Verse. 3720 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

قَالُوْا مَاۗ اَنْتُمْ اِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا۝۰ۙ وَمَاۗ اَنْزَلَ الرَّحْمٰنُ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۙ اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا تَكْذِبُوْنَ۝۱۵
Qaloo ma antum illa basharun mithluna wama anzala alrrahmanu min shayin in antum illa takthiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن» ما «أنتم إلا تكذبون».

15

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ما جرى من محمد صلى الله عليه وسلم وعليه فقالوا: {أية : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } تفسير : [يس: 14] كما قال: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يس: 3] وبين ما قال القوم بقوله: {قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ } جعلوا كونهم بشراً مثلهم دليلاً على عدم الإرسال، وهذا عام من المشركين قالوا في حق محمد: {أية : أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } تفسير : [ص: 8] وإنما ظنوه دليلاً بناءً على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار، وإنما قالوا فيه إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وبقوله: {أية : ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء } تفسير : [الشورى: 13] إلى غير ذلك، وقوله: {وما أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ } يحتمل وجه أحدهما: أن يكون متمماً لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحداً، فكيف صرتم رسلاً لله؟ ثانيهما: أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجهه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئاً في هذا العالم، فإنه تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم، فالله تعالى لم ينزل شيئاً من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم، وقوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن، فقال إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئاً، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً، هو الرحمة الكاملة. ثم قال تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } أي ما أنتم إلا كاذبين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ } ما {أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ }.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ} أي أهلُ أنطاكيَّةَ الذينَ لَم يُؤمنوا مُخاطبـينَ للثَّلاثةِ {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا} مِنْ غَيْرِ مزيةٍ لكُم عَلينا مُوجبةٍ لاختصاصكم بما تدعونَه. ورفعُ بشرٌ لانتقاضِ النَّفيِ المُقتضي لإعمالِ ما بإلاَّ. {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْء} ممَّا تدعُونه من الوحي والرِّسالةِ {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} في دَعْوى رسالتِه {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} اشتشهَدوا بعلمِ الله تعالى وهو يَجْري مجرى القسمِ مع ما فيه من تحذيرِهم معارضةَ علم الله تعالى وزادُوا الَّلامَ المؤكِّدةَ لِما شاهدُوا منُهم من شدَّةِ الإنكارِ {وَمَا عَلَيْنَا} أي من جهةِ ربِّنا {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي إلاَّ تبليغُ رسالتِه تبليغاً ظَاهِراً بـيِّناً بالآياتِ الشَّاهدةِ بالصِّحَّةِ وقد خرجنا عن عُهدته فلا مؤاخذةَ لنا بعد ذلك من جهة ربِّنا أو ما علينا شيءٌ نُطالب به من جهتِكم إلا تبليغُ الرِّسالةِ على الوجهِ المذكورِ وقد فعلناه فأيُّ شيءٍ تطلبون منَّا حتَّى تُصدِّقوُنا بذلك.

القشيري

تفسير : قال الرسل: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وليس عِلْمُنا إلاَّ بما أُمِرْنا به من التبليغ والإنذار.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} اى اهل انطاكية الذين لم يؤمنوا مخاطبين للثلاثة {ما انتم الا بشر} آدمى {مثلنا} هو من قبيل قصر القلب فالمخاطبون وهم الرسل لم يكونوا جاهلين بكونهم بشرا ولا منكرين لذلك لكنهم نزلوا منزلة المنكرين لاعتقاد الكفار ان الرسول لا يكون بشرا فنزلوهم منزلة المنكرين للبشرية لما اعتقدوا التنافى بين الرسالة والبشرية فقلبوا هذا الحكم وعكسوه وقالوا ما انتم الا بشر مثلنا اى انتم مقصورون على البشرية ليس لكم وصف الرسالة التى تدعونها فلا فضل لكم علينا يقتضى اختصاصكم بالرسالة دوننا ولو ارسل الرحمن الى البشر رسلا لجعلهم من جنس افضل منهم وهم الملائكة على زعمهم {وما انزل الرحمن من شئ} من وحى سماوى ومن رسول يبلغه فكيف صرتم رسلا وكيف يجب علينا طاعتكم وهو تتمة الكلام المذكور لانه يستلزم الانكار ايضا {ان انتم} اى ما انتم {الا تكذبون} فى دعوى رسالته

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}. فلا تصلُحُونَ للرسالة، كما لا نصلح نحن لها، لأن أفراد البشر أفراد نوع واحد، والطبيعة الواحدة النوعية، أفرادها متماثلة في استحقاقية شيء واحد بحسب ذواتها، فكل ما جاز لأحدٍ جاز للجميع، لكنّا نعلم بديهة، أن ما رأينا من الأمثال غيرُ مستحقين لرسالة الله، لغاية انكبابهم على الدنيا، وظلمة نفوسهم، وقساوة قلوبهم، فالجميع هكذا، ولذلك قالوا كما حكى الله عنهم بقوله: {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [15]: هذه غاية شبهة الجاحدين للحق، والمنكرين للبعثة والرسالة، ولا يَبْعُدُ أن تكون إحدى الفوائد والأغراض المسوقة إليها هذه القصة، هي حكاية هذه الشبهة، وارتكازها في أوهام ضُعفاء العقول، المنتسبة إلى الفلسفة، المتشبهة بهم من الطباعية والدَّهريّة والصَّبَويَّة، وبراهمة الهند، المنسوبة إلى برهمان الهندي، حيث إنهم بعد علمهم بأحوال المبدء، وتيقنّهم بوجوده وتنزُّهه وتقدُّسه، تحيَّروا في أحوال الآخرة والمعاد، واضطربت أفكارهم في حقيقتها، وحقيقة الرسالة، وحقيقة الرسول المنذر بوقوعها، وسعادتها وشقاوتها، ونيرانها وجنانها، وسلسبيلها وزَقّومها، ومالِكها ورضوانِها، بل صرَّحوا بنفي المعاد بعد الممات، حيث ورد، أن الإنسان المتكوّن من مزاج حاصل من أضداد عند امتزاج، مهما فسد، لا يرجى له ولغيره فيه فائدة، فحكموا بأنه إذا مات، مات، ومعاده قد فات، كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية:24]. والإنسان عندهم كالعشب والمرعى، ينبت وينمو من الأرض، فيصير غثاءاً أحْوى. وعلى هذه الطريقة، جرى خصوم الخليل (عليه السلام) من الصابئة، على ما حكى الله تعالى عنهم في مواضع جمّة من كتابه، مثل قوله: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن:6]. {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [المؤمنون:24] {أية : يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}تفسير : [المؤمنون:33]. ومدار إنكارهم واستكبارهم على هذه الشبهة التي أشير إليها في مواضع من الكتاب كما قال الله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء:94]. فَحَصَرَ الله مدارَ إصرارِهم وجحودهم، على أن البشر لا يصلح للرسالة، لأن أفراده مشتركون في الماهيَّة، فمِنَ المَحال أن يختصَّ واحد منها بخاصيّة دون بعض آخر. هذه حجتُهم الداحضة، وغايةُ إنكارهم الغامضة، إلاّ أنها مندفعة بوجهين شريفين، قرآنيّين، كل منهما في غاية الاستنارة والاستحكام: الوجهُ الأول: ما وقَعَت الإشارة إليه ها هنا، حكاية عمَّا ألْهَمَ الله به رُسُلَ عيسى (عليه السلام)، جواباً عن إنكار أهل القرية رسالتَهم، حيث ما اغتروا به بفطانتهم البتراء، من الشبهة التي شرحناها، وهو قوله تعالى: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس:16].

الجنابذي

تفسير : {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} اثبتوا لهما البشريّة وحصروهما فيها باعتقاد انّها تنافى الرّسالة من الله المجرّد من الموادّ ونقائصها {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} لانّ الرّحمن لا ينزل الى البشر {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} بمنزلة النّتيجة.

الأعقم

تفسير : {قالوا} ذلك فقال القوم مجيبين {ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمان من شيء إن أنتم إلا تكذبون} قال الرسل مجيبون: {ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} {وما علينا إلا البلاغ المبين} أي الاعلام بالرسالة {قالوا إنا تطيّرنا بكم} تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم كما حكى الله في القبط {أية : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأعراف: 131]، وعن مشركي مكة {أية : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك}تفسير : [النساء: 78]، وقيل: حبس عنهم القطر فقالوا ذلك، وقيل: زعموا أنهم متى خلوا الأصنام أصابتهم مصائب في أموالهم وأنفسهم {لئن لم تنتهوا} أي لئن لم تدعوا هذا الذي دعوتم إليه {لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم}، قيل: نرميكم بالحجارة حتى نقتلكم وليمسنكم منا عذاب أليم، قال الرسل يعني لقومهم: {طائركم معكم} أي شؤمكم معكم وهو الكفر الموجب للعذاب {أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} أي مجازون بالكفر والعصيان {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} أي من أسفل المدينة وهو حبيب النجار بن إسرائيل وكان يتجنب الأصنام، وهو ممن آمن برسول الله وبينهما ستمائة سنة كما آمن تبّع الأكبر، قيل: كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة وقالوا: رأيت تخالف رأيت تخالف ديننا فوثبوا عليه فقتلوه، وقيل: تواطؤه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، وقيل: رجموه وهو يقول: اللهم إهد قومي، وقبروه في سوق انطاكية، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : سبَّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون" تفسير : {اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي لا تخسرون عليهم شيئاً في دنياكم وتربحون صحة دينكم فينظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، ثم أبرز الكلام في موضعين المناصحة لنفسه وهو يريد لهم فقال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله: {وإليه ترجعون} ولو أنه قصد ذلك لقال: وإليه ارجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: {إني آمنت بربكم فاسمعون} قولي وأطيعوني فقد نهيتكم {أأتخذ من دونه آلهة} يعني كيف أترك عبادة الفاطر واتبع عبادة الحجر {إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون} {إني إذاً} أي لو فعلت ذلك لكنت {في ضلال مبين} {إني آمنت بربكم فاسمعون}، قيل: خطاب للرسل فاسمعوا لتشهدوا لي، وقيل: خطاب لقومه أي اسمعوا قولي: نصحي، فلما قال هذا قتلوه.

اطفيش

تفسير : {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا} لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون. {وما أنزل الرحمن} هذا نص في اعترافهم بالله وتقدم في القصة ان الملك كان غير معترف به. {من شيء} من وحي ورسالة وكتاب. {إن أنتم إلا تكذبون} في مدعاكم.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } أي أصحاب القرية مخاطبين للثلاثة {مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } من غير مزية لكم علينا موجبة لاختصاصكم بما تدعونه، ورفع {بُشّرَ } لانتقاض النفي بإلا فإن ـ ما ـ عملت حملاً على ليس فإذا انتقض نفيها بدخول إلا على الخبر ضعف الشبه فيها فبطل عملها خلافاً ليونس (ومثل) صفة {بُشّرَ } ولم يكتسب تعريفاً بالإضافة كما عرف في النحو. {وَمَا أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْء } مما تدعون من الوحي على أحد وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام وكان تخصيص هذا الاسم الجليل من بين أسمائه عز وجل لزعمهم أن الرحمة تأبى إنزال الوحي لاستدعائه تكليفاً لا يعود منه نفع له سبحانه ولا يتوقف إيصاله تعالى الثواب إلى العبد عليه، وقيل ذكر الرحمن في الحكاية لا في المحكي وهم قالوا لا إله ولا رسالة لما في بعض الآثار أنهم قالوا ألنا إله سوى آلهتنا؟ والتعبير به لحلمه تعالى عليهم ورحمته سبحانه إياهم بعدم تعجيل العذاب آن إنكارهم ولعل ما تقدم أولى وأظهر ولا جزم بصحة ما ينافيه من الأثر. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } فيما تدعون وهذا تصريح بما قصدوه من الجملتين السابقتين واختيار {تَكْذِبُونَ} / على كاذبون للدلالة على التجدد.

ابن عاشور

تفسير : كان أهل (أنطاكية) والمدن المجاورة لها خليطاً من اليهود وعبدة الأصنام من اليونان، فقوله: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} صالح لأن يصدر من عبدة الأوثان وهو ظاهر لظنهم أن الآلهة لا تبعث الرسل ولا تُوحي إلى أحد، ولذلك جاء في سفر أعمال الرسل أن بعض اليونان من أهل مدينة (لسترة) رأوا معجزة من بولس النبي فقالوا بلسان يوناني: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا فكانوا يدعون (برنابا) (زفسَ). أي كوكب المشتري، و (بولسَ) (هُرمسَ) أي كوكب عطارد وجاءهما كاهن (زفس) بثيران ليذبحها لهما، وأكاليل ليضعها عليهما، فلما رأى ذلك (بولس وبرنابا) مزّقا ثيابهما وصرخا: «نحن بشر مثلكم نعظكم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الإِله الحي الذي خلق السماوات والأرض» الخ. وصالح لأن يصدر من اليهود الذين لم يتنصّروا لأن ذلك القول يقتضي أنهما وبقية اليهود سواء وأن لا فضل لهما بما يزعمون من النبوءة ويقتضي إنكار أن يكون الله أنزل شيئاً، أي بعد التوراة. فمن إعجاز القرآن جمع مقالة الفريقين في هاتين الجملتين. واختيار وصف {الرحمان} في حكاية قول الكفرة {وما أنزل الرحمان من شيء} لكونه صالحاً لعقيدة الفريقين لأن اليونان لا يعرفون اسم الله، وربُّ الأرباب عندهم هو (زفس) وهو مصدر الرحمة في اعتقادهم، واليهود كانوا يتجنبون النطق باسم الله الذي هو في لغتهم (يَهْوَه) فيعوضونه بالصفات. والاستثناء في {إن أنتم إلا تكذبون} استفهام مفرغ من أخبار محذوفة فجملة {تكذبون} في موضع الخبر عن ضمير {أنتم}.

الشنقيطي

تفسير : قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار: {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} قد بيّن أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} تفسير : [الملك: 8ـ9] الآية، وقد بيّن تعالى أن الذين أنكروا إنزال الله الوحي كهؤلاء أنهم لم يقدروه حق قدره: أي لن يعظموه حق عظمته، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 91].

د. أسعد حومد

تفسير : (15) - فَقَالَ أَهْلُ القرْيَةِ للرُّسُلِ: إِنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ القَرْيَةِ، وَلاَ مِيزَةَ لَهُمْ تَجْعَلُ اللهَ تَعَالَى يَخَتصُّهُمْ، بِرِسَالاَتِهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَإِنَّ الرَّحْمَن لَمْ يُنْزِلْ إِلَيْهِمْ رَسَالَةً وَلاَ كِتَاباً، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِإِبْلاَغِ أَحَدٍ شيئاً، فَمَا همْ إِلاَّ كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فلما كذَّبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النحو: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] وكل كلمة من هذه العبارة فيها تأكيد، أولاً بإنَّ، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في (لمرسلون)، إذن: على قَدْر الإنكار يكون التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولاً: {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: 15]، ثم {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} [يس: 15]، ثم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15]. وقولهم: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: 15] يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟ الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94-95]. هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة. وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول: وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر {أية : وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً} تفسير : [الأنعام: 9] وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] يعني: يُطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يُبلِّغه للناس. وقولهم: {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} [يس: 15] دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أنْ يعترفوا لله تعالى بصفة الرحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولاً يدلُّهم على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15]. وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] فكلمة {رَبُّنَا يَعْلَمُ} [يس: 16] حلّت محلّ القسم: لأنهم يُشْهِدون الله على صِدْق رسالتهم، والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل {رَبُّنَا يَعْلَمُ} [يس: 16] فالأمر إما أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فإنْ كان غير صحيح فقد كذبوا على الله. وقد أجمع العرب على أن الكذبة الفاجرة تُوجب خراب الديار - هكذا يعتقدون - وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الكذب يجعل الديار بلاقع، حديث : ولما سُئِل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم. أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا . تفسير : فالكذب مذموم منهيٌّ عنه، حتى عند غير المؤمنين بدين؛ لذلك رأينا كفار مكة لا ينطقون بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله ولو كانوا يعلمون أنها كلمة تقال ليس لها مدلول لَقَالوها، لكنهم يعلمون مدلولها ومعناها، يعلمون أنها تعني أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الأمر والنهي والسيادة لا تكون إلا لله .. الخ لذلك تأبَّوْا فلم يقولوها، لأنهم لا يريدون مدلولها. هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يَغَارُونَ لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون: {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ ...}.