Verse. 3722 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَمَا عَلَيْنَاۗ اِلَّا الْبَلٰغُ الْمُبِيْنُ۝۱۷
Wama AAalayna illa albalaghu almubeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما علينا إلا البلاغ المبين» التبليغ المبين الظاهر بالأدلة الواضحة وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الميت.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : تسلية لأنفسهم، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثاً لهم على النظر، فإنهم لما قالوا: {مَا عَلَيْنَا إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجراً ولا قصدوا رياسة، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و {ٱلْمُبِينُ } يحتمل أموراً أحدها: البلاغ المبين للحق عن الباطل، أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها: البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين وثالثها: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة وهي إبراء الأكمة والأبرص والمريض وإحياء الميت.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبَلاغُ الْمُبِينُ} بالإعجاز قيل: إنهم أَحْيوا ميتاً وأبرءوا زَمِناً.

البقاعي

تفسير : ولما قرروا ذلك عندهم، اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا يلحقهم منه ضرر، إشارة لهم إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا: {وما علينا} أي وجوباً من قبل من أرسلنا، وهو الله تعالى الذي له الأمر كله {إلا البلاغ المبين *} أي المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات وغيرها، فلولا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن آلهتكم لما لم يكن لها علم لم يقدروا على بيان في أمرها بشيء، وإذ قد ثبت علم مرسلنا برسالتنا فهو الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيداً. ولما كان حلول الصالحين بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار التصديق والتكذيب والإساءة والإحسان، فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا هؤلاء الرسل بلاء لتكذيبهم لهم من جدب الأرض وصعوبة الزمان، ونحو ذلك من الامتحان، ذكر ما أثره ذلك عند أهل القرية فقال: {قالوا} ولما كانوا لما يرون عليهم من الآيات وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم، أكدوا قولهم: {إنا تطيرنا} أي حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيراً ظاهراً - بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في النمل والأعراف {بكم} بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه؛ ثم إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاماً بأن ما أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعداً عند العقلاء: {لئن لم تنتهوا} أي عن دعائكم هذا {لنرجمنكم} أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة. ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس: {وليمسنكم منا} أي عاجلاً لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم {عذاب أليم *} حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم {قالوا} أي الرسل: {طائركم} أي شومكم الذي أحل بكم البلاء {معكم} وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم. ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة، وهو التذكير بالله الذي بيده الخير كله، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا: {أئن ذكرتم} أي الأجل إن حصل لكم تذكير بالله تطيرتم بنا؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سبباً للتطير بوجه، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا: {بل} أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل {أنتم قوم} أي غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون {مسرفون *} أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك. ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إن شاء، وكان بعد الدار ملزوماً في الغالب لبعد النسب، قدم مكان المجيء على فاعله بياناً لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال: {وجاء من أقصا} أي أبعد - بخلاف ما مر في سورة القصص؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال: {المدينة} لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط. ولما بين الفاعل بقوله: {رجل} بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله: {يسعى} أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصاً على نصيحة قومه. ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه، بينه قوله: {قال} واستعطفهم بقوله: {يا قوم} وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله: {اتبعوا المرسلين *} أي في عبادة الله وحده وكل ما يأمرونكم به؛ ثم نبههم على الداعي إلى اتباعهم والمانع من الإعراض عنهم بقوله، معداً الفعل دلالة على شدة اهتمامه به: {اتبعوا} أي بغاية جهدكم {من لا يسئلكم} أي في حال من الأحوال {أجراً} ولما كان أفرد الضمير نظراً إلى لفظ "من" دلالة على وجوب الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على الرسالة وإن كان واحداً، جمع بياناً للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في الصيانة والبعد عن الدنس، الدال على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق فقال: {وهم مهتدون *} أي ثابت لهم الاهتداء لا يزايلهم، ما قصدوا شيئاً إلا أصابوا وجه صوابه، فتفوزوا بالدين الموجب للفوز بالآخرة، ولا يفوتكم شيء من الدنيا، فأتى بمجامع الترغيب في هذا الكلام الوجيز. ولما أفهم السياق أنه قال: فإني اتبعتهم في عبادة الله، بنى عليه قوله جواباً لمن يلومه على ذلك وترغيباً فيما اختاره لنفسه وتوبيخاً لمن يأباه: {وما} أي وأيّ شيء {لي} في أني {لا أعبد الذي فطرني} أي وإليه أرجع، فله مبدئي ومعادي، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون *} كذلك, فهو يستحق العبادة شكراً لما أنعم به في الابتداء, وخوفاً من عاقبته في الانتهاء, فالآية من الاحتباك: حذف "وإليه أرجع" أولاً لما دل عليه ثانياً، وإنكاره عليهم ثانياً بما دل عليه أولاً من إنكاره على نفسه استجلاباً لهم بإظهار الإنصاف، والبعد عن التصريح بالخلاف، وفيه تنبيه لهم على موجب الشكر، وتهديد على ارتكاب الكفر. ولما أمر صريحاً ونهى تلويحاً، ورغب ورهب، ووبخ وقرع، وبين جلالة من آمن به ومن كانوا سبباً في ذلك، أنكر على من يفعل غيره بالإنكار على نفسه، محقراً لمن عبدوه من دون الله وهو غارقون في نعمه، فقال مشيراً بصيغة الافتعال إلى أن في ذلك مخالفة للفطرة الأولى: {ءأتخذ} وبين علو رتبته سبحانه بقوله: {من دونه} أي سواء مع دنو المنزلة؛ وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال: {آلهة} ثم حقق ذلك بقوله مبيناً بأداة الشك أن النفع أكثر من الضر ترغيباً فيه سبحانه: {إن يردن} إرادة خفيفة بما أشار إليه حذف الياء، أو شديدة بما أشار إليه إثباتها، ظاهرة بما دل عليه تحريكها، أو خفية بما نبه عليه إسكانها. ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له إرشاداً إلى أنهم كذلك، صرح بما يعمهم فقال: {الرحمن} أي العام النعمة على كل مخلوق من العابد والمعبود، وحذرهم بقوله: {بضر} وأبطل أنهى ما يعتقدونه فيها بقوله: {لا تغن عني} أي وكل أحد مثلي في هذا {شفاعتهم} أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد {شيئاً} من إغناء. ولما دل بإفراد الشفاعة على عدهم عدماً ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في آن واحد، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين فقال: {ولا ينقذون *} أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما أراده فإنه بمجرد إرادته يكون مراده، إنفاذاً ضعيفاً - بما أشار إليه من حذف الياء، ولا شديداً - بما دل عليه من أثبتها ظاهراً خفياً، ثم استأنف ما يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكداً له بأنواع التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم: {إني إذاً} أي إذا فعلت ذلك الاتخاذ {لفي ضلال} أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء {مبين *} أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفاً له، موضح لكل ناظر ما هو فيه من الظلام.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما علينا} اى من جهة ربنا {الا البلاغ المبين} اى الا تبليغ رسالته تبليغا ظاهرا مبينا بالآيات الشاهدة بالصحة فانه لا بد للدعوى من البينة وقد خرجنا من عهدته فلا مؤاخذة لنا بعد ذلك من جهة ربنا ليس فى وسعنا اجباركم على الايمان ولا ان نوقع فى قلوبكم العلم بصدقنا فان آمنتم والا فينزل العذاب عليكم وفيه تعريض لهم بان انكارهم للحق ليس لخفاء حاله وصحته بل هو مبنى على محض العناد والحمية الجاهلية

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : تحذير شديد، وإلزام بليغ لهم، وجواب بنمط آخر على كلامهم يناسب جمهور الناس. ووجه الاحتجاج بهذا القول عليهم، بعد القول الأول المناسب للخواصّ: أن وجوب النظر أمر عقلي، كل عاقل يعلم من نفسه بحسب الغريزة العقلية التي أعطاه الله، والفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، ويكون حجة الله على خلقه، والقاضي بينه وبينهم، أنَّ شكرَ المنعم واجب، لأن في إهماله، خطر سوء العاقبة، وفي فعله الأمنُ والسلامة، والعاقل لا يختار الخطر على الأمن، ولا يُرجِّح احتمالَ الضرر على تيقّن السلامة. نعم، ربما يغفل عن مقايسة الجانبين، ويذهل عن تصوّر الطرفين، لشدة توغُّله في الشواغل، فيحتاج إلى منبّه، والله تعالى، لغاية رحمته على عباده، بعث الرسل إليهم من خارج، بعد أن أعطاهم عقلاً من داخل، لتنبّه تلك الرسل عقولهم عن نوم الغفلة، ورقدة الجهالة، وسِنَةِ التقليد، ولذا قيل: "العقل شرع من داخل والشرع عقل من خارج"، فلو لم يكن الله قد أفاض في الداخل العقول، لما كانت مهتدية، وَلاَ لَهُمْ فائدة من بعثة الرسول، فالمعنى: وليس يلزمنا إلاّ أداء الرسالة وتبليغ الأحكام. وقيل معناه: وليس علينا أن نحملكم على الإيمان، فإنّا لا نقدر عليه، لأن الإيمان عطائي حاصل بإفاضة الله تعالى على القلب، ولا يمكن حصوله بالإكراه والجبر، كقوله تعالى: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة:256]. ثم لما كان من عادة الجهال والأرذال بسبب محبتهم للدنيا والنفس والمال، أن يخافوا من زوال شيء مما تلذذوا به غاية الخوف، فيتمنوا كل ما اشتهَوْه وآثروه، وقبلته طباعهم، وتشاءَموا بكل ما نَفَروا عنه وكرهوه، وحيث كانت الدنيا مبلغ همّتهم، وغاية قيمتهم، ورأوا أهل الدين والورع في وضع البذاذة والتقشّع، لتطليقهم الدنيا، وإيثارهم الآخرة عليها تشوُّقاً إلى لقاء المولى، ورأوا المعرضين عن الحكمة والمعرفة بخلاف ذلك، فتطيّروا بأهل الدين وتشاءَموا من مصاحبة أرباب العلم واليقين، وتيمّنوا بخدمة الظَلَمَة والشياطين، وافتخروا بصُحبة الحكام والسلاطين، فلو صاحبوا أحداً من الصلحاء، فكل ما أصابهم من قبيل الآفة والنقص فتطيّروا به، كما حكى الله عن أهل القبط، وتشاؤمهم بأهل السِّبط بقوله: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف:131]، ومن مشركي أهل مكة، وتشاؤمهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [النساء:78]. فلذلك قال أصحاب القرية كما حكى سبحانه عنهم بقوله: {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس:18].

اطفيش

تفسير : {وما علينا إلا البلاغ المبين} الواضح بالآيات أو المبين الكاشف وبهذا حسن استشهادهم بعلم الله.

اطفيش

تفسير : {وما عَليْنا إلا البلاغ} إلا تحصيل البلاغ، أو اسم مصدر بمعنى التبليغ للرسالة {المُبين} الظاهر الذى لا تبقى معه ريبة، أو بعض خفاء للاجتهاد فيه، ولاقترانه بالبرهان كإبراء الأكمه، وإحياء الميت، أو غير ذلك على ما روى، فلا مؤاخذة علينا من الله عز وجل، ولا تقصير فى حقكم إذ أدينا ما أمرنا به، وما أكدوا أولا الا بعد انكار، كما قالوا: "أية : إنا إليكم مرسلون" تفسير : [يس: 14] ولما زادوا إنكار! ازداد التأكيد بالاستشهاد بعلم الله عز وجل، وباللام، ونقول: إن الاثنين أخبروا الكفرة بلا تأكيد، وبعد التكذيب أكدوا، وبعد ازدياد التكذيب ازداد التأكيد.

الالوسي

تفسير : إلا بتبليغ رسالته تعالى تبليغاً ظاهراً بيناً بحيث لا يخفى على سامعه ولا يقبل التأويل والحمل على خلاف المراد أصلاً وقد خرجنا من عهدته فلا مؤاخذة علينا من جهة ربنا كذا قيل، والأولى أن يفسر التبليغ المبين بما قرن بالآيات الشاهدة على الصحة وهم قد بلغوا كذلك بناء على ما روي من أنهم أبرؤا الأكمه وأحيوا الميت أو أنهم فعلوا خارقاً غير ما ذكر ولم ينقل لنا ولم يلتزم في الكتاب الجليل ولا في الآثار ذكر خارق كل رسول كما لا يخفى، ثم إن ذلك إما معجزة لهم على القول بأنهم رسل الله تعالى بدون واسطة أو كرامة لهم معجزة لمرسلهم عيسى عليه السلام على القول بأنهم رسله عليه السلام، والمعنى ما علينا من جهة ربنا إلا التبليغ البين بالآيات وقد فعلنا فلا مؤاخذة علينا أو ما علينا شيء نطالب به من جهتكم إلا تبليغ الرسالة على الوجه المذكور وقد بلغنا كذلك فأي شيء تطلبون منا حتى تصدقونا بدعوانا ولكون تبليغهم كان بينا بهذا المعنى حسن منهم الاستشهاد بالعلم فلا تغفل، وجاء كلام الرسل ثانياً في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جداً حيث أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل. قال السكاكي: أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الإثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا في التأكيد، وقال الزمخشري: إن الكلام الأول ابتداء أخبار والثاني جواب عن إنكار، ووجه ذلك السيد السند بأن الأول ابتداء إخبار بالنظر إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار فلا تكذيب لهم في المرة الأولى فيحمل التأكيد فيها على الاعتناء والاهتمام منهم بشأن الخبر انتهى، وفيه أن الثلاثة كانوا عالمين بإنكارهم والكلام المخرج مع المنكر لا يقال له ابتداء اخبار، وقال صاحب «الكشف»: أراد أنه غير مسبوق بإخبار سابق ولم يرد أنه كلام مع خالي الذهن أو جعل الابتداء باعتبار قول الثالث أو المجموع، وقال الجلبـي: لعل مراده أنه بمنزلة ابتداء إخبار بالنسبة إلى إنكارهم الثاني في عدم احتياجه إلى مثل تلك المؤكدات فكان إنكارهم الأول لا يعد إنكاراً بالنسبة إلى إنكارهم الثاني لا أنه ابتداء اخبار حقيقة، ولا يخفى ضعف ذلك، وقال الفاضل اليمني: إنما أكد القول الأول لتنزيلهم منزلة من أنكر إرسال الثلاثة لأنه قد لاح ذلك من إنكار الإثنين فعلى هذا يكون ابتداء إخبار بالنظر إلى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر وإنكارياً بالنظر إلى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر فنظر الزمخشري أدق من نظر السكاكي وإن قال السيد السند بالعكس، ويعلم ما فيه مما تقدم بأدنى نظر. وقال أجل المتأخرين الفاضل عبد الحكيم السيالكوتي: عندي أن ما ذكره السكاكي مبني على عطف {أية : فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } تفسير : [يس: 14] على {أية : فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا } تفسير : [يس: 14] والفاء للتعقيب فيكون الكلام صادراً عن الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث فكان كلاماً مع المنكرين فجاء مؤكداً، وقول الزمخشري / مبني على أنه عطف على {أية : إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }تفسير : [يس: 13] وأنه تفصيل للقصة المذكورة إجمالاً بقوله سبحانه: {إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } إلى قوله تعالى: {أية : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } تفسير : [يس: 14] فالفاء للتفصيل فقوله تعالى: {أية : فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ }تفسير : [يس: 14] بيان لقوله عز وجل: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ }تفسير : [يس: 14] فيكون ابتداء إخبار صدر من الاثنين قالوا بصيغة الجمع تقريراً لشأن الخبر وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا }تفسير : [يس: 15] الخ بيان لقوله تعالى: {أية : فَكَذَّبُوهُمَا} تفسير : [يس: 14] وقوله سبحانه: {رَبَّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} [يس: 16-17] بيان لقوله عز شأنه {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } فإن البلاغ المبين هو إثباتهم الرسالة بالمعجزات وهو التعزيز والغلبة ثم قال: ولا يخفى حسن هذا التفسير لموافقته للقصة المذكورة في التفاسير وملاءمته لسوق الآية فإنها ذكرت أولاً إجمالاً بقوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ }تفسير : [يس: 13] ثم فصلت بعض التفصيل بقوله تعالى: {أية : إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [يس: 13] إلى قوله سبحانه: {أية : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ }تفسير : [يس: 14] ثم فصلت تفصيلاً تاماً بقوله تعالى: {أية : قَالُواْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }تفسير : [يس: 16] إلى قوله تعالى: {أية : خَـٰمِدُونَ }تفسير : [يس: 29] وعدم احتياجه إلى جعل الفاء في {فَكَذَّبُوهُمَا } فصيحة بخلاف تفسير السكاكي فإنه يحتاج إلى تقدير فدعوا إلى التوحيد اهـ. ولا يخفى على المنصف أنه تفسير في غاية البعد والكلام عليه واصل إلى رتبة الإلغاز، ومع هذا فيه ما فيه، وأنا أقول: لا يبعد أن يكون الزمخشري أراد بكلامه أحد الاحتمالات التي ذكرت في توجيهه إلا أن ما ذهب إليه السكاكي أبعد عن التكلف وأسلم عن القيل والقال.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (17) - وَقَالَ الرُّسُلُ: إِنّ َمَهَمَّتَهُمْ تَنْحَصِرُ فِي إِبْلاَغِ رِسَالَةِ اللهِ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ القَرْيَةِ، فَإِنْ أَطَاعُوا فَازُوا بِرِضَا اللهِ وَجَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَإِنْ تَوَلُّوْا وأَعْرَضُوا وأَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ فَإِنَّ اللهَ سَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ الجَزَاءَ الأَوْفَى.