Verse. 375 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَمَنْ تَوَلّٰى بَعْدَ ذٰلِكَ فَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْفٰسِقُوْنَ۝۸۲
Faman tawalla baAAda thalika faolaika humu alfasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فمن تولَّى» أعرض «بعد ذلك» الميثاق «فأولئك هم الفاسقون».

82

Tafseer

القرطبي

تفسير : «مَنْ» شرط. فمن تولّى من أُمم الأنبياء عن الإيمان بعد أخذ الميثاق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي الخارجون عن الإيمان. والفاسق الخارج. وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} بعد الميثاق والتوكيد بالإِقرار والشهادة. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المتمردون من الكفرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّىٰ } أعرض {بَعْدَ ذَلِكَ } الميثاق {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ }.

الخازن

تفسير : {فمن تولى} أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {بعد ذلك} الإقرار {فأولئك هم الفاسقون} أي الخارجون عن الإيمان والطاعة. قوله عز وجل: {أفغير دين الله يبغون} وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل فريق منهم أنه على دين إبراهيم عليه السلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم" تفسير : فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فأنزل الله أفغير دين الله؛ الهمزة للاستفهام والمراد منه الإنكار والتوبيخ يعني أفبعد أخذ الميثاق عليهم ووضوح الدلائل لم أن دين إبراهيم هو دين الله الإسلام. تبغون قرئ بالتاء على خطاب الحاضر أي أفغير دين الله تطلبون ما معشر اليهود والنصارى وقرئ بالياء على الغيبة رداً على قوله فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون {وله أسلم} أي خضع وانقاد {من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً} الطوع الانقياد والاتباع بسهولة والكره ما كان من ذلك بمشقة وإباء من النفس. واختلفوا في معنى قوله طوعاً وكرهاً فقيل: أسلم أهل السموات طوعاً وأسلم بعض أهل الأرض طوعاً وبعضهم كرهاً من خوف القتل والسبي، وقيل: أسلم المؤمن طوعاً وانقاد الكافر كرهاً، وقيل هذا في يوم أخذ الميثاق حيث قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى فمن سبقت له السعادة قال ذلك طوعاً، ومن سبقت له الشقاوة قال ذلك كرهاً. وقيل: أسلم المؤمن طوعاً فنفعه إسلامه يوم القيامة والكافر يسلم كرهاً عند الموت في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك في القيامة وقيل إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على الله في مراده فأما المسلم فينقاد لله فيما أمره أو نهاه عنه طوعاً وأما الكافر فينقاد لله كرهاً في جميع ما يقتضي عليه ولا يمكنه دفع قضائه وقدره عنه {وإليه ترجعون} قرئ بالتاء والياء والمعنى أن مرجع الخلق كلهم إلى الله يوم القيامة ففيه وعيد عظيم لمن خالفه في الدنيا.

ابو السعود

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّىٰ} أي أعرض عما ذكر {بَعْدَ ذَلِكَ} الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة، فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى مَنْ، والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في تولىٰ باعتبار اللفظ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على ترامي أمرِهم في السوء وبُعد منزلتِهم في الشر والفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبـيحةِ {هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد. {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} عطفٌ على مقدّر أي أيتوَلَّوْن فيبغون غيرَ دينِ الله؟ وتقديمُ المفعولِ لأنه المقصودُ إنكارُه، أو على الجملة المتقدمةِ والهمزةُ متوسطةٌ بـينهما للإنكار وقرىء بتاء الخطاب على تقدير وقل لهم {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لوكادة الإنكار {طَوْعًا وَكَرْهًا} أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يُلجىء إلى اللإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت، أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكَفَرة فإنهم لا يقدِرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي مَنْ فيهما والجمعُ باعتبار المعنى، وقرىء بتاء الخطاب، والجملةُ إما معطوفةٌ على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفةٌ سيقت للتهديد والوعيد {قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} أمرٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يُخبرَ عن نفسه ومَنْ معه من المؤمنين بالإيمان بما ذُكر، وجمعُ الضمير في قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} وهو القرآنُ لما أنه منزلٌ عليهم أيضاً بتوسط تبليغِه إليهم أو لأن المنسوبَ إلى واحد من الجماعة قد يُنسَب إلى الكل، أو عن نفسه فقط وهو الأنسبُ بما بعده والجمعُ لإظهار جلالةِ قدرِه عليه السلام ورفعةِ محلِّه بأمره بأن يتكلَّم عن نفسه على دَيْدَن الملوكِ، ويجوز أن يكون الأمرُ عاماً، والإفرادُ لتشريفه عليه السلام والإيذانِ بأنه عليه السلام أصلٌ في ذلك كما في قوله تعالى: {أية : يـٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء} تفسير : [الطلاق، الآية 1]، {وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} من الصحُف، والنزولُ - كما يُعدّىٰ بإلى لانتهائه إلى الرسل - يعدّىٰ بعلى لأنه من فوق، ومن رام الفرق بأن على لكون الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وإلى لكون الخطاب للمؤمنين فقد تعسف ألا يُرى إلى قوله تعالى: {أية : بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} تفسير : [البقرة، الآية 4] الخ وقوله: {أية : آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [آل عمران، الآية 72] الخ وإنما قدم المُنْزلُ على الرسول صلى الله عليه وسلم على ما أنزِل على سائر الرسل عليهم السلام مع تقدّمه عليه نزولاً لأنه المعروفُ له والعيار عليه. والأسباطُ جمع سِبْط وهو الحافد والمرادُ بهم حفَدَةُ يعقوبَ عليه السلام وأبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفدةُ إبراهيمَ عليه السلام {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} من التوراة والإنجيلِ وسائرِ المعجزاتِ الظاهرةِ بأيديهما كما يُنبىء عنه إيثارُ الإيتاءِ على الإنزال الخاصِّ بالكتاب، وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلامَ مع اليهود والنصارى {وَٱلنَّبِيُّونَ} عطفٌ على موسى وعيسى عليهما السلام أي وما أوتي النبـيون من المذكورين وغيرِهم {مّن رَّبّهِمُ} من الكتب والمعجزات {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} كدأبِ اليهودِ والنصارى آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، بل نؤمن بصِحةِ نبوةِ كلَ منهم وبحقّية ما أُنزل إليهم في زمانهم، وعدمُ التعرّضِ لنفي التفريق بـين الكتبِ لاستلزام المذكورِ إياه وقد مرّ تفصيلُه في تفسير قولِه تعالى: {أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } تفسير : [البقرة، الآية 285] وهمزة أحدٍ إما أصلية فهو اسمٌ موضوعٌ لمن يصلُح أن يخاطَبَ يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بـين عليه كما في مثل المالُ بـين الناس، وإما مُبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد، وعمومُه لوقوعه في حيز النفي، وصِحةُ دخولِ {بَيْنَ} عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بـين أحدٍ منهم وغيرِه كما في قول النابغة: [الطويل] شعر : فما كان بـين الخيرِ إذ جاء سالماً أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ تفسير : أي بـين الخير وبـيني {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه: فَمَنْ حاد عن سُنَّتِه، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خَبُثَتْ درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم، وسقوطهم عن تعلُّق العناية بهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فمن تولى} اى اعرض عما ذكر {بعد ذلك} الميثاق والتوكيد بالاقرار والشهادة {فاولئك هم الفاسقون} المتمردون الخارجون عن الطاعة من الكفرة فان الفاسق من كل طائفة من كان متجاوزا عن الحد. قال فى التيسير والتولى لا يقع من الانبياء ولا يوصفون بالفسق لكن له وجهان. احدهما ان الميثاق كان على الانبياء واممهم على التبعية والتولى من الامم خاصة. والثانى ان العصمة لا تزيل المحنة انتهى وهذا الميثاق لما كان مذكورا فى كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد عليه السلام فى النبوة فلم يبق لكفرهم سبب الا مجرد العداوة والحسد فصاروا كابليس الذى دعاه الحسد الى الكفر فاعلمهم الله تعالى انهم متى كانوا طالبين دينا غير دين الله ومعبودا سوى الله بقوله تعالى {أفغير دين الله يبغون}

الطوسي

تفسير : المعنى: التولي عن الايمان بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كفر - بلا خلاف - وإنما قال {فأولئك هم الفاسقون} ولم يقل الكافرون، لأن تقدير الكلام فأولئك هم الفاسقون في كفرهم أي المتمردون فيه بخروجهم إلى الأفحش منه، وذلك أن أصل الفسق الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه، فلذلك قيل للخارج عن أمر الله إلى أفحش منازل الكفر، فاسق. الاعراب: وموضع {هم} من الاعراب يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون رفعاً بأنه مبتدأ ثان والفاسقون خبره. والجملة خبر أولئك. والآخر - أنه لا موضع له، لأنه فصل جاء ليؤذن أن الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة ويسمي الكوفيون ذلك عماداً. وقوله: {فمن تولى} وإن كان شرطاً وجزاء في المستقبل فان الماضي يدخل فيه من وجهين: أحدهما - أن يكون تقديره فمن يصح أنه تولى، كما قال: {أية : إن كان قميصه قد من قبل فصدقت}تفسير : أي إن يصح أن {قميصه قد من قبل فصدقت} والآخر مساواة الماضي للمستقبل، فيدخل في دلالته. وإنما جاز جواب الجزاء بالفاء ولم يجز بـ (ثم)، لأن الثاني يجب بوجوب الأول بلا فصل، فلذلك جاء بالفاء دون (ثم)، لأنها للتراخي بين الشيئين، وذلك نحو قولك إن تأتني، فلك درهم، فوجوب الدرهم بالاتيان عقيبه بلا فصل. وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ولم يجز في قام زيد غداً، لأن حرف الجزاء، لما كان يعمل في الفعل قوي على نقله من الماضي إلى الاستقبال، وليس كذلك (غد) وما أشبهه مما يدل على الاستقبال، لأنه نظير الفعل في الدلالة من غير عمل يوجب القوة، فلذلك جرى على المناقضة.

الجنابذي

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} الميثاق عن نبيّه وشريعته ووصيّته فى حقّ محمّد (ص) ووصيّه او فمن تولّى منكم ايّها الحاضرون عن الايمان بمحمّد (ص) بعد ذلك الميثاق او بعد ما ذكر من ميثاق الانبياء على الايمان بمحمّد (ص) وهو عطف على فاشهدوا ليكون محكيّاً بالقول، او عطف على قال ليكون ابتداء كلام مع الموجودين، او هو جزاء شرطٍ محذوفٍ اى اذا علمتم ذلك فمن تولّى بعد ذلك {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن عهد الله وميثاقه.

اطفيش

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّى}: أعرض عن الإيمان والنصر. {بَعْدَ ذلِكَ}: الميثاق، أو بعد المذكور من الميثاق، والتوكيد بالإقرار وشهادة الأنبياء أو الملائكة وشهادتى. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: الكاملون فى الخروج عن الإيمان، والطاعة، حديث : واختلفت اليهود والنصارى فقالت اليهود: نحن الذين على دين إبراهيم، وقالت النصارى: نحن الذين على دينه، قال صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين ليس على دينه"، فقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله عز وجل: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} .

اطفيش

تفسير : {فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ} بعد ما ذكر من الإقراروالميثاق والأكيد الشهادة العظيمة {فأوْلَئِكَ} المتولون {هُمُ الفاسِقُونَ} الخارجون عن الإيمان، خروجا شنيعاً فظيعاً، إذ كان ارتداداً بعد إيمان، وبعد العهد والتوكيد بالإقرار والإشهاد.

الالوسي

تفسير : {فَمَنْ تَوَلَّىٰ } أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته ـ قاله علي كرم الله وجهه ـ {بَعْدَ ذَٰلِكَ } أي الميثاق والإقرار والتوكيد بالشهادة {فَأُوْلَـئِكَ } إشارة إلى (من) مراعى معناه كما روعي من قبل لفظها {هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه، والمشهور عدم دخول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم هذه الشرطية، أو ما هي في حكمها لأنهم أجل قدراً من أن يتصور في حقهم ثبوت المقدم ليتصفوا، وحاشاهم بما تضمنه التالي بل هذا الحكم بالنسبة إلى أتباعهم، وجوز أن يراد العموم والآية من قبيل: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }تفسير : [الزمر: 56].

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (82) - فَمَنْ تَخَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ هَذا العَهْدِ وَالمِيثَاقِ، وَاتَّخَذَ الدِّينَ وَسِيلَةً لِلتَّفْرِيقِ وَالعُدْوانِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيِّ المُتَأخِّرِ المُصَدِّقِ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ، وَلَمْ يَنْصُرْهُ، فَأولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ الجَاحِدُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. فَأهْلُ الكِتَابِ الذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، هُمْ خَارِجُونَ عَنْ مِيثَاقِ اللهِ، نَاقِضُونَ لِعَهْدِهِ، وَلَيْسُوا عَلَى الدِّينِ الحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى "تولى" هي مقابل "أقبل". و "أقبل" تعني أنه جاء بوجهه عليك. و "تولى" أعرض كما نقول نحن في تعبيراتنا الشائعة: "أعطاني ظهره". ومعنى هذا أنه لم يأبه لي، ولم يقبل علي. إذن فالمراد مِنْ أَخْذ العهدِ أن يُقْبَل الناسُ على ذلك الدين، فالذي يُعرض ويعطي الإيمان الجديد ظهره يتوعده الله ويصفه بقوله: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82] بعد ماذا؟ إنه التولي بعد أخذ العهد والميثاق على النبيين، وشهادة الأمم بعضها على بعضها، وشهادة الله على الجميع، إذن فلا عذر لأحد. فمن أعطى ظهره للنبي الجديد، فماذا يكون وعيد الله له؟ إن الحق يصفهم بقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82] أي أن الوعيد هو أن الله يحاسبه حساب الفاسقين، والفسق - كما نعلم - هو الخروج عن منهج الطاعة. والمعاني - كما تعرف - أخذت وضعها من المحسوسات. لأن الأصل في الوعي البشري هو الشيء المحس أولاً، ثم تأتي المعنويات لتأخذ من ألفاظ المحسوسات. والفسق في أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها؛ فالبلح حين يرطب، يكون حجم كل ثمرة قد تناقص عن قشرتها. وحينما يتناقص الحجم الطبيعي عن القشرة تصبح القشرة فضفاضة عليه، وتصبح أي حركة عليه هي فرصة لانفلات الرطبة من قشرتها. ويقال: "فسقت الرطبة" أي خرجت عن قشرتها. وأَخَذَ الدينُ هذا التعبير وجعله وصفاً لمن يخرج عن منهج الله، فكأن منهج الله يحيط بالإنسان في كل تصرفاته، فإذا ما خرج الإنسان عن منهج الله، كان مثل الرطبة التي خرجت عن قشرتها. ونحن أمام فسق من نوع أكبر، فهناك فسق صغير، وهناك فسق كبير. وهنا نسأل أيكون الفسق هنا مجرد خروج عن منهج طاعة الرسول؟ لكن هذا الخروج يوصف به كل عاصٍ، أي أن صاحبه مؤمن بمنهج وفسق جزئياً، إننا نقول عن كل عاصٍ: "إنه فسق" أي أنه مؤمن بمنهج وخرج عن جزئية من هذا المنهج، أما الفسق الذي يتحدث عنه الحق هنا فهو فسق القمة؛ لأنه فسق عن ركب الإيمان كله، فإذا كان الله قد أخذ العهد، وشهد الأنبياء على أممهم، وشهدت الأمم بعضها على بعض، وشهد الله على الجميع، أبعد ذلك تكون هناك فرصة لأن يتولى الإنسان ويعرض؟ ثم لماذا يتولى ويعرض؟ إنه يفعل ذلك لأنه يريد منهجاً غير هذا المنهج الذي أنزله الله، فلو كان قد اقتنع بمنهج الله لأقبل على هذا المنهج، أما الذي لم يقتنع فإنه يعرض عن المنهج ويطلب منهجاً غيره فأي منهج تريد يا من لا ترضى هذه الشهادة ولا هذا التوثيق؟ خصوصاً وأنت تعلم أنه لا يوجد منهج صحيح إلا هذا المنهج، فليس هناك إله آخر يرسل مناهج أخرى. وهكذا نعرف أنه لا يأتي منهج غير منهج الله، إلا منهج من البشر لبعضهم بعضاً، ولنا أن نقول لمن يتبع منهجاً غير منهج الله: من الذي جعل إنساناً أولى بأن يتبعه إنسان؟ إن التابع لابد أن يبحث عمن يتبعه، ولابد أن يكون الذي يتبعه أعلى منه، لكن أن يتبع إنساناً آخر في منهج من عنده، فهذا لا يليق، وهو فسق عن منهج الله؛ لأن المساوي لا يتبع مساوياً له أبداً، ومن فضل الله سبحانه أنه جعل المنهج من عنده للناس جميعاً حتى لا يتبع إنسان إنساناً آخر. لماذا؟ حتى لا يكون هوى إنسان مسيطراً على مقدرات إنسان آخر، والحق سبحانه لا هوى له. إن كل إنسان يجب أن يكون هواه تابعاً لله الذي خلق كل البشر. وما دام ليس هناك إله آخر فما المنهج الذي يرتضيه الإنسان لنفسه؟ إن المنهج الذي يرتضيه الإنسان لنفسه لو لم يتبع منهج الله هو منهج من وضع البشر، والمنهج الذي يضعه البشر ينبع دائماً من الهوى، وما دامت الأهواء قد وجدت، فكل مشرِّع من البشر له هوى، وهذا يؤدي إلى فساد الكون. قال تعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [المؤمنون: 71]. فإذا كانوا لا يرتضون منهج الله، فأي فسق هم فيه؟ إنه فسق عظيم؛ لأن الله قد أخذ عليهم العهد وعلى أنبيائهم ووثق هذا العهد، أفغير الله يبغون؟ نعم، إنهم يبغون غير الله ومن هو ذلك الغير؟ هو إله آخر؟ لا، فليس مع الله إله آخر، بل هم قد جعلوا الخلق مقابل الخالق، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً ...}.