٣٦ - يس
36 - Yaseen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : كأنه يقول: وأقول أيضاً آية لهم الأرض الميتة وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما وجه تعلق هذا بما قبله؟ نقول مناسب لما قبله من وجهين أحدهما: أنه لما قال: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ } تفسير : [يس: 32] كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم، فقال: وآية لهم الأرض الميتة أحييناها كذلك نحيي الموتى وثانيهما: أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم التوحيد ذكر ما يدل عليه، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون. المسألة الثانية: الأرض آية مطلقاً فلم خصصها بهم حيث قال: {وَءايَةٌ لَّهُمُ } نقول: الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له دليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء، فليست الأرض معرفة لهم، وهذا كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } تفسير : [فصلت: 53] وقال: {أية : أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيدٌ } تفسير : [فصلت: 53] يعني أنت كفاك ربك معرفاً، به عرفت كل شيء فهو شهيد لك على كل شيء، وأما هؤلاء تبين لهم الحق بالآفاق والأنفس، وكذلك ههنا آية لهم. المسألة الثالثة: إن قلنا إن الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء الموتى فيكفي قوله: {أَحْيَيْنَـٰهَا } ولا حاجة إلى قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } وغير ذلك، وإن قلنا إنها للاستدلال على وجود الإله ووحدته فلا فائدة في قوله: {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا } لأن نفس الأرض دليل ظاهر وبرهان باهر، ثم هب أنها غير كافية فقوله: {ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا } كاف في التوحيد فما فائدة قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } نقول مذكورة للاستدلال عليها ولكل ما ذكره الله تعالى فائدة. أما قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } فله فائدة بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى، وذلك لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حباً كان ذلك إحياءً تاماً لأن الأرض المخضرة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحب دون ما تنبته في الحياة، فكأنه قال تعالى الذي أحيا الأرض إحياءً كاملاً منبتاً للزرع يحيي الموتى إحياءً كاملاً بحيث تدرك الأمور، وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تعديد النعم كأنه يقول آية لهم الأرض فإنها مكانهم ومهدهم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بد لهم منها فهي نعمة ثم إحياؤها بحيث تخضر نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم يصير في مكانهم، وكان يمكن أن يجعل الله رزقهم في السماء أو في الهواء فلا يحصل لهم الوثوق، ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة، وأما الأشجار بحيث تؤخذ منها الثمار فتكون بعد الحب وجوداً، ثم فجرنا فيها العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر وبالنسبة إلى بيان إحياء الموتى كل ذلك مفيد وذلك لأن قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } كالإشارة إلى الأمر الضروري الذي لا بد منه وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ } كالأمر المحتاج إليه الذي إن لم يكن لا يغني الإنسان لكنه يبقى مختل الحال وقوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } إشارة إلى الزينة التي إن لم تكن لا تعني الإنسان ولا يبقى في ورطة الحاجة، لكنه لا يكون على أحسن ما ينبغي، وكأن حال الإنسان بالحب كحال الفقير الذي له ما يسد خلته من بعض الوجوه ولا يدفع حاجته من كل الوجوه وبالثمار ويعتبر حاله كحال المكتفي بالعيون الجارية التي يعتمد عليها الإنسان ويقوى بها قلبه كالمستغني الغني المدخر لقوت سنين، فيقول الله عز وجل كما فعلنا في موات الأرض كذلك نفعل في الأموات في الأرض فنحييهم ونعطيهم ما لا بد لهم منه في بقائهم وتكوينهم من الأعضاء المحتاج إليها وقواها كالعين والقوة الباصرة والأذن والقوة السامعة وغيرهما ونزيد له ما هو زينة كالعقل الكامل والإدراك الشامل فيكون كأنه قال نحيي الموتى إحياءً تاماً كما أحيينا الأرض إحياءً تاماً. المسألة الرابعة: قال عند ذكر الحب {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } وفي الأشجار والثمار قال: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } وذلك لأن الحب قوت لا بد منه فقال: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } أي هم آكلوه، وأما الثمار ليست كذلك، فكأنه تعالى قال إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها. المسألة الخامسة: خصص النخيل والأعناب بالذكر من سائر الفواكه لأن ألذ المطعوم الحلاوة، وهي فيها أتم ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة، ولا كذلك غيرهما ولأنهما أعم نفعاً فإنها تحمل من البلاد إلى الأماكن البعيدة، فإن قيل فقد ذكر الله الرمان والزيتون في الأنعام والقضب والزيتون والتين في مواضع، نقول في الأنعام وغيرها المقصود ذكر الفواكه والثمار ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ } تفسير : [الأنعام: 99] وإلى قوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ } تفسير : [عبس: 24] فاستوفى الأنواع بالذكر وههنا المقصود ذكر صفات الأرض فاختار منها الألذ الأنفع، وقد ذكرنا في سورة الأنعام ما يستفاد منه الفوائد ويعلم منه فائدة قوله تعالى: {أية : فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } تفسير : [الرحمٰن: 68]. المسألة السادسة: في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر بلفظ شجرته وهي النخلة ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب، ولم يذكر الكرم وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القدر كثيرة الجدوى، فإن كثيراً من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو الأعجب منها، وقوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } آية عظيمة لأن الأرض أجزاؤها بحكم العادة لا تصعد ونحن نرى منابع الأنهار والعيون في المواضع المرتفعة وذلك دليل القدرة والاختيار والقائلون بالطبائع قالوا إن الجبال كالقباب المبنية والأبخرة ترتفع إليها كما ترتفع إلى سقوف الحمامات وتتكون هناك قطرات من الماء ثم تجتمع، فإن لم تكن قوية تحصل المياه الراكدة كالآبار وتجري في القنوات، إن كانت قوية تشق الأرض وتخرج أنهاراً جارية وتجتمع فتحصل الأنهار العظيمة وتمدها مياه الأمطار والثلوج، فنقول اختصاص بعض الجبال بالعيون دليل ظاهر على الاختيار وما ذكروه تعسف، فالحق هو أن الله تعالى خلق الماء في المواضع المرتفعة وساقها في الأنهار والسواقي أو صعد الماء من المواضع المتسفلة إلى الأماكن المرتفعة بأمر الله وجرى في الأودية إلى البقاع التي أنعم الله على أهلها. ثم قال تعالى: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } والترتيب ظاهر ويظهر أيضاً في التفسير وفيه مسائل: المسألة الأولى: لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله: {لِيَأْكُلُواْ } عن ذكر الثمار حتى قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } عقيب ذكر الحب، ولم يقل عقيب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا؟ نقول الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار ولهذا يرى أكثر البلاد لا يكون بها شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتماداً على ماء السماء وهذا لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان أعم وجوداً، وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {مِن ثَمَرِهِ } عائد إلى أي شيء؟ نقول المشهور أنه عائد إلى الله أي ليأكلوا من ثمر الله وفيه لطيفة: وهي أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لم توجد إلا بالله تعالى ولولا خلق الله ذلك لم توجد فالثمر بعد جميع ما يظن الظان أنه سبب وجوده ليس إلا بالله تعالى وإرادته فهي ثمره، ويحتمل أن يعود إلى النخيل وترك الأعناب لحصول العلم بأنها في حكم النخيل ويحتمل أن يقال هو راجع إلى المذكور أي من ثمر ما ذكرنا، وهذان الوجهان نقلهما الزمخشري، ويحتمل وجهاً آخر أغرب وأقرب وهو أن يقال المراد من الثمر الفوائد يقال ثمرة التجارة الربح ويقال ثمرة العبادة الثواب، وحينئذٍ يكون الضمير عائداً إلى التفجير المدلول عليه بقوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ } تفجيراً ليأكلوا من فوائد ذلك التفجير وفوائده أكثر من الثمار بل يدخل فيه ما قال الله تعالى: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً } تفسير : [عبس: 25] إلى أن قال: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً } تفسير : [عبس: 27 ـ 31] والتفجير أقرب في الذكر من النخيل، ولو كان عائداً إلى الله لقال من ثمرنا كما قال (وجعلنا) (وفجرنا). المسألة الثالثة: ما في قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ } من أي الماءات هي؟ نقول فيها وجوه أحدها: نافية كأنه قال: وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر وثانيها: موصولة بمعنى الذي كأنه قال والذي عملته أيديهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضاً ويأكلون من ثمر الله الذي أخرجه من غير سعي من الناس، فعطف الذي عملته الأيدي على ما خلقه الله من غير مدخل للإنسان فيها وثالثها: هي مصدرية على قراءة من قرأ (وما عملت) من غير ضمير عائد معناه ليأكلوا من ثمره وعمل أيديهم يعني يغرسون والله ينبتها ويخلق ثمرها فيأكلون مجموع عمل أيديهم وخلق الله، وهذا الوجه لا يمكن على قراءة من قرأ مع الضمير. المسألة الرابعة: على قولنا ما موصولة، يحتمل أن يكون بمعنى وما عملته أي بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما، وهما الزراعة والتجارة، ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح، ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله: {أَفلاَ يَشْكُرُونَ } وذكر بصيغة الاستفهام لما بينا من فوائد الاستفهام فيما تقدم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} نبَّههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكَّرهم توحيده وكمال قدرته، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحبّ منها. {فَمِنْهُ} أي من الحب {يَأْكُلُونَ} وبه يتغذَّون. وشدّد أهل المدينة «الْمَيْتَةُ» وخفف الباقون، وقد تقدّم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض. {جَنَّاتٍ} أي بساتين. {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} وخصصهما بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار. {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} أي في البساتين. {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} الهاء في «ثمرِهِ» تعود على ماء العيون؛ لأن الثمر منه ٱندرج؛ قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. وقيل: أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا؛ كما قال: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}تفسير : [النحل: 66]. وقرأ حمزة والكسائي: «مِن ثُمُرِهِ» بضم الثاء والميم. وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه في «الأنعام». {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} «ما» في موضع خفض على العطف على «مِنْ ثَمَرِهِ» أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: «وَمَا عَمِلَتْ» بغير هاءٍ. الباقون «عَمِلَته» على الأصل من غير حذف. وحذف الصلة أيضاً في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ٱبن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم: المعنى ومِن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما ٱتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ٱبن عباس أيضاً. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} نعمه. قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} نزّه نفسه سبحانه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير الأمر؛ أي سبِّحوه ونزِّهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب؛ أي عجباً لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات؛ ومَن تعجب من شيء قال: سبحان الله! والأزواج الأنواع والأصناف؛ فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر، فاختلافها هو ٱزدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} يعني من النبات؛ لأنه أصناف. {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} يعني وخلق منهم أولاداً أزواجاً ذكوراً وإناثاً. {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا ٱنفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرَك به.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ} أي: دلالة لهم على وجود الصانع، وقدرته التامة، وإحيائه الموتى {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: {أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي: جعلناه رزقاً لهم ولأنعامهم، {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} أي: جعلنا فيها أنهاراً سارحة في أمكنة يحتاجون إليها؛ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ، لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها. وقوله جل وعلا: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتاده، ولهذا قال تعالى: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، واختار ابن جرير ــــ بل جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالاً ــــ أن {ما} في قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} بمعنى الذي، تقديره: ليأكلوا من ثمره، ومما عملته أيديهم، أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}، ثم قال تبارك وتعالى: {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} أي: من زروع وثمار ونبات، {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} فجعلهم ذكراً وأنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال جلت عظمته: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49]
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَءَايَةٌ لَّهُمُ } على البعث، خبر مقدم {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } بالتخفيف والتشديد {أَحْيَيْنَٰهَا } بالماء، مبتدأ {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } كالحنطة {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وفجرنا فيها مِن العيون ليأكلوا من ثمَرِه وما عَمِلتْهُ أيديهم} فيه وجهان: أحدهما: أنها إثبات وتقديره: ومما عملته أيديهم، قاله الكلبي والفراء وابن قتيبة. والوجه الثاني: أنها جحد وفيها على هذا القول وجهان: أحدهما: وما لم تعمله أيديهم من الأنهار التي أجراها الله سبحانه لهم. قال الضحاك يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ ونيل مصر. الثاني: وما لم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله تعالى لهم. قوله عز وجل: {سبحان الذي خَلَق الأزواج كلها} فيه وجهان: أحدهما: يعني الأصناف كلها، قاله السدي. الثاني: يعني من النخل والشجر والزرع كل صنف منه زوج. {ومن أنفسهم} وفي ذلك دليل على مشاكلة الحيوان لهم في أنها زوج ذكر وأنثى. {ومما لا يَعْلمون} فيه وجهان: أحدهما: يعني الروح التي يعلمها الله ولا يعلمها غيره. الثاني: ما يرى نادراً من حيوان ونبات. ويحتمل ثالثاً: مما لا تعلمون من تقلب الولد في بطن أمه.
ابن عطية
تفسير : {وآية} معناه علامة على الحشر وبعث الأجساد، والضمير في {لهم} يراد به كفار قريش، وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر، "الميِّتة" بكسر الياء وشدها، وقرأ أبو عمرو وعاصم "الميْتة" بسكون الياء، وإحياؤها بالمطر، وقرأ جمهور الناس "من ثَمَره" بفتح الثاء والميم، وقرأ طلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي "من ثُمُرة" بضمهما، وقرأ الأعمش "من ثُمْره" بضم الثاء وسكون الميم، والضمير في {ثمره} قالت فرقة هو عائد على الماء الذي يتضمنه قوله {وفجرنا فيها من العيون} لأن التقدير ماء، وقالت فرقة هو عائد على جميع ما تقدم مجملاً، كأنه قال: من ثمر ما ذكرنا، وقال أبو عبيدة: هو من باب أن يذكر الإنسان شيئين أو ثلاثة ثم يعيد الضمير على واحد ويكني عنه، كما قال الشاعر، وهو الأزرق بن طرفة بن العمرد القارضي الباهلي: [الطويل] شعر : رماني بذنب كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطويّ رماني تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه في الآية ضعيف، و {ما} في قوله تعالى: {وما عملته أيديهم} قال الطبري: هي اسم معطوف على الثمر أي يقع الأكل من الثمر ومما عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه، وقالت فرقة: هي مصدرية وقيل هي نافية، والتقدير أنهم يأكلون من ثمره وهي شيء لم تعمله أيديهم بل هي نعمة من الله عليهم، وقرأ جمهور الناس "عملته" بالهاء الضمير، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وطلحة وعيسى "عملت" بغير ضمير، ثم نزه نفسه تعالى تنزيهاً مطلقاً في كل ما يلحد به ملحد أو يشرك مشرك، و {الأزواج} الأنواع من جميع الأشياء، وقوله تعالى: {ومما لا يعلمون} نظير قوله {أية : ويخلق ما لا تعلمون} تفسير : [النمل: 8].
الخازن
تفسير : {وآية لهم} يعني تدلهم على كمال قدرتنا على إحياء الموتى {الأرض الميتة أحييناها} أي بالمطر {وأخرجنا منها} أي من الأرض {حباً} يعني الحنطة والشعير وما أشبههما {فمنه يأكلون} أي من الحب {وجعلنا فيها} يعني في الأرض {جنات} يعني بساتين {من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره} يعني من الثمر الحاصل بالماء {وما عملته أيديهم} يعني من الزرع والغرس الذي تعبوا فيه وقرئ عملت بغير هاء, وقيل ما للنفي والمعنى ولم تعمله أيديهم وليس من صنيعهم بل وجدوها معمولة وقيل أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل النيل والفرات ودجلة {أفلا يشكرون} يعني نعمة الله تعالى {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} يعني الأصناف كلها {مما تنبت الأرض} أي من الأشجار والثمار والحبوب {ومن أنفسهم} يعني الذكر والأنثى {ومما لا يعلمون} يعني مما خلق الله تعالى من الأشياء في البر والبحر من الدواب. قوله عز وجل: {وآية لهم} يعني تدلهم على قدرتنا {الليل نسلخ} أي ننزع ونكشط {منه النهار فإذا هم مظلمون} يعني فإذا هم في الظلمة وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة {والشمس تجري لمستقر لها} يعني إلى مستقر لها قيل إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة وقيل تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها, الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها وهو أنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها وقيل مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء. وقرأ ابن مسعود والشمس تجري لا مستقر لها أي لا قرار ولا وقوف فهي جارية أبداً إلى يوم القيامة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه حديث : أبو ذر قال "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله والشمس تجري لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش"" تفسير : وفي رواية حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس "أتدري أين تذهب الشمس" قال الله ورسوله أعلم قال "إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها"" تفسير : فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} أخرجاه في الصحيحين, قال الشيخ محيي الدين النووي اختلف المفسرون فيه فقال جماعة بظاهر الحديث. قال الواحدي فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع, وقيل تجري إلى وقت لها وأصل لا تتعداه وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها والله أعلم {ذلك} يعني الذي ذكر من جري الشمس على ذلك التقدير والحساب الذي يكل النظر عن استخراجه وتتحير الأفهام عن استنباطه {تقدير العزيز} يعني الغالب بقدرته على كل شيء مقدور {العليم} يعني المحيط علماً بكل شيء. قوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل} يعني قدرنا له منازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل كل ليل في منزل منها لا يتعداه يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص فإذا كان في آخر منازله رقّ وتقوس فذلك قوله تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} وهو العود الذي عليه شماريخ العذق إلى منبته من النخلة والقديم الذي أتى عليه الحول فإذا قدم عتق ويبس وتقوس واصفر فشبه القمر به عند انتهائه إلى آخر منازله {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} يعني لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو قوله تعالى: {ولا الليل سابق النهار} يعني هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك أحدهما صاحبه قامت القيامة. وقيل معناه أن الشمس لا تجتمع مع القمر في فلك واحد ولا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل {وكل في فلك يسبحون} أي الشمس والقمر في فلك يسيرون. قوله عز وجل: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} يعني أولادهم {في الفلك المشحون} يعني المملوء {وخلقنا لهم من مثله} يعني مثل الفلك {ما يركبون} يعني من الإبل, وهي سفائن البر. وقيل أراد بالفلك المشحون سفينة نوح عليه الصلاة والسلام ومعنى الآية أن الله عز وجل حمل آباءهم الأقدمين في أصلاب الذين كانوا في السفينة فكانوا ذرية لهم ومنه قول العباس: شعر : بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسراً وأهله الغرق تفسير : وإنما ذكر ذريتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأبلغ في التعجب من قدرته فعلى هذا القول يكون قوله من مثله أي من مثل ذلك الفلك ما يركبون أي من السفن والزوارق في الأنهار الكبار والصغار.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا...} الآية، و{ءَايَةٌ}: معناه وعلامةٌ على الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسَادِ، والضميرُ في (لهم) لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، والضميرُ في (ثَمَرِهِ) قيل هو عائدٌ على الماءِ الذي تَضَمَّنَه ذكرُ العيونِ، وقيلَ: هو عائدٌ على جميع مَا تَقَدَّمَ مُجْمَلاً: كأنه قال: مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا «وما» في قوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} قال الطبري: هي اسمٌ معطوفٌ على الثمر، أي: يقع الأكل مِن الثمرِ، ومما عملتهُ الأيدِي بالغَرْسِ والزِّراعَةِ ونحوهِ. وقالت فرقة: هي مصدريةٌ وقيل: هي نافيةٌ، والتقديرُ أنهم يأكلون من ثمره وهُو شَيْءٌ لَمْ تَعْمَلْه أيديهم؛ بل هي نعْمَة مِنَ اللَّهِ تعالى عليهم، والأزواجُ: الأنواع من جميع الأشياء. وقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} نظيرُ قوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [النحل:8].
ابن عادل
تفسير : قوله: "وَآيَةٌ" خبر مقدم و "لَهُمْ" صفتها أو متعلقة "بآية"؛ لأنها (بمعنى) علامة. و "الأرض" مبتدأ. وتقدم تخفيف "الميتة" وتشديدها في أول (آل) عمران. ومنع أبو حيان أن يكون "لهم" صفة لآية ولم يبين وَجْهَهُ ولا وجه له وأعرب أبو البقاء "آية" مبتدأ و "لهم" الخبر و "الأرض الميتة" مبتدأ وصفته و "أَحْيَيْنَاهَا" خبره، والجملة مفسرة "لآيةٍ". وبهذا بدأ ثم قال: وقيل؛ فذكر الوجه الأول وكذلك حكى مَكِّيٌّ أعني أن تكون "آية" ابتداء و "لهم" الخبر وجوز مكي أيضاً أن تكون "آية" متبدأ و "الأرض" خبره وهذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأنه لا يُتْرَكُ المعرفة من الابتداء بها ويبتدأ بالنَّكِرَة إلاَّ في مَوَاضِعَ للضَّرُورَةِ. قوله: "أحييناها" تقدم أنه يجوز أن يكون خبر "الأَرْضِ" ويجوز أيضاً أن يكون حالاً من "الأَرْضِ" إذا جعلناها مبتداً و "آية" خبر مقدم. وجوز الزمخشري في "أَحْيَيْنَاهَا" وفي "نَسْلخُ" أن يكونا صفتين للأرض والليل وإن كانا معرفين بأل لأنه تعريف بأل الجنسيَّة فهما في قوة النكرة قال كقوله: شعر : 4180- وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ................ تفسير : لأنه لم يقصد لئيماً بعينه، ورده أبو حيان بأن فيه هدماً للقواعد من أنّه لا تنعت المعرفة بنكرة. قال: وقد تبعه ابنُ مالك ثم خرج أبو حيان الحمل على الحال أي الأرض مُحْيَاةً والليل مُنْسَلِخاً منه النهار واللئيم شاتماً لي، قال شهاب الدين: وقد اعتبر النحاة ذلك في مواضع فاعتبروا معنى المعرف بأل الجنسية دون لفظه فَوَصَفُوهُ بالنَّكرة الصَّرِيحَة، نحو: يا لرجل خير منك على أحد الأوجه. وقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ} تفسير : [العصر: 3] بعد {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [العصر: 2] وقوله: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } تفسير : [النور:31] و"أهْلَكَ النَّاسُ الدِّينَارُ الحُمْرُ والدِّرْهَمُ البيضُ". كل هذا ما روعي فيه المعنى دون اللفظ، وإن اختلف نوع المراعاة، ويجوز أن يكون "أحْيَيْنَاهَا" استئنافاً بين به كونَها آيةً. فصل وجه التعلق بما قبله من وجهين: أحدهما: أنه لما قال: {وإنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ} كان ذلك (إشارة) إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستعبادهم وإصرارهم وعنادهم فقال: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا } كذلك يُحْيِي المَوْتَى. وثانيهما: أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذِّبين وكان شُغْلُهم التوحيد ذكر ما يدل عليه وبدأ بالأرض لكونها مكانَهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسكون. فإن قيل: الأرض آية مطلقة فلم خصها بهم حيث قال: "وآيَةٌ لَهُمْ"؟. فالجواب: الآية تعدد وتردد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه أما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له لدليل فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام - وعباد الله المخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم وهذا كما قال الله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} تفسير : [فصلت: 53] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت: 53] يعني أنت كفاك الله معرفاً به عرفت كل شيء فهو شهيدٌ لك على كل شيء وأما هؤلاء نبين لهم الحق بالآفاق والنفس وكذلك ها هنا الأرض آية لهم، فإن قيل: إن قُلْنا الآية مذكروة للاستدلال على جَوَاز إحياء المَوْتَى فيكفي قوله: "أحْيَنْنَاهَا" ولا حاجة إلى قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً} وغير ذلك وإن قلنا: إنه للاستدلال على وجود الإله ووحدانيته فلا فائدة في قوله: {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} فقوله: {ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} كافٍ في التوحيد فما فائدة قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً}؟ فالجواب: هي مذكورة للاستدلال عليها ولكلّ ما ذكره الله تعالى فائدة أما فائدة قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّا} فهو بالنسبة إلى بيان إحياء الموتى لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حباً كان ذلك إحياء تامًّا لأن الأرض المُخْضرَّة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحَبَّ دون ما تنبته الحياةُ، فكأنه تعالى قال: الذي أحيا الأرض إحياء كاملاً منبتاً للزّرع يحيي الموتى إحياء كاملاً بحيث يدري الأمور وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تقرير النعمة، كأنه يقول: آية لهم الأرضُ فإنها مكانُهم ومَهْدُهُم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بد لهم منها في نعمة ثم إحياؤها نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه ثم إخراج الحبِّ منها نعمة ثالثة فإن قوتهم تصير في مكانهم وكان يمكن أن يجعل رزقهم في السماء أو الهواء فلا يحصل لهم الوُثُوقُ ثم جعل الحياة منها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحَبَّ في كل سنة والأشجار بحيث يوجد منها الثِّمار فيكون بعد الحبِّ وجوداً ثم فجر منها العيون ليحصل لهم الاعتمال بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم يعلم أنها أين تغرس وأين (يقع) المطر. فصل المعنى {أَحْيَيْنَاهَا} بالمطر {وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} يعني الحِنْطَة والشعير وما أشبههما {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي من الحب {وَجَعَلْنَا فِيها جَنَّاتٍ} بساتين {مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وفَجَّرْنا فِيهَا} في الأرض {مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا منْ ثَمَرِهِ} الحاصل بالماء. قوله: "وَفَجَّرنَا" العامة على التشديد تكثيراً لأنها مخففة متعدّية، وقرأ جَنَاحُ بْنُ حبيش بالتخفيف، والمفعول محذوف على كلتا القراءتين أي يَنْبُوعاً كما في آية: "سُبْحَانَ". قوله: {مِن ثَمَرِهِ} قيل: الضمير عائد على النخيل؛ لأنه أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى على هذا لتقدم شيئين وهما الأعْنَاب والنَّخِيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل يعود على جنات وعاد بلفظ المفرد ذهاباً بالضمير مَذْهَبَ اسم الإشارة كقول رؤبة: شعر : 4181- فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبلَقْ كَأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ تفسير : فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك وتلك، وقيل: عائد على الماء المدلول عليه بعيون. وقيل: بل عاد عليه لأنه مقدر أي من العيون. ويجوز أن يعود على العيون. ويعتذر عن إفراده بما تقدم في عوده على جنات، ويجوز أن يعود على الأعناب والنخيل معاً ويعتذر عنه بما تقدم أيضاً. وقال الزمخشري وأصله من "ثَمَرِنَا" لقوله: "وفَجَّرْنَا" و "أَيْدِينَا" فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات. والمعنى ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. فعلى هذا يكون الضمير عائداً على الله تعالى ولذلك فسر معناه بما ذكر، وتقدمت هذه القراءات في هذه اللفظ في سورة الأَنْعَام. قوله: "وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ" في "ما" هذه أربعة أوجه: أحدها: أنها موصولة أي ومن الذي عملته أيديهم من الغَرْس والمُعَالَجَة. وفيه تجوز على هذا. والثاني: أنها نافية أي لم يعلموه هم بل الفاعل له هو الله سبحانه وتعالى، أي وجدها معمولة ولا صنع لهم فيها. وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعلمها يدُ خلقٍ مثل الدِّجْلة والفرات والنيل ونحوها. وقرأ الأخوان وأبو بكر بحذف الهاء. والباقون: وما عملته بإثباتها. فإن كانت "ما" موصولة فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حذف العائد كما حذف في قوله: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41] بالإجماع وعلى قراءة غيرهم جيء به على الأصل، وإن كانت نافيةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر لا ضمير مقدر ولكن المفعول محذوف أي ما عَمِلَتْ أيْدِيهم شَيْئاً من ذلك وعلى قراءة غيرهم الضمر يعود على "ثَمَرِهِ" وهي مرسومة بالهاء في غير مصاحف الكوفة وبحذفها فيما عداها، فالأَخوان وأبو بكر وافقوا مصاحفهم والباقون غير حفص وافقو(ها) أيضاً وحفص خالف مصحفه وهذا يدل على أن القراءة متلقاةٌ من أفواه الرجال فيكون عاصم قد أقرأها لأبي (بكر) بالهاء ولحفص بدونِها؟ الثالث: أنها نكرة موصوفة والكلام فيها كالكلام في الموصولة. والرابع: أنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة. فصل إذا قلنا: "ما" موصولة يحتمل أن يكون المعنى وما عملته أيديهم بالتِّجَارة كأنه ذكر نَوْعَيْ ما يأكل الإنسان وهما الزراعة والتجارة (أ) و من النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعِنَبِ والتَّمْر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} وذكر بصيغة الاستفهام لما تقدم في فوائد الاستفهام. قوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي الأصناف و "سبحان" عَلَمٌ دال على التسبيح تقديره: سُبِّحَ تَسْبِيحَ الِّذِي خلق الأزواج. ومعنى (سبح) نَزَّهَ. (و) وجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} وشكر الله بالعبادة وهم تركوها وعبدوا غيره فقال: سُبْحَانَ الذي خلق الأزواج كلها وغيره لم يخلق شيئاً. أو يقال: لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا (بين) ما ينبغي علهي أن يكون عليه العامل فقال {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تَنَزَّهَ عن أن يكونَ له شَرِيكٌ أو يكون عاجزاً عن إِحياء الموتى. قوله: {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} من الثِّمار والحُبُوب والمعادن ونحوها، "وَمِنْ أَنْفُسهِمْ" يعني الذكور والإناث والدلائل النفسية "وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ" يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرض.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [الآية: 33]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: القلوب الميتة بالغفلة فأحييناها بالتيقظ والاعتبار والموعظة وأخرجنا منها معرفة صافية تضىء أنواره على الظاهر والباطن.
القشيري
تفسير : لمَّا كان أمرُ البعث أعظمَ شُبَهِهِمْ، وكَثُرَ فيه إنكارُهم كان تكرارُ الله سبحانه لحديث البعث، وقد ضَرَبَ - سبحانه - المَثَلَ له بإحياء الأرض بالنبات في الكثير من الآيات. والعَجَبُ مَمَّنْ يُنْكِر علومَ الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف يشكل ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحث على سبيل الاستدلال، وتحكيم أدلة العقول؟ ولكن يَهْدِي اللَّهُ لنوره من يشاء. ولو أنهم أنصفوا من انفسهم، واشتغلوا بأهم شيءٍ عندهم لَمَا ضَيَّعوا أصول الدِّين، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد، وادَّعَوْا في الفروع رتبةَ الإمامة والتصَدُّر.. ويقال في معناه: شعر : يا مَنْ تَصَدَّرَ في دستَ الإمامة في مسائل الفقه إملاءً وتدريسا غَفَلْتَ عن حججِ التوحيد تُحـْكِمها شيَّدتَ فرعاً وما مَهَّدَتَ تأسيسا
اسماعيل حقي
تفسير : {وآية} علامة عظيمة ودلالة واضحة على البعث والجمع والاحضار وهو خبر مقدم للاهتمام به وقوله {لهم} اى لاهل مكة اما متعلق بآية لانها بمعنى العلامة او بمضمر هو صفة لها والمبتدأ قوله {الارض الميتة} اليابسة الجامدة: وبالفارسية [خشك وبى كياه] {احييناها} استئناف مبين لكيفية كون الارض الميتة آية كأن قائلا قال كيف تكون آية فقال احييناها والاحياء فى الحقيقة اعطاء الحياة وهى صفة تقتضى الحس والحركة والمعنى ههنا هيجنا القوى النامية فيها واحدثنا نضارتها بانواع النباتات فى وقت الربيع بانزال الماء من بحر الحياة وكذلك النشور فانا نحيى الابدان البالية المتلاشية فى الاجداث بانزال رشحات من بحر الجود فنعيدهم احياء كما ابدعناهم اولا من العدم {واخرجنا منها} اى من الارض {حبا} الحب الذى يطحن والبرز الذى يعصر منه الدهن وهو جمع حبة والمراد جنس الحبوب التى تصلح قواما للناس من الارز والذرة والحنطة وغيرها {فمنه} اى فمن الحب {يأكلون} تقديم الصلة ليس لحصر جنس المأكول فى الحب حتى يلزم ان لا يؤكل غيره بل هو لحصر معظم المأكول فيه فان الحب معظم ما يؤكل ويعاش به ومنه صلاح الانس حتى اذا قلّ قلّ الصلاح وكثر الضر والصياح واذا فقد فقد النجاح باختلال الاشباح والارواح ولامر ما قال عليه السلام "حديث : اكرموا الخبز فان الله اكرمه فمن اكرم الخبز اكرمه الله" تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اكرموا الخبز فان الله سخر له بركات السموات والارض والحديد والبقر وابن آدم ولا تسندوا القصعة بالخبز فانه ما اهانه قوم الا ابتلاهم الله بالجوع" تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اللهم متعنا بالاسلام وبالخبز فلولا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا حجبنا ولا غزونا وارزقنا الخبز والحنطة" تفسير : كما فى بحر العلوم. قال فى شرعة الاسلام ويكرم الخبز باقصى ما يمكن فانه يعمل فى كل لقمة يأكلها الانسان من الخبز ثلاثمائة وستون صانعا او لهم ميكائيل الذى يكيل الماء من خزانة الرحمة ثم الملائكة التى تزجر السحاب والشمس والقمر والافلاك وملائكة الهواء ودواب الارض وآخرهم الخباز: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : ابروباد ومه وخورشيد وفلك دركارند تاتونانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه ازبهر توسر كشته وفرمان بردار شرط انصاف نباشد كه توفرمان نبرى تفسير : ومن اكرام الخبز ان يلتقط الكسرة من الارض وان قلت فيأكلها تعظيما لنعمة الله تعالى وفى الحديث "حديث : من اكل ما يسقط من المائدة عاش فى وسعة وعوفى فى ولده وولد ولده من الحمق" تفسير : ويقال ان التقاط الفتات مهور الحور العين ولا يضع القصعة على الخبز ولا غيرها الا ما يؤكل به من الادام. ويكره مسح الاصابع والسكين بالخبز الا اذا اكله بعده. وكذا يكره وضع الخبز جنب القصعة لتستوى. وكذا يكره اكل وجه الخبز او جوفه ورمى باقية لما فى كل ذلك من الاستحقاق بالخبز والاستخفاف بالخبز يورث الغلاء والقحط كذا فى شرح النقاية والعوارف ـ وذكر ـ ان الارز خلق من عرق النبى عليه السلام. زعم بعضهم ان اهل الهند لما منعوا من اخراجه الى الروم اطمعوه البط ثم ذبحوه فاخرجوه خيفة منهم بهذه الحيلة. قال بعض الكبار من لم يأكل الارز بهذا الزعم فليأكل السم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "وآية لهم": مبتدأ، وجملة "الأرضُ الميتة": خبر. يقول الحق جلّ جلاله: {وآية لهم الأرضُ الميتةُ أحييناها} أي: وعلامة لهم تدلُّ على أن الله يبعثُ الموتى، ويُحضرهم للحساب، إحياءُ الأرض اليابسة بالمطر، فاهتزت وربت بالنبات. {وأخرجنا منها حَبّاً} جنس الحب، {فمنه يأكلون} هم وأنعامهم. وقدَّم الظرف ليدل على أن الحبّ هو الشيء الذي يتعلق به معظمُ العيش، ويقوم، بالارتفاق به، صلاحُ الإنسان، إذا قلَّ جاء القحط، ووقع الضرّ، وإذا فُقد حضر الهلاك، ونزل البلاء. {وجعلنا فيها} في الأرض {جناتٍ} بساتين {من نخيلٍ وأعنابٍ، وفجَّرنا فيها من العُيُون}، "من": زائدة عند الأخفش، وعند غيره: المفعول: محذوف، أي: ما تتمتعون به من العيون. {ليأكلوا من ثَمره} أي: من ثمر الله، أي: ليأكلوا مما خلق الله تعالى من الثمر، أو: من ثَمَرة، يخلقها الله من ذلك، على قراءة الأخوين. {وما عملته أيديهم} أي: ومما عملته أيديهم من الغرس، والسقي، والتلقيح، وغير ذلك، مما تتوقف عليه في عالم الحكمة، إلى أن يبلغ الثمر منتهاه. يعني: أن الثمر في نفسه فعل الله، وفيه آثارٌ من عمل ابن آدم، حكمةً، وتغطيةً لأسرار الربوبية. وأصله: من ثمرنا، كما قال: {وجعلنا} {وفجرنا}، فالتفت إلى الغيبة. ويجوز أن يرجع الضميرُ إلى النخيل، ويترك الأعناب غير مرجوع إليها؛ لأنه عُلم أنها في حكم النخيل. وقيل: "ما" نافية، على أن الثمرة خلق الله، ولم تعمله أيدي الناس، ولا يقدرون عليه. {أفلا يشكرون} الله على هذه النعم الجسيمة، وهو حثّ على الشُكر. {سبحانَ الذي خلق الأزواجَ} الأصناف {كُلَّها مما تُنبتُ الأرضُ} من النخيل، والشجر، والزرع، والثمار، كيف جعلها مختلفة في الطعوم، والروائح، والشكل، والهيئة، واختلاف أوراق الأشجار، وفنون أغصانها، وأصناف نورها وأزهارها، واختلاف أشكال ثمارها، في تفرُّدها واجتماعها، مع ما بسط فيها من الطبائع الأربع: من الحرورة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وما فيها من المنافع المتنوعة. {ومن أنفسِهم} الأولاد؛ ذكوراً وإناثاً، {ومما لا يعلمون} من أصنافٍ لم يُطلعهم الله عليها، ولم يتوصَّلوا إلى معرفتها، ففي البحار عجائب لا يعلمها الناس. قال تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. وفائدة التنزيه: نفي تشبيه الذات بشيء من هذه الأزواج. والله تعالى أعلم. قال القشيري: والعَجَبُ مِمَّن يُنكر أصول الدين، ويقول: ليس في الكتاب عليه دليل، وأكثر ما في القرآن من الآيات تدل على سبيل الاستدلال، ولكن يَهْدِي لنوره مَن يشاء، ولو أنهم أنصفوا واشتغلوا بأهم شيءٍ لهم ما ضيَّعوا أصول الدين، ورضوا فيها بالتقليد، وادَّعَوْا في الفروع رتبة الإمامة والتصدير، وفي معناها قيل: شعر : يا مَنْ تصدَّرَ في دَسْتِ الإمامة من مسائل الفقه إمْلاءً وتدْريسا غَفَلْتَ عن حججِ التوحيد تُحْكِمُها شيَّدتَ فرعاً وما مَهَّدتَ تأسيسا تفسير : قلت: وحاصله: مدح علم الأصول وترك علم أصل الأصل، وهو علم التوحيد الخاص، أعني الشهود والعيان. وقد قلتُ في ذلك: تذليلاً: شعر : يا مَنْ تصدّى لعلم الأصل يُحكمه قد فاتك الذوق بالوجدان مستأنسا تفسير : الإشارة: وآية لهم النفس الميتة بالجهل أحييناها بالعلم، وأخرجنا منها علماً لَدُنيًّا، فمنه تتقوّت القلوب والأرواح، وجعلنا فيها جناتِ المعارف، من نخيل الحقائق، وأعناب الشرائع، وفجَّرنا فيها من عيون الحِكَم، ليأكلوا من ثمره، ومما عملته أيديهم، من المجاهدات والمكابدات، فإنها تُثمر المشاهدات. سبحان الذي خلق الأزواج كلها من الأحوال، والمقامات، والعلوم، والمعارف، مما يُستخرج من النفوس والأرواح، ومما لا يعلمه إلا الله. ثم ذكر برهاناً آخر، فقال: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ...}
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ومن الآياتِ الواضحةِ، والحججِ القاطعة لمنكري البعث والحَشر - كالأطباء والطبيعيين والدهريين والمتفلسفينَ، وطائفة من العوام المقلِّدين لهؤلاء، المتشبّثين بأذيال المتشبّهين بالعلماء والحكماء، ظناً منهم أن الحكمة توجب إبطال الشريعة - المبينةِ على ثبوت قدرة الله تعالى على حشر الأجساد، واحياءِ الموتى من العباد، هي الأرض الميتة، لغلبة جمود البرودة، وضعفِ قوة الحرارة، لفرط انحطاط الشمس عن سموت رؤوس بقاعها، فلا ينبت شيء ولا تتحرك أجزاؤها الكامنة فيها إلى جهة العلو، طلباً للكمال وارتفاعاً إلى العالم الأعلى، كالميت المنقطع عن الروح بحرارتها الغريزية، المستدعية للنمو والحس والحركة، لطلب الكمال اللائق بحاله. أحييناها: أي الأرض المنقطع عنها أثر الحياة من الحرارة المنشئة للنبات، بنفخ الحرارة السماوية، بارتفاع دائرة الشمس بشعاعها المخروطي الشبيه بهيئة الصور الإسرافيلي، النافخ بإذن الله في النيران الكامنة في عروق الأرض وأعماقها بالقوة، وأخرجنا منها ما كمن فيها من أنواع الأعشاب والحبوب، التي يتقّوتونَه، مثل الحنطة والشعير والأرز وغيرها: فمنه يأكلون. فهذا ضرب من الاستدلال على ثبوت قدرة الله على إعادة الأمثال، وتوضيحه: أن منكري المعاد، إنما أنكروا إحياء الموتى، لما توهَّموا أن إحياءها يوجب إعادة المعدوم بعينه، وهو مما ثبت استحالته. والجواب: أن المُعاد في المَعاد هو الروح بعينها وهي باقية غير فانية مع بدن محشور مثل هذا البدن لا نَفْسه، حتى يلزم إعادة المعدوم، فالتمثيل بإنبات الربيع، وإخراج الحبوب من الأرض بعد يبسها، كما في هذه الآية وغيرها، للإشعار بأن المُعَادَ مثل البدن الأول كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [فصّلت:39]. وهذا القدر في معنى المعاد مما اكتفى به جمّ غفير من علماء الإسلام منهم الغزالي، واستدل شارح المقاصد عليه بأن النصوص دالة على إعادة المثل لا الشخص بعينه من البدن، كقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أهل الجنة جرد مرد"تفسير : وكون "حديث : ضرس الكافر مثل جبل أحد" تفسير : وبقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء:56] وبمثل قوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}تفسير : [يس:81]. واني لا أرتضيه كما بيّنته في مواضع من كتبنا وتفاسيرنا، بل المعاد عندنا هو هذا الشخص بعينه، وهذا الوجه بعينه، وهذه اليد بعينها، وهذه الأعضاء بشخصياتها وتحقيق هذا المعنى يحتاج إلى بسط عظيم خارج عن طور التفسير وإن لم يمكن فهم بعض الآيات التي في بيان الحشر بدونه، وقد بسطنا القول فيه في كتبنا، وسنذكر لمعة من أسرار المعاد في أواخر هذه السورة، فليراجع إليه من أراد ذلك. فالأولى أن يحمل الآية على أنها لدفع شبهة أخرى لهم في نفي المعاد، هي أن استيناف الحياة في البدن يحتاج إلى استعداد سابق وقبول مادة مستعدة حاصلة بالتوالد والإزدواج الحاصل من الأبوين، ثم حركة في الإنفعال وتدرج في كمال بعد كمال، حتى يحصل الولد ويحيي المني المستعد، وهذه الأسباب مفقودة بعد هلاك الكل، فكيف يوجد الخلائق الكثيرة العظيمة ويحيي عظامها البالية الرميمة دفعة من غير تعاقب وتوالد وتدرج في الاستكمال، وحصول أسباب وانفعالات وسبق استعدادات الكمال بعد كمال؟. فالله سبحانه أزاح هذه الشبهة وأماط هذه الريبة بأن انشاء الموجودات في النشأة الثانية إنما يكون بمجرد جهات فاعلية وأسباب علوية إلهيّة لا بحركات وانفعالات قابلية وأسباب هيوليّة، كما أن إنشاء الخلائق ابتداءاً لم يكن إلاّ بمجرد جود الله وإبداعه الأسباب الفاعلية، حتى تنزلت بتأثيراتها وإنشاءاتها إلى آخر الموجودات النازلة السفلية من غير سبق وسيلة وتقدمة استحقاق لقوله: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف:29] وقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:62]. فمثَّل الله تعالى لهذا المعنى بمثال إنشاء النبات والأشجار، وإحياء الأرض بها كل سنة، بعد يبسها وموتها بالأسباب العالية، والأوضاع السماويّة، والقوى الفعالة، من قوّة حرارة الشمس بارتفاعها، واستيناف تأثيرها بحرّها وشعاعها، لا بالأسباب الأرضية بقواها المنفعلة في صورة الفاعلة - من بثّ البذور وإجراء المياه على الأرض وسقيها وإصلاحها - فإن شيئاً من هذه الأمور لا يجدي نفعاً في حياتها، لكن إذا حان وقت إرادة الله أحياها. فكذلك الحال في وقت النشور، وإحياء الله تعالى حياة أخروية كل من في القبور، كما بيّن الله تعالى، وأوضح هذا المعنى في عدة مواضع من القرآن، كقوله: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الحج:5 - 7]، وكقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [فصّلت:39]. وكقوله: {أية : وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [النحل:65]. ولما مثّل الله تعالى في إحياء الأموات عند النشور، وبعثة من في القبور، بإحياء الأرض موتها ويبسها، أراد أن يشير إلى أن حشر الناس يوم القيامة، ووقوع الواقعة، على أقسام من الصور والهيآت المختلفة، حسب الأعمال والنيّات، فمثّل إنشاء الخلائق إذا نفخ في الصور، بإنشاء الأزهار والثمار المتلوِّنة بفنون من النباتات، والأشجار المختلفة حسب ما كمن فيها من البذور والأصول، التي هي بمنزلة الأخلاق والإعتقادت الكامنة في الإنسان، التي ستبرز وتظهر منه يوم حشر ما في القبور وتحصيل ما في الصدور. وفيه إشارة أيضاً: إلى أنموذج من نعم الله الحاصلة من الأرض، لانتفاع عباده منها، واغتذائهم بها، ليتقوّتوا منها ويتهيئوا لشكر خالقهم ومنشئهم، لأن جميعها مما لا يحيط به العد والحصر، فقال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [يس:34].
الجنابذي
تفسير : وهو دليل على علمنا وقدرتنا واهتمامنا بهم وعدم اهمال شيءٍ بلا غاية وانّ احياءنا لهم ليس الاّ لغايةٍ متقنةٍ.
الهواري
تفسير : قال: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ} أي: المجدبة {أَحْيَيْنَاهَا} أي: بالنبات يعني بالميتة الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات. فالذي أحياها بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى. قال: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي: ولم تعمله أيديهم، ونحن أنبتنا ما فيها وفجّرنا فيها من العيون. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}. قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} يعني الأصناف كلها {مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} أي: الذكر والأنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي: مما خلق في البر والبحر من صغير وكبير. وهو كقوله: (أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) تفسير : [النحل: 8]. قال: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ الّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} أي: نذهب منه النهار {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}. قال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} أي: لا تجاوزه. وهذا أبعد منازلها، ثم ترجع إلى أدنى منازلها، في تفسير الحسن، إلى يوم القيامة، ثم تكوّر فيذهب ضوءها. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأها: والشمس تجري لا مستقرّ لها، وهو كقوله: (أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دآئِبَيْنِ) تفسير : [إبراهيم: 33] قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
اطفيش
تفسير : {وآية} تدل على القدرة والبعث. {لهم الأرض الميتة} وقرأ غير نافع باسكان الياء والأرض مبتدأ خبره آية ولهم نعت آية. {أحييناها} بالماء مستأنف أو بدل من الأرض على تقدير حذف المصدر أو نعت للأرض لأن المراد بها الجنس لا أرض مخصوصة وأجيز كون آية مبتدأ والأرض خبر وجملة احييناها كما مر وكون الأرض مبتدأ خبره احييناها والجملة خبر آية لا يحتاج لمربط لانه نفس المبتدأ في المعنى. {وأخرجنا منها حبا} أي جنس الحب كالبر. {فمنه يأكلون} قدم منه للفاصلة وللدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به.
اطفيش
تفسير : {وآيةٌ} خبر مقدم {لَهُم} نعته {الأرْض} مبتدأ مؤخر {الميْتةُ} شبه عدم زيادة النبات عليها بحال الميت فى عدم صدور تحرك منه، فهى كالميت {أحييناها} حال من المبتدأ على قول من أجاز الحال منه، أو مستأنفه، أو نعت لأن أل فى الأرض للجنس، فكأنه نكرة، فساغ وصفه بالجملة، أو بدل من الأرض اشتمالى على تقدير حرف المصدر، أى احياءها، ويضعف جعل آية مبتدأ مسوغه نعته بلهم،أو تعليقه به لأن فيه معنى الإعلام، والأرض أحييناها مبتدأ وخبر، وهما خبر الأول، والربط بالمعنى، وقد ذكره النحويون قديما، ومثلوا له بنحو: زيد قام الإمام، أو قام أبو عبد الله، إذا كان زيد هو الامام، أو هو أبو عبد الله. {وأخْرجْنا منْها حباً} برا وشعيرا وأرزا وغيرهن، وهذا من استعمال النكرة عامة فى الإثبات كقوله تعالى: " أية : علمت نفس ما أحضرت" تفسير : [التكوير: 14] وهذا الإخراج منها نفس الاحياء فى {أحييناها} فهو تفسير له، وكذا فسره أيضا بالنخيل والأعناب بعد {فَمَنْه يأكلُون} قدم منه للفصالة، وبطريق الاهتمام، حتى كأنه أريد الحصر لأن الحب أعظم ما يؤكل ويعتمد، ومن للتبعيض ويضعف الابتداء.
الالوسي
تفسير : {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلاْرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } بالتخفيف وقرأ نافع بالتشديد، و {آيةً} خبر مقدم للاهتمام وتنكيرها للتفخيم و {لَهُمْ } إما متعلق بها لأنها بمعنى العلامة أو متعلق بمضمر هو صفة لها وضمير الجمع لكفار أهل مكة ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر. و {ٱلأَرْضِ } مبتدأ و {ٱلْمَيْتَةُ } صفتها، وقوله تعالى: {أَحْيَيْنَـٰهَا } استئناف مبين لكيفية كونها آية، وقيل في موضع الحال والعامل فيها (آية) لما فيها من معنى الإعلام وهو تكلف ركيك، وقيل {آيةً} مبتدأ أول و {لَهُمْ } صفتها أو متعلق بها وكل من الأمرين مسوغ للابتداء بالنكرة و {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } مبتدأ ثان وصفة وجملة {أَحْيَيْنَـٰهَا } خبر المبتدأ الثاني وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول ولكونها عين المبتدأ كخبر ضمير الشأن لم تحتج لرابط، قال الخفاجي: وهذا حسن جداً إلا أن النحاة لم يصرحوا به في غير ضمير الشأن، وقيل إنها مؤولة بمدلول هذا القول فلذا لم يحتج لذلك ولا يخفى بعده، وقيل {آيه} مبتدأ و {ٱلأَرْضِ } خبره وجملة {أَحْيَيْنَـٰهَا } صفة الأرض لأنها لم يرد بها أرض معينة بل الجنس فلا يلزم توصيف المعرفة بالجملة التي هي في حكم النكرة، ونظير ذلك قوله شعر : : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني تفسير : وأنكر جواز ذلك أبو حيان مخالفاً للزمخشري وابن مالك في "التسهيل" وجعل جملة يسبني حالاً من اللئيم. وأنت تعلم أن المعنى على استمرار مروره على من يسبه وإغماضه عنه ولهذا قال: أمر وعطف عليه فمضيت والتقييد بالحال لا يؤدي هذا المؤدى، ثم إن مدار الخبرية إرادة الجنس فليس هناك إخبار بالمعرفة عن النكرة ليكون مخالفاً للقواعد كما قيل نعم أرجح الأوجه ما قرر أولاً. وقد مر المراد بموت الأرض وإحيائها فتذكر. {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } أي جنس الحب من الحنطة والشعير والأرز وغيرها، والنكرة قد تعم كما إذا كانت/ في سياق الامتنان أو نحوه. وفي ذكر الإخراج وكذا الجعل الآتي تنبيه على كمال الإحياء {فَمِنْهُ } أي من الحب بعد إخراجنا إياه، والفاء داخلة على المسبب ومن ابتدائية أو تبعيضية والجار والمجرور متعالق بقوله تعالى {يَأْكُلُونَ } والتقديم للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به لما في ذلك من إيهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قصة { أية : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية } تفسير : [يس: 13] فإنه ضرب لهم مثلاً لحال إعراضهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه تلك الحال من إشراك وإنكار للبعث وأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وعاقبة ذلك كله. ثم أعقب ذلك بالتفصيل لإِبطال ما اشتملت عليه تلك الاعتقادات من إنكار البعث ومن الإِشراك بالله. وابتدىء بدلالة تقريب البعث لمناسبة الانتقال من قوله: { أية : وإن كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُون } تفسير : [يس: 32] على أن هذه لا تخلو من دلالتها على الانفراد بالتصرف، وفي ذلك إثبات الوحدانية. و{وءَايَةٌ} مبتدأ و{لَّهُمُ} صفة {آية}، و{الأرْضُ} خبر {آية}، و{المَيْتَةُ} صفة {الأرْضُ}. وجملة {أحْيَيْناهَا} في موضع الحال من {الأرْضُ} وهي حال مقيدة لأن إحياء الأرض هو مناط الدلالة على إمكان البعث بعد الموت، أو يكون جملة {أحْيَيْناها} بياناً لجملة {آية لهم الأرض} لبيان موقع الآية فيها، أو بدل اشتمال من جملة {آية لهم الأرض}، أو استئنافاً بيانياً كأنّ سائلاً سأل: كيف كانت الأرض الميتة؟ وموت الأرض: جفافها وجَرازتها لخلوّها من حياة النبات فيها، وإحياؤها: خروج النبات منها من العشب والكلأ والزرع. وقرأ نافع وأبو جعفر {المَيِّتَةُ} بتشديد الياء. وقرأ الباقون بتخفيف الياء، والمعنى واحد وهما سواء في الاستعمال. والحبّ: اسم جمع حبّة، وهو بَزرة النبت مثل البُرّة والشعيرة. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } تفسير : في سورة البقرة (261). وإخراج الحب من الأرض: هو إخراجه من نباتها فهو جاء منها بواسطة. وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال ولذلك فرّع عليه {فَمِنْهُ يأكلون}. وتقديم {منه} على {يأكُلُونَ} للاهتمام تنبيهاً على النعمة ولرعاية الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ} إلى قوله: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}. قد قدمنا أنّ إحياء الأرض المذكور في هذه الآية، برهان قاطع على البعث في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 22] وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10] الآية، وفي غير ذلك من المواضع وأوضحنا في المواضع المذكورة، بقية براهين البعث بعد الموت.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وآية لهم الأرض الميتة: أي على صحة البعث ووجوده لا محالة. أحييناها: بإِنزال المطر عليها فأصبحت حيّة بالنبات والزروع. وجعلنا فيها جنات: أي بساتين. وما عملته أيديهم: أي لم تصنعه أيديهم وإنما هو صنع الله وخلقه. أفلا يشكرون: أي أفيرون هذه النعم ولا يشكرونها إنه موقف مخز منهم. سبحان الذي خلق الأزواج كلها: أي تنزيها وتقديسا لله الذي خلق الأصناف كلها. ومن أنفسهم: أي الذكور والإِناث. ومما لا يعلمون: من المخلوقات كالتي في السماوات وتحت الأرضين. معنى الآيات: لما تقدم في الآيات قبل هذه تقرير عقيدة البعث والجزاء في قوله وإن كلٌ لما جميع لدينا محضرون ذكر هنا الدليل العقلي على صحة إمكان البعث فقال {وَآيَةٌ لَّهُمُ} أي على صحة البعث الأرض الميتة التي أصابها المحل فلا نبات فيها ولا زرع أحييناها بالمطر فأنبتت من كل زوج بهيج فهذه آية أي علامة كبرى وحجة واضحة على إمكان البعث إذ الخليفة تموت ولم يبق إلا الله تعالى {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26-27] ثم ينزل الله تعالى ماء من تحت العرش فتحيا البشرية على طريقة الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا بالنبات. وهذه المرة تحيا بالبشر إذ يُركب خلقهم من عظم يقال له عجب الذنب هو في بطن الأرض لا يتحلل ومنه يركب الخلق كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح. هذا معنى قوله تعالى في الاستدلال على البعث {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً} أي حبّ البُر فمنه أي من ذلك يأكلون الخبز. وقوله {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض الميتة جنات أي بساتين من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون أي عيون الماء، هذه مظاهر القدرة والعلم الإِلهي وكلها تشهد بصحة البعث وإمكانه وأن الله تعالى قادر عليه وعلى مثله. وقوله تعالى {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} أي من ثمر المذكور من النخل والعنب وغيره. وقوله {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي لم تخلقه ولم تكونه أيديهم بل يد الله هي التي خلقته افلا يشكرون يوبخهم على عدم شكره تعالى على ما أنعم به عليهم من نعمة الغذاء. وقوله تعالى {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي تنزيها وتقديساً لله الذي خلق الأزواج كلها {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} يقدس تعالى نفسه وينزهها عن العجز عن إعادة الخلق ويُذكر بآيات القدرة والعلم وهي نظام الزوجية إذ كل المخلوقات أزواج أي أصناف من ذكر وأنثى فالنباتات على سائر اختلافها ذكر وأنثى والناس كذلك وما هو غائب عنا في السماوات وفي بطن الأرض أزواج كذلك ولا وِتْرَ أي لا فرد إلا الله تعالى فقد تنزه عن صفات الخلائق، ومنها كان للحياة الدنيا نوع آخر هو لها كالزوج وهي الحياة الآخرة فهذا دليل عقلي من أقوى الأدلة على الحياة الثانية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء التي هي القوة الدافعة للإِنسان على فعل الخيرات وترك الشرور والمنكرات. 2- دليل نظام الزوجيّة وهو آية على أن القرآن وحي الله وكلامه إذ قرر القرآن نظام الزوجية قبل معرفة الناس لهذا النظام في الذرة وغيرها في القرن العشرين. 3- وجوب شكر الله تعالى بالإِيمان وبطاعته وطاعة رسوله على نعمه ومنها نعمة الإِيجاد ونعمة الإِمداد أي بالغذاء والماء والهواء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآيَةٌ} (33) - وَمِنَ الدَّلاَئِل عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ عَلَى إِحْيَاءِ المَوْتَى، أَنَّ الأَرْضَ تَكُونَ مَيْتَةً هَامِدَةً لاَ نَبَاتَ فِيهَا وَلاَ حَيَاةَ، فَيُنْزِلُ اللهُ المَطَرَ عَلَيْهَا فَتَرْتَوي، وَتَهْتَزُّ تُرْبَتُهَا، وَتَعْلُو بِمَا يَتَحَرَّكُ فِي بَاطِنِها مِنْ بُذُورِ النَّبَاتَاتِ الآخِذَةِ فِي النَّبتِ والنُّمُوِّ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللهُ مِنْ هَذَا النَّبَاتِ حَبّاً يَأْكُلُهُ النَّاسُ والأَنْعَامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا دليل مُشَاهد يراه الجميع، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن نرى الأرض الميتة الجرداء القاحلة، فإذا ما جاء المطر اخضرَّتْ ودبَّتْ فيها الحياة واهتزَّتْ ورَبَتْ، وعلى الإنسان أنْ يأخذ مما يُشاهد دليلاً على صِدْق ما غاب عن مشاهدته. وقوله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمُ} [يس: 33] الآية: الشيء العجيب في بابه كما نقول: فلان آية في الكرم أو آية في الحُسْن، وهذه الآية لهم يعني للكافرين فحسب، لأن المؤمن لا يحتاج إلى هذه الأدلة؛ المؤمن قال: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت: 53]. وطلب الدليل على الشيء أول دليل على وجوده، وما أتعبتُ نفسي في البحث عن الدليل إلا لأنني مقتنع بوجود الشيء، فطلَب الدليل هو عَيْن الدليل، والمؤمن لا يطلب الدليل إلا ليجادل به مَنْ لا يؤمن ليلفِته إلى آيات الله. وهذه الآية إما أن تأخذها على أنها آية كونية تدل على قدرة الإله المُوجِد سبحانه، وإمَّا أن تأخذها دليلاً على أننا إذا أنزلنا المطر على الأرض الميتة تهتزّ وتنبت من كل زوج بهيج. والمتأمل في الأرض يجد أنها آية في ذاتها، ونعمة من أعظم نِعَم الله علينا، حتى وإنْ كانت صخراً لا تنبت، فيكفي أنها مَقرُّنا، فوقها نستقر، وإليها نأوي، فما بالك إنْ منحها الله لوناً من الحياة حين تهتزّ بالنبات وتتحول إلى اللون الأخضر البديع. وإحياء الأرض على مراتب، فإما أنْ يكون الإحياء بنباتات لا تغني في القوت مثل العُشْب والحشائش والنجيل، ويكفي أن هذا النوع يكسو وجه الأرض جمالاً ونُضْرة ويلبد الرمل ويثبته على وجه الأرض فلا تبعثره الرياح في أعيننا، فهي إذن مظهر من مظاهر حياة الأرض، ونعمة من نِعَم الله، والمرتبة الأخرى أن تنبت الأرض النبات الذي نقتات به، وهو قسمان: الحبوب التي تمثل الضروريات، وهي من مقومات حياتك، وهي أصل القوت وأهمها القمح. وقد أشار الحق سبحانه إلى أهميتها، فقال سبحانه {أية : وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} تفسير : [الرحمن: 12] ليلفت أنظارنا إلى أهمية القشرة التي كنا إلى وقت قريب لا نهتم بها، ونضعها علفاً للمواشي، ونأكل الدقيق الفاخر أو (العلامة)، وكان هذا طعام الصفوة والأغنياء إلى أنْ تنبهنا إلى أهمية الردة، فأصبحنا نُفضِّلها على الدقيق الفاخر، بدليل أن الخبز المكوَّن من الردة الآن أغلى من الخبز الأبيض، ثم رأينا الذين أسرفوا على أنفسهم في أكل الخبز الأبيض الفاخر لا يأكلون إلا الردة، وبأمر الطبيب. لذلك رُوِي أن سيدنا سليمان عليه السلام، وقد أعطاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده كان لا يأكل إلا الخشكار أي: الدقيق الخشن أما الدقيق (العلامة) فللخدم. ثم الفواكه وتُعَدُّ من التَّرفيات التي نتفكَّه بها. لذلك يقول سبحانه: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ..} [يس: 33] هذه هي المرتبة الأولى، ثم {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33] وهذه هي الضروريات. ثم {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ..} [يس: 34]. وخَصَّ النخيل والأعناب؛ لأن البلح والعنب أهم الفواكه، وأقربها من ضروريات القُوت، فهما قوت للبعض، وفاكهة للبعض؛ لذلك قال شوقي رحمه الله عن البلح: شعر : طَعَام الفَقيرِ وحَلْوى الغَنِيّ وزَادُ المسَافِر والمغْتَرِبْ تفسير : ونقف هنا عند عظمة الأداء القرآني؛ لأن الكلامَ كلامُ رب، وعلينا نحن أنْ نجلي وجوه العظمة فيه، وقد لاحظ العلماء جزاهم الله عنَّا خيراً أن القرآن لما تكلم عن الفاكهة قال {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [يس: 34] فذكر الشجرة في النخيل، وذكر الثمرة في الأعناب، ولم يذكر ثمرة النخيل وهي التمر، ولم يذكر شجرة العنب وهي الكَرْم. ولما بحث العلماء هذه المسألة وجدوا أن القرآن ذكر النخيل؛ لأنها شجرة كثيرة الفوائد، مستمرة العطاء، لا يقتصر نفعها على ثمرها، بل كل ما فيها نافع مفيد، ويكفي أنْ تعرف أن النخلة لا يُرْمَى منها شيء أبداً، ولكل جزء فيها استعمال ومهمة: الجذع والجريد والخوص، حتى الليف يحشون به أفخم أنواع الصالونات، أما شجرة العنب فبعد أنْ تأخذ ثمرها لا يبقى فيها إلا مجموعة من العيدان الملتوية التي لا تغني شيئاً. ثم يقول سبحانه {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} [يس: 34] لأن الأرض المنزرعة التي تعطينا هذا العطاء إما أنْ تُروى بالأنهار أو بالمطر، فإذا لم يتوفر لها هذان المصدران تُرْوَى بعيون وهي المياه الجوفية التي تتسرَّب من ماء المطر في باطن الأرض، كما قاله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21]. وهذه العيون مظهر من مظاهر قدرة الله، فمنها ما نبحث عنه ونحفره، ومنها ما ينساب بنفسه طبيعياً بقدرة الله، وكأن ربك عز وجل يُطمئنك إلى عطائه، فإنْ كنتَ في أرض غير ممطرة ولستَ في وادٍ تجري فيه الأنهار فاطمئن، ففي باطن عيون تتفجَّر بالماء العَذْب الصالح للشرب ولِسقْى الأرض. وقد تنبَّهنا مؤخراً إلى ضرورة زراعة الصحراء واستصلاحها، وأعاننا على ذلك ما فيها من آبار ومياه جوفية، ما علينا إلا أنْ نبحثَ عنها. ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في تفجير العيون، فيقول سبحانه: {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] قوله تعالى: {مِن ثَمَرِهِ} [يس: 35] قالوا: من ثمره. أي: الحبوب والبلح والعنب وغيرها، أو من ثمر تفجير العيون، قال البعض: ينبغي أن ننسب الثمرة إلى الأصل، فيكون المعنى: من ثمر القدرة في كُنْ، وليس المراد الثمرة القريبة. فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يخلعك من الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبِّب الأعلى الأول؛ لذلك أمرنا حين يعزُّ الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبِّب سبحانه بصلاة الاستسقاء؛ لأن المسبِّب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة، وأنت حين تستسقي لا تستسقي بنفسك، إنما بأضعف منك، وإنْ كنتَ عاصياً كفوراً تستسقي بمَنْ لم يرتكب معصية. لذلك أمرنا أنْ نأخذ معنا في صلاة الاستسقاء النساء والأطفال والمواشي، وكأننا نتوسل إلى الله بضعفهم وطهارتهم من المعاصي، وكأننا نقول لربنا: يا رب إن كنا قد عصيناك ولا نستحق السُّقيا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء. بل وأمرنا في الاستسقاء أن نخرج إليه ونحن مخالفون للأَرْدِية مغيِّرون لِسَمتها، إظهاراً للذلة والانكسار لله سبحانه وتعالى. والآن، بعد ما حدث من تطور في استخدام الماء حتى صِرْنَا نستقبله في خزانات ومواسير بَعُدَتْ الصلة بين واهب الماء والمنتفع به، فحين تنقطع المياه لا تخطر على بالك صلاة الاستسقاء، ولا تتذكر واهب الماء، إنما تفكر في سبب انقطاع المياه فتسأل عن المواسير وعن الموتور .. الخ. إذن: الأسباب نفسها أبعدتْنَا عن المسبِّب سبحانه. وقوله سبحانه {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] استدراك يراعي دور الإنسان وعمله، فمن الثمار ما يُؤْكَل مباشرة مثل الخوخ والبرتقال والخيار، ومن الثمار ما يحتاج إلى علاج وإعداد ليُؤكل، كما نفعل مثلاً في (الكوسة) وغيرها مما يحتاج إلى إعداد، فكأن الحق سبحانه يُقدِّر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك مهما كان يسيراً. وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64] فربُّك عز وجل يُقدِّر عملك في حرث الأرض وإعدادها للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخْلَ لك فيها. كذلك احتَرَم ربُّك عملَك في إيجادك شيئاً كان معدوماً وسمَّاك خالقاً، لأنك أوجدتَ معدوماً، وإنْ كان هذا الذي أوجدته من موجود معلوم، فقال سبحانه {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. فإذا كان ربك قد احترم خلقك لشيء كان معدوماً، فينبغي عليك أنْ تحترم أحسنيته في الخَلْق، فأنت خالق وربّك أحسن الخالقين، أنت تستطيع أنْ تعالج الرمل مثلاً، وتصنع منه كوباً، هذا نوع من الخَلْق لكن يظل الكوب كما هو، ويثبت على الحالة التي أوجد عليها، فلا تعطي أنت الكوب صفة الحياة، أما خَلْق الله فيعطيه الله صفةَ الحياة، فينمو ويكبر ويتناسل . الخ. وقوله سبحانه: {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] جاء بعد ذكر هذه النِّعَم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يَأْتِ هُنا أمر بالشكر ولم يَأتِ بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 35] بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: أجيبوا أنتم، فقد استأمنتُكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا يمكن أنْ يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة. ثم يقول سبحانه: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة أهل القرية، وإِهلاك الله لهم بالصيحة بسبب تكذيبهم المرسلين، ذكر هنا الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية، في إخراج الزروع والثمار، وتعاقب الليل والنهار، وفي الشمس والقمر يجريان بقدرة الواحد القهار، ثم ذكر شبهات المشركين حول البعث، وردَّ عليها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. اللغَة: {آيَةٌ} علامة لأنها دالة على وجود الله قال أبو العتاهية: شعر : فيا عجباً كيف يُعصى الإِلهُ أمْ كيف يجْحده الجاحِدُ؟ وللهِ في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهد وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحد تفسير : {ٱلأَزْوَاجَ} الأصناف والأنواع {نَسْلَخُ} السَّلخ: الكشط والنزع قال تعالى {أية : فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}تفسير : [الأعراف: 175] ويقال: سلخ الجزار جلد الشاة أي نزع الجلد عن اللحم {كَٱلعُرجُونِ} من الانعراج وهو الانعطاف، والعرجون: عود عذق النخلة الذي فيه عناقيد الرطب قال الجوهري: هو أصل العذق الذي يعوجُّ وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً {ٱلْمَشْحُونِ} المملوء الموقر بالأشياء الثقيلة {صَرِيخَ} مغيث {يَخِصِّمُونَ} يختصمون في أمورهم غافلين عما حولهم {ٱلأَجْدَاثِ} جمع جدث وهو القبر {يَنسِلُونَ} يسرعون في الخروج، يقال: عسل الذئبُ ونسل أي أسرع في المشي. التفسِير: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} أي ومن الآيات الباهرة، والعلامات الظاهرة الدالة على كمال قدرة الله ووحدانيته هذه الآية العظيمة، وهي الأرض اليابسة الهامدة التي لا نبات فيها ولا زرع، أحييناها بالمطر قال المفسرون: موتُ الأرض جدبها، وإِحياؤها بالغيث، فإِذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج ولهذا قال تعالى بعده {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} أي وأخرجنا بهذا الماء أنواع الحبوب ليتغذوا به ويعيشوا قال القرطبي: نبَّههم تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكَّرهم على توحيده وكمال قدرته، بالأرض الميتة أحياها بالنبات، وإِخراج الحب منها، فمن الحبِّ يأكلون وبه يتغذون {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} أي وجعلنا في الأرض بساتين ناضرة فيها من أنواع النخيل والعنب {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} أي وجعلنا فيها ينابيع من الماء العذب، والأنهار السارحة في بلدان كثيرة {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي ليأكلوا من ثمرات ما ذُكر من الجنات والنخيل التي أنشأها لهم، ومما عملته أيديهم مما غرسوه وزرعوه بأنفسهم قال ابن كثير: لما امتنَّ على خلقه بإِيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وأنواعها وأصنافها، وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم، لا بسعيهم وكدِّهم، ولا بحولهم وقوتهم ولهذا قال {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}؟ أي أفلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم؟ واختار ابن جرير أنَّ "ما" بمعنى الذي أي ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي من الذي غرسوه ونصبوه {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي تنزَّه وتقدَّس الله العلي الجليل الذي خلق الأصناف كلها، المختلفة الألوان والطعوم والأشكال من جميع الأشياء {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي ممَّا تُخرج الأرضُ من النخيل والأشجار، والزروع والثمار، ومن أنفسهم من الذكور والإِناث، ومما لا يعلمون من المخلوقات العجيبة والأشياء الغريبة كما قال تعالى {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الذاريات: 49] {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} أي وعلامةٌ أخرى لهم على كمال قدرتنا الليلُ نزيل عنه الضوء ونفصله عن النهار فإذا هم داخلون في الظلام، وفي الآية رمزٌ إلى أن الأصل هو الظلام والنور عارض، فإِذا غربت الشمس ينسلخ النهار من الليل ويُكشف ويزول فيظهر الأصل وهو الظلمة {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} أي وآيةٌ أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في فَلك لا تتجاوزه ولا تتخطَّاه لزمنٍ تستقر فيه، ولوقتٍ تنتهي إليه وهو يوم القيامة حيث ينقطع جريانها عند خراب العالم قال ابن كثير: وفي قوله تعالى {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض لحديث البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أبا ذرٍ أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: اللهُ ورسوله أعلم، قال: فإِنها تذهب حتى تسجد تحت العرش.."تفسير : الحديث. والثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، حيث يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتُكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وقرىء {لا مستقر لها} أي لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلاً ونهاراً، لا تفتر ولا تقف {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي ذلك الجري والدوران بانتظام وبحساب دقيق هو تقدير الإِله العزيز في ملكه، العليم بخلقه {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} أي والقمرَ قدرنا مسيره في منازل يسير فيها لمعرفة الشهور، وهي ثمانية وعشرون منزلاً في ثمانية وعشرين ليلة، ينزل كل ليلةٍ في واحد منها لا يتخطاها ولا يتعداها، فإِذا كان في آخر منازله دقَّ واستقوس {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} أي حتى صار كغصن النخل اليابس، وهو عنقود التمر حين يجف ويصفر ويتقوس قال ابن كثير: جعل الله القمر لمعرفة الشهور، كما جعل الشمس لمعرفة الليل والنهار، وفاوت بين سير الشمس وسير القمر، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره، وتنتقل في مطالعها ومغاربها صيفاً وشتاءً، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وهي كوكبٍ نهاري، وأما القمر فقدَّره منازل يطلع في أول ليلةٍ من الشهر ضئيلاً قليل النور، ثم يزداد نوراً في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياؤه حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم قال مجاهد: أي العذق اليابس وهو عنقود الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، ثم يبدأ جديداً في أول الشهر الآخر {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} أي لا يمكن للشمس ولا يصح لها أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، لأن ذلك يُخلُّ بتلوين النبات، ومصلحة العباد قال الطبري: أي لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيُذهب ضوءها نوره فتكون الأوقات كلها نهاراً لا ليل فيها {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي ولا الليل يسبق النهار حتى يدركه فيذهب بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلاً {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي وكلٌ من الشمس والقمر والنجوم تدور في فلك السماء قال الحسن: الشمس والقمر والنجوم في فَلك بين السماء والأرض، غير ملصقة بشيء ولو كانت ملصقة ما جرت والغرضُ من الآية: بيانُ قدرة الله في تسيير هذا الكون بنظام دقيق، فالشمس لها مدار، والقمر له مدار، وكل كوكب من الكواكب له مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه، ولا يطغى أحدهما على الآخر - كما قال قتادة: "لكل حدٌّ وعلمٌ لا يعدوه، ولا يقصر دونه" - حتى يأتي الأجل المعلوم بخراب العالم، فيجمع الله بين الشمس والقمر كما قال تعالى {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة: 9] فيختل نظام الكون، وتقوم القيامة، وتنتهي حياة البشرية عن سطح هذا الكوكب الأرضي {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} أي وعلامة أخرى واضحة للناس على كمال قدرتنا أننا حملنا آباءهم الأقدمين - وهم ذرية آدم - في سفينة نوح عليه السلام التي أمره الله أن يحمل فيها من كلٍ زوجين اثنين قال في التسهيل: وإِنما خصَّ ذريتهم بالذكر، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} أي وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح السفن العظيمة التي يركبونها ويبلغون عليها أقصى البلدان، وإِنما نسب الخلق إليه لأنها بتعليم الله جل وعلا للإِنسان وقال ابن عباس: هي الإِبل وسائر المركوبات، فهي في البر مثل السفن في البحر {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} ولو أردنا لأغرقناهم في البحر فلا مغيث لهم {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} أي ولا أحد يستطيع أن ينقذهم من الغرق {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} أي لا ينقذهم أحد إلا نحن لأجل رحمتنا إياهم، وتمتيعنا لهم إلى انقضاء آجالهم.. بيَّن تعالى أن ركوبهم السفن في البحر من الآيات العظيمة، فإِن سير السفينة بما فيها من الرجال والأثقال فوق سطح الماء آية باهرة فقد حملتهم قدرة الله ونواميسه التي تحكم الكون وتصرفه بحكم خواص السفن، وخواص الماء، وخواص الريح، وكلُّها من أمر الله وخلقه وتقديره، والسفينة في البحر الخضم كالريشة في مهبِّ الهواء، وإِلاّ تدركها رحمة الله فهي هالكة في لحظة من ليل أو نهار، والذين ركبوا البحار، وشاهدوا الأخطار، يدركون هول البحر المخيف، ويحسون معنى رحمة الله وأنها وحدها هي المنجي لهم من بين العواصف والتيارات، في هذا الخضم الهائل الذي تمسكه يد الرحمة ويعرفون معنى قوله تعالى {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} فسبحان الله القدير الرحيم!! {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لما ذكَّرهم تعالى بدلائل قدرته، وآثار رحمته، أخبر هنا عن تعاميهم عن الحق، وإِعراضهم عن الهدى والإِيمان، مع كثرة الآيات الواضحات، والشواهد الباهرات والمعنى وإذا قيل للمشركين احذروا سخط الله وغضبه، واعتبروا بما حلَّ بالأمم السابقين قبلكم من العذاب بسبب تكذيبهم الرسل، واحذروا ما وراءكم من عذاب الآخرة لكي تُرحموا، وجواب الشرط محذوف تقديره أعرضوا واستكبروا ودلّ عليه قوله تعالى {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} قال القرطبي: والجواب محذوف والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، ودليله الآية التي بعدها {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ...} فاكتفى بهذا عن ذلك {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي وما تأتي هؤلاء المشركين علامة من العلامات الواضحة الدالة على صدق الرسول - كالمعجزات الباهرة التي أيده الله بها - إلا أعرضوا عنها على وجه التكذيب والاستهزاء قال أبو السعود: وإِضافة الآيات إلى اسم الرب جل وعلا لتفخيم شأنها، المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بالآيات إما الآيات التنزيلية التي من جملتها الآيات الناطقة ببدائع صنع الله وسوابغ آلائه، أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات، التي من جملتها ما ذُكر من شئونه الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله} أي وإِذا قيل لهؤلاء الكفار بطريق النصيحة أنفقوا بعض ما أعطاكم الله من فضله على الفقراء والمساكين {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} أي قال الكفار للمؤمنين تهكماً بهم: أننفق أموالنا على هؤلاء المساكين الذين أفقرهم الله؟ {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي ما أنتم أيها المؤمنون إلا في ضلال ظاهر واضح حيث تأمروننا أن ننفق أموالنا على من أفقرهم الله قال ابن عباس: كان بمكة زنادقة فإِذا أُمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله لا نفعل، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ وغرضهم الرد على المؤمنين فكأنهم يقولون: لو كان الأمر كما تزعمون أن الله قادر، وأن الله رازق لأطعم هؤلاء الفقراء، فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟ وما علم هؤلاء السفهاء أن خزائن الأرزاق بيد الخلاق، وأنه تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعض الخلق ابتلاءً، لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير، فقد منع الدنيا عن الفقير لا بخلاً، وأمر الغنيَّ بالإِنفاق عليه لا حاجة إلى ماله، ولكن للإبتلاء والله يفعل ما يشاء، لا اعتراض لأحدٍ في مشيئته ولا في حكمه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23] ثم أخبر عن إنكار المشركين للآخرة، واستبعادهم لقيام الساعة فقال {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي متى يوم القيامة الذي تتوعدوننا به؟ ومتى هذا العذاب الذي تخوفوننا به إن كنتم صادقين في دعواكم أن هناك بعثاً ونشوراً وحساباً وعذاباً؟ قال تعالى ردّاً عليهم {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ} أي ما ينتظرون إلا صيحةً واحدة تأخذهم مفاجأة من حيث لا يشعرون {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي وهم يتخاصمون في معاملاتهم وأسواقهم، فلا يشعرون إلا بالصيحة قد أخذتهم، فيموتون في أماكنهم قال ابن كثير: وهذه - والله أعلم - نفخة الفزع، ينفخ إسرافيل في الصور والناسُ في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذْ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخةً يطوّلها ويمدُّها، فلا يبقى أحدٌ على وجه الأرض إلا حنى عنقه يتسمع الصوت من قبل السماء فذلك قوله تعالى {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي فلا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضاً بأمر من الأمور، ولا يستطيعون أن يرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم لأن الأمر أسرع منه ذلك وفي الحديث: "حديث : لتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوباً بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ وهو يُليط حوضه ـ أي يصلحه بالطين ـ فلا يسقي فيه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد رفع أُكلته إلى فيه لا يطعمها"تفسير : ثم تكون هناك النفخة ثانية وهي "نفخة الصَّعق" التي يموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحيّ القيوم، ثم تكون النفخة الثالثة وهي "نفخة البعث والنشور" التي يخرج الناسُ بها من القبور، وهي التي أشارت إليها الآية الكريمة {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي ونفخ في الصور فإِذا هؤلاء الأموات يخرجون من قبورهم يسرعون المشي قال الطبري: {يَنسِلُونَ} يخرجون سراعاً، والنَّسلان: الإِسراع في المشي {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا}؟ أي يقولون يا هلاكنا من الذي أخرجنا من قبورنا التي كنا فيها؟ قال ابن كثير: وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد، فإِذا قالوا ذلك أجابتهم الملائكة أو المؤمنون {مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} أي هذا الذي وعدكم الله به من البعث بعد الموت والحساب والجزاء، وصدق رسله الكرام فيما أخبرونا به عن الله {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي ما كان أمر بعثهم إلا صيحةً واحدة يصيح بهم فيها إسرافيل فإِذا هم جميع عندنا حاضرون قال الصَّاوي: وهذه الصيحة هي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والأجزاء المتفرقة، والشعور المتمزقة، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء ثم ينفخ في الصور فإذا هم مجموعون في موقف الحساب {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ففي هذا اليوم ـ يوم القيامة ـ لا تُظلم نفس شيئاً، سواءً كانت هذه النفس برَّة أو فاجرة، ولا يُحَمَّل الإِنسان وزر غيره وإِنما يُجازى كلٌ بعمله قال أبو السعود: هذه حكاية لما سيقال لهم في الآخرة، حين يرون العذاب المُعدَّ لهم تحقيقاً للحق، وتقريعاً لهم.. ولما أخبر عن مآل المجرمين أخبر عن حال الأبرار المتقين فقال {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} أي إن أصحاب الجنة في ذلك اليوم - يوم الجزاء - مشغولون بما هم فيه من اللذات والنعيم عن التفكير بأهل النار، يتفكهون ويتلذذون بالحور العين، وبالأكل والشرب والسماع للأوتار قال أبو حيان: والظاهر أن الشغل هو النعيم الذي قد شغلهم عن كل ما يخطر بالبال وقال ابن عباس: شُغلوا بافتضاض الأبكار، وسماع الأوتار عن أهاليهم من أهل النار، لا يذكرونهم لئلا يتنغصوا {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ} أي هم وزوجاتهم في ظلال الجنان الوارفة، حيث لا شمس فيها ولا زمهرير، متكئون على السرر المزيَّنة بالثياب والستور {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} أي لهم في الجنة، فاكهة كثيرة من كل أنواع الفواكة {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} أي ولهم فيها ما يتمنون ويشتهون كقوله تعالى {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف: 71] {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} أي لهم سلامٌ كريم من ربهم الرحيم، وفي الحديث "حديث : بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رءوسهم فإِذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله تعالى {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير والتفخيم والتعظيم {وَآيَةٌ لَّهُمُ} أي آية عظيمة باهرة على قدرة الله. 2- الطباق بين الموت والإِحياء {ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} وبين الليل والنهار. 3- الاستعارة التصريحية {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} شبَّه إزالة ضوء النهار وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، واستعار اسم السلخ للإِزالة والإِخراج واشتق منه نسلخ بمعنى نخرج منه النهار بطريق الاستعارة التصريحية، وهذا من بليغ الاستعارة، وبين الليل والنهار طباق. 4- التشبيه المرسل المجمل {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} وجه الشبه مركب من ثلاثة أشياء: الرقة، والانحناء، والصفرة، ولما لم يذكر سمي مجملاً. 5- تقديم المسند إليه لتقوية الحكم المنفي {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} فإِنه أبلغ من أن يقول {لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر} وأكد في إفادة أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها فإِنَّ قولك "أنت لا تكذب" بتقديم المسند إليه أبلغ من قولك "لا تكذب" فإِنه أشدُّ لنفي الكذب من العبارة الثانية فتدبر أسرار القرآن. 6- تنزيل غير العاقل منزلة العاقل {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} بدل يسبح، فقد عبر عن الشمس والقمر والكواكب بضمير جمع المذكر، والذي سوَّغ ذلك وصفهم بالسباحة لأنها من صفات العقلاء. 7- الاستعارة اللطيفة {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} المرقد هنا عبارة عن الممات، فشبهوا حال موتهم بحال نومهم لأنها أشبه الأشياء بها وأبلغ من قوله: من بعثنا من مماتنا. 8- الإِيجاز بالحذف {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} أي تقول لهم الملائكة هذا ما وعدكم به الرحمن. 9- الطباق {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} والاستفهام الذي يراد منه التهكم {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}. 10- السجع غير المتكلف في ختام الآيات الكريمة مثل {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} ومثل {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} و{حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} وهو من المحسنات البديعة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَآيَةٌ لَهُمُ } على البعث والنشور، والقيام بين يدي اللّه تعالى للجزاء على الأعمال، هذه { الأرْضُ الْمَيْتَةُ } أنزل اللّه عليها المطر، فأحياها بعد موتها، { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } من جميع أصناف الزروع، ومن جميع أصناف النبات، التي تأكله أنعامهم، { وَجَعَلْنَا فِيهَا } أي: في تلك الأرض الميتة { جَنَّاتٍ } أي: بساتين، فيها أشجار كثيرة، وخصوصا النخيل والأعناب، اللذان هما أشرف الأشجار، { وَفَجَّرْنَا فِيهَا } أي: في الأرض { مِنَ الْعُيُونِ }. جعلنا في الأرض تلك الأشجار، والنخيل والأعناب، { لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ } قوتا وفاكهة، وأدْمًا ولذة، { و } الحال أن تلك الثمار { مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } [وليس لهم فيه صنع، ولا عمل، إن هو إلا صنعة أحكم الحاكمين، وخير الرازقين، وأيضا فلم تعمله أيديهم] بطبخ ولا غيره، بل أوجد اللّه هذه الثمار، غير محتاجة لطبخ ولا شيّ، تؤخذ من أشجارها، فتؤكل في الحال. { أَفَلا يَشْكُرُونَ } من ساق لهم هذه النعم، وأسبغ عليهم من جوده وإحسانه، ما به تصلح أمور دينهم ودنياهم، أليس الذي أحيا الأرض بعد موتها، فأنبت فيها الزروع والأشجار، وأودع فيها لذيذ الثمار، وأظهر ذلك الجنى من تلك الغصون، وفجر الأرض اليابسة الميتة بالعيون، بقادر على أن يحيي الموتى؟ بل، إنه على كل شيء قدير. { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا } أي: الأصناف كلها، { مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ } فنوع فيها من الأصناف ما يعسر تعداده. { وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ } فنوعهم إلى ذكر وأنثى، وفاوت بين خلقهم وخُلُقِهمْ، وأوصافهم الظاهرة والباطنة. { وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } من المخلوقات التي قد خلقت وغابت عن علمنا، والتي لم تخلق بعد، فسبحانه وتعالى أن يكون له شريك، أو ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، أو سَمِيٌّ، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء يريده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):