Verse. 374 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَاِذْ اَخَذَ اللہُ مِيْثَاقَ النَّبِيّٖنَ لَمَاۗ اٰتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتٰبٍ وَّحِكْمَۃٍ ثُمَّ جَاۗءَكُمْ رَسُوْلٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِہٖ وَلَتَنْصُرُنَّہٗ۝۰ۭ قَالَ ءَ اَقْرَرْتُمْ وَاَخَذْتُمْ عَلٰي ذٰلِكُمْ اِصْرِيْ۝۰ۭ قَالُوْۗا اَقْرَرْنَا۝۰ۭ قَالَ فَاشْہَدُوْا وَاَنَا مَعَكُمْ مِّنَ الشّٰہِدِيْنَ۝۸۱
Waith akhatha Allahu meethaqa alnnabiyyeena lama ataytukum min kitabin wahikmatin thumma jaakum rasoolun musaddiqun lima maAAakum latuminunna bihi walatansurunnahu qala aaqrartum waakhathtum AAala thalikum isree qaloo aqrarna qala faishhadoo waana maAAakum mina alshshahideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذا» حين «أخذ الله ميثاق النبيين» عهدهم «لما» بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلقة بأخذ وما موصولة على الوجهين أي للذي «آتيتكم» إياه، وفي قراءة آتيناكم «من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم» من الكتاب والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم «لتؤمنن به ولتنصرنه» جواب القسم إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك «قال» تعالى لهم «أأقررتم» بذلك «وأخذتم» قبلتم «على ذلكم إصري» عهدي «قالوا أقررنا قال فاشهدوا» على أنفسكم وأتباعكم بذلك «وأنا معكم من الشاهدين» عليكم وعليهم.

81

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لعذرهم وإظهاراً لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى، وهي أن محمداً رسول الله جاء مصدقاً لما معهم، وعند هذا لقائل أن يقول: هذا إثبات للشيء بنفسه، لأنه إثبات لكونه رسولاً بكونه رسولاً. والجواب: أن المراد من كونه رسولاً ظهور المعجز عليه، وحينئذ يسقط هذا السؤال والله أعلم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: أما قوله {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ } فقال ابن جرير الطبري: معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين، وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيّين. أما قوله {مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم، ويحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين. أما الاحتمال الأول: وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله، وقيل: إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه الأول: أن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } يشعر بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى، والمأخوذ منهم هم النبيون، فليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه الأول: أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل، وهو الموثق له، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم الثاني: أن يراد ميثاق أولاد النبيّين، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال: فعل بكر بن وائل كذا، وفعل معد بن عدنان كذا، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا الثالث: أن يكون المراد من لفظ {ٱلنَّبِيّينَ } أهل الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوّة من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون الرابع: أنه كثيراً ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [الطلاق: 1]. الحجة الثانية: لأصحاب هذا القول: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي».تفسير : الحجة الثالثة: ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى ما بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم. الاحتمال الثاني: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه، وهذا قول كثير من العلماء، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه الأول: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال: ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ونظيره قوله تعالى:{أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا، وقال: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44، 45، 46] وقال في صفة الملائكة {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 29] مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] فكذا ههنا. الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام، أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه. الحجة الثالثة: ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ونحن نقرأ {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم. الحجة الرابعة: أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى: {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وبقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187] فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع، والله أعلم بمراده. وأما قوله تعالى: {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور {لَّمّاً } بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير {لَّمّاً } مشددة، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن {مَا } اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } والتقدير: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وعلى هذا التقدير (مَا ) رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة (مَا ) وموصولتها محذوف والتقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } تفسير : [الفرقان: 41] وعليه سؤالان: السؤال الأول: إذا كانت (مَا ) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز. وقوله {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [يوسف: 90] ولم يقل: فإن الله لا يضيع أجره، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } تفسير : [الكهف: 30] ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا. السؤال الثاني: ما فائدة اللام في قوله {لَّمّاً } قلنا: هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله {إِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم، وهذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام. الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن (مَا ) ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } هي المتلقية للقسم، أما اللام في {لَّمّاً } هي لام تحذف تارة، وتذكر أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك: والله لو أن فعلت، فعلت فلفظة (أن) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا، وعلى هذا التقدير كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم {وَجَاءكُمُ } جزم بالعطف على {ءاتَيْتُكُم } و {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } هو الجزاء، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، وأما الوجه في قراءة {لَّمّاً } بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل (وَمَا ) على هذه القراءة تكون موصولة، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، وأما قراءة {لَّمّاً } بالتشديد فذكر صاحب «الكشاف» فيه وجهين الأول: أن المعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني: أن أصل {لَّمّاً } لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت {لَّمّاً } ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى. المسألة الثانية: قرأ نافع {ءاتَيْنَـٰكُم } بالنون على التفخيم، والباقون بالتاء على التوحيد، حجة نافع قوله {أية : وَءَاتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً } تفسير : [النساء: 163] {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم: 12] {أية : وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } تفسير : [الصافات: 117] ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى، وحجة الجمهور قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءَايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } تفسير : [الحديد: 9] و {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الكهف: 1] وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ } وقال بعدها {إِصْرِى } وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى } تفسير : [الإسراء: 2] ولم يقل من دوننا كما قال: {وَجَعَلْنَـٰهُ }، والله أعلم. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال: {ءَاتَيْتُكُم } وهو مخاطبة إضمار والتقدير: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة، والإضمار باب واسع في القرآن، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات. المسألة الرابعة: في قوله {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ } إشكال، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه والثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع. المسألة الخامسة: الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها. المسألة السادسة: كلمة {مِنْ } في قوله {مِن كِتَـٰبِ } دخلت تبييناً لما كقولك: ما عندي من الورق دانقان. أما قوله تعالى: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: ما وجه قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ } والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم؟. والجواب: إن حملنا قوله {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ } أي جاء في زمانكم. السؤال الثاني: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، وأيضاً فالمراد من قوله {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم. السؤال الثالث: حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق. والجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلٰهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله {رَّسُول } وأما على الوجه الثاني، فقوله {مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ }. أما قوله {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فالمعنى ظاهر، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً، واللام في {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } لام القسم، كأنه قيل: والله لتؤمنن به. ثم قال تعالى: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى {أأقررتم} معناه: قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله {قَالَ أأقررتم } أي قال كل نبي لأمته أأقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ذلك بالإشهاد. المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته. أما قوله تعالى: {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } أي قبلتم عهدي، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ }تفسير : [البقرة: 48] أي يقبل منها فدية وقال: {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } تفسير : [التوبة: 104] أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } تفسير : [البقرة: 286] فسمى العهد إصراً لهذا المعنى، قال صاحب «الكشاف»: سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء {إِصْرِى } ويجوز أن يكون لغة في إصر. ثم قال تعالى: {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وفي تفسير قوله {فَأَشْهِدُواْ } وجوه الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً {مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني: أن قوله {فَأَشْهِدُواْ } خطاب للملائكة الثالث: أن قوله {فَأَشْهِدُواْ } أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } تفسير : [الأعراف: 172] على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع: {فَأَشْهِدُواْ } أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس: {فَأَشْهِدُواْ } أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس: إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله {فَأَشْهِدُواْ } خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم. وأما قوله تعالى: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } فهو للتأكيد وتقوية الإلزام، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم، وقوله {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } هذا شرط، والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط والجزاء، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً؛ فذلك معنى النُّصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جُبير وقَتادة وطاوس والسُّدي والحسن، وهو ظاهر الآية. قال طاوس: أخذ الله ميثاق الأوّل من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخِر. وقرأ ٱبن مسعود {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. قال الكسائي: يجوز أن يكون {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين. وقال البصريون: إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم؛ لأنهم قد ٱتبعوهم وصدّقوهم. و «ما» في قوله «لَمَا» بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} فقال: لما بمعنى الذي. قال النحاس: التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه، ثم حذف الهاء لطول الاسم. و «الذي» رفع بالابتداء وخبره «من كتاب وحكمة». و «مِن» لبيان الجنس. وهذا كقول القائل: لزيد أفضل منك؛ وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء. قال المَهْدوِيّ: وقوله «ثم جاءكم» وما بعده جملة معطوفة على الصلة، والعائد منها على الموصول محذوف؛ والتقدير ثم جاءكم رسول مصدّق به. قوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول عليّ وٱبن عباس رضي الله عنهما. واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين؛ كقوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} ـ إلى قوله {أية : وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} تفسير : [النحل: 113]. فأخذ الله ميثاق النبيّين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاقَ على أممهم. واللام من قوله «لتؤمنن به» جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف. وهو كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلنّ كذا، كأنك قلت ٱستحلفك، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو «لِما» في قراءة ٱبن كَثير على ما يأتي. ومن فتحها جعلها متلقيةً للقسم الذي هو أخذ الميثاق. واللام في «لتؤمنن به» جواب قسم محذوف، أي والله لتؤمنن به. وقال المبرّد والكسائي والزجاج: «ما» شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن، ومعناه (لمهما) آتيتكم؛ فموضع «ما» نصب، وموضع «آتيتكم» جزم، و «ثم جاءكم» معطوف عليه، {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} اللام في قوله «لتؤمنن به» جواب الجزاء؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ} تفسير : [الإسراء: 86] ونحوه. وقال الكسائيّ: لتؤمنن به مُعْتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول، وجواب الجزاء قوله {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}. ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد. وقرأ أهل الكوفة «لِمَا آتيتكم» بكسر اللام، وهي أيضاً بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق: لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدّم. قال النحاس: ولأبي عبيدة في هذا قول حَسَن. قال: المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمننّ به لِما آتيتكم من ذكر التوراة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى وَإذْ أخذ الله ميثاق النبيّين لَتُعَلِّمُنّ الناس لِمَا جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذنّ على الناس أن يؤمنوا. ودلّ على هذا الحذف {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}. وقيل: إن اللام في قولهِ «لِما» في قراءة من كسرها بمعنى بعد، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة؛ كما قال النابغة:شعر : توهّمتُ آيات لها فعرفتُها لستّةِ أعوام وذا العامُ سابع تفسير : أي بعد ستة أعوام. وقرأ سعيد بن جُبير «لمّا» بالتشديد، ومعناه حين آتيتكم. وٱحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت «مِن» على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن ٱستخفافاً. وقرأ أهل المدينة «آتيناكم» على التعظيم. والباقون «آتيتكم» على لفظ الواحد. ثم كلّ الأنبياء لم يُؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض؛ ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب. والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحُكْم والنبوّة. وأيضاً من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب. قوله تعالى: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} «أقررتم» من الإقرار، والإصْر والأَصْر لغتان، وهو العهد. والإصر في اللغة الثِّقْل؛ فَسُمِّي العهد إصراً لأنه مَنْع وتشديد. {قَالَ فَٱشْهَدُواْ} أي ٱعلموا؛ عن ٱبن عباس. الزجاج: بيّنوا لأن الشاهد هو الذي يصحّح دعوى المدّعِي. وقيل: المعنى ٱشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم. وقال سعيد بن المسيّب: قال الله عز وجل للملائكة فٱشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} قيل إنه على ظاهره، وإذا كان هذا حكم الأنبياء كان الأمم به أولى. وقيل معناه أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم. وقيل إضافة الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الفاعل، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم. وقيل المراد أولاد النبيين على حذف المضاف، وهم بنو إسرائيل، أو سماهم نبيين تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا، واللام في {لما} موطئه للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية. وقرأ حمزة {لما} بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه، أو موصولة والمعنى أخذه للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرىء {لما} بمعنى حين آتيتكم، أو لمن أجل ما آتيتكم على أن أصله لمن ما بالإِدغام فحذف إحدى الميمات الثلاث استثقالاً. وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف جميعاً. {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} أي عهدي، سمي به لأنه يؤصر أي يشد. وقرىء بالضم وهو إما لغة فيه كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به. {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ } أي فليشهد بعضكم على بعض بالإِقرار. وقيل الخطاب فيه للملائكة. {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} وأنا أيضاً على إقراركم وتشاهدكم شاهد، وهو توكيد وتحذير عظيم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام: لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به، ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده، ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ} أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى} وقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي: يعني: عهدي. وقال محمد بن إسحاق: (إصري) أي: ثقل ما حملتم من عهدي، أي: ميثاقي الشديد المؤكد { قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ} أي: عن هذا العهد والميثاق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}، قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبياً من الأنبياء، إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمداً، وهو حي، ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد، وهم أحياء، ليؤمنن به، ولينصرنه. وقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله ابن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «حديث : والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى عليه السلام، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين».تفسير : (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر: حدثنا إسحاق، حدثنا حماد عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعني». وفي بعض الأحاديث: «لو كان موسى وعيسى حيين، لما وسعهما إلا اتباعي» تفسير : فالرسول محمد خاتم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب طاعته، المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه، فيكون هو المخصوص به، صلوات الله وسلامه عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر { إِذْ } حين {أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } عهدهم {لَّما } بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي فيأخذ الميثاق، وكسرها متعلقة (بأخذ)، و(ما) موصولة على الوجهين أي للذي {ءاتَيْتُكُم } إياه، وفي قراءة آتيناكم {مّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } من الكتاب والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } جواب القسم إن أدركتموه وأُمَمُهم تبعٌ لهم في ذلك {قَالَ } تعالى لهم {ءَأَقْرَرْتُمْ } بذلك {وَأَخَذْتُمْ } قبلتم {عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } عهدي {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ } على أنفسكم وأتباعكم بذلك {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ } عليكم وعليهم.

الشوكاني

تفسير : قد اختلف في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } فقال سعيد بن جبير، وقتادة، وطاوس، والحسن، والسديّ إنه أخذ الله ميثاق الأنبياء: أن يصدّق بعضهم بعضاً بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضاً بالكتاب إن بذلك، فهذا معنى النصرة له، والإيمان به، وهو ظاهر الآية، فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر، وينصره، وقال الكسائي: يجوز أن يكون معنى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين، ويؤيده قراءة ابن مسعود: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» وقيل: في الكلام حذف. والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين؛ لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب، وحكمة، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا، ودلّ على هذا الحذف قوله: {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } و «ما» في قوله: {لما آتيتكم} بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لما آتيتكم} فقال: «ما» بمعنى الذي. قال النحاس: التقدير في قول الخليل الذي آتيتكموه، ثم حذفت الهاء لطول الاسم، واللام لام الابتداء، وبهذا قال الأخفش، وتكون ما في محل رفع على الابتداء، وخبرها من كتاب، وحكمة. وقوله: {ثُمَّ جَاءكُمْ } وما بعده جملة معطوفة على الصلة، والعائد محذوف أي: مصدّق به. وقال المبرد، والزجاج، والكسائي: «ما» شرطية دخلت عليها لام التحقيق، كما تدخل على "إن"، «ولتؤمنن به» جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف، كما تقول: أخذت ميثاقك، لتفعلنّ كذا، وهو: سادّ مسدّ الجزاء. وقال الكسائي: إن الجزاء قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ }. وقال في الكشاف: إن اللام في قوله: {لما آتيتكم} لام التوطئة، واللام في قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ } جواب القسم، "وما" يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، "ولتؤمنن" سادّ مسدّ جواب القسم، والشرط جميعاً، وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيتكموه لتؤمنن به. انتهى، وقرأ حمزة: «لما آتيتكم» بكسر اللام "وما" بمعنى الذي، وهي متعلقة بأخذ. وقرأ أهل المدينة: «آتيناكم» على التعظيم. وقرأ الباقون: «آتيتكم» على التوحيد، وقيل: إن «ما» في قراءة من قرأ بكسر اللام مصدرية. ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم، واللام لام التعليل، أي: لأجل ذلك أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به. قوله: {أَقْرَرْتُمْ } هو من الإقرار. والإصر في اللغة: الثقل، سمي العهد إصراً لما فيه من التشديد. والمعنى: وأخذتم على ذلك عهدي. قوله: {قَالُواْ أَقْرَرْنَا } جملة استئنافية، كأنه قيل: ماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل قالوا أقررنا، وإنما لم يذكر أحدهم الإصر اكتفاء بذلك. قوله: {قَالَ فَٱشْهَدُواْ } أي: قال الله سبحانه فاشهدوا، أي: ليشهد بعضهم على بعض: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي: وأنا على إقراركم، وشهادة بعضكم على بعض من الشاهدين. قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ } أي: أعرض عما ذكر بعد ذلك الميثاق {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي: الخارجون عن الطاعة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرأون: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } ونحن نقرأ {ميثاق النبيين}، فقال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن طاوس في الآية، قال: {أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } أن يصدق بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } قال: هي خطأ من الكتاب، وهي في قراءة ابن مسعود: «ميثاق الذين أوتوا الكتاب» وأخرج ابن جرير، عن عليّ قال: لم يبعث الله نبياً آدم، فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث، وهو حيّ ليؤمنن به، ولينصرنه، ويأمره، فيأخذ العهد على قومه، ثم تلا: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في الآية نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي عنه في قوله: {إِصْرِى } قال: عهدي. وأخرج ابن جرير، عن عليّ في قوله: {قَالَ فَٱشْهَدُواْ } يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } عليكم وعليهم {فَمَنْ تَوَلَّىٰ } عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } هم العاصون في الكفر.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} في الميثاق قولان: أحدهما: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه أخذ ميثاقهم ليؤمنن بالآخرة، وهذا قول طاووس. {ثُمَّ جَآءَكُم رَسُولٌ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} يعني من التوارة، والإنجيل. {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُم وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} والإصر: العهد، وفيه تأويلان: أحدهما: معناه: قبلتم على ذلك عهدي. والثاني: أخذتم على المُتَّبِعِين لكم عهدي. {قَالُوا: أَقْرَرْنَا. قَالَ: فَاشْهَدُواْ} يعني على أممكم بذلك. {وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} عليكم، وعليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِيثَاقَ النَّبيِّينَ} أن يؤمنوا بالآخرة، أو يأخذوا على قومهم تصديق محمد صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} محمد صلى الله عليه وسلم {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة والإنجيل. {وَأَخَذْتُمْ عَلَى} قبلتم عهدي، [أ]و وأخذتم على متبعكم عهدي {فَاشْهَدُواْ} على أممكم، وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لما} بكسر اللام حمزة الخزا. الباقون بفتحها. {آتيناكم} على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع. الباقون {آتيتكم} على الوحدة {يبغون} بياء الغيبة و {ترجعون} بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس. وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب {يبغون} بالياء التحتانية {يرجعون} بالتحتانية مبنياً للفاعل. الباقون بتاء الخطاب فيهما {ملء} بالهمزة {الأرض} بغير الهمز. روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما. الباقون بالهمز فيهما. الوقوف:{ولتنصرنه} ط {إصري} ط {أقررنا} ط {الشاهدين} ه {الفاسقون} ه {يرجعون} ه {من ربهم} ص {منهم} ج {مسلمون} ه {منه} ج لعطف المختلفتين {الخاسرين} ه {البينات} ط {الظالمين} ه {اجمعين} ه {فيها } ج (لا) {ينظرون} ه (لا) للاستثناء {رحيم} ه {توبتهم} ج {الضالون} ه، {افتدى به} ط {ناصرين} ه. التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين. قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله. وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب. وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله. أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس. ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" تفسير : فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً. وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ويراد به الأمة كقوله {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق:1] وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه تعالى حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم. وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} ونحن نقرأ {وإذا أخذ الله ميثاق النبيين} فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم {لما آتيتكم} من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره {لتؤمنن} واللام فيه جواب القسم المقدر. والعائد على الموصول في {آتيتكم} محذوف وفي {جاءكم} ما يدل عليه {لما معكم} لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف. و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة. فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط. ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه. ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر. وعن سعيد بن جبير {لما} بالتشديد بمعنى " حين ". وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم. أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة. وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم. قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا. ولما في أخذ الميثاق من معنى القول. ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه. و "من " للبيان أو للتبعيض. وقوله: {ثم جاءكم} والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال. والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع. فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه عليه السلام وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس الاشرعه عليه السلام. ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم. الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه. وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله صلى الله عليه وسلم مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له صلى الله عليه وسلم، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء. أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله {ثم جاءكم} / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله تعالى أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله سبحانه وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: {قل آمنا بالله} الآية. {قال} الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر {أأقررتم} بالإيمان به والنصرة؟ والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق. وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه {وأخذتم} أي قبلتم {على ذلكم أصري} عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال تعالى: {أية : لا يؤخذ منها عدل} تفسير : [البقرة:48] أي لا يقبل. ويأخذ الصدقات أي يقبلها. سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد. ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: {فاشهدوا} أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. وفي قوله: {وأنا معكم من الشاهدين} وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة. وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: {أية : وأشهدهم على أنفسهم} تفسير : [الأعراف: 172] وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به. وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى. وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم. ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله:{فمن تولى بعد ذلك} الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر {فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم. ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: {أفغير دين الله يبغون} ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون {وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون} من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله {أولئك هم الفاسقون} ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين. والأصل أفتبتغون غير دين الله؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل. وعن ابن عباس حديث : أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال صلى الله عليه وسلم: كل الفريقين بريء من دين إبراهيم. فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلتتفسير : . وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون. ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له تعالى الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً. ونظير الآية {أية : ولله يسجد من في السموات والأرض}تفسير : [الرعد:15] فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده {طوعاً وكرهاً} وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً. ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات. فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره. وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب. وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض. أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره. وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً. فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي {وإليه ترجعون} أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره. ثم إنه سبحانه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه. أما وجه التوحيد في {قل} فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في {آمنا} فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: {أية : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته} تفسير : [البقرة:285] أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك. وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق. ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران:81] فههنا قد أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده. واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة. فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً. وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان {قولوا} فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان {قل} فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله تعالى: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب} تفسير : [المائدة: 48] وبقوله: {أية : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} تفسير : [آل عمران:72] والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم. {ونحن له مسلمون} فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ {وهو في الآخرة من الخاسرين} حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب. والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة. وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية. وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله تعالى: {أية : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} تفسير : [الحجرات:14] ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: {كيف يهدي الله} واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً. وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله:{إلا الذين تابوا} وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {فإن الله غفور رحيم} فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً. قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر. ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت:69] وقال: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى} تفسير : [محمد:17] أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: {أية : ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم} تفسير : [النساء:168ـ169] وقوله: {أية : يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار} تفسير : [يونس:9] وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة. وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه تعالى قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟ وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية. وقوله: {وشهدوا} عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله تعالى: {أية : فأصدق وأكن} تفسير : [المنافقون:10] ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه تعالى لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه. {والله لا يهدي القوم الظالمين} الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد. وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه تعالى لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً {أولئك جزاؤهم} إلى قوله:{ولا هم ينظرون} وقد مر مثله في البقرة. وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة. {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} الكفر العظيم. ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: {وأصلحوا} أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها. {فإن الله غفور} في الدنيا بالستر {رحيم} في الآخرة بالعفو. أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب. قوله سبحانه {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً} ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين. ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم. وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون. وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله تعالى ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض. وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله {لن تقبل توبتهم} قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله تعالى: {أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} تفسير : [النساء:18] وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص. وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله:{إلا الذين تابوا} يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة. وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه. أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر. وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر. فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية. ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف. والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة. واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: {لن تقبل توبتهم} على وجه. وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة. وملْ الشيء قدر ما يملؤه و{ذهباً} نصب على التمييز. وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم. فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد. ومعنى الفاء في {فلن يقبل} أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع. هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف. وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟ ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم. والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم. أما الواو في قوله {ولو افتدى به} فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه. وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية. وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب. وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: {أية : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به} تفسير : [الزمر:47] والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد. أي مثل ضربه. و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله. كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت. وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟ فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء. والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه. ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: {أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم {أولئك لهم عذاب أليم} بموت القلب وفقد المعرفة {وما لهم من ناصرين} على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}: المعنى: وٱذْكُرْ يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق؛ حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ علَىٰ كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنَىٰ: إنَّ اللَّه تعالَىٰ أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ؛ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أَتَىٰ بعده من الرُّسُل، والنَّصْرَ له، وقال ابن عبَّاس: إِنما أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين علَىٰ قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه): لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العَهْدَ في محمَّد صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه، وأمره بأخذه علَىٰ قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ. وقرأ حمزةُ: «لِمَا»؛ بكسر اللام، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم؛ إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي»، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ»: لبيانِ الجنسِ، و {ثُمَّ جَاءَكُمْ...} الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف؛ تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ» هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا»؛ بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين: أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالَىٰ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ}، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: {لَتُؤْمِنُنَّ}، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنَىٰ: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ وهو متَّجِه؛ بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين. والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ»: معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ عَلَىٰ «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} تفسير : [الأحزاب:60] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: {أية : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} تفسير : [الأحزاب:60] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله: «لَتُؤْمِنُنَّ». وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ»، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ»؛ بالتاء، ورَسُول؛ في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفَسرين هو نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي...} هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء - عليهم السلام - على إِقرارهم بهذا الميثاق، وٱلتزامِهِم له، {وَأَخَذْتُمْ}؛ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ: {أَخَذْتُمْ}؛ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ. وقوله تعالى: {فَٱشْهَدُواْ} يحتملُ معنَيَيْنِ: أحدهما: فٱشهدوا علَىٰ أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بٱلتزامِ هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة. والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، وٱشْهَدُوا به، وشهادةُ اللَّهِ علَىٰ هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نُبُوَّاتهم، هذا قَوْلُ الزَّجَّاج وغيره. وقال * ع *: فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ وٱستحفاظُها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالَىٰ بالفِسْقِ علَىٰ مَنْ تولَّىٰ مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ»؛ بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفَىٰ بأدنَىٰ تأمُّل. و {تَبْغُونَ}: معناه: تَطْلُبُونَ. قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ٱبْنِ السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور؛ أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالَىٰ. وروِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن ابن مَسْعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إذَا ٱنْفَلَتَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ، فَلْيُنَاد: يَا عِبَادَ اللَّهِ، ٱحْبِسُوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، ٱحْبِسُوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا».تفسير : قال النَّوويُّ: حَكَىٰ لِي بعُضْ شُيُوخِنا؛ أَنَّهُ ٱنْفَلَتَتْ لَهُ دَابَّةٌ أَظْنُّهَا بَغْلَةً، وَكَانَ يعرفُ هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فٱنفلَتَتْ منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سَوىٰ هذا الكلامِ. اهـــ. وَ {أَسْلَمَ}: معناه: ٱسْتَسْلَمَ، عند الجمهور. واختلفوا في مَعْنَىٰ قوله: {طَوْعاً وَكَرْهاً}، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالَىٰ: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان:25] فالمعنَىٰ: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ علَىٰ نفسه؛ بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً. قال * ع *: والمعنَىٰ في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض. وقوله سبحانه: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ}: توقيفٌ لمعاصرِي نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكُفَّار. قوله تعالى: {قُلْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِم...} الآية: المعنَىٰ قُلْ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وأمَّتُكَ: {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ...} الآية, وقد تقدَّم بيانها في «البقرة»، ثم حكم تعالَىٰ في قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ...} الآيةَ؛ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء ـــ عليهم السلام ـــ، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن {مَنْ يَبْتَغِ...} الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها مَنْ سواه إلى يوم القيامة.

ابن عادل

تفسير : العامل في "إذْ" وجوه: أحدها: "اذكر" إن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: "اذكروا" إن كان الخطاب لأهل الكتابِ. الثالث: اصطفى، فيكون معطوفاً على "إذْ" المتقدمة قبلها، وفيه بُعْدٌ؛ بل امتناع؛ لبُعْده. الرابع: أن العامل فيه "قَالَ" في قوله: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ} وهو واضح. وميثاق، يجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أو لمفعوله، وفي مصحف أبيّ وعبد الله وقراءتهما: {أية : مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : كما في آخر السورةِ [الآية: 187]. وعن مجاهد، وقال: أخطأ الكاتب. قال شهابُ الدين: "وهذا خطأٌ من قائله - كائناً مَنْ كان - ولا أظنه عن مجاهد؛ فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، ولم يَنْقُلْ عنه واحدٌ منهما شيئاً مِنْ ذلك". والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح، وقد ذكروا فيها أوجهاً: أحدها: أن الكلام على ظاهرهِ، وأن الله تعالى - أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضهم بعضاً وينصر بعضُهم بعضاً، بمعنى: أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبي الذي يأتي بعده، ولا يخذلوه وهذا قول سعيد بن جبيرٍ والحسن وطاووس. وقيل هذا الميثاقُ مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس وقتادةَ والسدي، واحتج القائلون بهذا بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} [آل عمران: 81] وهذا يدل على أن الآخذ [هو الله - تعالى - والمأخوذ منهم هم النبيون، وليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة]. وأجيب بأن على الوجه الذي قلتم يكون الميثاقُ مضافاً إلى الموثَقِ عليه. وعلى قولنا إضافته [إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل - وهو الموثق - وإضافة الفعلِ إلى الفاعل أقوى من إضافته] إلى المفعول؛ فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال: ميثاقُ اللهِ وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ اللهُ الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أمَمِهم. ويمكن أن يُراد ميثاق أولاد النبيين - وهم بنو إسرائيلَ - على حذف مضافٍ [وهو كما يقال: "فعل بكر بن وائل كذا"، و "فعل معد بن عدنان كذا"، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا ههنا]. ويحتمل أن يكون المراد من لفظ "النَّبِيِّينَ" أهل الكتاب، فأطلق لفظ "النَّبِيِّينَ" عليهم؛ تهكُّماً بهم على زعمهم؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب، ومنا النبيون، قاله الزمخشريُّ. ويمكن أنه ذكر النبي والمراد أمته كقوله: {أية : يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 1]. واحتجوا - أيضاً - بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةٌ، أمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عمْرانَ حَيًّا لَمَا وَسعهُ إلاَّ اتِّبَاعِي ". تفسير : وبما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "إن الله - تعالى - ما بعث آدم وَمَنْ بعده من الأنبياء عليهم السلام إلا أخذ العهد عليه لئن بُعِث محمدٌ وهو حَيٌّ ليؤمننَّ به، ولينصرنه". القول الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله، والموثق عليه غير مذكور؛ لفهم المعنى، والتقدير: ميثاق النبيِّين على أممهم، ويؤيده قراءة أبَيّ وعبد الله، ويؤيده - أيضاً - قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [آل عمران: 82] والمراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بُعِث محمدٌ صلى الله عليه وسلم أن يُؤمِنوا به وينصروه وهو قول مجاهدٍ والربيع، واحتجوا بقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى أهل الكتابِ دون النبيين. وقال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ اللهُ الميثاق منهم، يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه وكل الأنبياءِ يكونون عند مبعثه عليه السَّلامُ من زمرة الأموات والميت لا يكون مكلفاً، فعلمنا أن المأخوذ عليهم الميثاق ليسوا هم النبيين بل أممهم، ويؤكِّد هذا أنه - تعالى - حكم على مَنْ أخِذ عليهم الميثاقُ أنهم لو تولوا كانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم. قال القفال عن هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بل يكون هذا كقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] وقد علم الله تعالى أنه لا يُشرك قط، ولكن خرج هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وكقوله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-46] وكقوله في صفة الملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 29] وكل ذلك على سبيل الفرض والتقدير - فكذا هنا - وقوله: إنه سماهم فاسقين فهو على تقدير التولي، واسم الشرك أقبح من اسم الفسق - وقد ذكره - تعالى - على سبيل الفرض في قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. واحتجوا - أيضاً - بأن المقصود من الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء وأجيب عن ذلك بأن درجاتِ الأنبياء أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت الآيةُ على أن اللهَ أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لو كانوا أحياءً - وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم كان أولى. واحتجوا أيضاً بما روي عن ابن عباس قال: إنما أخذ الله ميثاقَ النَّبِيِّين على قومهم. وبقوله تعالى: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 40] وبقوله: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [آل عمران: 187]. وقال بعض أصحاب القول الأول: المعنى: أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه، ويصدقوه - إن أدركوه. قال بعضهم: إن الله أخذ الميثاق على النبيين وأممِهم - جميعاً - في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد مع المتبوع عَهْد مع التابع، وهذا معنى قول ابن عباسٍ. قرأ العامَّة: "لما آتيتكم" بفتح لام "لما" وتخفيف الميم، وحمزة - وحده - على كسر اللام. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير "لَمَّا" بالفتح والتشديد. فأما قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: أحدها: أن تكون "ما" موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بفعل محذوف، ذلك الفعل هو جواب القسم والتقدير: واللهِ لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتاب. قال هذا القائلُ: لأن لامَ القسَم إنما تقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على الفعل حُذِف. ثم قال تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال: وعلى هذا التقدير يستقيم النَّظْمُ. وقال شهاب الدينِ: وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز ألبتة؛ إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام: "والله لزيداً" تريد: والله لنضربن زيداً. الوجه الثاني: وهو قول أبي علي وغيره: أن تكون اللام - في "لَمَا" - جواب قوله: {مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي بمنزلة قولك: لزيدٌ أفضل من عمرو، فهي لام الابتداء المتلَقَّى بها القسم وتسمى اللام المتلقية للقسم. و"ما" مبتدأة موصولة و "آتيتكم" صلتها، والعائد محذوف، تقديره: آتيناكموه فحذف لاستكمال شرطه. و {مِّن كِتَابٍ} حال - إما من الموصول، وإما من عائده - وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} عطف على الصلة، وحينئذٍ فلا بد من رابط يربط هذه الجملةَ بما قبلها؛ فإن المعطوفَ على الصلة صِلة. واختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه محذوف، تقديره: جاءكم رسول به، فحذف "به" لطول الكلام ودلالة المعنى عليه. وهذا لا يجوز؛ لأنه متى جُرَّ العائدُ لم يُحْذَف إلا بشروط، وهي مفقودةٌ هنا، [وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه، وفيه ما قد عرفت، ومنهم من] قال: الربط حصل - هنا - بالظاهر، لأن الظاهر - وهو قوله "لما معكم" صادق على قوله: "لما آتيناكم" فهو نظير: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت أبو يوسف. وقال: [الطويل] شعر : 1529- فَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ وَأنْتَ الَّذِي فِي رَحْمةِ اللهِ أطْمَعُ تفسير : يريد رويت عنه، ورأيته، وفي رحمته. فأقام الظاهر مقام المضمر، وقد وقع ذلك في المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30] ولم يقل: إنا لا نضيع، وقال تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 90] ولم يقل: لا يضيع أجره وهذا رأي أبي الحسن والأخفش. وقد تقدم البحث فيه. ومنهم من قال: إن العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في "مَعَ" و "لتؤمنن به" جوابُ قسمٍ مقدرٍ، وهذا القَسَم المقدَّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو "لما آتيناكم" والهاء - في "بِهِ" - تعود على المبتدأ، ولا تعود على "رَسُولٌ" لئلاَّ يلزم خلُوّ الجملة الواقعة خبراً من رابط يربطها بالمبتدأ. الوجه الثالث: كما تقدم، إلا أن اللام في "لَمَا" لام التوطئة؛ لأن اخذ الميثاق في معنى الاستخلاف. وفي "لتؤمنن" لام جواب القسم، هذا كلام الزمخشريِّ. ثم قال: و "ما" تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و "لَتُؤمِنُنَّ" سادّ مَسَدّ جواب القَسَم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى الذي. وهذا الذي قاله فيه نظرٌ؛ من حيثُ إن لام التوطئة تكون مع أدوات الشرط، وتأتي - غالباً - مع "إن" أما مع الموصول فلا يجوزُ في اللام أن تكون موطئةً وأن تكون للابتداء. ثم ذكر في "ما" الوجهين، لحملنا كل واحد على ما يليق به. الوجه الرابع: أن اللام هي الموطئة، و "ما" بعدها شرطية، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها - وهو "آتيْنَاكُمْ"، وهذا الفعل مستقبل معنًى؛ لكونه في جزاء الشرط، ومحله الجزم، والتقدير: واللهِ لأي شيء آتيتكم من كذا وكذا ليكونن كذا، وقوله: {مِّن كِتَابٍ}، كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} تفسير : [البقرة: 106] وقد تقدم تقريره. وقوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} عطف على الفعل قبله، فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عُطِف عليه، و "لَتُؤمِنُنَّ" جواب لقوله: {أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} وجواب الشرط محذوف، سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضمير في "بِهِ" عائد على "رَسُولٌ"، كذا قال أبو حيّان. قال شهاب الدين: "وفيه نظر؛ لأنه يمكن عودُه على اسم الشرط، ويُستغنَى - حينئذٍ - عن تقديره رابطاً". وهذا كما تقدم في الوجه الثاني ونظير هذا من الكلام أن نقول: أحلف بالله لأيهمْ رأيت، ثم ذهب إليه رجل قرشي لأحسنن إليه - تريد إلى الرجل - وهذا الوجه هو مذهب الكسائي. وقد سأل سيبويه الخليل عن هذه الآية، فأجاب بأن "ما" بمنزلة الذي، ودخلت اللام على "ما" كما دخلت على "إن" حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام التي في "ما" كهذه التي في "إن" واللام التي في الفعل كهذه اللام التي في الفعل هنا. هذا نصُّ الخليلِ. قال أبو علي: لم يرد الخليل بقوله: إنما بمنزلة الذي كونها موصولة، بل إنها اسم كما أن "الذي" اسم وإما أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ}تفسير : [هود: 111] وقوله: {أية : وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 35]. وقال سيبويه: ومثل ذلك {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأعراف: 18] إنما دخلت اللام على نية اليمين. وإلى كونها شرطية ذهب جماعة كالمازني والزجَّاج والفارسيّ والزمخشري. قال أبو حيّان: "وفيه خدش لطيف جدًّا" وحاصل ما ذكر: أنهم إن أرادوا تفسير المعنى فيمكن أن يقال، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلا يصح؛ لأن كلاَّ منهما - أعني: الشرط والقسم - يطلب جواباً على حدة، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما؛ لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل، فيكون في موضع جزمٍ، والقسم يطلبه على جهة التعلُّق المعنويّ به من غير عملٍ، فلا موضع له من الإعراب، ومحال أن يكون الشيءُ له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب. [وتقدم هذا الإشكال وجوابه]. الوجه الخامس: أن أصلها "لَمّا" - بالتشديد - فخُفِّفَتْ، وهذا قول أبي إسحاق وسيأتي في قراءة التشديد، وقرأ حمزة لما - بكسر اللام، خفيفة الميم - أيضاً - وفيها أربعة أوجه: أحدها: وهو أغربها - أن تكون اللام بمعنى "بَعْد". كقول النابغة: [الطويل] شعر : 1530- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لها فعَرفْتُهَا لِسِتّةِ أعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ تفسير : يريد: فعرفتها بعد ستة أعوام، وهذا منقول عن صاحب النَّظْم. قال شهاب الدين: "ولا أدري ما حمله على ذلك؟ وكيف ينتظم هذا كلاماً؟ إذْ يصير تقديره: وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين بعدما آتيتكم، ومَن المخاطب بذلك؟". الثاني: أن اللام للتعليل - وهذا الذي ينبغي أن لا يُحَاد عنه - وهي متعلِّقة بـ "لتؤمنن" و "ما" حينئذٍ - مصدرية. قال الزمخشري: "ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لتؤمنن به على أن "ما" مصدرية، والفعلان معها - أعني: "آتيناكم" و "جاءكم" - في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل، والمعنى: أخذ اللهُ ميثاقهم ليؤمنن بالرسول، ولينصرنه، لأجل أن آتيتكم الكتابَ والحكمةَ، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونُصْرَتِهِ موافق لكم، غير مخالف لكم". قال أبو حيّان: وظاهر هذا التعليل الذي ذكره، والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعل المقسَم فإن عنى هذا الظاهر، فهو مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلاً لأخْذ الميثاق، لا لمتعلِّقه - وهو الإيمان - فاللام متعلقة بـ "أخَذَ" وعلى ظاهر تقدير الزمخشريِّ تكون متعلقة بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} ويمتنع ذلك من حيث إن اللام المتلَقَّى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها تقول: والله لأضربن زيداً، ولا يجوز: والله زيداً لأضربن، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في "لَمَا" بقوله: "لتؤمنن". وأجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفاً أو مجروراً - تَقَدُّمَه، وجعل من ذلك قوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}تفسير : [المؤمنون: 40]. وقوله: [الطويل] شعر : 1531-........................ بِأسْحَم دَاجٍ عَوْضُ لا نتفَرَّقُ تفسير : فعلى هذا يجوز أن يتعلق بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ}. قال شهاب الدين "أما تعلُّق اللام بـ {لَتُؤْمِنُنَّ} - من حيث المعنى - فإنه أظهر من تعلُّقِها بـ "أخذ" فلم يَبْقَ إلا ما ذكر من منع تقديم معمول الجواب المقترن باللام عليه، وقد يكون الزمخشريُّ ممن يرى جوازه". والثالث: أن تتعلق اللام بـ "أخَذَ"، أي لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت، أخذت عليكم الميثاقَ، وفي الكلام حذفُ مضاف، تقديره: رعاية ما آتيتكم. الرابع: أن تتعلق بـ "المِيثاق"، لأنه مصدر، أي: توثقنا عليهم لذلك. هذه الأوجه بالنسبة إلى اللام، وأما "ما" ففيها ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون مصدرية كما تقدم عن الزمخشريِّ. والثاني: أنها موصولة بمعنى "الذي" وعائدها محذوف، و {ثُمَّ جَآءَكُمْ}، عطف على الصلة، والرابط بالموصول إما محذوف، تقديره: به، وإما قيام الظاهر مقام المضمر، وهو رأي الأخفشِ، وإما ضمير الاستقرار الذي تضمنه "مَعَكُمْ". والثالث: أنها نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها، وعائدها محذوف، {ثُمَّ جَآءَكُمْ} عطف على الصفة، والكلام في الرابط كما تقدم فيها وهي صلة، إلا أن إقامة الظاهر مُقَامه في الصفة ممتنع، لو قلت: مررت برجل قام أبو عبد الله - على أن يكون قام أبو عبد الله صفة لرجل، والرابط أبو عبد الله، إذ هو الرجلُ في المعنى - لم يجز ذلك، وإن جاز في الصلة والخبر - عند من يرى ذلك - فيتعين عود ضمير محذوف وجواب قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ} قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} والضمير في "بِهِ" عائد على "رَسُولٌ" ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور، فلو قلت أقسمت لَلْخَبر الذي بلغني عن عمرو لأحْسِنَنَّ إليه، جاز. وقوله: {مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} إما حالٌ من الموصول، أو من عائده، وإمّا بيانٌ له فامتنع في قراءة حمزة أن تكون "ما" شرطية، كما امتنع - في قراءة الجمهورِ - أن تكون مصدرية. وأما قراءة التشديد ففيها أوجهٌ: أحدها: أن "لَمَّا" هنا - ظرفية، بمعنى "حين" ثم القائل بظرفيتها اختلف تقديره في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجواب مقدَّر من جنس جواب القسم، فقال: "لَمَّا" - بالتشديد - بمعنى "حين" أي حين آتيتكم الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول، وجب عليكم الإيمان به، ونُصْرَتُه. وقال ابن عطية: ويظهر أن "لَمَّا" هذه هي الظرفية، أي: لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأمثالهم أخذ عليكم الميثاق؛ إذ على القادة يُؤخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ فقدر ابن عطية جوابها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهب إليه مذهبٌ مرجوحٌ، قال به الفارسيُّ والجمهور وسيبويه وأتباعه والجمهور. وقال الزجَّاجُ: أي: لما آتاكم الكتاب والحكمة، أي: أخذ عليكم الميثاق وتكون لما يؤول إلى الجزاء، كما تقول: لما جئتني أكرمتك. وهذه العبارة لا يؤخذ منها كون "لما" ظرفية، ولا غير ذلك، إلا أن فيها عاضداً لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدمها، بخلاف تقدير الزمخشريِّ. الثاني: أن "لَمَّا" حرف وجوب لوجوب، وهو مذهب سيبويه، وجوابها كما تقدم من تقديري ابن عطيةَ والزمخشري، وفي قول ابن عطيةَ: فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزةَ - نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل، وهذه القراءة لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لما كانت "لَمَّا" تحتاج إلى جواب أشبه ذلك العلة ومعمولها؛ لأنك إذا قلت: لما جئتني أكرمتك؛ في قوة: أكرمتك لأجل مجيئي إليه، فهي من هذه الجهة كقراءة حمزة. والثالث: أن الأصل: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، لأنها تقاربها، والإدغام - هنا - واجبٌ، ولما اجتمع ثلاث ميمات: ميم "من" وميم "ما" والميم التي انقلبت من نون - من أجل الإدغام - فحصل ثقل في اللفظ، قال الزمخشريُّ: "فحذفوا إحداها". قال أبو حيّان: وفيه إبهام، وقد عيَّنها ابنُ جني بأن المحذوف هي الأولى، وفيه نظرٌ؛ لأن الثقل إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيحُ في نظائره إنما هو حذف الثاني، في نحو {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [القدر: 4] وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوفة هي النافية، قال: "لضعفها بكونها بدلاً، وحصول التكرير بها" و "مِنْ" هذه التي في لمن ما زائدة في الواجب على رأي الأخفشِ - وهذا تخريج أبي الفتح، وفيه نظر بالنسبة إلى ادِّعائه زيادة "من"، فإن التركيب يقلق على ذلك، ويبقى المعنى غير ظاهر. الرابع: أن الأصل - أيضاً - لِمَنْ ما، ففُعِل به ما تقدم من القلبِ والإدغامِ، ثم الحذف، إلا أن "من" ليست زائدة، بل هي تعليلية، قال الزمخشريُّ: "ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى". وهذا الوجه أوجه مما تقدمه؛ لسلامته من ادِّعاء زيادة "من" ولوضوح معناه. وقرأ نافع "آتيناكم" بضمير المعظم نفسه، كقوله: {أية : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] وقوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} تفسير : [مريم: 12]، والباقون: "آتيتكم" - بضمير المتكلم وحده - وهو موافق لما قبله وما بعده من صيغة الإفراد في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} و {جَآءَكُمْ} و {إِصْرِي}. وفي قوله: "آتيتكم" و "آتيناكم" على كلتا القراءتين - التفاتان: الأول: الخروج من الغيبة إلى التكلم في قوله: "آتينا" أو "آتيت" لأن قبله ذكر الجلالة المعظمة في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ}. والثاني: الخروج من الغيبة إلى الخطاب في قوله: "آتيناكم" لأنه قد تقدمه اسم ظاهر، وهو {ٱلنَّبِيِّيْنَ} إذ لو جرى على مقتضي تقدُّم الجلالة والنبيين لكان الترتيب: وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتاهم من كتاب. كذا قال بعضهم، وفيه نظرٌ؛ لأن مثل هذا لا يُسَمَّى التفاتاً في اصطلاحهم، وإنما يسمى حكاية الحال، ونظيره قولك: حلف زيد ليفعلن، ولأفعلن، فالغيبة مراعاة لتقدم الاسم الظاهر، والتكلُّم حكاية لكلام الحالف. والآية الكريمة من هذا. وأصل: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}، لَتُؤمِنُونَنَّ به ولتنصرونن، فالنون الأولى علامة الرفع، و المشدَّدة بعدها للتوكيد، فاستثقل توالي ثلاثة أمثالٍ، فحذفوا نون الرفع؛ لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى - بحذفها - ساكنان، فحذفت الواو، لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله "مُصَدِّقاً" نصب على الحال من النكرة، وقد قاسَه سيبويه، وإن كان المشهور عنه خلافه، وَحَسَّنَ ذلك هنا كونُ النكرة في قوة المعرفةِ من حيث إنَّها أريد بها شخص معين - وهو محمد صلى الله عليه وسلم واللام في "لَمَا" - زائدة؛ لأن العامل فرع - وهو "مصدِّق" - والأصل مصدق ما معكم. فصل قال بعضُ العلماءِ: في الآية إضمار آخرَ، وأراح نفسه من تلك التكلُّفات المتقدمة، فقال: تقدير الآية: وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتُبَلِّغُنَّ الناسَ ما آتيتكم من كتاب وحكمة إلا أنه حذف "لتبلغن" لدلالة الكلام عليه؛ لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللام على هذا الفعل جاز حذفه اختصاراً، ثم قال بعده: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، ولا يحتاج إلى تكلُّف، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار، فهذا الإضمار الذي ينتظم به الكلام نظما ًجلياً أولى. فصل والمراد من الكتاب هو المنزَّل، المقروء، والحكمة هي الوحيُ الوارد بالتكليف المفصَّلة التي لم يشتمل الكتاب عليها. وكلمة "مِنْ" - في قوله: {مِّن كِتَابٍ} تبيين لـ "ما" كقولك: ما عندي من الوَرِقِ دانقان. وقيل: هذا الخطابُ إما أن يكون مع الأنبياء، فجميع الأنبياءِ، ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضُهم، وإن كان مع الأمم فالإشكال أظهر. والجواب من وجهين: الأول: أن جميع الأنبياء أوتوا الكتاب بمعنى كونه مهتدياً به، داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه. الثاني: أشرف الأنبياء هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرفهم. فإن قيل: ما وَجْه قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ} والرسول لا يجيء إلى النبيين، وإنما يجيء إلى الأمم؟ فالجواب: أما إن حَمَلْنا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} على أخذ ميثاق أممهم، فالسؤال قد زال، وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين من أنفسهم، كان قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ} أي: ثم جاءكم في زمانكم. فإن قيل: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مُصَدقاً لما معهم - مع مخالفة شرعه لشرعهم -؟ فالجواب: أن المراد به حصول الموافقة في التوحيد والنبوات وأصول الشرائعِ، أما تفاصيلها فإن وقع خلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف؛ لأن جميع الأنبياءِ متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه، وأنّ الحقَّ في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف فهو في الحقيقة وفاق. وأيضاً فالمراد بقوله: {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقٌ لما معهم من صفته، وأحواله المذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقةٍ لما ذكر في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقاً لما معهم. والميثاق يحتمل وجهين: أحدهما: هو أن يكون ما قُرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقيادَ لأمر اللهِ واجبٌ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزاتِ الدَّالَّةِ على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا - عند ذلك - وجوبه، فتقرير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من الميثاق. ويحتمل أن المراد بأخذ الميثاق أنه - تعالى - شرح صفاتِه في كتب الأنبياء المتقدِّمين، وإذا صارت مطابقة لما في كتبهم المتقدمة، وجب الانقياد له، فقوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} يدل على هذين الوجهين، أما على الأول فقوله: "رسولٌ"، وأما على الثاني فقوله {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ}. قوله: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ} فاعل "قَالَ" يجوز أن يكون ضمير الله - تعالى - وهو الظاهر - وأن يكون ضمير النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب بذلك أمَّته، ومتعلَّق الإقرار محذوف، أي: أقررتم بذلك كله؟ والاستفهام - على الأول - مجاز؛ إذ المراد به التقرير والتوكيد عليهم؛ لاستحالته في حق الباري تعالى، وعلى الثاني: هو استفهام حقيقة. و "إصري" على الأول - الياء لله - تعالى - وعلى الثاني للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقرأ العامة "إصري" بكسر الهمزة، وهي الفصحى، وقرأ أبو بكر عن عاصم - في رواية - "أُصْرِي" بضمها ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور - وهو الظاهرُ - ويحتمل أن يكون جمع إصار ومثله أزُر في جميع إزار، والإصر: الثقل الذي يلحق الإنسان؛ لأجل ما يلزمه من عَمَلٍ، قال الزمخشري: "سُمِّي العهدُ إصْراً؛ لأنه مما يؤصر، أي: يُشَدّ، ويُعْقَد، ومنه الإصار الذي يُعْقَد به" وتقدم الكلام عليه في آخر البقرة. فصل إذا قلنا: إن اللهَ - تعالى - هو الذي أخذ الميثاق على النبيين كان قوله {ءَأَقْرَرْتُمْ} معناه: أأقررتم بالإيمان به، والنَّصْرِ له. وذلك حين استخرج الذرية من صلب آدَمَ والأنبياء فيهم كالمصابيح - وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}؟ أي قبلتم على ذلكم عهدي. والإصر: العهد الثقيل؛ والإقرار في اللغة منقول بالألف من قَرَّ الشيء يَقِرُّ إذا ثبت ولزم مكانه، وأقره غيره، والمقرُّ بالشيء، يُقِرُّه على نفسه، أي: يثبته. والأخذ بمعنى القبول كثير في كلامهم، قال تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 48] أي: لا تُقْبَل فِدْيَةٌ. وقال: {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة: 104] أي: يقبلها. وقوله: {أَقْرَرْنَا} أي: بالإيمان به، وبنصرته، وفي الكلام حذف جملة، حُذِفَت لدلالة ما تقدم عليها؛ إذ التقدير: قالوا: أقررنا، وأخذنا إصرك على ذلك كلِّه. وقوله: {فَٱشْهَدُواْ} هذه الفاء عاطفة على جملة مقدَّرة، و التقدير: قال: أأقررتم؟ فاشهدوا، ونظير ذلك: ألقيت زيداً؟ قال: لقيته، قال: فأحْسِنْ إليه. التقدير: ألقيت زيداً، فأحسن إليه، فما فيه الفاء بعض المقول، ولا جائز أن يكون كل المقول؛ لأجل الفاء، ألا ترى قوله: {قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ} وقوله: {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا}. لو كان كلّ المقول لم تدخل الفاء، قاله أبو حيان. فصل في معنى قوله: {فَٱشْهَدُواْ} وجوه: الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، {وَأَنَاْ مَعَكُمْ} أي: وأنا على إقراركم، وإشهاد بعضكم بعضاً {مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} وهذا توكيد وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادةَ الله، وشهادة بعضهم على بعض. الثاني: أن هذا خطاب للملائكة بأن يشهدوا عليهم، قاله سعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. الثالث: أن قولِه: {فَٱشْهَدُواْ} إشهاد على نفسه، ونظيره قوله: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} تفسير : [الأعراف: 172] وهذا باب من المبالغة. الرابع: فاشهدوا، أي: بيِّنوا هذا الميثاقَ للخاصّ والعامّ؛ لكي لا يبقى لأحد عذْرٌ في الجَهْل به، وأصله أن الشاهد يُبَيِّن صِدْقَ الدَّعْوَى. الخامس: قال ابنُ عَبّاسٍ: {فَٱشْهَدُواْ} أي: فاعلموا، واستيقِنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له. السادس: إذا قلنا: إنَّ أخْذَ الميثاقِ كان من الأمم، فقوله: {فَٱشْهَدُواْ} خطاب للأنبياء بأن يكونوا شاهدين عليهم. قوله: {مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} هذا هو الخبر؛ لأنه محط الفائدة. وأما قوله: {مَعَكُمْ} فيجوز أن يكون حالاً، أي: وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم، ويجوز أن يكون منصوباً بـ "الشَّاهدينَ" ظرفاً له عند مَنْ يرى تجويزَ ذلك - ويمتنع أن يكون هذا هو الخبرُ؛ إذ الفائدة به غير تامةٍ في هذا المقامِ. والجملة من قوله: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} يجوز ألا يكون لها محل؛ لاستئنافها. ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل {فَٱشْهَدُواْ} والمقصود من هذا الكلام التأكيد، وتقوية الإلزام. قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ} يجوز أن تكون "مَنْ" شرطية، فالفاء - في "فَأولَئِكَ" جوابها. والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط. وأن تكون موصولةً، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرطِ، فالفعل بعدها على الأول - في محل جزم، وعلى الثاني لا محل له؛ لكونه صلة، وأما "فأولئك" ففي محل جزم أيضاً - على الأول، ورفع الثاني، لوقوعه خبراً و "هم" يجوز أن يكون فَصْلاً، وأن يكون مبتدأ. ومعنى الآية: من أعرض عن الإيمان بهذا الرسولِ، وبنصرته، والإقرار له {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن الإيمان.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} قال: هي خطأ من الكتاب. وهي قراءة ابن مسعود {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب}. وأخرج ابن جرير عن الربيع أنه قرأ {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} قال: وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب. قال الربيع: ألا ترى أنه يقول {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} يقول: لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولتنصرنه. قال: هم أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم من كتاب وحكمة} ونحن نقرأ {ميثاق النبيين} فقال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن، وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم يبعث الله نبياً؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه. ويأمره فيأخذ العهد على قومه. ثم تلا {وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وإبن جرير عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوه، وينصروه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لم يبعث الله نبياً قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه؛ ليؤمنن بمحمد، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء. وأخرج ابن جريج عن الحسن في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين ليبلغن آخركم أوّلكم، ولا تختلفوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم ـ يعني على أهل الكتاب ـ وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه ـ يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم. وأخرج أحمد عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا رسول الله إني قد مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً. فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم. إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن جابر قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. إنكم أما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وأنه ـ والله ـ لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ {لما آتيتكم} ثقل لما. وأخرج عن عاصم أنه قرأ {لما} مخففة {آتيتكم} بالتاء على واحدة يعني أعطيتكم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {إصري} قال: عهدي. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله {قال فاشهدوا} يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك {وأنا معكم من الشاهدين} عليكم وعليهم {فمن تولى} عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم {فأولئك هم الفاسقون} هم العاصون في الكفر.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} الآية. أخذ الله ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام، كما أخذ ميثاقهم في الإقرار بربوبيته - سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام، فقد قَرَنَ اسمه باسم نفسه، وأثبت قَدْرَة كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة في الرتبة، ثم سَهَّلَ سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات.

البقلي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} اخذ الله ميثاق خصائص علم المجهول الذى بنا عن حقائق اسرار الربوبية مع النبيين والصديقين بواسطة الهام الملك وغير واسطة منفرد عن نطق المخلوقات بل الحق منفرد بانزاله واظهار انوار فى عيون ارواحهم ليصدقوا به ويعرفون انه من عند الله وينصرونه باليقين والعاملة وهذا من رموز الكتاب واما ظاهر الكتاب فان الله تعالى اراد ان يرى الانبياء والاصفياء من الاولين والاخرين شرائف مقامات حبيبه تخصيص على جمهورهم ليؤمنوا به ويعرفونه لان من عرفه فقد عرف الحق من أمن به ودخل فى دائرة المحبة وحقيقتا القربة قال الله تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله وقال عليه الصلوة والسلام من عرفنى فقد عرف الحق لان عليه كسوة الربوبية ويبرز من جمال وجهه مشاهدة الحق والاشارة فى ميثاق الحق مع الانبياء الحبيبة بغيروه لان العشاق ليغير بعضهم بعض والغيرة من لوازم العشق وانها من صفة الحق سبحان من ---البشر فانظر شان موسى وغيرته على سيد الانبياء محمد صلى الله عليه وسلم ومقصود الحق من الميثاق صون اسرار انبيائه عن صفات البشرية {فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} يحذرهم من اطلاعه عليهم فى نصرة حبيبه والايمان به وهذا غاية تشريف نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الانبياء عليه السلام ثم بين ان من حمد سره عن محبته وزاغ قلبه عن نور سنته ومال ظاهره عن طريقته وشريعته بعد ظهور معجزته وظهر كراماته سقط عن مقامات المرسلين والنبيين وتضمر عن شوق التهديد لهم بهذا فقال {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} وقال فارس اخذ عهد حبيبه صلى الله عليه وسلم على من كان قلبه من الانبياء بقوله واخذا الله ميثاق النبين فاى شرف اشرف من اخذ الله عهده على من كان قبله ثم امرهم بالشهادة له بالعهد وضمن ان يكون هو مع الشاهدين معهم والشاهدين عليهم وانما افعل ذلك لئلا يبقى احد ممن تقدم وتاخر الا وعليه حجة من الله فى ارساله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والايمان به ولا يبقى لاحد بعد ذلك حجة فى مخالفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ اخذ الله ميثاق النبيين} قال قوم ان الله تعالى اخذ الميثاق من النبيين خاصة ان يصدق بعضهم بعضا واخذ العهد على كل نبى ان يؤمن بمن يأتى بعده من الانبياء وينصره ان ادركه وان لم يدركه ان يأمر قومه بالايمان به وبنصرته ان ادركوه فأخذ الميثاق من موسى ان يؤمن بعيسى ومن عيسى ان يؤمن بمحمد عليه السلام واذا كان هذا حكم الانبياء كان الامم بذلك اولى واحرى اى اذكر يا محمد وقت اخذ الله ميثاق الانبياء واممهم {لما آتيتكم} اللام موطئة لان اخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما مبتدأ موصولة وآتيتكم صلتها والعابد محذوف تقديره للذى آتيناكموه {من كتاب وحكمة} وهى بيان احكام الحلال والحرام والحدود حال من الموصول {ثم جاءكم رسول} عطف على الصلة والمعطوف على الصلة صلة فلا بد من الرابط فالتقدير رسول به {مصدق لما معكم} من الكتاب {لتؤمنن به ولتنصرنه} جواب قسم مقدر وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ اى والله لتصدقنه برسالته وتنصرنه على اعدائه لاظهار دين الحق. فان قيل ما وجه قوله تعالى {ثم جاءكم رسول} والرسول لا يجيىء الى النبيين وانما يجيىء الى الامم. والجواب ان حملنا قوله {واذ اخذ الله ميثاق النبيين} على اخذ ميثاق اممهم فقد اندفع الاشكال وان حملناه على اخذ ميثاق النبيين انفسهم كان معنى قوله {ثم جاءكم} اى جاء فى زمانكم {قال} اى الله تعالى بعدما اخذ الميثاق {أاقررتم} اى بالايمان والنصر له والاستفهام للتقرير والتأكيد عليهم لاستحالة حقيقة الاستفهام فى حقه تعالى {واخذتم على ذلكم} الميثاق {اصرى} اى عقدى الذى عقدته عليكم والاصر الثقل الذى يلحق الانسان لاجل ما يلازمه من العلم والاصر ههنا العهد الثقيل لانه ثقل على صاحبه من حيث انه يمنع عن مخالفته اياه {قالوا اقررنا} بذلك او اكتفى به عن ذكر اخذهم الاصر {قال} سبحانه وتعالى {فاشهدوا} ايها الانبياء والامم باقرار بعضكم على بعض {وانا معكم من الشاهدين} اى وانا ايضا شاهد على اقراركم ذلك مصاحب لكم وادخال مع على المخاطبين اما انهم المباشرون للشهادة حقيقة والمقصود منه التأكيد والتحذير من الرجوع اذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اللام في {لما}، موطئة للقسم؛ لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و {ما}: يحتمل الشرطية، و {لتؤمنن}: جواب القسم، سد مسد الجواب، أي: مهما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله لتؤمنن به. ويحتمل الموصولية، و {لتؤمنن}: خبر عنه، وحذف شرط يدل على السياق؛ أي: للذي آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ومن قرأ بكسر اللام كان تعليلاً للأمر بالإيمان بالرسول، أي: لأجل الذي خصصتكم به إذا جاءكُمْ رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وإذا كان أخذ الله الميثاق على الأنبياء كان على الأتباع أولى، أو استغنى بذكر الأنبياء عن ذكر أتباعهم؛ لأنهم في حكمهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إذ أخذنا} الميثاق على النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام. وقلنا لهم: والله للذي خصصتكم به {من كتاب وحكمة}، ثم إن ظهر رسول {مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} أنتم وأممكم، أو: لأجل الذي خصصتكم به مما تقدم لئن أدركتم محمداً لتؤمنن به ولتنصرنه. قال سيدنا عليّ - كرّم الله وجهه -: (لم يبعث اللّهُ نبيّاً، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد، وأمره بأخذ العهد على قومه ليُؤْمنُنَّ به، ولئن بُعث وهم أحياءٌ لينْصُرُنَّه). {قال} الحقّ جلّ جلاله لمن أخذ عليهم العهد: {أأقرتم} بذلك وقبلتموه، {وأخذتم على ذلكم إصري} أي: عهدي وميثاقي؟ {قالوا أقررنا} وقبلنا، {قال فاشهدوا} على أنفسكم، أو ليشهدْ بعضكم على بعض بالإقرار، أو فاشهدوا يا ملائكتي عليهم، {وأنا معكم من الشاهدين}، وفيه توكيد وتحذير عظيم، {فمن تولى بعد ذلك} الإقرار والشهادة، وأعرض عن الإيمان به، ونصره بعد ظهوره، {فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن الإيمان المتمردون في الكفران. الإشارة: كما أخذ الله العهد على الأنبياء وأممهم في الإيمان به عليه الصلاة والسلام، أخذ الميثاق على العلماء وأتباعهم من العامة، لئن أدركوا وليّاً من أولياء الله، حاملاً لواء الحقيقة، مصدقاً لما معهم من الشريعة، ليؤمنن به ولينصرنه، من تولى وأعرض عن الإذعان إليهم فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الولاية، محرومون من سابق العناية، فإن الحقيقة إنما هي لب الشريعة وخلاصتها، فإنما مثل الحقيقة والشريعة كالروح للجسد، فالشريعة كالجسد، والحقيقة كالروح، فالشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح، والحقيقة بلا شريعة روح بلا جسد، فلا قيام لهذا إلا بهذا، فنم تشرَّع ولم يتحقَّق تفسق، ومن تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، ومن خرج عنهما فقد خرج عن دين الله وطلب غيره، وإليه توجه الإنكار.

الطوسي

تفسير : القراءة، والمعنى: قرأ نافع {لما آتيناكم} على الجمع. الباقون على التوحيد بالتاء. وقرأ حمزة {لما} بكسر اللام. الباقون بفتحها. التقدير اذكروا {إذ أخذ الله ميثاق النبيين} لأن {إذ} لما مضى ومعنى أخذ الميثاق من النبيين بنصرة من لم يلقوه ولم يدركوا زمانه هو أنهم ينصرونه بتصديقه عند قومهم، ويأمرونهم بالاقرار به، كما قيل: إنما أخذ الله ميثاق النبيين الماضين بتصديق محمد (صلى الله عليه وسلم)، هذا قول علي (ع) وعبد الله بن عباس (ره)، وقتادة والسدي، وقال طاوس: أخذ الميثاق الأول من الانبياء لتؤمنن بالآخر. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين بتصديق كل أمة نبيها، والعمل بما جاءهم به، وإنهم خالفوهم فيما بعد، وما وفوا به وتركوا كثيراً من شريعته، وحرفوا كثيراً منه. الاعراب، والحجة، والمعنى: وقوله: {لما آتيتكم من كتاب} قيل في معنى (ما) في لما وجهان: أحدهما - أنها بمعنى الذي وتقديره الذي آتيتكموه من كتاب، لتفعلن لاجله كذا. الثاني - أنها بمعنى الجزاء، وتقديره، لان آتيكم شيئا {من كتاب، وحكمة ثم جاءكم رسول}، {لتؤمنن به}، لأجله. وتقديره أي شيء آتيتكم. ومهما آتيتكم. ويكفي جواب القسم من جواب الجزاء، كقوله: {أية : لئن أشركت ليحبطن علملك}تفسير : وفي معنى (من) قولان: أحدهما - أنها للتبيين لـ (ما) كقولك ما عندك من ورق وعين. الثاني - أن تكون زائدة، وتقديره الذي آتيتكم: كتاب وحكمة، فيكون في موضع خبر (ما)، وأنكر هذا القول أكثر النحويين، لأن (من) لا تزاد إلا في غير الواجب من نحو النفي والاستفهام، والجزاء. والأول أصح، لأنه لا يجوز أن يحكم بزيادة حرف أو لفظ مع إمكان حمله على فائدة. واللام في قوله: {لما} لام الابتداء. واللام في قوله: {لتؤمنن به} لام القسم، كما تقول لعبد الله: والله لتأتينه. وقال قوم: اللام الأول خلف من القسم يجاب بجوابه، نحو لمن قدم ما أحسن، ولمن أتاك لأتيته، وأنكر هذا القائل أن تكون الثانية تأكيداً للأولى، لوقوع (ما) و (لا) في جوابها، كما تقع في جواب القسم. والقول الأول أصح، لأن فيه افصاحاً بالقسم، نحو لزيد والله ما ضربته والقول الثاني - صواب على تقدير آخر، وان يكون اللام خلفاً من القسم، كافياً منه، فلا يحتاج إلى ذكره معه ومن ذكره معه لم يجعله خلفاً منه، لأنه أضعف منه، والخلف أقوى من الدال التي ليس بخلف، لأنه بمنزلة الاصل الموضوع للمعنى يفهم به من غير واسطة. ومن كسر اللام في قوله: {لما} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون على التقديم والتأخير. والثاني - بمعنى أخذ الله ميثاقهم لذلك. وقال بعضهم: القراءة بالكسر لا تجوز، لأنه ليس كل شيء أوتي الكتاب. وهذا غلط من وجهين: أحدهما - أنه أوتي الكتاب لعلمه به مهتدياً بما فيه. وان لم ينزل عليه. والآخر - أنه يجوز ذلك على التغليب بالذكر في الجملة، لأنه بمنزلة من أوتي الكتاب بما أوتي من الحكم والنبوة. فان قيل لم لا يجوز أن يكون {لما آتيتكم من كتاب وحكمة}، بمعنى لتبلغن ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم يحذف؟ قيل لأنه لا يجوز الحذف في الكلام من غير دليل ينبىء عن المراد. ومن زعم أن الدليل على حذف الفعل لام القسم، فقد غلط، لأنها لام الابتداء التي تدخل على الاسماء، نحو {أية : لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين}.تفسير : المعنى واللغة: وقيل في معنى قوله: {وأخذتم على ذلكم إصري} قولان: أحدهما - وقبلتم على ذلك عهدى. والثاني - {وأخذتم على ذلكم إصري} من المتبعين لكم كما يقال: أخذت بيعتي أي قبلتها، وأخذتها على غيرك بمعنى عقدتها على غيرك. والاصر العقد، وجمعه اصار وأصله العقد ومنه المأصر، لأنه عقد يحبس به عن النفوذ إلا باذن. ومنه الأصر الثقل، لأنه عقد يثقل القيام به. ومنه قولهم مالك اصرة تأصرني عليك أي عاطفة تعطفني عليك من عقد جوار أو نحوه. وقوله: {فاشهدوا} معناه فاشهدوا على أممكم بذلك {وأنا معكم من الشاهدين} عليكم، وعليهم روي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} اذكر او ذكّرهم ويجوز ان يكون اذ هذه عطفاً على اذ فى قوله {بعد اذ انتم مسلمون} والمعنى ايأمركم بالكفر {بعد اذ انتم مسلمون} منقادون وبعد اذ اخذ الله {مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} ميثاق كلّ على يد النّبى السّابق او وصيّه او فى عالم الذّرّ على ايمان كلّ بالآخر او على ايمان الكلّ بمحمّد (ص) او بعد اذ اخذ الله ميثاق امم النّبيّين على ايدى انبيائهم او فى عالم الذّرّ على ان يؤمن كلّ امّة بالنّبىّ الّذى يأتى بعد نبيّهم او بمحمّد (ص) ان ادركوا زمانه (ص) يعنى انّه اخذ ميثاق كلٍّ من الانبياء على الايمان والنّصرة لمن يأتى بعده او لمحمّد (ص) وكذلك اممهم فكيف يأمر الانبياء بالاستقلال والرّبوبيّة والامم باتّخاذهم ارباباً وقد اشير الى كلّ من المعانى فى الاخبار وقيل: اذ اخذ الله عطف على قوله {اذ قالت الملائكة} وهو فى غاية البعد ولو قال هو عطف على قوله {اذ قال الله يا عيسى} كان اقرب، والميثاق العهد الّذى يثق المتعاهد به شبه العهد بالرّهن ثمّ استعمل الاخذ استعارة تخييليّة وترشيحاً للاستعارة {لَمَآ آتَيْتُكُمْ} كان حقّه ان يقول: لما آتاهم لكنّه اتى بالتكلّم والخطاب حكاية لحال الخطاب {مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} قرئ بكسر الّلام صلة للاخذ وما مصدريّة او موصولة واذا كانت موصولة فالعائد محذوف من الصّلة والعائد فى الجملة المعطوفة تكرار الموصول اعنى لما معكم، ولفظة من تبعيضيّة على تقدير كون ما مصدريّةً، وبيانيّة على تقدير كونها موصولةً، وقرئ بفتح الّلام فالّلام تكون موطّئة وما شرطيّة او موصولة، واذا كانت موصولة فالعائد مثل السّابق، والمراد بالكتاب أحكام الرّسالة والكتاب التّدوينىّ صورتها وبالحكمة آثار الولاية {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} من الكتاب والاحكام القالبيّة والحكمة الّتى هى العقائد الحقّة الدّقيقة الّتى لا تدرك الاّ بالمشاهدة بعين البصيرة {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} الّلام للقسم والجملة منقطعة عن سابقها على قراءة كسر لام لما آتيتكم وتكون بمنزلة جواب القسم لقوله: {اذ اخذ الله ميثاق النّبيّين} فانّه بمنزلة القسم وهى خبر لما على قراءة فتح الّلام وكون ما موصولة وجواب للقسم والشّرط على تقدير كون ما شرطيّة، والضّمير المجرور راجع الى ما {فيما آتيتكم}، او الى محمّد (ص) او الى نبىّ يأتى بعد النّبىّ الاوّل يعنى اخذ الله ميثاق كلّ نبىّ لمن يأتى بعده او الى نبىّ كلّ امّةٍ على ان يكون التّقدير اخذ الله ميثاق امم النّبيّين من كلّ امّة لنبيّها وقد نسب الى امير المؤمنين (ع) انّ الله اخذ الميثاق على الانبياء (ع) قبل نبيّنا (ص) او يخبروا اممهم بمبعثه ونعته ويبشّروهم به ويأمروهم بتصديقه ونقل: انّ الله اخذ الميثاق على الانبياء على الاوّل والآخر فأخذ الله ميثاق الاوّل لتؤمننّ بما جاء به الآخر، وعن الصّادق (ع) انّه قال تقديره: اذ اخذ الله ميثاق امم النّبيّين كلّ امّة بتصديق نبيّها والعمل بما جاءهم به وانّهم خالفوهم ممّا بعد وما وفوا به وتركوا كثيراً من شريعته وحرّفوا كثيراً منها {وَلَتَنصُرُنَّهُ} الضّمير المفعول راجع الى مرجع الضّمير المجرور السّابق، او الى امير المؤمنين (ع) على ما روى عنهم فانّه نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: ما بعث الله نبيّاً من لدن آدم فهلمّ جرّاً الاّ ويرجع الى الدّنيا وينصر امير المؤمنين (ع) وهو قوله {لتؤمننّ به ولتنصرنّه} يعنى امير المؤمنين (ع)، وعن الباقر (ع) عن امير المؤمنين (ع) فى حديثٍ طويلٍ يبيّن كيفيّة خلقهم انّه قال: واخذ ميثاق الانبياء بالايمان والنّصرة لنا وذلك قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} يعنى لتؤمننّ بمحمّد (ص) ولتنصرنّ وصيّه وسينصرونه جميعاً وانّ الله اخذ ميثاقى مع ميثاق محمّد (ص) بنصرة بعضنا لبعضٍ فقد نصرت محمّداً وجاهدت بين يديه وقتلت عدوّه ووفيت لله بما أخذ علىّ من الميثاق والعهد والنّصرة لمحمّد (ص) ولم ينصرنى احد من انبياء الله ورسله وذلك لما قبضهم الله اليه وسوف ينصروننى ويكون لى ما بين مشرقها الى مغربها وليبعثهم الله احياءً من آدم (ع) الى محمّد (ص) كلّ نبىٍّ مرسل يضربون بين يدىّ بالسّيف هام الاموات والاحياء والثّقلين جميعاً (الى آخر الحديث بطوله) {قَالَ} الله {أَأَقْرَرْتُمْ} ايّها الانبياء او ايّها الانبياء مع الامم او ايّتها الامم {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} الاصر بالكسر وقد يضمّ ويفتح العهد والذّنب والثّقل والمراد به العهد {قَالُوۤاْ} اى الانبياء او الانبياء واممهم او الامم {أَقْرَرْنَا قَالَ} الله للملائكة {فَٱشْهَدُواْ} على الانبياء واممهم او قال الله للانبياء فاشهدوا على اممكم {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} عن الصّادق (ع) قال لهم فى الذّرّ: اقررتم واخذتم على ذلكم اصرى اى عهدى؟ - قالوا اقررنا، قال الله للملائكة فاشهدوا، وعن امير المؤمنين (ع) قال الله للانبياء فاشهدوا على اممكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} قال بعضهم: أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} يعني محمداً عليه السلام {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}. قال الحسن: هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء في محمد، ما خلا محمداً فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدّق بالأنبياء كلهم ففعل. فـ {قَالَ ءَأقْرَرْتُمْ} فأقروا بذلك كلهم {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} أي ميثاقي. وقال مجاهد وغيره: عهدي. {قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} يقول الله: أنا شاهد معهم وعليم بما أعطوا من الميثاق والإِقرار. {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} أي فمن كفر بعد ذلك {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}. قال بعضهم: هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن يبلّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأخذ ميثاق أهل الكتاب فيما بلّغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدّقوا به. فقال: {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ}، أي بعد الميثاق والعهد {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}. قوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} أي تطلبون. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. قال الحسن: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ}. ثم انقطع الكلام، فقال: {وَالأَرْضِ}، أي: ومن في الأرض طوعاً وكرهاً؛ يعني طائعاً وكارهاً. [وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والله] لا يجعل الله من دخل في الإِسلام طوعاً كمن دخله كرهاً تفسير : . قال بعضهم: لا أدري أراد المنافق أو الذي قوتل عليه. وفي تفسير عمرو عن الحسن أنه قال: الذي قوتل عليه. وقال بعض المفسّرين: أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقُبِل منه، وأما الكافر فأسلم كارهاً فلم ينفعه ذلك ولم يُقبل منه. قوله: {قُلْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ}، يعني يوسف وإخوته الاثني عشر {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. قال الحسن: هذا ما أخذ الله على رسوله، وذلك ليعلم أنه لا نبيّ بعده، ولم يؤخذ عليه ما أخذ على الأنبياء في قوله: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ}: أى واذكر يا محمد، أو اذكروا يا أهل الكتاب، الأول للزجاج، والثانى للطبرى. وقيل: يتعلق بقال من قوله عز وجل {قَالَ أقَرَرتُمْ} ويجوز عطفه على إذ قبله، وأخذ الميثاق على النبيين حين خرجوا عليهم السلام من ظهر آدم كالدر بيضا وأخذ كل نبى حين بعثه الله وهو أولى أو فى الحينين. {لَمَآ آتَيْتُكُم}: وقرأ نافع: لما آتيتكم بالتاء. {مِّنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ}: اللام موطئة للقسم، وهى للتأكيد، لأن الميثاق حلف، وأخذه تحليف، ولا يلزم من كون اللام موطئة أن تدخل على إن الشرطية، بل ذلك غالب لا لازم، وما شرطية مفعول أول لآتينا، والكاف مفعول ثان، وجملة {لَتُؤمِنَنَ بِهِ} جواب القسم، لتقدمه أغنى عن جواب الشرط، أو قد حذف لدلالته، تقديره: تؤمنوا به أى بما آتيناكم وهو من الشرط الذى لم يعد إليه الضمير من الجواب، ولا سيما أن اسم الشرط هنا ليس مبتدأ، ومنى وقع مبتدأ ولم يكن ضميره فى الجواب قدره من يقول أن الخبر جوابه، ويحتمل أن تكون ما موصولة مبتدأ، ورابط الصلة محذوف أى لما آتيناكموه، أو آتيناكم إياه، وخبرها محذوف دل عليه جواب القسم، وهو قوله {لَتُؤمِنَنَ بِهِ} تقديره: تؤمنون به، أى بما آتيناكم، وإما الهاء فى لتؤمنن به، فللرسول، ويجوز عودها لما آتيناكم، وإما لتنصرنه فى نهاؤه للرسول، ويجوز أن يكون قسم محذوف، هو وجوابه خبر لمن، أى والله لتؤمنن به ولتنصرنه، فيكون لفظ الميثاق، ولم يؤت له بجواب، أو من موصولة مفعول لجواب الميثاق، وهو محذوف أى لتبلغن ما آتيناكم، ويقدر لقوله لتؤمنن به قسم آخر، أى والله لتؤمنن به، ومن كتاب نعت لما الشرطية، إذا جعلت شرطية، أو حال منها، لعمومها، أو حال من رابط الموصولة المقدر، إذا جعلت موصولة وإذا جعلت موصولة فقوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ}: معطوف على الصلة فكأنه صلة فلا بد لهُ من رابط، فإما أن يحذف للعلم به مع طول الكلام، أى ثم جاءكم به رسول مصدق لما معكم، وإما أن يربط الموصول بما، من قوله: لما معكم، فإن قوله لما معكم صادق على قوله: لما آتيتكم، وقرأ حمزة: لما آتيناكم بكسر اللام، فتكون حرف جر، وتعليل متعلقة بآخر أخذ وما مصدرية أو اسم موصول، وربط الصلة والمعطوف عليها على حد ما مر، وقرأ سعيد بن جبير: لما أتيناكم بفتح وتشديد الميم، فأما حرف وجود لوجود، أو ظروف بمعنى حين، وجوابها محذوف دل عليه جواب القسم، أى وجب عليكم الإيمان به ونصرته، أو الأصل لمن ما آتيناكم بفتح اللام والميم، وهى من الموصولة، أو الشرطية والصلة، أو الشرط محذوف، وما مفعول لهذا المحذوف، واللام للابتداء، أو للتوطئة، ومن مبتدأ والتقدير لمن أجَلَّ بفتح الهمزة والجيم واللام المشددة بمعنى عظم، أبدلت نون من ميماً فأدغمت، فحذفت إحدى الميمات الثلاث وهى هذه المبدلة، من النون اشتغالا، والخبر محذوف، دل عليه جواب القسم. أى تؤمنون به، وتنصرونه، ومن واقعة على الرسول، وهو المراد برسول أيضاً فى قوله: ثم جاءكم رسول، ذكر أولا بلفظ من، ثم ذكر بظاهر آخر، وهو لفظ رسول أى من عظم ما آتيناكم من كتاب وحكمة، وصدق ما معكم يا معشر الأنبياء ممن هو رسول مثلكم بعدكم تؤمنون به. {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ}: بالمال والجهاد، والكلام على أعدائه وذلك الرسول أخذ الله الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه لهم وإذا أخذ عليهم الميثاق، فقد أخذه على أممهم إذ لزم الأمم اتباع أنبيائها، واعتقاد ما اعتقد أنبياؤها، وأيضاً إنما ينصر الأنبياء النبى بأممهم، لا وحدهم فى الجهاد، قال ابن عباس: أخذ الله العهد على الأنبياء، وأممهم، فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم، واكتفى بذكر الأنبياء، لأن العهد مع المتبوع، عهد مع الاتباع. قال على بن أبى طالب ما بعث الله نبينا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ هو العهد على قومه، ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنهُ وقال البغوى: ذلك حين خرجوا من آدم كالدر، وعن الحسن: أخذ الله على الأنبياء أن يؤمنوا به، ولا نبى بعده، فأخذ عليه أن يؤمن بهم، وقال قتادة والسدى: أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل إليهم النبيين، ويدل له قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، وإنما أرسل صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب دون النبيين، وأطلق لفظ النبيين عليهم، لأنهم يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم، لأنا أهل الكتاب والنبيون منا وتهكما عليهم باسم النبيين، أو يقدر مضاف، أى ميثاق أولاد النبيين، والرسول على القولين: وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال سعيد بن جبير والحسن وطاووس معنى الآية أن الله عز وجل أخذ على كل نبى ميثاقاً أن يصدق بالنبى الذى يجىء بعده مثل أن يؤمن داود بسليمان ويؤمن عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وميثاق فى كل ذلك مصدر مضاف لمن أعطى من نفسه الميثاق، وقيل: مضاف لمن أخذه، أى وإذا أخذ الله الميثاق الذى أخذه الأنبياء على أممهم. {قَالَ}: الله لأنبيائه أو لأممهم على لسان أنبيائهِ. {أَأَقْرَرْتُمْ}: بالإيمان به، والنصر لهُ. {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِى}: أى عهدى، سمى العهد إصراً لثقله بوجوب الوفاء، أو لأنه يؤصر أى يشد، ويعقد، يقال أصره بالهمز والتخفيف يعنى صره بتشديد الراء بلا همز قبل الصاد، وقرأ أبو بكر عن عاصم: {أصرى} بضم الهمزة لغة فى المكسور، أو جمع إصار كإزار، وأزر والإصار ما يشد به. {قَالُواْ أَقْرَرْنَا}: بالإيمان والنصر. {قَالَ فَاشْهَدُواْ}: أى اشهدوا على أنفسكم معشر الأنبياء فى إقراركم أو قالوا عن أممهم، أقررنا، فقال الله جل وعلا، فاشهدوا على أممكم، أو اشهدوا على أنفسكم وأممكم، الذين أخذتم ميثاقهم، والعطف على محذوف أى دوموا على إقراركم، فاشهدوا، وقيل الخطاب فى: فاشهدوا للملائكة. قال سعيد بن المسيب: أمر الله الملائكة أن يشهدوا على الأنبياء. {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ}: أشهد عليكم وعلى أممكم معكم، يا أنبيائى، وأنا معكم با ملائكتى من الشاهدين على أنبيائى، أو عليهم وعلى أممهم، أو على أممهم وهذا توكيد عظيم، وتحذير من نقض الشهادة، وفسر بعضهم الشهادة فى الموضعين بالعلم. وفسر بعض شهادة الله هنا: بإعطاء المعجزات.

اطفيش

تفسير : {وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِيّنَ} أمرهم أن يعطوا الله الميثاق فى الإيمان بمحمد فأعطوه، فأخذه منهم، أو أخذه منهم بمعنى إلزامه إياهم الميثاق بالإيمان به صلى الله عليه وسلم، فإذا لزمهم ذلك فأولى أن يلزمهم أممهم، والعهد مع المتبوع عهد مع التابع أو أراد ميثاق النبيين وأممهم فحذف، والأولى أولى، لأن المفهوم أولى من المضمر إذا احتملا، أو أراد الميثاق الذى وثقوه على أممهم، أو ميثاق أولاد النبييين هم بنو إسرائيل، ويبعد أنه سمى بنى إسرائيل أنبياء تهكما بهم، إذ قالوا، نحن أولى بالنبوة من محمد، لأنا أهل كتاب والنبييون منا، ونحن أبناء الله وأحباؤه وقد أئتمنهم على الإيمان به فكفروا، فقال، وإذ أخذ الله ميثاق هؤلاء النبيين، كمن أئتمنه على شىء فجاز وادعى الوفاء أو لم يدعه، فقلت له، يا أمين، ماذا صنعت بأمانتى، وخرج أبو يعلى عن جابر بن عبيد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيّاً بين أظهرهم ما حل له إلا أن يتبعنى"تفسير : {لَمَا ءَاتَيْتُكُم} اللام للابتداء أو موطئة، وما مبتدأ شرطية، أو موصولة، والرابط الهاء فى به عائدة لما، لا لرسول، وجملة لتؤمنن به مع القسم المقدر خبر أو جواب، أى فوالله لتؤمنن به، وجملة جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه محله الجزم أو الرفع، وجملة لما الخ جواب ميثاق، أو لتؤمنن به جواب قسم مقدر قبل لما، أو جواب ميثاق أغنى عن الخبر، أو عن جواب الشرط، ورابط الشرط محذوف، أى آتيناكموهم {مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} محمد صلى الله عليه وسلم {مُّصَدِّقٌ لَّمَا مَعَكُمْ} هو ما آتاهم الله من كتاب وحكمة، وجملة جاءكم رسول عطفت على الصلة، ورابطها هو ما من قوله: لما معكم، لأن الذى منهم فهو الذى آتاهم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} أى بما آتاكم، والإيمان بما آتاهم متضمن للإيمان بالرسول المصدق ولما معهم {وَلَتَنصُرُنَّهُ} أي الرسول المصدق لما معكم على الترتيب، كقولك لئن جاء زيد بولده لتكرمنه ولتجعلنه من جملة أولادك أى تكرم زيداً وتجعل ولده كولدك، أو لتنصرن ما آتاكم بالعمل له، أو لتؤمنن بالرسول ولتنصرن ما آتيناكم، كقولك، لئن جاء زيد على فرس لأضيِّفنه وأعلفَنَّها، ويجوز عود الهاءين للرسول، وبقدر رابط الخبر، أى لتؤمنن به فيه، فهاء فيه لما آبيناكم {قَالَ} للنبيين {ءَأَقْرَرْتُمْ} بذلك، والاستفهام تقرير، والمراد حمل المخاطب على الإقرار، ولذا أجابوا بأقررنا إنشاء {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ} أى الإيمان والنصر {إِصْرِى} أى عهدى على أممكم، سمى إصراً لثقله، أو لأنه يأصر أى يشد، وكأنه قيل، فماذا قالوا: فقال {قَالُوا أَقْرَرْنَا} وأخذنا على ذلك إصرى فحذف للمسلم به مما قبل، قال سعيد بن جبير والحسن وطاوس أخذ الله الميثاق على كل نبى أن يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره بنفسه وقومه، وإن لم يدركه أمر قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوه، فيؤمن آدم بشيث، وشيث بإدريس، وإدريس بنوح إلى أن يؤمن موسى بعيسى، وعيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم، ولو لم يعلمهم بأسماء من بعدهم، وقال على وابن عباس وقتادة والسدى، أخذ الميثاق عَلَى النبيين كلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم، ويأمروا أقوامهم بالإيمان به ونصره، يأخذوا العهد عن أقوامهم فى ذلك إن ادركوه ونصروه {قَالَ} الله {فَاشْهَدُوا} اعزموا بقلوبكم فاشهدوا عَلَى أنفسكم وأتباعكم بذلك، أو ليشهد بعضكم عَلَى بعض، فكل واحد شاهد ومشهود عليه، أو فاشهدوا أيها الملائكة عَلَى الأنبياء وأممهم بالإقرار، ولكن لم يجر للملائكة ذكر، أو اشهدوا أيها الأنبياء على أممكم {وَأَنَا مَعَكُم مَّن الشَّاهِدِينَ} عليكم وَعَلَى أممكم بإقرار، وهذا تحذير عن النكث عظيم.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبـي صلى الله عليه وسلم ـ أي اذكر وقت ذلك ـ واختار السمين كونه معمولاً لأقررتم الآتي، وضعفه عبد الباقي بأن خطاب {ءأَقْرَرْتُمْ } بعد تحقق أخذ الميثاق، وفيه تردد، وعطفه على ما تقدم من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [آل عمران: 42] كما نقله الطبرسي بعيد. واختلف في المراد من الآية فقيل: إنها على ظاهرها ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لم يبعث الله تعالى نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا الآية، وعدم ذكر الأمم فيها حينئذ إما لأنهم معلومون بالطريق الأولى أو لأنه استغنى بذكر النبيين عن ذكرهم، ففي الآية اكتفاء وليس فيها الجمع بين المتنافيين. وقيل: إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم ـ وإلى هذا ذهب ابن عباس ـ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرءون {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن عباس إنما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومهم، وأشار بذلك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين كما توهم حتى ظن أن ذلك منشأ قول مجاهد فيما رواه عنه ابن المنذر وغيره أن {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } خطأ من الكتاب ـ وأن الآية كما قرأ عبد الله ـ وليس كذلك إذ لا يصلح ذلك وحده منشأ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح بل المنشأ لذلك إن صح، ولا أظن ما يعلم بعد التأمل فيما أسلفناه في المقدمات وبسطنا الكلام عليه ـ في «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» ـ. وقيل: المراد أمم النبيين على حذف المضاف، وإليه ذهب الصادق رضي الله تعالى عنه؛ وقيل: المضاف المحذوف أولاد، والمراد بهم على الصحيح بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم، وأيد بقراءة عبد الله المشار إليها ـ وهي قراءة أبـيّ بن كعب ـ أيضاً، وقيل: المراد ـ وإذ أخذ الله ميثاقاً مثل ميثاق النبيين ـ أي ميثاقاً غليظاً على الأمم، ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، وقيل: المراد من النبيين بنو إسرائيل وسماهم بذلك تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا، وهذا كما تقول لمن ائتمنته على شيء فخان فيه ثم زعم الأمانة: يا أمين ماذا صنعت بأمانتي؟؟! وتعقبه الحلبـي بأنه بعيد جداً إذ لا قرينة تبين ذلك، وأجيب بأن القائل بعد لعله/ اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية، وقيل: إن الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم بينه بقوله سبحانه: {لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ولا يخفى أن هذا أيضاً من البعد بمكان، وقال الشهاب: لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير كلام هذا القائل. واختار كثير من العلماء القول الأول، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى الله عليه وسلم ـ على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته ـ لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب، وتعظم الفائدة إذا كان ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان ـ كما عليه البعض ـ ويؤيد القول ـ بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به ـ ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ماحل له إلا أن يتبعني» تفسير : وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبـي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له صلى الله عليه وسلم. وهذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعراباً وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه ولنذكر بعض الكلام في ذلك فنقول: قال غير واحد: اللام في {لَمَا ءاتَيْتُكُم } على قراءة الفتح والتخفيف ـ وهي قراءة الجمهور ـ موطئة للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق لأنه بمعنى الاستحلاف وسميت بذلك لأنها تسهل تفهم الجواب على السامع، وعرفها النحاة كما قال الشهاب: بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء ـ إن ـ وغيرها لكنها غلبت في ـ إن ـ بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً لتؤذن أن الجواب له لا للشرط ـ كقولك: لئن أكرمتني لأكرمنك ـ ولو قلت: أكرمك، أو فإني أكرمك، أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز على ما صرح به ابن الحاجب ـ وخالفه الفراء فيه ـ فجوز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأول هو المصحح وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور ـ وخالف فيه بعض النحاة، قال: يجوز دخولها على غير الشرط إما مطلقاً أو بشرط مشابهته للشرط كما الموصولة دون الزائدة وقال الزمخشري في سورة هود: إنه لا يجب دخولها على كلم المجازاة، ونقله الأزهري عن الأخفش، وذكر أن ثعلباً غلطه فيه فالمسألة خلافية. و ـ ما ـ شرطية في موضع نصب ـ بآتيت ـ والمفعول الثاني ضمير المخاطب، و {مِنْ } بيان ـ لما ـ واعترض بأن حمل {مِنْ } على البيان شائع بعد الموصولة، وأما بعد الشرطية فيحتاج إلى النقل، ومثل ذلك القول بزيادتها لأن زيادتها بعد الموصولة أيضاً كزيادتها بعد الشرطية محتاج لما ذكر، وأجيب بأن السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة، وفي «جني الداني». ومن الناس من قال: إن (من) تزاد بالشروط في غير باب التمييز، وأما فيه فتزاد وإن لم تستوف الشروط نحو لله درك من رجل، ومن هنا قال مولانا عبد الباقي: يجوز أن تكون (من) تبعيضية ذكرت لبيان (ما) الشرطية، أو زائدة داخلة على التمييز، و {لَتُؤْمِنُنَّ } جواب القسم وحده على الصحيح، ولدلالته على جواب الشرط واتحاد معناهما تسامح بعضهم فجعله ساداً مسد الجوابين، ولم يرد أنه جواب القسم وجواب الشرط لتنافيهما من حيث إن الأول: لا محل له، والثاني: له محل، والقول بأن الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالأمرين باعتبارين التزام لما لا يلزم، وجوزوا كون (ما) موصولة واللام الداخلة عليها حينئذ لام الابتداء، ويشعر كلام البعض أن اللام بعد موطئة وكأنه مبني على مذهب من جوز دخول الموطئة على غير الشرط من النحاة ـ كما مر ـ وهي على هذا التقدير مبتدأ، والخبر/ إما مقدر أو جملة {لَتُؤْمِنُنَّ } مع القسم المقدر، والكلام في مثله شهير. وأورد عليه أن الضمير في {بِهِ } إن عاد على المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم، والمقصود من الآية أخد الميثاق بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإن عاد على الرسول كالضمير الثاني المنصوب العائد عليه مطلقاً دفعاً للزوم التفكيك خلت الجملة التي هي خبر عن العائد، وأجيب بأن الجملة المعطوفة لما كانت مشتملة على ما هو بمعنى المبتدأ الموصول، ولذلك استغنى عن ضميره فيها مع لزومه في الصلتين المتعاطفتين في المشهور وكان ضمير {بِهِ } راجعاً للرسول مع ملاحظة {مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } القائم مقام الضمير العائد على (ما) اكتفى بمجرد ذلك عن ضمير في خبرها لارتباط الكلام بعضه ببعض، وإلى ذلك يشير كلام الإمام السهيلي في «الروض الأنف»، ولا يخفى أنه مع ما فيه من التكلف مبني على اتحاد ما أوتوه، وما هو معهم، وفي ذلك إشكال ـ لأن آتيناكم، وجاءكم ـ إن كان كلاهما مستقبلين فالظاهر أن المراد ـ بما آتيناكم ـ القرآن لأنه الذي يؤتوه في المستقبل باعتبار إيتائه للرسول الذي كلفوا باتباعه وبما معهم الكتب التي أوتوها، وحمله على القرآن يأباه الذوق لأنه مع كونه ليس معهم بحسب الظاهر لا يظهر حسن لكون القرآن مصدقاً للقرآن وهو لازم على ذلك التقدير وإن كانا ماضيين ظهر الفساد من جهة أن هذا الرسول الذي أوجب الله تعالى عليهم الإيمان به ونصرته لم يجيء إذ ذاك، وإن كان الفعل الأول ماضياً. والثاني: مستقبلاً جاء عدم التناسب بين المعطوفين وهما ماضيان لفظاً، وفيه نوع بعد، ولعل المجيب يختار هذا الشق ويتحمل هذا البعد لما أن ثم مع كونه لا يعبأ بمثله لضعفه تهون أمره، وجوز أبو البقاء على ذلك التقدير كون الخبر {مِنْ كِتَاب} أي الذي آتيتكموه من الكتاب، وجعل النكرة هنا كالمعرفة وسوغ كون العائد على الموصول من المعطوف محذوفاً ـ أي جاءكم به ـ مع عدم تحقق شروط حذف مثل هذا الضمير عند الجمهور بل مع خلل في المعنى لأن المؤتى كتاب كل نبـي في زمان بعثته وشريعته؛ والجائي به الرسول هو القرآن بحسب الظاهر لا كتاب كل نبـي، وعود الضمير المقدر يستدعي ذلك، وعلى تقدير التزام كون المؤتى القرآن أيضاً كما يقتضيه حمل الفعلين على الاستقبال يرد أنه لا معنى لمجيء الرسول إليهم بالقرآن بعد إيتائهم القرآن بمهلة، والعطف بثم كالنص بهذا المعنى، وعلى تقدير التزام كون الجائي به الرسول هو كتاب كل نبـي بنوع من التكلف يكون وصف الرسول بكونه مصدقاً لما معكم كالمستغني عنه فتدبر. وقرأ حمزة ـ لما آتيتكم ـ بكسر اللام على أن (ما) مصدرية ـ واللام ـ جارّة أجلية متعلقة ـ بلتؤمنن ـ أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه، واعترض بأن فيه إعمال (ما) بعد لام القسم فيما قبلها وهو لا يجوز، وأجيب بأنه غير مجمع عليه فإن ظاهر كلام الزمخشري يشعر بجوازه ولعل من يمنعه يخصه بما إذا لم يكن المعمول المتقدم ظرفاً لأن ذاك يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، نعم الأولى حسماً للنزاع تعلقه بأقسم المحذوف، وجوز أن تكون (ما) في هذه القراءة موصولة أيضاً، والجار متعلق ـ بأخذ ـ وروى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ـ لما آتيتكم ـ بالتشديد، وفيها احتمالان: الأول: أن تكون ظرفية بمعنى حين ـ كما قاله الجمهور ـ خلافاً لسيبويه، وجوابها مقدر من جنس جواب القسم ـ كما ذهب إليه الزمخشري ـ أي ـ لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق وجب عليكم الإيمان به ونصرته ـ وقدره ابن عطية من جنس ما قبلها ـ أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق ـ وكذا وقع في "تفسير الزجاج"، و مآل معناها التعليل، الثاني: أن أصلها من (ما) فأبدلت/ النون ميماً لمشابهتها إياها فتوالت ثلاث ميمات فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلاً وحصول التكرير بها، ورجحه أبو حيان في «البحر». وزعم ابن جني أنها الأولى، ونظر فيه الحلبـي، و {مِنْ } إما مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش، وإما تعليلية على ما اختاره ابن جني قيل: وهو الأصح ـ لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف ـ واللام إما زائدة، أو موطئة بناءاً على عدم اشتراط دخولها على أداة الشرط، وقرأ نافع ـ آتيناكم ـ على لفظ الجمع للتعظيم، والباقون ـ آتيتكم ـ على التوحيد، ولكل من القراءتين حسن من جهة ـ فافهم ذاك ـ فبعيد أن تظفر بمثله يداك. {قَالَ } أي الله تعالى للنبيين وهو بيان لأخذ الميثاق، أو مقول بعده للتأكيد {ءأَقْرَرْتُمْ } بذلك المذكور {وَأَخَذْتُمْ } أي قبلتم على حدّ {أية : إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ } تفسير : [المائدة: 41]. وقيل: معناه هل أخذتم {عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } على الأمم. ـ والإصر ـ بكسر الهمزة العهد كما قال ابن عباس، وأصله من ـ الإصار ـ وهو ما يعقد به ويشد وكأنه إنما سمي العهد بذلك لأنه يشدّ به، وقرىء بالضم وهو إما لغة فيه ـ كعبر وعبر ـ في قولهم ناقة عبر أسفار أو هو بالضم جمع ـ إصار ـ استعير للعهد، وجمع إما لتعدد المعاهدين وهو الظاهر، أو للمبالغة. {قَالُواْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا: {أَقْرَرْنَا }، وكان الظاهر في الجواب أقررنا على ذلك إصرك لكنه لم يذكر الثاني اكتفاءاً بالأول {قَالَ } أي الله تعالى لهم {فَٱشْهِدُواْ } أي فليشهد بعضكم على بعض بذلك الإقرار، فاعتبر المقر بعضاً، والشاهد بعضاً آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد، وقيل: الخطاب فيه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط أمروا بالشهادة على أممهم ونسب ذلك إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه، وقيل: للملائكة فيكون ذلك كناية عن غير مذكور ونسب إلى سعيد بن المسيب {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي على إقراركم وتشاهدكم ـ على ما يقتضيه المعنى ـ لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه. وهنا ما ذكرناه للمقام. وعن ابن عباس أن المراد اعلموا وأنا معكم أعلم. وعلى كل تقدير فيه توكيد وتحذير عظيم، والجار والمجرور خبر ـ أنا ـ و {مَّعَكُمْ } حال، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير {فَٱشْهِدُواْ }.

ابن عاشور

تفسير : عطف {وإذْ أخذ الله} على {أية : ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة}تفسير : [آل عمران: 80] أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم، فالمعطوف هو ظرف (إذْ) وما تعلق به. ويجوز أن يتعلق (إذ) بقوله: {أأقررتم} مقدماً عليه. ويصح أن تجعل (إذ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير: واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون {قال أقررتم} معطوفاً بحذف العاطف. كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله: {قالوا أقررنا}. ويصح أن تكون جملة {قال أأقررتم} وما بعدها بياناً لجملة {أخذ اللَّه ميثاق النبيين} باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين: من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال: أأقررتم قالوا: أقررنا إلخ. ويكون قوله: {لما آتينٰاكم} - إلى قوله - {ولتنصرنه} هو صيغة الميثاق. وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال، بدليل قوله: {فمن تولّى بعد ذلك} إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. وبدليل قوله قال: {فاشهدوا} أي على أممكم. وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم}تفسير : [البقرة: 129]، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام: «قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به». وإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم. والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح «وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر - أي يبقى أخيراً - إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى» وفي إنجيل يوحنا قول المسيح «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد - وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم - ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي» إلى غير ذلك. وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وطاووس، والسدي. ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين، وستعلم أنه ليس كذلك) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم. ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع، واحتجوا بقراءة أبي، وابن مسعود، هذه الآية: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب، ولم يقرأ ميثاق النبيئين، وزاد مجاهد فقال: إن قراءة أبي هي القرآن، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان. وقوله: {لما آتيناكم} قرأ الجمهور «لَمَا» بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ {وآتيناكم} صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه، وعُطف {ثم جاءكم} على {آتيْناكم} أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول. ولتؤمننّ اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره. وقرأه حمزة: بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله: {لتؤمننّ به} أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق، ولا يصح من جهة المعنى تعليق {لما آتيتكم} بفعل القسم المحذوف، لأنّ الشكر علة للجواب، لا لأخْذ العهد. ولام {لتؤمِننّ} لام جواب القسم، على الوجه الأول، وموطئة للقسم على الوجه الثاني. وقرأ نافع، وأبو جعفر: آتينٰكم - بنون العظمة - وقرأه الباقون {آتيتكم} بتاء المتكلم. وجملة قال: {أأقررتم} بدل اشتمال من جملة {أخذ الله ميثاق النبيين}. والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق. والإصر: بكسر الهمزة، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى: {أية : ربنا ولا تحمل علينا إصراً}تفسير : في سورة [البقرة:286 ]. وقوله: {فاشهدوا} إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله: {وأنا معكم من الشاهدين} كقوله: {أية : شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو}تفسير : [آل عمران: 18] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم. وقوله: {فمن تولى بعد ذلك} أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [المائدة:12]: {أية : فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل}تفسير : . ووجه الحَصر في قوله: {فأولئك هم الفاسقون} أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدَم.

الواحدي

تفسير : {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب} "ما" ها هنا للشرط، والمعنى، لئن آتيتكم شيئاً من كتاب وحكمة، ومهما آتيتكم {ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمننَّ به} ويريد بميثاق النَّبييِّن عهدهم ليشهدوا لمحمد عليه السَّلام أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: {ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم} يريد محمداً {لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه} أَيْ: إن أدركتموه ولم يبعث الله نبيَّاً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمَّدٍ عليه السَّلام، وأمره بأنْ يأخذ العهد على قومه لَيُؤمننَّ به، ولئنْ بُعث وهم أحياءٌ لينصرنَّه، وهذا احتجاجٌ على اليهود، وقوله: {أأقررتم} أَيْ: قال الله للنَّبييِّن: أقررتم بالإِيمان به والنُّصرة له {وأخذتم على ذٰلكم إصري} أَيْ: قبلتم عهدي؟ {قالوا أقررنا قال فاشهدوا} أَي: على أنفسكم وعلى أتباعكم {وأنا معكم من الشاهدين} عليكم وعليهم. {فَمَن تولى} أعرض من {بعد ذلك} بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبيِّ صلى الله عليه وسلم {فأولئك هم الفاسقون} الخارجون عن الإيمان. {أفغير دين الله يبغون} بعد أخذ الميثاق عليهم بالتَّصديق بمحمَّد عليه السَّلام {وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعاً} الملائكة والمسلمون {وكرهاً} الكفَّار في وقت البأس {وإليه يُرجعون} وعيدٌ لهم، أَيْ: أيبغون غير دين الله مع أنَّ مرجعهم إليه؟ {قل آمنا بالله} أُمِرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقول: آمنَّا بالله وبجميع الرُّسل من غير تفريقٍ بينهم في الإِيمان كما فعلت اليهود والنَّصارى، ونظير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 81- واذكر لهم - أيها النبى: أن الله أخذ العهد والميثاق على كل نبى أنزل عليه الكتاب وآتاه العلم النافع، أنه إذا جاءه رسول توافق دعوته دعوتهم ليؤْمِنُنَّ به وينصرنَّه. وأخذ الإقرار من كل نبى بذلك العهد، وأقروا به وشهدوا على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوه لأممهم أن ذلك العهد يوجب عليهم الإيمان والنصرة إن أدركوه وإن لم يدركوه، فحق على أممهم أن يؤمنوا به وينصروه وفاء واتباعاً لما التزم به أنبياؤهم. 82- فمن أعرض عن الإيمان بالنبى بعد هذا الميثاق المؤكد، فهو الفاسق الخارج عن شرع الله، الكافر بالأنبياء أولهم وآخرهم. 83- أيطلبون ديناً غير دين محمد وهو دين الأنبياء وهو - وحده - دين الله - الذى خضع له كل من فى السموات والأرض طوعاً بالإرادة والاختيار، أو كرهاً بالخلق والتكوين، وإليه - وحده - يرجع الخلق كله؟. 84- أكد الله وحدة الألوهية والرسالة، فأمر نبيه ومن معه بأن يقولوا صدَّقْنا بالله المعبود وحده، ومرسل رسله، وآمنا بما أنزل الله علينا من القرآن والشريعة، وما نزَّله من كتب وشرائع على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده الأسباط الإثنى عشر، وما أنزل الله على موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل، وما أنزل على سائر النبيين لا فرق فى الإيمان بين أحد منهم. ونحن بذلك قد أسلمنا وجهنا لله. 85- فمن يطلب بعد مبعث محمد (صلى الله عليه وسلم) ديناً وشريعة غير دين الإسلام وشريعته فلن يرضى الله منه ذلك، وهو عند الله فى دار جزائه من الذين خسروا أنفسهم فاستوجبوا العذاب الأليم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. لما آتيتكم: مهما آتيتكم. لتؤمنُنّ: لتصدقن برسالته. أأقررتم: الهمزة الأولى للإستفهام التقريري وأقررتم بمعنى اعترفتم. إصري: عهدي وميثاقي. فمن تولى: رجع عما اعترف به وأقرّ. الفاسقون: الخارجون عن طاعة الله ورسوله. أفغير دين الله يبغون: الاستفهام للإِنكار، ويبغون بمعنى يطلبون. وله أسلم: انقاد وخضع لمجاري أقدار الله وأحكامه عليه. معنى الآيات: ما زال السياق في الرد على نصارى نجران فيقول تعالى لرسوله أذكر لهم ما أخذ الله على النّبيين وأممهم من ميثاق أنه مهما آتاهم من كتاب وحكمة ثم جاءهم رسول مصدق لما معهم من النور والهدى ليؤمننّ به ولينصرنه على أعدائه ومناوئيه من أهل الكفر وأنه تعالى قررهم فأقروا واعترفوا ثم استشهدهم على ذلك فشهدوا وشهد تعالى فقال: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} ثم أكد تعالى ذلك مرة أخرى بأن من يعرض عن هذا الميثاق ولم يف به يعتبر فاسقاً ويلقى جزاء الفاسقين فقال تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. وقد نقض هذا الميثاق كلٌّ من اليهود والنصارى، إذ لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وقد أخذ عليهم الميثاق بالإِيمان به، وبنصره، فكفروا به، وخذلوه، فكانوا بذلك الفاسقين المستوجبين لعذاب الله. ثم وبخ تعالى أهل الكتاب قائلا: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ} - يريد الاسلام - {يَبْغُونَ} أي يطلبون، ولله أسلم أي انقاد وخضع من في السماوات من الملائكة والأرض من سائر المخلوقات الأرضية طوعاً أو كرها: طائعين أو مكرهين وفوق هذا أنّكم ترجعون إليه فيحاسبكم، ويجزيكم بأعمالكم. هذا ما تضمنته الآية الأخيرة [83] إذ قال تعالى {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً. 2- كفر أهل الكتاب وفسقهم بنقضهم الميثاق وتوليهم عن الإِسلام وإعراضهم عنه بعد كفرهم بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم وقد أخذ عليهم الميثاق بأن يؤمنوا به ويتبعوه. 3- بيان عظم شأن العهود والمواثيق عند الله تعالى. 4- الإِنكار على مَنْ يُعْرِض عن دين الله الإِسلام. مع أن الكون كلّه خاضع منقاد لأمر الله ومجاري أَقداره مسلم له.

القطان

تفسير : الميثاق: العهد المؤكد. أخذتم: قبلتم. الإصر: العهد المؤكد. اذكر لهم أيها النبي يوم أخذ الله الميثاق من النبيِّين ان يؤمنوا بمن يجيء بعدهم من الرسل وينصروه.. لأن القصد من ارسال الأنبياء واحد، فيجب ان يكونوا متناصرين. لقد أخذ الله الإقرار من كل نبيٍّ بذلك العهد وأشهدوا على أنفسهم، وبلّغوه لأممهم. وعلى هذا فأنتم يا أهل الكتاب ملزَمون باتّباع محمد وتصديق شريعته بمقتضى الميثاق الذي أُخذ على كل من موسى وعيسى، وبلّغوكم إياه. فمن أعرض بعده ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدِّق لمن تقدّمه، فأولئك هم الجاحدون الفاسقون. وبعد ان بين القرآن ان دين الله واحد، وان رسله متفقون فيه - ذكر حال منكري رسالة محمد فقال: أيطلبون غير دين محمد وهو دين الأنبياء؟ انه الإسلام، الخالص لله الذي خضع له من في السماوات والأرض طوعاً بالإرادة والاختيار، أو كرها بالخَلق والتكوين، وإليه تُرجعون. قراءات: قرأ أهل البصرة وحفص ويعقوب "يبغون" بالياء، وقرأ الباقون "تبغون" بالتاء. وقرأ يعقوب "يرجعون" بكسر الجيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَ} {ٱلنَّبِيِّيْنَ} {آتَيْتُكُم} {كِتَابٍ} {أَأَقْرَرْتُمْ} {ٱلشَّاهِدِينَ} (81) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ المِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ، أَنَّه مَهْمَا آتَى أَحَدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، وَبَلَغَ أيَّ مَبْلَغٍ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولٌ بَعْدَهُ فَإِنَّ عَلَيهِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، وَلاَ يَمْنَعُهُ مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ العِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ مِنِ اتِّباعِ مَنْ بُعِثَ بَعْدَهُ، وَمِنْ نُصْرَتِهِ. وَقَالَ اللهُ لِلأنْبِيَاءِ: أأقْرَرْتُمْ بِذلِكَ، وَعَاهَدْتُمُونِي عَهْداً وَثِيقاً مُؤَكَّداً؟ قَالُوا: أقْرَرْنا. قَالَ اللهُ تَعَالَى للأنْبِيَاءِ: فَاشْهَدُوا وَأنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَقَدْ أبْلَغَ الأنْبيَاءُ، صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، أُمَمَهُمْ بِهَذَا العَهْدِ، فَوَجَبَ عَلَى أُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الذِي يَبْعَثُهُ اللهُ، وَيَنْصُرُوهُ، وَفَاءً وَاتِّبَاعاً بِمَا الْتَزَمَ بِهِ أنْبِياؤُهُمْ. المِيثَاقُ - العَهْدُ المُوثَّقُ بِالأيْمَانِ. الإِصْرُ - العَهْدُ المُؤَكَّدُ المُغَلَّظُ. أخَذْتُمْ - قَبِلْتُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تجعلنا نتعرف على أسباب بعث الحق لموكب الرسل، ونعرف جميعاً أن المنهج الأول قد أنزله الله على آدم عليه السلام متضمناً كل ما يجعل الحياة تسير إلى انسجام، وبلّغ آدم أولاده هذا المنهج كما علمهم أمور حياتهم، تماماً مثلما يعلم الأب أبناءه ما يخدم أمور حياتهم، كما يقوم بإبلاغ الأبناء مطلوب الدين، والأبناء يبلغون أبناءهم، ويتواصل البلاغ من جيل إلى جيل كي يكتمل وصول المنهج للذرية، ولكن مع توالي الزمن وتتابعه نجد أن بعضاً من مطلوبات الدين يتم نسيانها. إن هذا دليل على أن الناس قد غفلت عن المنهج، وهكذا نرى أن الغفلة عن المنهج إنما تتم على مراحل، فبعد بلاغ المنهج نجد إنساناً يغفل عن جزئية ما في هذا المنهج، وتنبهه نفسه وتلومه على تركه لتلك الجزئية، ونسمي صاحب هذا الموقف بصاحب النفس اللوامة، إنه يفعل السيئة لكن نفسه تعود إلى اليقظة لمنهج الله؛ لأنه يتمتع بوجود خلية المناعة الإيمانية فيه، وهناك إنسان آخر يستمرئ المخالفة للمنهج وتلح عليه نفسه بالمخالفة؛ إنه صاحب النفس الأمارة بالسوء، وتتوالى به دواعي ارتكاب السيئات، ومثل هذا الإنسان يحتاج إلى غيره من خارج نفسه ليلفته إلى الخير. وماذا يحدث للمجتمع إذا صار أفراده جميعاً من أصحاب النفس الأمارة بالسوء؟ إن معنى ذلك أن الفساد قد طم، ولا بد من مجيء رسول؛ لأن مراد الحق سبحانه هو هداية الناس، لقد خلقنا سبحانه وله كل صفات الكمال، ولم يضف خلقُنا إليه شيئاً. وها هو ذا الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، ياعبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لم أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياه، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". تفسير : إن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا وهو من الأزل إلى الأبد، في تمام صفات الكمال ولم يضف له هذا الخلق شيئاً، وهو القائل: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات: 57-58]. إذن فعندما يشرع لنا الحق أمراً فهو يشرعه لمصلحتنا؛ إنه سبحانه يحب لصنعته أن تظفر بسعادة المنهج؛ لذلك أنزل المنهج "بافعل ولا تفعل" وحين يقول المنهج: "افعل ولا تفعل" فهو لا يريد أن يحدد حرية الحركة على الخلق الا بما يحميهم، إنه يحدد حرية هنا ليحمي حرية هناك. فعندما حرم الله السرقة -على سبيل المثال - فالأمر شامل لكل البشر، فلا يسرق أحد أحداً. إن الحق سبحانه حين منع يدَ واحدٍ من السرقة، كان في ذلك منع لملايين الأيدي أن تسرق من هذا الإنسان، وفي هذا حماية لكل البشر من أن يسرق إنسان إنساناً آخر، وفي ذلك كسب لكل إنسان، فساعة تأخذ التشريع لا تأخذه على أنه مطلوب منك، ولكن خذه على أنه مطلوب منك ومطلوب لك أيضاً. ومثال آخر، لقد حرم المنهج على العبد المؤمن أن يمد عينيه إلى محارم غيره، ولم يكن هذا التحريم لعبد واحد، إنما لكل إنسان مؤمن، وبذلك لا تمتد أي عين إلى محارم هذا العبد، لقد جاء الأمر لك بغض البصر عن محارم غيرك وأنت واحد، وكففنا من أجلك ملايين الأبصار كيلا تمتد إلى محارمك. إذن فكل عبد مؤمن يكسب حياة مطمئنة من وجود التشريع، وكل التشريعات إنما جاءت لصالحنا جميعاً، ولذلك كان الحق رحيماً بنا لأن رَكْبَ الرسل قد تواصل واستمر في الكون منذ آدم، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمنهج الذي جاء به كل هؤلاء الرسل لا تناقض فيه أبداً، لأن في هذا المنهج مصلحة للخلق، لذلك فلا يمكن أن يكون موكب رسول قد أتى، ليناقض موكب رسول آخر. لكن ما الذي يأتي بالتناقض بين الأديان والمشرع واحد؟ وكل الناس عيال له؟ إننا نبرئ الرسل من التناقض، وإن حاول البعض أن يصوروا الأمر كذلك فلنعلم أن أتباع الرسل هم الذين يريدون لأنفسهم سلطة زمنية يتحكمون بها في الدنيا، فالذين كانت لهم سلطة زمنية في دين كاليهودية أو النصرانية فعلوا ذلك. وعندما جاءت النصرانية على اليهودية قال أحبار اليهود: نحن لا نريد النصرانية لماذا؟ لأن السلطة الزمنية كانت في أيديهم، ولو أن هؤلاء الأحبار ظلوا باقين على ما أنزله الله عليهم من منهج لقَبَّلُوا يدي أي رسول قادم شاكرين له مقدَمَه ومجيئه وقالوا له: ساعدنا على أن نعمق فهمنا لمنهج الله .. إذن فالخلاف لا يحدث إلا حين توجد أهواء لها سلطات زمنية، وموكب الرسالات من يوم أن خلق الله الإنسان هو منهج متساند لا متعاند. وحينما يأتي رسول ليجد أناساً غير مؤمنين بإله فالمشكلة تكون سهلة، لأنه سيلفتهم إلى إله واحد، وبالمنهج الذي يريده الله، لكن المشكلة تكون كبيرة مع الجماعة التي لها رسول وهم منسوبون إلى السماء، فإذا ما جاء رسول من الله فهو يجيء وهؤلاء الأتباع قد أخذوا من ادعائهم بالانتساب لرسالة رسول سابق سلطة زمنية كما حدث مع اليهود والنصارى، فتعصبوا للدين الذي كانوا عليه متناسين أن كبارهم قد حرفوا المنهج لحساب السلطة الزمنية. وقد استمر موكب الرسل إلى الخلق ليحمي الله الخلق من سيادة الانحراف واصطفى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم لتحمل الأمانة فلن يأتي لها رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قد ضمن بقاء الخير في هذه الأمة، فإذا رأيت أناساً بالغوا في الإلحاد فثق أن هناك أناساً زادهم الله في المدد حتى يحدث التوازن؛ لأن الحق هو القائل: {أية : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [آل عمران: 104]. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [آل عمران: 110]. إذن فإن امتنع الوازع النفسي في النفس اللوامة عند فرد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فسوف يأتي أناس مسلمون ينبهونه إلى المنهج، والحق سبحانه وتعالى لا يعصم الناس من أن يخطئوا فهو القائل: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. إن الحق جاء بكلمة "وتواصوا"، ولم يأتِ بكلمة "وصوا" وذلك لنفهم أن التوصية أمر متبادل بين الجميع، فساعة يوجد إنسان في لحظة ضعف أمام المنهج توجد لحظة قوة عند غيره فيوصيه. وترد هذه المسألة أيضاً إلى الموصى، فقد تأتي له لحظة ضعف أمام المنهج؛ فيجد من يوصيه وهكذا نرى أنه لا يوجد أناس مخصوصون ليوصوا، وآخرون مهمتهم تلقى التوصية، إنما الأمر متبادل بينهم، وهذا هو التكافل الإيماني، والإنسان قد يضعف في مسألة من المسائل فيأتي أخ مؤمن يقول له: ابتعد عن هذا الضعف، إن هذه المسألة تحدث بالتناوب لمقاومة لحظات الأغيار في النفس البشرية؛ لأن لحظات الأغيار لا تجعل الإنسان يثبت على حال، فإذا ما رأينا إنساناً قد ضعف أمام التزام ما فعلينا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، وأنت أيضاً حين تضعف ستجد من أخوتك الإيمانية مَنْ يوصيك. هذا هو الحال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأمم السابقة عليها فقد كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولذلك كان لا بد أن تتدخل السماء وتأتي برسول جديد ومعه معجزة جديدة تلفت العقول لفتاً قسرياً إلى أن هناك أشياء تأتي بها المعجزة، وهي خرق ناموس الكون، وفي ذلك لفت من الله للناس إلى مناطق القدرة. وأخذ الله الميثاق على الأنبياء بأن يبلغ كل نبي قومه هذا البلاغ، انتظروا أن ترسل إليكم السماء رسلاً، وساعة يجيء الرسول المبلغ عن الله منهجه فكونوا معه، وأيدوه. كان الرسل عليهم جميعاً السلام مأمورين أن يضعوا في المنهج. وصلبه أن السماء حينما تتدخل وتأتي برسول جديد فلابد أن يتبعه أقوامهم، وألا يتعصبوا ضد الرسول القادم، بل يسلمون معه ويرحبون به؛ لأن الرسول إنما يجيء ليعاون الناس على المنهج الصحيح، لكن الأتباع الذين يعشقون السلطة الزمنية تعمدوا التحريف، ومن أجل أن يحمي الحقُّ خلقه من هذا المرض أنزل الميثاق الذي أخذه على النبيين، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ..} [آل عمران: 81]. قد يقول قائل: إن هذا القول يصلح عندما يأتي رسول معاصر لرسول مثلما عاصر شعيب سيدنا موسى عليه السلام، وكما عاصر لوط سيدنا إبراهيم عليه السلام، ونقول: هذا يحدث - أيضاً - وإن لم تتعاصر الرسل، فالحق سبحانه قد أراد لكل رسول أن يعطي لقومه البلاغ الواضح، وإن لم يتعاصر الرسولان فلابد أن يعطي الرسول مناعة ضد التعصب، فما داموا قد آمنوا بالرسول واتبعوه فعليهم حسنَ استقبال الرسول القادم من بعد رسولهم، وكان على كل رسول أن يبلغ قومه: كونوا في انتظار أن تتدخل السماء في أي وقت، فإذا تدخلت السماء في أي وقت من الأوقات، وجاءت برسول مصدق لما معكم فإياكم أن تقفوا منه موقف المضارّة، وإياكم أن تقفوا منه موقف العداوة، بل عليكم أن "تنصروه" وهذا قول واضح وجلى ولا لبس فيه. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ..} [آل عمران: 81]. ونقول في شرح معنى: {رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81]. إن الدين يأتي بقضايا متفق عليها؛ لأن العقائد واحدة، والأخبار واحدة، والقصص واحد، لكن الذي يختلف هو الحكم التشريعي الذي قد يناسب زمناً ولا يناسب زمناً آخر، فإذا جاء الرسول بكتاب مصدق لما معكم في الأمور الدائرة في منهج العقائد، أو منهج الأخبار أو منهج القصص فلا بد لكم أن تصدقوه. لكن اليهود لم يفعلوا ذلك؛ لأن الرسول جاء ليعيد هداية الجماعة التي آمنت بالرسل والتي تؤمن بإله، وكان مجيء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج الواضح العقيدة والأخبار الصحيحة غير المحرفة والقصص التي تدعم المنهج كما جاء بالتشريع المناسب وكان مجيء النبي الخاتم مزلزلا لمن استمرأوا السلطة الزمنية، فمنهم من أصر على اتباع رسولهم فقط وبالمنهج الذي تم تحريفه ورفضوا اتباع الرسول الجديد، ومنهم جماعة أخرى آمنت، بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت هناك جماعة ثالثة تؤمن برسول آخر، والخيبة تأتي نتيجة للتعصب، ولذلك كانت دعوة الإسلام هي لتصفية العقائد، ودعوة لكل متبع لأي رسالة سابقة أن يدرس ويناقش، هل الدين الخاتم قد جاء بما يختلف عن الأديان السابقة في العقائد؟ أو جاء مصدقاً لها؟ لقد جاء الدين الخاتم مصدقاً لما سبقه في العقائد والأخبار والقصص وإن اختلف في التشريعات التي تناسب زمناً ولا تناسب زمناً آخر، فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعصم البشرية من العصبية الهوجاء، والعصبية العمياء التي تنشأ من اتباع رسول لتقف سداً حائلاً أمام رسول آخر؛ فالله حين أرسل كل رسول قد أعطاه الأخبار والحقائق وأنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي أرسله بأن يكون على استعداد هو والمؤمنون معه لتصديق كل رسول يأتي معاصراً ومصدقاً لما معهم، وأن يؤمنوا به، وأن يبلغ كل رسول أمته بضرورة هذا الإيمان. لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من الركب الإيماني المتمثل في مواكب الرسل ألا يكون بعضهم لبعض عدوّاً، بل عليهم أن يواجهوا أعداء قضية الدين كلها. فالذي يجعل الإلحاد متفشياً في هذا العصر هو أن المنسوبين إلى الأديان السماوية مختلفون، وربما كانت العداوة بينهم وبين بعضهم أقوى من العداوة بينهم وبين الملحدين والمنكرين لله، وهذا الاختلاف يعطي المجال للملحدين فيقولون: لو كانت هذه الأديان حقاً لاتفقوا وما اختلفوا، فما معنى أن يقول أتباع كل رسول إنهم يتبعون رسولاً قادماً من السماء؟ إن الملحدين يجدون من اختلاف أتباع الديانات السماوية فرصة ليبذروا في الناس بذور الإلحاد، ولا يجدون تكتلاً ولا قوة إيمانية لمن يؤمن بالسماء أو بمنهج السماء لكن الحق سبحانه يقول: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} وهذا يعني أنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي ساعة أرسله أنه قد آتاه الكتاب والحكمة، وأنه إذا جاءكم رسول مصدق لهذا الكتاب وتلك الحكمة فعليكم الإيمان به، ولا يكفي إعلان الإيمان فقط، بل لا بد أن يكون النبي ومن معه في نصرة الرسول الجديد نقول: ولو عمل أتباع كل نبيّ بهذا العهد والميثاق لما كان لهؤلاء الملحدين حجة ويضيف سبحانه: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ} [آل عمران: 81] والإقرار سيد الأدلة كما يقولون؛ والإصر هو العهد الشديد، ولذلك يقال: "آصرة المودة" أي الرابطة الشديدة المعقودة. وقال الموكب الإيماني للأنبياء موجهين إقرارهم لله تعالى "أقررنا"، فقال الحق سبحانه: "فاشهدوا". والشهادة دائماً تقتضي شاهداً ومشهوداً عليه ومشهوداً به. وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول للنبيين الذين أخذوا منه العهد والميثاق الحق: "فاشهدوا" إذن فهم في موقف الشاهد، وما المشهود عليه؟ وما المشهود به؟ هل يشهدون على أنفسهم؟ أو يشهد كل نبي على الأنبياء الآخرين؟ أو يشهد أنه قد بلغ أمته هذا القرار الإلهي؟ إن الرسول يشهد على أمته، وأن الأنبياء يشهد بعضهم لبعض. إذن قد يكون الشاهد نبياً، والمشهود له نبي آخر، والمشهود به أن يؤمنوا بالرسول القادم وينصروه. وقد يكون الشاهد النبي، والمشهود عليه هي أمته بأنه قد بلغها ضرورة الإيمان بالرسول القادم بمنهج السماء؛ لأن الأمة ما دامت قد آمنت برسول فعليهم مؤازرة هذا الرسول، ومؤازرة مَنْ يأتي من بعده، وذلك حتى لا يتبدد ركب الإيمان أمام باطل الإلحاد: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]. ولنرتب الشهادات التي وردت في هذه الآية الكريمة: الأنبياء يشهد بعضهم على بعض، أو الأنبياء يشهدون على أممهم، ثم شهادة الله على الأنبياء. وما دام الأمر قد جاء بهذا التوثيق فعلينا أن ننبه أنه إذا ما وجدنا ديناً سابقاً يتعصب أمام دين لاحق، بعد أن يأتي هذا الدين بالمعجزة الدالة على صدق بلاغ ذلك الرسول عن الله فلنعلم أنهم خانوا هذه القضية. وسبب ذلك يرجع إلى أن الله يريد أن يحتفظ للدعوة إلى الإيمان، بانسجام تام، فلا يتعصب رسول لنفسه ولا لقوميته ولا لبيئته، ولا يتعصب أهل رسول لملتهم أو نحلتهم؛ لأنهم جميعاً مبلغون عن إله واحد لمنهج واحد، فيجب أن يظل المنهج مترابطاً فلا يتعصب كل قوم لنبيهم أو دينهم، وهذا ليكون موكب الرسالات موكباً متلاحماً متسانداً متعاضداً، فلا حجة من بعد ذلك لنبي، ولا لتابع نبي أن يصادم دعوة أي رسول يأتي، ما دام مصدقاً لما بين يديه. لقد أعلمنا الحق أنه قد عرض شهادة الأنبياء على بعضهم، وشهادة الأنبياء على أممهم، وشهادة الله سبحانه على الجميع، وذلك أوثق العهود وآكدها. ولذلك فكل من استمع لهذا يجب أن ينصر أي رسول يأتي مصدقاً لما معه، وبذلك يزداد موكب الإيمان تآزرا وتلاحماً، فلا يأتي مؤمن برسالة من السماء ليصادم مؤمناً آخر برسالة من السماء .. ولندع المصادمة لمن لا يؤمنون برسالة السماء، وحين يتكاتف المؤمنون برسالة السماء يستطيعون الوقوف أمام هؤلاء الملاحدة، وبعد هذا البيان الواضح يقول الحق: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله عن مواضعه، وتغييرهم أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجودة في كتبهم حتى لا يؤمنوا به، ذكر تعالى هنا ما تقوم به الحجة عليهم وهو أن الله قد أخذ الميثاق على أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إِن أدركوا حياته، وأن يكونوا من أتباعه وأنصاره، فإِذا كان الأنبياء قد أخذ عليهم العهد أن يؤمنوا به ويبشروا بمبعثه فكيف يصح من أتباعهم التكذيب برسالته؟ ثم ذكر تعالى أن الإِيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإِيمان وبيَّن أن الإِسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله ديناً سواه. اللغَة: {مِيثَاقَ} الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه وقد تقدم {إِصْرِي} عهدى وأصله في اللغة الثقل قال الزمخشري: وسمي إِصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد {ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن طاعة الله {طَوْعاً} انقياداً عن رغبة {وَكَرْهاً} إِجباراً وهو كاره {ٱلأَسْبَاطِ} جمع سبط وهو ابن الإِبن والمراد به هنا قبائل بني إِسرائيل من أولاد يعقوب {يُنظَرُونَ} يمهلون يقال: أنظره يعني أمهله والنظرة الإِمهال {ٱلْخَاسِرِينَ} الخسران: انتقاص رأس المال يقال: خسر فلان أي أضاع من رأس ماله {ٱلضَّآلُّونَ} التائهون في مهامه الكفر. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار عن الإِسلام ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إِلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فإِني قد ندمت؟ فنزلت الآية {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ... إلى قوله إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فكتب بها قومه إِليه فرجع فأسلم. التفسِير: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين {لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} أي لمن أجل ما آتيتكم من الكتاب والحكمة قال الطبري: المعنى لمهْما آتيتكم أيها النبيّون من كتاب وحكمة {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} أي ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} أي لتصدقنه ولتنصرنه، قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً من الأنبياء إِلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمننَّ به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا} أي اعترفنا {قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي أعرض ونكث عهده {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي هم الخارجون عن طاعة الله {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} الهمزة للإِنكار التوبيخي أي أيبتغي أهل الكتاب ديناً غير الإِسلام الذي أرسل الله به رسله؟ {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ولله استسلم وانقاد وخضع أهل السماوات والأرض {طَوْعاً وَكَرْهاً} أي طائعين ومكرهين قال قتادة: المؤمن أسلم طائعاً والكافر أسلم كارهاً حين لا ينفعه ذلك قال ابن كثير: فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله طوعاً، والكافر مستسلم لله كرهاً فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يُخالف ولا يُمانع {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي يوم المعاد فيجازي كلاً بعمله {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} أي قل يا محمد أنت وأمتك آمنا بالله وبالقرآن المنزل علينا {وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاط} أي آمنا بما أنزل على هؤلاء من الصحف والوحي، والأسباطُ هم بطون بني إِسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب {ِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} أي من التوراة والإِنجيل {وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} أي وما أنزل على الأنبياء جميعهم {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بالكل {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحداً أبداً، ثم أخبر تعالى بأن كل دين غير الإِسلام باطل ومرفوض فقال {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} أي يطلب شريعة غير شريعة الإِسلام بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ليدين بها فلن يتقبل الله منه {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي مصيره إِلى النار مخلداً فيها {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم أي كيف يستحق الهداية قوم كفروا بعد إِيمانهم {وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ} أي بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمداً رسول الله {وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق النبي {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفقهم لطريق السعادة، قال الحسن: هم اليهود والنصارى رأوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب فكفروا بعد إِيمانهم {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي جزاؤهم على كفرهم اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ماكثين في النار أبد الآبدين، لا يُفتّر عنهم العذاب ولا هم يمهلون {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} أي إِلا من تاب وأناب وأصلح ما أفسد من عمله {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي متفضل عليه بالرحمة والغفران {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} نزلت في اليهود كفروا بعيسى بعد إِيمانهم بموسى ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمد والقرآن {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} أي الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي، ثم أخبر تعالى عمّن كفر ومات على الكفر فقال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارُ} أي كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا وهو عام في جميع الكفار {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} أي لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم موجع {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه. البَلاَغَة: 1- الالتفات {لَمَآ آتَيْتُكُم} فيه التفات من الغيبة إِلى الحاضر لأن قبله {مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ}. 2- بين لفظ {ٱشْهَدُواْ} و {ٱلشَّاهِدِينَ} جناس الاشتقاق وكذلك بين لفظ {كَفَرُواًْ} و {كُفْرا} وهو من المحسنات البديعية. 3- الطباق بين {طَوْعاً} و {وَكَرْهاً} وكذلك يوجد الطباق بين لفظ الكفر والإِيمان. 4- {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} قصر صفة على موصوف ومثله {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. 5- {وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ} هو من باب عطف العام على الخاص. 6- و{لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم والعدول إِلى صيغة فعيل للمبالغة. فَائِدَة: الآيات الكريمة قسمت الكفار إِلى ثلاثة أقسام: 1- قسم تاب توبة صادقة فنفعته وإِليهم الإِشارة بقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ}. 2- وقسم تاب توبة فاسدة فلم تنفعه وإِليهم الإِشارة بقوله {كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً}. 3- وقسم لم يتب أصلاً ومات على الكفر وإِليهم الإِشارة بقوله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ}. تنبيه: روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال فيقول: نعم فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيتَ إِلا أن تشرك ".

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} هو على حذف مضاف تقديره ميثاق أتباع النبيين لقوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ}، هو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن في زمانه حين جاء النبيون فتعين أن يكون التقدير ميثاق أتباع النبيين وجاء بالخطاب على سبيل الالتفات وقرىء بفتح اللام ووجهه أن اللام هي الموطئة وما شرطية مفعولة بآتيناكم ومن كتاب تفسير لما. وآتيناكم ماض أريد به المستقبل ثم جاءكم معطوف عليه، وجواب القسم لتؤمنن به وما بعده، وجواب الشرط محذوف. والآية مما اجتمع فيه القسم والشرط فجاء الجواب للسابق منهما وهو القسم. وفي البحر (قال) ابن عطية والزمخشري: ما من لما أتيناكم شرطية إلى آخر كلامهما. وقال مثل ذلك المازني والزجاج والفارسي وفيه خدش لطيف جداً وذلك أنه إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفاً لدلالة جواب القسم عليه وإذا كان كذلك فالمحذوف من جنس المثبت ومتعلقاته متعلقاً به. فإِذا قلت: والله لمن جاءني لأكرمنه فجواب من محذوف التقدير من جاءني أكرمه وفي الآية اسم الشرط ما، وجوابه محذوف من جنس جواب القسم. وهو الفعل المقسم عليه، ومتعلق الفعل هو ضمير الرسول بوساطة حرف الجر لا ضمير ما فجواب ما للقدر إن كان من جنس جواب القسم فلا يجوز ذلك لأنه تعدى والجملة الجوابية إذ ذاك من ضمير يعود على اسم الشرط وإن كان من غير جنس جواب القسم فكيف يدل عليه جواب القسم وهو من غير جنسه وهو لا يحذف إلا إذا كان من جنس جواب القسم ألا ترى انك لو قلت: والله ان ضربني زيد لأضربنه، كيف تقدره إن ضربني زيد أضربه. ولا يجوز أن يكون التقدير والله لئن ضربني زيد أشكه لأضربنه لأن لأضربنه لا يدل على لشكه فهذا ما يرد على قول من خرج ما على انها شرطية (قال) الزمخشري: ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً. "انتهى". هذا قول ظاهره مخالف لقول من جعل ما شرطية لأنهم نصوا على أن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه إلا أن عنى أنه من حيث تفسير المعنى لا من حيث تفسير الإِعراب يسد مسدهما فيمكن أن يقال وأما من حيث تفسير الإِعراب فلا يصح لأن كلا منهما أعني الشرط والقسم يطلب جواباً على حدة ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل فيه فيكون في موضع جزم والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به بغير عمل فيه فلا موضع له من الإِعراب ومحال أن يكون الشيء الواحد له موضع من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب وقرىء لما بكسر اللام ووجهه ان اللام للتعليل وما موصولة بمعنى الذي والعائد عليها محذوف من صلتها أي آتينا كموه وعطف على الصلة ثم جاءكم والعائد فيه محذوف تقديره ثم جاءكم به أي بنظيره. وأجاز الزمخشري أن تكون ما مصدرية (قال): ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم بمجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به على أن ما مصدرية والفعلان معها أعني آتيناكم وجاءكم في معنى المصدرين. "انتهى". ويكون تعليلاً لأخذ الميثاق. وفي البحر (قال) الزمخشري: ما في قراءة حمزة لما آتيناكم مصدرية ومعناه لأجل إيتاني إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول الله مصدق لما معكم لتؤمنن به على أن ما مصدرية والفعلان معها أعني آتيناكم وجاءكم في معنى المصدرين واللام داخلة للتعليل على معنى أخذ الله ميثاقهم ليؤمنن بالرسول ولينصرنه لأجل أن آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي أمرتكم بالإِيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. انتهى هذا التعليل. والتقدير الذي قدره ظاهره أنه تعليل للفعل المقسم عليه فإِن عني هذا الظاهر فهو مخالف لظاهر الآية لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلاً لأخذ الميثاق لا لمتعلقه وهو الإِيمان فاللام متعلقة بأخذ وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقة بقوله: لتؤمنن به، ويمتنع ذلك من حيث أن اللام المتلقى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها تقول: والله لأضربن زيداً. ولا يجوز والله زيداً لأضربن فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في لما بقوله لتؤمنن به. وقد أجاز بعض النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدمه وجعل من ذلك عوض لا نتفرق. وقوله تعالى: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}تفسير : [المؤمنون: 40]، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ}، وفي هذه المسألة تفصيل مذكور في النحو. وقرىء لما بفتح اللام وتشديد الميم وخرج على أن لما هي الطالبة للجواب، وتقديره أخذ عليكم الميثاق، ولما المقتضية للجواب حرف عند سيبويه، وظرف بمعنى مين عند المبرد. وتبعه الزمخشري وابن عطية في لما هذه وهو مذهب فاسد ومن ادعى أن أصلها بمن ما فحذفت منه ميم واحدة فصار لما فقوله في غاية وينزه كلام الله عنه ويلزم أن تكون اللام الموطئة دخلت على حرف الجر نحو أقسم بالله لمن أجلك لأضربن عمراً، لم يجز لأن الموطئة لا تدخل إلا على أداة شرط. وقرىء آتيناكم بنون العظمة وبالتاء وتناسب قوله احدى. وقدم الايمان بالله لأنه الأصل ثم النصر لأنه من ثمرة الإِيمان. {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ} الضمير عائد على الله في قال. وأأقررتم: استفهام معناه الإِستثبات بعد أخذ الميثاق. {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ} أي على الإِيمان والنصرة. {إِصْرِي} عهدي وقرىء اصري بضم الهمزة وكسرها. {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا} معناه أقررنا بالإِيمان به وبنصرته وقبلنا ذلك والتزمناه، وثم جملة محذوفة أي أقررنا وأخذنا على ذلك الأمر. {قَالَ فَٱشْهَدُواْ} أي يشهد بعضكم على بعض والتقدير أقررتم فاشهدوا أتى بالفاء رابطة بين الجملتين ونظير ذلك قولك: ألقيت زيداً؟ قال: لقيته. قال: فأحسن إليه! لتقدير لقيت زيداً فأحسن إليه. {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} استئناف معناه التوكيد. {بَعْدَ ذٰلِكَ} الإشارة إلى الإِقرار وأخذ الأصر المذكورين بعد الإِيمان والنصرة. {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} الهمزة للإِنكار والتنبيه على الخطأ في التولي والإِعراض وأضيف الدين إلى الله لأنه تعالى هو الذي شرعه وتعبد به الخلق. وقرىء تبغون بالتاء وبالياء. {وَلَهُ أَسْلَمَ} أي انقاد وانتصب طوعاً على المصدرية أو على الحال وقسم الإِسلام الى نوعين: أحدهما طوع كانقياد الملائكة والأنبياء ومن أجاب إلى الدين بغير تلبث ولا فكر كانقياد أبي بكر الصديق. والآخر: كره وهو من انقاد لأجل السيف وكثير من هؤلاء من حسن حاله في الإسلام فانقاد إليه طوعاً. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي إلى جزائه وفي ذلك تهديد.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن خاصمك من أهل الكتاب وقت {إِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} المدبر لأمور عباده {مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} أي: عهودهم الوثيقة، المتعلقة بالأمثال، والمحافظة {لَمَآ} أي: الذي {آتَيْتُكُم} تفضيلاً عليكم {مِّن كِتَابٍ} مبيِّن لكم ولأمتكم الأحكام الظاهرة المتعلقة بالمعاملات {وَحِكْمَةٍ} مورثة لكم ولهم الأخلاق المرضية، الموصلة إلى التوحيد الذاتي {ثُمَّ} أخذ الله مواثيقهم أيضاً بأنه متى {جَآءَكُمْ} وعلى أمتكم {رَسُولٌ} مرسل من عندنا على التوحيد الذاتي {مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} من توحيد الصفات والأفعال {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} أنتم، ولتبلغن على أمتكم أن يؤمنوا له، وتصدقوه {وَ} لا تكتفون أنتم وأممكم بمجرد الإيمان والتصديق، بل {لَتَنصُرُنَّهُ} فيما جاء به، وهو التوحيد الذاتي؛ إذ مرجع جميع الملل والنحل إليه، لذلك ختم ببعثته صلى الله عليه وسلم أمر الإنزال والإرسال. وبعد أخذ المواثيق {قَالَ} سبحانه مستفهماً على سبيل التقرير وتأكيداً: {أَأَقْرَرْتُمْ} أيها الأنبياء أنتم {وَأَخَذْتُمْ} من أممكم المنتسبون إليكم {عَلَىٰ ذٰلِكُمْ} عهودكم ومواثيقكم {إِصْرِي} أي: حلفي وعهدي الثقيل الذي يوجب نقضه أنواعاً من العذاب والنكال؟ {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا} بعهودك ومواثيقك سمعاً وطاعة، وأخذنا أيضاً من أممنا {قَالَ} سبحانه: {فَٱشْهَدُواْ} أي: فاحفظوا المواثيق، ولا تغفلوا عنها {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] الحاضرين المطلعين لحفظكم ووقائكم {فَمَنْ تَوَلَّىٰ} أعرض منكم {بَعْدَ ذٰلِكَ} العهد الوثيق {فَأُوْلَـٰئِكَ} المعرضون {هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82] الخارجون عن طريق التوحيد الذاتي الجامع لجميع الطرق. {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ} الذي هو التوحيد الذاتي {يَبْغُونَ} تطلبون أيها المعرضون الفاسقون {وَ} الحال أن {لَهُ أَسْلَمَ} انقاد وتذلل {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من أرباب الشهود والمكاشفات {وَ} من في {ٱلأَرْضِ} من أصحاب العلوم والمعاملات {طَوْعاً} تحقيقاً ويقيناً {وَكَرْهاً} تقليداً وتخميناً {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره {يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] رجوع الظل إلى ذي ظل. {قُلْ} يا أكمل الرسل بلسان الجمع {آمَنَّا} أذعنَّا وأيقنَّا {بِٱللَّهِ} الواحد الأحد، المتفرد بالتحقيق والوجود {وَ} صدقنا {مَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} من عنده من الكتاب المبين لتوحيده {وَمَآ أُنزِلَ} أيضاً في سالف الزمان {عَلَىٰ} أسلافنا {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} أولاد يعقوب وأحفاده {وَ} صدقنا أيضاً {مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ} الموجودون الملهمون {مِن رَّبِّهِمْ} على مقتضى استعداداتهم {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} بالإطاعة والتصديق {وَ} كيف نفرق ونخصص؛ إذ {نَحْنُ} المتدينون بدين الله المتجلي في الآفاق {لَهُ} باعتبار تفرده وإحاطته وظهوره في المظاهر كلها بأوصافه وأسمائه بلا تفاوت {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84] مؤمنون موقنون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء والأمم، وإن قال: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} [آل عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [آل عمران: 82]، بعض الأمم {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في الغيبة والحضور، كقوله تعالى: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} تفسير : [البقرة: 132]، فلما أخذ الله تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ} [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم {أَقْرَرْنَا} [آل عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضاً وعلى الأمم كلها ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء لله في أرضه {قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي والناكثون {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83]؛ يعني: الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن دينه هو دين الله كقوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم مع فقد ضل عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} [آل عمران: 83] يوم الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم له كرهاً، فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعاً وكرهاً، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [النساء: 65]، قال تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]؛ يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعاً وكرهاً، فإن الذي يرجع إليه طوعاً؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران: 84]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك وإن لم يعتبر الحال بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمناً بالله ليلة المعراج إيماناً عيانياً لأبياتنا، وما أنزل علينا حين {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، {وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} [آل عمران: 84]، وأتاني {وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} [آل عمران: 84]، إيتاءً حقيقياً حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما أوتي أحد قبلي {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ} [آل عمران: 84]؛ أي: لا نفرق بين أحدٍ أنا وأمتي {مِّنْهُمْ} [آل عمران: 84]، من الأنبياء بالإيمان لهم {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]؛ أي: مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى { قالوا أقررنا } أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين { قال } الله لهم: { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم بذلك، قال { وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك } العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله { فأولئك هم الفاسقون } فعلى هذا كل من ادعى أنه من أتباع الأنبياء كاليهود والنصارى ومن تبعهم، فقد تولوا عن هذا الميثاق الغليظ، واستحقوا الفسق الموجب للخلود في النار إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

همام الصنعاني

تفسير : 421- قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ}: [الآية: 81]، قال: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدِّق بعضهم بعضاً ثم قال: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} قال: هذه الآية لأهل الكتاب، أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا لمحمد ويُصدِّقوه.