Verse. 3723 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

قَالُوْۗا اِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ۝۰ۚ لَىِٕنْ لَّمْ تَنْتَہُوْا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّـنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ اَلِــيْمٌ۝۱۸
Qaloo inna tatayyarna bikum lain lam tantahoo lanarjumannakum walayamassannakum minna AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا إنا تطيرنا» تشاءَمنا «بكم» لانقطاع المطر عنا بسببكم «لئن» لام قسم «لم تنتهوا لنرجمنكم» بالحجارة «وليمسنكم منا عذاب أليم» مؤلم.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب، فلما قال المرسلون: {أية : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } تفسير : [يس: 14] قالوا: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } تفسير : [يس: 15] ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا: {أية : رَبُّنَا يَعْلَمُ } تفسير : [يس: 16] أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين، وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب، حالفين مقسمين عليه، و «حديث : اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع» تفسير : فتشاءمنا بكم ثانياً، وفي الأول كما تركتم ففي الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا بسببكم فقالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقوله لنرجمنكم يحتمل وجهين أحدهما: لنشتمنكم منا لرجم بالقول وعلى هذا فقوله: {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ } ترق كأنهم قالوا ولا يكتفي بالشتم، بل يؤدي ذلك إلى الضرب والإيلام الحسي وثانيهما: أن يكون المراد الرجم بالحجارة، وحينئذٍ فقوله: {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ } بيان للرجم، يعني ولا يكون الرجم رجماً قليلاً نرجمكم بحجر وحجرين، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو عذاب أليم، ويكون المراد لنرجمنكم وليمسنكم بسبب الرجم عذاب منا أليم، وقد ذكرنا في الأليم أنه بمعنى المؤلم، والفعيل معنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال هو من باب قوله: {أية : عَيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] أي ذات رضا، فالعذاب الأليم هو ذو ألم، وحينئذٍ يكون فعيلاً بمعنى فاعل وهو كثير.

ابن كثير

تفسير : فعند ذلك قال لهم أهل القرية: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: لم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا. وقال قتادة: يقولون: إن أصابنا شر، فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية، إلا عذب أهلها {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ} قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم، {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: عقوبة شديدة، فقالت لهم رسلهم: {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ} أي: مردود عليكم؛ كقوله تعالى في قوم فرعون: {أية : فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاَۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 131] وقال قوم صالح: {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ} وقال قتادة ووهب ابن منبه: أي: أعمالكم معكم. وقال عز وجل: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَا لِهَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 78] وقوله تعالى: {أَءِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا، بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله، تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا } تشاءمنا {بِكُمْ } لانقطاع المطر عنا بسببكم {لَئِنْ } لام قسم {لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ } بالحجارة {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالُواْ إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تشاءَمنا بكم، وعساهم قالوا ذلك لسوء أصابهم، قاله يحيى بن سلام. قيل إنه حبس المطر عن أنطاكية في أيامهم. الثاني: معناه إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، قاله قتادة: تحذيراً من الرجوع عن دينهم. الثالث: استوحشنا منكم فيما دعوتمونا إليه من دينكم. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لنرجمنكم بالحجارة، قاله قتادة. الثاني: لنقتلنكم، قاله السدي. الثالث: لنشتمنكم ونؤذيكم، قاله النقاش. {وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه القتل. الثاني: التعذيب المؤلم قبل القتل. قوله عز وجل: {قَالُواْ طَآئِرَكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن أعمالكم معكم أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا، قاله قتادة. الثاني: أن الشؤم معكم إن أقمتم على الكفر إذا ذكرتم، قاله ابن عيسى. الثالث: معناه أن كل من ذكركم بالله تطيرتم به، حكاه بعض المتأخرين. الرابع: أن عملكم ورزقكم معكم، حكاه ابن حسام المالكي. {بَل أَنتُمْ قومٌ مُّسْرفُونَ} فيه وجهان: أحدهما: في تطيركم، قاله قتادة. الثاني: مسرفون في كفركم، قاله يحيى بن سلام. وقال ابن بحر: السرف ها هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون، ومنه قول الشاعر: شعر : إن امرأ سرف الفؤاد يرى عسلاً بماءِ غمامة شتمي تفسير : وقيل: إن شمعون من بينهم أحيا بنت ملك أنطاكية من قبرها، فلم يؤمن أحد منهم غير حبيب النجار فإنه ترك تجارته حين سمع بهم وجاءهم مسرعاً فآمن، وقتلوا جميعاً وحبيب معهم، وألقوا في بئر. قال مقاتل: هم أصحاب الرس: ولما عرج بروح حبيب إلى الجنة تمنى فقال {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بَمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}.

ابن عطية

تفسير : قال بعض المتأولين: إن أهل هذه القرية أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم المرسلين فلذلك {قالوا إنا تطيرنا بكم}، وقال مقاتل: احتبس عنهم المطر فلذلك قالوه، ومعناه تشاءمنا بكم، مأخوذ من الحكم بالطير، وهو معنى متداول في الأمم وقلما يستعمل تطيرت إلا في الشؤم، وأما حكم الطير عند مستعمليه ففي التيمن وفي الشؤم، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وهذا على نحو تطير قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى نحو ما خوطب به موسى، وقال قتادة: قالوا إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، و {لنرجمنكم} معناه بالحجارة، قاله قتادة، وقولهم عليهم السلام، {طائركم معكم}، معناه حظكم وما صار إليه من خير وشر معكم، أي من أفعالكم ومن تكسباتكم ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ببغيكم وكفركم، وبهذا فسر الناس، وسمي الحظ والنصيب طائراً استعارة أي هو مما تحصل عن النظر في الطائر، وكثر استعمال هذا المعنى حتى قالت المرأة الأنصارية: فطار لنا، حين اقتسم المهاجرون، عثمان بن مظعون، ويقول الفقهاء: طار لفلان في المحاصة كذا وكذا، وقرأ ابن هرمز والحسن وعمرو بن عبيد "طيركم معكم"، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر "أإن ذكرتم" بهمزتين الثانية مكسورة على معنى أإن ذكرتم تتطيرون، وقرأ نافع وأبوعمرو وابن كثير بتسهيل هذه الهمزة الثانية وردها ياء "أين ذكرتم"، وقرأ الماجشون "أن ذكرتم" بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "إن ذكرتم" بكسر الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وزر بن حبيش "أأن ذكرتم" بهمزتين مفتوحتين وشاهده قول الشاعر: [الطويل] شعر : أأن كنت داود بن أحوى مرجلاً فلست براع لابن عمك محرما تفسير : وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش "أينْ ذكَرتم" بسكون الياء وتخفيف الكاف. قال القاضي أبو محمد: فهي "أين" المقولة في الظرف، وهذه قراءة أبي جعفر وخالد وطلحة وقتادة والحسن في تخفيف الكاف فقط، ثم وصفهم بالإسراف والتعدي، وأخبر تعالى ذكره عن حال رجل {جاء من أقصى المدينة} سمع من المرسلين وفهم عن الله تعالى فجاء يسعى على قدميه وسمع قولهم فلما فهمه روي أنه تعقب أمرهم وسبرهم بأن قال لهم: أتطلبون على دعوتكم هذه أجراً؟ قالوا: لا، فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم و"الإيمان بهم" إذ هو الحق ثم احتج عليهم بقوله {اتبعوا من لا يسألكم أجراً} وهم على هدى من الله. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية حاكمة بنقص من يأخذ على شيء من أفعال الشرع التي هي لازمة كالصلاة ونحوها، فإنها كالتبليغ لمن بعث بخلاف ما لا يلزمه كالإمارة والقضاء، وقد ارتزق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروي عن أبي مجلز وكعب الأحبار وابن عباس أن اسم هذا الرجل حبيب وكان نجاراً وكان فيما قال وهب بن منبه قد تجذم، فقيل: كان في غار يعبد ربه، وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون، وذكر الناس من أسماء الرسل صادق وصدوق وشلوم وغير هذا والصحة معدومة فاختصرته.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَطَيَّرْنَا} تشاءمنا، أو معناه إن أصابنا شر فهو من أجلكم تحذيراً من الرجوع من دينهم {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} بالحجارة، أو الشتم والأذى أو لنقتلنكم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} القتل، أو التعذيب المؤلم قبل القتل.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ} لمَّا ضاقتْ عليهم الحِيلُ وعيتْ بهم العللُ {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} تشاءمنا بكم جرياً على دَيْدنِ الجَهَلةِ حيث كانُوا يتيَّمنون بكلِّ ما يُوافق شهواتِهم وإن كان مستجلباً لكلِّ شرَ ووبال ويتشاءُمون بما لا يُوافقها وإنْ كان مستتبعاً لسعادةِ الدَّارينِ أو بناء على أنَّ الدَّعوةَ لا تخلُو عن الوعيدِ بما يكرهونَه من إصابة ضُرَ ومتعلِّقٍ بأنفسهم وأهليهم وأموالِهم إنْ لم يُؤمنوا فكانوا ينفرون عنه. وقد رُوي أنَّه حُبس عنهم القطرُ فقالوه: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} أي عن مقالتِكم هذه {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} بالحجارةِ {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا يُقادرُ قَدرُه {قَالُواْ طَـٰئِرُكُم} أي سببُ شُؤمكم {مَّعَكُمْ} لا مِن قِبلنا وهو سوءُ عقيدتِكم وقبحُ أعمالكم. وقُرىء طَيركُم {أَئِن ذُكّرْتُم} أي وُعظتُم بما فيه سعادتُكم. وجوابُ الشَّرط محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله عليه أي تطيرتُم وتوعدتُم بالرَّجمِ والتَّعذيبِ. وقُرىء بألفٍ بـين الهمزتينِ وبفتحِ أنْ بمعنى أتطيرتُم لأنْ ذُكِّرتم وأنْ ذكِّرتم وإنْ ذُكِّرتم بغيرِ استفهام وأينَ ذُكِّرتم بمعنى طائركم معكم حيثُ جرى ذكركُم وهو أبلغُ {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} إضرابٌ عمَّا تقتضيه الشَّرطيَّةُ من كونِ التَّذكيرِ سبباً للشُّؤمِ أو مصحِّحاً للتوعد أي ليس الأمرُ كذلك بل أنتُم قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان فلذلك أتاكُم الشُّؤمُ أو في الظُّلمِ والعُدوانِ ولذلك تَوعدتُم وتَشاءمتُم بمن يجبُ إكرامُه والتَّبركُ به. {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} هو حبـيبٌ النَّجارُ وكان ينحتُ أصنامَهم وهو ممَّن آمنَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وبـينهما ستمائةُ سنةٍ كما آمنَ به تُبَّعُ الأكبرُ وورقةُ بنُ نوفلٍ وغيرُهما، ولم يُؤمِن بنبـيَ غيرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أحدٌ قبل مبعثِه. وقيل كان في غارٍ يعبدُ الله تعالى فلمَّا بلغه خبرُ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أظهرَ دينَه. {قَالَ} استئنافٌ وفع جواباً عن سُؤالٍ نشأ من حكايةِ مجيئهِ ساعياً كأنَّه قيل: فماذا قال عند مجيئِه فقيل قال: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} تعرض لعُنوانِ رسالتهم حثَّاً لهم على اتِّباعِهم كما أنَّ خطابَهم بـياقوم لتأليفِ قلوبِهم واستمالتِها نحو قبولِ نصيحتِه. وقوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} تكريرٌ للتأكيد وللتَّوسُّلِ به إلى وصفهم بما يرغِّبُهم في اتِّباعهم من التَّنزهِ عن الغرض الدُّنيويِّ والاهتداء إلى خير الدُّنيا والدِّينِ {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تلطُّفٌ في الإرشادِ بإيراده في معرض المُناصحةِ لنفسِه وإمحاض النُّصحِ حيثُ أراهم أنَّه اختارَ لهم ما يختارُ لنفسه. والمرادُ تقريعُهم على ترك عبادةِ خالقِهم إلى عبادةِ غيرِه كما يُنبىء عنه قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} مبالغةً في التَّهديدِ ثمَّ عاد إلى المساقِ الأوَّلِ فقال:

القشيري

تفسير : لنرجمنَّكم، ولنَصْنَعَنَّ، ولنفْعَلَنَّ.. فأجابهم الرسل: إنكم لجهلكم ولجحدكم سوف تـَلْقَوْنَ ما تُوعَدُون.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} لما ضاقت عليهم الحيل ولم يبق لهم علل {انا تطيرنا بكم} اصل التطير التفاؤل بالطير فانهم يزعمون ان الطائر السانح سبب للخير والبارح سبب الشر كما سبق فى النمل ثم استعمل فى كل ما يتشاءم به والمعنى انا تشاء منا بكم جريا على ديدن الجهلة حيث كانوا يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم ان كان مستجلبا لكل شر ووبال ويتشاءمون بكل ما لا يوافقها وان كان مستتبعا لسعادة الدارين. وقال النقشبندى قد تشاء منا بقدومكم اذا منذ قدمتم الى ديارنا ما نزل القطر علينا وما اصابنا هذا الشر الا من قبلكم اخرجوا من بيننا وارجعوا الى اوطانكم سالمين وانتهوا عن دعوتكم ولا تتفوهوا بها بعد. وكان عليه السلام يحب التفاؤل ويكره التطير والفرق بينهما ان الفأل انما هو من طريق حسن الظن بالله والتطير انما هو من طريق الاتكال على شئ سواه وفى الخبر حديث : لما توجه النبى عليه السلام نحو المدينة لقى بريدة بن اسلم فقال "من انت يا فتى" قال بريدة فالتفت عليه السلام الى ابى بكر فقال "برد امرنا وصلح" اى سهل ومنه قوله "الصوم فى الشتاء الغنيمة الباردة" ثم قال عليه السلام "ابن من انت يا فتى" قال ابن اسلم فقال عليه السلام لابى بكر رضى الله عنه "سلمنا من كيدهم " تفسير : وفى الفقه لو صاحت الهامة او طير آخر فقال رجل يموت المريض يكفر ولو خرج الى السفر ورجع فقال ارجع لصياح العقعق كفر عند البعض وفى الحديث "حديث : ليس عبد الا سيدخل فى قلبه الطيرة فاذا احس بذلك فليقل انا عبد الله ما شاء الله لا قوة الا بالله لا يأتى بالحسنات الا الله ولا يذهب بالسيئات الا الله اشهد ان الله على كل شئ قدير ثم يمضى بوجهه" تفسير : يعنى يمضى مارّا بوجهه اى بجهة وجهه فعدى يمضى بالباء لتضمين معنى المرور قالوا من تطيرنا تطيرا منهيا عنه حتى منعه مما يريده من حاجته فانه قد يصيبه ما يكرهه كما فى عقد الدر {لئن لم تنتهوا} والله لئن لم تمتنعوا عن مقالتكم هذه ولم تسكتوا عنا: وبالفارسية [واكر نه باز ايستيد ازدعواى خود] {لنرجمنكم} [الرجم: سنكسار كردن] اى لنرمينكم بالحجارة {وليمسنكم منا عذاب اليم} [وبشما رسد ازما عذابى دردنماى] اى لا نكفى برجمكم بحجر او حجرين بل نديم ذلك عليكم الى الموت وهو العذاب الاليم او ليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب مؤلم. وفسر بعضهم الرجم بالشتم فيكون المعنى لا نكتفى بالشتم بل يكون شتمنا مؤديا الى الضرب والايلام الحسى ـ حكى ـ ان دباغا مر بسوق العطارين فغشى عليه وسقط فاجتمع عليه اهل السوق وعالجوه بكل ما يمكن من الاشياء العطرة فلم يفق بل اشتد عليه الحال ولم يدر احد من اين صار مصروعا ثم اخبر اقرباؤه بذلك فجاء اخوه وفى كمه شئ من نجاسة الكلب فسحقه حتى اذا وصلت رائحته الى شمه افاق وقام وهكذا حال الكفار كما قال جلال الدين قدس سره فى المثنوى شعر : ناصحان او را بعنبر يا كلاب مى دوا سازند بهر فتح باب مر خبيثانرا نشايد طيبات در خورو لايق نباشد اى ثقات جون زعطر وحى كم كشتندوكم بدفغان شان كه تطيرنا بكم رنج وبيماريست مارا زين مقال نيست نيكو وعظتان مارا بفال كربيا غازيد نصحى آشكار ماكنيم آن دم شمارا سنكسار ما بلغوا ولهو فربه كشته ايم در نصيحت خويش را نسرشته ايم هست قوت مادروغ ولاف ولاغ شورش معده است مارا زين بلاغ هركرا مشك نصيحت سودنيست لا جرم بابوى بدخو كردنيست مشر كانرا ازان نجس خواندست حق كاندرون بشك زادند از سبق كرم كوزادست در سركين ابد مى نكرداند بعنبر خوى خود

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لما عجزوا عن إلزام الرسل، وسكتوا عن إقامة العذر عن قبول دعوتهم، ولم يبقَ لهم مهرب عن ذلك، تشبّثوا بذيل النفس والدنيا، وأقرّوا بالعجز عن ترك هذا الأدنى، وتعلّلوا أعذارهم في عدم الإيمان بالرسل، وقبول دعوة التكليف، بأن صحبة الهداة والمذكّرين شؤم لهم. ثم ما اكتفوا بذلك، حتى قابلوا أهل الله بالمجاهدة بالنزاع، والمخاصمة والرّجم والإيلام الشديد. وذلك كله لفساد العقل، ومحبة الباطل، وطاعة الهوى، وقبول دعوة الشيطان، لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء وسوء الظن بالله، وترْكِ التوكل وتكذيب الرسل، والاعراض عن الحق والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله، ومتابعة الشهوات، ومواصلة السيئآت، وإيثار الحظوظ، وترك العفة والقناعة، والتمسك بالملوك والظَّلَمَة، وتعلّق القلب بحب الدنيا، وهو رأس كل خطيئة، وبذر كل بليّة. فهذه كلها وأضعافها، من فروع وسوسة الشيطان، وترويجه الباطل في معرض الحق، فمن فتح على قلبه باب وسوسة الشيطان وترويجه، ولم يقمع فساده وشرّه عن قلبه، بالعقل الكامل، والبرهان النّير القدسي، الدالّ على خسّة الدنيا وحقارة طالبيها، أو بالسماع من أهل الله وأصحاب القلوب، المذكورين لخساسة الدنيا وزوالها، ووخامة عاقبة شهوة النفس وَوَبالها، فسوف يبتلى بهذه الآفات، ويقع في عرضة هذه البليّات، التي من جملتها التشؤم بصحبة الفقراء وأهل الدين، الذين هم ملوك الآخرة وسلاطينها، وخِدمتهم مفتاح أبواب الرحمة والسعادة، والوصولُ إلى صحبتهم مقصودُ الأولياء ومجهودُهم في الدعاء، كما في الصحيفة المَلَكوتية، لمولانا وسيدنا، زين العابدين، وسيد الساجدين، علي بن الحسين (عليهما السلام) من قوله: "اللهم حبّب إليَّ صحبة الفقراء، وأعنّي على صحبتهم بحسن الصبر". وقد أمر الله سبحانه، حبيبه (صلى الله عليه وآله) بصحبتهم، وحسن معاشرتهم، والصبر معهم، والإطالة في مجالستهم بقوله: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} تفسير : [الكهف:28] الآية. لأن في صحبتهم خير الدارين، وفي صحبة الجهّال وأهل الترفّه والتنعم شر الدارين، وصرف العمر في هوى النفس وطاعة الشيطان، وفساد الآخرة وَوَبالها، لِشؤْمِ اقتران عَبَدَة الهوى والأوثان، ولهذا قال حكايةً عن جواب رُسُله لأعدائه: {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَإِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يس:19]:

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} عمّا تقولون وهو الّذى تطيّرنا به {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ} علاوة عن الرّجم {مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} قد مضى هذه الكلمة مكرّرةً {أَإِن ذُكِّرْتُم} تطيّرتم او توعّدتم {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} فى جميع الامور فلا غرو فى ان تعذّبونا بعد ان تذكّرتم بانّا لا نقول الاّ الحقّ.

اطفيش

تفسير : {قالوا إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم وذلك ان المطر حبس عنهم، كما قال مقاتل او جاءهم الجذام مسرعا لما كذبوهم كما قال بعض او اخلفت كلمتهم كما اختار بعض قالوا اصابنا هذا بشؤمكم وهكذا عادة الجهال اذا كرهوا شيئا واصابهم شيء قالوا اصابنا هذا بشؤمة واذا اشتهوا شيئا واصابهم خيرا قالوا اصابنا ببركته ولما كرهوا ما جاءت به الرسل واستغربوه تشاءموا به، كما قالت القبط وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. وعن قتادة معنى ذلك ان اصابنا شيء كان من اجلكم. {لئن لم تنتهوا} عما تقولون. {لنرجمنكم} بالحجارة. {وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم} سبب شؤمكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم وقرىء طيركم أي طائركم فإن الطير بما اطلق على المفرد كما يطلق على الجماعة ذكره الزجاج وقرأ الحسن اطيركم بتشديد الطاء مفتوحة وتشديد الياء مكسورة والاصل تطيركم ابدلت التاء طاء وادغمت في الطاء فجيء بهمز الوصل. {معكم} ليس أتيا من غيركم وعن ابن عباس خصكم من خير او شر معكم او من افعالكم. {أئن ذكرتم} الهمزة للاستفهام التوبيخي وان شرطية والجواب محذوف أي أئن ذكرتم تطيرتم او كفرتم أو توعدتم بالتعذيب والرجم والهمزة الأولى تحقق والثانية تسهل كما لنافع أو تحقق كما لحمزة والكسائي وابن عامر وتدخل الف بينهما في الوجهين وتترك وقرىء بفتح الثانية فتكون ان مصدرية مقدرا قبلها لام التعليل المتعلق بمحذوف أي تطيرتم أئن ذكرتم او يقدر الفعل مؤخرا وقرىء ان ذكرتم بالفتح كذلك واسقاط همزة الاستفهام وقرىء بالكسرة والاسقاط وذلك على الاخبار والتذكير والوعظ والتخويف وقرىء أئن ذكرتم بتخفيف الكاف. قال جار الله شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم واذا شئتم المكان يذكرهم كان لحلولهم فيه أشأم. {بل أنتم قوم مسرفون} متجاوزا الحد بالشرك والمعاصي مع التمادي والاصرار فمن ذلك اتاكم الشؤم لا من قبل الرسل والتذكير او المراد الاسراف بالتشاؤم بمن يجب التبرك به من رسول.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} لما فشلوا وعجزوا {إنَّا تَطيَّرنا بكُم} أى نفرنا عنكم، إذ جئتمونا بما خالف هوانا ومعتادنا، وإذ جئتمونا بوعيد على مخالفتكم، وقد قيل: إنهم أقحطوا، وأسرع فيهم الجذام للتكذيب، وبما يورث الخلاف بيننا بعد ما كنا متفقين، وبافتتان الناس، وأصل التطير معاملة الطير بالإنهاض، فان طار يمينا مضوا فيما قصدوا من فعل كذا أو تركه، أو يسارا تركوا ما قصدوا أو بالعكس، ثم عم فى النفرة عن الشىء، والجاهل يتابع ما يهواه، ولو كان فيه شره وفى خلافه نجاته، وخيره، ومن تمام تطيرهم قولهم: {لئن لَم تنْتَهُوا} عن دعائكم لنا إلى التوحيد وتوابعه {لنرجُمنَّكُم} بالحجارة حتى نقتلكم. {وليمسَّنَّكم منَّا عذابٌ أَليمٌ} لا يغادر قدره تتمنون معه الموت، يعذبونهم هذا العذاب الأليم، ثم يرجمونهم، والواو لا تفيد الترتيب، أو نوقع فيكم الرجم ومس العذاب الأليم بعضكم بالرجم، وبعضكم بالعذاب الأليم المستمر، الذى تبقى معه الحياة، وقد قيل: أنه الحرق، وإن كان الرجم الشتم كما قيل عن مجاهد: إن الرجم فى القرآن كله الشتم، صح اجتماع بمعنى الشتم مع الإحراق بتقدمه على الإحراق، أو مع استمرار العذاب.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } لما ضاقت عليهم الحيل وعييت بهم العلل {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } أي تشاءمنا بكم جرياً على ديدن الجهلة حيث [كانوا] يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم وإن كان مستجلباً لكل شر ويتشاءمون بما لا يوافقها وإن كان مستتبعاً لكل خير أو بناء على أن الدعوة لا تخلو عن الوعيد بما يكرهونه من إصابة ضر إن لم يؤمنوا فكانوا ينفرون عنه، وقد قال مقاتل: إنه حبس عنهم المطر وقال آخر: أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم الرسل عليهم السلام، وقال ابن عطية ((إن تطير هؤلاء كان بسبب ما دخل فيهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس)) وأصل التطهير التفاؤل بالطير البارح والسانح ثم عم. وكان مناط التطير بهم مقالتهم كما يشعر به قوله تعالى: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ } أي عن مقالتكم هذه. {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} بالحجارة قاله قتادة وذكر فيه احتمالان احتمال أن يكون الرجم للقتل أي لنقتلنكم بالرجم بالحجارة واحتمال أن يكون للأذى أي لنؤذينكم بذلك، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قال: أي لنشتمنكم ثم قال: والرجم في القرآن كله الشتم. {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال في «البحر» ((وهو الحريق))، وقيل عذاب غيره تبقى معه الحياة، والمراد لنقتلنكم بالحجارة أو لنعذبنكم إذا لم نقتلكم عذاباً أليماً لا يقادر قدره تتمنون معه القتل، وقيل أريد بالعذاب الأليم العذاب الروحاني وأريد بالرجم بالحجارة النوع المخصوص من الأذى الجسماني فكأنهم قد رددوا الأمر بين إيذاء جسماني وإيذاء روحاني، وقيل أريد بالعذاب الأليم الجسماني وبالرجم العذاب والأذى الروحاني بناء على أن المراد به الشتم، وقيل غير ذلك.

ابن عاشور

تفسير : لما غلبتهم الحجة من كل جانب وبلغ قول الرسل { أية : وما علينا إلا البلاغ المبين } تفسير : [يس: 17] من نفوس أصحاب القرية مبلغ الخجل والاستكانة من إخفاق الحجة والاتسام بميسم المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه مقنعاً للرسل بترك دعوتهم ظنّاً منهم أن يدَّعونه شيء خفي لا قِبل لغير مخترعه بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيّروا بهم ولحقهم منهم شُؤْم، ولا بد للمغلوب من بارد العذر. والتطير في الأصل: تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يَتوهم منه أحد أنه كان سبباً في لحاق شر به فصار مرادفاً للتشاؤم. وفي الحديث: « حديث : لا عَدوى ولا طِيَرَة وإنما الطِيرَة على من تَطير » تفسير : وبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم. ومعنى {بكم} بدعوتكم، وليسوا يريدون أن القرية حلّ بها حادث سوء يعمّ الناس كلهم من قحط أو وباء أو نحو ذلك من الضرّ العام مقارن لحلول الرسل أو لدعوتهم، وقد جوزه بعض المفسرين، وإنما معْنى ذلك: أن أحداً لا يخلو في هذه الحياة من أن يناله مكروه. ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث إلى مقارناتها دون معرفة أسبابها ثم أن يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أموراً لا تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن يعينوا من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه وتقبله طباعهم يغالطون بذلك أنفسهم شأن أهل العقول الضعيفة، فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم كما حكى الله تعالى عن قوم فرعون: { أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يَطَّيَّروا بموسى ومن معه } تفسير : [الأعراف: 131] وحكَى عن مشركي مكة { أية : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } تفسير : [النساء: 78]. ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن دعوتهم أحدثت مشاجرات واختلافاً بين أهل القرية فلما تمالأت نفوس أهل القرية على أن تعليل كل حدث مكروه يصيب أحدهم بأنه من جراء هؤلاء الرسل اتفقت كلمتهم على ذلك فقالوا: {إنا تطيرنا بكم} أي يقولها الواحد منهم أو الجمع فيوافقهم على ذلك جميع أهل القرية. ثم انتقلوا إلى المطالبة بالانتهاء عن هذه الدعوة فقالوا: {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} وبذلك ألجأوا (بولس) و (برنابا) إلى الخروج من أنطاكية فخرجا إلى أيقونية وظهرت كرامة (بولس) في أيقونية ثم في (لسترة) ثم في (دربة). ولم يزل اليهود في كل مدينة من هذه المدن يشاقّون الرسل ويضطهدونهم ويثيرون الناس عليهم ويَلحقونهم إلى كل بلد يحلّون به ليشغبوا عليهم، فمسّهم من ذلك عذاب وضرّ ورُجم (بولس) في مدينة (لسترة) حتى حسبوا أن قد مات. ولام {لئن لم تنتهوا} موطئة للقسم حكي بها ما صدر منهم من قسم بكلامهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131] وذكرنا بعض الكلام عليه في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} تفسير : [النمل: 47] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {لئِن} (18) - فَقَالَ أَهْلُ القَرْيَةِ لِلرُّسُلِ: إِنَّهُمْ تَشَاءَمُوا (تَطَيَّرُوا) مِنْ وُجُودِهِمْ فِي القَرْيَةِ، لِمَا أَحْدَثُوهُ فِيهَا مِنْ الانْقِسَامِ والشِّقَاقِ والاخْتِلاَفِ حَوْلَ الدَّعْوَةِ، إِذ اتَّبَعَهُمْ أُنَاسٌ مِنْهُمْ، وَتَفَرَّقَتْ الكَلِمَةُ. ثُمَّ هَدَّدُوهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَكُفُّوا عَنْ بَثِّ الدَّعْوَةِ بَيْنَهُمْ قَتَلُوهُمْ رَجماً بِالحِجَارَةِ، أو أَلْحَقُوا بِهِم الأَذَى والعَذَابَ الأَلِيمَ. تَطَيَّرْنَا بِكُمْ - تَشَاءَمْنَا مِنْكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأنهم يقولون للرسل: ما دُمْتم كذبتم على الله وقًلْتم {أية : رَبُّنَا يَعْلَمُ..} تفسير : [يس: 16] في أمور نظنكم فيها كاذبين، فقد تطيَّرنا بكم يعني: تشاءمنا. والتطيُّر من الطَّيَرة. وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد الواحد منهم عمل شيء، يأتي إلى طير فيزجره ويُطلقه، فيرى إلى أين يطير: فإنْ طار إلى اليمين أمضى ما ينوي عليه، وإنْ طار إلى اليسار أمسك وتشاءم، وقد حَرَّم الإسلامُ هذه العادة ونهى عنها. وقولهم {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} [يس: 18] أي: عما تقولونه من أنكم مُرْسَلُون بمنهج {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 18] فجمعوا عليهم الرجم والعذاب الأليم، والرجم غير العذاب، الرجم رَمْيٌ بالحجارة حتى الموت، فهو إنهاء للعذاب؛ لأن التعذيب إيلام حي، فمَنْ مات لا يستطيع أنْ تُعذِّبه، لذلك قالت العرب: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. لذلك لما ادَّعى أحد القضاة أن القرآن ليس فيها نَصٌّ على الرجم: قلنا لهم: صحيح، ليس في القرآن آية تنص على الرجم، لكن أيهما أقوى في التقنين: الكلام أم الفعل؟ أيهما يُعَدُّ حُجة؟ لا شكَّ أن الفعل أقوى حجة، لأن الكلام يمكن أنْ يؤوَّل، أمَّا الفعل فلا تأويل فيه، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الرجم في ماعز والغامدية. إذن: الاحتجاج هنا ليس بالنصِّ القولي، إنما الفعل من رسول الله الذي فوَّضه الله في أنْ يشرع، وأمرنا بطاعة أوامره، فقال سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7] والحق سبحانه لا يأمرنا هذا الأمر إلا إذا كان قد ترك لرسول الله أموراً يُشرعها. وهذه من ميزاته صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل، فكل رسول ما عليه إلا أنْ يُبلِّغ الحكم كما جاءه من الله، أما سيدنا رسول الله فأُمِر أن يُبلِّغَ عن الله، وترك له بعض الأمور، وفوّض أنْ يشرِع فيها. لذلك جاءت هذه الآية: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. لذلك حين نستقرئ آيات الطاعة تجد القرآن يقول مرة: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المائدة: 92]. ويقول في آية أخرى: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} تفسير : [آل عمران: 132]. ويقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 59]. فتكرار الفعل (أَطِيعُوا) يعني: أن الجهة مُنفكة، فلله تعالى أمر وللرسول أمر، يعني: أطيعوا الله في التقنين الإجمالي العام، وأطيعوا الرسول في تفصيل ما أجمل، ففي الزكاة مثلاً جاء الأمر العام بأداء الزكاة، لكن لم يحدد الحق سبحانه له نصاباً، هذا النِّصَاب بيَّنه سيدنا رسول الله. إذن: لله فيها أمر، وللرسول أمر. أما إن جاء الأمر (وأطيعوا) واحداً وعطف رسول الله على الله، ولم تُكرر الطاعة مع المطاع، فاعلم أنَّ الأمر واحد قاله الله وقاله رسول الله، فطاعة المطاع الثاني من باطن طاعة المطاع الأول، كما في قوله سبحانه: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59] فلم يقُل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، وليس لهم طاعة مستقلة منفصلة، بل طاعتهم في ظِلِّ طاعة الله وطاعة رسول الله. إذن: الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإنْ قال قائل: نريد أنْ نسمع كلام الله في هذه المسألة نقول: نعم، هناك كلام بالنصِّ وكلام باللازم، والحق سبحانه حين تكلم عن الإماء في هذه المسألة قال: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25]. والعذاب كما قلنا: إيلام حَيٍّ أمَّا الرجم فهو إنهاء للحياة، وإنهاء للعذاب؛ لذلك بيَّن الحق سبحانه أن النصف للعذاب، وهنا يُخرِج الرجم؛ لأن الرجم لا يُنصَّف. إذن: فالنصف ليس على الإطلاق وكونه يخصُّ هنا العذاب، فهذا يعني أنَّ عليهن الرجم أيضاً كاملاً، لا يُنصَّف. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} تفسير : [النمل: 21] إذن: العذاب غير الذبح وغير القتل. وقولهم: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} [يس: 18] الرجم قد يُطلق على القول، لنرجمنَّكم بالقول، وقد يكون الرجم على حقيقته بشدة حتى الموت، أو بهوادة، فيُراد منه الإيلام.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} معناه تَشأمنا بِكُمْ.

همام الصنعاني

تفسير : 2470- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ}: [الآية: 18]، قَال: يقولون إن أصابَنَا شر فهوَ بكم {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم}: [الآية: 19]، تطيرتم بنا.