإماتة والإحياء الحسيين والمعنويين إبداء وإعادة، وكان ضرب الأمثال بالمشاهدات ألصق شيء بالبال، وأقطع للمراء والجدال، وأكتشف لما يراد من الأحوال، قال عاطفاً على {فبشره} مبيناً للأصل الثالث الذي هو الأول بالأصالة المقصود بالذات، وهو التوحيد، ضامّاً إليه الأصلين الاخرين، ليكون المثل جامعاً، والبرهان به واضحاً ساطعاً: {واضرب لهم} أي لأجلهم بشارة بما يرجى لهم عند إقبالهم، ونذارة لما يخشى عليهم عند إعراضهم وإدبارهم {مثلاً} أي مشاهداً في إصرارهم على مخالفة الرسول وصبره عليهم ولطفه بهم، لأنا ختمنا على قلوبهم على الكفران مع قربهم منك في النسب والدار، وفوز غيرهم لأنا نورنا قلوبهم مع البعد في النسب والدار بالإيمان وثمراته الحسان، لأنهم يخشون الرحمن بالغيب، ولا يثبتون على الغباوة والريب. ولما ذكر المثل، أبدل منه قوله: {أصحاب القرية} التي هي محل الحكمة واجتماع الكلمة وانتشار العلم ومعدن الرحمة. ولما كان الممثل به في الحقيقة إنما هو إخبارها بأحوال أهلها لأنها وجه الشبه، وكانت أخبارها كثيرة في أزمنة مديدة، وعين المراد بقوله: {إذ} وهي بدل اشتمال من القرية مسلوخة من الظرفية. ولما كان الآتي ناحية من بلد وإن عظم يعد في العرف آتياً لذلك البلد، أعاد الضمير على موضع الرسالة تحقيقاً له وإبلاغاً في التعريف بمقدار بعد الأقصى فقال: {جاءها} أي القرية لإنذار أهلها {المرسلون *} أي عن الله لكونهم عن رسوله عيسى عليه السلام أرسلهم بأمره لإثبات ما يرضيه سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم من جملة من قيل في فاطر إنهم جاؤوا بالبينات وبالزبر، والتعريف إما لكونهم يعرفون القرية ويعرفون أمرها، وإما لأنه شهير جداً فهم بحيث لو سألوا أحداً من أهل الكتاب الذين يعتنون بها أخبرهم به، لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم بالسؤال ليبينوا لهم - كما زعموا - مواضع الإشكال. ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في توقفهم عن المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى صراط المستقيم، وكان في المشاركة في المصائب أعظم تسلية، أبدل من قوله {إذ جاءها} تفصيلاً لذلك المجيء قوله، مسنداً إلى نفسه المقدس لكونه أعظم في التسلية: {إذ أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة. ولما كان المقصود بالرسالة أصحابها قال: {إليهم اثنين} أي ليعضد أحدهما الآخر فيكون أشد لأمرهما فأخبراهم بإرسالهما إليهم كأن قالا: نحن رسولان إليكم لتؤمنوا بالله {فكذبوهما} أي مع ما لهما من الآيات، لأنه من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولاً إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، سواء كان عنا من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا، كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون آية فكانت نوراً في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. ولما كان التضافر على الشيء أقوى لشأنه، وأعون على ما يراد منه، سبب عن ذلك قوله حاذفاً المفعول لفهمه من السياق، ولأن المقصود إظهار الاقتدار على إيقاع الفعل وتصريفه في كل ما أريد له: {فعززنا} أي فأوقعنا العزة، وهي القوة والشدة والغلبة، لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن بالتكذيب فحصل ما أردنا من العزة - بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالتخفيف {بثالث} أرسلناه بما أرسلناهما به {فقالوا} أي الثلاثة بعد أن أتوهم وظهر لهم إصرارهم على التكذيب، مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم: {إنا إليكم} أي لا إلى غيركم {مرسلون * قالوا} أي أهل القرية: {ما أنتم} أي وإن زاد عددكم {إلا} ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما تلبس فزال عملها فارتفع قوله: {بشر مثلنا} أي فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلاً دوننا، ولما كان التقدير: فما أرسلتم إلينا بشيء، عطفوا عليه قوله: {وما أنزل الرحمن} أي العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأعرقوا في النفي بقولهم: {من شيء}. ولما كان الإتيان على ما ذكر محتملاً للغلط ونحوه، قالوا دافعين لذلك: {إن} أي ما {أنتم إلا تكذبون *} أي حالاً ومآلاً {قالوا} أي الرسل: {ربنا} أي الذي لو لم يكن لنا وازع عن الكذب عليه إلا إحسانه إلينا لكان كافياً {يعلم} أي ولذلك يظهر على أيدينا الآيات، ويحمينا ممن يكيدنا، وهذه العبارة تجري مجرى القسم، وكذا نحو {شهد الله}. ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في تأكيده زادوا في تأكيد جوابه فقالوا: {إنا إليكم} أي خاصة {لمرسلون *} ما أتيناكم غلطاً ولا كذباً، فالأول ابتداء أخبار، وهذان جوابا إنكار، فأعطى كلاًّ ما يستحق.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم‏} ‏ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنه يكتب آثاركم، ثم قرأ عليهم الآية، فتركوا‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم‏}‏ قال‏:‏ الخطا‏. وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزلت ‏ {‏ونكتب ما قدموا وآثارهم‏}‏ فقالوا‏:‏ بل نمكث مكاننا‏. وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم، ويتحولوا قريباً من المسجد، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ أراد بنو سلمة أن يبيعوا دورهم، ويتحوّلوا قريب المسجد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكره أن تعرى المدينة فقال ‏"حديث : ‏يا بني سلمة أما تحبون أن تكتب آثاركم إلى المسجد‏؟قالوا‏:‏ بلى‏.‏ فأقاموا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ونكتب ما قدموا وآثارهم‏}‏ قال‏:‏ هذا في الخطو يوم الجمعة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال‏:‏ ‏"حديث : كان رجل ما يعلم من أهل المدينة ممن يصلي القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد، فكان يشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء والظلمات، فقال والله ما يسرني أن منزلي بلصق المسجد، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال‏:‏ يا رسول الله كيما يكتب أثري، وخطاي، ورجوعي إلى أهلي، وإقبالي، وإدباري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏أعطاك الله ذلك كله، وأعطاك ما احتسبت أجمع"‏ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من حين يخرج أحدكم من منزله إلى منزل رجل يكتب له حسنة، ويحط عنه سيئة‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال‏:‏ ما خطا رجل خطوة إلا كتب الله له حسنة أو سيئة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا‏ً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ونكتب ما قدموا‏} قال‏:‏ أعمالهم ‏{‏وآثارهم‏}‏ قال‏:‏ خطاهم بأرجلهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لو كان مغفلاً شيئاً من أثر ابن آدم لأغفل هذا الأثر التي تعفها الرياح، ولكن أحصر على ابن آدم أثره، وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو في طاعة الله أو معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏ونكتب ما قدموا وآثارهم‏} ‏ قال‏:‏ ما سنوا من سنة، فعملوا بها من بعد موتهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏نكتب ما قدموا‏} ‏ قال‏:‏ ما قدموا من خير ‏{‏وآثارهم‏}‏ قال‏:‏ ما أورثوا من الضلالة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء‏.‏ ثم تلا هذه الآية ‏{‏ونكتب ما قدموا وآثارهم‏} ‏ ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏} ‏ قال‏:‏ أم الكتاب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء من امام عند الله محفوظ، يعني في كتاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه ‏ {‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏}‏ قال‏:‏ كتاب‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} بـيانٌ لشأنٍ عظيمٍ بنطوي على الإنذارِ والتَّبشيرِ انطواءً إجماليَّاً أي نبعثُهم بعد مماتِهم. وعن الحسنِ إحياؤهم إخراجُهم من الشِّركِ إلى الإيمانِ فهو حينئذٍ عدةٌ كريمةٌ بتحقيق المُبشَّر به {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} أي ما أسلفُوا من الأعمالِ الصَّالحةِ وغيرِها {وَءاثَارَهُمْ} التي أبقوها من الحسناتِ كعلمٍ علمُوه أو كتابٍ ألَّفُوه أو حبـيسٍ وقفُوه أو بناءٍ بنوَه من المساجدِ والرِّباطاتِ والقناطرِ وغيرِ ذلك من وجوهِ البرِّ ومن السَّيئاتِ كتأسيسِ قوانينِ الظُّلمِ والعُدوانِ وترتيبِ مبادِىء الشَّرِّ والفسادِ فيما بـين العبادِ وغيره ذلكَ من فُنون الشُّرور التي أحدثُوها وسنُّوها لمن بعدهم من المُفسدين. وقيل هي آثارُ إلى المشَّائينَ إلى المساجدِ ولعلَّ المرادَ أنَّها من جُملةِ الآثارِ. وقُرىء ويُكتب على البناء للمفعولِ ورفعِ آثارَهم. {وَكُلَّ شىْء} من الأشياءِ كائناً ما كانَ {أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ} أصلٍ عظيمِ الشَّأنِ مظهر لجميعِ الأشياءِ ممَّا كان وما سيكونُ وهو اللَّوحُ المحفوظُ. وقُرىء كلُّ شيءٍ بالرَّفعِ. {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ} ضربُ المَثَلِ يُستعملُ تارةً في تطبـيقِ حالةٍ غريبةٍ بحالةٍ أُخرى مثلِها كما في قوله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ} تفسير : [سورة التحريم: الآية 10] وأخرى في ذكر حالةٍ غريبةٍ وبـيانِها للنَّاس من غير قصدٍ إلى تطبـيقِها بنظيرةِ لها كما في قوله تعالى: { أية : وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [سورة إبراهيم: الآية 45] على أحدِ الوجهينِ أي بـيَّنا لكم أحوالاً بديعةً هي في الغرابةِ كالأمثالِ فالمَعْنى على الأوّلِ اجعلْ أصحابَ القريةِ مثلاً لهؤلاء في الغُلوِّ في الكفرِ والإصرارِ على تكذيبِ الرُّسلِ أي طبِّق حالَهم بحالهم على أنَّ مثلاً مفعولٌ ثانٍ لاضربْ وأصحابَ القريةِ مفعولُه الأوَّلَ أُخِّر عنه ليتَّصل به ما هو شرحُه وبـيانُه وعلى الثَّاني اذكُر وبـيِّن لهم قصَّةً هي في الغرابةِ كالمَثَل وقوله تعالى أصحابَ القريةِ بدلٌ منه بتقديرِ المضافِ أو بـيانٌ له والقريةُ أنطاكيِّةُ {إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} بدلُ اشتمالٍ من أصحابَ القريةِ وهم رُسلُ عيسى عليه السَّلامُ إلى أهلِها ونسبةُ إرسالِهم إليهِ تعالى في قولِه: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} بناء على أنَّه كان بأمره تعالى لتكميلِ التَّمثيلِ وتتميم التَّسليةِ وهما يحيـى وبُولس، وقيل غيرُهما {فَكَذَّبُوهُمَا} أي فأتياهم فدعواهم إلى الحقِّ فكذَّبوهما في الرِّسالةِ {فَعَزَّزْنَا} أي قوَّينا يقال عزَّز المطرُ الأرضَ إذا لبَّدها. وقُرىء بالتَّخفيفِ من عزَّه إذا غلبَه وقهرَه. وحُذف المفعولُ لدلالة ما قبله عليه ولأنَّ المقصدَ ذكر المعزَّزِ به {بِثَالِثٍ} هو شَمعُون {فَقَالُواْ} أي جميعاً {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} مُؤكِّدين كلامَهم لسبق الإنكارِ لما أنَّ تكذيبَهما تكذيبٌ للثَّالثِ لاتِّحادِ كلمتهم، وذلك أنَّهم كانوا عَبَدَة أصنام فأَرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنينِ فلما قَرُبا من المدينة رأياً شيخاً يَرعى غُنيماتٍ له وهو حبـيبٌ النَّجارُ صاحبُ يسن فسألهما فأخبراهُ قال أمعكما آيةٌ فقالا نشفي المريضَ ونُبرىء الأكْمَه والأبرصَ وكان له ولدٌ مريضٌ منذ سنتينِ فمسحاهُ فقام فآمن حبـيبٌ وفشا الخبرُ وشُفي على أيديهما خلقٌ وبلغ حديثُهما إلى الملكِ وقال لهما ألنا إلهٌ سوى آلهتِنا قالا نعم من أوجدَك وآلهتَك فقال حتَّى أنظرَ في أمرِكما فتبعهما النَّاسُ، وقيل: ضربُوهما، وقيل: حُبسا. ثمَّ بعث عيسى عليه السَّلامُ شَمعُون فدخلَ مُتنكِّرا وعاشر حاشيةَ الملك حتَّى استأنُسوا به ورفعوا خبرَه إلى الملكِ فأنسَ به فقالَ له يَوْماً بلغني أنَّك حبستَ رجلينِ فهل سمعتَ ما يقولانِه قال لاَ حال الغضبُ بـيني وبـينَ ذلكَ فدعاهُما فقال شَمعُون: مَن أرسلكُما قالا الله الذي خَلَق كلَّ شيءٍ وليسَ له شريكٌ فقال: صفاهُ وأَوْجِزا. قالاَ يفعلُ مَا يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ قال وما آيتكُما قالا ما يتمنَّى الملكُ فَدَعا بغلامٍ مطمُوسِ العينينِ فدعَوَا الله تعالى حتَّى انشقَّ له بصرٌ فأخذا بُندقتينِ فوضعاهما في حدقتيهِ فصارتا مُقلتينِ ينظرُ بهما فقال له شَمعُون أرأيتَ لَو سألتَ إلهَك حتَّى يصنعَ مثلَ هذا فيكونَ لك وله الشَّرفُ قال ليس لي عنك سرٌّ إن إلهنَا لا يُبصر ولا يسمعُ ولا يضرُّ ولا ينفعُ. وكان شمعُون يدخلُ معهم على الصَّنمِ فيصلِّي ويتضرَّعُ وهم يحسبون أنَّه منهم ثم قال: إنْ قدر إلهُكما على إحياءِ ميِّتٍ آمنَّا به فدعَوا بغلامٍ ماتَ من سبعةِ أيامٍ فقامَ وقال إنِّي أُدخلت في سبعةِ أوديةٍ من النَّارِ وإنِّي أُحذركم ما أنتُم فيه فآمِنُوا وقال فُتحت أبوابُ السَّماء فرأيتُ شَاباً حسنَ الوجهِ يشفعُ لهولاءِ الثَّلاثةِ قال الملكُ من هُم قال شمعُونُ وهذانِ. فتعجَّبَ الملكُ فلمَّا رأى شمعُون أنَّ قولَه قد أثر فيه نصحَه فآمنَ وآمنَ قومٌ ومَن لم يُؤمن صاحَ عليهم جبريلُ عليه السَّلامُ فهلكُوا. هكذا قالُوا، ولكن لا يُساعده سياقُ النَّظمِ الكريمِ حيثُ اقُتصر فيه على حكايةِ تمادِيهم في العنادِ واللَّجاجِ وركوبِهم متنَ المُكابرةِ في الحِجاجِ ولم يُذكرْ فيه ممَّن يؤمن أحدٌ سوى حبـيبٍ ولو أنَّ الملكَ وقوماً من حواشيه آمنُوا لكان الظَّاهرُ أنْ يُظاهروا الرُّسلَ ويساعدوهم قُبلوا في ذلك أو قُتلوا كدأب النَّجار الشهيد ولكان لهم فيه ذكرٌ ما بوجه من الوجوه، اللَّهم إلاَّ أن يكونَ إيمانُ الملكِ بطريق الخُفيةِ على خوفٍ من عُتاةِ ملئِه فيعتزلُ عنهم مُعتذراً بعذرٍ من الأعذارِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} [الآية: 12]. قال محمد بن على الترمذى فى هذه الآية: إنا نحن نحيى الأنفس الميتة بتوفيق الخدمة ونحيى القلوب الميتة بأنوار الإيمان ونحيى الأسرار الميتة بأنوار الاطلاع ونحيى الأفئدة الميتة بأنوار المشاهدة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}. نُحيي قلوباً ماتت بالقسوة بما نُمْطِرُ عليها من صَوْبِ الإقبال والزلفة، ونكتب ما قدَّموا. {وَآثَارَهُمْ}: خُطَاهم إلى المساجد، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا، وتَرَقْرُق دموعهم على عَرَصَات خدودهم، وتَصَاعُدَ أنفاسهم. قوله جل ذكره: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}. أثبتنا تفصيله في اللوح المحفوظ.. لا لتناسينا لها - وكيف وقد أحصينا كل شيءٍ عدداً؟ - ولكننا أحْبَبْنا إثبات آثار أحبائنا في المكنون من كتابنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا} من مقام كما قدرتنا والجمع للتعظيم ولكثرة الصفات. وقال بعضهم لما فى احياء الموتى من حظ الملائكة وينافيه الحصر الدال على قوله {نحن}. قال فى البحر كرر الضمير لتكرير التأكيد {نحيى الموتى} نبعثهم بعد مماتهم ونجزيهم على حسب اعمالهم فيظهر حينئذ كمال الاكرام والانتقام للمبشرين والمنذرين من الانام. والاحياء جعل الشئ حيا ذا حس وحركة والميت من اخرج روحه وقد اطلق النبى عليه السلام لفظ الموتى على كل غنى مترف وسلطان جائر وذلك فى قوله عليه السلام "حديث : اربع يمتن القلب الذنب على الذنب وكثرة مصاحبة النساء وحديثهن وملاحاة الاحمق تقول له ويقول لك ومجالسة الموتى قيل يا رسول الله وما مجالسة الموتى قال كل غنى مترف وسلطان جائر " تفسير : وفى التأويلات النجمية نحيى قلوبا ماتت بالقسوة بما نمطر عليها من صوب الاقبال والزلفة انتهى. فالاحياء اذا مجاز عن الهداية {ونكتب} اى نحفظ ونثبت فى اللوح المحفوظ يدل عليه آخر الآية او يكتب رسلنا وهم الكرام الكاتبون وانما اسند اليه تعالى ترهيبا ولانه الآمر به {ما قدموا} اى اسلفوا من خير وشر وانما اخر الكتابة مع انها مقدمة على الاحياء لانها ليست مقصودة لذاتها وانما تكون مقصودة لامر الاحياء ولولا الاحياء والاعادة لما ظهر للكتابة فائدة اصلا {وآثارهم} اثر الشئ حصول ما يدل على وجوده اى آثارهم التى ابقوها من الحسنات كعلم علموه او كتاب الفوه او حبيس وقفوه او بناء شئ من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البرّ قال الشيخ السعدى شعر : تمرد آنكه ماند بس از وى بجاى بل ومسجد وخان مهمان سراى هرآن كو نماند از بسش ياد كار درخت وجودش نياورد بار وركرفت آثار خيرش نماند نشايد بس از مرك الحمد خواند تفسير : ومن السيآت كوظيفة وظفها بعض الظلمة على المسلمين مسانهة او مشاهرة وسكة احدثها فيها تحسيرهم وشئ احدث فيه صدّ عن ذكر الله من الحان وملاهى ونحوه قوله تعالى {ينبأ الانسان يومئذ بما قدم واخر} اى بما قدم من اعماله واخر من آثاره وفى المثنوى شعر : هركه بنهد سنت بد اى فتى تادر افتد بعد او خلق از عمى جمع كردد بر وى آن جملة بزه كوسرى بودست وايشان دم غزه تفسير : فعلى العدول ان يرفعوا الاحداث التى فيها ضرر بين الناس فى دينهم ودنياهم والا فالراضى كالفاعل وكل مجزى بعمله شعر : از مكافات عمل غافل مشو كندم از كندم برويد جو زجو كين جنين كفتست بير معنوى كاى برادر هرجه كارى بدروى تفسير : وقال بعض المفسرين هى آثار المشائين الى المساجد ولعل المراد انها من جملة الآثار كما فى الارشاد ـ روى ـ حديث : ان جماعة من الصحابة بعدت دورهم عن المسجد النبوى فارادوا النقلة الى جوار المسجد فقال عليه السلام "ان الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليها فالزموا بيوتكم" تفسير : والله تعالى لا يترك الجزاء على الخطى سواء كانت فى حسنة او فى سيئة وفى الحديث "حديث : اعظم الناس اجرا من يصلى ثم ينام " تفسير : واختلف فيمن قربت داره من المسجد هل الافضل له ان يصلى فيه او يذهب الى الابعد فقالت طائفة الصلاة فى الابعد افضل لكثرة الثواب الحاصل بكثرة الخطى. وقال بعضهم الصلاة فى الاقرب افضل لما ورد "حديث : لا صلاة لجار المسجد الا فى المسجد" تفسير : ولا حياء حق المسجد ولما له من الجوار وان كان فى جواره مسجد ليس فيه جماعة وبصلاته فيه يحصل الجماعة كان فعلها فى مسجد الجوار افضل لما فيه من عمارة المسجد واحيائه بالجماعة واما لو كان اذا صلى فى مسجد الجوار صلى وحده فالبعيد افضل ولو كان اذا صلى فى بيته صلى جماعة واذا صلى فى مسجد الجوار صلى وحده ففى بيته افضل. قال بعضهم جار المسجد اربعون دارا من كل جانب. وقيل جار المسجد من سمع النداء. قال فى مجمع الفتاوى رجل لو كان فى جواره مسجدان يصلى فى اقدمهما لان له زيادة حرمة وان كانا سواء ايهما اقرب يصلى هناك وان كان فقيها يذهب الى الذى قومه اقل حتى يكثر بذهابه وان لم يكن فقيها يخير قالوا كل ما فيه الجماعة كالفرائض والتروايح فالمسجد فيه افضل فثواب المصلين فى البيت بالجماعة دون ثواب المصلين فى المسجد بالجماعة وفى الحديث "حديث : صلاة الرجل فى جماعة تضعف على صلاته فى بيته وفى سوقه (خسمة وعشرين ضعفا) وفى رواية (سبعة وعشرين)" تفسير : وذلك لان فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة والرواتب عشر فالجميع سبع وعشرون. واكثر العلماء على ان الجماعة واجبة. وقال بعضهم سنة مؤكدة وفى الحديث "حديث : لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر الى اقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرّق بيوتهم" تفسير : وهذا يدل على جواز احراق بيت المتخلف عن الجماعة لان الهم على المعصية لا يجوز من الرسول عليه السلام لانه معصية فاذا جاز احراق البيت على ترك الواجب او السنة المؤكدة فما ظنك فى ترك الفرض وفى الحديث "حديث : بشروا المشائين فى الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة" تفسير : وفيه اشارة الى ان كل ظلمة ليست بعذر لترك الجماعة بل الظلمة الشديدة واطلاق اللفظ يشعر بان المتحرى للافضل ينبغى ان لا يتخلف عن الجماعة بأى وجه كان الا ان يكون العذر ظاهرا والاعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة هى المرض الذى يبيح التيمم ومثله كونه مقطوع اليد والرجل من خلاف او مفلوجا او لا يستطيع المشى او اعمى والمطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة فى الصحيح وكذا الخوف من السلطان او غيره من المتغلبين جعلنا الله واياكم ممن قام بامره فى جميع عمره {وكل شئ} من الاشياء كائنا ما كان سواء كان ما يصنعه الانسان او غيره وهو منصوب بفعل مضمر يفسره قوله {أحصيناه} ضبطناه وبيناه. قال ابن الشيخ اصل الاحصاء العد ثم استعير للبيان والحفظ لان العد يكون لاجلهما. وفى المفردات الاحصاء التحصيل بالعدد يقال احصيت كذا وذلك من لفظ الحصى واستعمال ذلك فيه لانهم كانوا يعتمدون عليه فى العد اعتمادنا فيه على الاصابع {فى امام مبين} اصل عظيم الشان مظهر لجميع الاشياء مما كان وما سيكون وهو اللوح المحفوظ سمى اماما لانه يؤتم به ويتبع. قال الراغب الامام المؤتم به انسانا كان يقتدى بقوله وبفعله او كتابا او غير ذلك محقا كان او مبطلا وجمعه ائمة نحو قوله تعالى {أية : يوم ندعو كل اناس بامامهم} تفسير : اى بالذى يقتدون به وقيل بكتابهم {وكل شئ احصيناه فى امام مبين} فقد قيل اشارة الى اللوح المحفوظ انتهى. وفى الاحصاء ترغيب وترهيب فان المحصى لم يصح منه الغفلة فى حال من الاحوال بل راقب نفسه فى كل وقت ونفس وحركة وسكنة. وخاصية هذا الاسم تسخير القلوب فمن قرأه عشرين مرة على كل كسرة من الخبز والكسر عشرون فانه يسخر له الخلق. فان قلت ما فائدة تسخير الخلق. قلت دفع المضرة او جلب المنفعة واعظم المنافع التعليم والارشاد واختار بعض الكبار ترك التصرف والالتفات الى جانب الخلق بضرب من الحيل فان الله تعالى يفعل ما يريد والا هم تسخير النفس الامارة حتى تنقاد للامر وتطيع للحق فمن لم يكن له امارة على نفسه كان ذليلا فى الحقيقة وان كان مطاعا فى الظاهر. وفى التأويلات النجمية {وكل شئ} مما يتقربون به الينا {احصيناه فى امام مبين} اى اثبتنا آثاره وانواره فى لوح محفوظ قلوب احبابنا انتهى. واعلم ان قلب الانسان الكامل امام مبين ولوح الهى فيه انوار الملكوت منتقشة واسرار الجبروت منطبعة مما كان فى حد البشر دركه وطوق العقل الكلى كشفه وانما يحصل هذا بعد التصفية بحيث لم يبق فى القلب صورة ذرة مما يتعلق بالكونين ومعنى التصفية ازالة المتوهم ليظهر المتحقق فمن لم يدر المتوهم من المتحقق حرم من المتحقق: قال المولى الجامى قدس سره شعر : سككى مى شد استخوان بدهان كرده ره بر كنار آب روان بسكه آن آب صاف وروشن بود عكس آن استخوان در آب نمود برد بيجاره سك كمان كه مكر هست درآب استخوان دكر لب جو بكشاد سوى آن بستاد استخوان ازدهان در آب فتاد نيست را هستئ توهم كرد بهرآن نيست هست را كم كرد تفسير : فعلى العاقل ان يجلو المرآة ليظهر صورة الحقيقة وحقيقة الوجود ويحصل كمال العيان والشهود نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من اهل الصفوة ويحفظنا من الكدورات والهفوة انه غاية المقصود ونهاية الامل من كل علم وعمل

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا نحنُ نحيي الموتَى} أي: نبعثهم بعد مماتهم، أو: نُخرجهم من الشرك إلى الإيمان. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: لَمَّا أمر بالتبشير بالمغفرة، والأجر الكريم، لمَن انتفع بالإنذار، أعلم بحكم مَن لم يؤمن، ولم ينتفع بالإنذار، وأنه يبعثهم، وإليه حكمهم، كما قال: {أية : إِنَّمَا يَستَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ} تفسير : [الأنعام: 36] هـ. {ونكتُبُ ما قدّموا} ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها، {وآثارَهُمْ} ما تركوه، بعدهم من آثار حسنة، كعِلْم علَّموه، أو كتاب صنَّفوه، أو حبس حبسوه، أو رباط أو مسجد صنعوه. أو آثار سيئة، كبدعة ابتدعوها في الإسلام. ونحوه قوله تعالى: {أية : يُنَبَّؤُاْ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] أي: قدّم من عمله وأخّر من آثاره. وفي الحديث: "حديث : مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فعمل بها من بعده، كان له أجرُها ومثل أجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن يَنْقُص من أجورِهِمْ شيءٌ. ومَن سَنَّ في الإسلام سُنَّة سيئةً فعليه وزرها، ووزرُ مَن عمل بها، من غير أن يَنْقُص من أوزارهم شيءٌ" تفسير : وفي خبر آخر: "حديث : سبع تجري على العبد بعد موته: مَن غرس غرساً، أو حفر بئراً، أو أجرى نهراً، أو علَّمَ علماً، أو بنى مسجداً، أو ورَّث مصحفاً، أو ولداً صالحاً" تفسير : .انظر المنذري. وهذا كله داخل في قوله تعالى: {وآثارهم} قيل: آثارهم: خطاهم إلى المساجد، للجمعة وغيرها. {وكل شيءٍ أحصيناه} حفظناه، أو عددناه وبيَّنَّاه {في إِمامٍ} كتاب {مبينٍ} اللوح المحفوظ؛ لأنه أصل الكتب وإمامها، وقيل: صحف الأعمال. والمراد: تهديد العباد بإحصاء ما صنعوه من خير أو شر، لينزجروا عن معاصي الله، وينهضوا إلى طاعة الله. الإشارة: إنّا نحن نُحيي القلوب الميتة بالغفلة والجهل، فنحييها بالعلم والمعرفة، ونكتب ما قدّموا من العلوم، والأسرار والمعارف، وآثارهم، أي: الأنوار المتعدية إلى الغير، ممن اقتبس منهم وأخذ عنهم. قال القشيري: نُحيي قلوباً ماتت بالقسوة، بما نُمطر عليها من صنوف الإقبال والزلفة، ونكتب ما قدموا {وآثارهم} خطاهم إلى المساجد، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا، وما ترقرقَ من دموعهم على عَرَصات خدودهم، وتَصَاعُدَ أنفاسهم. هـ. ثم ضرب مثلاً لقريش في تكذيبهم، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلَّم، فقال: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : فعقّب ذلك بقوله: {إِنَّا نَحْنُ}: أي هو تعالى، أو ضَرْبٌ من ملائكته المقرَّبين المهيَّمينَ، الذين فعْلُهُم مطوي في فعل الحق، لفناء ذواتهم بغلبة سلطان النور الطامس الأزلي على أنوارهم، واختفاء أشعة تأثيراتهم العقلية، تحت شعاع الضوء القيُّومي. {نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ}: من النفوس الهالكة في عالم الظلمات ومقبرة الدنيا، وقبور الهيئات البَدَنيَّة النائمة نوم الغفلة، وقصور الوجود بروح المعارف والعلوم، ويقظة الكشف والشهود، ويؤيد هذا، ما ذُكِر عن الحسن: "إحياؤهم أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان". وقيل: "نحيي الموتى بِبَعْثِهِمْ بعد مَمَاتِهم". {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}: قيل: أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وَمَا هَلَكوا عنه من آثار حسنة: كعلم علموه، أو كتاب صنّفوه، أو بناء بنوه، من مسجد أو رباط أو قنطرة، أو نحو ذلك، أو سيئة: كوظيفة وخراج أنشأها بعض الظلمة على الناس، أو سِكة أحدثها، فيها تخسيرهم، أو لهو فيه صَدٌّ عن ذكر الله، من ألحان وملاهٍ، كالنرد والشطرنج، وكذلك كل سنَّة حسنة أو سنّة سيئة يُسْتَنّ بها، ونحوهُ قوله تعالى: {أية : يُنَبَّؤُاْ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}تفسير : [القيامة:13] قدّم من أعماله، أو أَخَّر من آثاره. قاعدة فرقانية فيها مكاشفة قرآنية الاشارة في تحقيق هذه الآية: إن كل مَن فعل فعلاً، وتكلَّم كلاماً، أو عمِل عملاً صالحاً، أو اقْتَرَفَ معصيةً، حَصَلَ من ذلك أثر في نفسه، وحدث فيها حال وكيفية نفسانية، هي ضرب من الصورة والنقش، وإذا تكرَّرت الأفاعيل، وتكثَّرت الأقاويل، استحكمت الآثار في النفس، فصارت ملكاتٍ بعدما كانت أحوالاً، و "المقام" في لغة أهل التصوُّف، هو هذه الملكة، فيصدر بسببها الأفعال المناسبة لها بسهولة من غير رَوِية. ومن هاهنا، يتأتى تعلّم الصنايع، وَتَهيُّؤ المكاسب العلمية والعملية، ولو لم يكن هذا التأثر للنفس، والاشتداد به فيها يوماً فيوماً، لم يكن للإنسان تعلّم الحرف والصنايع، بل يحتاج في كل تَراخٍ وتعطُّل، إلى تجشُّم كسب جديد، ولم ينجع التأديب والتهذيب في الإنسان، ولم يكن أيضاً في تأديب الأطفال وتمرينهم على الأعمال فائدة، فالآثار الحاصلة من الأفعال والأقوال في القلوب، بمنزلة النقوش والكتابة في الألواح {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} تفسير : [المجادلة:22] وتلك الألواح النفسية يقال لها: "صحائف الأعمال". وتلك الصور والنقوش الكتابية، تحتاج في حصولها في تلك الألواح، إلى مصورين وكتاب غير تلك الموضوعات، لما علِمتَ، من استحالة كون كشيء واحد، مصوِّراً ومصوَّراً ونقاشاً ومنتقشاً، ومعلِّماً ومتعلماً، وبالجملة فاعلاً وقابِلاً، واستحالة كون المعطي للكمال قاصراً عنه، فالمصوِّرون والكتَّابُ يجب أن يكونوا أجلَّ رتبةً، وأشدّ تجرّداً، وأعظم كرامة من النفوس القابلة، فهم "الكرام الكاتبون"، وهم ضُرُوبٌ من ملائكة الله، المتعلقة بأعمال العباد وأقوالهم، لقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق:18]. وهُمْ على كثرة أصنافهم، حسب أصناف العباد قسمان: "ملائكة اليمين" وهم يكتبون أعمال أصحاب اليمين، و "ملائكة الشمال" وهم يكتبون أعمال أصحاب الشمال، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق:17]. وفي الخبر: "كل من عمل حسنة يخلق الله منها ملكاً يثاب به، ومن اقترف سيئة يخلق الله منها شيطاناً يعذب به" فالأول أشير إليه بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [فصّلت:30 - 31]. والثاني إليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}تفسير : [الشعراء:221 - 222]، وقوله: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف:36]. وفي كلام فيثاغورس، وهو من أساطين الحكماء، المقتبسينَ أنوارَ معارفهم من مشكاة علوم الأنبياء (عليهم السلام): "اعلم أنك ستُعارض بأقوالك وأفعالك وأفكارك، وستظهر لك من كل حركة، فكرية أو قولية أو عَمَليَّة، صورٌ روحانية وجسمانية، فإن كانت الحركة غَضَبِيَّة شهويَّة، صارت مادةً لشيطان يؤذيك في حياتك، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، وإن كانت الحركة عقلية، صارت مَلَكاً بمنادمته في دنياك، وتهتدي بنوره في أُخراك، إلى جوار الله وكرامته". وهذا النور هو ما يُشار إليه بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد:12] وأمثال هذا في كلام الله كثير، كما سيلوح لك بفضله إنشاء الله. فإذا تقرَّر هذا، فقوله: "مَا قَدَّموا" إشارة إلى تلك الأحوال النفسانية، والارتسامات المتتالية مرةً بعد أخرى، قبلَ رسوخ تلك الصفات، وصيرورتها مَلكَةً يعسر زوالها. وقوله: "وآثارَهُم" إشارةٌ إلى المَلَكَاتِ الراسخة، التي هي أثر حاصل بعد انقضائها، وانقطاع الأعمال المستدعيةِ لها. ثم لما كان هذا العالم دارَ التغير والزوال، وألواحُ النفوس المتعلقة به قابلة للمَحْوِ والإثبات، يمكن فيها تبديل الصفات والهيئات، وإزالة السيئات بالحسنات، والتوبة عن المعاصي قبل حصول الأخلاق والمَلَكات، وسدّ أبواب المغفرة عند استحكام الرّين والظُلُمات، وأما عند ظهور الآخرة فتستحكم الأخلاق، بحيث يصير كلُ خلقٍ رديء (صورة) خلق آخر من الحيوانات، فَيُحشَر الناس على حَسَب هيئاتهم، كما ورد في الحديث، وهذا معنى قوله: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة:6 - 8]. زيادة كشف رسوخُ الهيئات، وتأكّدُ الصفات الحاصلة من تكرر أعمال الحسنات والسيئات، هو المسمى عند الحكماء بـ "المَلَكَة"، وفي لسان أهل النبوة والمشاهدة بـ "الملك" و "الشيطان"، والمعنى واحد وإن اختلفت الإشارات، ولو لم يكن لتلك المَلَكَات النفسانية، من الثبات ما يبقى أبَدَ الآباد، لم يكن لخلود أهل الطاعة والمعصية، في الثواب والعقاب وجه، لأن منشأ الدوام، لو كان نفسَ العمل أو الحالة الزائلة من النفس، يلزم بقاء المعلول مع زوال العلة. وأيضاً، الفعل الجسماني الواقع في زمان متناه، ومكان خاص، كيف يكون منشأً للجزاء الثابت في الزمان الغير المتناهي؟ ومثل هذه المجازاة، لا تليق بالحكيم، وقد قال: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [ق:29]. وقال: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [البقرة:225]. ولكن، إنما يخلد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، بالثبات في النيات. ومن ها هنا، ظهرت نُكتة أخرى في قوله: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ}، وهي بيان السبب الموجب للعقاب، من غير ظلم وجَوْرٍ واعتِساف ومَيْل وحَيْف في الميزان والحساب، فكل من فعل مثقَال ذرَّة من الخير أو الشر، يرى أثره وملكوته في صحيفة ذاته، أو صحيفة أرفع من ذاته، في كتاب لا يُجلّيها إلاّ لوقتها، وإذا حان وقت أن يقع بصرُه إلى وجه ذاته عند كَشْف الغطاء، وفراغه عن شواغل هذه الأدنى وما يورده الحواس، ويلتفت إلى صفحة باطنه وقلبه، وهو المعبر عنه بقوله: {أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} تفسير : [التكوير:10]. فمن كان في غفلة عن ذاته، وحضور قلبه، يقول عند ذلك كما حكى الله عنه بقوله: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف:49]. وأُشيرَ إلى نشر الصحف أيضاً بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً}تفسير : [آل عمران:30]. وفي الخبر أيضاً: "أن من قال سبحان الله غُرِسَت له في الجنة شجرة" ومن قال كذا وكذا حسنة، خلق الله له الحور العين، وقصوراً وبيوتاً وأنهاراً يتمتع بها أبداً مخلداً. وكذا الحكم في جانب المعصية، فيخلق الله من سيئات المجرمين والمنافقين، ما يكون سبب آلامهم دائماً مخلداً، وقال تعالى في قصة ابن نوح (عليه السلام): {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}تفسير : [هود:46] وفي الخبر "خُلِقَ الكافر من ذَنْب المؤمن" ونظائر هذه كثيرة في الآيات والأخبار. ومنشأ ذلك، أن الدار الآخرة دار الحياة لقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64] ومواد أشخاص الآخرة، هي التصورات الباطنة والتأملات القلبية، لأن الدار الآخرة ليست من جنس الدار الدنيا، لأن هذه دار الشهادة وهي دار الغيب، والإنسان إذا انقطع عن الدنيا، وتجرد عن مشاعر هذا الأدنى، وكشف عنه الغطاء، يكون الغيب بالنسبة إليه شهادةً وحضوراً، والعلم عيناً، والخبرَ عياناً، والسرَّ علانية. فكل أحد يكون بعد كشف الغطاء، ورفع الحجاب، حديد البصر لقوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق:22]. فيكون بصيراً بنتائج أعماله، مشاهداً لآثار أفعاله، قارئاً لصفحة كتابه، مطَّلعاً على حساب حسناته وسيئاته لقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء:13 - 14]. فَمَن كان مِن أصحاب اليمين، وأهل المعرفة واليقين، أوتي كتابه من الجهة التي تناسبه، وهي جهة عليّين {أية : إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [المطففين:18 - 21]. وَمن كان مِن أصحاب الشمال، والمنكوسين الفجّار، وصاحب الأنظار الجزئية، والأفكار المتعلقة بالأعمال والآثار، فقد أوتي كتابه بشماله لقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة:25] أو مِن وراءِ ظهره لقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَىٰ سَعِيراً} تفسير : [الانشقاق:10 - 12] ويكون أيضاً كتابه في سجّين لقوله تعالى: {أية : إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} تفسير : [المطففين:7]، لأنه من جملة المجرمين المنكوسين لقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [السجدة:12]. ثم اعلم، أن جميع هذه الكتب والصحائف، إنما تُنتَسَخُ عن أصل مقدَّس عظيم هي فروع له، وأبواب مأخوذة منه، وجداول منشعبة من بحره، وهو أمّ النُسَخِ وإمامُ الكُتب، وهو كتاب عقلي مُبِين، فيه صور جميع الممكنات على وجه أعلى وأرفع، لا يمسُّه إلاّ الملائكةُ المطهَّرون، والعقول المقدسة عن أرجاس عالم الحواس، وأدناس الوهم والوسواس، ولذلك قال بعد الإشارات إلى صحائف الأعمال، وكُتبِ الأفعال لأصحاب الشمال: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} [12]: أي عدَّدنا كلَ شيء من الحوادث، في كتاب ظاهر الكتابة، لأن حقائق الأشياء مسطورة أوَّلاً فيه، ثم تتفرع منه العلوم المفصَّلة، وتتشعّب من بحره أنهار الحقائق، وجداول المعارف، وهو "اللوح المحفوظ"، و "لوح القضاء الإلهي"، النافذ حكمه في المدارك النفسانية، والألواح القَدَرية، وعنده مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلاّ الله، والراسخون في العلم، وعنده خزائن العلوم والمعارف المتعلقة بالحوادث الكائنة والآتية، لقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأنعام:59]، وقوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر:21]. وتلك المفاتح لخزائن العلوم والمعلومات، هي قلوب الملائكة المقرَّبين، المحفوظين بحفظ الله، وتبقيَتهِ وحراسته إيّاهم، عن الخَلَل والنقصان والذهول، وعالمُهُم "عالم القضاء" السابق على عالم القدر واللوح النفسي، وعالم اللوح الخارجي، - أي المادة بما فيها من الصور العينية -. قيل: الوجه في إحصاء كل شيء في الكتاب الإلهي، اعتبار الملائكة به، إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور، فإنّ صدور الأنواع الكثيرة، يحتاج إلى جهات كثيرة في عالم الألوهية، يوجب تكثّر الفيض من الواحد الحقيقي، الذي ما أمره إلاّ واحد كلمح بالبصر، ففي هذه دلالة على حصول صوَرِ الأشياء كلها، في ذلك الكتاب، على وجه مفصَّل مرتَّب، يجمع ويرتقي إلى أمر واحد، وقد بسطنا القول فيه بوجه تحقيقي في مقام آخر، ذكره يؤدي إلى التطويل، ويخرج عن طَور الكلام في التأويل.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} تعليل وتسلية ووعد ووعيد {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ} من الاعمال الّتى لا تبقى بصورها عليهم {وَآثَارَهُمْ} من العلوم والاخلاق وآثار الاعمال الّتى عملوها فبقى آثارها على نفوسهم {وَكُلَّ شيْءٍ} غير المذكورات {أَحْصَيْنَاهُ} اى كتبناه {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} هو اللّوح المحفوظ، او القلم الاعلى، او الامام الّذى هو بنفسه علم الله بكلّ شيءٍ فانّ الله بكلّ شيءٍ عليم {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} تفسير : [النور: 36] وتلك البيوت هى ائمّة النّاس.

اطفيش

تفسير : {إنا نحن نحيي الموتى} نبعثهم او الموتى الجهال واحياؤهم هدايتهم ألى الإيمان وهو وقول الحسن. {ونكتب ما قدموا} من خير أو شر وقرىء يكتب بالتحتية والبناء للمفعول ورفع ما بعده. {وآثارهم} اعمالهم الباقية كعلم علموه وصدقة جارية وسنة حسنة وكسنة قبيحة سنوها ومن الصدقة الجارية كتاب صنفه في العلم وحبس حبسوه ومسجد بنوه او قنطرة وعنه صلى الله عليه وسلم من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها من بعده من غير ان من ينقص اجورهم شيء ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير ان ينقص من اوزارهم وقيل الآثار الخطا الى المسجد وهو قول عمر بن عبدالعزيز وقد تقدم حديث بني سلمة في ذلك في اول السورة. وعن جابر بن عبدالله البجلي حديث : وأردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتانا في ديارنا فقال يا بني سلمة انكم تريدون النقلة الى المسجد فقلنا نعم بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية فعليكم دياركم فانما تكتب اثاركم، قال فما وددنا حضرة المسجد اي قربه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير : وفي رواية حديث : قالوا نعم يا رسول الله اردنا ذلك فقال بني سلمة دياركم تكتب اثاركم تفسير : اي يا بني سلمة الزموا دياركم فقالوا ما يسرنا انا تحولنا قال عمر بن عبدالعزيز لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : اعظم الناس اجرا في الصلاة ابعدهم مشيا والذي ينتظر الصلاة مع الامام اعظم اجرا من الذي يصلي وحده . تفسير : {وكل شيء أحصيناه} ضبطناه حفظا وعدا. {في إمام مبين} اللوح المحفوظ قاله ابن زيد وقتادة وقالت فرقة صحيفة الأعمال وكل مفعول لمحذوف على الاشتغال وقرىء بالرفع على الابتداء. أو بالعطف على ما قدموا او على آثارهم فإن هذا الرافع يقرأ ويكتب بالتحتية والبناء للمفعول ورفع آثار.

اطفيش

تفسير : {إنَّا نَحن} لا غيرنا، أكد الاحياء بالجملة الاسمية، وضمير غير المفرد فى مواضع، وذكر نحن ولا تخفى التقوية بذلك لما قالوا: " أية : وما نحن بمبعوثين"تفسير : قال الله جلا وعلا: "أنا الكفيل بالبعث فتشاهدونه" {نُحْيي الموْتى} من كفر ومن اتبع الذكر كلهم للجزاء {ونكتبُ ما قَدَّموا} من حسنات وسيئات كالخطا الى المساجد والى صلاة الجمعة {وآثارهم} كالصدقة الجارية، والعلم الذى علمه غيره، والتأليف وتأسيس الحق كنفى الرؤية، وكتأسيس قوانين المعصية كإثبات الرؤية وكون صفاته تعالى غيره، وقوانين الظلم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا" تفسير : ثم تلا الآية فالحديث تفسير للآية بالمعصية والطاعة المستمرين بعد موت صاحبهما. وكان بنو سلمة وغيرهم من الأنصار بناحية من المدينة بعيدة من المسجد النبوى، وكان حول المسجد فراغ فأرادوا القرب منه، فأنزل الله عز وجل: {ونكتب ما قدموا} الآية فدعاهم فقال: تكتب آثاركم وقرأ اية فتركوا القرب، وكان صلى الله عليه وسلم كارها لخلاء نواحى المدينة فقال: " حديث : يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم " تفسير : ؟ فقالوا: يا رسول الله محتسب ولا يسرنا التحول، والمراد بقوله: تكتب آثاركم الأخذ من قوله: {ونكتب ما قدموا} لا تفسير الآثار فى الآية بخطواتهم، فإنه قد فسرها بما يستمر، فلا يغرنك موافقة لفظ الآثار، وهب أنها مرادة، فليست بخصوصها، بل بحيث إنه يقتدى بهم فى ترك القرب، وفى المجىء من بعيد. وفى الحديث: " حديث : أعظم الناس أجرا فى الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذى ينتظر الصلاة مع الإمام أعظم أجراً من الذى يصلى ثم ينام" تفسير : وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم سائر الأعمال، وهو مخالف لتفسير الحديث، مع أن النية لا يطلع عليها الملك، فلعل الله يكتبها بقدرته، ومن ذلك ما ورد من أن الله جل وعلا يخرج للإنسان كتاباً فيه حسنات بالنية، ويقول: لم يطلع عليها غيرى، وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ، وبعض بالجزاء. {وكُل شَيء} مما يرجع إلى الدين أو غيره {أحْصَيناه} حفظناه، وأصل الإحصاء العد، عبر به لأن العد لأجل الحفظ، ويقال أصله العد بالحصى {في إمامٍ مُبينٍ} اللوح المحفوظ، لأنه إمام يعمل به، ولا يخالف، والمراد غير أحوال أهل الجنة وأهل النار، لأنها لا تنحصر إلا أن خلق الله عز وجل ذلك للوح بقدرته يفى بذلك كذا قيل، وفيه أن ذلك من خصوصيات الله عز وجل، وما كذلك لا يخلقه الله تعالى لغيره وذلك محال، ولو جاز ذلك لجاز أن يخلق الألوهية لأحد، كما أن معلومات الله لا تنقضى، ومنها أحوال أهلها، ومع ذلك هى محصورة عند الله، ومعنى مبين: مظهر ملا كان وما يكون، وقد يقال: اللوح المحفوظ مشتمل على الكل مطلقا شيئا فشيئا، مثل أن يكتب ما فى ألف سنة ثم ما فى ألف بعدها، وهكذا أو بتخالف العدد، ولا نجزم بأن اللوح زمردة خضراء من وجه وياقوتة حمراء من آخر، وقيل: اللوح المحفوظ علم الله.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } الخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفعين بالإنذار ترهيباً وترغيباً ووعيداً ووعداً، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية، وما ألطف هذا الضمير الذي عكسه كطرده هٰهنا، وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل، والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }تفسير : [المؤمنون: 37] أي إنا نحن نحيـي الأموات جميعاً ببعثهم يوم القيامة. {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة {وَءاثَارَهُمْ } التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه أو كتاب ألفوه أو حبيس وقفوه أو بناء في سبيل الله تعالى بنون وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادىء الشر والفساد فيما بين العباد وغير ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين. أخرج ابن أبـي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً ثم تلا {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ }» تفسير : وعن أنس أنه قال في الآية: هذا في الخطو يوم الجمعة، وفسر بعضهم الآثار بالخطا إلى المساجد مطلقاً لما أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والترمذي وحسنه عن أبـي سعيد الخدري قال كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم الآية فتركوا. وأخرج الإمام أحمد في «الزهد» وابن ماجه وغيرهما عن ابن عباس قال كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد فنزلت {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } فقالوا بل نمكث مكاننا. وأنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكر على أن الآثار هي الخطا لا غير وقصارى ما يدل عليه أنها من الآثار فلتحمل الآثار على ما يعمها وغيرها. واستدل بهذين الخبرين ونحوهما على أن الآية مدنية. وقال أبو حيان: ليس ذلك زعماً صحيحاً وشُنع عليه بما ورد مما يدل على ذلك، وانتصر له الخفاجي بأن الحديث الدال معارض بما في «الصحيحين» أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ولم يذكر أنها نزلت فيهم وقراءته عليه الصلاة والسلام لا تنافي تقدم النزول ومراد أبـي حيان هذا لا أنه أنكر أصل الحديث، ولا يخفى أن الحديثين / السابقين ظاهران في أن الآية نزلت يومئذ وليس في حديث «الصحيحين» ما يعارض ذلك، والعجب من الخفاجي كيف خفي عليه هذا. وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم من الأعمال، والظاهر أن المراد بالكتابة الكتابة في صحف الملائكة الكرام الكاتبين ولكونها بأمره عز وجل أسندت إليه سبحانه، وأخرت في الذكر عن الإحياء مع أنها مقدمة عليه لأن أثرها إنما يظهر بعده وعلى هذا يضعف تفسير (ما قدموا) بالنيات بناء على ما يدل عليه بعض الأخبار من أن النيات لا تطلع عليها الملائكة عليهم السلام ولا يؤمرون بكتابتها. وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ أي نحفظ ذلك ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب، ولعلك تختار أن كتابة ما قدموا وآثارهم كناية عن مجازاتهم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر وحينئذ فوجه ذكرها بعد الإحياء ظاهر. وعن الحسن والضحاك أن إحياء الله تعالى الموتى أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان وجعلا الموت مجازاً عن الجهل، وتعريف {ٱلْمَوْتَىٰ } للعهد والكلام عليه توكيد للوعد المبشر به كأنه قيل: إنما ينفع إنذارك في هؤلاء لأنا نحييهم ونكتب صالح أعمالهم وآثارهم ولا يخفى ما في ذلك من البعد. وقرأ زر ومسروق {ويكتب} بالياء مبنياً للمفعول {وَءاثَارَهُمْ } بالرفع. {وَكُلَّ شىْء } من الأشياء كائناً ما كان، والنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء {أَحْصَيْنَـٰهُ } أي بيناه وحفظناه؛ وأصل الإحصاء العد ثم تجوز به عما ذكر لأن العد لأجله. {فِى إِمَامٍ } أي أصل عظيم الشأن يؤتم ويقتدى به ويتبع ولا يخالف {مُّبِينٌ } مظهر لما كان وسيكون، وهو على ما في «البحر» حكاية عن مجاهد وقتادة وابن زيد اللوح المحفوظ، وبيان كل شيء فيه إذا حمل العموم على حقيقته بحيث يشمل حوادث الجنة وما يتجدد لأهلها من دون انقطاع على ما نحو ما يحكى من بيان الحوادث الكونية في «الجفر الجامع» لكنه على طرز أعلا وأشرف، ونحو هذا ما قال غير واحد من اشتمال القرآن الكريم على كل شيء حتى أسماء الملوك ومدد ملكهم أو يقال إن بيان ذلك فيه ليس دفعة واحدة بل دفعات بأن يبين فيه جملة من الأشياء كحوادث ألف سنة مثلاً ثم تمحى عند تمام الألف ويبين فيه جملة أخرى كحوادث ألف أخرى وهكذا، والداعي لما ذكر أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناه الأبعاد كما تشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف لنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفاً لغير المتناهى وهو محال بالبديهة. وإذا أريد بكل شيء الأشياء التي في هذه النشأة وأفعال العباد وأحوالهم فيها فلا إشكال في البيان على الوجه المعروف دفعة. والذي يترجح عندي أن ما كتب في اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وهو متناه وبعض الآثار تشهد بذلك والمطلق منها محمول على المقيد، وحقيقة اللوح لم يرد فيها ما يفيد القطع ولذا نمسك عن تعيينها، وكون أحد وجهيه ياقوتة حمراء والثاني زمرة خضراء جاء في بعض الآثار ولا جزم لنا بصحته، وكونه أحد المجردات وما من شيء إلا وهو يعلمه بالفعل مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين وإنما هو من تخيلات الفلاسفة ومن حذا حذوهم فلا ينبغي أن يعول عليه. وفسر بعضهم الإمام المبين بعلمه تعالى الأزلي كما فسر أم الكتاب في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الرعد: 39] به وهو أصل لا يكون في صفوف صنوف الممكنات ما يخالفه كما يلوح به قول الشافعي:شعر : خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن تفسير : ووصفه بمبين لأنه مظهر فقد قالوا: العلم صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به أو لأن إظهار الأشياء من / خزائن العدم يكون بعد تعلقه فإن القدرة إنما تتعلق بالشيء بعد العلم فالشيء يعلم أولاً ثم يراد ثم تتعلق القدرة بإيجاده فيوجد، ولا يخفى ما في هذا التفسير من ارتكاب خلاف الظاهر وعليه فلا كلام في العموم، نعم في كيفية وجود الأشياء في علمه تعالى كلام طويل محله كتب الكلام. وعن الحسن أنه أريد به صحف الأعمال وليس بذاك. وحكي لي عن بعض غلاة الشيعة أن المراد بالإمام المبين علي كرم الله تعالى وجهه وإحصاء كل شيء فيه من باب:شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : ومنهم من يزعم أن ذلك على معنى جعله كرم الله تعالى وجهه خزانة للمعلومات على نحو اللوح المحفوظ، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم الجهل بالكتاب الجليل نسأل الله تعالى العفو والعافية، ويمكن أن يقال: إنهم أرادوا بذلك نحو ما أراده المتصوفة في إطلاقهم الكتاب المبين على الإنسان الكامل اصطلاحاً منهم على ذلك فيهون أمر الجهل، وكمال علي كرم الله تعالى وجهه لا ينكره إلا ناقص العقل عديم الدين. وقرأ أبو السمال {وكل } بالرفع على الابتداء.

ابن عاشور

تفسير : لما اقتضى القصر في قوله: { أية : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمٰن بالغيب } تفسير : [يس: 11] نفى أن يتعلق الإِنذار بالذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا الرحمان، وكان في ذلك كناية تعريضية بأن الذين لم ينتفعوا بالإِنذار بمنزلة الأموات لعدم انتفاعهم بما ينفع كل عاقل، كما قال تعالى: { أية : لتنذر من كان حياً } تفسير : [يس: 70] وكما قال: { أية : إنك لا تسمع الموتى } تفسير : [النمل: 80] استطرد عقب ذلك بالتخلّص إلى إثبات البعث فإن التوفيق الذي حفّ بمن اتبع الذكر وخشي الرحمان هو كإحياء الميت لأن حالة الشرك حالة ضلال يشبه الموت، والإِخراج منه كإحياء الميت؛ فهذه الآية اشتملت بصريحها على علم بتحقيق البعث واشتملت بتعريضها على رمز واستعارتيْن ضمنيتين: استعارة الموتى للمشركين، واستعارة الإحياء للإِنقاذ من الشرك، والقرينة هي الانتقال من كلام إلى كلام لما يومىء إليه الانتقال من سبق الحضور في المخيلة فيشمل المتكلم مما كان يتكلم في شأنه إلى الكلام فيما خطر له. وهذه الدلالة من مستتبعات المقام وليست من لوازم معنى التركيب. وهذا من أدق التخلص بحرف (إنَّ) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطْنة، وهذا مقام خطاب الذكِيّ المذكور في مقدمة علم المعاني. فيكون موقع جملة «إنا نحيي الموتى» استئنافاً ابتدائياً لِقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر، ولم يخشوا الرحمان، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر. ويجوز أن يكون الإِحياء مستعاراً للإنقاذ من الشرك، والموتى: استعارة لأهل الشكر، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإِيمان كما قال تعالى: { أية : أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات } تفسير : [الأنعام: 122] الآية. فتكون الجملة امتناناً على المؤمنين بتيسير الإِيمان لهم، قال تعالى: { أية : فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام } تفسير : [الأنعام: 125]، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله: { أية : فبشره بمغفرة وأجر كريم } تفسير : [يس: 11]. والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم. وهذا الاعتبار يناسبه الاستئناف الابتدائي ليكون الانتقال بابتداء كلاممٍ منبهاً السامعَ إلى ما اعتبره المتكلم في مطاوي كلامه. والتأكيد بحرف (إنّ) منظور فيه إلى معنى الصريح كما هو الشأن، و{نحن} ضمير فصل للتقوية وهو زيادة تأكيد. والمعنى: نحييهم للجزاء، فلذلك عطف {ونكتب ما قدموا}، أي نُحْصي لهم أعمالهم من خير وشر قدموها في الدنيا لنجازيهم. وعطفُ ذلك إدماج للإِنذار والتهديدِ بأنهم محاسبون على أعمالهم ومجازَون عليها. والكناية: كناية عن الإِحصاء وعدم إفلات شيء من أعمالهم أو إغفاله. وهي ما يعبر عنه بصحائف الأعمال التي يسجلها الكِرام الكاتبون. فالمراد بــــ{ما قدموا} ما عملوا من الأعمال قبل الموت؛ شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة كما يقدم المسافر ثَقله وأحماله. وأما الآثار فهي آثار الأعمال وليست عينَ الأعمال بقرينة مقابلته بــــ{ما قدموا} مثل ما يتركون من خير أو يثير بين الناس وفي النفوس. والمقصود بذلك ما عملوه موافقاً للتكاليف الشرعية أو مخالفاً لها وآثارهم كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : من سَنَّ سُنة حسنة فله أجْرُها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ومَن سَنّ سنة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة لا يَنقص ذلك من أعمالهم شيئاً » تفسير : . فالآثار مسببات أسباب عملوا بها. وليس المراد كتابة كل ما عملوه لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء. فهذا وعد ووعيد كلٌّ يأخذ بحظه منه. وقد ورد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحوّلوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قُرب المسجد وقالوا: البقاع خالية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتبْ آثاركم » تفسير : مرتين رواه مسلم. ويعني آثار أرجلهم في المشي إلى صلاة الجماعة. وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنَّه قرأ عليهم: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فجعل الآثار عامّاً للحسية والمعنوية، وهذا يلاقي الوجه الثاني في موقع جملة {إنا نحن نحيى الموتى}. وهو جار على ما أسسناه في المقدمة التاسعة. وتوهَّم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه. والإِحصاء: حقيقته العدّ والحساب وهو هنا كناية عن الإِحاطة والضبط وعدم تخلف شيء عن الذكر والتعيين لأن الإِحصاء والحساب يستلزم أن لا يفوت واحد من المحسوبات. والإِمام: ما يُؤتم به في الاقتداء ويُعمَل على حسب ما يَدلّ عليه، قال النابغة: شعر : بنوا مجد الحياة على إمام تفسير : أطلق الإِمام على الكتاب لأن الكتاب يتّبع ما فيه من الأخبار والشروط، قال الحارث بن حلزة: شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينــــ ــــقض ما في المهارق الأهواء تفسير : والمراد بــــ{كل شيء} بحسب الظاهر هو كل شيء من أعمال الناس كما دل عليه السياق، فذكر {كل شيء} لإِفادة الإِحاطة والعموم لما قدموا وآثارهم من كبيرة وصَغيرة. فكلمة {كلّ} نص على العموم من اسم الموصول ومن الجمع المعرّف بالإِضافة، فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} مؤكدة لجملة {ونكتب ما قدموا وآثارهم}، ومبينة لمُجملها، ويكون عطفها دون فصلها مراعىً فيه ما اشتملت عليه من زيادة الفائدة. ويجوز أن يكون المراد بــــ{كل شيء} كل ما يوجد من الذوات والأعمال، ويكون الإحصَاء إحصاء علم، أي تعلق العلم بالمعلومات عند حدوثها، ويكون الإِمام المبين علم الله تعالى. والظرفية ظرفية إحاطة، أي عدم تفلت شيء عن علمه كما لا ينفلت المظروف عن الظرف. وجعل علم الله إماماً لأنه تجري على وفقه تعلقات الإِرادة الربانية والقدرةِ فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه} على هذا تذييلاً مفيداً أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها بل تعمّ جميع الكائنات. وإذ قد كان الشيء يرادف الموجود جاز أن يراد بــــ{كل شيء} الموجود بالفعل أو ما يقبل الإِيجاد وهو الممكن، فيكون إحصاؤه هو العلم بأنه يكون أو لا يكون ومقادير كونه وأحواله، كقوله تعالى: { أية : وأحصى كلّ شيء عدداً } تفسير : [الجن: 28].

الشنقيطي

تفسير : ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء. الأول: أنه يحيي الموتى مؤكداً ذلك متكلماً عن نفسه بصيغة التعظيم. الثاني: أنه يكتب ما قدموا في دار الدنيا. الثالث: أنه يكتب آثارهم. الرابع: أنه أحصى كل شيء في إمام مبين. أي في كتاب بيِّن واضح، وهذه الأشياء الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها: وهو كونه يحيي الموتى بالبعث فقد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى. كقوله تعالى: {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} تفسير : [التغابن: 7] وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ} تفسير : [يونس: 53]. وقوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} تفسير : [النحل: 38] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدّمناها بكثرة في سورة البقرة وسورة النحل في الكلام على براهين البعث وقدمنا الإحالة على ذلك مراراً. وأما الثاني منها: وهو كونه يكتب ما قدموا في دار الدنيا فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} تفسير : [الزخرف: 80]. وقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 29]. وقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 13ـ14] وقوله تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَاً} تفسير : [الكهف: 49] الآية. وقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. وقد قدّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الكهف. وأما الثالث منها: وهو كونهم تكتب آثارهم فقد ذكر في بعض الآيات أيضاً. واعلم أن قوله: {وَآثَارَهُمْ} فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء. الأول منهما: أن معنى {مَاَ قَدَّمُواْ} ما باشروا فعله في حياتهم، وأن معنى {وَآثَارَهُمْ}: هو ما سنّوه في الإسلام من سنة حسنة أو سيئة، فهو من آثارهم التي يعمل بها بعدهم. الثاني: أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" تفسير : يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده صلى الله عليه وسلم. أما على القول الأول فالله جل وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم وسنوا لهم السنن السيئة كما في قوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]. وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍَ} تفسير : [النحل: 25] وذكرنا حديث جرير، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك. ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنه من هدى أو ضلالة. قوله تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] بناء على أن المعنى بما قدّم مباشراً له، وأخّر مما عمل به بعده ممّا سنه من هدى أو ضلال. وقوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} تفسير : [الإنفطار: 5] على القول بذلك. وأما على تفسير الثاني: وهو أن معنى {وَآثَارَهُمْ} خطاهم إلى المساجد ونحوها، فقد جاء بعض الآيات دالاً على ذلك المعنى كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 121] لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم. وأما الرابع: وهو قوله تعالى: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} فقد تدّل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدّموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال. وأما على فرض كونه عامَّاً فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} تفسير : [الجن: 28] وقوله تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وهو أصحّ القولين. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {آثَارَهُمْ} {أَحْصَيْنَاهُ} {نُحْيِي} (12) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحْيِي المَوْتَى جَمِيعاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَبْعَثُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيَكْتُبُ مَا عَمِلُوا فِي حَيَاتِهِم الدُّنْيَا مِنَ الأَعْمَالِ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُسَجِّلَ عَلَيْهِمْ مَا تَرَكُوْا مِنْ أَثَرٍ حَسَنٍ أَوْ سَيِّئٍ خَلَّفُوهُ فِي الدُّنْيَا. (فَمَثَلُ الأَثَرِ الحَسَنِ: عِلمٌ عَلَّمُوهُ، أَوْ مُسْتَشْفًى بَنَوْهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ خَلْقُ اللهِ، أَوْ مَدْرَسَةٌ أَنْشَؤُوهَا لِيَتَعَلَّمَ فِيهَا أبنَاءُ الأُمَّةِ. وَمَثَلُ الأَثَرِ السَّيِّئِ: أَحْقَادٌ زَرَعُوهَا فِي المُجْتَمَعِ، وَفِتَنٌ وَضَلاَلاَتٌ ابْتَدَعُوهَا فَأَخَذَ بِهَا النَّاسُ). (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ. وَمَنْ سَنَّ سُنةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ. ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْتفسير : ). (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ). وَقِيلَ أيضاً إنَّ المُرَادَ بِآثَارِهِمْ هُوَ آثَارُ خُطَاهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: حديث : خَلَتِ البِقَاعُ حَوْلَ المَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْقُلُوا قُرْبَ المَسْجِدِ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صلى الله عليه وسلم: يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَاركُمْ تَكْتبُ آثَاركُمْ، دِيَاركُمْ تكْتبُ آثَاركُم. فَلَمْ يَنْتَقِلُواتفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ وَالتِّرْمذيُّ). وَجَمِيعُ مَا فِي الكَوْنِ مِنْ أَشْيَاءَ وَمَخْلُوقَاتٍ، وَجَميِعُ مَا يَعْمَلُهُ البَشَرُ مَسْطُورٌ فِي كِتَابِ اللهِ، وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى في الآية السابقة {أية : فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} تفسير : [يس: 11] لها موضع هنا، فالمغفرة والأجر الكريم في الآخرة، فناسب أنْ يُحدِّثنا الحق سبحانه عن مشهد من مشاهدها: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} [يس: 12]. قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ} [يس: 12] هذان ضميران للمتكلم على سبيل التعظيم، فإنَّا هي نحن، كما لو قلت: زيد زيد، فماذا أضافتْ نحن بعد إنَّا؟ القاعدة في صياغة اللغة أن تمييز الشيء يأتي حين يكون هناك اشتراك، فإنْ لم يكُنْ اشتراك فلا يأتي التمييز كما لو قُلْتَ لمن يطرق على بابك: مَنْ أنت؟ يقول: محمد، وأنت تعرف محمدين كثيرين. فتقول: أيُّ المحمدين أنت؟ فيقول: محمد أحمد، وأيضاً أنت تعرف كثيرين بهذا الاسم، فتقول: محمد أحمد مَنْ؟ فيقول: محمد أحمد محمود. وعندها يحصل التمييز لوجود الاشتراك في الأولى، وفي الثانية. فكأن الحق سبحانه لما قال {إِنَّا} [يس: 12] وليس هناك غيره قال: {إِنَّا نَحْنُ} [يس: 12] يعني: كأنه قال إنَّا إنَّا يعني: لا أحدَ سِوَاي، فليس في هذه المسألة اشتراك. وسبق أنْ أوضحنا أن كلام الله تعالى عن نفسه قد يأتي بصيغة الجمع كما في {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]. وقال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] وتلحظ أن الضمير هنا للتعظيم، وهكذا في كل الآيات التي تتحدث عن فعل من أفعاله تعالى، أو عن فضل من أفضاله، ذلك لأن كل فعل من أفعاله تعالى يحتاج إلى عدة صفات: يحتاج إلى علم، وإلى حكمة، وإلى قدرة .. الخ وكل هذه الصفات كامنة في (نحن) الدالة على العظمة المتكاملة في الأسماء الحسنى لله تعالى. أما حين يتكلم سبحانه عن الذات الواحدة، فيأتي بضمير المتكلم المفرد كما في: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [طه: 14] ولم يقُلْ مثلاً: إننا نحن الله؛ لأن إننا ونحن تدل على الجمع، والكلام هنا عن الوحدانية، فلا بُدَّ أنْ يأتي بصيغة المفرد. لذلك يؤكد الحق سبحانه هذه الوحدانية بعدة وسائل للتوكيد في قوله سبحانه: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14] فلم يَقُلْ سبحانه: فاعبدنا وأقم الصلاة لذكرنا، إنما {أية : فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14] لأن العبادة تكون لله وحده. قم إن عملية البعث وإحياء الموتى لله وحده لا يشاركه فيها أحد. وقال سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} [يس: 12] قبل {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] مع أن الكتابة تسبق عملية الإحياء، الكتابة كانت في الدنيا، والإحياء في الآخرة، فلماذا؟ أولاً: عليك أن تلاحظ أن هذا الكلام ليس كلامك، إنما كلام الله، فلا بُدَّ أن تُعمِل عقلك لتفهم عن الله مراده؛ لأن أسلوب الحق - سبحانه وتعالى - يحمل من الكمالات ما يناسب كماله سبحانه، وكلامك أنت يحمل ما يناسب كمالك. لذلك سبق أن قُلْنا: إن القرآن له تميُّزات عن كل الكتب، وأن تناوله غير تناول أيِّ كتاب فلا بُدَّ أن يُقرأ على طهارة، وعلى وضوء، ولا بُدَّ أن يُراعى في قراءته مخارج الحروف وقواعد التلاوة وآدابها. وفاتنا أن نقول: إنه تميَّز تميُّزاً آخر، فكما تميز في نُطْقه تميز في كتابته، فمثلاً كلمة اسم تُكتب بالألف كما في {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 78]، وكما في {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]، لكن في البسملة في أوائل سور القرآن كُتبت بدون الألف هكذا بسم الله الرحمن الرحيم، لذلك نقول عن القرآن: نكتبه بالإملاء؟!! لا لأن كتابته توقيف. إذن: ما الحكمة من تقديم {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} [يس: 12] على {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ} [يس: 12]؟ قالوا: لأنه ما فائدة الكتابة؟ الكتابة للأعمال لحصر الحسنات لنثيب عليها، ولحصر السيئات لنعاقب عليها، فإذا لم يكُنْ هناك إحياء للموتى وحساب وجزاء، فما فائدة الكتابة؟ لذلك قدَّم الإحياء على كتابة الأعمال، كما أن الإحياء أعظم من الكتابة فناسب أنْ يتقدم عليها. ومعنى: {مَا قَدَّمُواْ} [يس: 12] أي: من الأعمال، والعمل قد يكون عملاً مثمراً مستمراً بعد موت صاحبه كالصدقة الجارية، فلو حفر إنسان بئراً مثلاً يشرب منه الناس ويموت يظلّ البئر يسقي الناس، أو ترك علماً نافعاً، هذا كله أثر من آثار العمل الذي كُتِب أولاً، وهو المراد بقوله تعالى: {وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] ومن آثار الإنسان ما سنَّه للناس وتركه يتبع من بعده، سواء أكان حسنة أم سيئة، فكله مكتوب مُسجَّل في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأحصى آثارها من بعد صاحبها، فلو كتب إنسان مثلاً وصية ظالمة حرمت صاحب الحق من حقِّه، والوارث من ميراثه تحمل كل الآثار المترتبة على هذا الظلم؛ لأنه لم يحرم الوارث المباشر فحسب، إنما حرم أيضاً ذريته التي كانت ستستفيد من هذا الميراث، لذلك يظل عليه وِزْرها إلى يوم القيامة. كذلك مَنْ سَنَّ للناس قانوناً جائراً، فعليه وِزْر القانون الجائر الذي حكم هو به، ثم على مَنْ يحكم بهذا القانون من بعده، ومثل مسألة القطاع العام مثلاً، القطاع العام أقامه مَنْ أقامه، ثم ظلَّتْ آثاره تنهب في الناس إلى أنْ ضَجَّ منه الجميع وطالب الحكام أنفسهم بتعديله. هذه القضية تشرح لنا حديث سيدنا رسول الله: "حديث : مَنْ سَنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة " تفسير : أرأيتم الرجل العجوز يزرع النخلة وربما لا ينتفع بثمرها، لكن ينتفع به مَنْ بعده، فهذه هي آثاره من بعده يكتبها الله له ويُحصيها لحسابه. وقال بعض العلماء في معنى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] أي: نكتب ما قدموا من النية التي تسبق العمل، ثم نكتب العمل نفسه، وهو آثار هذه النية، فحين تعقد نية الخير في عمل ما تأخذ أجر النية، فإذا ما عملتَ العمل تأخذ أجر العمل. وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: "حديث : مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبت له حسنة، ومَنْ هَمَّ بها فعملها كُتِبت له عَشْراً" تفسير : وهذا يرشدنا إلى أهمية عقد النية قبل الشروع في العمل ليثاب عليها الإنسان، فالمؤمن لا يأتي العمل هكذا عشوائياً. وقوله تعالى: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: 12] هناك فَرْق بين الكتابة والإحصاء، الكتابة أنْ تكتب الشيء، لكن لا تضم المكتوبات إلى بعضها، فتحتاج إلى مَنْ يحصيها ويعدُّها، فالحق سبحانه يسجل علينا الأعمال كتابة أولاً، ثم إحصاءً وعَدّاً، والإحصاء والعَدُّ أيضاً في كتاب مسجل فيه كل شيء {فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: 12] والإمام هو ما يُؤتَم به، والمراد هنا اللوح المحفوظ الذي تأخذ منه الملائكة مهمتها في إدارة الكون. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ}. يعني: أَعمالهم {وَآثَارَهُمْ} [الآية: 12]. يعني خطاهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [الآية: 14]. يعني: شددنا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: { قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ}. قال: لما قيل له ادخل الجنة. {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} [الآية: 26 ـ 27]. وذلك حين رأَى الثواب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [الآية: 28]. قال: يعني رسالة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد /63 و/ {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} [الآية: 30]. قال: كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} معناه ما سَنّوا من السُّننِ. وقوله تعالى: {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} معناه علمناهُ وحفظناهُ. والإِمامُ: الكِتابُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 792 : 4 : 2 - سفين عن رجل عن مجاهد في قوله {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} قال، ما أثروا من الضلالة. [الآية 12]. 793 : 5 : 1 - حدثنا محمد ثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} قال، في أُم الكتاب. [الآية 12].

همام الصنعاني

تفسير : 2463- معمر، عن قتادة عن الحسن: {وَآثَارَهُمْ}: [الآية: 12]، قَالَ: خَطْرهُمْ. 2466- قال معمر: وكتب عمر بن عبد العزيز، لو كان الله تاركاً لابن آدم شيئاً لترك له ما عَفَتْ عليه الرياح من أثره، في قوله: {وَنَكْتُبُ ... وَآثَارَهُمْ}: [الآية: 12]. 2467- قال معمر، وقال الكلبي: {وَآثَارَهُمْ} كل شيء سبق من خير أو شرّ. 2468- مَعْمَر عَنْ الأَعْمَش، عن أب الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال: ما خَطَا رَجُلٌ خطوةً إلا كتبت حَسَنَة أو سَيّئة.