Verse. 3719 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

اِذْ اَرْسَلْنَاۗ اِلَيْہِمُ اثْــنَيْنِ فَكَذَّبُوْہُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُـوْۗا اِنَّاۗ اِلَيْكُمْ مُّرْسَلُوْنَ۝۱۴
Ith arsalna ilayhimu ithnayni fakaththaboohuma faAAazzazna bithalithin faqaloo inna ilaykum mursaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذْ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما» إلى آخره بدل من إذ الأولى «فعَزَزْنا» بالتخفيف والتشديد: قوَّينا الاثنين «بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون».

14

Tafseer

الرازي

تفسير : في بعثة الأثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى والإتيان بما أمر الله، والله عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، وأما عيسى فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة. وقوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } أي قوينا وقرىء فعززنا بثالث مخففاً، من عز إذا غلب فكأنه قال فغلبنا نحن وقهرنا بثالث والأول أظهر وأشهر وترك المفعول حيث لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الأطراف واكتفى بواحد وعيسى عليه السلام بعث اثنين، نقول النبي بعث لتقرير الفروع وهو دون الأصول فاكتفى بواحد فإن خبر الواحد في الفروع مقبول، وأما هما فبعثا بالأصول وجعل لهما معجزة تفيد اليقين وإلا لما كفى إرسال اثنين أيضاً ولا ثلاثة. المسألة الثانية: قال الله تعالى لموسى عليه السلام {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ } تفسير : [القصص: 35] فذكر المفعول هناك ولم يذكره ههنا مع أن المقصود هناك أيضاً نصرة الحق، نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هارون وهارون بعث معه بطلبه حيث قال: {أية : فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ } تفسير : [القصص: 34] فكان هارون معبوثاً ليصدق موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هارون، وأما ههنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا } إلى آخره بدل من إذ الأولى {فَعَزَّزْنَا } بالتخفيف والتشديد: قوّينا الاثنين {بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {اثْنَيْنِ} شمعون ويوحنا. أو صادق وصدوق "ع"، أو سمعان ويحيى {فَعَزَّزْنَا} فزدنا أو قوينا، أو شددنا "كانوا رسلاً من الله ـ تعالى ـ، أو من الحواريين أرسلهم عيسى".

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما} قال وهب اسمهما يوحنا وبولس وقال كعب صادق وصدوق {فعززنا بثالث} يعني قوينا برسول ثالث وهو شمعون وقيل شلوم وإنما أضاف الله تعالى الإرسال إليه لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما بعثهم بإذن الله عز وجل {فقالوا} يعني لم يرسل رسولاً {إن أنتم إلا تكذبون} يعني فيما تزعمون {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} يعني وإن كذبتمونا {وما علينا إلا البلاغ المبين} أي بالآيات الدالة على صدقنا {قالوا إنا تطيرنا بكم} أي تشاءمنا منكم وذلك لأن المطر حبس عنهم فقالوا أصابنا ذلك بشؤمكم {لئن لم تنتهوا} أي تسكتوا عنا {لنرجمنكم} يعني لنقتلنكم وقيل بالحجارة {وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم} يعني شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني أصابكم الشؤم من قبلكم وقال ابن عباس حظكم من الخير والشر {أئن ذكرتم} معناه اطيرتم لأن ذكرتم ووعظتم {بل أنتم قوم مسرفون} أي في ضلالكم وشرككم متمادون في غيكم. قوله عز وجل: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} هو حبيب النجار وقيل كان قصاراً وقال وهب كان يعمل الحرير وكان سقيماً قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المسجد وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه فإذا أمسى قسمه نصفين نصف لعياله ويتصدق بنصفه فلما بلغه أن قومه كذبوا الرسل وقصدوا قتلهم جاءهم {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} وقيل كان في غار يعبد ربه فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال لهم أتسألون على هذا أجراً قالوا لا فأقبل على قومه وقال يا قوم اتبعوا المرسلين.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا ارسلنا اليهم اثنين} بدل من اذ الاولى اى وقت ارسالنا اثنين الى اصحاب القرية وهما يحيى ويونس ونسبة ارسالهما اليه تعالى بناء على انه بامره تعالى فكانت الرسل رسل الله. ويؤيده مسألة فقهية وهى ان وكيل الوكيل باذن الموكل بان قال الموكل له اعمل برأيك يكون وكيلا للموكل لا للوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل اياه وينعزل اذا عزله الموكل الاول {فكذبوهما} اى فاتياهم فدعواهم الى الحق فكذبوهما فى الرسالة بلا تراخ وتأمل وضربوهما وحبسوهما على ما قال ابن عباس رضى الله عنهما وسيأتى {فعززنا} اى قويناهما فحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولان القصد ذكر المعزز به وبيان تدبيره اللطيف الذى به عز الحق وذل الباطل يقال عزز المطر الارض اذا لبدها وسددها وارض عزاز اى صلبة وتعزز اللحم اشتد وعز كأنه حصل فى هزاز يصعب الوصول اليه. وفى تاج المصادر [التعزيز والتعزة: ليرومند كردند] ومنه الحديث "حديث : انكم لمعزز بكم" تفسير : اى مشدد [وفرو نشاندن باران ومين را] انتهى. {بثالث} هو شمعون الصفار ويقال له شمعون الصخرة ايضا رئيس الحواريين وقد كان خليفة عيسى عليه السلام بعد رفعه الى السماء قال فى التكملة اختلف فى المرسليين الثلاثة فقيل كانوا انبياء رسلا ارسلهم الله تعالى وقيل كانوا من الحواريين ارسلهم عيسى بن مريم الى اهل القرية المذكورة ولكن لما كان ارساله اياهم عن امره اضاف الارسال اليه انتهى. علم منه ان الحواريين لم يكونوا انبياء لا فى زمان عيسى ولا بعد رفعه واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : ليس بينى وبينه نبى" تفسير : اى بين عيسى وان احتمل ان يكون المراد النبى الذى يأتى بشريعة مستقلة وهو لا ينافى وجود النبى المقرر للشريعة المتقدمة {فقالوا} اى جميعا {انا اليكم مرسلون} مؤكدين كلامهم لسبق الانكار لما ان تكذيبهما تكذيب للثالث لا تحاد كلمتهم. قال فى كشف الاسرار [قصة آنست كه رب العالمين وحى فرستاد بعيسى عليه السلام كه من ترا بآسمان خواهم برد حواريان را يكاد يكان ودوان دوان بشهرها فرست تاخلق را بدين حق دعوت كنند عيسى ايشانرا حاضر كرد ورئيس ومهترايشان شمعون وايشانرا يكان يكان ودوان دوان قوم بقوم فرستاد وشهر شهر ايشانرا نامزد مى زد وايشانرا كفت جون من بآسمان رفتم شماهر كجا كه معين كرده ميرويد ودعوت ميكنيد واكر زبان آن قوم ندانيد درآن راه كه ميرويد شمارا فرسته بيش ايد جامى شراب بر دست نهاده از ان شراب نورانى بازخوريد تاز بان ان قوم بدانيد ودوكس را بشهر انطاكيه فرستاد] وكانوا عبدة اصنام. وقال اكثر اهل التفسير ارسل اليهم عيسى اثنين قبل رفعه ولما امرهما ان يذهبا الى القرية قالا يا نبى الله انا لا نعرف لسان القوم فدعا الله لهما فناما بمكانهما فاستيقظا وقد حملتهما الملائكة والقتهما الى ارض انطاكية فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار الذى ينحت الاصنام وهو صاحب يس لان الله تعالى ذكره فى سورة يس فى قوله تعالى {أية : وجاء رجل من اقصى المدينة} تفسير : فسلما عليه فقال من انتما فاخبراه بانهما من رسل عيسى [آمده ايم تاشمارا بردين حق دعوت كنيم وراه راست وملت باك شما نماييم كه دين حق توحيداست وعبادت خداى يكتا يير كفت شمارا برراستى اين سخن هيج معجزه هست كفتند آرى] نحن نشفى المريض ونبرئ الاكمه والابرص باذن الله وكان للرسل من المعجزة ما للانبياء بدعاى عيسى [ييركفت مرا بسر يست ديوانه وياخود دير كاه تاوى بيماراست ودردوى علاج اطبا نه بذيرد خواهم كه اورا به بينيد ايشانرا نخانه برد] فدعوا الله تعالى ومسحا المريض فقام باذن الله صحيحا شعر : قدم نهادى وبرهر دوديده جا كردى بيكنفس دل بيمارا را دوا كردى تفسير : فآمن حبيب وفشا الخبر وشفى على ايديهما خلق وبلغ حديثهما الى الملك واسمه بحناطيس الرومى او انطيخس او شلاحن فطلبهما فاتياه فاستخبر عن حالهما فقالا نحن رسل عيسى ندعوك الى عبادة رب وحده فقال النا رب غير الهتنا قال نعم وهو من اوجدك وآلهتك من آمن به دخل الجنة ومن كفر به دخل النار وعذب فيها ابدا فغضب وضربهما وحبسهما فانتهى ذلك الى عيسى فارسل ثالثا وهو شمعون لينصرهما فانه رفع بعده كما قاله البعض فجاء القرية متنكرا اى لم يعرف حاله ورسالته وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا حديثه الى الملك فانس به وكان شمعون يظهر موافقته فى دينه حيث كان يدخل معه على الصنم فيصلى ويتضرع وهو يظن انه من اهل دينه كما قال الشيخ سعدى فى قصة صنم سومنات لما دخل الكنيسة متنكرا واراد ان يعرف كيفية الحال شعر : بتك را يكى بوسه دادم بدست كه لعنت برو باد وبربت برست بتقليد كافر شدم روز جند برهمن شدم در مقالات زند تفسير : فقال شمعون للملك يوما بلغنى انك حبست رجلين دعواك الى اله غير الهك فهل لك ان تدعوهما فاسمع كلامهما واخاصمهما عنك فدعاههما. وفى بعض الروايات لما جاء شمعون الى انطاكية دخل السجن اولا حتى انتهى الى صاحبيه فقال لهما ألم تعلما انكما لا تطاعان الا بالرفق واللطف شعر : جو بينى كه جاهل بكين اندراست سلامت بتسليم دين اندراست تفسير : قال وان مثلكما مثل امرأة لم تلد زمانا من دهرها ثم ولدت غلاما فاسرعت بشأنه فاطعمته الخبز قبل اوانه فغص به فمات فكذلك دعوتكما هذا الملك قبل اوان الدعاء ثم انطلق الى الملك يعنى بعد التقرب اليه استدعاهما للمخاصمة فلما حضرا قال لهما شمعون من ارسلكما قالا الله الذى خلق كل شئ وليس له شريك فقال صفاه واوجزا قالا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال وما برهانكما على ما تدعيانه قالا ما يتمنى الملك فجيء بغلام مطموس العينين اى كان لا يتميز موضع عينيه من جبهته فدعوا الله حتى انشق له موضع البصر فاخذا بندقتين من الطين فوضعهما فى حدقيته فصارتا مقلتين ينظر بهما فتعجب الملك فقال له شمعون أرأيت لو سألت الهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف قال ليس لى عنك سر مكتوم ان الهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ثم قال له الملك ان هنا غلاما مات منذ سبعة ايام كان لابيه ضيعة قد خرج اليها واهله ينتظرون قدومه واستأذنوا فى دفنه فامرتهم ان يؤخروه حتى يحضر ابوه فهل يحييه ربكما فامر باحضار ذلك الميت فدعوا الله علانية ودعا شمعون سرا فقام الميت حيا باذن الله [كفت جون جانم از كالبد جدا كشت مرا بهفت وادئ آتش بكذر انيدند از آنكه بكفر مرده ام] وانا احذركم عما انتم فيه من الشرك فآمنوا [وكفت اينك درهاى آسمان مى بينم كشاده وعيسى ييغمبر ايستاده زير عرش واز بهر اين ياران شفاعت ميكند وميكويدكه بارخدايا ايشانرا نصرت ده كه ايشان رسولان من اند] حتى احيانى الله وانا اشهد ان لا اله الله وان عيسى روح الله وكلمته وان هؤلاء الثلاثة رسل الله قال الملك ومن الثلاثة قال الغلام شمعون وهذان فتعجب الملك فلما رأى شمعون ان قول الغلام قد اثر فى الملك اخبره بالحال وانه رسول المسيح اليهم ونصحه فآمن الملك فقط كما حكاه القشيرى خفية على خوف من عتاة ملئه واصر قومه فرجموا الرسل بالحجارة وقالوا ان كلمتهم واحدة وقتلوا حبيب النجار وابا الغلام الذى احيى لانه ايضا كان قد آمن ثم ان الله تعالى بعث جبريل فصاح عليهم صيحة فماتوا كلهم كما سيجيء تمام القصة. وقال وهب بن منبه وكعب الاحبار بل كفر الملك ايضا واصروا جميعا هو وقومه على تعذيب الرسل وقتلهم ويؤيده حكاية تماديهم فى اللجاج والعناد وركوبهم متن المكابرة فى الحجاج ولو آمن الملك وبعض قومه كما قال بعضهم لكان الظاهر ان يظاهروا الرسل ويساعدوهم قبلوا فى ذلك او قتلوا كدأب النجار الشهيد ولم ينقل ذلك مع ان الناس على دين ملوكهم لا سيما بعد وضوح البرهان

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ}: أي رسولَينِ مِن رُسُلنَا، وإنما أُضيفَ الإرسال هاهنا إلى الله تعالى، وإن كان عيسى (عليه السلام) هو الذي أرسلهما، لأن إرسالَه كان بأمر الله - كما قيل -، أو لأنه لغاية قربِ عيسى (عليه السلام) من الله، وتجرّده عن أغراض النفس، واستهلاك نوره في نور الحق، كان في مقام العبودية، فكان فعله فعلَ الحق، من قبيل قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال:17]. ومثل قول النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله ". تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من رآني فقد رأى الحق ". تفسير : وكما في الحديث المشهور: "حديث : لا يزال العبد يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحببته ". تفسير : وها هنا سر آخر، وهو أن الإنسان إذا بلغت منزلته في البراءة عن الهوى والنفس، إلى أن مات عن نفسه، واتّصل بعالم القدس، يصير بحيث يفيض عليه نور الحق، بلا توسط ملك مقرَّب أو نبي مرسَل، فإذا كان مأموراً باصلاح النوع، كان لغاية استعداده وقربه من الحق، يقبَلَ منصب الرسالة أو الخلافة بلا واسطة، وإن كان حصول هذا المقام له بنور المتابعة لمن استخلفه، وهذا كما لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث كان إماماً للمؤمنين، وخليفةً لرسول رب العالمين، بنَصٍّ من الله، لأجل كرامته في نفسه، وقربه من الله بحسب التابعية، كما تدل عليه أحاديث كثيرة، مثل قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أنا وعلي من نور واحد" تفسير : وقوله: "حديث : لا تسبّوا علياً فإنه ممسوس بنور الله"تفسير : ، ونظائر ذلك. وبالجملة، بعض المناصب لِشَرَفِها، لا بد وأن تكون من قِبَلِ الله، بلا مشاركة أحد، لقرب الاستعداد، وإن كانت الأمور كلها من الله، إلاّ أن بعضها مترتب على بعض، وبعضها فائض من الله بلا واسطة الخلق، وذلك كالنّبوة والرسالة والولاية، فإن "الولي" وليٌّ بكرامة باطنية من الله، وكذا "الحكيم"، و "العارف"، فإن كلاً منهما فيض ورحمة من الله، لا يمكن انتقاله من شخص إلى آخر باختيار العباد، وليست كذلك السلطنة والحكومة، والقضاء والإمارة، وتولية الأوقاف وما يجري مجراها. ولهذا، حكي في قصة رسولَيْ عيسى (عليه السلام)، كما سننقل، أنهما قالا، حين سألهما ملكُ القرية: "مَنْ أرسلكما؟": "أرسلنا الله الذي خلق كل شيء" ومن ها هنا، عُلِمَ أن أمثال هذه المناصب موهبة، وإن كان للكسب فيه مدخل ما، على وَجْه الإعداد والتقدمة، بتوفيق من الله وتيسيره. {فَكَذَّبُوهُمَا}: أصحابُ القرية: قال ابن عباس: "ضَرَبوهُما وسَجَنوهُما". وشَرْحُ قصتهما - كما نقل -، أنهما لمّا قَرُبا من المدينة، رأيا شيخاً يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار، صاحب يس، فسألهما عن حالهما فأخبراه، فقال: "أمعكما آية؟" فقالا: "نشفي المريض ونبريء الأكمَهَ والأبرص؟"، وكان له ولد مريض من سنتين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خَلْق كثير. ورقي حديثُهما إلى الملك، فقال لهما: "ألنا إله سوى إلهنا؟" قالا: "نعم، من أوْجَدَك وآلهتَك" فقال: "قُومَا حتى أنظرَ في أمركما" فَتَبِعَهُما الناس وضربوهما وقيل: حُبِسا. ثم بَعَثَ إليهم عيسى (عليه السلام) رسولاً آخر لقوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}: أي: فقوَّيناهما وشددنا ظهورَهما برسول ثالث، يقال: "المطر يُعَزِّزُ الأرض" إذا لبّدها وشدَّها، و "تعزَّز لحم الناقة" وقريء بالتخيف، مأخوذاً من "العزة" و "المنعة" من "عزه، يعزه" إذا غلبه وقهره، أي فغلبنا وقهرنا بثالث، وهو شمعون. وتَرْكُ ذِكر المفعول به، وإضمارُه، للإشْعار، بأن الغرض ذكر المعزز، وما لطف فيه من حسن التدبير، حتى قهر الباطل وأذلَّ المنكِر، وإذا انصبَّ الكلام في محطّ الغرض من سياقه، فلا ضيرَ في طرح ما سواه ورفضِه، كقولك: "حَكَمَ الأمير اليوم بالحق"، منن غير ذكر المحكوم له أو عليه. وحُكِيَ، أنه لما أُرسِلَ شمعونُ إلى أهل القرية، دَخَل متنكّراً، وعاشر حاشية الملك، حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك فأنِسَ به، فقال له ذاتَ يوم: "بلغني أنك حبستَ رجلين، فهل سمعت ما يقولانه؟" قال: "لا، حالَ الغضب بيني وبين ذلك". فدعاهما، فقال شمعون: "من أرسلكما؟". قالا: الله الذي خَلَقَ كل شيء وليس له شريك". فقال: "صِفَاهُ وأوجِزا". قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد". قال: "وما آيتكما؟". قالا: "ما يتمنى الملك". فدعا بغلام مطموس العينين، فدعيا الله حتى انشق له بصره، وأخذا بندقتين، فوضعاهما في حدقتيه، فكانتا مُقْلَتَيْن ينظُرُ بِهما، فقال له شمعون: "أرأيتَ لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا، فيكون لك وله الشرف؟". قال: "ليس لي عنك سِر، ان إلهنا لا يُبصر ولا يسمع، ولا يُضرُّ ولا ينفع". وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلّي ويتضرَّع، ويحسبون أنه منهم، ثم قال: "إن قَدِر الهكما على إحياء ميّت آمنّا به" فدعَوا بغلام مات من سبعة أيام، فقام وقال: "إني أُدخِلْتُ في سبعة أودية من النار، وأنا أحذِّرُكم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فُتِحَت أبوابُ السماء، فرأيتُ شاباً حسنَ الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة". قال الملك: "مَنْ هُم؟". قال: "شمعون وهذان". فتعجّب الملك، فلما رأى شمعون أن قوله قد أثَّر فيه، نصحَهُ فآمن، وآمنَ قومُه، ومَن لَمْ يؤمنْ، صاح عليهم جبرئيل صَيْحة فهلكوا. {فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [14]: قال شعبة: "كان اسم الرسولَين الأوَّلَيْن، شمعون ويوحنّا، واسم الثالث بولس". وقال ابن عباس وكعب: "الأوَّلان صادِق وصَدُوق، والثالث سلوم". قالوا لهم: يا أهل القرية قد أرْسَلَنا الله إليكم.

اطفيش

تفسير : {إذ} يدل من إذ الأولى. {أرسلنا إليهم اثنين} قيل هما يحيي ويونس عليهما السلام أرسلهما عيسى عليه السلام وإنما أضاف الله سبحانه وتعالى إرسالهما إلى نفسه لأنه فعل رسول وخليفته ولأنه بأمر الله وقدره وقضائه وتفسير الاثنين بهما قول وهب. وقال كعب صادق وصدوق وقال مقاتل توفان وبالوس وقال ابن اسحاق بارعون وما روص وقال السعد شمعون وبيصير. {فكذبوهما فعززنا} أي جعلنا الاثنين عزيزين أي غالبين فالتشديد للتعدية وقرأ أبوبكر بالتخفيف من عزه أي غلبه أي فغلبنا المكذبين وحذف المفعول في القراءتين لأن المراد الاخبار بالاعزاز او العزة لا الغالب أو المغلوب والسياق دال عليه. {بثالث} هو شمعون رأس الحواريين ويقال له شمعون الصغار وذلك قول اكثر المفسرين وقال السعد بولش أو حبيب النجار وقال كعب شلوم وقال مقاتل سمعان والمرسلون الثلاثة من الحواريين الذين بعثهم عيسى عليه السلام حين رفع وصلب الذي القى عليه الشبه وقيل هم انبياء. قال عياض ويدل له قول الكفرة ما أنتم إلا بشر مثلنا وهذا تقوله الكفرة لمن ادعى النبوة ولا يخفى أن يحيى ويونس نبيان. {فقالوا} لأصحاب القرية. {إنا إليكم مرسلون} قال في عرائس القرآن بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين الى مدينة انطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنما له وهو حبيب النجار صاحب يس فسلما عليه فقال لهما الشيخ من أنتما قالا رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن. قال أمعكما آية؟ قالا: نعم نشفي المريض ونبرىء الاكمه والأبرص باذن الله. فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين. قالا: فانطلق بنا إلى منزلك ننظر حاله فأتى بهما منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت صحيحا باذن الله عز وجل ففشي الخبر في المدينة وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى وكان بأنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الاصنام يقال له شلاحن وقال وهب اسمه انطميس وكان من ملوك الروم وانتهى الخبر اليه فدعاهما فقال لهما: من انتما قالا رسولا عيسى عليه السلام قال وما آيتكما قالا نبرىء الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله عز وجل قال وفيم جئتما قالا جئتنا ندعوكم من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. فقال أولنا إله سوى الأصنام؟ قال: نعم من أوجدك وآلهتك قال قوما حتى أنظر في أمركما فقاما فتبعهما الناس فضربوهما في السوق وقال وهب بعث عيسى عليه السلام هذين الرسولين الى انطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها فطالت مدة اقامتهما فخرج الملك ذات يوم فكبر أو ذكر الله فغضب الملك لحسهما وجلد كل واحد مائة جدلة فبعث عيسى عليه السلام شمعون لينصرهما فدخل شمعون المدينة وتنكر وباشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به واكرمه ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني انك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك الى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبينهما. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون من أرسلكما إلى ها هنا قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك. فقال لهما شمعون: صفاه واوجزا. فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمناه الملك وإنا نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى والزمنى باذن الله تعالى فأمر الملك بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر واخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون: إن سألت إلهك يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك الشرف ولا لإلهك. فقال الملك إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل ويصلي كثيرا ويتضرع حتى يظنوا أنه على ملتهم فقال الملك للمرسلين إن قدر الهكما على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا الهنا قادر على كل شيء وقال الملك إن ههنا ميتا مات منذ سبعة ايام ابن لدهقان أخرته ولم أدفنه حتى يرجع يبوه كان غائبا وجاءوا بالميت وقد تغير واروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سرا فقام الميت وقال لهم اني قد مت منذ سبعة ايام ووجدت مشركا فادخلت في سبعة اودية من النار واني احذركم ما انتم فيه فآمنوا به ثم قال فتحت ابواب السماء فنظرت شابا حسنا يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك ومن هذه الثلاثة؟ قال شمعون: وهذان فتعجب الملك فلما رأى شمعون ان قولهم اثر في الملك اخبره بالحال ونصحه ودعاه إلى الايمان بالله عز وجل فآمن الملك وقوم وكفر آخرون فاهلكوا بصيحة جبريل عليه السلام. وقال كعب ووهب بل كفر الملك واجتمع هو وقومه على قتل الرسل.

الالوسي

تفسير : {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ } بناء على أنه كان بأمره تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية، وقال ابن عباس وكعب: هم رسل الله تعالى، واختاره بعض الأجلة وادعى أن الله تعالى أرسلهم ردءاً لعيسى عليه السلام مقررين لشريعته كهرون لموسى عليهما السلام، وأيد بظاهر {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ } وقول المرسل إليهم {أية : مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا }تفسير : [يس: 15] إذ البشرية تنافي على زعمهم الرسالة من الله تعالى لا من غيره سبحانه، واستدل البعض على ذلك بظهور المعجزة كإبراء الأكمه وإحياء الميت على أيديهم كما جاء في بعض الآثار والمعجزة مختصة بالنبـي على ما قرر في / الكلام. ومن ذهب إلى الأول أجاب عن الأول بما سمعت وعن الثاني بأنهم إما أن يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله تعالى دون واسطة أو أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته ونزلوه منزلة الحاضر تغليباً فقالوا ما قالوه، وعن الثالث بأن ما ظهر على أيديهم إن صح الأثر كان كرامة لهم في معنى المعجزة لعيسى عليه السلام ولا يتعين كونه معجزة لعم إلا إذا كانوا قد ادعوا الرسالة من الله تعالى بدون واسطة وهو أول المسألة، و {إِذ} بدل من {إذْ} [يس: 13] الأولى، والإثنان قيل يوحنا وبولس، وقال مقاتل تومان وبولس، وقال شعيب الجبائي شمعون ويوحنا، وقال وهب وكعب: صادق وصدوق، وقيل نازوص وماروص. وقيل: {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ } دون أرسلنا إليها ليطابق {أية : إِذْ جَاءهَا} تفسير : [يس: 13] لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها بخلاف المجيء وأيضاً التعقيب بقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا } عليه أظهر وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ }تفسير : [البقرة: 60] وسميت الفاء الفصيحة لأنها تفصح عن فعل محذوف وكان أصحاب القرية إذ ذاك عباد أصنام. {فَعَزَّزْنَا } أي قويناهما وشددنا قاله مجاهد وابن قتيبة، وقال يقال تعزز لحم الناقة إذ صلب، وقال غيره: يقال عزز المطر الأرض إذا لبدها وشدها ويقال للأرض الصلبة العزاز ومنه العز بمعناه المعروف، ومفعول الفعل محذوف أي فعززناهما {بِثَالِثٍ } لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به. وهو على ما روى عن ابن عباس شمعون الصفا ويقال سمعنان أيضاً، وقال وهب وكعب: شلوم وعند شعيب الجبائي بولص بالصاد وبعضهم يحكيه بالسين. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو بكر والمفضل وأبان {فَعَزَّزْنَا } بالتخفيف وهو التشديد لغتان كشدة وشدده فالمعنى واحد، وقال أبو علي المخفف من عزه إذا غلبه ومنه قولهم من عَزَّ بَزَّ أي من غلب سلب، والمعنى عليه فغلبناهم بحجة ثالث. وقرأ عبد الله {بالثالث}. {فَقَالُواْ } عطف على {فكذبوهما فعززنا} والفاء للتعقيب أي فقال الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } ولا يضر في نسبة القول إلى الثلاثة سكوت البعض إذ يكفي الاتفاق بل قالوا طريقة التكلم مع الغير كون المتكلم واحداً والغير متفقاً معه.

د. أسعد حومد

تفسير : (14) - حِينَ أَرْسَل اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ رَسُولَيْنِ مِنْ عِنْدِهِ، فَكَذَّبُوهُما، وَأَنْكَرُوا رِسَالَتَهُمَا إِلَيْهِمْ، فَأَيَّدَهُمَا اللهُ بِرَسُولٍ ثَالِثٍ، فَقَالَ الرُّسُلُ الثَّلاَثَةُ لأَِهْلِ القَرْيَةِ: إِنَّهُمْ مُرْسَلُونَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِم اللهِ الذِي خَلَقَهُمْ، لإِبْلاَغِهِمْ رِسَالََتَهُ، وَلِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَإِلَى عِبَادَتِهِ، وَإِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ الذي يَرْتَضِيهِ. فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ - فَقَوَّيْنَاهُمَا وَشَددنَاهُمَا بِرَسُولٍ ثَالِثٍ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} معناه قَوينا.

همام الصنعاني

تفسير : 2469- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ}: [الآية: 14]، قال: بلغني أن عيسى ابن مرين، بَعَثَ إلى أهل القرية، أهل أنطاكية رجلين من الحواريين ثم أتبعهم بثالث.