Verse. 3718 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَاضْرِبْ لَہُمْ مَّثَلًا اَصْحٰبَ الْقَرْيَۃِ۝۰ۘ اِذْ جَاۗءَہَا الْمُرْسَلُوْنَ۝۱۳ۚ
Waidrib lahum mathalan ashaba alqaryati ith jaaha almursaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واضرب» اجعل «لهم مثلا» مفعول أول «أصحاب» مفعول ثان «القرية» أنطاكية «إذ جاءها» إلى آخره بدل اشتمال من أصحاب القرية «المرسلون» أي رسل عيسى.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه وجهان، والترتيب ظاهر على الوجهين الوجه الأول: هو أن يكون المعنى واضرب لأجلهم مثلاً والثاني: أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلاً أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية وعلى الأول نقول لما قال الله: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يس: 3] وقال: { أية : لّتُنذِرَ } تفسير : [يس: 6] قال قل لهم: {أية : مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [الأحقاف: 9] بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة، وعلى الثاني نقول لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبـي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلاً، أي مثل لهم عند نفسك مثلاً حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء، وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤا قرية وأنت بعثت إلى العالم، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: ما معنى قول القائل ضرب مثلاً؟ وقوله تعالى: {وَٱضْرِبْ } مع أن الضرب في اللغة، إما إمساس جسم جسماً بعنف، وإما السير إذا قرن به حرف في كقوله تعالى: {أية : إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النساء: 101] نقول قوله ضرب مثلاً معناه مثل مثلاً، وذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أي اجعل هذا وذاك من ضرب واحد. المسألة الثانية: أصحاب القرية، معناه واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] هذا قول الزمخشري في الكشاف، ويحتمل أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً أو مثل أصحاب القرية بهم. المسألة الثالثة: {إذ جاءها المرسلون}، (إذ) منصوبة لأنها بدل من (أصحاب القرية) كأنه قال تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم } وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقت مجيئك، وهذا أيضاً قول الزمخشري وعلى قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس محمد صلى الله عليه وسلم تسلية فيحتمل أن يقال إذا ظرف منصوب بقوله: {ٱضْرِبْ } أي اجعل الضرب، كأنه حين مجيئهم وواقع فيه، والقرية أنطاكية والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة كما بين الله تعالى وقوله: {أية : إِذ أَرْسَلْنَا } تفسير : [يس: 14] يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إذ أرسلنا بدلاً من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم مثلاً، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين وثانيهما:وهو الأصح والأوضح أن يكون إذ ظرفاً والفعل الواقع فيه جاءها أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما جاءوهم حيث أمروا، وهذا فيه لطيفة: وهي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وأنت رسول الله فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله: {إِذ أَرْسَلْنَا} وهذا يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وهذا على قولنا: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً } ضرب المثل لأجل محمد صلى الله عليه وسلم ظاهر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } (خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أُمِر أن يضرب لقومه مثلاً بأصحاب القرية) هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين فيما ذكر الماوردي. نسبت إلى أهل أنطبيس وهو ٱسم الذي بناها ثم غُيِّر لما عُرِّب؛ ذكره السهيلي. ويقال فيها: أنتاكية بالتاء بدل الطاء. وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام؛ ذكره المهدوي، وحكاه أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب. فأرسل الله إليه ثلاثة: وهم صادق، وصدوق، وشلوم هو الثالث. هذا قول الطبري. وقال غيره: شمعون ويوحنا. وحكى النقاش: سمعان ويحيى، ولم يذكرا صادقاً ولا صدوقاً. ويجوز أن يكون «مَثَلاً» و «أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ» مفعولين لاضرب، أو «أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ» بدلاً من «مَثَلاً» أي ٱضرب لهم مثلَ أصحابِ القرية فحذف المضاف. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحلّ بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل. قيل: رسل من الله على الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله، وهو قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} وأضاف الربّ ذلك إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمر الربّ، وكان ذلك حين رُفع عيسى إلى السماء. {فَكَذَّبُوهُمَا} قيل ضربوهما وسجنوهما. {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي فقوّينا وشدّدنا الرسالة «بِثالِثٍ». وقرأ أبو بكر عن عاصم: «فَعَزَزْنَا بِثَالِثٍ» بالتخفيف وشدّد الباقون. قال الجوهري: وقوله تعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} يخفّف ويشدّد؛ أي قوّينا وشدّدنا. قال الأصمعي: أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمِّس:شعر : أُجُدٌّ إذا رَحَلَت تَعَزَّزَ لَحْمُها وإذا تُشَد بِنِسْعِها لا تَنْبِسُ تفسير : أي لا ترغو؛ فعلى هذا تكون القراءتان بمعنًى. وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا؛ ومنه: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [صۤ: 23]. والتشديد بمعنى قوّينا وكثرنا. وفي القصة: أن عيسى أرسل إليهم رسولين، فلقيا شيخاً يرعى غُنيمات له وهو حبيب النجار صاحب «يۤس» فدعوه إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله. فطالبهما بالمعجزة فقالا: نحن نشفي المرضى وكان له ٱبن مجنون. وقيل: مريض على الفراش فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحاً؛ فآمن الرجل بالله. وقيل: هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ففشا أمرهما، وشَفَيَا كثيراً من المرضى، فأرسل الملك إليهما ـ وكان يعبد الأصنام ـ يستخبرهما فقالا: نحن رسولا عيسى. فقال: وما آيتكما؟ قالا: نبرىء الأكمه والأبرص ونبرىء المريض بإذن الله، وندعوك إلى عبادة الله وحده. فهمَّ الملكُ بضربهما. وقال وهب: حبسهما الملك وجلدهما مائة جلدة؛ فٱنتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثاً. قيل: شمعون الصفا رأس الحواريين لنصرهما؛ فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، وٱستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته؛ ثم قال يوماً للملك: بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما. فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما. قال: فلو أحضرتهما. فأمر بذلك؛ فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدّعيان؟ فقالا: نبرىء الأكمه والأبرص. فجيء بغلام ممسوح العينين؛ موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما فٱنشق موضع البصر، فأخذا بندقتين طيناً فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما؛ فعجب الملك وقال: إن هاهنا غلاماً مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجيء أبوه فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرًّا، فقام الميت حيًّا، فقال للناس: إني متّ منذ سبعة أيام، فوُجدت مشركاً، فأدخلتُ في سبعة أودية من النار، فأحذِّركم ما أنتم فيه فآمِنوا بالله، ثم فتحت أبواب السماء، فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى روح الله وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له: وهذا شمعون أيضاً معهم؟ فقال: نعم وهو أفضلهم. فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون. وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار. وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا: يا نبيّ الله إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم. فدعا الله لهم فناموا بمكانهم، فهبُّوا من نومتهم وقد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم؛ فذلك قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} فقالوا جميعاً: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} يأمر به ولا (من شيء) ينهى عنه {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} في دعواكم الرسالة؛ فقالت الرسل: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وإن كذبتمونا {وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } في أن الله واحد {قَالُوۤاْ} لهم {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي تشاءمنا بكم. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} عن إنذارنا {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} قال الفراء: لنقتلنكم. قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم؛ وقد تقدّم جميعه. {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل: هو القتل. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. فقالت الرسل: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي شؤمكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ولازمٌ في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا؛ قال معناه الضحاك. وقال قتادة: أعمالكم معكم. ٱبن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم. الفراء: «طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ» رزقكم وعملكم؛ والمعنى واحد. وقرأ الحسن: «ٱطَّيْركُم» أي تطيركم. {أَإِن ذُكِّرْتُم} قال قتادة: إن ذكرتم تطيرتم. وفيه تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ» بتخفيف الهمزة الثانية. وقرأ أهل الكوفة: «أَإِنْ» بتحقيق الهمزتين. والوجه الثالث: «أَاإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين. والوجه الرابع: «أاإنْ» بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. والقراءة الخامسة «أَاأَنْ» بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف. والوجه السادس: «أَأَنْ» بهمزتين محققتين مفتوحتين. وحكى الفراء: أنّ هذه القراءة قراءة أبي رُزَين. قلت: وحكاه الثعلبي عن زِرّ بن حُبيش وٱبن السَّمَيْقَع. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري: {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَإِن ذُكِّرْتُم} بمعنى حيث. وقرأ يزيد بن القعقَاع والحسن وطلحة «ذُكِرْتُمْ» بالتخفيف؛ ذكر جميعه النحاس. وذكر المهدوي عن طلحة بن مُصَرِّف وعيسى الهَمَذانِي: «آنْ ذُكِّرْتُمْ» بالمد، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة. الماجشون: «أَنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرأ ٱبن هُرْمُز «طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ». «أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ» أي لإِن وُعِظتم؛ وهو كلام مستأنف، أي إن وعظتم تطيرتم. وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} قال قتادة: مسرفون في تطيّركم. يحيى بن سلاّم: مسرفون في كفركم. وقال ٱبن بحر: السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل: مسرفون مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحدّ.

ابن كثير

تفسير : ويقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك {مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم، وهكذا روي عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها أنطاكية، وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} أي: بادروهما بالتكذيب، {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث. قال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية {فَقَالُوۤاْ} أي: لأهل تلك القرية: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} أي: من ربكم الذي خلقكم، يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، وقاله أبو العالية، وزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح عليه السلام إلى أهل أنطاكية، {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: فكيف أوحي إليكم، وأنتم بشر ونحن بشر؟ فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً، لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل: {أية : ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6] أي: استعجبوا من ذلك، وأنكروه. وقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} تفسير : [إبراهيم: 10]. وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 34] وقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] ولهذا قال هؤلاء: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولوكنا كذبة عليه، لا نتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [العنكبوت: 52] {وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم، كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا، فستعلمون غبَّ ذلك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱضْرِبْ } اجعل {لَهُمْ مَّثَلاً } مفعول أول {أَصْحَٰبَ } مفعول ثان {ٱلقَرْيَةِ } انطاكية {إِذْ جَآءَهَا } إلى آخره بدل اشتمال من أصحاب القرية {ٱلْمُرْسَلُونَ } أي رسل عيسى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } قد تقدّم الكلام على نظير هذا في سورة البقرة، وسورة النمل، والمعنى: اضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي: مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأوّل لما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يسۤ: 3] وقال: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً } تفسير : [يسۤ: 6] قال: قل لهم: ما أنا بدعا من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوّفوا بالقيامة، وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله، وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اضرب لنفسك، ولقومك مثلاً: أي: مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية حيث جاءهم ثلاثة رسل، ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً، وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس كافة. والمعنى: واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية: أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل، وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. وقيل: لا حاجة إلى الإضمار، بل المعنى: اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً على أن يكون {مثلاً} و{أصحاب القرية} مفعولين لاضرب، أو يكون أصحاب القرية بدلاً من مثلاً، وقد قدّمنا الكلام على المفعول الأوّل من هذين المفعولين هل هو: مثلاً، أو أصحاب القرية. وقد قيل: إن ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَة لُوطٍ } تفسير : [التحريم: 10]، ويستعمل أخرى في ذكر حالة غريبة، وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيره لها كما في قوله: {أية : وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [إبراهيم: 45] أي: بينا لكم أحوالاً بديعة غريبة: هي في الغرابة كالأمثال؛ فقوله سبحانه هنا: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً } يصح اعتبار الأمرين فيه. قال القرطبي: هذه القرية هي: أنطاكية في قول جميع المفسرين. وقوله: {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون: هم أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدّعاء إلى الله، فأضاف الله سبحانه الإرسال إلى نفسه في قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ }، لأن عيسى أرسلهم بأمر الله سبحانه، ويجوز: أن يكون الله أرسلهم بعد رفع عيسى إلى السماء، فكذبوهما في الرسالة، وقيل: ضربوهما، وسجنوهما. قيل: واسم الاثنين يوحنا، وشمعون. وقيل: أسماء الثلاثة: صادق، ومصدوق، وشلوم قاله ابن جرير، وغيره. وقيل: سمعان، ويحيـى، وبولس {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } قرأ الجمهور بالتشديد، وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف الزاي. قال الجوهري: «فعزّزنا» يخفف، ويشدّد: أي: قوّينا، وشدّدنا، فالقراءتان على هذا بمعنى. وقيل: التخفيف بمعنى: غلبنا، وقهرنا، ومنه {أية : وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } تفسير : [صۤ: 23] والتشديد بمعنى: قوّينا وكثرنا. قيل: وهذا الثالث هو شمعون، وقيل: غيره {فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } أي: قال الثلاثة جميعاً، وجاؤوا بكلامهم هذا مؤكداً لسبق التكذيب للاثنين، والتكذيب لهما تكذيب للثالث، لأنهم أرسلوا جميعاً بشيء واحد، وهو: الدعاء إلى الله عزّ وجلّ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر؛ كأنه قيل: ما قال هؤلاء الرّسل بعد التعزيز لهم بثالث؟ وكذلك جملة {قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فإنها مستأنفة جواب سؤال مقدّر: كأنه قيل: فما قال لهم أهل أنطاكية، فقيل: قالوا: ما أنتم إلاّ بشر مثلنا: أي: مشاركون لنا في البشرية، فليس لكم مزية علينا تختصون بها. ثم صرّحوا بجحود إنزال الكتب السماوية، فقالوا: {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْء } مما تدّعونه أنتم، ويدّعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل، وأتباعهم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } أي: ما أنتم إلاّ تكذبون في دعوى ما تدّعون من ذلك، فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيداً بليغاً لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية، وهو قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }، فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم: ربنا يعلم، وبإنّ، وباللام. {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي: ما يجب علينا من جهة ربنا إلاّ تبليغ رسالته على وجه الظهور، والوضوح، وليس علينا غير ذلك، وهذه الجملة مستأنفة كالتي قبلها، وكذلك جملة {قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ }، فإنها مستأنفة جواباً عن سؤال مقدّر: أي: إنا تشاءمنا بكم، لم تجدوا جواباً تجيبون به على الرسل إلاّ هذا الجواب المبنيّ على الجهل المنبىء عن الغباوة العظيمة، وعدم وجود حجة تدفعون الرسل بها. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين. قيل: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين، ثم رجعوا إلى التجبر، والتكبر لما ضاقت صدورهم، وأعيتهم العلل، فقالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ } أي: لئن لم تتركوا هذه الدعوى، وتعرضوا عن هذه المقالة؛ لنرجمنّكم بالحجارة {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: شديد فظيع. قال الفرّاء: عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. قيل: ومعنى العذاب الأليم: القتل، وقيل: الشتم، وقيل: هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص، وهذا هو الظاهر. ثم أجاب عليهم الرسل دفعاً لما زعموه من التطير بهم فقالوا: {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ } أي: شؤمكم معكم من جهة أنفسكم، لازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا. قال الفراء: {طائركم معكم}: أي: رزقكم وعملكم، وبه قال قتادة. قرأ الجمهور {طائركم} اسم فاعل: أي: ما طار لكم من الخير، والشرّ، وقرأ الحسن "أطيركم" أي: تطيركم {أَءن ذُكّرْتُم }. قرأ الجمهور من السبعة، وغيرهم بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين، وعدمه. وقرأ أبو جعفر، وزرّ بن حبيش، وابن السميفع، وطلحة بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الأعمش، وعيسى بن عمر، والحسن «أين» بفتح الهمزة، وسكون الياء على صيغة الظرف. واختلف سيبويه، ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب؟ فذهب سيبويه إلى أنه يجاب الاستفهام، وذهب يونس إلى أنه يجاب الشرط، وعلى القولين، فالجواب هنا محذوف: أي: أئن ذكرتم، فطائركم معكم لدلالة ما تقدّم عليه. وقرأ الماجشون "أن ذكرتم" بهمزة مفتوحة: أي: لأن ذكرتم. ثم أضربوا عما يقتضيه الاستفهام، والشرط من كون التذكير سبباً للشؤم، فقالوا: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أي: ليس الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعصية. قال قتادة: مسرفون في تطيركم. وقال يحيـى بن سلام: مسرفون في كفركم، وقال ابن بحر: السرف هنا: الفساد، والإسراف في الأصل: مجاوزة الحاء في مخالفة الحقّ. {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ } هو: حبيب بن موسى النجار، وكان نجاراً، وقيل: إسكافاً. وقيل: قصاراً. وقال مجاهد، ومقاتل: هو: حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام. وقال قتادة: كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى، وجملة {قَالَ يَـاقَوْم ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر: كأنه قيل: فماذا قال لهم عند مجيئه؟ فقيل: قال: يا قوم اتبعوا المرسلين هؤلاء الذين أرسلوا إليكم، فإنهم جاءوا بحق. ثم أكد ذلك، وكرّره، فقال: {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـئَلُكُمْ أَجْراً } أي: لا يسألونكم أجراً على ما جاؤوكم به من الهدى {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } يعني: الرسل. ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه، وهو يريد مناصحة قومه، فقال: {وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } أي: أيّ مانع من جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني؟ ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد نفسه، بل أرادهم بكلامه، فقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ولم يقل: إليه أرجع، وفيه مبالغة في التهديد. ثم عاد إلى المساق الأوّل لقصد التأكيد، ومزيد الإيضاح، فقال: {أَءتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءالِهَةً }، فجعل الإنكار متوجهاً إلى نفسه. وهم المرادون به: أي: أتخذ من دون الله آلهة، وأعبدها، وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني. ثم بيّن حال هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكاراً عليهم، وبياناً لضلال عقولهم، وقصور إدراكهم، فقال: {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } أي: شيئاً من النفع كائناً ما كان {وَلاَ يُنقِذُونَ } من ذلك الضرّ الذي أرادني الرحمٰن به. وهذه الجملة صفة لآلهة، أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع، والدفع، وقوله: {لاَّ تُغْنِ } جواب الشرط، وقرأ طلحة بن مصرّف "إن يردني" بفتح الياء، قال: {إِنّى إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي: إني إذا اتخذت من دونه آلهة لفي ضلال مبين واضح، وهذا تعريض بهم كما سبق، والضلال الخسران. ثم صرّح بإيمانه تصريحاً لا يبقى بعده شكّ، فقال: {إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } خاطب بهذا الكلام المرسلين. قال المفسرون: أرادوا القوم قتله، فأقبل هو على المرسلين، فقال: إني آمنت بربكم أيها الرسل، فاسمعون: أي: اسمعوا إيماني، واشهدوا لي به. وقيل: إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلباً في الدين، وتشدّداً في الحقّ، فلما قال هذا القول، وصرّح بالإيمان، وثبوا عليه، فقتلوه، وقيل: وطئوه بأرجلهم، وقيل: حرقوه، وقيل: حفروا له حفيرة، وألقوه فيها، وقيل: إنهم لم يقتلوه بل رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة، وبه قال الحسن، وقيل: نشروه بالمنشار. {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ } أي: قيل له ذلك تكريماً له بدخولها بعد قتله كما هي سنّة الله في شهداء عباده. وعلى قول من قال: إنه رفع إلى السماء، ولم يقتل يكون المعنى: أنهم لما أرادوا قتله نجاه الله من القتل، وقيل له: ادخل الجنة، فلما دخلها، وشاهدها {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، أي: فماذا قال بعد أن قيل له: ادخل الجنة، فدخلها. فقيل: قال: {يا ليت قومي} إلخ، "وما" في {بِمَا غَفَرَ لِى } هي: المصدرية: أي بغفران ربي، وقيل: هي الموصولة: أي: بالذي غفر لي ربي، والعائد محذوف: أي: غفره لي ربي، واستضعف هذا؛ لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة، وليس المراد: إلاّ التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له. وقال الفراء: إنها استفهامية بمعنى: التعجب، كأنه قال: بأيّ شيء غفر لي ربي. قال الكسائي: لو صح هذا لقال "بم" من غير ألف. ويجاب عنه بأنه قد ورد في لغة العرب إثباتها، وإن كان مكسوراً بالنسبة إلى حذفها، ومنه قول الشاعر:شعر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في دمان تفسير : وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما: أنه تمنى أن يعلموا بحاله؛ ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته إرغاماً لهم. وقيل: إنه تمنى أن يعلموا بذلك؛ ليؤمنوا مثل إيمانه، فيصيروا إلى مثل حاله. وقد أخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } قال: هي: أنطاكية. وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة مثله. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران، وبين عيسى ابن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى، والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أوّلها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ }، والذي عزّز به شمعون، وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ } قال: شؤمكم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ } قال: هو: حبيب النجار.وأخرج ابن أبي حاتم عنه من وجه آخر، قال: اسم صاحب يسۤ: حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: لما قال صاحب يسۤ {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } خنقوه؛ ليموت، فالتفت إلى الأنبياء، فقال: {إِنّى ءامَنتُ بِرَبّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } أي: فاشهدوا لي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} هذه القرية هي أنطاكية من قول جميع المفسرين. {إذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} اختلف في اسميهما على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهما شمعون ويوحنا، قاله شعيب. الثاني: صادق وصدوق، قاله ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه. الثالث: سمعان ويحيى، حكاه النقاش. {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فشددنا، قاله مجاهد. الثاني: فزدنا، قاله ابن جريج. الثالث: قوينا مأخوذ من العزة وهي القوة المنيعة، ومنه قولهم: من عز وبز: واختلف في اسمه على قولين: أحدهما: يونس قاله شعيب. الثاني: شلوم، قاله ابن عباس وكعب ووهب. وكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة يعبد الأصنام مع أهلها، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها، ذكر النقاش أن أسماءها رومس وقيل وارطميس. واختلف في اسم الملك على قولين: أحدهما: أن اسمه أنطيخس، قاله ابن عباس وكعب ووهب. الثاني: انطرا، قاله شعيب. قوله عز وجل: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} وهذا القول منهم إنكار لرسالته، ويحتمل وجهين: أحدهما: أنكم مثلنا غير رسل وإن جاز أن يكون البشر رسلاً. الثاني: إن مثلكم من البشر لا يجوز أن يكونوا رسلاً. {وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك منهم إنكاراً للرحمن أن يكون إلهاً مرسلاً. الثاني: أن يكون ذلك إنكاراً أن يكونوا للرحمن رسلاً. {إنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُكْذِبُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تكذبون في أن لنا إلهاً. الثاني: تكذبون في أن تكونوا رسلاً. قوله عز وجل: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} فإن قيل يعلم الله تعالى أنهم لا تكون حجة عند الكفار لهم. قيل يحتمل قولهم ذلك وجهين: أحدهما: معناه ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما يظهره لنا من المعجزات، وقد قيل إنهم أحيوا ميتاً وأبرؤوا زمِناً. الثاني: أن تمكين ربنا لنا إنما هو لعلمه بصدقنا. واختلف أهل العلم فيهم على قولين: أحدهما: أنهم كانوا رسلاً من الله تعالى إليهم. الثاني: أنهم كانوا رسل عيسى عليه السلام من جملة الحواريين أرسلهم إليهم فجاز، لأنهم رسل رسول الله، أن يكونوا رسلاً لله، قاله ابن جريج. {وَمَا عَلَيْنَآ إلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} يعني بالإعجاز الدال على صحة الرسالة أن الذي على الرسل إبلاغ الرسالة وليس عليهم الإجابة، وإنما الإجابة على المدعوين دون الداعين.

ابن عطية

تفسير : الضرب للمثل مأخوذ من الضريب الذي هو الشبه في النوع، كما تقول هذا ضرب هذا، واختلف هل يتعدى فعل ضرب المثل إلى مفعولين أو إلى واحد، فمن قال إنه يتعدى إلى مفعولين جعل هذه الآية {مثلاً} و {أصحاب} مفعولين لقوله {اضرب}، ومن قال إنه يتعدى إلى مفعول واحد جعله {مثلاً} وجعل {أصحاب} بدلاً منه، ويجوز أن يكون المفعول {أصحاب} ويكون قوله {مثلاً} نصب على الحال، أي في حال تمثيل منك، و {القرية} على ما روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أنطاكية، واختلف المفسرون في "المرسلين" فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى عليه السلام حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه، فافترق الحواريون في الآفاق فقص الله تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى انطاكية، وقالت فرقة: هؤلاء أنبياء من قبل الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه قول الكفرة {ما أنتم إلا بشر مثلنا} فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة عن الله تعالى والآخر محتمل، وذكر النقاش في قصص هذه الآية شيئاً يطول والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته، واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى الهدى والإيمان فكذبوهما فشدد الله تعالى أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، وقتلوه في آخر أمره، وكفروا فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا، وقرأ جمهور القراء " فعزّزنا" بشد الزاي الأولى على معنى قوينا وشددنا، وبهذا فسر مجاهد وغيره، وقرأ عاصم في رواية المفضل عن أبي بكر "فعزَزنا" بالتخفيف في الزاي على معنى غلبناهم أمرهم، وفي حرف ابن مسعود "فعززنا بالثالث" بألف ولام، وهذه الأمة أنكرت النبوءة بقولها: {وما أنزل الرحمن من شيء}، وراجعتهم الرسل بأن يردوا العلم إلى الله تعالى وقنعوا بعلمه وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط وما عليهم من هداهم وضلالهم، وفي هذا وعيد لهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَرْيَةِ} إنطاكية اتفاقاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ...} الآية، رُوِي عَنْ ابن عباس والزهري وعكرمة: أن القريةَ هنا هي أنطاكيَّة، واخْتُلِفَ في هؤلاء المُرْسَلِينَ؛ فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريِّينَ الذين بعثهم عيسى حِين رُفِعَ، وصُلِبَ الذي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَتَفَرَّقَ الحواريُّونَ في الآفاق، فَقَصَّ اللَّه ـــ تعالى ـــ هنا قصَّةَ الذين نَهَضُوا إلى أنْطَاكيَّة. وقالت فرقة: بل هؤلاء أنبياءٌ مِن قِبَل اللَّهِ عزّ وجلّ. قال * ع *: وهذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةَ {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} فإنها محاورةٌ إنما تقال لمن ادَّعى الرِّسَالَةَ من اللَّه تعالى، والآخرُ مُحْتَمَلٌ، وذَكِرَ المفسرون في قَصَص الآيةِ أشياء يَطُولُ ذِكْرُها والصِّحَّةُ فيها غَيْر مُتَيَقَّنَةٍ، فَاخْتَصَرْتُه واللاَّزِمُ مِنَ الآيةِ أنَّ اللَّه تعالى بَعَثَ إلَيْهَا رَسُولَيْنِ، فَدَعَيَا أهلَ القَرْيَةِ إلى عبادةِ اللَّهِ وتوحيدِه، فَكَذَّبُوهُما فَشَدَّدَ اللَّهُ أمرهما بثالثٍ، وقامت الحجةُ على أهلِ القريةِ، وآمن منهم الرجلُ الذي جاءَ يسعى، وقتلوه في آخر أمره وكفروا، وأصابتْهم صيحةٌ مِن السَّمَاء فَخَمَدُوا، وقرأ الجمهُور: «فَعَزَّزْنا» بِشَدِّ الزاي، على معنى: قَوَّيْنَا. وشَدَّدْنَا؛ وبهذا فسّره مجاهد وغيره، وهذه الأمة أنكرت النبوَّاتِ بقولِها: {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ} قال بعضُ المتأولين: لما كَذَّبَ أهْلُ القرية المرسلينَ أسرع فيهم الجُذَامُ. وقال مقاتل: احْتَبَسَ عنهم المطر؛ فلذلك قالوا: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ}، أي: تَشاءَمْنَا بكم، والأظهر أن تَطَيُّرَ هؤلاءِ إنَّما كَانَ بِسَبَبٍ ما دخَلَ قَرْيَتَهُمْ من اخْتِلافِ كَلِمَتِهِمْ وافْتِتَان النَّاسِ. وقوله: {أَئِن ذُكِّرْتُم} جوابُه محذوف، أي: تَطَيَّرْتُم، قاله أبو حيان وغيره، انتهى، ـــ وقولهُم عليهم السلام ـــ، {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ}، معناه: حظُّكُمْ وَمَا صَارَ لَكُمْ من خير وشرٍّ مَعَكُمْ أي: من أَفْعَالِكم وَمِنْ تَكَسُّبَاتِكُمْ، ليس هو من أجْلنا، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: «أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين؛ الثانيةُ مكسورةٌ. وقَرأ نافعٌ وغيرُه بتسهيل الثانية، وردِّها ياءً: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ». وأخبر تعالى عن حالِ رجلٍ جَاء من أقصى المدينةِ يَسْعَى؛ سَمِعَ المرسلينَ وفَهِمَ عَن اللَّهِ تعالى، فَدَعَا عَنْد ذلكَ قومَه إلى اتّباعِهم والإيمان بِهِم، إذ هوَ الحقُّ. فَرُوِيَ عن ابن عباس وغيره، أن اسْمَ هذا الرجلِ حبيبٌ، وكان نَجَّاراً وكانَ فِيما قَال وهب بنُ مُنَبِّهٍ: قد تَجَذّم. وقيل: كَان فِي غارٍ يَعْبُدُ ربَّهُ فقال: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ...} الآية، وذكر الناسُ في أسماءِ الرسلِ: صَادِق، وصَدُوقٌ، وشَلُوم، وغير هذا، واللَّه أعلم بصحَّتِه، واخْتَلَفَ المفسِّرونَ في قوله {فَٱسْمَعُونِ} فَقَال ابن عباس وغيره: خاطب بها قوْمُه، أي: على جهة المبَالَغَةِ والتَّنْبِيهِ. وقيل: خَاطَبَ بها الرُّسُلَ على جهة الاسْتِشْهَادِ بهم والاستحْفاظِ للأمْر عندهم. قال * ع *: وهنا محذوفٌ تَواتَرَتْ به الأحادِيثُ والرِّوَاياتُ وهم أنهم قَتَلُوهُ فَقِيلَ له عند موته: {ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} فَلَما أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بما رأَى من الكرَامَةِ قَالَ: {يٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ...}الآية، قيل: أراد بذلك الإشْفَاقَ والنصحَ لَهُمْ أي: لَو علِمُوا ذلك، لآمنوا باللَّه تعالى، وقيل: أراد أن يَعْلَمُوا ذلك فَيَنْدمُوا على فِعْلِهم به، وبخزيهم ذلك، وهذا موجود في جِبِلَّةِ البشر إذا نَال الشخصُ عزًّا وخَيْراً في أرض غُرْبةٍ وَدَّ أنْ يَعْلَم ذلك جِيرَانهُ وأتْرَابهُ الذينَ نَشَأَ فيهمْ، كما قيل: [السريع] شعر : الْعِزُّ مَطْلُوبٌ وَمُلْتَمَس وَأَحَبُّهُ مَا نِيلَ في الوَطَنِ تفسير : قال * ع *: والتأويلُ الأولُ أشبهُ بهذا العبدِ الصالح؛ وفي ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَصَحَ قَوْمَه حَيًّا وَمَيِّتاً»تفسير : ؛ وقالَ قَتَادةُ: نصَحَهُم على حالة الغَضَبِ والرِّضَا وَكَذِلكَ لاَ تجِدُ المؤمِنَ إلا ناصحاً للناس.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} تقدم الكلام على نظيره في البقرةِ والنحل. والمعنى واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلاً أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية. فعلى الأول لمَّا قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس:3] وقال: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً} تفسير : [يس:6] قال: قل لهم ما أنا بدعاً من الرسل بل (قبلي) بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال تعالى: إن الإنذار لا ينفع من أضله اللَّهُ وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه (الصلاة و) السلام: فلا بأس واضرب لنفسك ولقومك (مثلاً) أي مَثِّلْ لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثةُ رُسُل فلم يؤمنوا، وصبر الرسل على القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قريةً وأنت بعثت إلى العالم. قوله: {أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} أي واضرب لهم مثلاً (مَثَلَ) أصحابِ القرية، فترك "المَثَلَ" وأقيم "الأصحاب" مُقامة في الإعراب كقوله: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82]. قال الزمخشري: وقيل: لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً أو مثل أصحاب القرية بهم. قال المفسرون: المراد بالقرية أنْطَاكية. قوله: "إِذْ جَآءَهَا" بدل اشتمال. قال الزمخشري: "إذْ" منصوبة لأنها بدل من أصْحَابِ القَرْيَة كأنه تعالى قال: واضْرِب لهم وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقتِ مُحَمَّد. وقيل: منصوب بقوله: "اضْرِبْ" أي اجعل الضرب كأنه حين مجيئهم وواقع فيه. والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مُرْسَلٍ أُرْسل إلى قوم إلى زمان محمد - عليه (الصلاة و) السلام- وهم ثلاثة. قوله: "إِذْ أَرْسَلْنَآ" بدل من "إذ" الأولى، كأنه قال: اضْرب لهم مثلاً إذْ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين. قال ابن الخطيب: والأصح الأوضح أن يكون "إذ" ظرفاً والفعل الواقع فيه "جَاءَها"، أي جاءها المرسلون حينَ أرْسَلْنَاهُمْ إِلَيْهِمْ. وإنما جاءوهم حيث أمروا. وهذا فيه لطيفة أخرى وهي أن في القصة أن الرسلَ كانوا مبعوثين من جهة عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى (- عليه السلام -) هو إرسالنا رسول رسول الله بإذن الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رُسُلَ الرسل وإنما هم رُسُلُ الله، فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله: "إِذْ أَرْسَلْنَا". ويؤيد هذا مسألة فِقْهِيَّةٌ وهي أن وَكيلَ الوكيل بإذن الموكل وَكِيلُ المُوَكّل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إِياه وينعزل إذا عزله الموكل (الأول). وهذا على قولنا: {واضرب لهم مثلاً} ضرب المثل لأجل محمد - عليه الصلاة والسلام - ظاهر وقوله: {إذا أرسلنا إليهم اثنين} في بعثة الاثْنَيْنِ حكمةٌ بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى عليه (الصلاة و) السلام - (بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى عليه الصلاة والسلام) فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قَوْلُهُمَا على قومهما عند عيسى حجَّةً تامَّةً. فصل قال ابن كثير: وروى ابن إسحاق عن ابن عباس وكعب الأحْبار ووهب بن منبّه ورُوِيَ عن بُريدةَ بْنِ الحصِيب وعكرمة وقتادة والزهري أن هذه القرية أنطاكية وكان اسم ملكها انطيخش، وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صَادِق وصَدُوق وسلومُ فكذبهم وهذا ظاهر (ه) أنهم رسل الله - عز وجل - وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من عند المسيح وكان اسم الرسولين الأولين شمْعون ويوحَنّا واسم الثالث بُولص والقرية أنطاكية. وهذا القول ضَعِيف جداً؛ لأن أهل أنطاكية لما بَعث إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها مباركة النصارى وهي أنطاكية والقدس واسكندرية رومية، ثم بعدها قسطنطينية، ولم يهلكوا (إذ) أهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا لقول الله تعالى: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} تفسير : [يس: 29] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورة في القرآن بعثوا لأهل أنطاكية قديماً فكذبوهم فأهلكهم الله ثم عُمِّرت بعد ذلك فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله فيجوز. والله أعلم. قوله: "فَعَزَّزْنَا" قرأ أبو بكر بتخفيف الزاي بمعنى غَلَبْنا، ومنه: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ } تفسير : [ص: 23] ومنه قولهم: عَزَّ وبَزَّ أي صا له بَزّ. والباقون بالتشديد بمعنى قَوَّيْنَا، يقال: عَزَّز المَطَرُ الأَرْضَ أي قواها ولَبدها، ويقال لِتِلْكَ الأرْضِ العَزاء وكذا كل أرض صُلْبَة. وتعَزَّزَ لَحْمُ النَّاقَة أي صلُبَ وقَوِيَ. وعلى كلتا القراءتين المفعول محذوف أي فَقَوّيناهما (أو فغلبناهما بثالث)؛ لأن المقصود من البعثة نُصرة الحق، لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين والبرهان. وقرأ عبد الله "بالثَّالِثِ" بألفٍ ولام. قوله: {إِنَّآ إِلَيْكُم لَمُّرْسَلُونَ} جرد خبر "إنّ" هذه من لام التوكيد، وأدخلها في خبر الثانية، لأنهم في الأولى استكملوا مجرد الإنكار فقابلتهم الرسل بتوكيد واحد وهو الإتيان بـ "إنَّ" وفي الثانية بالَغُوا في الإنكار فقابلتهم (الرسل) بزيادة التأكيد، فأتوا بـ "إنَّ" وبـ "اللاَّم". قال أهل البيان: الأخبار ثلاثة أقسام: ابتداءٌ وطلبيٌّ وإِنكاريٌّ. فالأول: (يقال) لمن لك يتردد في نسبة أحد الطرفين إلى الآخر نحو: زَيْدٌ عَارَفٌ. والثاني: لمن هو متردد في ذلك طالبٌ له منكِرٌ له بعض إنكار فيقال له: إنَّ زَيْداً عَارِفٌ. والثالث: لم يبالغ في إنكاره فيقال له: إنَّ زَيْداً لَعَارِفٌ. ومن أحسن ما يحكى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس الكِنْدِيِّ فقال: يا أبا العباس: إني لأَجدُ في كلام العرب حشواً. قال: وما ذالك؟ قال: يقولون زُيْدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائمٌ، فقال: كلاَّ، بل المعاني مختلفة، "فعبد الله قائم" إخبار بقيامة، و "إنَّ عبد الله قائمٌ" جواب لسؤال سائل و"إنَّ عبد الله لقائمٌ" جواب عن إنكار مُنْكِرٍ وهذا هوا لكندي الذي سئل أن يعارض القرآن ففتح المصحف فرأى سورة المائدة. وقال أبو حيان: وجاء أولاً "مرسلون" بغير لام، لأنه ابتداء إخْبار، فلا يحتاج إلى توكيد، وبعد المجاورة "لَمُرْسَلُونَ" بلام التوكيد، لأنه جواب عن إنكارٍ. قال شهاب الدين: "وهذا قصور عن فهم ما قاله أهل البيان، فإنه جعل المقام الثاني - وهو الطلبي - مقام المقام الأول وهو الابتدائي". قوله: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} جعلوا كونهم بشراً مِثلهم دليلاً على عدم الإرسال. وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد عليه (الصلاة و) السلام: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص:8] وإنما ظنُّوه دليلاً بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار وإنما قالوا: إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن (الرجحان)، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]، وبقوله: {أية : ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13] إلى غير ذلك. ثم قالوا: "وَمَا أَنْزَل الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ" وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مُتمِّماً لما ذكرو (ه) فيكون الكل شبهةً واحدة، والمعنى وما أنزل الله إليكم أحداً فكيف صرتم رسلاً؟‍! والثاني: أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة وهي أنهم لما قالوا: أنتم بشر مثلنا، فلا يجوز رُجْحَانُكم علينا. ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المُرْسَلِين ثم قولوا شبهة أخرى من جهة المرسِل وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئاً في هذا العالم، فإن تصرفه في العالم العلوي فاللَّهُ لم ينزل شيئاً من الأشياء في الدينا فكيف أنزل إليكم؟!. وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله تعالى لما كان رَحْمنَ الدُّنْيَا، والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رَحْمن؟! ثم قال: {إنْ أَنْتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ} أي ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون. {إذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ} قال وهب: اسمهما يحيى وبولس {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا} برسول "ثَالِثٍ" وهو شمعون. وقال كعب: الرسولان صَادِق وصدوق والثالث سلوم. وإنما أضاف الله الإرسال إليه، لأن عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - إنما بعثهم بأمره - عز وجل-. قوله: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وهذا إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك لهم، وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين. {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وأكدوه باللام لأن علم الله يجري مَجْرَى القسم، كقوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام:124] أي هو عالم بالأمور {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ}، وذلك تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا عن عُهْدَةِ ما علينا هو البَلاَغ. وقوله "المبين" أي المبين الحق عن الباطل وهوالفارق بالمعجزة والبُرهان؛ إذ البلاغ المظهر لما أرسلنا إلى الكل أي لا يكفي أن يبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين. أو المظهر للحق بكل ما يمكن فإذا لم يقبلوا الحق فهنالك الهلاك فما كان جوابهم بعد ذلك إلا قولهم: {إنا تَطَيَّرْنا بِكُمْ} أي تَشَاءمنا بكُمْ وذلك أن المطر حُبِسَ عنهم فقالوا أصابنا هذا بشؤمِكُمْ {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمنَّكُمْ} لنقتلنّكم. قاله قتادة. وقيل: لنشتمنّكم. {وليمسنكم منا عذاب أليم} فإن فسرنا الرجم بالحجارة فيكون قولهم: {وليمسنكم منا عَذَابٌ أَلِيمٌ} كأنهم قالوا: لا نكتفي برجمكم بحجر أو حجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم أو يكون المراد: ولَيَمسَّنَّكُمْ بسبب الرجم منَّا عذاب أليم أي مُؤْلِم. وإن قلنا: الرجم الشتم فكأنهم قولوا ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحِسِّيِّ. وإذا فسرنا "أليم" بمعنى مؤلم فالفَعِيلُ بمعنى مُفْعِل قليلٌ. ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 21] أي ذاتِ رِضَا أي عذابٌ ذُو ألَمٍ، فيكون فعيل بمعنى فَاعِلٍ وهو كثيرٌ. ثم أجابهم المرسلون فقالوا "طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ" أي شؤمكم معكم، أي كُفْركُمْ. قوله: "طائركم" العامة على "طائِر" اسم فاعل أي ما طَارَ لكم من الخير والشر، فعبر به عن الحظ والنصيب وقرأ الحسن - فيما روى عنه الزمخشري "اطَّيَّرُكُمْ" مصدر اطَّيَّرَ الذي أصله تَطَيَّرَ، فلما أريد إدغامه أبدلت الفاء طاء وسكنت واجتلبت همزة الوصل وصار اطَّيَّر، فيكون مصدره "اطِّيَّاراً". ولما ذكر أبو حيان هذا لم يرد عليه وكان (هو) في بعض ما رد به على ابن مالك في شرح التسهيل في باب المصادر أن مصدر "تَطَيَّر وتَدَارأ" إذا أدغما وصار "اطَّيَّر وادَّارأ" لا يجيء مصدرهما علهيما، بل عل أصلهما، فيقال: اطَّيَّر تَطَيُّراً، وادَّارأَ تَدَارُءاً. ولكن هذه القراءة تَرُدُّه إنْ صحت. وهو بعيدٌ. وقد روى غيره طَيْرُكُمْ بياء ساكنة. ويغلب على الظن أنها هذه. وإنما تصحفت على الرواي فحسبها مصدراً وظن أن ألف "قالوا" همزةُ وَصْلٍ. قوله:{أَإِن ذُكِّرْتُم} قرأ السبعة بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية وهم على أصولهم من التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه في سورة (البقرة). واخْتَلَفَ سيبويه ويونسُ إذا اجتمع استفهام وشرط أَيُّهُما يُجَابُ؟ فذهب سيبويه إلى أجابةِ الاستفهام، ويونُس إلى إِجابة الشرط. فالتقدير عند سيبويه أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيَّرُون وعند يونس تَطَيَّرُوا مجزوماً. فالجواب للشرط على القولين محذوف. وقد تقدم هذا في سورة الأنبياء. وقرأ أبو جفعر وطلحة وزِرّ بهمزتين مفتوحتين، إلاَّ أنَّ زِرّاً لم يسهل الثانية، كقوله: شعر : 4172- أَإِنْ كُنْتَ دَاوُدَ بْنَ أَحْوًى مُرَحَّلاً فَلَسْتَ برَاعٍ لابْنِ عَمِّكَ مَحْرَمَا تفسير : وروي عن أبي عمرو وزرٍّ أيضاً كذلك، إلا أنها فصلاً بأَلِفٍ بين الهَمْزَتَينِ. وقرأ المَاجَشُون (بهمزة ) واحدة مفتوحة. وتخرج هذه القراءات الثلاث على حذف لام العلة أي (أَ) لأَنْ ذُكّرْتُمْ تَطَيَّرْتُمْ فـ "تطيرتم" هو المعلول، وأن ذكرتم عليته. والاستفهام منسحب عليهما في قراءة الاستفهام. وفي غيرها يكون إخباراً بذلك. وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسروة وهي شرط من غير استفهام، وجوابه محذوف أيضاً. وقرأ الأعمش والهَمْدَانيُّ أين بصيغة الظرف. وهي أين الشرطية وجوابها محذوف عند جمهور البصريين أي أين ذكرتم فطائركم معكم أو صُحْبَتُكُمْ طائركم، لدلالة ما تقدم من قوله: "طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ" ومن يجوز تقديم الجواب لا يحتاج إلى حذف. وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصْمَعِيُّ عن نافع ذُكِرْتُمْ بتخفيف الكاف. فصل قوله: "أئن ذكرتم" جواب عن قوله: "لَنَرْجُمَنَّكُمْ" أي أتفعلون بنا ذلك وإن ذكرتم أي وعظتم بالله وبين لكم الأمر بالمعجز والبُرْهان {بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ} مشركون مجاوزون حيث تجعلون ما يُتَبرَّكُ به يتشاءم بِهِ وتقصدون إِيلام من يجب إِكرامه، أو مسرفون حيث تكفرون ثم تُصِرُّونَ بعد ظهور الحق بالمُعْجِزة والبُرهان. فإن قيل: (بل) للإضراب فما (الأمر) المضروب عنه؟. فالجواب: يحتمل أن يقال قوله: أَئِنْ ذُكِّرتم واردة على تكذيبهم فإنهم قالوا: نحن كاذبون وإن جئتنا بالبرهان لا بل قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال: أنحن مشؤومون وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه لا بل أنتم قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال: أنحن مستحقون الرجم والإيلام وإن بينا صحَّةَ ما أتينا به لا بل أنتم قوم مسرفون. فصل ذكر المفسرون أن عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - بعث رجلين إلى أهل أنطاكية فَدَعَوَا إلى توحيد الله وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فحبسهم الملك فأرسل بعدهما شمْعُون، فأتى الملك، ولم يدع الرسالة وقرب نفسه من الملك بحسن التدبير، ثم قال: إني أسْمَعُ (أنَّ) في الحبس رَجُلَيْنِ يَدِّعيَا(نِ) أمراً بديعاً أفلا يحضران نسمع كلامهما؟ فقال الملك: بلى فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقَّةَ فقال شمعون: وهل لكما بيِّنَةٌ؟ قالا: نعم فأبرءا الأكمه والأبرص وأَحْيَيا الموتى. فقال شمعون: يا أيها الملك: إن شئتَ أن تَغْلِبَهم فقل للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئاً من ذلك فقال له الملك أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم فقال شمعون: فَإذَنْ ظهر لي الحق من جانبهم فآمن الملك (وقوم) وكفر آخرون. وكانت الغلبة للمكذبِينَ.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية‏} ‏قال‏:‏ هي انطاكية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة ‏{‏أصحاب القرية‏} ‏ قال‏:‏ انطاكية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون‏} ‏ قال‏:‏ انطاكية‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنها قرية من قرى الروم، بعث عيسى ابن مريم إليها رجلين، فكذبوهما‏. وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان موسى بن عمران عليه السلام بينه وبين عيسى ألف سنة، وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما، وانه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل، ثم من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء‏.‏ وهو قوله ‏{‏إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث‏} ‏ والذي عزز به‏:‏ شمعون‏.‏ وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي ليس فيها رسول أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ أرسلنا إليهم اثنين‏} ‏ قال‏:‏ بلغني أن عيسى بن مريم بعث إلى أهل القرية - وهي انطاكية - رجلين من الحواريين، واتبعهم بثالث‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {‏إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث‏}‏ قال‏:‏ لكي تكون عليهم الحجة أشد، فأتوا أهل القرية، فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، فكذبوهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال‏:‏ اسم الرسولين اللذين قالا ‏{‏إذ أرسلنا إليهم اثنين‏} ‏ شمعون‏.‏ ويوحنا‏.‏ واسم ‏(‏الثالث‏)‏ بولص‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فعززنا بثالث‏}‏ مخففة‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ أرسلنا إليهم اثنين‏.‏‏.‏‏.‏‏.} ‏ قال‏:‏ اسم الثالث الذي عزز به: سمعون بن يوحنا‏.‏ والثالث بولص، فزعموا أن الثلاثة قتلوا جميعاً، وجاء حبيب وهو يكتم إيمانه ‏ {‏فقال يا قوم اتبعوا المرسلين‏}‏ فلما رأوه أعلن بإيمانه فقال {‏إني آمنت بربكم فاسمعون‏} ‏ وكان نجاراً ألقوه في بئر، وهي الرس، وهم أصحاب ‏"‏الرس‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قالوا إنا تطيرنا بكم‏} قال‏:‏ يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم ‏ {‏لئن لم تنتهوا لنرجمنكم‏}‏ بالحجارة ‏ {‏قالوا طائركم معكم‏} ‏ أي أعمالكم معكم ‏ {‏أئن ذكرتم‏}‏ يقول‏:‏ ائن ذكرناكم بالله، تطيرتم بنا‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏لنرجمنكم‏} ‏ قال‏:‏ لنشتمنكم قال والرجم في القرآن كله الشتم وفي قوله ‏ {‏طائركم معكم أئن ذكرتم‏}‏ يقول‏:‏ ما كتب عليكم واقع بكم‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏طائركم معكم‏}‏ قال‏:‏ شؤمكم معكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن يحيي بن وثاب أنه قرأها ‏"أئن ذكرتم"‏ بالخفض وقرأها زر بن حبيش ‏"‏أن ذكرتم‏" بالنصب‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى‏}‏ قال‏:‏ هو حبيب النجار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال‏:‏ كان اسم صاحب ‏(يسۤ)‏ حبيب بن مري‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ اسم صاحب ‏(يسۤ) حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى‏}‏ قال‏:‏ بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار، واسمه حبيب، فسمع بهؤلاء النفر الذين أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية، فجاءهم فقال‏:‏ تسألون أجراً فقالوا‏:‏ لا، فقال لقومه ‏{‏يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏فاسمعون‏}‏ قال‏:‏ فرجموه بالحجارة فجعل يقول‏:‏ رب اهد قومي {فإنهم لا يعلمون ‏‏بما غفر لي ربي‏} ‏ حتى بلغ ‏{‏إن كانت إلا صيحة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم ‏{‏صيحة واحدة فإذا هم خامدون‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الحكم في قوله ‏ {‏وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى‏} قال‏:‏ بلغنا أنه كان قصاراً‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏وجاء من أقصى المدينة رجل‏} ‏ كان حراثا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن كعب أن ابن عباس سأله عن أصحاب الرس فقال‏:‏ إنكم معشر العرب تدعون البئر رساً وتدعون القبر رساً فخدوا خدوداً في الأرض، وأوقدوا فيها النيران للرسل الذين ذكر الله في ‏{‏يسۤ‏}‏ ‏ {‏إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث‏} ‏وكان الله تعالى إذا جمع لعبد النبوة والرسالة منعه من الناس، وكانت الأنبياء تقتل، فلما سمع بذلك رجل من أقصى المدينة، وما يراد بالرسل أقبل يسعى ليدركهم، فيشهدهم على إيمانه، فأقبل على قومه فقال ‏{‏يا قوم اتبعوا المرسلين‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏لفي ضلال مبين‏} ‏ ثم أقبل على الرسل فقال {‏إني آمنت بربكم فاسمعون‏} ‏ ليشهدهم على إيمانه فأُخِذَ فَقُذِفَ في النار فقال الله تعالى ‏ {‏ادخل الجنة‏}‏ قال ‏{‏يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين‏}‏ ‏. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال‏:‏ لما قال صاحب (‏يسۤ) ‏ {‏يا قوم اتبعوا المرسلين‏} ‏ خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال ‏ {‏إني آمنت بربكم فاسمعون‏} ‏ أي فاشهدوا لي‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏قيل ادخل الجنة‏} ‏ قال‏:‏ وجبت له الجنة ‏ {‏قال يا ليت قومي يعلمون‏}‏ قال‏:‏ هذا حين رأى الثواب‏.

القشيري

تفسير : انقرض زمانُهم ونُسِيَ أوانُهم وشأنُهم! ولكننا نتذكر أحوالهم بعد فوات أوقاتهم، ولا نرضى بألا يجري بين أحبائنا وعلى ألْسِنَةِ أوليائنا ذِكْرُ الغائبين والماضين، وهذا مخلوقٌ يقول في صفة مخلوق: شعر : إذا نَسِيَ الناسُ إخوانَهم وخَانَ المودَّةَ خِلاَّنُها فعندي لإخوانِيَ الغائبين صحائفُ ذِكْرُكَ عنوانُها

اسماعيل حقي

تفسير : {واضرب لهم مثلا اصحاب القرية} الى قوله خامدون يشير الى اصناف الطافه مع احبائه وانواع قهره مع اعدائه كما فى التأويلات النجمية امر الله تعالى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بانذار مشركى مكة بتذكيرهم قصة اصحاب القرية ليحترزوا عن ان يحل بهم ما نزل بكفار اهل تلك القرية. قال فى الارشاد ضرب المثل يستعمل على وجهين. الاول فى تطبيق حالة غريبة بحالة اخرى مثلها فالمعنى اجعل اصحاب القرية مثلا لاهل مكة فى الغلو فى الكفر والاصرار على تكذيب الرسل اى طبق حالهم بحالهم على ان مثلا مفعول ثان واصحاب القرية مفعوله الاول اخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه. والثانى فى ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد الى تطبيقها بنظيرة لها فالمعنى اذكر وبين لهم قصة هى فى الغرابة كالمثل فقوله اصحاب القرية اى مثل اصحاب القرية على تقدير المضاف كقوله {أية : واسأل القرية} تفسير : وهذا المقدر بدل من الملفوظ او بيان له. والقرية انطاكية من قرى الروم وهى بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة بلاد يقال لها العواصم وهى ذات عين وسور عظيم من صخر داخله خمسة اجبل دورها اثنا عشر ميلا كما فى القاموس ويقال لها انتاكية بالتاء بدل الطاء وهو المسموع من لسان الملك فى قصة ذكرت فى مشارع الاشواق. قال الامام السهيلى نسبت انطاكية الى انطقيس وهو اسم الذى بناها ثم غيرت. وفى التكلمة وكانت قصتهم من ايام ملوك الطوائف. وفى بحر انطاكيه من مدائن النار بشهادة النبى عليه السلام حيث قال "حديث : اربع مدائن من مدائن الجنة مكة والمدينة وبيت القدس وصنعاء اليمن واربع مدائن من مدائن النار انطاكية وعمورية وقسطنطينية وظفار اليمن" تفسير : وهو كقطام بلد باليمن قرب صنعاء اليه ينسب الجزع وهو بالفتح خرز فيه سواد وبياض يشبه به الاعين وكانت انطاكية احدى المدن الاربع التى يكون فيها بطارقة النصارى وهى انطاكية والقدس والاسكندرية ورومية ثم بعدها قسطنطينة. قال فى خريدة العجائب رومية الكبرى مدينة عظيمة فى داخلها كنيسة عظيمة طولها ثلاثمائة ذراع واركانها من نحاس مفرع مغطى كلها بالنحاس الاصفر وبها كنيسة ايضا بنيت على هيئة بيت المقدس وبها الف حمام فندق وهو الخان ورومية اكبر من ان يحاط بوصفها ومحاسنها وهى الروم مثل مدينة فرانسة للافرنج كرسى ملكهم ومجتمع امرهم وبيت ديانتهم وفتحها من اشراط الساعة {اذ جاءها المرسلون} بدل من اصحاب القرية بدل الاشتمال لاشتمال الظروف على ما حل فيها كأنه قيل واجعل وقت مجيئ المرسلين مثلا او بدل من المضاف المقدر كأنه قيل واذكر لهم وقت مجيئ المرسلين وهم رسل عيسى عليه السلام الى اهل انطاكية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "اضرب": يكون بمعنى: اجعل، فيتعدى إلى مفعولين، و "مَثَلاً": مفعول أول، و {أصحاب} مفعول ثان، أو: بمعنى: "مثل"، من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أي: من هذا المثال. و "أصحاب": بدل من "مَثَلاً"، و "إذ": بجل من "أصحاب". و "أَئِن ذُكِّرتُم": شرط، حُذف جوابه. يقول الحق جلّ جلاله: {وَاضْرِبْ لهم} أي: لقريش {مَثلاً أصحابَ القرية} أي: واضرب لهم مثل أصحاب لهم مثل أصحاب القرية "أنطاكية" أي: اذكر لهم قصة عجيبة؛ قصة أصحاب القرية، {إِذ جاءها} أي: حين جاءها {المرسلون} رُسل عيسى عليه السلام، بعثهم دعاةً إلى الحق، إلى أهل أنطاكية. وكانوا عبدة أوثان. {إِذ أرسلنا}: بدل من "إذ" الأولى، أي: إذ بعثنا {إِليهم اثنين} بعثهما عيسى عليه السلام، وهما يوحنا وبولس، أو: صادقاً وصدوقاً، أو غيرهما. فلما قربا إلى المدينة، رأيا شيخاً يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار، فسأل عن حالهما، فقالا: نحن رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن؟ فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض، ونُبرىء الأكمه والأبرص، وكان له ابن مريض منذ سنين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب، وفشا الخبر، فَشُفِي على أيديهما خلق كثير، فدعاهما الملك، وقال: ألنا إِلهٌ سوى آلهتنا؟ فقالا: نعم، مَن أوجدك وآلهتك، فقال: قُوما حتى أنظر في أمركما، فحبسهما. ثم بعث عيسى عليه السلام شمعونَ، فدخل متنكراً، وعاشر حاشية الملك، حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك، فاستأنس به. فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبستَ رجلين، فهل سمعتَ قولهما؟ قال: لا، فدعاهما. فقال شمعون: مَن أرسلكما؟ فقالا: الله الذي خَلَق كل شيء، ورَزَق كل حيّ، وليس له شريك. فقال: صِفاه وأوجزا، فقالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنّى الملك، فدعا بغلام أكمه، فدعَوا الله، فأبصر الغلامُ، فقال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا، فيكون لك وله الشرف؟ فقال: ليس لي عنك سرٌّ، إن إلهنا لا يُبصر ولا يَسمع، ولا يضر، ولا ينفع. فقال: إِنْ قدر إلاهكما على إحياء ميّت آمنا، فدعَوا بغلام مات منذ سبعة أيام، فقام، فقال: إني دخلت في سبعة أودية من النار لِمَا مت عليه من الشرك، وأنا أُحذّركم ما أنتم عليه! فآمِنوا. قال: وفُتحت أبواب السماء، فرأيت شابّاً حسن الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: مَن هم؟ قال: شمعون وهذان، فتعجّب الملك. فلمّا رأى شمعون أن قوله أثّر فيه، نصَحه وآمن، وآمن قوم، ومَن لم يؤمن صاح عليهم جبريل، فهلكوا. كما سيذكره بقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون}. وهذا معنى قوله هنا: {فَكذَّبُوهُما} أي: فكذّب أصحابُ القرية المرسلين، {فعَزَّزْنَا}: قويناهما. وقرأ شعبة بالتخفيف، من: عزّه: غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا {بثالثٍ} وهو شمعون، وترك ذكر المفعول به؛ لأنَّ المراد ذكر المعزّز به، وهو شمعون، وما لطف به من التدبير حتى عزّ الحق، وذلّ الباطل. وإذا كان الكلامُ مُنصبًّا إلى غرض من الأغرض جُعل سياقه له وتوجُّهه إليه كأنما سواه مرفوض. {فقالوا} أي: الثلاثة لأهلِ القرية: {إِنا إِليكم مُرْسَلُونَ} من عند عيسى، الذي هو من عند الله. وقيل: كانوا أنبياء من عند الله ـ عزّ وجل ـ أرسلهم إلى قرية، ويرجحه قول الكفرة: {ما أنتم إِلا بشرٌ مثلُنا} إذ هذه محاورة إنما تقال لمَن ادعى الرسالة، أي: ما أنتم إلا بشر، ولا مزية لكم علينا، {وما أنزلَ الرحمنُ من شيءٍ} أي: وحياً، {إِن أنتم إِلا تكْذِبون} فيما تدعون من الرسالة. {قالوا ربُّنا يعلمُ إِنا إِليكم لمرسَلون} أكَّد الثاني باللام دون الأول؛ لأن الأول مجرد إخبار، والثاني جواب عن إنكار، فيحتاج إلى زيادة تأكيد. و {ربنا يعلم} جارٍ مجرى القسم في التأكيد، وكذلك قولهم: شَهِد الله، وعَلِمَ اللهُ. {وما علينا إِلا البلاغُ المبينُ} أي: التبليغ الظاهر، المكشوف بالآيات الظاهرة الشاهدة بصحته. {قالوا إِنا تَطَيَّرْنا بكم} تشاءمنا بكم. وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم. وعادة الجهّال أن يتيمّنوا بكل شيء مالوا إليه، وَقَبِلَتْهُ طباعُهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه، وكرهوه، فإن أصابهم بلاء، أو نعمة، قالوا: بشؤم هذا، وبركة ذلك. وقيل: حبس عنهم المطر، فقالوا ذلك. وقيل: ظهر فيهم الجذام، وقيل: اختلفت كلماتهم. ثم قالوا لهم: {لئن لم تَنْتَهوا} عن مقالتكم هذه {لَنَرْجُمَنَّكُم} لنقتلنكم بالحجارة، أو: لنطردنّكم، أو: لنشتمنكم، {وَلَيَمَسَّنكم منا عذابٌ أليم} وليصيبنّكم منا عذاب الحريق، وهو أشد العذاب. {قالوا} أي: الرسل {طائِرُكُم} سبب شؤمكم {معكم} وهو الكفر، {أَئِن ذُكِّرتُم} أي: وُعظتم، ودُعيتم إلى الإسلام تطيّرتم، وقلتم ما قلتم، {بل أنتم قوم مُّسْرِفُون} مجاوزون الحد في العصيان، فمن ثَمَّ أتاكم الشؤم، لا من قِبَلِ الرسل. أو: بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم وغيّكم، حيث تتشاءمون بمَن يجب التبرُّك به من رسل الله عليهم الصلاة والسلام. الإشارة: إذا أرسل الله إلى قلب وليٍّ وارداً أولاً، ثم شكّ فيه، وَدَفَعَهُ، ثم أرسل ثانياً وَدَفَعَه، ثم عزّزه بثالث، وجب تصديقه والعمل بما يقول، وإلا وقع في العنت وسوء الأدب؛ لأن القلب إذا صفى من الأكدار لا يتجلّى فيه إلا الحق، وإلا وجب اتهامه، حتى يتبين وجهه. وباقي الآية فيه تسلية لمن قُوبل بالتكذيب من الأولياء والصالحين. وبالله التوفيق. ثم ذكر القصة، فقال: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {وَٱضْرِبْ [يا محمد] لَهُمْ مَّثَلاً}: أي: مثّل لهم مثالاً، من قولهم: "هؤلاء أضراب" أي: أمثال، و "هذه الأشياء على ضَرْب واحد" أي: على مثال واحد. وقيل: "اذْكُرْ لهم مثلاً" أي: قصة عجيبة. {أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ}: وهي أنطاكية - على رأي المفسِّرين - وأصحابُها كانوا عبدةَ أوثان. {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [13]: وهم رُسُلُ عيسى (عليه السلام) إلى أهلها، أرْسلَهُم داعين إلى الحق.

الجنابذي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُمْ} اى اذكر لهم {مَّثَلاً} اى حالاً شبيهة بحالهم حتّى يتنبّهوا بقبح احوالهم وافعالهم {أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} اى مثل اصحاب القرية وهو بدل من مثلاً بجعل اضرب متعدّياً لواحد او مفعول اوّل لاضرب ومثلاً مفعول ثانٍ له والقرية انطاكية ارسل اليها عيسى (ع) او ارسل الله اليها كما فى بعض الاخبار {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَآ} اذ الاولى بدل من اصحاب القرية بدل الاشتمال، واذ الثّانية بدل من الاولى {إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا} اى قوّيناهما {بِثَالِثٍ} هو شمعون او نبىّ من الله تعالى وكان اسم الرّسولين يحيى ويونس (ع) {فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} نقل عن الباقر (ع) انّ الله ارسل الى مدينة انطاكية رجلين فجاءاهم بما لا يعرفون فغلّظوا عليهما فأخذوهما وحبسوهما فى بيت الاصنام (الى آخر الحديث المذكور فى التّفاسير) وفى روايةٍ بعث عيسى (ع) هذين الرّسولين فأتيا انطاكية ولم يصلا الى ملكها وطالت مدّة مقامهما فخرج الملك ذات يومٍ فكبّرا فأخذهما الملك وحبسهما فى بيت الاصنام فبعث عيسى (ع) شمعون الصّفا رأس الحواريّين فدخل شمعون البلدة منكّراً ونصر الرّسولين وادخل الملك واهل البلدة فى الدّين كما فى التّفاسير.

فرات الكوفي

تفسير : {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث... وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين13و14} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي يعقوب العبدي قال: دخلت على زيد بن الحسين عليهم السلام وعنده أصحابه فلما نظر إلي قال: يا أبا [ر، أ: ابن] يعقوب من زعم منكم [ان. أ، ب] منا أئمة مفروضة طاعتهم فهم الغالون. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون من قد مات من شيعتكم على هذا الرأي من أهل القرآن وأهل الخير وأهل الورع إنا براء منهم. قال: لا تبرء منهم. قال: قلت: عافاك الله ما الذي يحمينا على أمرنا في علي والحسن والحسين [عليهم السلام. ر] عندك منه برهان؟ قال: نعم أما تقرأ يس؟ قلت: بلى. ثم قرأ زيد: {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} فمثل الثلاثة الذين ذكرهم الله في [القرآن في. أ، ب] هذه الأمة [ر، أ: الآية] مثل علي والحسن والحسين [عليهم السلام. ر] وهذا الرابع الذي يظهر مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى. قال: قلت: فإني أرجو أن تكون أنت هو، قال: ما شاء الله [أ: ما والله]. فرات قال: حدثنا عبيد بن غنام [قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: حدثنا عمرو بن جميع عن محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى] عن [أخيه] عيسى بن [عبد الرحمان عن] عبد الرحمان بن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس الذي قال: {يا قوم اتبعوا المرسلين} وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله} [28/ الغافر] وعلي بن أبي طالب [عليه السلام.ر] الثالث وهو أفضلهم . تفسير : فرات قال: حدثنا الحضرمي معنعناً: عن أبي أيوب! الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : "الصديقون ثلاثة حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار مؤمن آل يس وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم" .

الهواري

تفسير : قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} وهي أنطاكية {إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} تفسير مجاهد فشدّدنا بثالث. قال: إنه أُرسِل إليهم اثنان قبل الثالث فقتلوهما، ثم أرسل الثالث. {فَقَالُوا} يعني الأولين قبل الثالث، والثالث بعدهما. {إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. قَالُوا مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} وجحدوا أنهم رسل {وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}. {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البَلاَغُ الْمُبِينُ}. قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: تَشَاءَمْنَا بكم. قال بعضهم: قالوا: إن أصابنا سوء فهو من قِبَلكم. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} أي: لنقتلنكم، في تفسير الحسن. غير أن الحسن قال: لنرجمنّكم بالحجارة حتى نقتلكم. {وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع، قبل أن نقتلكم.

اطفيش

تفسير : {واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} أي اجعل لهم حال اصحابها مثلا والضرب في المثل يتعدى لاثنين لأنه بمعنى التصيير قاله ابن مالك واصحاب مفعوله الأول على حذف مضاف اي حال اصحاب ومثلا مفعول به ثان ولهم متعلق باضرب وقيل يتعدى لواحد فاصحاب بدل من مثلا او بيان للنكرة بالمعرفة وقيل لا تعرف اضافة صاحب فمعناه اثبت أو اذكر واذ بدل من اصحاب بدل اشتمال قال قوله جاءها في معنى جاء اصحابها فحذف المضاف أو الضمير للأصحاب افرد وانث للتأويل بالجماعة أو بدل من حال المحذوف والقرية أنطاكية والمرسلون هم الذين أرسلهم نبي الله عيسى عليه السلام إلى أصحاب القرية.

اطفيش

تفسير : {واضْربْ لَهُم مثلا أصْحاب القَريْة} عطف قصة على أخرى، وإنشاء على إخبار، أو على محذوف بلا فاء أى أنذرهم، واضرب لهم مثلا، وأصحاب مفعول أول، ومثلا مفعول ثان، أى اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء فى الإصرار على التكذيب، وضرب المثل تطبيق حال غريبة بحال مثلها فى الغرابة، كقوله تعالى: "أية : ضرب الله مثلا للذين كفروا" تفسير : [التحريم: 10] الخ، وقد يستعمل ضرب المثل بمعنى ذكر أمر غريب ولو بلا تطبيق بالآخر، أى واذكر لهم قصة غريبة كالمثل، والتقدير: واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، وأصحاب بدل من مثلا على حذف مضاف كما رأيت، ومن القسم الأول ما شبه مضربه بمورده نحو: الصيف ضيعت اللبن، والقرية أنطاكية. {إذْ جاءها المُرسلون} بدل اشتمال من أصحاب، وليس ظرفا والمعنى واضرب هلم نفس وقت مجىء المرسلين إليها، أو ظرف لبدل اشتمال محذوف من قرية، والرابط ها فى جاءها، أى الحادث أو الواقع {إذ جاءها المرسلون} أو بدل كل من أصحاب بتقدير قصة أصحاب القرية، وها عائد إلى القرية، ولم يقل جاءهم برد الضمير الى أصحاب، إيذانا بأن المرسلين جاءوا أصحاب القرية، وأصحاب القرية فى القرية، ولم يلقوهم خارجا، ولو قال جاءهم لاحتمل أنهم جاءوهم، وهم في غيرها خارجاً، ويجوز رد الضمير الى الأصحاب بتأويل الجماعة، فيتبادر أنهم جاءوهم وهم فيها كذلك، والمرسلون هم الحواريون، أرسلهم عيسى حين أراد الله له الرفع الى السماء، وإنما أسند الله الإرسال إليه تعالى فى قوله تعالى: {إذْ أرْسَلنا إليْهم اثْنَين} لأنه هو الذى أمر عيسى عليه السلام بإرسالهم، وقال ابن عباس، وكعب: المرسلون أنبياء الله، أرسلهم إليها تقوية لعيسى عليه السلام بنصره، وتصديقه فيما يقول، قبل رفعه الى السماء، كما أرسل هارون تقوية ونصرة لموسى عليهما السلام، ويدل له قولهم:{ما أنتم إلا بشر مثلنا} فإنه رد على من قال: إنا رسل من الله تعالى، لا على من لم يقل ذلك مثل الحواريين، وهو الظاهر من قوله عز وجل: "إذ أرسلنا إليهم اثنين" ويدل له أيضا ظهور المعجزة على أيديهم كإبراء الأكمه، وإحياء الموتى كما فى بعض الآثار. روى أن الاثنين أخذا بندقتين من طين، فجعلاهما فى موضع العينين من صبى ممسوح كالجبهة، فصارتا له عينين يبصر بهما، وأن ابن دهقان مات منذ سبعة أيام أخر الملك دفنه حتى يجىء أبوه من سفر، فطلب الملك منهما أن يحيياه فأحيياه بإذن الله تعالى، وقالا: هل تفعل ذلك ألهتك؟ فقال: لا فآمن هو وقوم من رعيته، ومن لم يؤمن مات بصيحة جبريل، وقيل: كفر وعزم على قتلهما وقتل الثالث، ولما حيى ابن الدهقان قال لهم: أحذركم من الإشراك، فإنى أدخلت فى سبعة أودية من النار، وذلك مختص بالأنبياء أصالة وغالبا، إلا أنه قد يحتمل أنه كرامة لغير الأنبياء لا معجزة، إذ لم يدعوا الرسالة، وأنهم فهموا أنهم مبلغون عن الله تعالى، وفهموا أنهم يدعون الرسالة من الله تعالى فنفوها عنهم، وهم لم يدعوها، وإنما بلغوا عن عيسى عليه السلام. أو لما كان مرسلهم مدعى الرسالة عاملوهم معاملة مدعيها بنفيها عنهم قصداً الى نفيها عنه، والاثنان: يوحنا وبولس، أو ثومان و بولس، أو شمعون ويوحنا، أو صادق وصدوق، أو نازوص وماروص، وقال: اليهم لا اليها، لإن الإرسال الى من يكلف ويعقل، لا الى الجماد، وأما قوله جل وعلا: {فكذَّبُوهُما} فتابع لقوله: "إليهم" بخلاف المجىء، فانه لا يختص بأن يكون الى العاقل، وأصحاب تلك القرية يعبدون الأصنام. {فَعزَّزْنا} أى عززناهما أى صيرناهما عزيزين قويين {بثَالثٍ} شمعون الصفا، أو سمعان، أو شلوم، أو بولص بالصاد أو بالسين، لما سجنا وجلدا مائتى جلدة، أتى هذا الثالث حتى توصل إلى الملك وأنس به، وكان يعبد الله تعالى بحضرة الصنم، فظن الملك أنه يعبد الصنم، فكلم الملك فيهما فيقال: حال الغضب بينى وبينهما فالآن أحضرهما، فقالا: إنا نعبد إلهاً قادرا لا صنما عاجزا عن إحياء ما مات، فصدقهما الثالث. {فقالُوا} الاثنان والثالث، والعطف على عززنا أو على كذبوا {إنَّا إِليْكُم مُرْسلون} قائله واحد، والاثنان متفقان معه، والسكوت رضاً وقبول ونصرة، ولا سيما أنه قد حضروا معاً، وهكذا قاعدة تكلم الجماعة أنه ليس يتكلم كل واحد، بل واحد مع اتفاق الباقين، وكذا فى قوله تعالى: {قالوا} أى أصحاب القرية للثلاثة {ما أنتُم إلا بشَرٌ مثْلنا} لا مزية لكم تختصون لأجلها بالرسالة من الله تعالى، أو بالمجىء بما جئتم {وما أنزْل الرَّحْمن} على أحد {من شيءٍ} تدعوننا إليه، فهم مقرون بالله، وسموه الرحمن إشارة الى انه عظيم الرحمة وكثيرها، لا يحتاج الى عبادتنا، ولا تضره أفعالنا، فهم يرحم من لا يعبده ومن يعبده، وإنما نعبد ما نعبد من الأصنام لتعيننا على مصالحنا، وهى محتاجة، ولذكرهم الرحمن علمنا أنه لم يصح ما قيل أنهم قالوا لا نعرف إلها ً غير أصنامنا، وعلى صحته فالمعنى لا نعرف إلهاً يحتاج للعبادة، والرحمن موجود لا يحتاج إليها، ويبعد ما قيل: إن لفظ الرحمن من كلام الله لا من كلامهم، وإن المعنى ما أنزل الذى تدعون وجوده شيئا، وأنه ذكر لفظ الرحمن لحلمه وجلبهم إليه، وصرحوا بمضمون قولهم: {ما أنتم} إلى {من شيء} فى قولهم: {إنْ أنتُم إلا تكْذِبُون} ولم يقل كاذبون للدلالة على تجدد الكذب واستمراره.

الالوسي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } إما عطف على ما قبله عطف القصة على القصة وأما عطف على مقدر أي فأنذرهم واضرب لهم الخ، وضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بأخرى مثلها كما في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ } تفسير : [التحريم: 10] الآية وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى: {أية : وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [إبراهيم: 45] في وجه أي بينا لكم أحوالاً بديعة هي في الغرابة كالأمثال. فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلاً لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن {مَثَلاً } مفعول ثان لاضرب و{أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه، وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل، وقوله سبحانه: {أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية وهذا المضاف بدل من {مثلاً} بدل كل من كل أو عطف بيان له على القول بجواز اختلافهما تعريفاً وتنكيراً، وجوز أن يكون المقدر مفعولاً وهذا حالاً. والقرية كما روى عن ابن عباس وبريدة وعكرمة انطاكية، وفي «البحر» إنها هي بلا خلاف. {إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } بدل اشتمال من {أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ } أو ظرف للمقدر، وجوز أن يكون بدل كل من {أَصْحَـٰبُ } مراداً بهم قصتهم وبالظرف ما فيه وهو تكلف لا داعي إليه، وقيل، إذ جاءها دون إذ جاءهم إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم، والمرسلون عند قتادة وغيره من أجلة المفسرين رسل عيسى عليه السلام من الحواريين بعثهم حين رفع إلى السماء، ونسبة إرسالهم إليه تعالى في قوله سبحانه: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ...}

ابن عاشور

تفسير : أعقب وصف إعراضهم وغفلتهم عن الانتفاع بهدي القرآن بتهديدهم بعذاب الدنيا إذ قد جاء في آخر هذه القصة قوله: { أية : إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون } تفسير : [يس: 29]. والضرب مجاز مشهور في معنى الوضع والجعل، ومنه: ضرب ختمه. وضربتْ بيتاً، وهو هنا في الجعل وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً مَّا } تفسير : في سورة البقرة (26). والمعنى: اجعل أصحاب القرية والمرسلين إليهم شَبهاً لأهل مكة وإرسالك إليهم. و{لهم} يجوز أن يتعلق بــــ{اضرب} أي اضرب مثلاً لأجلهم، أي لأجل أن يعتبروا كقوله تعالى: { أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم } تفسير : [الروم: 28]. ويجوز أن يكون {لهم} صفة لــــ(مثَل)، أي اضرب شبيهاً لهم كقوله تعالى: { أية : فلا تضربوا لله الأمثال } تفسير : [النحل: 74]. والمثل: الشبيه، فقوله: {واضرب لهم مثلاً} معناه ونظّرْ مثلاً، أي شَبِّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين، ولما غلب المثل في المشابه في الحال وكان الضرب أعم جُعل {مثلاً} مفعولاً لــــ{اضرب}، أي نظّر حالهم بمشابه فيها فحصل الاختلاف بين {اضرب}، و{مثلاً} بالاعتبار. وانتصب {مثلاً}على الحال. وانتصب {أصحاب القرية} على البيان لــــ{مثلاً}، أو بدل، ويجوز أن يكون مفعولاً أول لــــ{اضرب} و{مثلاً} مفعولاً ثانياً كقوله تعالى: { أية : وضرب اللَّه مثلاً قرية } تفسير : [النحل: 112]. والمعنى: أن حال المشركين من أهل مكة كحال أصحاب القرية الممثل بهم. و{القرية} قال المفسرون عن ابن عباس: هي (أنطاكية) وهي مدينة بالشام متاخمة لبلاد اليونان. والمرسلون إليها قال قتادة: هم من الحواريين بعثهم عيسى عليه السلام وكان ذلك حين رُفِع عيسى. وذكروا أسماءهم على اختلاف في ذلك. وتحقيق القصة: أن عيسى عليه السلام لم يدْعُ إلى دينه غير بني إسرائيل ولم يكن الدين الذي أرسل به إلا تكملة لما اقتضت الحكمة الإِلهية إكماله من شريعة التوراة، ولكن عيسى أوصى الحواريين أن لا يغفلوا عن نهي الناس عن عبادة الأصنام فكانوا إذا رأوا رؤيا أو خطر لهم خاطر بالتوجه إلى بلد من بلاد إسرائيل أو مما جاورها، أو خطر في نفوسهم إلهام بالتوجه إلى بلد علموا أن ذلك وحي من الله لتحقيق وصية عيسى عليه السلام. وكان ذلك في حدود سنة أربعين بعد مولد عيسى عليه السلام. ووقعت اختلافات للمفسرين في تعيين الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أهل أنطاكية وتحريفات في الأسماء، والذي ينطبق على ما في كتاب أعمال الرسل من كتب العهد الجديد أن (برنابا) و (شاول) المدعو (بُولس) من تلاميذ الحواريين ووُصِفا بأنهما من الأنبياء، كانا في أنطاكية مرسلَيْن للتعليم، وأنهما عُززا بالتلميذ (سيلا). وذكر المفسرون أن الثالث هو (شمعون)، لكن ليس في سفر الأعمال ما يقتضي أن بُولس وبرنابا عزّزا بسمعان. ووقع في الإِصحاح الثالث عشر منه أنه كان نبيء في أنطاكية اسمه (سمعان). والمكذبون هم من كانوا سكاناً بأنطاكية من اليهود واليونان، وليس في أعمال الرسل سوى كلمات مجملة عن التكذيب والمحاورة التي جرت بين المرسلين وبين المرسل إليهم، فذكر أنه كان هنالك نفر من اليهود يطعنون في صدق دعوة بولس وبرنابا ويثيرون عليهما نساء الذين يؤمنون بعيسى من وجوه المدينة من اليونان وغيرهم، حتى اضطر (بولس وبرنابا) إلى أن خرجا من أنطاكية وقصدا أيقونية وما جاورها وقاومهما يهود بعض تلك المدن، وأن أحبار النصارى في تلك المدائن رأوا أن يعيدون بولس وبرنابا إلى أنطاكية. وبعد عودتهما حصل لهما ما حصل لهما في الأولى وبالخصوص في قضية وجوب الختان على من يدخل في الدين، فذهب بولس وبرنابا إلى أورشليم لمراجعة الحواريين فرأى أحبار أورشليم أن يؤيدوهما برجلين من الأنبياء هما (برسابا) و (سيلا). فأما (برسابا) فلم يمكث. وأما (سيلا) فبقي مع (بولس وبرنابا) يعظون الناس، ولعل ذلك كان بوحي من الله إليهم وإلى أصحابهم من الحواريين. فهذا معنى قوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} إذ أسند الإرسال والتعزيز إلى الله. والتعزيز: التقوية، وفي هذه المادة معنى جعل المقوَّى عزيزاً فالأحسن أن التعزيز هو النصر. وقرأ أبو بكر عن عاصم {فعززنا} بتخفيف الزاي الأولى، وفعل عزّ بمعنى يحيي مرادفاً لعزّز كما قالوا شدّ وشدّد. وتأكيد قولهم: {إنا إليكم مرسلون} لأجل تكذيبهم إياهم فأكدوا الخبر تأكيداً وسطاً، ويسمى هذا ضرباً طلبياً. وتقديم المجرور للاهتمام بأمر المرسل إليهم المقصود إيمانهم بعيسى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 13- واذكر - أيها النبى - لقومك: قصة أهل القرية فإنها كقصتهم، إذ ذهب إليهم المرسلون لهدايتهم. 14- أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما، فقويناهما بثالث، فقال هؤلاء الثلاثة: إنا إليكم مرسلون. 15- قال أهل القرية - ردا عليهم -: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أوْحى الرحمن إلى بشر من شئ، ما أنتم إلا قوم تقولون غير الواقع. 16- قال المرسلون: ربنا الذى بعثنا إليكم يعلم إنا إليكم لمرسلون. 17- وليس علينا إلا أن نُبَلِّغ رسالة الله بلاغاً واضحاً. 18- قال أهل القرية: إننا تشاءمنا بكم. ونُقسم: إن لم تكفوا عن دعوتكم لنرمينكم بالحجارة، وليصيبنكم منا عذاب شديد الألم. 19- قال المرسلون: شؤمكم معكم بكفركم، أئن وُعظْتم بما فيه سعادتكم تتشاءموا منا وتهددونا بالعذاب الأليم؟! لكن أنتم قوم متجاوزون الحق والعدل. 20- وأقبل من أبعد مكان بالمدينة رجل يُسرع نحو أهل المدينة، قال: يا قوم، اتبعوا المرسلين من الله إليكم. 21- اتبعوا الذين لا يطلبون منكم أجراً على نصحكم وإرشادكم - وهم مهتدون - تنتفعون بهديهم فى سلوك طريق الخير والفلاح.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واضرب لهم مثلا: أي واجعل لهم مثلا. أصحاب القرية: أي انطاكية عاصمة بلا يقال لها العواصم بأرض الروم. إذ جاءها المرسلون: أي رسل عيسى عليه السلام. فعززنا بثالث: أي قوينا أمر الرسولين ودعوتهما برسول ثالث وهو حبيب بن النجار. وما علينا إلا البلاغ المبين: أي التبليغ الظاهر البين بالأدلة الواضحة وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الموتى. إنَّا تطيرنا بكم: أي تشاءمنا بكم وذلك لانقطاع المطر عنا بسببكم. قالوا طائركم معكم: أي شؤمكم معكم وهو كفركم بربكم. أئن ذكرتم: أي وعظتم وخوفتم تطيرتم وهذا توبيخ لهم. بل أنتم قوم مسرفون: أي متجاوزون للحد في الشرك والكفر. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً} أي واضرب أيها الرسول لقومك المصرين على الشرك والتكذيب لك ولما جئتهم به من الهدى ودين الحق {مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} فإن حالهم في التكذيب والغُلوَّ في الكفر والعناد كحال هؤلاء. إذ جاءها المرسلون وهم رسل عيسى عليه السلام إذ بعث برسولين ثم لما آذوهما بالضرب والسجن بعث بشمعون الصَّفي رأس الحواريين تعزيزاً لموقفهما كما قال تعالى {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}، فقالوا لأهل أنطاكية {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} من قبل عيسى عليه السلام ندعوكم إلى عبادة الرحمن وترك عبادة الأوثان {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} أي ما أنتم إلا تكذبون علينا في دعواكم أنكم رسل إلينا فقال الرسل {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} فواجهوا شك القوم فيهم بما يدفع الشك من القسم وتأكيد الخبر بالجملة الاسمية ولام التوكيد فقالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي البيِّن الواضح فإن قبلتم ما دعوناكم إليه فذلك حظكم من الخير والنجاة وإن أبيتم فذلك حظكم من الهلاك والخسار. ورد أهل أنطاكية على الرسل قائلين: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي تشاءمنا بكم حيث انقطع عنا المطر بسببكم فرد عليهم المرسلون بقولهم {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي شؤمكم في كفركم وتكذيبكم، ولذا حبس الله المطر عليكم. ثم قالوا لهم موبخين لهم: {أَئِن ذُكِّرْتُم} أي وعظتم وخُوِّفتُم بالله لعلكم تتقون تطيَّرتُم. بل أنتم أيها القوم {مُّسْرِفُونَ} أي متجاوزون الحد في الكفر والشرك والعدوان. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب المثل وهو تصوير حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما هنا في قصة حبيب بن النجار. 2- تشابه حال الكفار في التكذيب والإِصرار في كل زمان ومكان. 3- لجوء أهل الكفر بعد إقامة الحجة عليهم إلى التهديد والوعيد. 4- حرمة التطير والتشاؤم في الإِسلام.

القطان

تفسير : ضربُ المثل: تشبيه حالٍ غريبة بأخرى مثلها. القرية: يقول كثير من المفسرين انها انطاكية، والرسل غير معروفين ولم يردْ خبر صحيح عنهم. فعزّزنا بثالث: فقويناهم بثالث. البلاغ المبين: التبليغ الواضح. تطيّرنا: تشاءمنا بكم. لنرجُمنكم: لنرمينكم بالحجارة. طائركم معكم: شؤمكم معكم. ائن ذكِّرتم: أئن وُعظتم بما فيه سعادتكم تتشاءمون بنا! مسرفون: مجاوزون الحد في العصيان. لا تغني: لا تنفع. ولا يُنقِذون: ولا يخلصونني.... يذكّرهم الله تعالى بقومٍ مثلهم في الكفر والعناد والإصرار على التكذيب، فيقول: اذكر لقومك أيها النبي قصةَ أهل قريةِ انطاكية لمّا أرسلنا إليهم الرسلَ لهدايتهم.... أرسلنا اليهم رسولَين اثنين، فكذّبوهما، فقوّيناهما بثالثٍ وقالوا لهم: لقد أرسلَنا الله إليكم، فقال اهل القرية لهم: ما أنتم الا بشرٌ مثلنا وليس لكم علينا مَزِية، وما أنزل الرحمنُ إليكم شيئا، ولا أمَرَكم بشيء، وما انتم الا كاذبون. قال الرسل مؤكدين رسالتهم: الله يعلم أنّا رسُلُه اليكم، وما علينا الا ان نبلّغكم رسالته... وقد فعلْنا. فقال اهل القرية مهدِّدين: إنّا تشاءمنا بكم، لئن لم تتركوا ما تقولون قتلْناكم رجماً بالحجارة ولحِقَكم منا عذابٌ شديد. فقال الرسل لهم: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} شؤمُكم معكم {أَإِن ذُكِّرْتُم؟} بمعنى: أئن وُعظتم بما فيه سعادتكم تتشاءمون بنا؟ فخبر "أئن ذُكرتم" محذوفٌ.... {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} بالبغي والعناد والكفر. وفي هذه الأثناء يأتي رجلٌ مؤمن من أقصى أطراف المدينة مسرعاً لينصح قومه حين بلغه أنهم عقدوا النية على قتل الرسل. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} بعد ذلك بيّن لهم ذلك الساعي انه ما اختار لهم الا ما اختار لنفسه فقال: وأيَّ شيء يمنعني ان أعبدَ الذي خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. وكيف أعبد آلهة لا تفيدني شفاعتُهم شيئاً إن أرادني الله بسوء، {وَلاَ يُنقِذُونَ} ولا يخلصونني من أي سوء! اذا فعلت ذلك فأنا في ضلال مبين. ثم التفت الى الرسل وخاطبهم بما يثبت ايمانه بالله فقال: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} اشهدوا لي بذلك عنده. {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} بغفران ربّي لي وإكرامه إياي، فيؤمنون كما آمنت. إنه يتمنى لو يرى قومُه ما اعطاه الله من الرضى والكرامة لعلهم يؤمنون. قراءات قرأ ابو بكر: فعززنا بفتح الزاي الأولى من غير تشديد. والباقون بالتشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : (13) - وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ مَثَلاً لِقَوْمِكَ قِصَّةَ أَهْلِ القَرْيَةِ الكَافِرِينَ، الذينَ جَاءَهُم رُسُلُ اللهِ، فَإِنَّهَا كَقِصَّتِهِمْ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا قَريَةُ أَنْطَاكِيَةَ، وَإِنَّ الرُّسُلَ هُمْ رُسُلُ اللهِ إِلَى أَهْلِهَا، تَأييداً لعِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مِنْ شَرِيعَةٍ. وَلَكِنْ هُنَاكَ مَنْ ضَعَّفَ هَذَا القَوْلَ، وَقَالَ إِنَّ اللهَ لَمْ يُهْلِكْ بَعْدَ إِنْزَالِ التَّوْرَاةِ قَريةً لِكُفْرِهَا).

الثعلبي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} وهي أنطاطية {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} يعني رُسل عيسى: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى(عليه السلام) رسولين من الحواريين إلى أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات وهو حبيب صاحب (ياس)، فسلما عليه، فقال الشيخ: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرَّحْمن. فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. فقال الشيخ: إنّ لي ابناً مريضاً صاحب فراش منذ سنين. قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله. فأتى بهما إلى منزله، فمسحها ابنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحاً، ففشا الخبر في المدينة وشفى الله على يديهما كثيراً من المرضى، وكان لهم ملك يقال له سلاحين، وقال: وهب اسمه ابطيحيس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى الخبر إليه فدعاهما، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى. قال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص، ونُشفي المرضى بإذن الله. قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئناك ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يُبصر إلى عبادة من يسمع ويُبصر. فقال الملك: أو لنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما. فتتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق. وقال وهب بن منبه: بعث عيسى (عليه السلام) هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ملكها فطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم: فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فأُخذا وحُبسا وجلد كل واحد منهما مئة جلدة. قالوا: فلما كُذب الرسولان وضُربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرهما لينصرهما. فدخل شمعون البلدة متنكراً وجعل يُعاشر حاشية الملك حتى أنَسوا به فرُفع خبره إلى الملك فدعاه فرضى عشرته، وآنس به وأكرمه. ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن ضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإذا رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما. فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ها هنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك. فقال لهما شمعون: فصِفاهُ وأوجزا. فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يُريد. قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا له: ما تتمناه. فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة. فما زالا يدعوان ربّهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين فبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: أرأيت [لو] سألت إلهك حتى يصنع صنيعاً مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال له الملك: ليس عندي سر إنّ إلهنا الذي نعبده لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويُصلّي كثيراً ويتضرع، حتى ظنوا أنه على ملتهم. وقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء. فقال الملك: إنّ ها هنا ميتاً مات منذ سبعة أيام ابناً لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائباً. فجاؤوا بالميت وقد تغيّر وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سراً. فقام الميت وقال: إني قد مُتُ منذ سبعة أيام، ووُجدت مشركاً فأُدخلت في تسعة أودية من النار، وأنا أُحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله. ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار إلى صاحبيه. فتعجب الملك، فلما علم شمعون أنّ قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه، فآمن قوم وكان الملك فيمن آمن، وكفر آخرون. وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين فذلك قوله سبحانه: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ}. واختلفوا في اسميهما، فقال ابن عباس: تاروص وماروص، وقال وهب: يحيى ويونس، ومقاتل: تومان ومانوص. {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي فقوّينا برسول ثالث. قرأ طلحة بن مصرف وعاصم عن حفص: {فَعَزَّزْنَا} مخففاً، أي فغلبناهم، من عزيز برسول ثالث وهو شمعون. وقال مقاتل: شمعان، وقال كعب: الرسولان صادق وصدوق والثالث شلوم وإنما أضاف الإرسال إليه لأن عيسى (عليه السلام) إنما بعثهم بأمره عزّ وجل، وكانوا في جملة الرُسل، فقالوا جميعاً لأهل أنطاكية: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}: ما أنتم إلاّ كاذبون. {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ * قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا} تشاءمنا. {بِكُمْ}، قال مقاتل: حبس عنهم المطر فقالوا: هذا بشؤمكم {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ}، قال قتادة: بالحجارة، وقال آخرون: لنقتلنكم، {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُواْ طَائِرُكُم}: شؤمكم {مَّعَكُمْ} بكفركم، وقال ابن عباس والضحاك: حظّكم من الخير والشر. قال قتادة: أعمالكم، وقرأ الحسن والأعرج: طيركم. {أَإِن ذُكِّرْتُم} وعظتم، وقرأ أبو جعفر بالتخفيف، يعني من حيث ذكرتم،وجوابه محذوف مجازه: أئن ذكرتم قلتم هذا القول، {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}: مشركون مجاوزون الحد. قوله: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} وهو حبيب بن مري، وقال ابن عباس ومقاتل: حبيب بن إسرائيل النجار، وقال وهب: وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين: فيطعم نصفاً عياله ويتصدق بنصفه، فلما بلغه أنّ قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم فقال: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}، قال قتادة: لما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا. فقال ذلك. قال: وكان حبيب في غار يعبد ربه، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وما هو عليه من التوحيد وعبادة الله، فقيل له: وأنت مخالف لديننا وتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ فقال: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ * إِنِّيۤ} إن فعلت ذلك {إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} فلما قال لهم ذلك وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه ولم يكن أحد يدفع عنه. قال عبد الله بن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قضيبه من دبره، وقال السدّي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهدِ قومي حتى قطعوه وقتلوه، وقال الحسن: خرقوا خرقاً في حلقة فعلقوه من سوق المدينة، وقبره في سور أنطاكية فأوجب الله له الجنة، فذلك قوله: {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ}. فلما أفضى إلى جنة الله وكرامته، {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ}. أخبرنا أبو بكر عبد الرَّحْمن بن عبد الله بن علي بن حمشاد المزكى بقراءتي عليه في شعبان سنة أربعمئة فأقرّ به قال: أخبرنا أبو ظهير عبد الله بن فارس بن محمد بن علي ابن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعن وثلاثمئة قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل بن مالك قال: حدّثنا عن أخيه عيسى عن عبد الرَّحْمن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبّاق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب آل يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون وعلي أفضلهم ". تفسير : قالوا: فلما قُتل حبيب غضب الله له وعجّل لهم النقمة، فأمر جبرئيل (عليه السلام) فصاح بهم صيحة ماتوا عن آخرهم، فذلك قوله عز وجل: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً}، وفي مصحف عبد الله: (إن كانت إلاّ زقية واحدة)، وهي الصحيحة أيضاً وأصلها من الزقا، وقرأ أبو جعفر: {صَيْحَةً} بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} ميتون. {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} قال عكرمة: يعني على أنفسهم، وفيه قولان: أحدهما: أنّ الله يقول: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} وكآبة عليهم حين لم يؤمنوا. والآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} يعني الرسل الثلاثة حين لم يؤمنوا، بهم فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم، وقرأ عكرمة: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} بجزم الهاء {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وكان خبر الرسل الثلاثة في أيام ملوك الطوائف. {أَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} ؟ والقرن: أهل كل عصر؛ سموا بذلك لاقترابهم في الوجود {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِن كُلٌّ لَّمَّا} بالتشديد، ابن عامر والأعمش وعاصم وحمزة. الباقون: بالتخفيف. فمن شدد جعل {إِن} بمعنى الجحد،و {لَّمَّا} بمعنى (إِلاَّ)، تقديره: وما كل إلا جميع، كقولهم: سألتك لما فعلت، أي إلاّ فعلت، ومن خفف جعل {إِن} للتحقيق وحققه، وما صلة، مجازه: وكل {جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} بالمطر، {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ}: بساتين {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ * لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ}، قرأ الأعمش: بضم الثاء وجزم الميم (ثُمْره)، وقرأ (خلف) ويحيى وحمزة والكسائي بضم الثاء والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} قرأ العامة بالهاء، وقرأ عيسى بن عمر وأهل الكوفة: (عملت) بلا هاء، ويجوز في {مَا} ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: الجحد، بمعنى ولم تعمله أيديهم، أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها، وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل. والوجه الثاني معنى المصدر، أي ومن عمل أيديهم. والوجه الثالث معنى الذي، (أي وما عملت أيديهم) من الحرث والزرع والغرس، وهو معنى قول ابن عباس. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} نعمه؟ {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ}: الأشكال والأصناف {كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ}: ننزع ونخرج {مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}، وقال الكلبي: نذهب به {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}: داخلون في الظلام. {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} يعني إلى مستقر لها. قال ابن عباس: لا تبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها، وقال قتادة: إلى وقت واحد لها لا تعدوه، وقيل: إلى انتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا، وقيل: إلى أبعد منازلها في الغروب. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب وأحمد بن جعفر قالا: حدّثنا إبراهيم ابن سهل قال: حدّثنا محمد بن بكار العيسي قال: حدّثنا إسماعيل بن علية قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} قال: "حديث : مستقرها تحت العرش ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثني أبو الطيب أحمد بن عبد الله بن يحيى الدارمي قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد السمرقندي بدمياط قال: حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدّثنا مروان بن معاوية عن محمد بن أبي حسان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: (والشمس تجري لامستقر لها)، وهي قراءة ابن مسعود أيضاً، أي لا قرار لها، فهي جارية أبداً. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * وَٱلْقَمَرَ} بالرفع، نافع وابن كثير وأبو عمرو وأيوب ويعقوب غير ورش، واختاره أبو حاتم قال: لأنك شغلت الفعل عنه فرفعته للابتداء، وقرأ الباقون بالنصب، واختاره أبو عبيد، قال: للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فأما المتقدم فقوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} وأما المتأخر فقوله: {قَدَّرْنَاهُ}، أي قدرنا له المنازل. {مَنَازِلَ}، أي قدرنا له المنازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها، وأسماؤها: الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة والزبرة، والصرفة، والعوّا، والسماك، والغفر، والزبانى، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت. فإذا صار إلى آخر منازله {عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ}، وهو العذق الذي فيه الشماريخ، فإذا أقدم وعتق يبس وتقوّس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته به، ويُقال لها أيضاً الأهان. {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَر} بل هما يسيران دائبين ولكلَ حدٌّ لا يعدوه ولا يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك وإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا، فذلك قوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ}. فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد صاحبه قامت القيامة وذلك قوله سبحانه: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة: 9]. {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}: يجرون. {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} الموقر المملوء، وهي سفينة نوح؛ الآباء في السفينة، والأبناء في الأصلاب، والحمل: منع الشيء أن يذهب إلى جهة السفل. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ} أي مثل سفينة نوح {مَا يَرْكَبُونَ} وهي السفن كلها. أخبرنا عبيد بن محمد بن محمّد بن مهدي قال: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا أحمد بن حازم قال: حدّثنا عبد الله بن موسى عن سفيان عن السدي عن أبي مالك في قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} قال: السفن الصغار، وقال ابن عباس: الإبل سفن البر. {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ}: ينجون من الغرق {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} يعني انقضاء آجالهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أولاً: لاحظ أن هذه الآية هي التي ستفسر لنا مسألة أن يس قلب القرآن. قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ} [يس: 13] نعرف أن الضرب هو إيقاع جسم على جسم بقوة بحيث يؤثر الجسم الضارب في المضروب ويؤلمه؛ لذلك لا بُدَّ أن يكون الضارب أقوى من المضروب، فإذا كان المضروب مثل الضارب أو أقوى منه، فالحركة عبث لا جدوى منها. ومن ذلك قول الرافعي رحمه الله مخاطباً مَنْ يهزأ من قدر الله: شعر : أيَا هَازئاً مِنْ صُنُوف القَدرِ بنفسِكَ تعنُف لاَ بالقَدَر وَيَا ضارباً صَخْرةً بالعَصَا ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضَربْتَ الحَجَر تفسير : وفي مادة ضرب يقولون: ضريب الشيء من ضربه يعني من شبهه وشكله، فإنْ وقف اثنان في مسألة ما، اذكر لهما مثلاً مطابقاً لها وقُلْ لهما: هذه مثل هذه. وأكرم مَثَلٍ في القرآن ضربه الله تعالى لبيان تنويره سبحانه للكون لا لنوره، كما يظن البعض، هو قوله سبحانه: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ..} تفسير : [النور: 35]. هذا مَثَل لتنوير الله للمنوَّر، وليس مثلاً لنور الله تعالى؛ لأن نور الله كمال لا يُحَدُّ، وما نحيا به من نور الدنيا إنما هو من متعلقات نوره سبحانه، بدليل أنه في يوم القيامة لا تكون هناك شمس تنير، ولا قمر يضيء، إنما {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر: 69]. وقال: {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 13]. ذلك لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الآخرة فنعيش بالمسبِّب مباشرة، في الدنيا أعطاك الله عقلاً يفكر، وجوارح تعمل، وأرضاً تنبت، وماءً يروى، هذه أسباب لله يعيش عليها الإنسان، وربما ظنَّ أنه أصيل في الدنيا، وربما اغترَّ بما أعطاه الله؛ لذلك يجعل الله هذه الأسباب تتخلَّف بعض الأحيان، وتعزّ علينا ليلفتنا إليه سبحانه، ويقول لنا: لا تغترُّوا بالأسباب، وتغفلوا عن المسبِّب. لذلك حين تتخلف الأسباب فيصيب الناسَ جدبٌ وقَحْطٌ قد يطول حتى يُشرف الناسُ والدوابُّ على الهلاك يشرع لنا صلاة الاستسقاء فيهرع الناسُ إلى الله معهم دوابّهم ونساؤهم وأطفالهم، حتى أنهم يُغيِّرون هندامهم وملابسهم، يجأرون إلى الله طالبين منه السُّقْيا. فكأن الله تعالى خلّف أسبابه ليُذكِّرنا به سبحانه، وليُعلمنا أن المسألة ليست (ميكانيكا)، المسألة أسباب وراءها مُسبِّب قادر أنْ يُوقفها، حتى جوارح الإنسان سخَّرها الله لإرادته، حتى ربما يغتر بها الإنسان، ويظن أنها مِلْكه ورَهْن إشارته، والحقيقة أنها هِبَة من الله إنْ شاء تركها، وإنْ شاء سلبها، بفصل السيال الكهربي بين الجارحة والعقل، فتشل الجارحة ولا تتحرك، فيريد أنْ يرفع يده فلا يستطيع. الآن نرى مثلاً أمريكا تُوزِّع المعونات على دول العالم، وهي أكثر الدول تقدُّماً وازدهاراً، وفجأة يأتيها مثلاً فيضانات يصل فيها الماء إلى أسطح المنازل، كذلك اليابان مثلاً تُعَدُّ بلد زلازل بطبيعتها، وهم يعرفون ذلك ويقولون: بلادنا مهطل الزلازل، لذلك يتخذون كل التدابير اللازمة والاحتياطات، ومع ذلك يأتيهم زلزال كبير مدمر كما حدث في (سخاليد)، فلم تُجْدِ معه كل هذه الاحتياطات والاستعدادات. إذن: الحق سبحانه يخلف هذه المسائل حتى لا نغترّ بالأسباب، وننسى المسبب سبحانه، وصدق الله حين قال: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. والحق سبحانه وتعالى يُعلِّمنا كيف ندعوه ونلجأ إليه وحده حين تعِزُّ علينا الأسباب، فيقول سبحانه: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 43] وكأن الله تعالى يُعلِّمنا كيف نُحنِّنه علينا حين نقول: اللهم افرِجْ عَنَّا ما نحن فيه. وضَرْب المثل أسلوب من أساليب العربية لتوضيح المسائل والإقناع بها، وأكرم مَثل ضربه الحق سبحانه لتنويره كما قلنا؛ لأن نورَ الله لا مثيلَ له، فقوله: {أية : مَثَلُ نُورِهِ} تفسير : [النور: 35] أي: تنويره {أية : كَمِشْكَاةٍ} تفسير : [النور: 35] كثيرون يظنون أن المشكاة هي المصباح، لكن المشكاة هي (الطاقة) الموجودة في الحائط، وهي عبارة عن نافذة مفتوحة من جهة واحدة يُسمُّونها الكوة، وهي موجودة في بيوت الفلاحين المبنية بالطوب اللَّبِن، وهذه الكوة تعمل على تجميع الضوء بحيث لا يتبدد هنا وهناك. هذه المشكاة {أية : فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} تفسير : [النور: 35] ولك أن تتأمل كم ميْزة في هذا النور الذي يصدر من مِشْكاة تجمع الضوء، ثم مصباح، هذا المصباح في زجاجة تنقي ضوءه وتُصفِّيه، بحيث لا يصدر منه دخان؛ لأن الزجاجة تسمح بالهواء على قدر حاجة المصباح، وهذه الزجاجة ليست زجاجة عادية، إنما زجاجة مثل الكوكب الدري. يعني: مضيئة بنفسها، من الدَّرة. ثم إن هذا المصباح يُوقَد بزيت من أرقى أنواع الزيوت هو زيت الزيتونة، هذه الزيتونة لا هي شرقية فتكون حارة، ولا هي غربية فتكون باردة، فهي معتدلة المزاج نقية، حتى أنَّ زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار. فهو إذن من صفائه يكاد يضيء بذاته؛ لذلك يختم المثل بقوله سبحانه: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} [النور: 35] كذلك يُنوِّر الله هذا الكون الواسع كما يُنوِّر هذا المصباح هذه الكُوَّة الصغيرة. لكن، لماذا يضرب لنا الحق سبحانه هذا المثل؟ قالوا: لأن الحق سبحانه حينما خلق الإنسان، وجعل له حركة في الحياة احتاجت هذه الحركة إلى نور حسِّي يهدي حركته الحسية، وإلى نور معنوي يهدي حركته المعنوية، فالنور الحِسِّيُّ نأخذه من الشمس نهاراً، ومن القمر ليلاً، فإنْ عَزَّ علينا النور اصطنعناه، كُلٌّ على قدر إمكاناته، فواحد ينير طريقه بشمعة، وآخر بلمبة (نمرة خمسة)، وآخر بالنيون والفلورسنت مثلاً، فإذا ما أشرقتْ الشمس، وجاء نور الله استغنى الناسُ عن أنوارهم الصناعية، وأطفئوا مصابيحهم وتساووا جميعاً في نور الله، إذا طلعتْ الشمس فكلنا في الأَخْذ بنور الله سواء. فما دام نور الله قد ظهر، فلا نورَ لأحد مع نور الله، كذلك في المعنويات، وكأن الله تعالى يريد أنْ يقول لنا: إذا جاءكم حكم الله، فلا حكمَ لأحد مع حكم الله، وهذا هو نور القيم الذي جاءنا في القرآن الكريم؛ لذلك قال سبحانه: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور: 35]. ولكُلِّ مَثَل مضرب يُضرب فيه، ومناسبة يُقال فيها، فلما رأى أحدهم شاعراً يطيل في مدح ممدوحه قال: لا بُدَّ أنه بخيل، فاحتاج إلى كل هذا المدح ليُحنِّنه على مادحه فيعطيه، وقال في ذلك: شعر : وإذَا امْرؤٌ مَدَح امْرَءاً لِنَوالِهِ وَأَطَالَ فيهِ فَقَدْ أَطَالَ هِجَاءَهُ لَوْ لم يُقدِّر فيه بُعْد المسْتَقى عِنْد الوُرودِ لما أطال رِشَاءَهُ تفسير : لأن بُعْد الماء في البئر يستدعي طول الحبل، وهو الرِّشَاء الذي يُربط به الدلو. ومن أمثال القرآن لتوضيح مسألة الشرك بالله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} تفسير : [الزمر: 29]. يعني: حين يتعجبون من دعوتهم إلى التوحيد، وحين يختلفون في هذه المسألة، اضرب لهم هذا المثل وطوِّقهم به، يعني: كيف تتعجَّبون من عبادة الله وحده لا شريكَ له، وفي حياتكم العملية مِثْلُ ذلك، فهل يستوي عندكم عبد يتنازعه أكثر من سيد وعبد لسيد واحد؟ {أية : هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} تفسير : [الزمر: 29]. كذلك أنتم في عبادتكم غير الله: كيف تذهبون إلى عبادة آلهة متعددة، وتتركون الإله الواحد الحق، إذن: يسوق الحق سبحانه للكفار هذا المثَل ليُجلِّي لهم قضية وقفتْ فيها عقولهم. والمثَل في أدبنا العربي له مورد ومضرب: مورد المثل هو الحادثة التي قيل فيها المثَل، ومضرب المثل هي الحادثة المشابهة للمورد الأصلي، فكأن المورد الأصلي للمثل يؤدي إلى حقيقة متينة ينبغي أنْ نحافظ عليها ونُكررها في الموقف المشابه، فمثلاً حين ترى تلميذاً يهمل دروسه طوال العام، ويأتي قبل الامتحان ليذاكر، لك في هذا الموقف أن تقول (قبل الرِّماء تملأ الكنائن) فهذا مثَل يُضرب لمن لا يستعد للأمر قبل وقوعه. فإنْ تحدَّاك رجل مثلاً وادعى أنه أقوى منك لك أنْ تقول له: (إن كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً). والمثل يُقال كما جاء دون أنْ نغير في لفظه شيئاً، فلو أرسلتَ مثلاً رسولاً ليأتي لك بالأخبار تقول له حين يعود: (ما وراءكِ يا عصام) كذلك إنْ كانوا مَثْنى أو جمعاً، فالمثل يلزم صيغة المفرد المؤنث؛ لأنه أوَّل ما قيل قيل لواحدة اسمها عصام. ونحن نحتفظ بلفظه لا نُغيره، فلا نقول ما وراءكما ولا ما وراءكم. ويُشترط في المثَل أنْ يكون مُوجزاً يخفّ على اللسان. ومن الأمثال قولهم (قد يضرط العير والمكواة في النار) فالبعير حين يرى المكواة في النار يعرف أنه سيُكوى بها، وهي طريقة مُتَّبعة عند العرب لعلاج مرض (العُر)، فساعة يراها البعير تجري عليه بطنه، ويحدث منه ضراط وإسهال، وهذا مثَل يُضرب لمن يفاجئه العقاب المعَدّ له. وهنا في قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} [يس: 13] يعني: يا محمد اضرب لمن كفر بك وكذَّبك وعاندك وآذاك مثلاً أصحاب القرية، فالأمر لسيدنا رسول الله، والضرب للكافرين به المعاندين له، والمعنى: قل لهم مَثلكم مثَل أصحاب القرية. قالوا: هي أنطاكية بلدة من لواء الأسكندرونة التابع لتركيا، وقد أرسل إليها سيدنا عيسى - عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام - رسولين لهداية أهلها، فلما ذَهَبا كذَّبهما القوم، فعززَّهما عيسى عليه السلام وقوّاهما بثالث، فلم يزدادوا إلا تكذيباً وعناداً، لكن خرج من القوم رجل سمع من الرسولين الأولين، فآمن، فلما سمع أن القوم يريدون تعذيب هؤلاء الرسل أسرع ليقف الموقف الحقّ مع الرسل ضد أهل القرية، هذا هو المثل. ومعنى {إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] أي: مُرْسلون من الله، فما إرسال عيسى لهما إلا من باطن إرسال الله {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] أي: قوَّيْناهما به، والمراد قوَّيْنا الحق الذي يحملانه، فإرسال الثالث ليس تأييداً لهما بذاتهما، إنما تأييد للحق، بدليل أنه سبحانه لم يقُلْ فعززناهما، وهذه من دقة الأداء القرآني وبلاغته، فلو جاء الحق على لسان غيرهما سنؤيده أيضاً. إذن: الاعتبار هنا ليس للأشخاص، إنما للحق الذي جاءوا به. وهذه المسألة لها نظير في قصة سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القصص: 35] فكأن هارون عليه السلام جاء تعزيزاً لموسى نفسه لا للحق الذي أُرْسِلَ به كما في القصة السابقة، لأن هناك فرقاً بين الحالتين، فموسى عليه السلام هو الذي طلب من ربه أنْ يشُدَّّ عضده، واختار لذلك أخاه هارون، فموسى المختار للرسالة يُقِرُّ على نفسه، ويطلب المساعدة والتأييد بأخيه، فكأنه عليه السلام يحب الحقَّ، ويريد نُصْرته، ولو جاءت هذه النُّصْرة من غيره. سبق أنْ قُلْنا: إن الكلام سفارة بين المتكلم والمخاطب، المتكلم ينقل خواطر نفسه ومراداته إلى المخاطب، فإذا كان المخاطب خاليَ الذِّهْن عن الأمر، يرسل إليه الكلام مُرسلاً دون تأكيد، فإذا لم يكُنْ خاليَ الذهن عن الموضوع وعنده شَكٌّ أو إنكار أو تكذيب فلا بُدَّ أن تؤكد له كلامك بمؤكد يناسب استقباله للأمر، فإنْ كان شَاكَّاً أكدتَ له الكلام بمؤكِّد واحد، وإنْ كان مُنكِراً جئْتَ له بأكثر من مُؤكِّد، كما في قوله سبحانه: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [يس: 14]. فلا بُدَّ أن الرسولين الأوَّليْن قالا للقوم: نحن مُرْسلون إليكم من قِبَل نبي الله عيسى لكن كذَّب القوم، فلما جاء الثالث كان لا بُدَّ أنْ يزداد الكلام تأكيداً، فقالوا: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] فأكَّدوا الكلام هنا بأكثر من مؤكِّد، ومع ذلك كُذِّبُوا أيضاً: {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} معناه انطاكيةُ.

الجيلاني

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً} أي: مثل أكمل الرسل للمشركين المصرين على الشرك والطغيان مثلاً من الذين خلوا من قبلهم، مصرين على الضلال والعناد أمثالهم، بحيث لا ينفعهم إنذار منذر وإرشاد مرشد؛ يعني: {أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} المصرين على الشرك والعناد، المنهمكين في بحر الغفلة والغرور، والقرية: هي "أنطاكية" والمبشر المنذر هو عيسى - صلوات الرحمن عليه وسلامه - اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ جَآءَهَا} أي: القرية {ٱلْمُرْسَلُونَ} [يس: 13] تترى من قبل عيسى عليه السلام ليشردوا أهلها إلى الإيمان والتوحيد. {إِذْ أَرْسَلْنَآ} وأمرنا لنبينا عيسى عليه السلام أولاً بالإرسال {إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} هما يونس ويحيى، وقيل: غيرهما، فلما جاءا إليهم وأظهرا دعوتهم، وكانوا من عبدة الأوثان {فَكَذَّبُوهُمَا} أي: فاجئوا في تكذيبهما بلا تراخ ومهلة وتأمل وتدبر، وبعدما كذبوهما لم يقبلوا منهما دعوتهما، بل ضربوهما وحسبوهما، واستهزءوا بقولهما ودعوتهما {فَعَزَّزْنَا} أي: قويناهما وأيدنا أمرهما {بِثَالِثٍ} أي: برسول ثالث، وهو: شمعون {فَقَالُوۤاْ} أي: الرسل بعدما صاروا جماعة: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] من قبل عيسى، المرسل من قبل الحق، ينذركم عما أنتم عليه من الباطل الفاسد، وهو عبادة الأوثان، وندعوكم إلى دعوة الحق الحقيق بالألوهية والربوبية، المستحق للعبدية، نرشدكم ونهديكم إلى دينه المنزل من قبل ربه. وبعدما سمع المشركون منهم ما سمعوا {قَالُواْ} في جوابهم مستبعدين منكرين: {مَآ أَنتُمْ} أيها المدعون لرسالة الواحد الأحد الصمد، الفرد الوتر، الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} لا مناسبة لكم مع مرسلكم الذي هو من جنس البشر، فلا بدَّ من المناسبة بين المرسل والرسل {وَ} دعواهكم الإنزال والإرشاد من عند الإله المنزه عن المكان والجهة ما هي إلا غرور وتلبيس {مَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} المستغني عن الزمان والمكان، المنزه ذاته عن سمات الحدوث والإمكان {مِن شَيْءٍ} إذ امثال هذه الأفعال إنما هي من لوازم الأجاسم وأوصاف الإمكان، وهو سبحانه على الوجه الذي وصفتم شأنه مقدس عن أمثاله {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} يعني: ظهر من دعواكم واستنادكم أمثال هذه الأفعال إلى ربكم أنه ما أنتم في دعواكم هذه إلا كاذبون، مفترون على ربكم ما هو منزه عنه. وبعدما تفطن الرسل منهم الإنكار والإصرار المؤكد {قَالُواْ} في جوابهم أيضاً على سبيل المبالغة والتأكيد؛ تتميماً لأمر التبليغ والرسالة: {رَبُّنَا} الذي أرسلنا إليكم بوحيه وإلهامه {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] من عنده على مقضتى إرادته واختياره؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يشاء، ولا يقع إلا ما يريد. {وَ} ما لنا شغل بإيمانكم وقبولكم، ولا بكفركم وشرككم، بل {مَا عَلَيْنَآ} على مقتضى وحي الله إلينا {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [يس: 17] أي: التبليغ الصريح الظاهر والبيان الواضح الموضح لرسالته إياكم، بلا فوت شيء منها وتقصير وتهاون بها، وإهداؤكم وإيمانكم مفوض إليه سبحانه في مشيئته، لا علم لنا به. وبعدما سمعوا منهم المبالغة والتأكيد، انصرفوا عن المقاومة والمكالمة نحون التهديد بالقتل والرجم، حيث {قَالُوۤاْ} متطيرين متشائمين من نزولهم ومجيئهم، مستبعدين دعوتهم، منكرين له: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: تشاءمنا منا بقدوكم؛ إذ منذ قدمتم ما نزل القطر علينا، أخرجوا من بيننا وارجعوا إلى أوطانكم سالمين، وانتهوا عن دعوتكم هذه الا تتفوهوا بها بعد، والله {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} عن هذياناتكم ومفترياتكم {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} بالحجارة ألبتة {وَ} بالجملة: لو لم تنتهوا ولم تكفوا {لَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 18]. وبعدما سمعتم أيها الغرباء كلامنا هذا، فلكم الإصغاء والقبول والعمل بمقتضاه، وإلا فقد لحق بكم ما لحق. {قَالُواْ} أي: الرسل، بعدما سمعوا منهم ما سمعوا وتفرسوا بغلظتهم وتشددهم في الإنكار والجحود: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي: سبب شؤمكم إنما هو من أنفسكم وبسوء صنيعكم وأعمالكم {أَ} لم ينتبهوا ولم يتفطنووا أنكم {ئِن ذُكِّرْتُم} وقبلتم قولنا، واتصفتم بما ذكرنا من الإيمان والتوحيد، لم يلحقكم شيء من المكروه، ومتى لم تتعظوا ولم تتصفوا لحقكم ما لحقكم بشؤم أنفسكم، فتتطيرون بنا عدواناً ولظماً {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يس: 19] مجاوزون في الإلحاد والعناد عن سبيل الهداية والرشاد، ومن كمال إسرافكم وإفراطكم تطيرتم بدين الله ودعوة رسله إليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل اللّه، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها اللّه، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه القرية جعلها اللّه مثلا للمخاطبين. { إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } من اللّه تعالى يأمرونهم بعبادة اللّه وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من اللّه بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { فَقَالُوا } لهم: { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: فـ { قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: {أية : إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }. تفسير : { وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ } أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } فلو كنا كاذبين، لأظهر اللّه خزينا، ولبادرنا بالعقوبة. { وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء. فقال أصحاب القرية لرسلهم: { إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم اللّه بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه. ثم توعدوهم فقالوا: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ } أي: نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. فقالت لهم رسلهم: { طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ } وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. { أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ } أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم. { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } متجاوزون للحد، متجرهمون في قولكم، فلم يزدهم [دعاؤهم] إلا نفورا واستكبارا. { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال [لهم]: { يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: { اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا } أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس [يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه. بقي] أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: { وَهُمْ مُهْتَدُونَ } لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه. فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين للّه وحده، فقال: { وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال: { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ } لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده اللّه بي. { إِنِّي إِذًا } أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها { لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن عبادة اللّه وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به. فـ { قِيلَ } له في الحال: { ادْخُلِ الْجَنَّةَ } فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: { يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } أي: بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم، لم يقيموا على شركهم. قال اللّه في عقوبة قومه: [ { وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ] مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ } أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، { وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ } لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار اللّه تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب اللّه يكفيهم { إِنْ كَانَتْ } أي: كانت عقوبتهم { إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة اللّه، { فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم. قال اللّه متوجعا للعباد: { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال!!

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 794 : 6 : 10 - قال، أهل إنطاكية. [الآية 13].