٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين وقالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأكدوه باللام، لأن يعلم الله يجري مجرى القسم، لأن من يقول يعلم الله فيما لا يكون قد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه، وفي قوله: {رَبُّنَا يَعْلَمُ } إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر، وذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون، يكون كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] يعني هو عالم بالأمور وقادر، فاختارنا بعلمه لرسالته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ } جار مجرى القسم، وزيد التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإِنكار في {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا ربنا يعلم} بعلمه الحضورى {انا اليكم لمرسلون} وان كذبتمونا استشهدوا بعلم الله وهو يجرى مجرى القسم فى التوكيد مع ما فيه من تحذيريهم معارضة علم الله وزادوا اللام المؤكدة لما شاهدوا منهم من شدة الانكار
الطوسي
تفسير : لما حكى الله تعالى عن اهل القرية انهم قالوا للرسل {إن أنتم إلا تكذبون} في ادعائكم الرسالة على الله حكى ما اجابهم به الرسل فانهم {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} ووجه الاحتجاج بذلك انه يلزمهم بقولهم الحذر من مخالفتهم والنظر في معجزاتهم ليعلموا انهم صادقون على الله، ففي ذلك تحذير شديد. ثم قال الرسل لهم أيضاً {وما علينا إلا البلاغ المبين} أي ليس يلزمنا اكثر من البلاغ المبين، والمعنى انه لو جاءكم رسول غيرنا هل كان عليه إلا البلاغ؟ على حد ما بلغنا. والبلاغ مجيء الشيء إلى حد يقف عنده، بلغ الشيء يبلغ بلوغاً وبلاغاً، فهو بالغ. ومنه البلاغة، ومثل الابلاغ الافهام والايصال. والمبين صفة للبلاغ، وهو الظاهر الذي لا شبهة فيه، فقالوا لهم في الجواب عن ذلك حين عجزوا عن إيراد شبهتم، وعدلوا عن النظر في معجزهم {إنا تطيرنا بكم} أي تشاءمنا بكم، والتطير التشاؤم. ثم هددوهم فقالوا {لئن لم تنتهوا} عن ما تدّعونه من النبوة والرسالة {لنرجمنكم} بالحجارة - في قول قتادة - وقال مجاهد: معناه لنشتمنكم: فالرجم الرمي بالحجارة، يقال: رجم يرجم رجماً، ورجم بالغيب ترجيماً {وليمسنكم منا عذاب أليم} عند ذلك، فقال لهم الرسل {طائركم معكم} أي الشؤم كله معكم باقامتكم على الكفر بالله. وقال الفراء: معنى {طائركم معكم} أي اعمالكم في رقابكم تجازون عليها. وقال المبرد: معنى {طائركم} حظكم ونصيبكم من الخير والشر. وهو قول ابي عبيدة. والطيرة الشؤم. ومنه قوله صلى الله عليه وآله "حديث : لا عدوى ولا هامه ولا صقر ولا غلول" تفسير : وفلان لا يطير غرابه، وهو ساكن الطائر، إذا كان ساكناً وقوراً، وفلان لا يطور بنا أي لا يقربنا، وما في الدار طوري ولا طوراني أي لا أحد. وعدا فلان طوره إذا جاوز قدره. وقوله {ائن ذكرتم} قرأه ابن كثير ونافع وابو عمرو والمفضل عن عاصم - بهمزة بعدها ياء - وهي همزة بين بين. والباقون بهمزتين مخففتين: احداهما همزة الاستفهام، والاخرى - همزة (إن) وجواب (ائن ذكرتم) محذوف وتقديره أئن ذكرتم هذا القول. وقال قوم: معناه أئن ذكرتم طائركم معكم وقال قوم: جعله جزاء قدم خبره عليه لما كان غير مجزوم اللفظ. وقيل: أئن ذكرتم تطيركم قلتم ما قلتم، {بل أنتم قوم مسرفون} على نفوسكم، لانكم تجاوزتم حد العصيان حين كفرتم بالله وبوحدانيته. وقيل: كان اسم صاحب (يس) الذي قتله قومه حبيب بن مري. حكى الله تعالى انه {جاء من أقصى المدينة رجل يسعى} أي رجل من أبعد المدينة جاء يعدوا ويشتد {فقال يا قوم اتبعوا المرسلين} الذين أرسلهم الله اليكم واقروا بنبوتهم وبرسالتهم. وقرأ ابو جعفر {أئن} بفتح الهمزة الثانية. وبه قال زوين بن حبيش. ومعناه لان ذكرتم. الباقون بكسرها. وقرأ ابو جعفر {ذكرتم} بالتخفيف. الباقون بتشديدها.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لاَ عَلَى الوجه الذي فهمه الزمخشري ومن تبعه، وهو أن قوله: "ربُنا يعلم" جار مجرى القَسَم في التوكيد، كقولهم "شَهِدَ الله"، و "عَلِمَ الله"، لأن معنى الآية، دفع الشبهة العلمية المفصَّلة، فاستئناف الدعوى مقرونة بالقسم غير منجح، والبيان القَسَمي غير نافع في المقامات العلمية، التي لا يُتَوَصَل إليها إلاّ بالطمأنينة اليقينية، على أن احتمال التورية في القسم قائم، ثم اعتذاره، بأن هذا القَسَم، لَمّا كان مشفوعاً بالبيّنة الشاهدة، والآيات الواضحة، مستحسن، كما ترى. وإنّما حمله على هذا التوجيه في الآية أمران: أحدهما: وجود الّلام للتأكيد في "مرسلون"، الثاني دون الأول. وثانيهما: المماثلة المعنوية بين قولهم "ربُنا يعلم" وقول الناس "شهِدَ الله"، و "علم الله"، الواقعيَنِ أحياناً في مقام القَسَمْ وكِلا الوجهين ضعيف كما لا يخفى. وأيضاً لا على الوجه الذي فهمه أتباع الأشاعرة من قولهم: أن للفاعل المختار، أن يرجّح بعلمه وإرادته، بعض الأمور المتماثلة من غير مرجّح، لأن الألوهية إنما تتحقق، بأن يفعل ما يشاء ويختار ما يريد - أي من غير مخصّص -، قالوا: كما أن شأن الإرادة تخصيص أحد الطرفين المتساويين - كما في قَدَحَيْ عطشان وطريقَيْ هارِب - فكذا شأنها تخصيص احد المتساويين في الماهية ولوازمها من غير افتقار مُرجّح وداع، وذلك، لأن إثبات الفاعل المختار على هذا الوجه، مفسوخ الأصل مبرهن الفساد - كما حقق في مظانّه -، بل أن يكون المراد منه، أن الله تعالى بحسب عنايته الأزَلِية المتعلقة بنظام هذا النوع الإنساني، وعلمه الأزلي بمصلحة الكائنات، يهدي من يشاء من عباده، ويصطفي من الناس من يصلح للرسالة، لا لمجرّد اتفاق أو جزاف - تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً - بل بحسب اختلاف الأفراد في سبق الاستعداد، وصلوح القوابل والمواد، وتفاوتهم في اللطافة والكثافة، وصفاء القلب ونوريّة الفؤاد، وقِلّة الحُجُب وكَثْرتِها عن المبدء الجواد. فإن الأرواح الأنسيّة، بحسب الفطرة الأولى والثانية، مختلفة في الصفاء والكدورة، والقوة والضعف، مترتبّة في درجات القُرْب من الله، وكذا المواد السفليّة بإزائها، متفاوتة تفاوتاً نوعياً أو صنفياً أو شخصيّاً، وقد قُدّر بإزاء كل مادة ما يناسبها من الروح، فَحَصَل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والأخلاق، والصفات والكمالات، فأعظم السعادات لأجْودَ الاستعدادات، وأكملُ الكمالات لأِشْرَف الأرواح، وهي أرواح الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، في كل زمان، بحسب أوضاع كل وقت، وأشرفُ أرواحِ الأنبياء، روحُ خاتمهم وسيّدهم، سيّد الكل في الكل، (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَبعدَه طبقة أولياء أهل بيته الطاهرين، المستمرة سلسلتهم إلى زمان ظهور المهدي، وَلِيِّ آخر الزمان، صلوات الله عليه وآبائه أجمعين. وإنّما وَجَبَ بلوغ الكمال في النوع، بحسب مَلَكَهِ العِلم والحال، إلى مرتبة النبوة بأمرين: عناية من الله، وحاجة من الخلق في بقائهم الدنيوي، وخلاصهم الأخروي، لِمَا ثَبَت أن الإنسان مدني بالطبع. أما الأول: فمَنْ لم يُهمِل أخْمَصَ القدمين دون التصغير، مع قلّة نفعه، بل تكميلاً للزينة المستغنى عنها، ولم يَضَعْ تقويسَ الحاجبين، موتَّراً بوتَرَ أهداب العيون، وتسوية أشعارها مع حقارة فوائدها، فبأنْ لا يسوغُ الضنَّ بإفاضة النبوة على روح من الأرواح البشرية، مع كونه رحمة للعالمين كان أوْلى. وأما الثاني: فَمَنْ نَظَر في العالم الصغير، الذي هو الهيكل الإنسي، متى لم يكن رئيس مطاع لقواه وأعضاءه يسويّ كل واحد منها على مكانه، ويدبّرُ لكل منها غذاء يناسبه، وقسطاً من الحرارة الغريزيّة والروح البخاري يلائمه، وغير ذلك من كميات مراتب الهضم والدفع، والنمو والتوليد، لخَرِبَ سريعاً، حيث أصبح كل منها مطاعاً مطيعاً، بل لا بد للكل من أمير واحد، ورئيس واحد، يدبّرها ويَسُوسُها، ولو كان المدبّر أكثر من واحد كان البدن كما قيل: "خانه به دو كدبانو نارفته بماند". وإذا كان أمر العالم الصغير، لا يتمّ ولا يتمشّى دون قاهر أمير، فما ظنُّك بعالَم العناصر المَثار لآثار الفتن، المَكْمَن لأنواع المحن، بل لا بدّ للخلق من الهداية إلى كيفية المصالح، وجلب المساعي والمناهج، ووجود هادٍ للخلق مؤيَّد من عند الله، يأتمرون بأمره، وينزجرون بزجره {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر:7]. فحاصل هذا الجواب عن شبهتهم، أن أفراد البشر وإن كانوا متماثلين بحسب معنى الإنسانية النوعية، إلاّ أن بعضهم اختص بكرامة آلهية، وعناية ربّانية، لأجل استحقاق خفي، وعصمة باطنية لا يعلمها إلاّ الله، فلا بد في العناية الأزليّة من بعثه وإرساله، وهو مفاد قولهم {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} مثل قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام:124]. وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [الحج:75]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران:179]. الوجه الثاني: في حل شُبهتهم ودفع حُجتهم، هو أن أفراد الإنسان، وإن كانت متماثلة في البشرية، إلاّ أنها متخالفة الحقيقة بحسب البواطن والأرواح، ونشوء الآخرة من نفوسها - وقد مرّ تحقيق ذلك في تفسير سورة آلم السجدة - والآيات الدالة على أن أرواح الإنسان محشورة يوم القيامة على صور متخالفة في الحقيقة، كثيرة. وهذا مما يحتاج دَرْكُه، بعد قيام البرهان العقلي والنقلي عليه، إلى صفاء في القلب، وذَوْق شديد، وخوض عظيم في معرفة النفس، وكيفية اتحادها بالمعقولات، وتقلبها في الأطوار والنشآت، لينكشف أن أفراد الإنسان، وإن كانت متفقة في معنى نوعي، هو معنى الحيوان المدرِك للكليّات بالقوة، لكنها بعد صيرورة عقولها الهيولانية، متحدة بما تخرج به من القوّة إلى الفعل من الهيئات والملكات، تصير متخالفة الحقائق. والنفس، وإن كانت أمراً صورياً في عالم الحس والشهادة، مقوماً للنوع الخاص البشري، الذي اجتمعت فيه أنواع الصور الحسية، الطبيعية والنباتية والحيوانية، إلاّ أنها في أول الفطرة، هي محض القوة والفاقة بالنسبة إلى عالم الغيب والنشأة الآخرة، نسبتها إلى الصور الغيبيّة التي فيها، نسبة الهيولى الأولى إلى الصور الحسِّية. وكما أن الهيولى، واحدة نوعية، متماثلة في جميع الطبائع بحسب جوهريتها الأولى، متخالفة الجواهر، بانضمام الصور المقوِّية إيّاها جوهرية ثانية، فكذلك النفوس الإنسانية بحسب فطرتها الأولى، متماثلة متَّحدة النوع، وبحسب ما يخرج من القوة إلى الفعل، من الملكات والأخلاق الحاصلة لها، من تكرر الأعمال والأفعال، متكثرة الأنواع، يناسب كل نوع منها، لنوع من تلك الملكات والأخلاق، ولِحيوان غلب عليه ذلك الخلق، فَيُحشَر على صورته، لكونها على صفته. فعدد الحيوانات الحاصلة من الإنسان في النشأة الثانية بحسب النوعية، أكثر من عدد أنواع الحيوانات في هذا العالم، لأنه سيظهر منها في القيامة أقسام من الحيوانات، لم يُعْهَد مثلها في هذه الدار، لحصولها بالمسخ الحاصل لبعض النفوس، من امتزاج أوصاف حيوانات متعددة، اجتمعت في باطنها، ورَسَخت بكثرة الأعمال المؤدّية إليها بطول الزمان، أو بشدة التعلق من تلك النفوس، بفنون دواعي تلك الحيوانات، وأغراضها ومقاصدها، فحُشِرَت هي في القيامة، على صورة تَحْسُنُ عندها القِرَدَةُ والخنازير - كما ورد في الحديث عن رسول الله - (صلى الله عليه وآله وسلم). والتناسخ بهذا المعنى ثابت عند أئمة الكشف والشهود، مصرَّح به في مواضع من الكتاب والحديث، وعلى هذا المعنى، يحمل كلام أساطين الحكماء المتقدمين، القائلين بالنَّقل، لا على تعلّق النفْس من بدن عنصري إلى بدن آخر، لنهوض البرهان القطعي، من العَرْشِيّات التي ألهمني الله تعالى بها بفضله وكَرَمه، على استحالته، وقد أوردناه في كتاب المبدء والمعاد، وأولئك الأقدمون، أجل شأناً من أن يغفلوا عن مفسدة القول بالتناسخ، بل مقصودهم يوافق شريعتنا المصطفوية - على الصادع بها وآله أجزل الصلاة والتحية -. والحاصل، أن الإنسان بحسب الأعمال والأفعال، والأفكار والنيات المستنتجة لحصول الأخلاق والملكات، يصير إمّا من جملة الملائكة، أو الشياطين أو الحيوانات المنتكسة الرؤوس إلى جهة السفل، ولكل من هذه الأجناس الثلاثة، أنواع كثيرة، يمكن أن يصير إليها أفراد الإنسان، بحكم المناسبة، ويُحشَر في زمرتها، بمقتضى الميل والمحبة، ولهذا المعنى، قيل للإنسان، إنه "باب الأبواب" كما نُقِلَ عن حكماء الفرس. فإذا تقرر هذا فنقول: أرواح الأنبياء والأولياء - سلام الله عليهم وتقديساته -، بمنزلة الملائكة المقرّبين، أي الكروبين الواقعين في الصف الأول من صفوف الملائكة، ومِن بينهم نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، بمنزلة العقل الأول، وقد ذَكَرْنا في تفسيرنا لآية الكرسي، كونَ المراد من الحديث المتّفق عليه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أول ما خلق الله العقل"تفسير : ، هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتمام ما ذكر فيه من "الإقْبال والإدْبار، وَبِكَ آخذ وَبِكَ أُعطي وَبِكَ أُثِيبُ وَبِكَ أُعاقِبْ" شَرْحٌ لأحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)، منطبق عليه، صادق في حقه. ثم كل طبقة من طبقات العرفاء والعلماء والصلحاء، بمنزلة طبقة من طبقات الملائكة، وَصَفٍّ من صفوفهم الواقعة بعد الصف الأول، محشورة معها، وعوامُّ أهل الإيمان، بمنزلة عَوامّ الملائكة. ونفوس المنافقين، من أهل المكر والوسوسة والحيلة والجربزة، تُحشَر في القيامة مع الشياطين لقوله تعالى: {أية : لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} تفسير : [مريم:68]. ونفوس أهل الدنيا - الغالب عليها حب الشهوات، من النساء والبنين، والقناطير المُقَنْطَرَةِ من الذهب والفضة، وحب الرياسة، من الخيل المُسوَّمة والأنعام والْحَرْث - تحشر مع الأنعام والدواب. فإذا كان التخالف بين أفراد الإنسان، بهذه المثابة من التخالف الجنسي - فضلاً عن النوعي -، فكيف يدّعي أحد، أن نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، كنفوس عوام الناس؟ وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لستُ كأحدكم، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : ، والله سبحانه قد كفّر من ذَهَبَ إلى مماثلة النبي مع سائر الناس، وقال ببشريته، لقوله تعالى: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ} تفسير : [التغابن:6] وأما قوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [الكهف:110]، فهو مماثلة بحسب النشأة الحسّية، والإشتراك في الجسمية المشتركة. فالمماثلة التي ادّعاها المنكرون للنبوة، المتمسكون بهذه الشبهة، إن ادّعوها بحسب المادة البدنية المشتركة، فالجواب، بعد تسليم هذه المقدمة، أن اختصاص النبوة ببعض الأفراد، إنما يكون بكرامة لاحقة، وفضيلة فائضة من الله، على حسب صفاء القابل ولطافة المحل، فلا يلزم تخصيص بلا مُخَصِّص أصلاً، كما مرّ في الوجه الأول. وإن ادعَوْها بحسب الأرواح والبواطن، فالممثالة ممنوعة، بل الثابت المحقّق خلافه، كما مرّ في الوجه الآخر، فالشبهة من أصلها منقلعة منحسمة. وللمتأمل أن يفهم من هذه الآية، إشعاراً لطيفاً بالوجه الثاني، من وجهي الجواب عن شبهة المنكرين لرسالة الرُّسُل الثلاثة - على نبينا وآله وعليهم السلام - بأن يكون المراد، أن جهة المخالفة النوعية الحاصلة بيننا وبينكم، ليست مِمّا يمكن أن تصل إلى إدراكه أفهامكم وافهام أمثالكم، لأنه أمر خفي، لا يعلمه إلاّ الله، ولا يمكن الوصول إلى دركه إلاّ بإلهام الله، وتعليمه مَن اختاره من عباده للهداية، لأن صفة النبوة والولاية، أمر باطني، ونور عقلي، يحصل من الله تعالى، ويُقذّفُ منه في قلب مَن يشاء من عباده وأوليائه، وإذا تنوّر الباطن بذلك النور، خرج عمّا كان عليه، وانقلب نفسه عقلاً مستفاداً، ونارُه نوراً مضيئاً في المعاد. وفي القرآن آيات كثيرة، وإشارات بليغة، وتلميحات لطيفة، دالة على أن أرواح المؤمنين، مخالفة في الحقيقة لنفوس الكَفَرة والمنافقين، وعلى أن أرواح الأنبياء، جواهرها مخالفة لأرواح غيرهم، وأن روح خاتم الأنبياء - (عليه وآله الصلاة والسلام) من الملك الأعلى - فوق الجميع. ولا يتوهَّمَنَّ أن قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف:110]، ينافي ما ادَّعيناه، من مخالفة حقيقة الرسول (صلى الله عليه وآله) لعامَّة الناس، لِما دَرَيْتَ، أن الاشتراك والمماثلة بحسب البشرية، التي هي متّفقة المعنى بين الناس، والمخافة بحسب الباطن ومقام العِنْدِيَّة، وعلى هذين المقامَين، يتوزّع كل ما ورد في الاتفاق والإختلاف له مع عامّة العباد. فكل ما كان من قبيل قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف:110]، كان المراد به الإشارة إلى مقام البشرية والنزول في هذه الدار، وكذلك قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام:50]. {أية : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ}تفسير : [الأعراف:188] وقوله: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء:93]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الجمعة:2]، وقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة:128]، وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : اني ابن امرأة كانت تأكل القديد ". تفسير : وكل ما كان من قبيل قوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. وقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31]. وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:107]، وقوله: {أية : نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة:15]، كانَ المرادُ بِهِ باطنه بحسب مقامه المحمود الموعود له في قوله: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإسراء:79]. اللهم اجعلنا من التابعين له، الواردين معه، ومن أهل بيته المقدّسين الحوض، المحشورين معهم، الواقفين تحتَ لوائهم.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ} بعدما اصرّوا على الانكار بتأكيداتٍ عديدةٍ {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} لغاية انكارهم لم يقتصروا على المدّعى وتأكيداته.
اطفيش
تفسير : {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} وانما حسن استشهادهم بعلم الله سبحانه لمقارنته للبينات الواضحة ولو قال المدعي والله اني صادق فيما ادعي ولم يحضر البينة لكان قسيما أكد أولا بالجملة الاسمية وان لانكار اصحاب القرية ولما زادوا انكارا بقولهم ما أنتم إلا بشر إلى تكذبون ازداد التأكيد وكان باسناد العلم لله والجملة الاسمية وان الجملة الاسمية واللام ومثل قولك بعلم الله وشهد الله جار مجرى القسم ولذلك سمي السعد قوله تعالى: {ربنا يعلم} قسما.
اطفيش
تفسير : {قالُوا} أى هؤلاء المرسلون لهم أنبياء أو غير أنبياء قولا {ربَّنا يعْلم إنَّا إِليْكم لمُرسَلُون} منه، والاستشهاد بعلم الله جار مجرى القسم فى التأكيد، والجواب، وأكدوا أيضا بالجملتين الاسميتين، وبأن واللام، ومن استشهد بالله كاذباً فهو مشرك إذا تعمد خلاف الواقع، مثل أن يعلم أن زيدا غير قائم فيقول عمدا: الله يعلم أنه قائم، ناسباً إليه تعالى أنه علم غير القيام قياما، لأن ذلك جهالة وعجز، وهما من صفات الخلق، فأشرك بنسبتهما اليه تعالى، فلو قال ذلك لا على هذه النسبة بل على جهة الكذب، فليس بمشرك، بل فعل كبيرة، وفى الآية تحذير عن معارضة علم الله عز وجل، وفى ذكر لفظ الربوبية رمز الى أنه هو الرب الذى يستحق عبادتكم، إذ هو ربكم، ولأنه أرفق بالحال التى هم فيها رضى الله عنهم، من إظهار المعجز على أيديهم، كأنهم قالوا: ربنا الذى نرجو منه النصر عليكم بالمعجز، يعلم أنا اليكم لمرسلون منه، ولا دلالة للحصر فى {ربنا يعلم} لعدم آلة الحصر فيه وصيغته، ولأنه ليس الحصر صحيحا، لأن المؤمنين يوم قد علموا أن الله أرسلهم، ألا أن يتكلف الحصر الإضافى، أى يعلم هو لا أنتم، لأنكم لم تنظروا فى الآيات، مع أنه لا أداة حصر، ولا صيغة له إلا بمعونة المقام.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ } أي المرسلون {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جار مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به، وذكر أن من استشهد به كاذباً يكفر ولا كذلك القسم على كذب، وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى، وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة رب إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا ناصرنا بالمعجزات يعلم إنا إليكم لمرسلون، وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم.
ابن عاشور
تفسير : حكيت هذه المحاورة على سنن حكاية المحاورات بحكاية أقوال المتحاورين دون عطف. و{ربنا يعلم} قَسَم لأنه استشهاد بالله على صدق مقالتهم، وهو يمين قديمة انتقلها العرب في الجاهلية فقال الحارث بن عَبَّاد: شعر : لم أكن من جُناتِها عَلِم اللــــ ــــه وإنِي لِحرّها اليومَ صالي تفسير : ويظهر أنه كان مغلّظاً عندهم لقلة وروده في كلامهم ولا يَكاد يقع إلا في مقام مهم. وهو عند علماء المسلمين يمين كسائر الأيمان فيها كفارة عند الحِنث. وقال بعض علماء الحنفية: إن لهم قولاً بأن الحالف به كاذباً تلزمه الردّة لأنه نسب إلى علم الله ما هو مخالف للواقع، فآل إلى جعل علم الله جهلاً. وهذا يرمي إلى التغليظ والتحذير وإلا فكيف يكفر أحد بلوازم بعيدة. واضطرهم إلى شدّة التوكيد بالقسم ما رأوا من تصميم كثير من أهل القرية على تكذيبهم. ويسمى هذا المقدار من التأكيد ضرباً إنكاريّاً. وأما قولهم: {وما علينا إلا البالغ المبين} فذلك وعظ وعظوا به القوم ليعلموا أنهم لا منفعة تنجرّ لهم من إيمان القوم وإعلان لهم بالتبرُّؤ من عهدة بقاء القوم على الشرك وذلك من شأنه أن يثير النظر الفكري في نفوس القوم. و{البلاغ} اسم مصدر من أبلغ إذا أوصل خبراً، قال تعالى: { أية : إن عليك إلا البلاغ } تفسير : [الشورى: 48] وقال: { أية : هذا بلاغ للناس } تفسير : [إبراهيم: 52]. ولا يستعمل البلاغ في إيصال الذوات. والفقهاء يقولون في كراء السفن والرواحل: إن منه ما هو على البلاغ. يريدون على الوصول إلى مكان معيَّن بين المكري والمكتري. و{المبين} وصف للبلاغ، أي البلاغ الواضح دلالة وهو الذي لا إيهام فيه ولا مواربة.
د. أسعد حومد
تفسير : (16) - فَأَجَابَهُم الرُّسُلُ قائلين: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُمْ رُسُلُهُ إِلَى أَهْلِ القَرْيَةِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى اللهِ، فِيمَا يَدَّعُونَه، لانْتَقَمَ مِنْهُمْ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ * قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 16-18] وذلك أن الإلهام والجذبة يقويان القلب وصفاته ويذيبان النفس وصفاتها ويمنعان النفس عن استيفاء شهواتها والبلد بلدتنا الدنيا فلهذا أنشأ النفس وصفاتها بهؤلاء المرسلين {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي: جاء هذا الشؤم معكم لا من العدم. كما قال تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}تفسير : [الإسراء: 13] وهو بعد في العدم {أَئِن ذُكِّرْتُم} علمتم هذا التحقيق وتيقنتم {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أيتها النفس وصفاتها في موافقة الطبع ومخالفة الحق تعالى، {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} [يس: 20] يشير إلى صفة الروح المشتاق إلى جمال الحق تعالى. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} [يس: 20-21] أي: لا مشرب لكم من مشاربكم {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [يس: 21] إلى الحق تعالى {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] به يشير إلى كلام الروح وذلك لأنه أول خلق فطره الله تعالى بأمر كن لا من شيء أي: كيف بي ألا أعبد من خلقني قبل كل شيء فكتب لعبده في عالم الأرواح قبل خلق الأجسام بألفي عام ولم يكن لي شريك في العبودية كما لم يكن له شريك في الألوهية {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ}تفسير : [الفجر: 27] وصفاتها بقوله: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] ومن كلام الروح، {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} [يس: 23] من الدنيا والهوى والشيطان. {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ} [يس: 23] {إِنِّيۤ إِذاً} [يس: 24] بعبادة غير ربي {لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} [يس: 24-25] فأجيبوا لي وآمنوا بربكم، وإنما قال: آمنت بربكم وما قال آمنت بربي ليعلموا أن ربهم هو الذي يعبده فيعبدوا ربهم؛ ولذا قال: آمنت بربكم؛ لعلهم يقولون: أنت تعبد ربك ونحن نعبد ربنا وهو آلهتهم. قوله: {أية : قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [يس: 26] يشير إلى أن الروح بالجذبة الإلهية يجذب إلى الحضرة قبل النفس وصفاتها والنفس حين تتشرف بتشريف الجذبة قيل لها أولاً: {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}تفسير : [الفجر: 29] وهي عبارة عن عالم الأرواح، ثم قيل لها: {أية : وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 30]، ومن كلام الروح {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي} [يس: 26] وهم النفس وصفاتها {يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} [يس: 26-27] لم يرغبوا في نعيمها ويرغبوا عن الدنيا وشهواتها فإنها جحيمها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):