Verse. 3735 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

يٰحَسْرَۃً عَلَي الْعِبَادِ۝۰ۚؗ مَا يَاْتِيْہِمْ مِّنْ رَّسُوْلٍ اِلَّا كَانُوْا بِہٖ يَسْتَہْزِءُوْنَ۝۳۰
Ya hasratan AAala alAAibadi ma yateehim min rasoolin illa kanoo bihi yastahzioona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا حسرة على العباد» هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا، وهي شدة التألم ونداؤها مجاز، أي هذا أوانك فاحضري «ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءُون» مسوق لبيان سببها لاشتماله على استهزائهم المؤدى إلى إهلاكهم المسبب عنه الحسرة.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } أي هذا وقت الحسرة فاحضري يا حسرة والتنكير للتكثير، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الألف واللام في العباد يحتمل وجهين أحدهما: للمعهود وهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك وثانيهما: لتعريف الجنس جنس الكفار المكذبين. المسألة الثانية: من المتحسر؟ نقول فيه وجوه الأول: لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب. وههنا بحث لغوي: وهو أن المفعول قد يرفض رأساً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال إن فلاناً يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء معطي إذ المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل، والوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت الثاني: أن قائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيماً للأمر وتهويلاً له وحينئذٍ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة، ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال: {يا حَسْرَةً } بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء، فإن النداء مجاز والمراد الإخبار الثالث: المتلهفون من المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل كان يقول: اللهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال: يا ليت قومي يعلمون، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه. المسألة الثالثة: قرىء {يا حَسْرَةً } بالتنوين، و (يا حسرة العباد) بالإضافة من غير كلمة على، وقرىء يا حسرة علي بالهاء إجراء للوصل مجرى الوقف. المسألة الرابعة: من المراد بالعباد؟ نقول فيه وجوه أحدها: الرسل الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم وثانيها: هم قوم حبيب وثالثها: كل من كفر وأصر واستكبر وعلى الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] وقوله: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } تفسير : [الزمر: 53] وعلى الثاني فإطلاق العباد على الكفار، وفرق بين العبد مطلقاً وبين المضاف إلى الله تعالى فإن الإضافة إلى الشريف تكسو المضاف شرفاً تقول بيت الله فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت، وعلى هذا فقوله تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الفرقان: 63] من قبيل قوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي } تفسير : [الحجر: 42] وكذلك {أية : عِبَادَ ٱللَّهِ } تفسير : [الصافات: 74]. ثم بين الله تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية، وأعرفه نفسه، وطلب منه أمراً هيناً فكذبه ولم يجبه إلا ما دعاه، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابه كما قال: {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] وجاؤا وعرفوا أنفسهم ولم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند الله لهم، وكان ما يدعون إليه أمراً هيناً نفعه عائد إليهم من عبادة الله وما كانوا يسألون عليه أجراً، فعند ذلك تكون الندامة الشديدة، وكيف لا وهم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزأوا واستخفوا واستهانوا وقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ } الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى قوم حبيب، أي ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة إلا كانوا به يستهزؤون على قولنا الحسرة عليهم، ويجوز أن يكون عائداً إلى الكفار المصرين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} منصوب؛ لأنه نداء نكرة ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أُبَيّ «يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ» على الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً. وزعم الفراء أن الاختيار النصب، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصلة كان صواباً. وٱستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مُهَتمُّ بأمرنا لا تهتمّ. وأنشد:شعر : يا دارُ غَيَّرها البِـلَى تَغْييرَا تفسير : قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره؛ لأنه يرفع النكرة المحضة، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طوله، وبحذف التنوين متوسطاً، ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه؛ لأن تقدير يا مُهْتَمُّ بأمرنا لا تهتم على التقديم والتأخير، والمعنى: يأيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت: يأيتها الدار، ثم حوّل المخاطبة؛ أي يا هؤلاء غيّر هذه الدار البلى؛ كما قال الله جل وعز: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. فـ«ـحسرة» منصوب على النداء؛ كما تقول يا رجلاً أقبل، ومعنى النداء: هذا موضع حضور الحسرة. الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندُّماً وتلهُّفاً في ٱستهزائهم برسل الله عليهم السلام. ٱبن عباس: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» أي يا ويلا على العباد. وعنه أيضاً: حلّ هؤلاء محلّ من يتحسر عليهم. وروى الربيع عن أنس عن أبي العالية أن العباد هاهنا الرسل؛ وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: «يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ» فتحسروا على قتلهم، وترك الإيمان بهم؛ فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان؛ وقاله مجاهد. وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، لما وثب القوم لقتله. وقيل: إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وحلَّ بالقوم العذاب: يا حسرة على هؤلاء، كأنهم تمنوا أن يكونوا قد آمنوا. وقيل: هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة، على ٱختلاف الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل، وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنا بهم في الوقت الذي ينفع الإيمان. وتم الكلام على هذا، ثم ٱبتدأ فقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ}. وقرأ ٱبن هُرْمُز ومسلم بن جُنْدب وعِكرمة: «يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَادِ» بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس؛ إذ كان موضع وعظ وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله، وإن لم يكن موضعاً للوقف. ومن ذلك ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يُقَطِّعُ قراءته حرفاً حرفاً؛ حرصاً على البيان والإفهام. ويجوز أن يكون «عَلَى الْعِبَادِ» متعلقاً بالحسرة. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف لا بالحسرة؛ فكأنه قدر الوقف على الحسرة فأسكن الهاء، ثم قال: «عَلَى الْعِبَادِ» أي أتحسر على العباد. وعن ٱبن عباس والضحاك وغيرهما: «يَا حَسْرَةَ العِبَادِ» مضاف بحذف «على». وهو خلاف المصحف. وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين؛ كأنهم إذا شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيدٍ. ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المفعول، فيكون العباد مفعولين؛ فكأن العباد يتحّسر عليهم من يشفق لهم. وقراءة من قرأ: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» مقوِّية لهذا المعنى. قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } قال سيبويه: «أنّ» بدل من «كم»، ومعنى كم هاهنا الخبر؛ فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام. والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء: «كَمْ» في موضع نصب من وجهين: أحدهما بـ«ـيَرَوْا» وٱستشهد على هذا بأنه في قراءة ٱبن مسعود «أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا». والوجه الآخر أن يكون «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا». قال النحاس: القول الأوّل محال؛ لأن «كَمْ» لا يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها ٱستفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. وكذا حكمها إذا كانت خبراً، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل «أَنَّهُمْ» بدلاً من كم. وقد ردّ ذلك محمد بن يزيد أشدّ ردّ، وقال «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا» و «أَنَّهُمْ» في موضع نصب، والمعنى عنده بأنهم أي {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} بالاستئصال. قال: والدليل على هذا أنها في قراءة عبد الله «مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ». وقرأ الحسن: «إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ» بكسر الهمزة على الاستئناف. وهذه الآية ردٌّ على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت. {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } يريد يوم القيامة للجزاء. وقرأ ٱبن عامر وعاصم وحمزة: «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتشديد «لما». وخفف الباقون. فـ«ـإن» مخففة من الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء، وما بعده الخبر. وبطل عملها حين تغيَّر لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقاً بينها وبين إن التي بمعنى ما. و «ما» عند أبي عبيدة زائدة. والتقدير عنده: وإن كلٌّ لجميع. قال الفرّاء: ومن شدّد جعل «لما» بمعنى إلا و «إِن» بمعنى ما، أي ما كلٌّ إلاَّ لَجميع؛ كقوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ}تفسير : [المؤمنون: 25]. وحكى سيبويه في قوله: سألتك بالله لما فعلت. وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى هذا المعنى في «هود». وفي حرف أُبَيّ «وَإِنْ مِنْهُمْ إِلاَّ جَميعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ».

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} أي: يا ويل العباد وقال قتادة: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} أي: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله، وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسها ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا، المكذبون منهم {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق. ثم قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} تفسير : [المؤمنون: 37] وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلاً منهم أنهم يعودون إلى الدنيا، كما كانوا فيها، فرد الله تبارك وتعالى عليهم باطلهم، فقال تبارك وتعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}. وقوله عز وجل: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذا كقوله جل وعلا: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [هود: 111] وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ {وإن كلٌّ لَمَا} بالتخفيف، فعنده أن (إن) للإثبات، ومنهم من شدد {لَّمَّا} وجعل إن نافية، ولما بمعنى إلا، تقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا، وهي شدة التألم ونداؤها مجاز، أي هذا أوانُكِ فاحضري {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُنَ} مسوق لبيان سببها لاشتماله على استهزائهم المؤدي إلى إهلاكهم المسبب عنه الحسرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَاحَسْرَةً} يا حسرة العباد على أنفسهم، أو يا حسرتهم على الرسل الثلاثة أو حلوا محل من يُتحسر عليه "ع" والحسرة بعد معاناة العذاب، أو في القيامة "ع".

البقاعي

تفسير : ولما أخبر عنهم سبحانه بما هو الحق من أمرهم، ورغبهم بما ضرب لهم من المثل ورهبهم ولم ينفعهم ذلك، أنتج التأسيف عليهم وعلى الممثل بهم ومن شابههم فقال تعالى: {يا حسرة} أي هذا الحال مستحق لملازمة حسرة عظيمة {على العباد} فكأنه قيل لها: تعالى فهذا من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، فإن هؤلاء أحقاء بأن يتحسر عليهم، والحسرة: شدة الندم على ما فات، فأحرق فقده وأعيى أمره، فلا حيلة في رده، ويجوز أن يكون المعنى أن العباد - لكثرة ما يعكسون من أعمالهم - لا تفارقهم أسباب الحسرة ولا حاضر معهم غيرها، فلا نديم لهم إلا هي، ولا مستعلي عليهم وغالب لهم سواها. ولما كان كأنه قيل: أيّ حال؟ قال مبيناً له ومعللاً للتحسر بذكر سببه: {ما يأتيهم} وأعرق في النفي والتعميم بقوله: {من رسول} أي رسول كان في أيّ وقت كان {إلا كانوا به} أي بذلك الرسول {يستهزءون *} أي يوجدون الهزء، والرسل أبعد الخلق من الهزء حالاً ومقالاً وفعالاً، ومن الواضح أن المستهزئ بمن هذا حاله هالك فهو جدير بملازمة الحسرة وأن يتحسر عليه. ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم وآخره، وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه، دل عليه معجباً عن عدم نظرهم لأنفسهم ومهدداً للسامعين منهم، ومحذراً من آخر أمر الممثل بهم على وجه اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله: {ألم يروا} أي يعلم هؤلاء الذين تدعوهم علماً هو كالرؤية بما صح عندهم من الأخبار وما شاهدوه من الآثار: {كم أهلكنا} على ما لنا من العظمة، ودل قوله: {قبلهم} - بكونه ظرفاً لم يذكر فيه الجار - على أن المراد جميع الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى زمانهم، وإدخال الجار على المهلكين يدل على أن المراد بعضهم، فرجع حاصل ذلك إلى أن المراد: انظروا جميع ما مضى من الزمان هل عذب فيه قوم عذاب الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال: {من القرون} أي الكثيرة الشديدة الضخمة، والقرن - قال البغوي: أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم} أي لأن القرون. ولما كان المراد من رسول ليس واحداً بعينه، وكانت صيغة فعول كفعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع، أعاد الضمير للجميع فقال: {إليهم} أي إلى الرسل خاصة من حيث كونهم رسلاً {لا يرجعون *} أي عن مذاهبهم الخبيثة، ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم أصلاً في شيء من الأشياء الدينية او الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلاً في أنه كلما كذب قوم رسولهم أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه، أفلا يخاف هؤلاء أن نجريهم على تلك السنة القديمة القويمة فـ "إن" تعليلية على إرادة حذف لام العلة كما هو معروف في غير موضع، وضمير {أنهم} للمرسل إليهم، وضمير {إليهم} للرسل، لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم، والتعبير بالمضارع للدلالة على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع تماديهم في العناد بتجديد عدم الرجوع، و {يرجعون} هنا نحو قوله تعالى {أية : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} تفسير : [السجدة: 21] أي عن طرقهم الفاسدة - وهذا معنى الآية بغير شك، وليس بشيء قول من قال: المعنى أن المهلكين لا يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من يقول بالرجعة لأن العرب ليست ممن يعتقد ذلك، ولو سلم لم يحسن، لأن السياق ليس له، لم يتقدم عنهم غير الاستهزاء، فأنكر عليهم استهزاءهم مع علمهم بأن الله تعالى أجرى سنته أن من استهزأ بالرسل وخالف قولهم فلم يرجع إليه أهلكه، أطرد ذلك من سنته ولم يتخلف في أمة من الأمم كما وقع لقوم نوح وهود ومن بعدهم، لم يتخلف في واحدة منهم، وكلهم تعرف العرب أخبارهم، وينظرون آثارهم، وكذا يعرفون قصة موسى عليه السلام مع فرعون, فالسياق للتهديد, فصار المعنى: ألم ير هؤلاء كثرة من أهلكنا ممن قبلهم لمخالفتهم للرسل، أفلا يخشون مثل ذلك في مخالفتهم لرسولهم؟ وذلك موافق لقراءة الكسر التي نقلها البرهان السفاقسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره عن الحسن، وقالوا: إنها استئنافية، فهي على تقدير سؤال من كأنه قال: لم أهلكهم؟ وهذا كما إذا شاع أن الوادي الفلاني ما سلكه أحد إلا أصيب، يكون ذلك مانعاً عن سلوكه، وإن أراد ذلك أحد صح أن يقال له: ألم تر أنه ما سلكه أحد إلا هلك، فيكون ذلك زاجراً له ورادّاً عن التمادي فيه، لكون العلة في الهلاك سلوكه فقط، وذلك أكف له من أن يقال له: ألم تر أن الناس يموتون وكثرة من مات منهم ولم يرجع أحد منهم، غير معلل ذلك بشيء من سلوك الوادي ولا غيره، فإن هذا أمر معلوم له، غير مجدد فائدة، وزيادة عدم الرجوع إلى الدنيا لا دخل لها في العلية أيضاً لأن ذلك معلوم عند المخاطبين بل هم قائلون بأعظم منه من أنه لا حياة بعد الموت لا إلى الدنيا ولا إلى غيرها، وعلى تقدير التسليم فربما كان ذكر الرجوع للأموات أولى بأن يكون تهديداً، فإن كل إنسان منهم يرجع حينئذ إلى ما في يد غيره مما كان مات عليه ويصير المتبوع بذلك تابعاً أو يقع الحرب وتحصل الفتن، فأفاد ذلك أنه لا يصلح التهديد بعدم الرجوع - والله الموفق للصواب. ولما كان كثير من أهل الجهل وذوي الحمية والأنفة لا يبالون بالهلاك في متابعة الهوى اعتماداً على أن موتة واحدة في لحظة يسيرة أهون من حمل النفس على ما لا تريد، فيكون لهم في كل حين موتات، أخبر تعالى أن الأمر غير منقض بالهلاك الدنيوي، بل هناك من الخزي والذل والهوان والعقوبة والإيلام ما لا ينقضي أبداً فقال: {وإن كل} أي وإنهم كلهم، لا يشذ منهم أحد، وزاد في التأكيد لمزيد تكذيبهم بقوله: {لما} ومن شدد {لما} فالمعنى عنده "وما كل منهم إلا" وأشار إلى أنهم يأتون صاغرين راغمين في حالة اجتماعهم كلهم في الموقف لا تناصر عندهم ولا تمانع, وليس أحد منهم غائب بحال التخلف عن الانتصار عليه فقال: {جميع} وأشار إلى غرابة الهيئة التي يجتمعون عليها بقوله: {لدينا} وزاد في العظمة بإبرازه في مظهرها، وعبر باسم الفاعل المأخوذ من المبني للمفعول جامعاً نظراً إلى معنى {كل} لأنه أدل على الجمع في آن واحد وهو أدل على العظمة: {محضرون *} أي في يوم القيامة بعد بعثهم بأعيانهم كما كانوا في الدنيا سواء، إشارة إلى أن هذا الجمع على كراهة منهم وإلى أنه أمر ثابت لازم دائم، كأنه لعظيم ثباته لم يزل، وأنه لا بد منه، ولا حيلة في التفصي عنه، وأنه يسير لا توقف له غير الإذن، فإذا أذن فعله كل من يؤمر به من الجنود كائناً من كان، وما أحسن ما قال القائل: شعر : ولو أنــا متنــا تركنـــا لكـان المـوت راحـة كـل حـي ولكنـا إذا متنــا بعثنــا ونسـأل بعـدهـا عـن كـل شـي تفسير : ولما أتم ضرب المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة ببشارة ونذارة حتى أن من طبع على قلبه فهو لا يؤمن وإن كان قريباً في النسب والدار، ومن أسكن قلبه الخشية يؤمن وإن شط به النسب والمزار، فتم التعريف بالقسم المقصود بالذات وهو من يتبع الذكر، وختم بالبعث وكانوا له منكرين، وكان قد جعله في صدر الكلام من تمام بشارة من اتبع الذكر، دل عليه بقوله مبتدئاً بنكرة تنويها دال على تعظيمها: {وآية} أي علامة عظيمة {لهم} على قدرتنا على البعث وإيجادنا له {الأرض} أي هذا الجنس الذي هم منه؛ ثم وصفها بما حقق وجه الشبه فقال: {الميتة} التي لا روح لها لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفني فتفتت وصار تراباً أو لم يكن بها شيء أصلاً. ثم استأنف بيان كونها آية بقوله: {أحييناها} أي باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله. ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال: {وأخرجنا منها حباً} ونبه تعالى على عظيم القدرة فيها وعلى عموم نفعها بمظهر العظمة، وزاد في التنبيه بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان فقال مقدماً للجار إشارة إلى عد غيره بالنسبة إليه عدماً لعظيم وقعه وعموم نفعه بدليل أنه متى قل جاء القحط ووقع الضرر: {فمنه} أي بسبب هذا الإخراج {يأكلون *} أي فهو حب حقيقة يعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا يقدرون على أن يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه، وفي هذه الأية وأمثالهم حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله في تفسيره في عيب من أهمل ذلك فقال: شعر : يا من تصدر في دست الإمامة في مسـائـل الفقـه إمـلاء وتدريســا غفلت عن حجج التوحيد تحكمهـا شيدت فرعاً وما مهدت تأسيسـا

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يا حسرة على العباد‏}‏ يقول‏:‏ يا ويلاً للعباد‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه قال {‏يا حسرة على العباد‏}‏ ‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏يا حسرة على العباد‏} ‏ قال‏:‏ كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏يا حسرة على العباد‏} ‏ يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله تعالى قال‏:‏ وفي بعض القراءة ‏"يا حسرة العباد على أنفسها ما يأتيهم من رسول". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يا حسرة على العباد‏} ‏ قال‏:‏ الندامة على العباد الذين ‏ {‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون‏}‏ يقول‏:‏ الندامة عليهم إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏يا حسرة على العباد‏}‏ قال‏:‏ يا حسرة لهم‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال‏:‏ في حرف أبي بن كعب ‏"‏يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون‏"‏.

القشيري

تفسير : إن لم يتحسَّروا هم اليوم فَلَهُم موضع التحسُّر؛ وذلك لانخراطهم في سِلكٍ واحد من التكذيب ومخالفة الرسل، ومناوءة أوليائه - سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا حسرة على العباد} المصرين على العناد تعالى فهذه من الاحوال التى حقها ان تحضرى فيها وهى ما دل عليه قوله تعالى {ما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزءون} فان المستهزئين بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين احقاء بان يتحسروا ويتحسر عليهم المتحسرون وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين فقوله {يا حسرة} نداء للحسرة عليهم والحسرة وهى اشد الغم والندامة على الشئ الفائت لا تدعى ولا يطلب اقبالها لانهامما لا تجيب والفائدة فى ندائها مجرد تنبيه المخاطب وايقاظه ليتمكن فى ذهنه ان هذه الحالة تقتضى الحسرة وتوجب التلهف فإن العرب تقول يا حسرة يا عجبا للمبالغة فى الدلالة على ان هذا زمان الحسرة والتعجب والنداء عندهم يكون لمجرد التنبيه. وقد جوز ان يكون تحسرا عليهم من جهة الله بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه على انفسهم شبه استعظام الله لجنايتهم على انفسهم بتحسر الانسان على غيره لاجل ما فاته من الدولة العظمى من حيث ان ذلك التحسر يستلزم استعظام ما اصاب ذلك الغير والانكار على ارتكابه والوقوع فيه ويؤيده قراءة يا حسرتا لان المعنى يا حسرتى ونصبها لطولها بما تعلق بها من الجار اى لكونها مشابهة بالمنادى المضاف فى طولها بالجار المتعلق. وفى بحر العلوم قوله {ما يأتيهم} الخ حكاية حال ماضية مستمرة اى كانوا فى الدنيا على الاستمرار يستهزئون بمن يأتيهم من الرسول من غاية الكبر ويستحقرون ويستنكفون عن قبول دينه ودعوته وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. وفى تفسير العيون قوله {يا حسرة على العباد} بيان حال استهزائهم بالرسل اى يقال يوم القيامة يا حسرة وندامة على الكفار حيث لم يؤمنوا برسلهم وقوله {ما يأتيهم} الخ تفسير لسبب الحسرة النازلة بهم وفى الحديث "حديث : ان المستهزئين بالناس فى الدنيا يفتح لهم يوم القيامة باب من ابواب الجنة فيقال لهم هلم هلهم فيأتيه احدهم بكربه وغمه فاذا اتاه اغلق دونه فلا يزال يفعل به ذلك حتى يفتح له الباب فيدعى اليه فلا يجيب من الاياس " تفسير : وقال مالك بن دينار قرأت فى زبور داود طوبى لمن لم يسلك سبيل الآثمين ولم يجالس الخطائين ولم يدخل فى هزؤ المستهزئين وفى المثنوى شعر : باره دوزى ميكنى اندر دكان زير اين دكان تو مدفون دو كان هست اين دكان كرآيى زودباش تيشه بستان وتكش را مى تراش تاكه تيشه ناكهان بركان نهى از دكان وباره دوزى وا رهى باره دوزى جيست خورد آب ونان مى زنى اين باره بر دلق كران هر زمان مى درد اين دلق تنت باره بروى مى زنى زين خوردنت باره بركن ازين قعر دكان تابر آرد سربه ييش تو دو كان ييش ازان كين مهلت خانه كرى آخر آيد تو نبردى زو برى بس ترا بيرون كند صاحب دكان وين دكانرا بركند از روى كان توز حسرت كاه بر سر مى زنى كاه خام خود برميكنى كاى دريغا آن من بود اين دكان كور بودم برنخوردم زين مكان اى دريغا بود ما را برد باد تا ابد يا حسرة شد للعباد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كم أهلكنا} معلّقة ليَرَوُا عن المفعولين. و {أنهم}: بدل من {كم}، والتقدير: ألم يَرَوا كثرة إهلاكنا قبلهم من القرون كونهم غير راجعين إليهم. و {وإِن كُلٌّ لمَّا جميع}: من قرأ "لما" بالتخفيف، فإن: مخففة، واللام: فارقة، و "ما" مزيدة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لَجميعٌ محضرون عندنا. ومَن قرأها بالتشديد؛ فإِنْ: نافية، و "لَمَّا": بمعنى إلا، أي: ما كُلهم إلا مجموعون ومُحضرون للحساب. يقول الحق جلّ جلاله: {يا حسرةً على العبادِ} تعالى، فهذا أوان حضورك. ثم بيّن لأي شيء كانت الحسرة عليهم، فقال: {ما يأتيهم من رسولٍ} من عند الله {إِلا كانوا به يستهزئون} فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين، المنوط بنصحهم خير الدارين، أحقّاء بأن يتحسَّروا، ويتحسَّر عليهم المتحسِّرون، ويتلهَّف المتلهِّفون. أو: هم مُتَحَسّر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. {أَلم يَرَوا كم أهلكنا قَبْلَهم من القُرونِ} أي: ألم يعلموا كثرة إهلاكنا قبلهم من القرون الماضية، {أَنهم إِليهم لا يَرجِعُونَ} أي: كونهم غير راجعين إليهم أبداً حتى يلحقوا بهم، ففيهم عبرة وموعظة لمَن يتعظ. {وإِن كلٌّ لما جميعٌ لدينا مُحْضَرُون} أي: وإن كلهم مجموعون محضرون للحساب، أو معذَّبون. وإنما أخبر عن "كل" بجميع؛ لأن "كل" تفيد معنى الإحاطة. والجميع: فعيل، بمعنى مفعول، ومعناه: الاجتماع، والمعنى: أن المحشر يجمعهم، فكلهم مجموعون مُحضرون للحساب. الإشارة: يا حسرةً على العباد، ما يأتيهم من داع يدعو إلى الله، على طريق التربية الكاملة، إلا كانوا به يستهزئون. ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون، ماتوا على الغفلة والحجاب، وكلهم محضرون للعتاب والحساب، ماتوا محجوبين، ويبعثون محجوبين؛ لإنكارهم في الدنيا مَن يرفع عنهم الحجاب، ويفتح لهم الباب، وهم شيوخ التربية، الموجودون في كل زمان. أو: يا حسرةً على المتوجهين، ما يأتيهم من وارد على قلوبهم إلا كانوا به يستهزئون، ولو فهموا عن الله لعملوا بما يرد على قلوبهم الصافية. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث والإحضار فقال: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ...}

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}: أي أنهم حقيقون بأن يتحسَّر عليهمُ المتحسِّرون، ويندم على أفعالهم النادمون، أو هُم متحسَّر عليهم من جهة الملائكة، وأهل الإيمان من الأنس والجانّ، أو من جهة الله، إما على سبيل الإستعارة في فرط انكاره تعالى، لما فعلوه، وتعظيمه ما جنَوْه على أنفسهم، أو باعتبار وقوع الحسرة من بعض عباده المخلصين، من قبيل ما روي في حديث: "يا موسى مرضت فلم تعدني"، وكان المريض بعض الصالحين من عباده - تعالى عن النقص والشَّين علوّاً كبيراً -. ويؤيد هذا الوجه قراءة من قرء: "يا حسرتا" لأن المعنى: يا حسرة عليهم، ثم الوجه في مثل هذا النداء، إنه عبارة عن إحضارِ صورة في الخيال، احضاراً قوياً، حتى كأنها موجودة في العين، ثم الخطاب معها بالطلب والدعاء، لأن الحال مما يستدعي حضور مثلها، فمعنى هذا النداء أن: "يا حسرتا إحضري" فإن هذه الحال، من الأحوال التي يجب حضورك فيها، فحقكِ أن تحضري فيها، وهي حال استهزاء العباد وأهل العناد بالرسل. وقريء: "يا حسرة العباد" بالإضافة اليهم المفيدة للاختصاص بها من توجهها اليهم. وقريء: "يا حسرةَ على العباد" بالهاء أجراءً للوَصْل مجرى الوَقفْ. ثم بيّن سبب الحسرة، ومنشأ الندامة بقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [30]: وسبب استهزاء الناقصين من الناس، والكفرة والمنافقين بالرّسل والأولياء، وكل من سلك سبيلهم في الاشتهار بذكر الله، والشتوّق إلى معرفته، ومعرفة ما ينتمي إليه، من ملائكته وكتبه ورسله وأوليائه وعباده المكرمين، والإعراض عما أكَبَّ عليه الناس، من طلب الجاه والمال، ومعاشرة الخلق والمداراة معهم، والخوض في أمورهم والمشاركة في دنياهم. وذلك لأن الرسل (عليهم السلام) ومَنْ تابَعَهم، هم رجال الله البالغون في العقل والبصيرة، لا يؤثرون على لذة النظر إلى وجه ربهم لذة، ولا يريدون غير الوصول إلى خدمته وطاعته نعمة وسروراً، ولا يكدّرون شراب محبة الحق الأول، برجاء نعيم أو خوف جحيم، وباقي الناس بمنزلة الأطفال الناقصين عن درجاتهم، ومراتب نَقْصِهم على حسب جهالاتهم. فإن مثال الخلائق في لذاتهم ما نذكره، وهو أن الصبي في أول نشوئه وحركته وتمييزه تظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو، ويكون ذلك عنده ألذ الأشياء لقصور نظره وهمته عن إدراك ما عداه، والتشوق إليه، ثم تظهر بعده لذة الزينة، ولبس الثياب، وركوب الدواب، فيستحقر منها اللعب، ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء، فيترك بها جميع ما قبله في الوصول إليها، ثم يظهر بعد هذه الأمور لذة الرياسة والعلوّ والتفاخر والتكاثر، وهي آخر درجات لذات هذه الدنيا، وأعلاها وأقواها، وآخر ما يخرج عن رؤوس السالكين إلى الله. وللإشارة إلى هذه المراتب في اللذات قال تعالى: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ} تفسير : [الحديد:20]. ثم يظهر بعد هذه غريزة أخرى، يدرك بها معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته وأفعاله، فيستحقر معها جميع ما قبلها، فكل متأخر فهو أقوى، وهذا هو الأخير، إذ يظهر حب اللعب في سن الصبا، وحب النساء والزينة في سن البلوغ الحيواني، وحب الرئاسة والعلوّ والتكاثر في سن العشرين، وحب العلوم الحقيقية في قرب سن الأربعين - وهي الغاية العليا، ومرتبة رجال الله هذه المرتبة -. والناس كلهم بالقياس إلى هؤلاء، في منزل واحد، هي الدنيا ومحبة ما فيها، وكما أن الصبيان يضحكون عمن يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة ويستهزؤون بهم، فكذلك الرؤساء والمتصدّرون في المجالس، والمتقلِّدون في المناصب، يستهزؤون بِمن تَرَك الدنيا وزينتها ورفعتها، واشتغل بمعرفة الله واشتهر بذكر الله، والعارفون بالله يقولون: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود:38]. ولهذا ذكر بعض أصحاب القلوب: "أن الإنسان إذا بلغ مرتبته في العلم بالله، ومحبته بذكر صفاته وأفعاله الغاية العليا، رماه الناس بالحجارة". أي يَخْرُج كلامه عن حد عقولهم، فيرَوْنَ ما يقوله جنوناً. فقصدُ العارفين كلهم لذة معرفة الله تعالى، ووصله ولقائه فقط، فهي قرة أعينهم التي لا تعلم ما أخفي لهم من قُرَّةِ أعين، وهي التي لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر، وإذا حصلت لهم لذة معرفة الله، ومطالعة جمال الحضرة الربوبية، والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية، تضمحل منهم الرسوم، وتنقطع عنهم الهموم إلى غير طلب حبيبهم، فليس لهم عند ذلك التشوق إلى شيء سوى الحق، سواء كان من باب الدرهم والدينار، أم من باب الأراضي والعقار، أم من باب الترفّع والافتخار، الذي هو أجلّ لذات هذه الدار. والناس إذا شاهدوا منهم ما يخالف أطوارهم وأفعالهم، من طلب الخمول والإنزواء والاستتار، وترك التبسّط والتزين والاشتهار، يعدّونه إما من السحر والمكر، وإما من السفه والبعث، فَهُم إما يعاندونه أو يستهزؤون به. {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [البقرة:15]، لأن نظام هذا العالم وتعميره، لا يتصور إلاّ مِنَ المكبّين على الحسّيات، الهالكين كالفراش في نيران الشهوات، المعرضين كالخفافيش عن أنوار الحِكَم والعقليات، الجاحدين كالكُمْهِ الأضَالِيل لألوانِ المعارف واليقينيات، المنكرين كالعِنّين للذّات النفوس العاليات وكراماتهم، والعقول القادسات في مناجاتهم.

اطفيش

تفسير : {يا حسرة على العباد} هؤلاء ونحوهم من المكذبين والحسرة شدة التألم والندم وهم المتحسرون لما عاينوا العذاب حيث لم يصدقوا ونداؤها مجازي أي هذا او انك فاحضري او المعنى انهم احقاء ان يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف عليهم المتلهفون وطباع البشر توجب عند سماع حالهم الشفقة والتحسر. قال ابن عباس: حلوا محل من يتحسر عليه. وقال الضحاك: حسرة الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل. قال جار الله: او هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين ويجوز ان يكون التحسر من الله عليهم في الدنيا او يقول ذلك يوم القيامة على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم وفرط انكاره عليهم وتعجيبه منه وعلى العباد متعلق بحسرة كقولك يا ما أراد بزيد ويقوي هذا الوجه الاخير قراءة بعض يا حسرتا بالف بدل من ياء المتكلم اي بحسرتي وقرأ الاعرج وابو زناد ومسلم بن جندية يا حسرة بهاء ساكنة اجراء للوصل مجرى الوقف قيل وهو ابلغ في معنى التحسر والشفقة وهز النفس وقرىء يا حسرة العباد بالاضافة للمتحسرة او للمتحسرة عليهم وقيل حسرة مفعول مطلق ويا حرف تنبيه او نداء والمنادي محذوف. {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} بيان لسبب الحسرة.

اطفيش

تفسير : {يا حَسْرةً عَلى العِبَاد} المكذبين لا خصوص القوم المذكورين كما قيل، بل يدخلون فى العموم أولا، والمتحسر المهلكون، وقيل تحسر الملائكة أو المؤمنون أو الرسل المذكورون، أو الرجل من أقصى المدينة، وقد قيل: هؤلاء تحسروا حسرة على العباد، ويقال هم أحقاء أن يتحسر عليهم المتحسرون، والظاهر أن المنادى الحسرة، وهى من كل من تصلح منه، ونداء الحسرة تنزيل لها منزلة العاقل، كأنه قيل احضرى فهذا وقتك، وهى تشديد المغبون الندم حتى يحصل غايته فينحسر ويفشل {ما يأتيهِم من رسُول إلا كانُوا به يسْتهزئون} ذلك تهديد لمن كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإهانة لهم بأن الصيحة الواحدة تكفى فى إهلاكهم لو شاءها الله كما شاءها بأهل أنطاكية.

الالوسي

تفسير : {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } الحسرة على ما قال الراغب ((الغم على ما فات والندم عليه كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه))، وفي "البحر" هي أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيراً، والظاهر أن {يا} للنداء و {حَسْرَةً } هو المنادى ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء كأنه قيل: يا حسرة احضري فهذا الحال من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها وهي ما دل عليها قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مّنْ رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } والمراد بالعباد مكذبو الرسل ويدخل فيهم المهلكون المتقدمون دخولاً أولياً، وقيل: هم المراد وليس بذاك وبالحسرة المناداة حسرتهم والمستهزؤون بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم حيث فوتوا عليها السعادة الأبدية وعوضوها العذاب المقيم، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس وأبـي وعلي بن الحسين والضحاك ومجاهد والحسن {يا حسرة العباد} بالإضافة، وكون المراد حسرة غيرهم عليهم والإضافة لأدنى ملابسة خلاف الظاهر؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات {يا حسرة العباد على أنفسها ما يأتيهم} الخ. وجوز أن تكون حسرة الملائكة عليهم السلام والمؤمنين من الثقلين، وعن الضحاك تخصيصها بحسرة الملائكة عليهم السلام وزعم أن المراد بالعباد الرسل الثلاثة وأبو العالية فسر {ٱلْعِبَادِ } بهذا أيضاً لكنه حمل الحسرة على حسرة الكفار المهلكين قال: تحسروا حين رأوا عذاب الله تعالى وتلهفوا على ما فاتهم. وقيل: المراد بالعباد المهلكون والمتحسر الرجل الذي جاء من اقصى المدينة تحسر لما وثب القوم لقتله، وقيل: المراد بالعباد أولئك والمتحسر الرسل حين قتلوا ذلك الرجل وحل بهم العذاب ولم يؤمنوا، ولا يخفى حال هذه الأقوال وكأن مراد/ من قال: المتحسر الرجل ومن قال المتحسر الرسل عني أن القول المذكور قول الرجل أو قول الرسل، وفي كلام أبـي حيان ما هو ظاهر في ذلك، ومع هذا لا ينبغي أن يعول على شيء مما ذكر. وجوز أن يكون التحسر منه سبحانه وتعالى مجازاً عن استعظام ما جنوه على أنفسهم، وأيد بأنه قرىء {يا حسرتا على العباد} فإن الأصل عليها يا حسرتي فقلبت الياء ألفاً، ونحوها قراءة ابن عباس كما قال ابن خالويه {يا حسرة على العباد} بغير تنوين فإن الأصل أيضاً يا حسرتي فقلبت الياء ألفاً ثم حذفت الألف واكتفى عنها بالفتحة. وقرأ أبو الزناد وابن هرمز وابن جندب {يا حسره على العباد} بالهاء الساكنة، قال في "المنتقى": وقف على {حسره} وقفاً طويلاً تعظيماً للأمر ثم قيل {عَلَى ٱلْعِبَادِ }. وفي "اللوامح" وقفوا على الهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التأهه كالتأوه، ثم وصلوه على تلك الحال. وقال الطيبـي: إن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتد به أسرعت فيه ولم تأت على اللفظ المعبر عنه نحو قلت لها قفي قالت لنا قاف أي وقفت فانتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاوناً بالحال وتثاقلاً عن الإجابة، ولا يخفى أن هذا لا يناسب المقام، وينبغي على هذه القراءة أن لا يكون {على العباد} متعلقاً بحسرة أو صفة له إذ لا يحسن الوقف حينئذ بل يجعل متعلقاً بمضمر يدل عليه {حسرة} نحو يتحسر أو أتحسر على العباد، وتقدير انظروا ليس بذاك أو خبر مبتدأ محذوف لبيان المتحسر عليه أي الحسرة على العباد وتخريج قراءة {يا حسرتا} بالألف على هذا الطرز بأن يقال: قدر الوقف على المنصوب المنون فإنه يوقف عليه بالألف كـ {أية : كَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً }.تفسير : [الأحزاب: 27] وضرب زيد عمراً ليس بشيء ولو سلم أنه شيء لا ينافي التأييد. وقيل {يا} للنداء والمنادي محذوف و {حَسْرَةً } مفعول مطلق لفعل مضمر و {عَلَى ٱلْعِبَادِ } متعلق بذلك الفعل أي يا هؤلاء تحسروا حسرة على العباد. ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام أن المراد نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه. وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ } الخ استئناف لبيان ما يتحسر منه، و {بِهِ } متعلق بيستهزؤون. وقدم عليه للحصر الادعائي وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل.

سيد قطب

تفسير : بعد الحديث في الدرس الأول عن المشركين الذين واجهوا دعوة الإسلام بالتكذيب؛ والمثل الذي ضربه لهم في قصة أصحاب القرية المكذبين؛ وما انتهى إليه أمرهم {أية : فإذا هم خامدون}.. تفسير : يبدأ الحديث في هذا الدرس بالتعميم في موقف المكذبين بكل ملة ودين؛ ويعرض صورة البشرية الضالة على مدار القرون، وينادي على العباد نداء الحسرة وهم لا يتعظون بمصارع الهالكين، الذين يذهبون أمامهم ولا يرجعون إلا يوم الدين: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون}.. ثم يأخذ في استعراض الآيات الكونية التي يمرون عليها معرضين غافلين؛ وهي مبثوثة في أنفسهم وفيما حولهم وفي تاريخهم القديم.. وهم مع هذا لا يشعرون؛ وإذا ذكروا لا يذكرون {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}.. وهم يستعجلون بالعذاب غير مصدقين: {ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}. وبمناسبة الاستعجال والتكذيب يستعرض مشهداً مطولاً من مشاهد القيامة يرون فيه مصيرهم الذي به يستعجلون، كأنه حاضر تراه العيون. {يا حسرة على العباد! ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون. ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون؟ وإن كل لما جميع لدينا محضرون}.. والحسرة انفعال نفسي على حال مؤسفة لا يملك الإنسان شيئاً حيالها، سوى أن يتحسر وتألم نفسه. والله سبحانه وتعالى ـ لا يتحسر على العباد؛ ولكنه يقرر أن حالة هؤلاء العباد مما يستحق حسرة المتحسرين! فهي حال بائسة مؤسفة تنتهي بأصحابها إلى شر وخيم وبلاء عظيم! يا حسرة على العباد تتاح لهم فرصة النجاة فيعرضون عنها، وأمامهم مصارع الهالكين قبلهم لا يتدبرونها ولا ينتفعون بها. ويفتح الله لهم أبواب رحمته بإرسال الرسل إليهم الحين بعد الحين؛ ولكنهم يتجافون أبواب الرحمة ويسيئون الأدب مع الله: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}.. {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون}.. ولقد كان في هلاك الأولين الذاهبين لا يرجعون، على مدار السنين وتطاول القرون.. لقد كان في هذا عظة لمن يتدبر. ولكن العباد البائسين لا يتدبرون. وهم صائرون إلى ذات المصير. فأية حالة تدعو إلى الحسرة كهذا الحال الأسيف؟! إن الحيوان ليرجف حين يرى مصرع أخيه أمامه؛ ويحاول أن يتوقاه قدر ما يستطيع. فما بال الإنسان يرى المصارع تلو المصارع، ثم يسير مندفعاً في ذات الطريق؟ والغرور يملي له ويخدعه عن رؤية المصير المطروق! وهذا الخط الطويل من مصارع القرون معروض على الأنظار ولكن العباد كأنهم عمي لا يبصرون! وإذا كان الهالكون الذاهبون لا يرجعون إلى خلفائهم المتأخرين، فإنهم ليسوا بمتروكين ولا مفلتين من حساب الله بعد حين.. {وإن كل لما جميع لدينا محضرون}.. {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون؛ وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون، ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون؟ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}.. إنهم يكذبون الرسل، ولا يتدبرون مصارع المكذبين، ولا يدركون دلالة كونهم يذهبون ولا يرجعون. والرسل إنما يدعونهم إلى الله. وكل ما في الوجود حولهم يحدثهم عن الله، ويدل عليه ويشهد بوجوده. وهذه هي الأرض القريبة منهم، يرونها ميتة لا حياة فيها، ولا ماء ينشئ الحياة، ثم يرونها حية تنبت الحب، وتزدان بالجنات من نخيل وأعناب، وتتفجر فيها العيون، فتجري بالحياة حيث تجري. والحياة معجزة لا تملك يد البشر أن تجريها؛ إنما هي يد الله التي تجري المعجزات، وتبث روح الحياة في الموات. وإن رؤية الزرع النامي، والجنان الوارفة، والثمر اليانع، لتفتح العين والقلب على يد الله المبدعة، وهي تشق التربة عن النبتة المتطلعة للحرية والنور، وتنضر العود المستشرف للشمس والضياء، وتزين الغصن اللدن بالورق والثمار، وتفتح الزهرة وتنضج الثمرة، وتهيئها للجني والقطاف.. {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم}.. ويد الله هي التي أقدرتهم على العمل، كما أقدرت الزرع على الحياة والنماء! {أفلا يشكرون}. ويلتفت عنهم بعد هذه اللمسة الرفيقة ليسبح الله الذي أطلع لهم النبت والجنان، وجعل الزرع أزواجاً ذكراناً وإناثاً كالناس وكغيرهم من خلق الله الذي لا يعلمه سواه: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}.. وهذه التسبيحة تنطلق في أوانها وفي موضعها؛ وترتسم معها حقيقة ضخمة من حقائق هذا الوجود. حقيقة وحدة الخلق.. وحدة القاعدة والتكوين.. فقد خلق الله الأحياء أزواجاً. النبات فيها كالإنسان. ومثل ذلك غيرهما.. {ومما لا يعلمون}. وإن هذه الوحدة لتشي بوحدة اليد المبدعة. التي توجد قاعدة التكوين مع اختلاف الأشكال والأحجام والأنواع والأجناس، والخصائص والسمات، في هذه الأحياء التي لا يعلم علمها إلا الله.. ومن يدري فربما كانت هذه قاعدة الكون كله حتى الجماد! وقد أصبح معلوماً أن الذرة ـ أصغر ما عرف من قبل من أجزاء المادة ـ مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربي، سالب وموجب يتزاوجان ويتحدان! كذلك شوهدت ألوف من الثنائيات النجمية. تتألف من نجمين مرتبطين يشد بعضهما بعضاً، ويدوران في مدار واحد كأنما يوقعان نغمة رتيبة! تلك آية الأرض الميتة تنبثق فيها الحياة.. ومنها إلى آية السماء وما يتعلق بها من ظواهر يراها العباد رأي العين، ويد الله تجريها بالخوارق المعجزات: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون}.. ومشهد قدوم الليل، والنور يختفي والظلمة تغشى.. مشهد مكرور يراه الناس في كل بقعة في خلال أربع وعشرين ساعة (فيما عدا بعض المواقع التي يدوم فيها النهار كما يدوم فيها الليل أسابيع وأشهراً قرب القطبين في الشمال والجنوب) وهو مع تكراره اليومي عجيبة تدعو إلى التأمل والتفكير. والتعبير القرآني عن هذه الظاهرة ـ في هذا الموضع ـ تعبير فريد. فهو يصور النهار متلبساً بالليل؛ ثم ينزع الله النهار من الليل فإذا هم مظلمون. ولعلنا ندرك شيئاً من سر هذا التعبير الفريد حين نتصور الأمر على حقيقته. فالأرض الكروية في دورتها حول نفسها في مواجهة الشمس تمر كل نقطة منها بالشمس؛ فإذا هذه النقطة نهار؛ حتى إذا دارت الأرض وانزوت تلك النقطة عن الشمس، انسلخ منها النهار ولفها الظلام ـ وهكذا تتوالى هذه الظاهرة على كل نقطة بانتظام وكأنما نور النهار ينزع أو يسلخ فيحل محله الظلام. فهو تعبير مصور للحقيقة الكونية أدق تصوير. {والشمس تجري لمستقر لها}.. والشمس تدور حول نفسها. وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها. ولكن عرف أخيراً أنها ليست مستقرة في مكانها. إنما هي تجري. تجري فعلاً. تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلاً في الثانية! والله ـ ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها ـ يقول: إنها تجري لمستقر لها. هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه. ولا يعلم موعده سواه. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه. وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، ندرك طرفاً من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم: {ذلك تقدير العزيز العليم}.. {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم}.. والعباد يرون القمر في منازله تلك. يولد هلالاً. ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدراً. ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالاً مقوساً كالعرجون القديم. والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة. والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب: {حتى عاد كالعرجون القديم}.. وبخاصة ظل ذلك اللفظ {القديم}. فالقمر في لياليه الأولى هلال. وفي لياليه الأخيرة هلال.. ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة. وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكسوه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب! والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة. والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة، لا ينجو من تأثرات واستجابات، ومن سبحات مع اليد المبدعة للجمال والجلال؛ المدبرة للأجرام بذلك النظام. سواء كان يعلم سر هذه المنازل والأشكال القمرية المختلفة أو لا يعلم. فالمشاهدة وحدها كفيلة بتحريك القلب، واستجاشة الشعور، وإثارة التدبر والتفكير. وأخيراً يقرر دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة، ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون}.. ولكل نجم أو كوكب فلك، أو مدار، لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه. والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة. فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر بنحو ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال. والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال.. وهذه المسافات على بعدها ليست شيئاً يذكر حين تقاس إلى بعد ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا. وهو يقدر بنحو أربع سنوات ضوئية. وسرعة الضوء تقدر بستة وثمانين ومائة ألف من الأميال في الثانية الواحدة! (أي إن أقرب نجم إلينا يبعد عنا بنحو مائة وأربعة مليون مليون ميل!). وقد قدر الله خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب. ووضع تصميم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم والتصدع ـ حتى يأتي الأجل المعلوم ـ فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر. والليل لا يسبق النهار، ولا يزحمه في طريقه، لأن الدورة التي تجيء بالليل والنهار لا تختل أبداً فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان! {وكل في فلك يسبحون}.. وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح. فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطاً سابحة في ذلك الفضاء المرهوب. وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل، وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة، والكواكب السيارة. متناثرة في ذلك الفضاء، سابحة في ذلك الخضم، والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح!!! {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين}.. إن في السياق مناسبة لطيفة بين النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها، والفلك المشحون السابح في الماء يحمل ذرية بني آدم! مناسبة في الشكل، ومناسبة في الحركة، ومناسبة في تسخير هذا وذلك بأمر الله، وحفظه بقدرته في السماوات والأرض سواء. وهذه آية كتلك يراها العباد ولا يتدبرونها. بل هذه أقرب إليهم وأيسر تدبراً لو فتحوا قلوبهم للآيات. ولعل الفلك المشحون المذكور هنا هو فلك نوح أبي البشر الثاني؛ الذي حمل فيه ذرية آدم. ثم جعل الله لهم من مثله هذه السفن التي تمخر بهم العباب. وهؤلاء وهؤلاء حملتهم قدرة الله ونواميسه التي تحكم الكون وتصرفه؛ وتجعل الفلك يعوم على وجه الماء، بحكم خواص الفلك، وخواص الماء، وخواص الريح أو البخار، أو الطاقة المنطلقة من الذرة، أو غيرها من القوى. وكلها من أمر الله وخلقه وتقديره. {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين}.. والسفينة في الخضم كالريشة في مهب الريح، مهما ثقلت وضخمت وأتقن صنعها. وإلا تدركها رحمة الله فهي هالكة هالكة في لحظة من ليل أو نهار. والذين ركبوا البحار سواء عبروها في قارب ذي شراع أو في عابرة ضخمة للمحيط، يدركون هول البحر المخيف؛ وضآلة العصمة من خطره الهائل وغضبه الجبار. ويحسون معنى رحمة الله؛ وأنها وحدها العاصم بين العواصف والتيارات في هذا الخلق الهائل الذي تمسك يد الرحمة الإلهية عنانه الجامح، ولا تمسكه يد سواها في أرض أو سماء. وذلك حتى يقضي الكتاب أجله، ويحل الموعد المقدور في حينه، وفق ما قدره الحكيم الخبير: {ومتاعاً إلى حين}.. ومع تلك الآيات الواضحات فالعباد في غفلة، لا تتوجه أنظارهم، ولا تستيقظ قلوبهم؛ ولا يكفون عن سخريتهم وتكذيبهم، واستعجالهم بالعذاب الذي ينذرهم به المرسلون: {وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون. وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين. وإذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ إن أنتم إلا في ضلال مبين. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. إن تلك الآية بذاتها لا تثير في قلوبهم التطلع والتدبر والحساسية والتقوى. وهي بذاتها كافية أن تثير في القلب المفتوح هزة ورعشة وانتفاضة؛ وأن تخلطه بهذا الوجود. هذا الكتاب المفتوح الذي تشير كل صفحة من صفحاته إلى عظمة الخالق، ولطيف تدبيره وتقديره. ولكن هؤلاء المطموسين لا يرونها. وإذا رأوها لا يتدبرونها. والله ـ لعظيم رحمته ـ لا يتركهم مع هذا بلا رسول ينذرهم ويوجههم ويدعوهم إلى رب هذا الكون وبارئ هذا الوجود. ويثير في قلوبهم الحساسية والخوف والتقوى ويحذرهم موجبات الغضب والعذاب، وهي محيطة بهم، من بين أيديهم ومن خلفهم، إلا ينتبهوا لها يقعوا فيها في كل خطوة من خطواتهم. وتتوالى عليهم الآيات مضافة إلى الآيات الكونية التي تحيط بهم في حيثما يتجهون. ولكنهم مع هذا يظلون في عمايتهم سادرين: {وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون. وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}.. وإذا دعوا إلى إنفاق شيء من مالهم لإطعام الفقراء: قالوا ساخرين متعنتين: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟}.. وتطاولوا على من يدعونهم إلى البر والإنفاق قائلين: {إن أنتم إلا في ضلال مبين}! وتصورهم للأمر على هذا النحو الآلي يشي بعدم إدراكهم لسنن الله في حياة العباد. فالله هو مطعم الجميع، وهو رازق الجميع. وكل ما في الأرض من أرزاق ينالها العباد هي من خلقه، فلم يخلقوا هم لأنفسهم منها شيئاً، وما هم بقادرين على خلق شيء أصلاً. ولكن مشيئة الله في عمارة هذه الأرض اقتضت أن تكون للناس حاجات لا ينالونها إلا بالعمل والكد؛ وفلاحة هذه الأرض؛ وصناعة خاماتها؛ ونقل خيراتها من مكان إلى مكان، وتداول هذه الخيرات وما يقابلها من سلعة أو نقد أو قيم تختلف باختلاف الزمان والمكان. كما اقتضت أن يتفاوت الناس في المواهب والاستعدادات وفق حاجات الخلافة الكاملة في هذه الأرض. وهذه الخلافة لا تحتاج إلى المواهب والاستعدادات المتعلقة بجمع المال والأرزاق وحدها، إنما تحتاج إلى مواهب واستعدادات أخرى قد تحقق ضرورات أساسية لخلافة الجنس الإنساني في الأرض، بينما يفوتها جمع المال والأرزاق ويعوزها! وفي خلال هذا الخضم الواسع لحاجات الخلافة ومطالبها، والمواهب والاستعدادات اللازمة لها، وما يترتب على هذه وتلك من تداول للمنافع والأرزاق، وتصارع وتضارب في الأنصبة والحظوظ.. في خلال هذا الخضم الواسع المترابط الحلقات لا في جيل واحد، بل في أجيال متعددة قريبة وبعيدة، ماضية وحاضرة ومستقبلة.. في خلال هذا الخضم تتفاوت الأرزاق في أيدي العباد.. ولكي لا ينتهي هذا التفاوت إلى إفساد الحياة والمجتمع، بينما هو ناشئ أصلاً من حركة الحياة لتحقيق خلافة الإنسان في الأرض، يعالج الإسلام الحالات الفردية الضرورية بخروج أصحاب الثراء عن قدر من مالهم يعود على الفقراء ويكفل طعامهم وضرورياتهم. وبهذا القدر تصلح نفوس كثيرة من الفقراء والأغنياء سواء. فقد جعله الإسلام زكاة. وجعل في الزكاة معنى الطهارة. وجعلها كذلك عبادة. وألف بها بين الفقراء والأغنياء في مجتمعه الفاضل الذي ينشئه على غير مثال. فقولة أولئك المحجوبين عن إدراك حكمة الله في الحياة: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟}.. وتطاولهم على الداعين إلى الإنفاق بقولهم: {إن أنتم إلا في ضلال مبين}.. إن هو إلا الضلال المبين الحقيقي عن إدراك طبيعة سنن الله، وإدراك حركة الحياة، وضخامة هذه الحركة، وعظمة الغاية التي تتنوع من أجلها المواهب والاستعدادات، وتتوزع بسببها الأموال والأرزاق. والإسلام يضع النظام الذي يضمن الفرص العادلة لكل فرد، ثم يدع النشاط الإنساني المتنوع اللازم للخلافة في الأرض يجري مجراه النظيف. ثم يعالج الآثار السيئة بوسائله الواقية. وأخيراً يجيء شكهم في الوعد، واستهزاؤهم بالوعيد: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. ووعد الله لا يستقدم لاستعجال البشر؛ ولا يستأخر لرجائهم في تأخيره. فكل شيء عند الله بمقدار. وكل أمر مرهون بوقته المرسوم. إنما تقع الأمور في مواعيدها وفق حكمة الله الأزلية التي تضع كل شيء في مكانه، وكل حادث في إبانه، وتمضي في تصريف هذا الكون وما فيه ومن فيه وفق النظام المقدر المرسوم في إمام مبين. أما الرد على هذا السؤال المنكر فيجيء في مشهد من مشاهد القيامة يرون فيه كيف يكون، لا متى يكون.. {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا: يا ولينا! من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون}.. يسأل المكذبون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}.. فيكون الجواب مشهداً خاطفاً سريعاً.. صيحة تصعق كل حي، وتنتهي بها الحياة والأحياء: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}.. فهي تأخذهم بغتة وهم في جدالهم وخصامهم في معترك الحياة، لا يتوقعونها ولا يحسبون لها حساباً. فإذا هم منتهون. كل على حاله التي هو عليها. لا يملك أن يوصي بمن بعده. ولا يملك أن يرجع إلى أهله فيقول لهم كلمة.. وأين هم؟ إنهم مثله في أماكنهم منتهون! ثم ينفخ في الصور فإذا هم ينتفضون من القبور. ويمضون سراعاً، وهم في دهش وذعر يتساءلون: {من بعثنا من مرقدنا؟}. ثم تزول عنهم الدهشة قليلاً، فيدركون ويعرفون: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}! ثم إذا الصيحة الأخيرة. صيحة واحدة. فإذا هذا الشتيت الحائر المذهول المسارع في خطاه المدهوش. يثوب: {فإذا هم جميع لدينا محضرون}.. وتنتظم الصفوف، ويتهيأ الاستعراض في مثل لمح البصر ورجع الصدى. وإذا القرار العلوي في طبيعة الموقف، وطبيعة الحساب والجزاء يعلن على الجميع: {فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون}.. وفي هذه السرعة الخاطفة التي تتم بها تلك المشاهد الثلاثة تناسق في الرد على أولئك الشاكين المرتابين في يوم الوعد المبين! ثم يطوي السياق موقف الحساب مع المؤمنين، ويعجل بعرض ما صاروا إليه من نعيم: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون. لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون. سلام قولاً من رب رحيم}.. إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم، ملتذون متفكهون. وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها.. وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم. لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون؛ وهم ملاك محقق لهم فيها كل ما يدعون. ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم: {سلام}.. يتلقونه من ربهم الكريم: {قولاً من رب رحيم}.. فأما الآخرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم، بل يعرضه ويبرز فيه التبكيت والتنكيل: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون. ألم أعهد إليكم ـ يا بني آدم ـ ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً. أفلم تكونوا تعقلون؟ هذه جهنم التي كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون}.. إنهم يتلقون التحقير والترذيل: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون}.. انعزلوا هكذا بعيداً عن المؤمنين! {ألم أعهد إليكم ـ يا بني آدم ـ ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين؟}.. ونداؤهم هنا {يا بني آدم}.. فيه من التبكيت ما فيه. وقد أخرج الشيطان أباهم من الجنة ثم هم يعبدونه، وهو لهم عدو مبين. {وأن اعبدوني}.. {هذا صراط مستقيم}.. واصل إليّ مؤد إلى رضاي. فلم تحذروا عدوكم الذي أضل منكم أجيالاً كثيرة.. {أفلم تكونوا تعقلون؟}.. وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يعلن الجزاء الأليم، في تهكم وتأنيب: {هذه جهنم التي كنتم توعدون. اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون}! ولا يقف المشهد عند هذا الموقف المؤذي ويطويه. بل يستطرد العرض فإذا مشهد جديد عجيب: {اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}.. وهكذا يخذل بعضهم بعضاً، وتشهد عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم مزقاً وآحاداً يكذب بعضها بعضاً. وتعود كل جارحة إلى ربها مفردة، ويثوب كل عضو إلى بارئه مستسلماً. إنه مشهد عجيب رهيب تذهل من تصوره القلوب! كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة وأيديهم تتكلم، وأرجلهم تشهد، على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم وعلى غير ما كانوا ينتظرون. ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك، ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد.. ويعرض هنا نوعين من هذا البلاء لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط، فأنى يبصرون؛ ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون}.. وهما مشهدان فيهما من البلاء قدر ما فيهما من السخرية والاستهزاء. السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين، الذين كانوا يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. فهم في المشهد الأول عميان مطموسون. ثم هم مع هذا العمى يستبقون الصراط ويتزاحمون على العبور، ويتخبطون تخبط العميان حين يتسابقون! ويتساقطون تساقط العميان حين يسارعون متنافسين! {فأنى يبصرون}. وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأة في مكانهم، واستحالوا تماثيل لا تمضي ولا تعود؛ بعد أن كانوا منذ لحظة عمياناً يستبقون ويضطربون! وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمى واللعب، في حال تثير السخرية والهزء. وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون! ذلك كله حين يحين الموعد الذي يستعجلون.. فأما لو تركوا في الأرض، وعمروا طويلاً وأمهلهم الوعد المرسوم بعض حين؛ فإنهم صائرون إلى شر يحمدون معه التعجيل.. إنهم صائرون إلى شيخوخة وهرم، ثم إلى خرف ونكسة في الشعور والتفكير: {ومن نعمره ننكسه في الخلق. أفلا يعقلون}.. والشيخوخة نكسة إلى الطفولة. بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة! وما يزال الشيخ يتراجع، وينسى ما علم، وتضعف أعصابه، ويضعف فكره، ويضعف احتماله، حتى يرتد طفلاً. ولكن الطفل محبوب اللثغة، تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة. والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة، وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز. وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون! فهذه العاقبة كتلك تنتظر المكذبين، الذين لا يكرمهم الله بالإيمان الراشد الكريم..

ابن عاشور

تفسير : {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. تذييل وهو من كلام الله تعالى واقع موقع الرثاء للأمم المكذبة الرسل شامل للأمة المقصودة بسوق الأمثال السابقة من قوله: { أية : واضْرِبْ لَهُم مَثَلاً أصحابَ القرية } تفسير : [يس: 13]، واطراد هذا السَنن القبيح فيهم. فالتعريف في {العباد} تعريف الجنس المستعمل في الاستغراق وهو استغراق ادعائي روعي فيه حال الأغلب على الأمم التي يأتيها رسول لعدم الاعتداء في هذا المقام بقلة الذين صدَّقوا الرسل ونصروهم فكأنَّهم كلهم قد كذبوا. و{العباد}: اسم للبشر وهو جمع عبد. والعبد: الممْلوك وجميع الناس عبيد الله تعالى لأنه خالقهم والمتصرف فيهم قال تعالى: { أية : رزقاً للعباد } تفسير : [ق: 11]، وقال المغيرة بن حبناء: شعر : أمسَى العباد بشَرٍّ لا غياث لهم إلا المهلب بعد الله والمطرُ تفسير : ويجمع على عبيد وعباد وغلب الجمع الأول على عبد بمعنى مملوك، والجمع الثاني على عبد بمعنى آدمي، وهو تخصيص حسن من الاستعمال العربي. والحسرة: شدة الندم مشوباً بتلهف على نفع فائت. وحرف النداء هنا لمجرد التنبيه على خطر ما بعده ليصغي إليه السامع وكثر دخوله في الجمل المقصود منها إنشاء معنى في نفس المتكلم دون الإِخبار فيكون اقتران ذلك الإِنشاء بحرف التنبيه إعلاناً بما في نفس المتكلم من مدلول الإِنشاء كقولهم: يا خيبة، ويا لعنة، ويا ويلي، ويا فرحي، ويا ليتني، ونحو ذلك، قالت امرأة من طي من أبيات الحماسة: شعر : فيا ضَيعَةَ الفتيان إذ يعتلونه ببطن الشرا مثل الفنيق المسدّم تفسير : وبيت الكتاب: شعر : يا لعنةَ الله والأقوام كلّهم والصالحين على سِمْعانَ من جار تفسير : وقد يقع النداء في مثل ذلك بالهمزة كقول جعفر بن علبة الحارثي: شعر : أَلهْفَى بقُرَّى سَحْبلٍ حين أجلبت علينا الولايا والعدوُّ المباسل تفسير : وأصل هذا النداء أنه على تنزيل المعنى المثير للإِنشاء منزلة العاقل فيقصد اسمه بالنداء لطلب حضوره فكأن المتكلم يقول: هذا مقامك فاحْضر، كما ينادَى من يقصد في أمر عظيم، ويُنتقل من ذلك إلى الكتابة عما لحق المتكلم من حاجة إلى ذلك المنادي ثم كثر ذلك وشاع حتى تنوسي ما فيه من الاستعارة والكناية وصار لمجرد التنبيه على ما يجيء بعده، والاهتمام حاصل في الحالين. وتقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : يا ليتني كنت معهم } تفسير : في سورَة النساء (73)، وقوله: { أية : يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً } تفسير : في سورة الفرقان (28). وموقع مثله في كلام الله تعالى تمثيل لحال عباد الله تعالى في تكذيبهم رسل الله بحال من يَرثي له أهله وقوعه في هلاك أرادوا منه تجنبه. وجملة {ما يأتِيهِم مِن رَسُولٍ} بيان لوجه التحسّر عليهم لأن قوله: {يٰحَسْرَةً على العِبَادِ}وإن كان قد وقع بعد ذكر أهل القرية فإنه لما عمّم على جميع العباد حدث إيهام في وجه العموم. فوقع بيانه بأن جميع العباد مساوون لمن ضُرب بهم المثل ومن ضُرب لهم في تلك الحالة الممثل بها ولم تنفعهم المواعظ والنذر البالغة إليهم من الرسول المرسل إلى كل أمة منهم ومن مشاهدة القرون الذين كذبوا الرسل فهلكوا، فعُلم وجه الحسرة عليهم إجمالاً من هذه الآية ثم تفصيلاً من قوله بعد: { أية : ألم يروا كم أهلكنا } تفسير : [يس: 31] الخ. والاستثناء في قوله: {إلاَّ كانوا به يَستهزئون} مفرغ من أحوال عامة من الضمير في {يَأتِيهِم}أي لا يأتيهم رسول في حال من أحوالهم إلا في حال استهزائهم به. وتقديم المجرور على {يَسْتَهْزئونَ}للاهتمام بالرسول المشعر باستفظاع الاستهزاء به مع تأتِّي الفاصلة بهذا التقديم فحصل منه غرضان من المعاني ومن البديع.

الشنقيطي

تفسير : بيّن جلّ وعلا أن العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزءون غير مكتفين بتكذبيه، بل جامعين معه الاستهزاء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ} نص صريح في تكذيب الأمم لجميع الرسل لما تقرر في الأصول، من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها "من"، فهي نص صريح في عموم النفي، كما هو معروف في محله. وهذا العموم الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر، وجاء في بعض الآيات إخراج أمة واحدة عن حكم هذا العموم بمخصص متصل، وهوالاستثناء. فمن الآيات الموضحة لهذا العموم قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [سبأ: 34] وقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} تفسير : [الأعراف: 94] إلى قوله: {أية : فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [الأعراف: 95]. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة "قَدْ أفْلَحَ المؤْمِنُونَ"، في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} تفسير : [المؤمنون: 44] الآية. وقدمنا طرفاً من الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} تفسير : [الأنعام: 123] الآية. وأما الأمة التي أخرجت من هذا العموم فهي أمة يونس، والآية التي بينت ذلك هي قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يونس: 98]. وقوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الصافات: 147ـ148] والحسرة أشد الندامة، وهو منصوب على أنّه منادى عامل في المجرور بعده، فأشبه المنادى المضاف. والمعنى: يا حسرة على العباد‍‍! تعالي واحضري، فإن الاستهزاء بالرسل هو أعظم الموجبات لحضورك.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰحَسْرَةً} {يَسْتَهْزِئُونَ} (30) - يَا حَسْرَةَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وَيَا نَدَامَتَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَمَا يُعَايِنُونَ العَذَابَ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، فَإِنَّهُمْ مَا جَاءَهُمْ مِنْ رَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَإِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ إِلاَّ اسْتَهْزَؤُوا بِهِ وَكَذَّبُوا، وَجَحَدُوا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. يَا حَسْرَةً - يَا وَيْلَتَا وَيَا نَدَامَتَا وَيَا خَسَارَتَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه كلمة تحسُّر كثيراً ما نقولها تحسُّراً على فوات الخير ممن نحب له الخير، ومعنى {يٰحَسْرَةً} [يس:30] هذا نداء كأنك تناديها تقول: يا حسرة تعالَىْ، فهذا أوانكِ. والتحسُّر هنا على العباد الذين كذّبوا رسل الله واستهزأوا بهم، وهذا أمر يجب أن يتحسَّر عليه كل مؤمن؛ لأن الله تعالى خلقك وخلق لك قبل أنْ يستدعيك للوجود. خلق لك مقوِّمات حياتك المادية، وصان مادتك بما قدَّر لك في الأرض من أقوات ومن ضروريات وكماليات، فهل يُعقل أنْ يُعطى كل هذا للبدن ويُترك الروح بلا عطاء، وهي أهم من البدن؟ لا بُدَّ إذن أنْ يكون للروح عطاء وغذاء وقيم، بل إن القيم هي مطلوب الله من عبده؛ لأنك ستكون عابداً لله، مطيعاً لأوامره، منتهياً عن نواهيه، وهذا هو المنهج الذي كلَّفك به في افعل كذا، ولا تفعل كذا. لذلك تجد أن عطاء المادة ومُقوِّمات حياة البدن مكفولة للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي؛ لأن الله تعالى هو الذي استدعى الكل إلى الوجود؛ لذلك تكفّل بأرزاقهم، كما تستدعي أنت مثلاً ضيفاً إلى بيتك، فتهيىء له مطعمه ومَشْربه ومُقَامه عندك، وكل الناس أخذوا هذا العطاء. أما عطاء القِيَم والروح، فبعضهم أخذه وبعضهم تركه؛ لأن عطاء المادة سمح له بشهوة نفسه، أما القِيَم فقيَّدتْ هذه الشهوة وأمسكتها عن أشياء، نفسه تريدها، فلما صَدَّته القيم عن شهوات النفس تركها وتملَّص منها. هذا المنهج القِيمى جاء من مُحِبٍّ لك حريص على مصلحتك، كما ذكرنا فى الحديث القدسي عن رب العزة: (حديث : عبدي، أنا لك مُحِبّ، فبحقِّي عليك كُنْ لي مُحِباً) تفسير : فأنت المنتفع بهذا المنهج؛ لأن الله تعالى خلقك بكل صفات الكمال فيه سبحانه، فطاعتك لا تزيده كمالاً، كما أن معصيتك له لا تُنقصه شيئاً من صفاته، ولا تضره بشيء. لذلك جعل الله من عباده الغني والفقير، وكان قادراً سبحانه على أنْ يجعلنا جميعاً أغنياءَ لا يحتاج أحد مِنَّا إلى أحد، والفقير لو تأمل الحكمة في فقره لحمد الله ولَعلم أنه بفقره شرْط في إيمان الغني، وليس الغني شرطاً في إيمان الفقير، فالغني يحتاجني قبل أنْ أحتاجه أنا، الغَنِيّ يسعى ويتعب ويكابد أسباب الرزق والتجارة والمكسب والخسارة، ثم يأتي إلى بابي ليعطيني حَقَّ الله في ماله وأنا مستريح البال. الغني فُرض عليه الحج، وإنْ قصَّر فيه يُعاقب، وإنْ حَجَّ فهو بين قبول أو رَدٍّ، فإن لم يُقبل حجه ظلتْ الفريضة عليه؟ وفرْق بين مَنْ فُرِض عليه الركن، وبين مَنْ لم يُفرض عليه أصلاً. إذن: المتأمل يرى أن الفقير أحظُّ من الغني، وغير المستطيع أحظُّ من المستطيع. وقد كنا مع بعض الإخوان، فأردنا أنْ نصلي المغرب في مسجد سيدنا الحسين، فلما قُمْنا للصلاة، استوقفنا عم الحاج سيد جلال وقال: انتظروا دقيقتين، لأنني أرسلت الولد سليمان (يفك) لي عشرة جنيهات، فقال احد الحاضرين: معي جنيهات جديدة هَاتِ العشرة جنيهات أفكها لك، فقال الحاج سيد: لا، لأن الرجل الذي أنوي أنْ أعطيه لا يأخذ إلا الجنيه الكبير بتاع زمان، ويرفض هذه العملة الجديدة. فقلت في نفسى: سبحان الله، هذا الرجل المجذوب الذي يقعد على باب سيدنا الحسين وصِفته كذا وكذا يُسخِّر أكبر رجل اقتصادي في مصر عم سيد جلال، ومعه الوزير أحمد طعيمة ليوفروا له النقود التي تعجبه. والعجيب أن من هؤلاء مَنْ كان يجلس على باب سيدنا الحسين يضع رِجْلاً على رِجْل، ويمرُّ عليه موكب الوزير والوزراء فلا ينتبه إليهم، ولا هو يلقى بالاً إلى الموكب والحراس والدنيا من حوله، فماذا يعني هذا؟ يعني أنه مشغول بما هو أعظم من هذا كله، وأن الله قد تجلَّى عليه بما أفقده الوعي بالدنيا وبما حوله. لذلك رأى أحد منهم موكباً لأحد الوزراء فقال للآخر: والله نحن في لذة، لو علم بها هؤلاء لحاربونا عليها بالسيف، أليس هؤلاء سادة؟ أليسوا أَعِزَّة؟ إذن: كل مؤمن يرى مصير المكذِّبين ومصارع الكافرين في هذه القصة وفي أشباهها لا بُدَّ أن يقول هذه الكلمة {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} [يس: 30] لماذا؟ لأن من تمام الإيمان أنْ يتحسَّر المؤمن على مَنْ لم يَذُقْ طعم الفضيلة ولذة الطاعة، فهو مسكين يستحق مَنْ يشفق عليه ويتحسَّر على حاله، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل ويحب الخير للإنسانية كلها. ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 797 : 9 : 7 - سفين عن خصيف عن مجاهد في قوله {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} قال، يا حسرة لهم. [الآية 30].

همام الصنعاني

تفسير : 2472- معمر، عن قتادة: أن في بعض الحروف: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}: [الآية: 30]، يقول: على العباد الحسرة.