٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم أجابهم المرسلون بقولهم: {قَالُواْ طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ } أي شؤمكم معكم وهو الكفر. ثم قالوا: {أَئن ذُكَّرْتُم } جواباً عن قولهم: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ } يعني أتفعلون بنا ذلك، وإن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } حيث تجعلون من يتبرك به كمن يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب في حقه الإكرام أو {مسرفون} حيث تكفرون، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز والبرهان، فإن الكافر مسيء فإذا تم عليه الدليل وأوضح له السبيل ويصر يكون مسرفاً، والمسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد وهم كانوا كذلك في كثير من الأشياء، أما في التبرك والتشاؤم فقد علم وكذلك في الإيلام والإكرام، وأما في الكفر فلأن الواجب اتباع الدليل، فإن لم يوجد به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه وهم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان، فإن قيل بل للإضرار فما الأمر المضرب عنه؟ نقول يحتمل أن يقال قوله: {أَئن ذُكَّرْتُم } وارد على تكذيبهم ونسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } تفسير : [يس: 15] فكأنهم قالوا: أنحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مشؤومون، وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مستحقون للرجم والإيلام، وإن بينا صحة ما أتينا به، لا بل أنتم قوم مسرفون وأما الحكاية فمشهورة، وهي أن عيسى عليه السلام بعث رجلين إلى أنطاكية فدعيا إلى التوحيد وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فحبسهما الملك، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك ولم يدع الرسالة، وقرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير، ثم قال له: إني أسمع أن في الحبس رجلين يدعيان أمراً بديعاً، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما؟ قال الملك: بلى، فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقة، فقال لهما شمعون: فهل لكما بينة؟ قالا: نعم، فأبرآ الأكمة والأبرص وأحييا الموتى، فقال شمعون: أيها الملك، إن شئت أن تغلبهم، فقال للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئاً من ذلك، قال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تقدر ولا تعلم، فقال شمعون: فإذن ظهر الحق من جانبهم، فآمن الملك وقوم وكفر آخرون، وكانت الغلبة للمكذبين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ طَٰئِرُكُم } شؤمكم {مَّعَكُمْ } بكفركم {أَئِنْ} همزة استفهام دخلت على إن الشرطية وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى { ذُكِّرْتُم } وُعظتم وخوِّفتم؟ وجواب الشرط محذوف، أي تطيرتم وكفرتم وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } متجاوزون الحد بشرككم.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَآئِرُكُم مَّعَكُمْ} الشؤم إن أقمتم على الكفر إذا ذكِّرتم أو أعمالكم معكم إن ذكِّرتم بالله تطيرتم، أو كل من ذكَّركم بالله تطيرتم. {مُّسْرِفُونَ} في تطيركم، أو كفركم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} اى المرسلون لاهل انطاكية {طائركم} اى سبب شؤمكم {معكم} لا من قبلنا وهو سوء اعتقادكم وقبح اعمالكم فالطائر بمعنى ما يتشاءم به مطلقا {أئن ذكرتم} بهمزتين استفهام وشرط اى وعظتم بما فيه سعادتكم وخوّفتم: وبالفارسية [آيا اكربند داده مى شويد] وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه اى تطيرتم او توعدتم بالرجم والتعذيب {بل انتم قوم مسرفون} اضراب عما تقضيه الشرطية من كون التذكير سببا للشؤم او مصححا للتوعد اى ليس الامر كذلك بل انتم قوم عادتكم الاسراف فى العصيان والتجاوز فيه عن الحد فلذلك اتاكم الشؤم او فى الظلم والعدوان ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب اكرامه والتبرك به. وهؤلاء القوم فى الحقيقة هم النفس وصفاتها فانها اسرفت فى موافقة الطبع ومخالفة الحق فكل من كان فى يد مثل هذه النفس فهو لا يبالى بالوقوع فى المهالك ولا يزال يدعو الناس الى ما سلكه من شر المسالك شعر : هركرا باشد مزاج وطبع سست او نخواهد هيج كس را تن درست تفسير : وكل من تخلص عنها وزكاها افلح هو ومن تبعه ولذا وعظ الانبياء والاولياء وذكروا ونبهوا الناس على خطاهم واسرافهم وردوهم عن طريقة اسلافهم ولكن الذكرى انما تنفع المؤمنين ـ حكى ـ ان غلام الخليل سعى بالصوفية الى خليفة بغداد وقال انهم زنادقة فاقتلهم ولك ثواب جزيل فاحضرهم الخليفة وفيهم الجنيد والشبلى والنورى فامر بضرب فتقدم ابو الحسين النورى فقال السياف أتدرى الى ما تبادر فقال نعم فقال وما يعجلك فقال اوثر اصحابى بحياة ساعة فتحير السياف وانهى الامر الى الخليفة فتعجب الخليفة ومن عنده من ذلك فامر بان يختبر القاضى حالهم فقال القاضى يخرج الىّ واحد منهم حتى ابحث معه فخرج اليه ابو الحسن النورى فالقى اليه القاضى مسائل فقهية فالتفت عن يمينه ثم التفت عن يساره ثم اطرق ساعة ثم اجابه عن الكل ثم اخذ يقول بعد فان لله عبادا اذا قاموا قاموا بالله واذا انطقوا نطقوا بالله وسرد كلاما ابكى القاضى ثم سأله القاضى عن التفاته فقال سالتنى عن المسائل ولا اعلم لها جوابا فسألت عنها صاحب اليمين فقال لا علم لى ثم سألت صاحب الشمال فقال لا علم لى فسألت قلبى فاخبرنى قلبى عن ربى فاجبتك بذلك فارسل القاضى الى الخليفة ان كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الارض مسلم [خليفة ايشانرا بخواند وكفت حاجتى خواهيد كفتند حاجت ما آنست كه مارا فراموش كنى نه بقبول خود مارا مشرف كردانى نه برد مهجور كه مارا رد توجون قبول تست خليفة بسياربكريست اوايشانرا باكرامى تمام روانه كرد جون در نهاد خليفة وقاضى عدل وانصاف سرشته مى شد لا جرم بجانب حق ميل كردند ودر حق صوفيه محققين طريقه ظلم واسراف سالك نشدند] عصمنا الله واياكم من مخالفة الحق الصريح بعد وضوحه بالبرهان الصحيح
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قريء "طَيْرُكُم معكم" أي: سببُ شؤْمِكُم معكم، وهو الكفر، أو أسباب شؤمكم معكم، وهو الكفر والمعاصي، فإن رأس الشقاوة الأبدية الكفر مع الجحود، لأنه جهل مضادٌّ لليقين، وبعده المعاصي والأعمال القبيحة، كما أن رأس السعادات الأبدية، الإيمان الحقيقي، لأنه ضَرْبٌ من العلم اليقيني بالأمور الإلهية، وأحوال المبدء والمعاد، لأن معنى السعادة، إدراكُ الخير والملائم، وخير الخيرات هو الله سبحانه، وملائكته ورسله، وأولياؤه وعباده الصالحون، فإدراكه وإدراك مقرّبيه ومعتكفيه، ألذ الخيرات وأشرف السعادات، وبعد هذه السعادة الذاتية، السعادة الحاصلة من فعل الحسنات، لأنها توجب الفوز بدرجات الجنان، والنجاة من عذاب يوم القيامة والنيران. فإذا تقرّر أن السعادة والشقاوة، بحسب العلم والجهل، ذاتيّتان أزلاً وأبداً، مخلّدَتان دائماً سَرْمداً، وبحسب الأعمال والأفعال تترتب عليهما المكافأة، والمجازاة، وتتقدر بِحسَبهما المثُوباتُ والعُقُوبات بقوله: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [التوبة:95]. فلا شؤمَ كشؤمِ الكفر، ثم المعاصي. ولا خير كخير الإيمان، ثم الحسنات، إلاّ أن هذه المسألة مع وضوحها وإنارتها، قد خفِيَت على أكثر الأذهان، لاشتغالهم بما يلهيهم عن الذكر، وينسيهم عن طلب السعادة، وترك الشقاوة، ولذا قال: "أئِنْ ذُكِّرتم"، معناه إن تدبّرتم عرفتُم صحة ما قلناه، وقيل معناه: "إن ذُكّرتُم تطيَّرتُم بِمَا مَعكم". وقريء: "أإن ذكرتم" بهمزة الاستفهام، "وإن" الشرط. وقريء: "آإن ذكرتم" - بألف بينهما - بمعنى "أتطيَّرون إن وُعِظْتُم". وقريء: "أأنَ ذكرتم" - بأن الناصبة بعد الهمزة الاستفهامية - بمعنى "أتطيُّركم لأن ذكرتم". وقريء: "أنْ" الناصبة بغير استفهام، فيكون إخباراً، أي "تطيَّرتُم بأنفسكم لأن ذكرتم". وقريء: "أين ذكرتم" - على التخفيف - أي شؤمكم لازم معكم، بحيث يسري في كل مكان ذُكِّرتُم، وذلك يُتصور بوجهين: إما بأن كانوا إذا ذُكِرَت اسماؤهم، لُعِنوا وشُتِموا وشُئِموا بهم، لقبح أفعالهم وسوء أعمالهم، وابدائهم الظلم والبدعة كأمَراءِ الجَور، وإما بأن كان ذكرُهم يؤدي إلى الوحشة والغيبة والعداوة والبغضاء بين الناس، وإلاّ فصيرورة المكان مشؤوماً بمجرد ذكر طائفة - كما فسّره صاحب الكشاف - حيث قال: "وإذا شؤم المكان بذكرهم كانوا بحلولهم فيه أشأم"، فلا وجه له ظاهراً، لأن المكان لو شؤم بذكر الكفار والظلمة، فما من مكان ومَجْمع، كالمساجد والمساكن الشريفة، إلاّ وقد يُذكر فيها أحياناً الكفارُ الأشرار، خصوصاً إذا كانوا ملوكاً وأمراء في الدنيا، فتُذكر اسماؤهم في كل مجمع، بفنون من الذكر مدحاً وذَمَاً، فيلزم أن يكون أكثر المجامع مشؤوماً. ثم ذكر سبب شؤمهم، ومبدأ شرهم، وهو إفسادهم لفساد عقولهم بقوله: "بل أنتم قوم مسرفون"، لأن "الإسراف" في اللغة: الإفساد، ومجاوزة الحد "والسرف": الفساد، ومعناه: ليس فيها ما يوجب التشؤم بنا، ولكنكم متجاوزون عن الحد في التكذيب والمعصية، فمِن قَبلِكُم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو (قيل): بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم، متمادون في غيّكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرّك بهم، واستفاضة الخير من صحبتهم، من رسل الله وأوليائه، المذكرّين بالله، وسبيل العافية، والدار الآخرة، فغاية منشأ الشؤم، التشؤم بما يجب التبرّك به، كما أن غاية الجهل، عناد أهل العلم والمعلمين، وغاية الضلال معاداة أهل الهداية والهادين.
الهواري
تفسير : {قَالُوا طَآئِرُكُم مَّعَكُمْ} أي: عملكم معكم {أَئِن ذُكِّرْتُم} أي: ائن ذكَّرناكم بالله تطيّرتم بنا، على الاستفهام. ومقرأ العامة بالتشديد: {أَئِن ذُكِّرْتُم} {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي: مشركون. قوله: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ} يعني أنطاكية {رَجُلٌ يَسْعَى} أي: يسرع؛ وهو حبيب النجار. {قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لآ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} أي: خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. {ءَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً} على الاستفهام {إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ} يعني الآلهة {شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} من ضرر {إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يعني في خسران بيّن {إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}. وتفسير مجاهد غير هذا. قال مجاهد: كان رجلاً من قوم يونس وكان به جذام فكان يطيف بآلهتهم يدعوها فلم تغن عنه شيئاً. فبينما هو يوماً كذلك إذ مرّ بجماعة فدنا منهم، فإذا نبيّ الله يدعوهم إلى الهدى؛ وقد قتلوا قبله اثنين فدنا منه. فلما سمعَ كلام النبي قال له: يا عبد الله، إن معي ذهباً فهل لك أن تأخذه مني وأتّبعك فتدعو الله أن يشفيني. قال له: اتّبعني ولا حاجة لي في ذهبك، وأنا أدعو الله لك فيشفيك. قال: فدعا الله، فبَرأ. فقال: {قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً} لما كان عرض عليه من الذهب فلم يقبله منه، {وَهُم مُّهْتَدُونَ} وما لي لا أعبد الذي فطرني، أي: خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: بعد الموت {ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي: لما كان يدعو آلهتهم لما به من الجذام فلم تغن عنه شيئاً {وَلاَ يُنقِذُونِ} أي: من ضر. يعني الجذام الذي كان به. {إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} أي: فاسمعوا قولي، أي: فاقبلوه. ودعاهم إلى الإِيمان. وليس هذا الحرف من تفسير مجاهد. فأخذه قومه فقتلوه.
اطفيش
تفسير : {قالُوا} أى المرسلون رضى الله عنهم {طائركم مَعَكم} سبب شؤمكم معكم، وهو كفركم، اعتقادا أو نطقا، وقبح أعمالكم، وعن ابن عباس: الطائر الشؤم، وأما نحن فيمننا معنا: التوحيد والعمل الصالح، وندعوا اليهما، ولنا الخير بذلك، ويجوز تفسير طائر بما يعم الخير والشر طائركم هو معكم، من اعتقادكم وأقوالكم ان خيرا فخير، وان شرا فشر {أئن ذُكرتم} ذكرناكم نحن أو غيرنا: اذا اجتمع الاستفهام والشرط أجيب الشرط عند يونس، ووجهه انسحاب الاستفهام عليه وعلى أداته وجوابه، فم يحتج الى جواب مخصوص له، فيقدر أين ذكرتم تنطيروا أو تتوعدوا بحذف النون، أو تطيرتم أو توعدتم بماض مجزوم المحل، وقال سيبويه: يجاب الاستفهام فيرفع تتطيرون أو تتوعدون المقدر بثبوت النون، أو يقدر ماض غير مجزوم المحل، ويغنى جوابه عن جواب الشرط، فهو فى نية التقديم، أى أتتطيون أو أتتوعدون ان ذكرتم، واذا قدر مقدما هكذا لم يجزم بأداة الشرط قطعا، وشهر أنه يحذف جواب ما تأخر من شرط أو قسم. {بل أنتُم قَوْمٌ مُسْرفون} مستغرقون فى الإسراف، وهو مجاوزة الحد فى الشر، فمن إسرافكم هذا جاءكم الشؤم، لا من جهة المرسلين، بل كم اليمن من جهتم لو اتبعتموهم، وبل للإضراب الإبطالى عما توهموا أن الشؤم من جهة المرسلين، وذكروا لفظ قوم تأكيدا فى تعبيرهم بأنهم توافقوا على الإسراف.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ } أي الرسل رداً عليهم {طَائِرُكُمْ } أي سبب شؤمكم {مَّعَكُمْ } لا من قبلنا كما تزعمون وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه فسر الطائر بنفس الشؤم أي شؤمكم معكم وهو الإقامة على الكفر / وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعوا إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخير والبركة، وعن أبـي عبيدة والمبرد {طَائِرُكُمْ } أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر (معكم) من أفعالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقرأ الحسن وابن هرمز وعمرو بن عبيد وزر بن حبش {طيركم} بياء ساكنة بعد الطاء، قال الزجاج: الطائر والطير بمعنى، وفي «القاموس» ((الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد)) وذُكر أن الطير لم يقع في القرآن الكريم إلا جمعاً كقوله تعالى: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ }تفسير : [النور: 41] فإذا كان في هذه القراءة كذلك فطائر وإن كان مفرداً لكنه بالإضافة شامل لكل ما يتطير به فهو في معنى الجمع فالقراءتان متوافقتان، وعن الحسن أنه قرأ {اطَّيركم} مصدر اطَّير الذي أصله تطير فأدغمت التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر. {أَإن ذُكّرْتُم } بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة إن الشرطية حققها الكوفيون وابن عامر وسهلها باقي السبعة. واختلف سيبويه ويونس فيما إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب فذهب سيبويه إلى إجابة الاستفهام أي تقدير المستفهم عنه وكأنه يستغنى به عن تقدير جواب الشرط فالمعنى عليه أئن ذكرتم ووعظتم بما فيه سعادتكم تتطيرون أو تتوعدون أو نحو ذلك ويقدر مضارع مرفوع وإن شئت قدرت ماضياً كتطيرتم. وذهب يونس إلى إجابة الشرط وكأنه يستغني به عن إجابة الاستفهام وتقدير مصب له فالتقدير أئن ذكرتم تتطيروا أو نحوه مما يدل عليه ما قبل ويقدر مضارع مجزوم وإن شئت قدرت ماضياً مجزوم المحل. وقرأ زر بهمزتين مفتوحتين وهي قراءة أبـي جعفر وطلحة إلا أنهما لينا الثانية بين بين، وعلى تحقيقهما جاء قول الشاعر:شعر : أإن كنت داود بن أحوى مرجلاً فلست براع لابن عمك محرماً تفسير : فالهمزة الأولى للاستفهام والثانية همزة إن المصدرية والكلام على تقدير حرف لام الجر أي ألأن ذكرتم تطيرتم. وقرأ الماجشون يوسف بن يعقوب المدني بهمزة واحدة مفتوحة فيحتمل تقدير همزة الاستفهام فتتحد هذه القراءة والتي قبلها معنى، ويحتمل عدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر، وهو على ما قيل مسوق للتعجب والتوبيخ، وتقدير حرف الجر على حاله، والجار متعلق بمحذوف على ما يشعر به كلام «الكشاف» أي تطيرتم لأن ذكرتم، وقال ابن جني إن {ذُكّرْتُم } على هذه القراءة معمول {طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ } فإنهم لما قالوا {أية : إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ }تفسير : [يس: 18] أجيبوا بل طائركم معكم إن ذكرتم أي هو معكم لأن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير عن المسبب الذي هو الانتهاء كما وصفوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيب الغراب أو بروحه. وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسورة وفي ذلك احتمالان تقدير الهمزة فتتحد هذه القراءة وقراءة الجمهور وعدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر والجواب محذوف لدلالة ما قبل عليه وتقديره كما تقدم، وقرأ أبو عمرو في رواية وزر أيضاً بهمزتين مفتوحتين بينهما مدة كأنه استثقل اجتماعهما ففصل بينهما بألف وقرأ أيضاً أبو جعفر والحسن وكذا قرأ قتادة والأعمش وغيرهما {أَيْنَ} بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون {ذُكّرْتُم } بتخفيف الكاف على أن أين ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة {طائركم} عليه على ما قيل أي أين ذكرتم صحبكم طائركم والمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم وفيه من المبالغة بشؤمهم ما لا يخفى. وفي «البحر» من جوز تقديم الجزاء على الشرط وهم الكوفيون وأبو زيد والمبرد يجوز أن يكو الجواب {طائركم معكم} وكان أصله أين ذكرتم فطائركم معكم فلما قدم حذفت الفاء. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أي عادتكم / الإسراف ومجاوزة الحد في العصيان مستمرون عليه فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله تعالى وتذكيرهم فهو إضراب عما يقتضيه قوله تعالى: {أَإن ذُكّرْتُم } من إنكار أن يكون ما هو سبب السعادات أجمع سبب الشؤم لأنه تنبيه وتعريك إلى البت عليهم بلزام الشؤم وإثبات الإسراف الذي هو أبلغ وهو جالب الشؤم كله أو بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من الهداة لدين الله تعالى فهو إضراب عن مجموع الكلام أجابوهم بأنهم جعلوا أسباباً للسعادة مدمجين فيه التنبيه على سوء صنيعهم في الحرمان عنها ثم أضربوا عنه إلى ما فعل القوم من التعكيس لما يقتضيه النظر الصحيح فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : حكي قول الرسل بما يرادفه ويؤدي معناه بأسلوب عربي تعريضاً بأهل الشرك من قريش الذين ضربت القرية مثلاً لهم، فالرسل لم يذكروا مادة الطيرة والطير وإنما أتوا بما يدل على أن شؤم القوم متصل بذواتهم لا جاءٍ من المرسلين إليهم فحكي بما يوافقه في كلام العرب تعريضاً بمشركي مكة وهذا بمنزلة التجريد لضرب المثل لهم بأن لوحظ في حكاية القصة ما هو من شؤون المشبَّهين بأصحاب القصة. ولما كانت الطيرة بمعنى الشؤم مشتقة من اسم الطير لوحظ فيها مادة الاشتقاق. وقد جاء إطلاق الطائر على معنى الشؤم في قوله تعالى في سورة الأعراف (131): { أية : ألا إنما طائرهم عند اللَّه } تفسير : على طريقة المشاكلة. ومعنى {طائركم معكم} الطائر الذي تنسبون إليه الشؤم هو معكم، أي في نفوسكم، أرادوا أنكم لو تدبرتم لوجدتم أن سبب ما سميتموه شؤماً هو كفركم وسوء سمعكم للمواعظ، فإن الذين استمعوا أحسن القول اتبعوه ولم يعْتَدُوا عليكم، وأنتم الذين آثرتم الفتنة وأسعرتم البغضاء والإِحن فلا جرم أنتم سبب سوء الحالة التي حدثت في المدينة. وأشار آخرُ كلامهم إلى هذا إذ قالوا: {أإن ذكرتم} بطريقة الاستفهام الإِنكاري الداخل على {إِنْ} الشرطية، فهو استفهام على محذوف دلّ عليه الكلام السابق، وقُيّد ذلك المحذوف بالشرط الذي حذف جوابه أيضاً استغناء عنه بالاستفهام عنه، وهما بمعنى واحد، إلا أن سيبويه يرجّح إذا اجتمع الاستفهام والشرط أن يؤتى بما يناسب الاستفهام لو صرح به، فكذلك لمَّا حُذف يكون المقدَّر مناسباً للاستفهام. والتقدير: أتتشاءمون بالتذكير إنْ ذُكرتم، لما يدل عليه قول أهل القرية { أية : إنا تطيرنا بكم } تفسير : [يس: 18]، أي بكلامكم وأبطلوا أن يكون الشؤم من تذكيرهم بقولهم: {بل أنتم قوم مسرفون} أي لا طيرة فيما زعمتم ولكنكم قوم كافرون غشيت عقولكم الأوهام فظننتم ما فيه نفعكم ضرّاً لكم، ونُطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد. ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت. وقرأ الجمهور {أإن ذكرتم} بهمزة استفهام داخلة على {إنْ} المكسورة الهمزة الشرطية وتشديد الكاف. وقرأه أبو جعفر {أأن ذكرتم} بفتح كلتا الهمزتين وبتخفيف الكاف من {ذكرتم}. والاستفهام تقرير، أي ألأِجلِ إن ذكرنا أسماءَكم حين دعوناكم حلّ الشؤم بينكم كناية عن كونهم أهلاً لأن تكون أسماؤهم شؤماً. وفي ذكر كلمة {قوم} إيذان بأن الإِسراف متمكن منهم وبه قِوام قوميتهم كما تقدم في قوله: { أية : لآيات لقوم يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164).
د. أسعد حومد
تفسير : {طَائِرُكُم} {أَإِن} (19) - فَقَالَ الرُّسُلُ لأَِهْلِ القَرْيَةِ الذِينَ يُجَادِلُونَهُمْ: إِنَّ كُفْرَكُم وَأَفْعَالَكُم القَبِيحَةَ هِيَ سَبَبُ شُؤْمِكُم، أَمَّا نَحْنُ فَلاَ شُؤْمَ مِن قِبَلِنَا، فَنَحْنُ لَمْ نَفْعَلْ غَيْرَ الدَّعْوَةِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ. أَتُقَابِلُونَنَا بِمِثْلِ هَذَا الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، لأَِنَّنا وَعَظْنَاكُمْ وَدَعَوْنَاكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ؟ إِنَّكُمْ بِلاَ شَكٍّ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ مُتَجَاوِزُونَ الحَدَّ فِي الضَّلاَلَةِ والطُّغْيَانِ.. طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ - شُؤْمُكُمْ هُوَ كُفْرُكُمُ المُصَاحِبُ لَكُمْ. أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ - تَطَيَّرتُمْ بِسَبَبِ مَا وُعِظْتُمْ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {طَائِرُكُم} [يس: 19] يعني: تشاؤمكم {مَّعَكُمْ} [يس: 19] أي: ملازم لكم، والمراد هنا الكفر، والهمزة الأولى في {أَئِن} [يس: 19] للاستفهام و (إنْ) أداة شرط وجوابها محذوف تقديره: أئن ذُكِّرتم بالله وبمنهج خالقكم، وبما يُسعدكم في دنياكم تكون النتيجة أنمن تهددون المذكِّر لكم بالرجم وبالعذاب الأليم، بدل أنْ تتبركوا به وتُعينوه وتتبعوا ما جاءكم به. {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يس: 19] يعني: متجاوزون للحدِّ؛ لأن الأمر بيننا وبينكم لم يخرج عن كونه مناظرة كلامية لم نتعدَّ فيها حدود البلاغ بأننا مُرْسَلون إليكم، فكانت النتيجة أنْ قابلتم المناظرة الكلامية بهذا الفعل القاسي المسرف المتجاوز للحدِّ، حيث جمعتم علينا الرجْم والعذاب الأليم. في هذه الأثناء، ماذا حدث؟ {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} [معناه] حَظُّكُمْ من الخَيرِ والشَّرِ. وقال: طَائرِ الرَّجلِ: عَملُهُ. وقال: كِتابُهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):