Verse. 3725 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

وَجَاۗءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدِيْنَۃِ رَجُلٌ يَّسْعٰى قَالَ يٰقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِيْنَ۝۲۰ۙ
Wajaa min aqsa almadeenati rajulun yasAAa qala ya qawmi ittabiAAoo almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاء من أقصا المدينة رجل» هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل ومنزله بأقصى البلد «يسعى» يشتد عدوا لما سمع بتكذيب القوم الرسلَ «قال يا قوم اتبعوا المرسلين».

20

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي، وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ } فيه بلاغة باهرة، وذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة وثانيهما: أن ضرب المثل لما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعى المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا، ووصول الجزاء الأوفى إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التفسير مسائل. المسألة الأولى: قوله: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ } في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان الأولى: أن يكون تعظيماً لشأنه أي رجل كامل في الرجولية: الثانية: أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب الله، ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته. المسألة الثانية: قوله: {يَسْعَىٰ } تبصرة للمؤمنين وهداية لهم، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم، وقد ذكرنا فائدة قوله: {مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ } وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة والمدينة هي أنطاكية، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة وقوله تعالى: {قَالَ يَـا قَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } فيه معان لطيفة الأول: في قوله: {يا قَوْمِ } فإنه ينبىء عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: {يا قَوْمِ } يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون {أية : يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ } تفسير : [غافر: 38] فإن قيل قال هذا الرجل {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } وقال ذلك {ٱتَّبِعُونِ } فما الفرق؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته، فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني: جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله: {ٱتَّبَعُواْ } نصيحة وقوله: {ٱلْمُرْسَلِينَ } إظهار أنه آمن الثالث: قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصح، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله: {رَجُلٌ يَسْعَىٰ } يدل على كونه مريداً للنصح وما ذكر في حكايته أنه كان يقتل وهو يقول: «اللهم اهد قومي».

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} هو حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل: إسكافاً. وقيل: قصّاراً. وقال ٱبن عباس ومجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان يَنْحَت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تُبّع الأَكبر وورَقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبيّ أحدٌ إلا بعد ظهوره. قال وهب: وكان حبيب مجذوماً، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يَعكِفُ على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما ٱستجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم، ندعو ربَّنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال: إن هذا لَعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرِّج عني فلم تستطع، (فكيف) يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم، ربُّنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس؛ فحينئذٍ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدّق بكسبه، فأطعم عياله نصفاً وتصدّق بنصف، فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم فـ{قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية. وقال قتادة: كان يعبد الله في غارٍ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى، فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجراً؟ قالوا: لا؛ ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه فـ«ـقَالَ يَا قَوْمِ ٱتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ». {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} أي لو كانوا متَّهَمين لطلبوا منكم المال {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} فاهتدوا بهم. {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} قال قتادة: قال له قومه أنت على دينهم؟ٰ فقال: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهذا ٱحتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم؛ لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكراً، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثراً. {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} يعني أصناماً. {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ} يعني ما أصابه من السقم. {لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ} يخلصوني مما أنا فيه من البلاء {إِنِّيۤ إِذاً} يعني إن فعلت ذلك {لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي خسران ظاهر. {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} قال ٱبن مسعود: خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. ومعنى «فَاسْمَعُونِ» أي فٱشهدوا، أي كونوا شهودي بالإيمان. وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به. وقيل: إنه لما قال لقومه {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} رفعوه إلى الملك وقالوا: قد تبعت عدوّنا؛ فطوّل معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل، إلى أن قال: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} فوثبوا عليه فقتلوه. قال ٱبن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره، وأُلقي في بئر وهي الرَّسُّ وهم أصحاب الرَّسِّ. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم ٱهدي قومي حتى قتلوه. وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها، وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال الحسن: حرقوه حرقاً، وعلّقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية؛ حكاه الثعلبي. وقال القشيري: وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا أعاد الله الجنة أُدخلها. وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها؛ فذلك قوله: {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} فلما شاهدها {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي بغفران ربي لي؛ فـ«ـما» مع الفعل بمنزلة المصدر. وقيل: بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف. ويجوز أن تكون ٱستفهاماً فيه معنى التعجب، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي؛ قاله الفرّاء. واعترضه الكسائي فقال: لو صحّ هذا لقال بِم من غير ألف. وقال الفراء: يجوز أن يقال بما بالألف وهو ٱستفهام وأنشد فيه أبياتاً. الزمخشري: «بِمَ غَفَرَ لِي» بطرح الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزاً؛ يقال: قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت. المهدوي: وإثبات الألف في الاستفهام قليل. فيوقف على هذا على «يَعْلَمُونَ». وقال جماعة: معنى قيل «ٱدْخُلِ الْجَنَّةَ» وجبت لك الجنة؛ فهو خبر بأنه قد ٱستحق دخول الجنة؛ لأن دخولها يُستحق بعد البعث. قلت: والظاهر من الآية أنه لما قُتل قيل له ٱدخل الجنة. قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق؛ أراد قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }تفسير : [آل عمران: 169] على ما تقدم في «آل عمران» بيانه. والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم الذي هو {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} وقرىء «مِنَ الْمُكَرَّمِينَ» وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. قال ابن عباس: نصح قومه حياً وميتاً. رفعه القشيري فقال: وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية:«حديث : إنه نصح لهم في حياته وبعد موته»تفسير : . وقال ٱبن أبي ليلى: سُبَّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يۤس، فهم الصدّيقون؛ ذكره الزمخشري مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في ٱفتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم؛ فذلك قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبيّ بعد قتله؛ قاله قتادة ومجاهد والحسن. قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل: الجند العساكر؛ أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر؛ بل أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} تصغير لأمرهم؛ أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل، أو من بعد رفعه إلى السماء. وقيل: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} على من كان قبلهم. الزمخشري: فإن قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ فقال: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}تفسير : [الأحزاب: 9]، وقال: {أية : آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران: 124 ـ 125]. قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلِكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم بكل شيء على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلاً عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحداً؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنوداً من السماء، وكأنه أشار بقوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا}. {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} قراءة العامة «وَاحِدَةً» بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع وشيبة والأعرج: «صَيْحَةٌ» بالرفع هنا، وفي قوله {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث؛ فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف؛ كما تكون ما قامت إلا هندٌ ضعيفاً؛ من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحةٌ. قال النحاس: لا يمتنع شيء من هذا، يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني ٱمرأة أو جارية إلا جاريتك. والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق، قال: المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدّره غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود ـ ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك ـ «إنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً وَاحِدَةً». وهذا مخالف للمصحف. وأيضاً فإن اللغة المعروفة زَقَا يَزْقو إذا صاح، ومنه المثل: أثقلُ من الزَّوَاقي؛ فكان يجب على هذا أن يكون زَقْوة. ذكره النحاس. قلت: وقال الجوهري: الزَّقْو والزَّقْي مصدر، وقد زَقَا الصدى يَزقْو زقاء: أي صاح، وكل صائح زاقٍ، والزَّقْية الصّيحة. قلت: وعلى هذا يقال: زَقْوة وزَقْية لغتان؛ فالقراءة صحيحة لا ٱعتراض عليها. والله أعلم. {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي ميتون هامدون؛ تشبيهاً بالرماد الخامد. وقال قتادة: هلكى. والمعنى واحد.

البيضاوي

تفسير : {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} هو حبيب النجار وكان ينحت أصنامهم وهو ممن آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وبينهما ستمائة سنة، وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه. {قَالَ يَـا قَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ}. {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـأَلُكُمْ أَجْراً} على النصح وتبليغ الرسالة. {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } إلى خير الدارين. {وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى} على قراءة غير حمزة فإنه يسكن الياء في الوصل، تلطف في الإِرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، حيث أراد لهم ما أراد لها والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} مبالغة في التهديد ثم عاد إلى المساق الأول فقال: {أَءَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّي شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً} لا تنفعني شفاعتهم. {وَلاَ يُنقِذُونَ} بالنصرة والمظاهرة. {إِنِّى إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضراً بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل، وقرأ نافع ويعقوب وأبو عمرو بفتح الياء. {إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبّكُمْ} الذي خلقكم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء. {فَٱسْمَعُونِ} فاسمعوا إيماني، وقيل الخطاب للرسل فإنه لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحوهم قبل أن يقتلوه. {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} قيل له ذلك لما قتلوه بشرى له بأنه من أهل الجنة، أو إكراماً وإذناً في دخولها كسائر الشهداء، أو لما هموا بقتله رفعه الله إلى الجنة على ما قاله الحسن وإنما لم يقل له لأن الغرض بيان المقول دون المقول له فإنه معلوم، والكلام استئناف في حيز الجواب عن السؤال عن حاله عند لقاء ربه بعد تصلبه في نصر دينه وكذلك: {قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ}. {بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} فإنه جواب عن السؤال عن قوله عند ذلك القول، وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم على اكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإِيمان والطاعة على دأب الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء، أو ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على حق، وقرىء {ٱلْمُكْرَمِينَ} و «ما» خبرية أو مصدرية والباء صلة {يَعْلَمُونَ} أو استفهامية جاء على الأصل، والباء صلة غفر أي بأي شيء {غَفَرَ} لي، يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم. {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ} من بعد هلاكه أو رفعه. {مِن جُندٍ مّنَ ٱلسَّمَاءِ} لإِهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار لإِهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول عليه السلام. {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } وما صح في حكمتنا أن ننزل جنداً لإِهلاك قومه إذ قدرنا لكل شيء سبباً وجعلنا ذلك سبباً لانتصارك من قومك، وقيل {مَا} موصولة معطوفة على {جُندٌ} أي ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة. {إِن كَانَتْ} ما كانت الأخذة أو العقوبة. {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } صاح بها جبريل عليه السلام، وقرئت بالرفع على كان التامة. {فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ} ميتون، شبهوا بالنار رمزاً إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد:شعر : وَمَا المَرْءُ إِلاَّ كَالشّهَابِ وَضَوْئِه يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ تفسير : {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تعالي فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها، وهي ما دل عليها: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ} فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا ويتحسر عليهم، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين، ويجوز أن يكون تحسراً من الله عليهم على سبيل الاستعارة لتعظيم ما جنوه على أنفسهم ويؤيده قراءة {يا حسرتا} ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها، وقيل بإضمار فعلها والمنادى محذوف، وقرىء «يا حسرة العباد» بالإِضافة إلى الفاعل أو المفعول، و «يا حسرة» بالهاء على العباد بإجراء الوصل مجرى الوقف.

ابن كثير

تفسير : قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه، قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير، وهو الحبال، وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم الفطرة. وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم، أو عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مري. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه. وقال السدي: كان قصاراً. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافاً. وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك، {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْـأَلُكُمْ أَجْراً} أي: على إبلاغ الرسالة، وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له {وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى} أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لاشريك له {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، {أَءَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً} استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لايملكون من الأمر شيئاً، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء، {أية : فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 17] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك، ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه{إِنِّىۤ إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله. وقوله تعالى: {إِنِّىۤ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب: يقول لقومه: {إِنِّىۤ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ} الذي كفرتم به {فَٱسْمَعُونِ} أي: فاسمعوا قولي. ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إِنِّىۤ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ} أي: الذي أرسلكم، {فَٱسْمَعُونِ} أي: فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير، فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي؛ لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم، وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم. قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب رضي الله عنهما: فلما قال ذلك، وثبوا عليه وثبة رجل واحد، فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون، فلم يزالوا به حتى أقعصوه، وهو يقول كذلك، فقتلوه رحمه الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ } هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل ومنزله بأقصى البلد {يَسْعَىٰ } يشتد عَدْواً لما سمع بتكذيب القوم الرسل {قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} اختلف فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان إسكافاً، قاله عمربن عبد الحكيم. الثاني: أنه كان قصاراً، قاله السدي. الثالث: أنه كان حبيب النجار، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. {قَالَ يَا قَومِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ} وفي علمه بنبوتهم وتصديقه لهم قولان: أحدهما: لأنه كان ذا زمانة أو جذام فأبرؤوه، قاله ابن عباس. الثاني: لأنهم لما دعوه قال أتأخذون على ذلك أجراً؟ قالوا لا، فاعتقد صدقهم وآمن بهم، قاله أبو العالية. قوله عز وجل: {اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال ذلك تنبيهاً على صدقهم. الثاني: أن يكون قال ذلك ترغيباً في أجابتهم. {وُهُم مُّهْتَدُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: مهتدون لهدايتكم. الثاني: مهتدون فاهتدوا بهم. قوله عز وجل: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني {وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ} أي تبعثون. فإن قيل: فلم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو معترف أن الله فطرهم جميعاً ويبعثهم إليه جميعاً؟ قيل: لأنه خلق الله تعالى له نعمة عليه توجب الشكر، والبعث في القيامة وعيد يقتضي الزجر، فكان إضافة النعمة، إلى نفسه إضافة شكر، وإضافة الزجر إلى الكافر أبلغ أثراً. قال قتادة: بلغني أنهم لما قال لهم: وما لي لا أعبد الذي فطرني وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وهو يقول: يا رب اهدِ قومي، أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون. قوله عز وجل: {إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُم فَاسْمَعُونِ} فيه قولان: أحدهما: أنه خاطب الرسل بذلك أنه يؤمن بالله ربهم {فَاسْمَعُونِ} أي فاشهدوا لي، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه خاطب قومه بذلك، ومعناه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي، قاله وهب بن منبه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَجَآءَ} رجل هو حبيب النجار "ع"، أو كان إسكافاً أو قصاراً علم نبوتهم لأنه كان مجذوماً زَمِناً فأبرءوه "ع"، أو لما دعوه قال أتأخذون على ذلك أجراً قالوا لا فآمن بهم وصدقهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} في تعلقه بما قبله وجهان: أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث أمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ} فيه بلاغة باهرة لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل و(هو) قد آمن دل على (أن) إنذارهم وإبلاغهم بلغ إلى أقصى المدينة. والثاني: أن ضرب المثل لما كان لتسلية قلب محمد - عليه (الصلاة و) السلام - ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعي المؤمنين في تصديق أنبيائهم، وصبرهم على ما أوذوا، ووصول الجزاء الأوفر إليهم ليكون ذلك تسليةً لقلب أصحاب محمد - عليه الصلاة والسلام -. قوله: "رجل يسعى" في تنكير "الرجل" مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: الأولى: أن يكون تعظيماً (لشأنه) أي رجل كامل في الرجولية. الثانية: أن يكون مفيداً ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطئوا. والرجل هو حبيب النَّجار كان ينحت الأصنام. وقال السدي: كان قصاراً. وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقياً قد أسرع فيه الجُذَامُ. وكان منزله عند أقصى باب المدينة وكان مؤمناً آمن بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله، ورأى فيه نعت محمد وبعثته وقوله: "يسعى" تبصيرٌ للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جَهْدَهم في النُّصْحِ. قوله: {قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} تقدم الكلام في فائدة قوله: "يا قوم" عند قوله موسى: {أية : يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم} تفسير : [البقرة:54]. فإن قيل: هذا مثل مؤمن آل فرعون {أية : وَقَالَ ٱلَّذِيۤ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ} تفسير : [غافر: 38] وهذا قال: "اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ" فما الفرق؟. فالجواب: هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السَّبِيلَ وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مراراً فقال: "اتَّبِعُونِي في الإيمان بمُوسى وهَارُونَ - عليهما (الصلاة و) السلام - واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته" ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول: أنتم تعلمون اتّباعي لهم. واعلم أنه جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله: "اتبعوا" نصيحة وقوله: "المرسلين" إظهار إيمانه وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصيحة وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله: "يسعى" على إرادته النصح. قوله: {مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} بدل من "المرسلين" بإعادة العامل إلا أن أبا حيان قال: النحاة لا يقولون ذلك إلا إذا كان العامل حرف (جر) وإلا فلا يسمونه بدلاً بل تابعاً وكأنه يريد التوكيد اللفظيّ بالنسبة إلى العامل. فصل هذا الكلام في غاية الحسن لأن لما قال اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونَهُمْ مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة الاستقامة والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه والامتناع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين إما لطالب الدليل الأجرة وإما عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريق المستقيم الموصولة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين أليسوا بمهتدين فاتبعوهم. قوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أصل الكلام وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عليهم ليكون الكلام أسرع قبولاً ولذلك جاء قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} دون "وإليه أَرْجِعُ" وقوله {أَأَتَّخِذُ} مبني على كلام الأول وهذه الطريقة أحسن من ادِّعاء الالتفات، وقرأ حمزةُ ويعقوبُ ما لي بإسكان الياء والآخرون فتحها. واعلم أن قوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ} أَيْ أيُّ مانع من جانبي وهذا إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه فمن يمنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبي فلا جَرَمَ عبدته وفي العدول من مخاصمة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى وهي أنه لو قال: "ما لكم لا تعبدون الذي فطركم" لم يكن في البيان مثل قوله: "وَمَا لِيَ" لأنه لو قال: "وَمَالِي" وأحد لا يخفى عليه (حال) نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد لأنه أعلم بحال نفسه فهو بين عدم المانع وأما لو قال: "وَمَا لَكُمْ" جاز أن يفهم (منه) أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه، وقوله: { ٱلَّذِي فَطَرَنِي} إشارة إلى وجود المقتضي، فإن قوله: "وَمَا لِي" إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضي فقوله: {ٱلَّذِي فَطَرَنِي} دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعمٌ بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته. وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي لأن المقتضي لظهروه كأن مستغنياً عن البيان فلا أقلَّ من تقديم ما هو أولى بالبيان للحاجة إليه واختار من الآيات فطرة نفسه لأن خَالِقَ عَمْرو يجب على زيدٍ عبادتُه لأن من خلق عمراً (لا يكون إلا) كامل القدرة واجب الوجود فهو مستحق العبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على "زيد" بخلق "زيد" أظهر إيجاباً فصل أضافَ الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم كأن الفطرة أثر النعمة وكان عليه أظهر وفي الرجوع معنى الشكر وكان بهم أليق. روي أنه لما قال: اتبعوا المرسلين أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له: "أَفَأَنْتَ تَتَّبِعُهُمْ"؟ فقال: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي أي شيءٍ يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم. ومعنى فطرني: خلفني اخترعاً ابتداء. وقيل جعلني على الفطرة كما قال تعالى: {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30]. قوله: "أَأَتَّخِذُ" استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أتخذ من دونه آلهةً و "مِنْ دُونِهِ" يجوز أن يتعلق "بأَتِّخِذُ" على أنها متعدية لواحد وهو "آلهة" ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "آلهة" وأن يكون مفعولاً ثانياً قدم على أنها المتعدية لاثنين. فصل في قوله:{من دونه آلهة} لطيفة وهي أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن مَنْ دُونَهُ لا يجوز عبادة لأن الكل محتاجٌ مفتقرٌ حادثٌ وقوله: "أَأَتَّخِذُ" إشارة إلى أن غيره ليس بإلَهٍ لأن المتخذ لا يكون إِلهاً قوله: "إنْ يُرِدْنِي" شرط جوابه "لاَ تُغْنِ عَنِّي" والجملة الشرطية في محل نصب صفة "لآلهةٍ". وفتح طلحة السَّلْمَانِي - وقيل: طلحَة بن مصرف - ياء المتكلم. وقال الزمخشري وقرىء: إن يُرْدِني الرَّحْمنُ بِضُر بمعنى إن يُورِدْنِي ضُرًّا أي يجعله مَوْرداً للضر. قال أبو حيان: وهذا والله اعلم رأى في كتب القراءات بفتح الياء فتوهم أنها ياء المضارعة فجعل الفعل متعدياً بالياء المعدية كالهمزة فلذلك دخل همزة التعدية فنصب به اثنين والذي في كتب القراءات الشواذ أنها ياء الإضافة المحذوفة خطًّا ونطقاً لالتقاء الساكنين قال شهاب الدين: وهذا رجل ثِقَةٌ قد نقل هذا القراءة فتقبل منه. فإن قيل: ما الحِكْمَةُ في قوله {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ} ولم يقل: إنْ يُرِد الرَّحْمَنُ بِي ضُرًّا وكذلك قوله تعالى: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} تفسير : [الزمر:38] ولم يقل: إن أَرَادَ اللُّهُ بي ضُرًّا؟. فالجواب: أن الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بالحرف كالأمر تعدى بالحرف في قولهم: ذَهَبَ به وخَرَجَ به. ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف فإذا قال القائل مثلاً: كيف حال فلان؟ يقول: اختصه الملكُ بالكرامة والنعمة. فإذا قال: كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد فيقول المسؤول مفعولاً بغير حرف؛ لأنه هو المقصود. وإذا تقرر هذا فالمقصود فيما نحن فيه: بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البُؤْسِ والرَّخاء وليس الضر مقصود بيانه كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله. ويُؤَيِّد هذا قولُه مِنْ قَبْل: "الَّذِي فَطَرَنِي" حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فلذلك جعلها مفعول الإرادة ووقع الضر تبعاً. وكذلك القول في قوله: {إنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بضُرِّ} المقصود بيان أنه يكون كما يريده الله (وليس الضر) لخصوصيته مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال الله تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر: 36] يعني هو تحت إرادتِهِ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله هنا: {إن يُرِدْنِ الرحمٰن} بصيغة المضارع وقال في الزمر: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر:38] بصيغ الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله؟. فالجواب أن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلاً لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: {أَأَتَّخِذُ} وقوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ} والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي قوله: {أية : أَفَرَأَيْتُم} تفسير : [الزمر:38]. قَوْلْهُ: {لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} [يس:23] أي إن يَمْسَسْنِي اللَّهُ بضرِّ أي بسوء ومكروه لا تُغْنِ شفاعتهم شيئاً أي لا شفاعة لها فتغني "ولا يُنْقِذُونِ" من ذلك المكروه أو لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. قوله تعالى: {إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي خطأ ظهار إن فعلت ذلك فأنا ضالٌّ ضلالاً بيناً. و "المُبِينُ" مُفْعِل بمعنى "فَعِيلٍ" وعكسه "فَعِيلٌ" بمعنى مُفْعِل في قوله "أليم" بمعنى مؤلم. قوله: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} فيه وجوه: أحدها: أنه خطاب المرسلين. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قلته فأقبل هو للمرسلين وقال: إنِّي آمنت بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُوا قولي واشهدوا لي. والثاني: هم الكفار لمَّا نصحهم وما نفعهم قال آمنت فاسمعون. الثالث: بربكم أيها السامعون فاسمعوني على العموم كقول الواعظ: يا مِسْكينُ ما أَكْثَرَ أَمَلَك (وما أتْرَرَ عَمَلَك) يريد كل سامع يسمعه وفي قوله "فَاسْمَعُونَ" فوائد منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعةً سامعين يتفكر، ومنها أن ينبه القوم ويقول: إن أخبرتكم بما فعلت حتى لا يقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك. فإن قيل: قال من قبل: مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الِّذي فطرني، وقال ههنا: آمنتُ بربكم ولم يقل: آمنت بربي!؟ فالجواب: إن قلنا: الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر لأنه لما قال: آمنتُ برَبِّكُمْ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال "بِرَبِّكُمْ". وإن قلنا: الخطابُ مع الكفار ففيه (وجوه) بيان للتوحيد لأنه لما قال: {أعبد الذي فطرني} ثم قال: {آمنت بربكم فاسمعون} فُهِمَ أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمن بربي فيقول الكافر: وأنا أيضاً آمنت بربي. قوله: {فَٱسْمَعُونِ} العامة على كسر النون وهي نون الوقاية حذفت بعدها ياء الإضافة مُجتزءاً عنْهَا بكسرة النون وهي اللغة الغالبة. وقرأ عِصْمَةُ عن عاصمٍ بفتحها. وليست إلا غلطاً (على عاصم)، إذ لا وجه (لها)، وقد وقع لابن عطية وَهَمٌ فاحش في ذلك فقال: وقرأ الجمهور بفتح النون. وقال أبو حاتم: هذا خطأ فلا يجوز لأنه أمر فإما حذف النون وإما كسرها على جهة الياء، يعني ياء المتكلم، وقد يكون قوله: "الجمهور" سبقَ قلم منه أو من النساخ وكان الأصل: وقرأ غيرُ الجمهور فسقط لفظة "غيره". (و) قال ابن عطية حذف من الكلام ما تواترت الأخبار والروايات به وهو أنهم قتلوه فقيل له عند موته: ادْخُلِ الجَنَّة بَعْدَ القتل وقيل: قوله: (قِيلَ) ادخل الجنة عطف على قوله:{آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} فعلى الأول يكون قوله: {يَٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} بعد موته والله أخبر بقوله، وعلى الثاني قال ذلك في حياته وكان يسمع الرسل يقولون إنه من الداخلين الجنة وصدقهم وقطع به. قوله: {قَال يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} كما علمت فيؤمنون كما آمنت. وقال الحسن: خرقوا خرقاً في حَلْقِهِ وعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: {قِيلَ ادْخُل الجَنَّة}. فلما أفضى إلى الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي أي بغفران ربي لي وجعلني من المكرمين. قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي} يجوز في (ما) هذه ثلاثة أوجه: المصدرية كما تقدم. والثاني: أنها بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي غفره لي ربي. واسْتُضْعِفَ هذا من حيث إنه يبقى معناه أنه تمنى أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة. وليس المعنى على ذلك إنما المعنى على تَمَنِّي علمهم بغفران رَبِّه ذُنُوبَه. والثالث: أنها استفهامية وإِليْهِ ذَهَبَ الفرّاء. ورده الكسائي بأنه كان ينبغي حذف ألفها لكونها مجرورة. وهو رد صحيح. وقال الزمخشري الأجود طرح الألف والمشهور من مذهب البصريين وجوب حذف ألفها كقوله: شعر : 4173- (عَلاَمَ يقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عَاتِقِي إِذَا أَنَا لَمْ أَطْعُنْ إذَا الخَيْلُ كَرَّتِ تفسير : إلاَّ في ضرورة كقول الشاعر): شعر : 4174- عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئيمٌ كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ تفسير : وقرىء من المكرمين بتشديد الراء.

القشيري

تفسير : في القصة أنه جاءُ من قرية فسمَّاها مدينة، وقال من أقصى المدينة، ولم يكن أقصاها وأدناها لِيَتَفَاوَتَا بكثيرٍ، ولكنه - سبحانه - أجرى سُنَّتَه في استكثار القليل من فِعْلِ عَبْدِهِ إذا كان يرضاه، ويستنزِرُ الكثيرَ من فَضْلِه إذا بَذَلَه وأعطاه. {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} فأبْلَغَ الوَعْظَ وَصَدَقَ النُّصْحَ. ولكن كما قالوا: شعر : وكم سُقْتُ في آثارِكم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضةَ المتنصِّحُ تفسير : فلمَّا صَدَقَ في حاله، وصَبَرَ على ما لَقِيَ من قومه، ورجع إلى التوبة، لقَّاه حُسْنَ أفضالِه، وآواه إلى كَنَفِ إقبالِه، ووَجَدَ ما وَعَدَه ربُّه من لُطْفِ أفضالِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاء من اقصى المدينة} ابعد جوانب انطاكية: وبالفارسية [وآمد ازدورتر جابى ازان شهر] {رجل} فيه اشارة الى رجولية الجائى وجلادته وتنكيره لتعظيم شأنه لا لكونه رجلا منكورا غير معلوم فانه رجل معلوم عند الله تعالى وكان منزله عند اقصى باب فى المدينة وفى مجيئة من اقصى المدينة بيان لكون الرسل اتوا بالبلاغ المبين حتى بلغت دعوتهم الى اقصى المدينة حيث آمن الرجل وكان دور السور اثنى عشر ميلا كما سبق {يسعى} حال كونه يسرع فى مشيه فان السعى المشى السريع وهو دون العدو كما فى المفردات. والمراد حبيب بن مرى النجار المشهور عند العلماء بصاحب يس كما سبق وجهه. وفى بعض التواريخ كان من نسل الاسكندر الرومى وانما سمى حبيب النجار لانه كان ينحت اصنامهم. يقول الفقير هذا ظاهر على تقدير ان يكون ايمانه على ايدى الرسل وهو الذى عليه الجمهور واما قوله عليه السلام "حديث : سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين على بن ابى طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون" تفسير : فمعناه انهم لم يسجدوا للصنم ولم يخلوا بما هو من اصول الشرائع ولا يلزم من نحت الاصنام السجدة لها والاظهر انه كان نجارا كما فى التعريف للسهيلى ولا يلزم من كونه نجارا كونه ناحتا للاصنام وقد قالوا انه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة. وكان سبب ايمانه به انه كان من العلماء بكتاب الله ورأى فيه نعته ووقت بعثته فآمن به ولم يؤمن بنبى غيره عليه السلام قبل مبعثه وقد آمن به قبل مبعثه ايضا غير حبيب النجار كما قال السيوطى اول من اظهر التوحيد بمكة وما حولها قس بن ساعدة وفى الحديث "حديث : رحم الله قسا انى لارجو يوم القيامة ان يبعث امة وحده" تفسير : وورقة بن نوفل ابن عم خديجة رضى الله عنها وزيد بن عمرو بن نفيل وكذا آمن به عليه السلام قبل مبعثه واظهر التوحيد تبع الاكبر. وقصته انه اجتاز بمدينة الرسول عليه السلام وكان فى ركابه مائة الف وثلاثون الفا من الفرسان ومائة الف وثلاثة عشر الفا من الرجالة فاخبر ان اربعمائة رجل من اتباعه من الحكماء والعلماء تبايعوا ان لا يخرجوا منها فسألهم عن الحكمة فقالوا ان شرف البيت انما هو برجل يخرج يقال له محمد هذه دار اقامته ولا يخرج منها فبنى فيها لكل واحد منهم دارا واشترى له جارية واعتقها وزوجها منه واعطاهم عطاء جزيلا وكتب كتابا وختمه ورفعه الى عالم عظيم وامره ان يدفع ذلك الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ان ادركه وفى ذلك الكتاب انه آمن به وعلى دينه وبنى له صلى الله عليه وسلام دارا ينزلها اذا قدم تلك البلدة ويقال انها دار ابى ايوب وانه من ولد ذلك العالم الذى دفع اليه الكتاب فهو عليه السلام لم ينزل الى فى داره ووصل اليه عليه السلام الكتاب المذكور على يد بعض ولد العالم المسطور فى اول البعثة او حين هاجر وهويين مكة والمدينة ولما قرئ عليه قال "حديث : مرحبا بتبع الاخ الصالح" تفسير : ثلاث مرات وكان ايمانه قبل مبعثه بالف سنة ويقال ان الاوس والخزرج من اولاد اولئك العلماء والحكماء. وذكر انه حفر قبر بصنعاء قبل الاسلام فوجد فيه امرأتان لم تبليا وعند رؤسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب هذا قبر فلانة وفلانة ابنتى تبع ماتتا وهما تشهدان ان لا اله الله الله ولا تشركان به وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما وفى الحديث "حديث : من مات وهو يعلم لا اله الا الله دخل الجنة" تفسير : وانما لم يقل من مات وهو يؤمن او يقول ليعلمنا ان كل موحد لله فى الجنة يدخلها من غير شفاعة ولو لم يوصف بالايمان كقس ابن ساعدة واضرابه ممن لا شريعة بين اظهرهم يؤمنون بها وبصاحبها فقس موحد لا مؤمن كما فى المفردات المكية [كفتند حبيب تجار خانه داشت درآن كوشه از شهر بدورتر جايى از مردمان وكسب كردى هرروز آنجه كسب وى بود يك نيمه بصدقة دادى ويك نيمه بخرج عيال كردى وخدايرا بنهان عبادت كردى وكس ازحال وى خبر نداشتى تا آن روز كه رسولان عيسى را رنجانيدند وجفا كردند ازان منزل خويش بشتاب بيامد وايمان خويش آشكارا كرد. وكفته اند اهل انطاكية دارها بردند وآن رسولا نرا باجهل تن كه ايمان آورده بودند كلوهاى شان سوراخ كردند ورسنها بكلوا در كشيدند وازدار بياويختند خبر بحبيب نجار رسيد كه خدايرا مى برستيد درغارى جنانكه ابدال دركوه نشينند وازخلق عزلت كيرند بشاب ازمنزل خويش بيامد] {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فما قال عند ما جاء ساعيا ووصل الى المجمع ورآهم مجتمعين على الرسل قاصدين قتلهم فقيل قال {يا قوم} اصله يا قومى معناه: وبالفارسية [اى كروه من] خاطبهم بيا قوم لتأليف قلوبهم واستمالتها نحو قبول نصحيته وللاشارة الى انه لا يريد بهم الا الخير وانه غير متهم بارادة السوء بهم. قال بعضهم وكان مشهورا بينهم بالورع واعتدال الاخلاق {اتبعوا المرسلين} المبعوثين اليكم بالحق تعرض لعنوان رسالتهم حثالهم على اتباعهم [قتاده كفت جون بياند نخست رسولا نرا بديد كفت شما باين دعوت كه ميكنيد هيج مزد ميخواهيد كفتند ماهيج مزد نميخواهيم وجز اعلاى كلمه حق واظهار دين الله مقصود نيست جبيب قوم را بكفت]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وجاء من أقصى المدينةِ رجل يسعى} وهو حبيب النجار، وكان في غارٍ من الجبل يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم، وأظهر دينه. قال القشيري: في القصة أنه جاء من قرية فسمَّاها مدينة، وقال: من أقصاها، ولم يكن بينهما تفاوت كثير، وكذلك أجرى سُنَّته في استكثار القليل من فِعْلِ عَبْدِه، إذا كان يرضاه، ويستنزِرُ الكثيرَ من فضله إذا بَذَلَه وأعطاه. هـ. ولما قَدِم سألهم: أتطلبون على ما تقولون أجراً؟ فقالوا: لا، {قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا مَن لا يسأَلُكُم أجراً} على تبليغ الرسالة {وهم مهتدون} على جادة الهداية والنصح وتبليغ الرسالة. فقالوا: وأنت على دين هؤلاء؟ فقال: {وما لي لا أعبدُ الذي فطرني}: خلقني {وإِليه تُرجعون} وفيه التفات من التكلُّم إلى الخطاب، ومقتضى الظاهر: وإليه أرجع. والتحقيق: أن المراد: ما لكم لا تعبدون، لكن لمّا عبَّر عنهم بطريق التكلُّم؛ تلطّف في الإرشاد، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه، وإمحاض النصح، حيث أراد لهم ما أراد لها، جرى على ذلك في قوله: {وإليه ترجعون} والمراد: تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره. ثم قال: {أأتخذُ من دونه آلهةً} يعني الأصنام، {إِن يُرِدْنِ الرحمنُ بضُرٍّ} وهو شرطٌ جوابه: {لا تُغْنِ عني شفاعَتُهم شيئاً ولا يُنقِذُون} من مكروه بالنصر والمظاهرة، {إِني إِذاً} أي: إذا اتخذت إلهاً غيره {لفي ضلالٍ مبين} لفي خطأ بيّن، لا يخفى على عاقل، {إِني آمنتُ بربكم فاسمَعُون} أي: اسمعوا إيماني، لتشهدوا به لي يوم القيامة، فقتله قومُه. ولمَّا مات {قيل} له: {ادخُلِ الجنةَ} فدُفن في أنطاكية، وقبره بها. ولم يقل: قيل له؛ لأن الكلام مسوق لبيان القول، لا لبيان المقول له؛ لكونه معلوماً. وفيه دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن. وقال الحسن: لَمَّا أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله، فهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض، فلما دخل الجنة ورأى نِعَمَهَا، وما أعدّ الله لأهل الإيمان، {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفرَ لي ربي} أي: بالسبب الذي غفر لي ربي به، {وجعلني من المكرمين} بالجنة، وهو الإيمان بالله ورسله، أو: بمغفرة ربي وإكرامي، فـ "ما": موصولة، حُذف عائدها المجرور، لكونه جُرّ بما جُرّ به الموصول، أو: مصدرية، وقيل: استفهامية. ورُدّ بعدم حذف ألفها. قال الكواشي: تمنى أن يعلم قومُه أنَّ الله قد غفر له، وأكرمه، ليرغب قومُه في اتباع الرسل، فيُسلموا، فنصح قومَه حيًّا وميتاً. وكذلك ينبغي أن يكون كل داع إلى الله تعالى، في المجاهدة والنصيحة لعباد الله، وألاَّ يحقد عليهم إن آذوه، وأن يكظّم كل غيظ يناله بسببهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سُبَّاق الأمم ثلاثة: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون"تفسير : . هـ. قال القشيري: قد أَبْلَغَ ـ حبيب الوَعْظَ، وصَدَقَ النُّصْح، ولكن كما قالوا وأنشدوا: شعر : وكم سُقْتُ في آثارِكم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغةَ المتنصِّحُ تفسير : فلمَّا صَدَقَ في حاله، وصَبَرَ على ما لَقِيَ من قومه، ورجع إلى ربه، تلقَّاه بحسن إقباله، وآواه إلى كنف إفضاله، ووجد ما وعده به من لُطْفِ نواله، فتَمنَّى أنْ يعلم قومُه حاله، فَحَقَّقَ مُناة، وأخبر عن حاله، وأنزل فيه خطابه، وعَرَفَ قومُه هـ. الإشارة: أحبُّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأنصحهم لهم. وفي الحديث: "حديث : لئن يهدي الله بك رَجُلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْرِ النِّعَم" تفسير : فينبغي لمَن أراد الظفر بمحبة الحبيب، وينال منه الحظوة والتقريب، أن يتحمّل المشاق في إرشاد عباد الله، ويستعمل الأسفار في ذلك، لينال عنده الجاه الكبير، والقُرب العظيم. حققنا الله بذلك بمنِّه وكرمه. ثم ذكر هلاك قومه، فقال: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا الرجل، هو "حبيب بن إسرائيل النجّار"، وكان في سابق الزمان ينحت الأصنام، وهو كناية عن اشتغاله سابقاً بالإعتقادات الجزئية، والصور الخيالية والوهمية، التي يتصور وجودها في الخيال بتصرف القوة المتفكّرة، وهي التي من شأنها تصوير الحقائق في كسوة الحكاية الخيالية، وإنكار العقائد الحقة الإلهية، إلاّ في صور المحسوسات، فصاحب العقيدة الوهمية، لقصور علمه ما يعتقده إلهاً، وليس إلهه ومعبوده - على حسب اعتقاده - إلاّ ما يوجده بوهمه، ويصوِّره بقوته المتصرّفة، فهو الذي ينحت صَنماً، ويعتقده إلهاً، ويتخذه معبوداً، كما في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية:23]. وأكثرُ الناس - إلاّ مَنْ أيّده الله بالتقديس الأتَمّ، والتنزيه الأكمَل - عابدون لأصنام العقائد الجزئية، ومعتقدون للصوَر الوهمية، حتى أن عبدة الأصنام الخارجية، الحَجَرية والخشبية والمعدنية، إنما عبدوها لإعتقادهم معنى الالوهية في تلك الأجساد، من الجماد وغيره، فَهُم أيضاً بالحقيقة، قد عبدوا معتقداتهم، وما حصل في أوهامهم، فالهوى معبودهم جميعاً أوّلاً وبالذات، والصنم الخارجي معبود لهم بالعرض، فعلى هذا، غير الموحّد العارف، لهم جميعاً اشتراكٌ في الإشراك، واتفاقٌ في طلب الهوى وعبادة غير الحق وما سوّى. وَمَا مِن مؤمن، إلاّ وَلَهُ عُبورٌ عن هذه الإعتقادات الجزئية، فَورودُ الصُّوَرِ الوهمية، أو الأصنام الخيالية، لا عَلَى وجه الإذعان، بل على مسلك التفتيش وتصوير الاحتمالات البعيدة، لِيُقامَ على نَفيِها البُرهان، كما وقع للخليل - على نبينا وآله وعليه السلام - من العبور على آلهة عبدة الكواكب، لزيادة الكشف واليقين، في تنزيه الحق الأول عن مماثلتها، ولإقامة البرهان، على فسادَ تَوَهُّم المحجوبين، وإخراج تلك الصور، التي هي إله سائر المعتقدِين، من المشركين والمعطّلين، من أن تستأهل اعتقاد الألِوهيَّة فيها، فإنه يوجب العذاب الأليم، ويستدعي عقوبة الاحتجاب من الله، والتَّردِّي إلى أسفل دَرْك الجحيم. فقد ظهر أن أهل البصيرة الإلهية، يَعْبُرونَ عنها في أسرع زمان، مِن غير أن يتضرروا بها، كما قال واحد من أهل البيت (عليهم السلام): "جزناها وهي خادمة"، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: {أية : إِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم:71 - 72]. فكان حبيب النجّار، من جملة أهل البصيرة، الذين نوَّرَ الله بواطنهم بِكَشْف الحقائق، والارتقاء من عالم الوهم والخيال، إلى عالم التقديس بنور المعرفة والحال، وهو أحد السبّاق الثلاثة، المذكورة في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : سبّاق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفةَ عَيْن: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون"تفسير : . وفي تفسير الثعلبي بزيادة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : وَعَليٌّ أفضلُهم ". تفسير : وهم ممن آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تُبَّعٌ الأكبر وَوَرَقَة بْنُ نَوفَل وغيرهما، وهذه إحدى خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم يؤمن احد بنبي غيره إلاّ بَعْدَ ظهوره، وفيه سرُّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كنتُ نبيّا، وآدم بين الماء والطين ". تفسير : وها هنا سر آخر، وهو أنه قَدْ وَرَدَ في الحديث عنه (عليه السلام): "حديث : إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس" تفسير : فلعل ذلك لما قد ذكر الله فيها "حبيب"، المشهور "بصاحب يس"، وَوَصفَه بما يدل على قربه ومنزلته عند الله، من التوحيد والكرامة والنصيحة لقومه، وهو ممن آمن بنبينا قبل بعثه بستمائة سنة، ففي ذلك آية عظيمة لنبوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكونه حبيب الله، الذي آمن به حبيبٌ قبل ظهوره هذا. وقيل: كان في غار يعبد الله، فلمّا بَلَغَه خبرُ الرسل، أتاهم، وأظهر دينه لهم، وقاوَلَ الكفرة الجحدة، فقالوا: "وأنت تخالف ديننا؟" فوثبوا عليه فقتلوه، وقيل: توطّئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه، وقيل: رَجَموه وهو يقول: "اللهم اهدِ قومي"، وقبره في سوق انطاكية، فلما قُتِل، غضب الله عليهم، وأُهلِكوا بصيحة جبرئيل (عليه السلام). ويفهم أيضاً من قوله تعالى: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ}، أنه ممن كان مستوحشاً عن الخلق، مؤثِراً للعزلة والخلوة. وقيل: كان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان قد آمن بالرسل عند ورود اثنين منهم القرية، كما نقلنا من قصتهما، وسبب إيمانه برسالتهما، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهمّوا بقتلهم، جاء يعدو ويشتد، قال: "يا قوم اتبِعوا المرسلين، الذين أرسلهم الله إليكم، وأقِرّوا برسالتهم". وعن ابن عباس: أنه كان به زَمانة وجذام فأبرأوه، فآمن بهم، وقيل أنه إنما علِم بنبوَّتهم لأنهم لمّا دَعوه قال: "أتأخذون على ذلك أجراً؟" قالوا: "لا" ويؤيده قوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [يس:21]:

الجنابذي

تفسير : {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} هو حبيب النّجّار مؤمن آل يٰس قيل: انّه آمن بمحمّدٍ (ص) وبينهما ستّمائة سنةٍ، وكان فى غارٍ يعبد الله فلمّا بلغه خبر الرّسل اظهر دينه، حديث : وعن النّبىّ (ص) انّه قال: الصّدّيقون ثلاثة: حبيبٌ النّجّار مؤمن آل يٰس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلىّ بن أبى طالبٍ تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} فلذلك كانوا احقّاء بالاتّباع لعدم نظرهم الى دنياكم فليس لهم همّ الاّ آخرتكم {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} لظهور اهتدائهم من اقوالهم وافعالهم.

اطفيش

تفسير : {وجاء من أقصى} ابعد. {المدينة} اي من جانبها الابعد وهي القرية المذكورة وهي انطاكية وهي مملكة الروم بنتها بنت قسطنطين وقد اخذها اهل الاسلام. {رجل يسعى} وهو حبيب النجار بتنوين حبيب والنجار صفته وسمى نجارا لانه قيل كان مشركا ينحت اصنامهم وتقدم سبب اسلامه وعلى هذا ليس بنبي فان النبي لا يشرك ولا يعمل الكبائر قبل البعثة وبعدها وهو ممن آمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع وورقة بن نوفل وقيل هو نبي ولم يشرك قط قيل كان في غار يعبد الله سرا فلما بلغه خبر الرسل اتاهم واظهر دينه ونازع الكفرة فقالوا وانت تخالف ديننا فوثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه. وقال ابن مسعود وطبو بأرجلهم حتى خرجت امعاءه من دبره وقال السدي رجموه وهو يقول اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون وقبره في سوق انطاكية فلما قتل هلكوا بالصيحة ويدل للقول بأنه لم يشرك بالله قط قوله صلى الله عليه وسلم حديث : سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفه عين علي بن ابي طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون تفسير : رواه ابن عبدالرحمن ابي ليلى عن ابيه يعني السباق في الايمان فقد قيل اول من آمن من الرجال علي وقيل ابوبكر وقيل غير ذلك قال في عرائس القرآن لما قال لهم ما حكي الله عنه قتلوه ولم يكن احد يدفع عنه وقال الحسن خرقوا خرقا في حلقه وعلقوه في سور المدينة وقال بعضهم كان قصارا. وقال وهب كان يعمل الحرير وكان سقيما اسرع فيه الجذام وكان منزله عند باب من ابواب المدينة وكان يقسم كسبه وينفق نصفه على عياله ويتصدق بنصفه. {قال يا قوم} استعطاف. {اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا} على النصح وتبليغ الحق فتربحون خير الآخرة مع بقاء دنياكم لكم علم انهم لا يسألون الاجر من مشاهدة احوالهم ولم يرهم يسألون الاجر وعلم امر الآخرة من قبل ذلك او لكونه عرض عنهم الذهب فلم يقبلوه كما يأتي ان شاء الله. {وهم مهتدون} إلى خير الدنيا والآخرة رغبهم في الاتباع بعدم اخذ الأجر وسؤاله وبالاهتداء فان من هو مهتد حقيق ان يتبع وذلك من باب الايغال وهو لغة الايعاد في البلاد واصطلاحا ختم الكلام بما يفيد نكثه يتم المعنى بدونها فإن الرسول مهتد لا محالة لكن فيه زيادة حث على الاتباع وترغيب في الرسل بمعنى أنكم لا تخسرون معهم شيئا بل تربحون دنيا وأخرى وقالوا له أنت مخالف لديننا ومؤمن بإلههم فقال. {وما لي لا أعبد الذي فطرني} أوجدني بعد العدم. {وإليه ترجعون} بالبعث للجزاء بعد الموت ويجوز ان لا يقدر القول وعلى كل حال فإنما التفت من الخطاب إلى التكلم تلطفا في دعائهم إلى الحق إذ لم يقل وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وذلك من باب المداراة ابرز مناصحتهم في معرض مناصحة نفسه تعريضا بهم فان هذا اذهب لنفارهم وغضبهم واجلب اذ لوح لهم إنه أراد لهم ما يريد لنفسه وعاد إلى الخطاب في إليه ترجعون تهديدا لهم ليكون قد اخلط السهولة ببعض الخشونة فان السهولة وحدها تبطر وتكسل ولم يخاطبهم في ومالي الخ، ويعتبهم في وإليه ترجعون لأن الفطرة اثر النعمة وهو عليه اظهر والرجوع زجر وهو بهم أجدر ولولا ذلك لقال وإليه ارجع ويسمى مثل ذلك من الكلام المنصف لأن من سمعه يقول لمخاطب قد انصفك ولأن المتكلم قد انصف من نفسه إذ حط مرتبته عن مرتبة المخاطب ويسمى ايضا استدراجا لاستدراجه الخصم إلى الاذعان وفي قوله ترجعون التفات إلى الخطاب من التكلم قبله ولا يقال ليس فيه التفات لأنه ليس خطابا لنفسه فيكون المعبر عنه واحدا لأنا نقول كما مر أن المراد بقوله ومالي لا اعبد الذي فطرني مالكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبر عنه في الجميع هم المخاطبون ولا يقال فالكلام إذاً وارد على مقتضى الظاهر لأنا نقول الالتفات أمر لفظي ولا يخفي ان الى واعبد وفطرني تكلم وترجعون خطاب ولو كانت الفاظ التكلم المذكورة في نية الخطاب وسكن حمزة ياء لي ثم رجع إلى التكلم في قوله {أءتخذ من دون آلهة} إلخ لأنه تكلم في امر الآلهة وقد اشتد حبهم لها ولو خاطبهم بها ونقصهم لازدادوا غضبا ونفارا عن الحق وهذا الاستفهام والذي تقدم انكاريان او توبيخان وفي الهمزتين ما مر في أءنذرتهم. {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا} الجملة صفة الآلهة وعبر بالرحمن استجلابا لهم الى من هو رحيم رحمة لا تحصى وان قلت فهل لهم من شفاعة حتى قال شفاعتهم قلت المراد شفاعتهم على فرض ان لهم شفاعة وتقدير انهم شافعون فكيف ولا شفاعة لهم او المراد شفاعتهم التي يدعونها وشيئا مفعول تغني اي لا يكف غنى شيئا من الضر او مفعول مطلق اي لا تغن عني اغناء ما او نفي المـ؟؟؟ والمراد نفي السبب واللازم والمراد نفي الملزوم وقد زعمت المناطقة ان الكلية السالبة تصدق بنفي الموضوع. {ولا ينقذون} بحذف باء المتكلم واتبعها ورش في الوصل اي لا يخلصون من الضر كالمرض والعذاب والجوع.

اطفيش

تفسير : {وجاء مِن أَقْصَى المَدينَة} أنطاكية، أى من أبعد موضع فيها {رجلٌ} عظيم عند الله قدرا، لا اتصال له بالرسل، قبل مجيئهم يتواطؤ لأجله معهم، بل هداية من الله ولطف به، وهو حبيب عند ابن عباس وكعب رضى الله عنهما، وشهر بأنه حبيب النجار، وقيل: رجل قصار، وقيل: حراث وقيل: إسكاف، وقيل: نحات للأصنام، اى يعمل صورها بدون أن يعبدها، والتصوير ولو للحيوان جائز فى تلك الأمم، وإن كانت للعبادة فذلك قبل أن يؤمن، ولعله جمع تلك الصفات كلها، وروى أنه كان فى غار يعبد الله، فنقول: هذا الغار فى أقصى المدينة، وهذه العبادة بعد كفره، إن سبق له كفر. وعنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا قط طرفة عين: على بن أبى طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون" تفسير : وصاحب يس هو هذا، ولا يقال يشكل على ذكر على أنه كان طفلا ذا ثمانى سنين، ودعاه النبى صلى الله عليه وسلم الى الإيمان، فقال لأبى طالب: إن محمدا يدعونى؟ قال فأجبه، لأنا نقول لا كفر للطفل، فهو مؤمن من قبل، لكن ذكر لأبيه الدعوة، أو هو ذاهل، وقيل: كان أول الاسلام التكليف متعلقا بالتمييز، والامام على حينئذ مميز. وروى أن هذا الرجل المذكور فى الآية كان مؤمنا بالنبى صلى الله عليه وسلم، كتبع الأكبر، وورقة قبل مبعثه، كما يؤمن به كل من رآه فى التوراة أو الإنجيل أو غيرهما، ويقال: كان مجذوما، فمنزلة أقصى أبواب المدينة، عبد الأصنام سبعين سنة، فدعاه المرسلون فقال: هل من آية؟ قالوا: يشفيك الله تعالى، قال: دعوت الأصنام سبعين سنة ولم تشفن فكيف يشفينى ربكم فى غدوة أو روحة؟ قالوا: عاجزة، وربنا قادر، فدعوا له فشفاه الله عز وجل، فقام يكسب ويتصدق بنصف ما يكسب، وينفق نصفا على نفسه وعياله. ولعل معنى كونهم لم يكفروا قط، أنهم لم يكفروا بعد الدعوة، ونقول: أما الذى رواه فى قرب المدينة يرعى، فدعوه، فقال: هل من آية؟ فقالوا: نشفى المرضى، ونبرىء الأكمه والأبرص، فذهب بهم الى ابنه مريضا ومسحوا عليه، وشفاه الله، فهو غير هذا، وان كان هو فمعنى إيمانه أنه أظهره، وقدم من أقصى هنا مع فضل الرجل بالإيمان تفننا فى البلاغة، ولأنه لو أخر لتوهم أنه متعلق يسعى فيفوت بيان أنه من أهل المدينة، وتقديمه ظاهر فى أنه من اهلها، ولو لم يكن نصا فيه، ولبيان أن بعده لم يمنعه من الإيمان وكون رحمته تعالى تسع القريب والبعيد، ولذا عبر بالمدينة بعد التعبير بالقرية، إذ صارت بانضمام الأطراف مدينة، ولبيان أن انذراهم بلغ أقصى المدينة لاجتهادهم فى التبليغ بالإظهار. {يَسْعَى} يسرع برجليه، أو بشدة قصد من قلبه، ولا يخفى أن الأول أولى لأنه حقيقة لا مجاز، مع أنه متضمن للمعنى المجازى أيضا لأن السعى بالمشى فى أمر انما يكون عن سعى القلب فيه. {قال يا قوم اتَّبعُوا المُرْسَلين} ذكرهم بالرسالة حثا على الإيمان، إذ لم يقل: اتبعوا هؤلاء الرجال، أو هؤلاء الذين جاءوكم، كما أنه خاطبهم بقوم مضافا لنفسه اشارة الى أنه يحب لهم الخير لا الشر، كما يحبه لنفسه وهو منهم، وشرهم شر له، وأنه ناصح لهم كما ينصح الإنسان نفسه.

الالوسي

تفسير : {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ } أي من أبعد مواضعها {رَجُلٌ } أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم، وجوز أن يكون التنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطئوا معه واسمه ـ على ما روي عن ابن عباس وأبـي مجلز وكعب الأحبار ومجاهد ومقاتل ـ حبيب وهو ابن إسرائيل على ما قيل، وقيل: ابن مري وكان على المشهور نجاراً، وقيل: كان حراثاً، وقيل: قصاراً، وقيل: إسكافاً، وقيل: نحاتاً للأصنام ويمكن أن يكون جامعاً لهذه الصفات، وذكر بعضهم أنه كان في غار مؤمناً يعبد ربه عز وجل فلما سمع أن قومه كذبوا الرسل جاء {يَسْعَىٰ } أي يعدو ويسرع في مشيه حرصاً على نصح قومه، وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم فسعى هنا مثلها في قوله تعالى: {أية : وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا }تفسير : [الإسراء: 19] وهو مجاز مشهور وكونه في غار لا ينافي مجيئه من أقصى المدينة لجواز أن يكون في أقصاها غار، نعم هذا القول ظاهر في أنه كان مؤمناً وهو ينافي أنه كان نحاتاً للأصنام. وأجيب بأن المراد ينحت التماثيل لا للعبادة وكان في تلك الشريعة مباحاً، وحكي القول بإيمانه عن ابن أبـي ليلى، ونقل في «البحر» عنه أنه قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا قط طرفة عين: علي بن أبـي طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون. وذكر الزمخشري وجماعة هذا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا ذكروا أنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما؛ ولم يؤمن أحد بنبـي غيره عليه الصلاة والسلام قبل ظهوره. وقيل كان مجذوماً وكان منزله أقصى باب من أبواب المدينة عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره فلم يكشف فلما دعاه الرسل إلى عبادة الله تعالى قال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعوا ربنا القادر يفرج عنك ما بك فقال: إن هذا لعجب لي سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع تفريجه فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: ربنا على ما يشاء قدير وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر فآمن ودعوا ربهم سبحانه فكشف عز وجل ما به كأن لم يكن به بأس فأقبل على التكسب فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه وأنفق النصف الآخر على نفسه وعياله فلما هم قومه بقتل الرسل جاء من أقصى المدينة يسعى، وعلى هذا نحته للأصنام غير مشكل ولا يحتاج إلى ذلك الجواب البعيد، نعم بين هذا وبين خبر «سباق الأمم ثلاثة» وأنه ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما آمن تبع منافاة، وكون إيمانه به عليه الصلاة والسلام إنما كان على يد الرسل وإن كان خلاف الظاهر دافع للمنافاة بينه وبين الأخير فتبقى المنافاة بينه وبين الخبر الأول إلا أن يقال: المراد سباق الأمم إلى الإيمان بعد الدعوة ثلاثة لم يكفروا بعدها قط طرفة عين، ومما يدل بظاهره أن الرجل لم يكن قبل مؤمناً ما حكي أن المرسلين اللذين أرسلا / أولاً لما قربا إلى المدينة رأياه يرعى غنماً فسألهما فأخبراه فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض فمسحاه فبرىء فآمن، وحمل آمن على أظهر الإيمان خلاف الظاهر، والذي يترجح في نظري أنه كان مؤمناً بالمرسلين قبل مجيئه ونصحه لقومه ولا جزم لي بإيمانه ولا عدمه قبل إرسال الرسل، وظواهر الأخبار في ذلك متعارضة ومع هذا لم يتحقق عندي صحة شيء منها والله أعلم تعالى أعلم بحقيقة الحال. {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ } هنا مقدماً على {رَجُلٌ } عكس ما جاء في القصص [20] وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بياناً لفضله إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم وإن بعده لم يمنعه عن ذلك ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وإن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد، وقيل قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين، وقيل إنه لو أخر توهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود، وجملة {يَسْعَىٰ } صفة {رَجُلٌ } وجوز كونها حالاً منه من جوز مجىء الحال من النكرة. وقوله تعالى: {قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال عند مجيئه؟ فقيل: قال {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } وجوز كونه بياناً للسعي بمعنى قصد وجه الله عز وجل ولا يخفى ما فيه، والتعرض لعنوان رسالتهم لحثهم على اتباعهم كما أن خطابهم بياقوم لتأليف قلوبهم واستمالتها نحو قبول نصيحته.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قصة التحاور الجاري بين أصحاب القرية والرسل الثلاثة لبيان البون بين حال المعاندين من أهل القرية وحالِ الرجل المؤمن منهم الذي وعظهم بموعظة بالغة وهو من نفر قليل من أهل القرية. فلك أن تجعل جملة {وجاء من أقصا المدينة} عطفاً على جملة { أية : جاءها المرسلون } تفسير : [يس: 13] ولك أن تجعلها عطفاً على جملة { أية : فقالوا إنا إليكم مرسلون } تفسير : [يس: 14]. والمراد بالمدينة هنا نفس القرية المذكورة في قوله: { أية : أصحاب القرية } تفسير : [يس: 13] عُبر عنها هنا بالمدينة تفنناً، فيكون {أقصا} صفة لمحذوف هو المضاف في المعنى إلى المدينة. والتقدير: من بَعيد المدينة، أي طرف المدينة، وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة الإِشارة إلى أن الإِيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في قلب المدينة لأن قلب المدينة هو مسكن حكامها وأحبار اليهود وهم أبعد عن الإِنصاف والنظر في صحة ما يدعوهم إليه الرسل، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم وخشيتهم بأسهم بخلاف سكان أطراف المدينة فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر وقلة اكتراثٍ بالآخرين لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم لقربهم من البدو. وبهذا يظهر وجه تقديم {من أقصا المدينة} على {رجل} للاهتمام بالثناء على أهل أقصى المدينة. وأنه قد يوجد الخير في الأطراف ما لا يوجد في الوسط، وأن الإِيمان يسبق إليه الضعفاء لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف وعظمة إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة، قال أبو تمام: شعر : كانت هي الوسطَ المحميّ فاتصلت بها الحوادث حتى أصبحت طرَفا تفسير : وأما قوله تعالى في سورة القصص (20) { أية : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } تفسير : فجاء النظم على الترتيب الأصلي إذ لا داعي إلى التقديم إذ كان ذلك الرجل ناصحاً ولم يكن داعياً للإِيمان. وعلى هذا فهذا الرجل غير مذكور في سفر أعمال الرسل وهو مما امتاز القرآن بالإعلام به. وعن ابن عباس وأصحابه وجد أن اسمه حبيب بن مرة قيل: كان نجاراً وقيل غير ذلك فلما أشرف الرسل على المدينة رآهم ورأى معجزة لهم أو كرامة فآمن. وقيل: كان مُؤمناً من قبل، ولا يبعد أن يكون هذا الرجل الذي وصفه المفسرون بالنِجّار أنه هو (سمعان) الذي يدعى (بالنيجر) المذكور في الإِصحاح الحادي عشر من سفر أعمال الرسل وأن وصف النجار محرف عن (نيجر) فقد جاء في الأسماء التي جرت في كلام المفسرين عن ابن عباس اسم شمعون الصفا أو سمعان. وليس هذا الاسم موجوداً في كتاب أعمال الرسل. ووصفُ الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعاً وأنه بلغه همُّ أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشيةً عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يُقتدَى به في الإِسراع إلى تغيير المنكر. وجملة {قال يا قوم} بدل اشتمال من جملة «جاء رجل» لأن مجيئه لما كان لهذا الغرض كان مما اشتمل عليه المجيء المذكور. وافتتاح خطابه إياهم بندائهم بوصف القومية له قُصد منه أن في كلامه الإِيماء إلى أن ما سيخاطبهم به هو محْض نصيحة لأنه يحِب لقومه ما يحِب لنفسه. والاتباع: الامتثال، استعير له الاتّباع تشبيهاً للآخِذِ برأي غيره بالمتبعِ له في سيره. والتعريف في {المرسلين} للعهد. وجملة {اتبعوا من لا يسألكم أجراً} مؤكدة لجملة {اتبعوا المرسلين} مع زيادة الإِيماء إلى علة اتّباعهم بلوائح علامات الصدق والنصح على رسالتهم إذ هم يَدْعُون إلى هُدى ولا نفع ينجرّ لهم من ذلك فتمحّضت دعوتهم لقصد هداية المرسَل إليهم، وهذه كلمة حكمة جامعة، أي اتبعوا من لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم. وإنما قدم في الصلة عدم سؤال الأجر على الاهتداء لأن القوم كانوا في شك من صدق المرسلين وكان من دواعي تكذيبهم اتّهامهم بأنهم يجرّون لأنفسهم نفعاً من ذلك لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال وصاروا بعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يَعُدّون كل سعي يلوح على امرىء إنما يسعى به إلى نفعه. فقدم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة وليَتهَيّؤوا إلى التأمل فيما يدعونهم إليه، ولأن هذا من قبيل التخلية بالنسبة للمرسلين والمرسل إليهم، والتخلية تُقدَّم على التحلية، فكانت جملة {لا يسألكم أجراً} أهم في صلة الموصول. والأجر يصدق بكل نفع دنيوي يحصل لأحد من عمله فيشمل المال والجاه والرئاسة. فلما نفي عنهم أن يسألوا أجراً فقد نفي عنهم أن يكونوا يرمون من دعوتهم إلى نفع دنيوي يحصل لهم. وبعد ذلك تهيّأ الموقع لجملة {وهُم مهتدون}، أي وهم متّصفون بالاهتداء إلى ما يأتي بالسعادة الأبدية، وهم إنما يدعونكم إلى أن تسيروا سِيرتهم فإذا كانوا هم مهتدين فإن ما يدعونكم إليه من الاقتداء بهم دعوة إلى الهدى، فتضمنت هذه الجملة بموقعها بعد التي قبلها ثناء على المرسلين وعلى ما يدعون إليه وترغيباً في متابعتهم. واعلم أن هذه الآية قد مثل بها القزويني في «الإِيضاح» و «التلخيص» للإِطناب المسمى بالإِيغال وهو أن يُوتَى بعد تمام المعنى المقصود بكلام آخر يتمّ المعنى بدونه لنكتة، وقد تبين لك مما فسّرنا به أن قوله: {وهم مهتدون} لم يكن مجرد زيادة بل كان لتوقف الموعظة عليها، وكان قوله: {من لا يسألكم أجراً} كالتوطئة له. ونعتذر لصاحب «التلخيص» بأن المثال يكفي فيه الفرض والتقدير. وجاءت الجملة الأولى من الصلة فعلية منفية لأن المقصود نفي أن يحدث منهم سؤال أجر فضلاً عن دوامه وثباته، وجاءت الجملة الثانية اسمية لإِفادة إثبات اهتدائهم ودوامه بحيث لا يخشى من يتبعهم أن يكون في وقت من الأوقات غير مهتد. وقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} عطف على جملة {اتبعوا المرسلين} قَصد إشعارهم بأنه اتَّبع المرسلين وخلع عبادة الأوثان، وأبرز الكلام في صورة استفهام إنكاري وبصيغة: ما لي لاَ أفعل، التي شأنها أن يوردها المتكلم في ردَ على من أنكر عليه فعلاً، أو ملكه العجب من فعله أو يوردها من يقدر ذلك في قلبه، ففيه إشعار بأنهم كانوا منكرين عليه الدعوة إلى تصديق الرسل الذين جاؤوا بتوحيد الله فإن ذلك يقتضي أنه سبقهم بما أمرهم به. و{ما} استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والمجرور من قوله: {لي} خبر عن {ما} الاستفهامية. وجملة {لا أعبد} حال من الضمير. والمعنى: وما يكون لي في حال لا أعبد الذي فطرني، أي لا شيء يمنعني من عبادة الذي خلقني، وهذا الخبر مستعمل في التعريض بهم كأنه يقول: وما لي لا أعبد وما لكم لا تعبدون الذي فطركم بقرينة قوله: {وإليه ترجعون}، إذ جعل الإِسناد إلى ضميرهم تقوية لمعنى التعرض، وإنما ابتدأه بإِسناد الخبر إلى نفسه لإِبرازه في معرض المناصحة لنفسه وهو مريد مناصحتهم ليتلَطَّف بهم ويدارئهم فيسمعهم الحق على وجه لا يثير غضبهم ويكون أعون على قبولهم إياه حين يرون أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ثُمّ أتبعه بإبطال عبادة الأصنام فرجع إلى طريقة التعريض بقوله: {أأتخذ من دونه آلهة} وهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لاستشعار سؤال عن وقوع الانتفاع بشفاعة تلك الآلهة عند الذي فطره، والاستفهام إنكاري، أي أنكر على نفسي أن أتخذ من دونه آلهة، أي لا أتخذ آلهة. والاتخاذ: افتعال من الأخذ وهو التناول، والتناول يشعر بتحصيل ما لم يكن قبل، فالاتخاذ مشعر بأنه صُنع وذلك من تمام التعريض بالمخاطبين أنهم جعلوا الأوثان آلهة وليست بآلهة لأن الإِله الحق لا يُجعل جعلاً ولكنه مستحق الإلهية بالذات. ووصف الآلهة المزعومة المفروضة الاتخاذَ بجملة الشرط بقوله: {إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون}. والمقصود: التعريض بالمخاطبين في اتخاذهم تلك الآلهة بعلة أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. وقد علم من انتفاء دفعهم الضر أنهم عاجزون عن جلب نفع لأن دواعي دفع الضر عن المَولى أقوى وأهم، ولحاق العار بالوَليّ في عجزه عنه أشد. وجاء بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة للوجه المتقدم آنفاً عند قوله تعالى: { أية : قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمٰن من شيء } تفسير : [يس: 15]. والإِنقاذ: التخليص من غلب أو كرب أو حيرة، أي لا تنفعني شفاعتهم عند الله الذي أرادني بضر ولا ينقذونني من الضر إذا أصابني. وإذ قد نفي عن شفاعتهم النفع للمشفوع فيه فقد نفي عنهم أن يشفعوا بطريق الالتزام لأن من يعلم أنه لا يُشفع لا يشْفّع، فكأنه قال: آتخذ من دونه آلهة لا شفاعة لهم عند الله، لإبطال اعتقادهم أنهم شفعاء مقبولو الشفاعة. وإذ كانت شفاعتهم لا تنفع لعجزهم وعدم مساواتهم لله الذي يضرّ وينفع في صفات الإِلهية كان انتفاء أن ينقِذوا أولى. وإنما ذكر العدول عن دلالة الفحوى إلى دلالة المنطوق لأن المقام مقام تصريح لتعلقه بالإِيمان وهو أساس الصلاح. وجملة {إني إذا لفي ضلال مبين} جواب للاستفهام الإِنكاري. فحرْف {إذن} جزاء للمنفي لا للنفي، أي إن اتخذتُ من دون الله آلهة أكُنْ في ضلال مبين. وجملة {إني آمنت بربكم فاسمعون} واقعة موقع الغاية من الخطاب والنتيجة من الدليل. وهذا إعلان لإِيمانه وتسجيل عليهم بأن الله هو ربهم لا تلك الأصنام. وأكد الإِعلان بتفريع {فاسمعون} استدعاءً لتحقيق أسماعهم إن كانوا في غفلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وجاء رجلٌ: أي جاء حبيب بن النجار صاحب يسۤ. من أقصى المدينة: أي من أقصا دور المدينة وهي أنطاكيا العاصمة. يسعى: أي يشتد مسرعاً لما بلغه أن أهل البلد عزموا على قتل رسل عيسى الثلاثة. قال يا قوم اتبعوا المرسلين: أي رسل عيسى عليه السلام. اتبعوا من لا يسألكم أجراً: اتبعوا من لا يطلبكم أجراً على إبلاغ دعوة الحق. وهم مهتدون: أي الرسل إنهم على هداية من ربهم ما هم بكذابين. فطرني: أي خلقني. إن يردن الرحمن بضر: أي بمرض ونحوه. ولا ينقذون: أي مما أراد الله لي من ضر في جسمي وغيره. إني إذاً لفي ضلال مبين: أي إني إذا اتخذت من دون الله آلهة أعبدها لفي ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون: أي صارح قومه بهذا القول وقتلوه. قيل ادخل الجنة: قالت له الملائكة عند الموت ادخل الجنة. يا ليت قومي يعلمون: قال هذا لما شاهد مقعه في الجنة. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين: وهو الإِيمان والتوحيد والصبر على ذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في مَثَلِ أصحاب القرية إنه بعد أن تعزز موقف الرسل الثلاثة وأعطاهم الله من الكرامات ما أبرأوا به المرضى بل وأحيوا الموتى بإذن الله وأصبح لهم أتباع مؤمنون غضب رؤساء البلاد وأرادوا أن يبطشوا بالرسل، وبلغ ذلك حبيب بن النجار وكان شيخاً مؤمناً موحداً يسكن في طرف المدينة الأقصى فجاء يشتد سعيا على قدميه فأمر ونهى وصارح القوم بإيمانه وتوحيده فقتلوه رفْساً بأرجلهم قال تعالى {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ} - أنطاكية - {رَجُلٌ يَسْعَىٰ} أي يمشي بسرعة لما بلغه أن أهل البلاد قد عزموا على قتل الرسل الثلاثة وما إن وصل إلى الجماهير الهائجة حتى قال بأعلى صوته: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} وسأل الرسل هل طلبتم على إبلاغكم دعوة عيسى أجراً قالوا لا. فقال {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} فاتبعوهم تهتدوا بهدايتهم. وقال له القوم وأنت تعبد الله مثلهم ولا تعبد آلهتنا؟ فقال: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أي وأي شيء يجعلني لا أعبده وهو خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي بعد موتكم فيحاسبكم ويجزيكم بعملكم. ثم اغتنم الفرصة ليدعو إلى ربّه فقال مستفهماً {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} أي أصناماً وأوثاناً لا تسمع ولا تبصر {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} وإن قل ولا ينقذون مما أراده بي من ضر ونحوه {إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي إني إذا أنا عبدت هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر لفي ضلال مبين واضح لا يحتاج إلى دليل عليه. ورفع صوته مبلغاً {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} أي بخالقكم ورازقكم ومالك أمركم دون هذه الأصنام والأوثان {فَٱسْمَعُونِ} وهنا وثبوا عليه فقتلوه. ولما قيل له ادخل الجنة ورأى نعيمها ذكر قومه ناصحاً لهم فقال: {يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} أي يعلمون بما غفر له وجعله من المكرمين وهو الإِيمان والتوحيد حتى يؤمنوا ويوحدوا فنصح قومه حيّاً وميتاً وهذا شأن المسلم الحسن الإِسلام والمؤمن الصادق الإِيمان ينصح ولا يغش ويرشد ولا يضل ومهما قالوا له وفيه ومهما عاملوه به من شدة وقسوة حتى الموت قتلاً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان كرامة حبيب بن النجار الذي نصح قومه حياً وميتاً. 2- بيان ما يلاقي دعة التوحيد والدين الحق في كل زمان ومكان من شدائد وأهوال. 3- وجوب إبلاغ دعوة الحق والتنديد بالشرك ومهما كان العذاب قاسياً. 4- بشرى المؤمن عند الموت لا سيما الشهيد فإنه يرى الجنة رأي العين.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَقْصَى} {يٰقَوْمِ} (20) - وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَطْرَافِ المَدِينَةِ يَسْعَى مُسْرِعاً إِلَى حَيْثُ كَانَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ وَهُمْ يُحَاوِرُونَ الرُّسُلَ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ اتِّبِعُوا رُسُلَ اللهِ إِلَيْكُمْ. يَسْعَى - يُسْرِعُ المَشْيَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله سبحانه: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] يدل على أن الرسولين الأولين اللذين كذَّبهما القوم كان لهما أنصار مؤمنون بهما، مُصدِّقون لدعوتهما، فلما جاء الثالث وأيضاً كذَّبه القوم أخذتْ هؤلاء المؤمنين حَمِيَّة الحق، وكان منهم هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لِنُصْرة الحق وإعلاء كلمته، وقالوا: اسمه حبيب النجار. ونلحظ في هذه الآية أولاً قوله سبحانه: {مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ} [يس: 20] أنه لم يكن قريباً من مكان هذه المناظرة الكلامية، وأنه تحمَّل المشاق في سبيل نُصْرته للحق، وهذا دليل على قوة الطاقة الإيمانية عند هذا الرجل، ودليل أيضاً على أن الرسولين السابقين قد بلغت دعوتهما أقصى المدينة. ثم وصفه بأنه (رَجُلٌ) ولم يَقُلْ فلان، فذكر الصفة البارزة في تكوينه أنه رجل. وهِمَّة الرجل هي التي تحدد مقدار رجولته، فرجل يريد الحياة لنفسه فقط والكل يخدمه، يرى كل شيء لنفسه ولا يرى نفسه لأحد، هذا رجل وطنه نفسه وذاته، ورجل وطنه أهله وعياله يُعدِّي إليهم منفعته، ورجل وطنه أمته، ورجل وطنه العالم كله مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فلسفة الرجل. إذن: هِمَم الرجال هي التي تحدد أوطانهم ومنازلهم، وأعلى هذه المنازل رجل وطنه العالم كله؛ لأن الخَلْق كلهم عيال الله، فمَنْ يحب الخير لهم وينثر عليهم ما ينفعهم فقد استأمنه الله على رزق العباد. ومثّلنا لبيان ذلك قلنا: هبْ أن لك أولاداً، واحداً منهم يأخذ مصروفه فينفقه على ملذاته ورغباته وفيما لا يفيد، والآخر يشتري بمصروفه حلوى ويُوزِّعها على إخوته الصغار، فأيهما تُؤثِره بعد ذلك، وأيهما تزيده؟ كذلك اليد المناولة عن الله لخَلْق الله، وكأن الله يقول له: أنت مأمون على نعمتي، مأمون على خَلْقى، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : وَإنِّي امْرُؤٌ لاَ تَسْتَقِرّ دَرَاهِمِي عَلَى الكَفِّ إلاَّ عَابِرَاتِ سَبيلِ تفسير : وقوله {يَسْعَىٰ} [يس: 20] يعني: أن مجيئه لم يكُنْ عادياً، إنما مسرعاً يجري {قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] وقوله {يٰقَوْمِ} [يس: 20] نداء لتحنين المنادَى، كأنه يقول: يا أهلي، يا عشيرتي، يا أبنائي، فذكر ما بينه وبينهم من صلات المودة والرحمة. وقوله {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] يدل على تأييده لهم، وهو هنا يذكر الحيثية الأولى لهذا الاتباع هي أنهم مرسلون، ثم يذكر لهم حيثية أخرى فيقول: {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [يس: 21] يعني: لم يطلبوا منكم أجراً على دعوتهم. وكلمة {مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} [يس: 21] لا تُقال إلا إذا كان العمل الذي قام به يحتاج إلى أجر، والرسول ما جاء إلا لينفع المرسَل إليهم، فهو منطقياً يحتاج إلى أجر، لكن مَنْ يستطيع أنْ يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه أجره إلا الله؛ لأن نَفْع الرسول يتعدَّى نفْع الدنيا إلى نفع الآخرة، فمَنْ من البشر يعطي الرسول ما يستحقه؟ لذلك رأينا الرسل جميعاً يقولون هذه الكلمة {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 72] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أنْ يطلب منه أجراً على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دَعا دَعا فرعون الذي ربَّاه في بيته، وله فَضْل عليه، فكيف يطلب منه أجراً؟ وقوله سبحانه: {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [يس: 21] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم مُرْسَلُون من قِبَل مَنْ أرسله الله، والله لا يرسل إلا مَنْ يهدي إلى صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعِلَّته، فهؤلاء الرسل لا يسألون أجراً، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى. ثم يلتفت هذا الرجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوَة، ولو كنتُ سأغشُّكُم فلن أغشَّ نفسي {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] أي: خلقني من العدم، فهو أوْلى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدَّني من عُدم، ولا زال يُوالي عليَّ نعمه، إذن: ما يمنعني أن أعبده وهو أَوْلَى بالعبادة، ولو لم تكُنْ عبادتي له إلا لأُكافئه على نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانتْ عبادته واجبة. وهذا ليس كلامَ رسول، إنما كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمانُ قلبه، فأراد أنْ يزكّي إيمانه، وأنْ يُعدّى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : الحق سبحانه خلق الخَلْق أولاً، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل بدورهم بلَّغوا الأصحاب، ومَنْ بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها فرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع ". تفسير : إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولاً الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم الدعوة، وهذا التحمُّل ليس تفضُّلاً، إنما تكليف من الله، لذلك قال سبحانه: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أنْ تشهدوا على الناس أنكم بلَّغتموهم؛ لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول. لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولاً ولم يكلِّفه أحد بهذا، إنما تطوَّع به؛ لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف. ثم نراه يُطبِّق المسألة على نفسه أولاً، فيقول: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] وهذا تلطُّف في عرض الدعوة وأحرى أنْ تُقبل. وقوله: {وَمَا لِيَ} [يس: 22] كأنه يتعجب من أمر نفسه لو أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان - عليه السلام: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} تفسير : [النمل: 20]. فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول: لا بُدَّ أن يكون الهدهد موجواً لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل موجود، فالعجب عندي أنا: ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر {أية : أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20] يعني: إما أنْ يكون المانع من عندي أنا، أو من عنده، كأنه يُشكِّك في الأول، ثم يُدقِّق فيجده من عنده هو. فقوله: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] كأن أمر الفطرة والخَلْق يقتضي أن تَعْبد الذي فَطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي العجب. لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] يعني: كيف يكون ذلك منكم، إنَّ كفركم بالله الذي خلقكم ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم بها. والفَطْر: الخَلْق العجيب على غير مثال سابق؛ لذلك يقول سبحانه عن نفسه {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 117] يعني: خلق السماوات والأرض ابتداءً على غير مثال سابق احتذاه في الخَلْق. أو: أن المعنى {ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] أي: على الإيمان به إيمان فطرة، إذن: فإيمانه بالله إما إيمان شكر لمن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، أو إيمان الفطرة الأولى التي فطر الله الناسَ عليها، واستجاب هو لِمَا في ذاته من هذه الفطرة. وحين نتأمل مهمة هذا الرجل نجد أنه أشبه بالقلب بالنسبة لباقي أعضاء الجسم، أي: من حيث تكوين مراحل الإيمان، كيف؟ الجسم عبارة عن جوارح متعددة، لكل جارحة مهمة ووظيفة، وحياة الجسم تتطلب مقومات الحياة من الطعام والشراب والهواء، فيأكل الإنسان من نتاج الأرض، ويشرب من مائها. وبعد عملية التناول وما فيها من نِعَم لله في أسنان تقطع، وأضراس تطحن، ولعاب يساعد في عملية البلع، وعصارات هاضمة .. الخ يتمثل الغذاء في الجسم إلى دم يستقبله القلب فيأخذ منه حاجته أولاً ليقوِّي نفسه على ضَخِّ الدم إلى باقي الأعضاء ليؤدي كلُّ عضوٍ مهمته. كذلك، كان هذا الرجل من حيث قوة إيمانه، فبعد أنْ آمن واستقر الإيمان في قلبه أراد أنْ يُعدِّي إيمانه إلى قومه، وأنْ يُشِعَّ عليهم من الهداية التي تشرَّب بها قلبه، إذن: فهو يمثل قلب الرسالات، لذلك جاء في الحديث الشريف أن "حديث : يس قلب القرآن" تفسير : وهذه المسألة لم تأتِ إلا في يس، لذلك كانت هي قلب القرآن؛ لأنها جاءت بآخر مرحلة من مرَاحل الرسالات التطوعية التي تخدم الرسالة الواجبيّة. وما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن يس قلب القرآن، فعلى المؤمن أنْ يقبل كل ما جاء في فضلها مما صَحَّ عن رسول الله، وليس من الضروري أن نقف على عِلَّة كل شيء، لأن الإيمان كما قلنا غيب ومشهد، والمؤمن يأخذ من صِدْق ما شاهد دليلاً على صِدْق ما غاب عنه. إذن: لنأخذ هذه الأحاديث على العين والرأس، حتى إن قرأتَ يس، فلم تجد ما أخبرتْ به الأحاديث، فيكفيك أنك تقرأ كلام الله، ولن تُعدم الخير على أيِّ حال؛ لذلك رأينا بعضهم يضع الأحاديث التي تحثُّ على قراءة القرآن. وقد ورد في حديث أُبيٍّ أن المريض الذي تُقرأ عنده يس تأتيه صفوف الملائكة على قدر كل حرف منها عشرة آلاف مَلَك، لا يفارقونه حتى يموت، ثم يشهدون تغسيله، ويشهدون تشييعه، والصلاة عليه ودفنه. وفي رواية أخرى: مَنْ قُرئت عنده يس وهو مريض، أو قرأها هو لنفسه يأتيه جبريل عليه السلام بكأس فيه ماء، فيشربه شربةً لا يظمأ بعدها، ولا يحتاج إلى أحواض الأنبياء. هذا كله وغيره على العين والرأس، وتحقق معناه عندنا، أو لم يتحقق. وقوله سبحانه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] يعني: لا تظنوا أنكم تفلتون من الله؛ لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية إليه والمرجع، فإنْ لم تُقدِّروا نعمة الإيجاد فقدِّروا مغبة العَوْد. ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] ثم يعدل عن الإفراد إلى خطاب الجماعة والقوم المكذِّبين {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] ولم يَقُلْ: وإليه أرجع، لماذا؟ قالوا: لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما تأتي على مراحل ثلاث: الأولى: أنْ تطيع مَنْ تجد فيه نموذجاً كمالياً يستحق أن يُطاع، ويستحق أنْ يُحمد لكماله، وإنْ لم يَعُدْ عليك منه شيء، كما تنظر مثلاً إلى قصيدة رائعة معبِّرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت لا يعود عليك شيء منها لكنك تُقدِّر الشاعر لذاته. الثانية: أن تطيع إنساناً وتُقدِّره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيراً ما نرى الناس يخدمون رجلاً جباناً لا يستحق أنْ يخدم، وما خدمه الناسُ إلا طمعاً فيما عنده. والمرحلة الثالثة: أنْ تطيع شخصاً أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاءَ شرِّه. وقد حقق الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى المرحلتين الأولى والثانية في قوله {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] فأنا أعبده لأنه بكماله يستحق أن يُعبد، وأعبده لنعمه المتوالية، أما المرحلة الثالثة فجعلها لهؤلاء المكذِّبين من قومه، فقال {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22]. يعني: تنبهوا يا قوم: إذا لم تقدروا في الله صفات الكمال التي يُحبُّ لأجلها، ولم تقدروا في الله نعمه المتوالية عليكم، فاعلموا أن العودة إليه والمرجع والمصير بين يديه، وهو سبحانه قوي عليكم، لا يفلت من قبضته أحد. ثم يؤكد هذا الرجل المؤمن على مسألة عباده الله وحده، فيزيد: {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما سمعوا من الرسل ما سمعوا، صمموا العزم إلى قتلهم واجتمعوا ليرجموهم، وانتشر الخبر بن أظهر المدينة، وسعى من يسمع نحوهم حتى {جَآءَ} حينئذ {مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ} من السامعين، وهو حبيب النجار، وكان مؤمناً موحداً، يعبد الله، وكان قد لقي الرسولين الأولين حين دخلا المدينة أولاً، فسلم عليهما وتكلم معهما، فقال لهما: من أنتمما؟ قال: رسولا عيسى النبي عليه السلام، إنما أرسلنا لندعوكم إلى طريق الحق وننقذكم من عبادة الأوثان، فقال: أمعكما آية؟ قالا: ونبرئ الأكمة والأبرص، فجاء بابنه المريض منذ سنين فمسحاه، فقام الابن سالماً، نشفي المريض، فآمن لهما وصدقهما وانفصل عنهما مؤمناً، واشتغل بعبادة الله. فدخلا البلد، وأظهرا الدعوة لأهلها وأنكروا عليهما، واتفقوا بقتلهما، فأُخبر الحبيب بذلك، فجاء على الفور حال كونه {يَسْعَىٰ} ويذهب سريعاً، فلما وصل المجمع ورآهم مجتمعين عليهما، فسألهما على رءوس الملأ: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى النبي عليه السلام ندعوكم إلى توحيد الحق، قال: هل تسألان الأجر والجعل لرسالتكما؟ قال: لا، ما أجرنا إلا على ربنا، ثم التفت نحو القوم {قَالَ يٰقَوْمِ} ناداهم وأضافهم على نفسه؛ ليقبلوا منه كلامه، وكان مشهوراً بينهم بالورع واعتدال الأخلاق: {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] المبعثوين إليكم بالحق؛ ليرشدوكم إلى طريق الحق وتوحيده، إنما جمعل المرسلين مع أنهما اثنان؛ لأن الحبيب منهم حقيقة. {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} أي: اتبعوا هادياً بالحق على الحق إلى الحق، خالصاً لوجه الحق بلا غرض نفساني من جعل وغيره، كالمشتيخة المزورين الذين يجمعون بتلبيساتهم وتغريراتهم أموالاً كثيرة من الحمقى المتماثلين نحو أباطليهم وتزويراتهم {وَ} كيف لا تتبعون أيها العقلاء الطالبون للهداية والصواب {هُمْ مُّهْتَدُونَ} [يس: 21] مصيبون، متصفون بالرشد والهداية قولاً وفعلاً. ثم لما سمع القوم من الحبيب ما سمعوا، عيروه وشنعوا عليه، وقالوا له: لست أنت أيضاً على ديننا ودين آبائنا، بل ما أنتم إلا على دين هؤلاء المدعين {وَ} بعدما ما تفرس الحبيب منهم الإكار عليه أيضاً، قال كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة والفطنة على وجه العظة والتذكر لنفسه؛ ليتعظوا به على سبيل الالتزام؛ إذ هو أسلم الطرق في العظة والتذكير، وأدخل في النصيحة والتنبيه: {مَا لِيَ} أي: أيّ شيء عرض عليّ ولحق بي {لاَ أَعْبُدُ} وأتوجه على وجه التذلل والانكسار للمعبود {ٱلَّذِي فَطَرَنِي} على فطرة العبودية؛ أي: أبدعني وأظهرني من كتم العدم ولم أك شيئاً مذكوراً، ورباني بأنواع اللطف والكرم وأفاض عليّ من موائد لطفه وإحسانه، سيما العقل المفاض المرشد إلى المبدأ والمعاد {وَ} كيف لا أعبد وأتوجه نحوه؛ إذ {إِلَيْهِ} سبحانه الموصوف بالأسماء الحسنى ونعوت الجلال والجمال، لا إلى غيره من الأوثان والأصنام الحادثة، الهالكة في ذواتها، العاطلة عن الأوصاف الكاملة، المنحطة عن رتبة الألوهية والربوبية {تُرْجَعُونَ} [يس: 22] أنتم أيها الأظلال الهالكون، التائهون في بيداء ظهوره، حيارى هائمين رجوع الأضواء إلى شمس الذات، والأمواج إلى بحر الوحدة الذاتية. {أَ} أنكروا المعبود على الحق، المظهر لما في الوجود {أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} باطلة من الأوثان، عاطلة عن التصرفات مطلقاً، منحطة عن رتبة العبودية، فكيف عن الربوبية والألوهية؟! وسميتهم شفعاء مغيثين لدى الحاجة مع أنه {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} القادر المقتدر على أصناف الإنعام والانتقام {بِضُرٍّ} أي: مصيبة وسوء يتعلق مشيئته على إنزاله إليّ {لاَّ تُغْنِ} ولا تدفع {عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} من بأس الله وعذابه، بل لا تنفعني شفاعتهم أصلاً {وَلاَ يُنقِذُونَ} [يس: 23] بالمعاونة والمظاهرة عن عذابه سبحانه أيضاً. وبالجملة: {إِنِّيۤ} بواسطة اتخاذهم شركاء لله، شفعاء عنده {إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يس: 24] وغواية عظيمة ظاهرة؛ إذ اختيار ما لا ينفع ولا يضر على الضار النافع المعطي المانع، أو ادعاء مشاركتهم معه وشفاعتهم عنده سبحانه من أشد الضلالات وأردأ الجهالات. {إِنِّيۤ} بعدما تفطنت بوحدة الحق واستقلاله في الوجود والآثار {آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} الذي هو ربي ورب جميع ما في حيطة الوجود وتحت ظله من الأكوان غيباً وشهادة، واعترفت بتوحيده واستقلاله بالتصرف في ملكه وملكوته بعدما كوشفت بوحدة ذاته {فَٱسْمَعُونِ} [يس: 25] أيها العقلاء السامعون، المدركون مضمون قولي، واتصفوا بما فيه، وتذكروا به إن كنتم تعلمون. فلما سمعوا منه توصيته وتذكيره، أخذوا في قتله وهلاكه، فوطئوه بأرجلهم إلى حيث يخرج أمعاءه من دبره، وهو في تلك الحالة زاد انكشافه بربه، واستولى عليه سلطان الوحدة وجذبته العناية الإلهية، وأدركته الكرامة القدسية حيث {قِيلَ} له من قبل الحق حينئذ: اخرج من هوؤتك وانخلع من أنانيتك {ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} أي: فضاء الوحدة التي لا فيها وصب ولا نصب ، ولا عناء ولا تعب، فخرج وانخلع، فدخل على الفور واتصل، ثم بعدما وصل إلى ما وصل {قَالَ} متمنياً، متحسراً لقومه بعدما لحق بفضاء الوصال: {يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: 26]. {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} وانكشف علي وجذبني نحوه بعدما ستر عني أنانيتي ومحا مني هويتي {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} [يس: 27] المكرمين: الآمنين الفائزين المستبشرين الذين {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 795 : 6 : 8 - قال سفين، بلغني أن صاحب يس يقال له حبيب بن مُرى. [الآية 20].

همام الصنعاني

تفسير : 2471- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ}: [الآية: 20]، قال: بلغني أنه كان رجُلاً يعبد الله في غار واسمه "حبيب"، فَسَمع بهؤلاء النفر الذين أرسلهم عيسى إلى أنطاكية، فجاءهم، فقال: أتسألُون أجراً! قالوا: لا، فقال لقومه: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ * ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً ...} حتى بلغ {فَٱسْمَعُونِ} [الآيات: 20 إلى 25]، قال: فرجموه بالحجارة، فجَعَل يَقُولُ: رب أهْدِ قومي،ـ أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون، قال: فلم يزالوا يرجمونه حتى قتلوه، فدخل الجنة، فقال: {يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ...} حتى بلغ: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً}: [الآيات: من 26 إلى 29]. قال: فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم صيحة واحدة: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}: [الآية: 29].