٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين الله، فلهذا قال بعده {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم {يَبْغُونَ } و {يَرْجِعُونَ } بالياء المنقطة من تحتها، لوجهين أحدهما: رداً لهذا إلى قوله {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [آل عمران: 82] والثاني: أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } وقرأ أبو عمرو {تبغون} بالتاء خطاباً لليهود وغيرهم من الكافر و {لاَ يَرْجِعُونَ } بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب، لأن ما قبله خطاب كقوله {أية : ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ } تفسير : [آل عمران: 81] وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد: أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السمٰوات والأرض، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله {أية : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } تفسير : [آل عمران: 101]. المسألة الثانية: الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه، وموضع الهمزة هو لفظة {يَبْغُونَ } تقديره: أيبغون غير دين الله؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو {غَيْر دِينِ ٱللَّهِ } على فعله، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما: التقدير: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين الله يبغون. واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل: أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون؟. المسألة الثالثة: روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام،تفسير : فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين ديناً غير دين الله، ومعبوداً سوى الله سبحانه، ثم بيّن أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الإسلام، هو الاستسلام والانقياد والخضوع. إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السمٰوات والأرض لله وجوه الأول: وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله {وَلَهُ أَسْلَمَ } يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السمٰوات والأرض لا لغيره، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلاً أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الرعد: 15] وقوله {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44]. الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده، وإما أن ينزلوا عليه طوعاً أو كرهاً، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين، وينقادون له كرهاً فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك، وأما الكافرون فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرهاً لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين، وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرهاً، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره الثالث: أسلم المسلمون طوعاً، والكافرون عند موتهم كرهاً لقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] الرابع: أن كل الخلق منقادون لإلٰهيته طوعاً بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهاً الخامس: أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] السادس: قال الحسن: الطوع لأهل السمٰوات خاصة، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره، وأقول: إنه سبحانه ذكر في تخليق السمٰوات والأرض هذا وهو قوله {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] وفيه أسرار عجيبة. أما قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: الطوع الانقياد، يقال: طاعه يطوعه طوعاً إذا انقاد له وخضع، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه، قال ابن السكيت: يقال طاع له وأطاع، فانتصب طوعاً وكرهاً على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتقديره طائعاً وكارهاً، كقولك أتاني راكضاً، ولا يجوز أن يقال: أتاني كلاماً أي متكلماً، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} قال الكَلْبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه ٱختصموا مع النصارى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: أيُّنا أحق بدِين إبراهيم؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كِلاَ الفريقين بريءٌ من دِينه»تفسير : . فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بِدينك؛ فنزل {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} يعني يطلبون. ونصبت «غير» بيبغون، أي يبغون غير دين الله. وقرأ أبو عمرو وحده «يبغون» بالياء على الخبر «وإليه ترجعون» بالتاء على المخاطبة. قال: لأن الأوّل خاصُّ والثاني عامُّ ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص وغيره «يبغون، ويرجعون» بالياء فيهما؛ لقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله {أية : لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 81]. والله أعلم. قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ} أي ٱستسلم وٱنقاد وخضع وذلّ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة: أسلم المؤمن طوعاً والكافر عند موته كرهاً ولا ينفعه ذلك؛ لقوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. قال مجاهد: إسلام الكافر كرهاً بسجودِهِ لِغير الله وسجود ظِلّه لله، {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ }تفسير : [النحل: 48]. {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. وقيل: المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم؛ فمنهم الحَسَن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون ٱضطراراً، فالصحيح منقاد طائع محبّ لذلك، والمريض منقاد خاضع وإن كان كارهاً. والطوع الانقياد والاتباع بسهولة. والكره ما كان بمشقة وإباء من النفس. و {طَوْعاً وَكَرْهاً} مصدران في موضع الحال، أي طائعين ومكرهين. وروى أنس بن مالك قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال: «حديث : الملائكة أطاعوه في السماء والأنصارُ وعبدُ القَيْس في الأرض»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : لا تَسُبُّوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف»تفسير : . وقال عِكْرمة: «طوعا» مَن أسلم من غير مُحاجّة «وكرهاً» مَن ٱضطرته الحجة إلى التوحيد. يدلّ عليه قوله عز وجل: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [العنكبوت: 61]. قال الحسن: هو عموم معناه الخصوص. وعنه: {أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} وتمّ الكلام. ثم قال: {وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}. قال: والكاره المنافق لا ينفعه عمله. و «طوعاً وكرهاً» مصدران في موضع الحال. عن مجاهد عن ٱبن عباس قال: إذا ٱستصعبتْ دابّةُ أحدكم أو كانت شَمُوساً فليقرأ فى أذنها هذه الآية: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} إلى آخر الآية.
البيضاوي
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} عطف على الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإِنكار، أو محذوف تقديره أتتولون فغير دين الله تبغون، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإِنكار والفعل بلفظ الغيبة عند أبي عمرو وعاصم في رواية حفص ويعقوب، وبالتاء عند الباقين على تقدير وقل له. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا} أي طائعين بالنظر واتباع الحجة، وكارهين بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإِسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق، والإِشراف على الموت. أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخرين كالكفرة فإنهم لا يقدرون أن يمتنعوا عما قضى عليهم {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} وقرىء بالياء على أن الضمير لمن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على من أراد ديناً سوى دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً، كما قال تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} تفسير : [الرعد: 15] الآية، وقال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل: 48 ـ 50] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهاً، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع، وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد ابن حفص النفيلي، حدثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}: «حديث : أما من في السموات، فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإسلام، وأما كرهاً، فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون»تفسير : . وقد ورد في الصحيح: «حديث : عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» تفسير : وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأول للآية أقوى، وقد قال وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن منصور، عن مجاهد {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} قال: هو كقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} تفسير : [لقمان: 25] وقال أيضاً: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} قال: حين أخذ الميثاق، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي: يوم المعاد، فيجازي كلاً بعمله. ثم قال تعالى: {قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} يعني: القرآن، {وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} أي: من الصحف والوحي، {وَٱلأَسْبَاطِ} وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل ـ وهو يعقوب ـ الاثني عشر، {وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} يعني بذلك: التوراة والإنجيل، {وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} وهذا يعم جميع الأنبياء جملة {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} يعني: بل نؤمن بجميعهم {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله. ثم قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} الآية، أي: من سلك طريقاً سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه {وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب، أنا الصلاة؛ فيقول: إنك على خير؛ وتجيء الصدقة فتقول: يا رب، أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا رب، أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي، قال الله في كتابه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}» تفسير : . تفرد به أحمد، قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } بالياء أي المتواون والتاء {وَلَهُ أَسْلَمَ}انقاد {مَن فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ طَوْعًا } بلا إباء {وَكَرْهًا } بالسيف ومعاينة ما يلجىء إليه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالتاء والياء، والهمزة[في أول الآية] للإنكار.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَفَغَيْرَ } عطف على مقدّر، أي: أتتولون، فتبغون غير دين الله، وتقديم المفعول؛ لأنه المقصود بالإنكار. وقرأ أبو عمرو وحده {يبغون} بالتحتية، و «ترجعون» بالفوقية، قال: لأن الأوّل خاص، والثاني عام، ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص بالتحتية في الموضعين. وقرأ الباقون بالفوقية فيهما، وانتصب {طوعاً وكرهاً} على الحال، أي: طائعين ومكرهين. والطوع: الانقياد، والاتباع بسهولة، والكره: ما فيه مشقة، وهو من أسلم مخافة القتل، وإسلامه استسلام منه. قوله: {آمنا} إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن نفسه، وعن أمته {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } كما فرّقت اليهود، والنصارى، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وقد تقدّم تفسير هذه الآية {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون مخلصون. قوله: {دِينًا } مفعول للفعل، أي: يبتغ ديناً حال كونه غير الإسلام، ويجوز أن ينتصب غير الإسلام على أنه مفعول الفعل، وديناً إما تمييز، أو حال إذا أوّل بالمشتق، أو بدل من غير. قوله: {وَهُوَ فِى ٱلأخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } إما في محل نصب على الحال، أو جملة مستأنفة، أي: من الواقعين في الخسران يوم القيامة. وقد أخرج الطبراني بسند ضعيف، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} قال: "حديث : أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإسلام، وأما كرها، فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل، والأغلال يقادون إلى الجنة، وهم كارهون"تفسير : . وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية «حديث : الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار، وعبد القيس أطاعوه في الأرض»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال في الآية: {أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} حين أخذ عليهم الميثاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ } قال: المعرفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: أما المؤمن، فأسلم طائعاً، فنفعه ذلك، وقبل منه، وأما الكافر، فأسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه ذلك، ولم يقبل منه {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }تفسير : [غافر: 85]. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ساء خلقه من الرقيق، والدوابّ، والصبيان، فاقرءوا في أذنه {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يبغون}»تفسير : . وأخرج ابن السني في عمل اليوم، والليلة، عن يونس بن عبيد قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقرأ في أذنها {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يبغون} الآية إلا ذلت بإذن الله عزّ وجلّ. وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة، فتقول: يا ربّ أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول: يا ربّ أنا الصدقة، فيقول إنك على خير، ويجيء الصيام، فيقول: أنا الصيام، فيقول إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا ربّ أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير بك اليوم آخذ، وبك أعطي، قال الله تعالى في كتابه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلأخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: { وَلَهُ أَسَلَمَ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} فيه ستة أقاويل: أحدها: أن المؤمن أسلم طوعاً والكافر أسلم عند الموت كَرْهاً، وهذا قول قتادة. والثاني: أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة، وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه سجود المؤمن طائعاً وسجود ظل الكافر كرهاً، وهو مروي عن مجاهد أيضاً. والرابع: طوعاً بالرغبة والثواب. وكرهاً بالخوف من السيف،وهو قول مطر. والخامس: أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به، وهذا قول ابن عباس. والسادس: معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة، وهو قول عامر الشعبي، والزجاج.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَهُ أَسْلَمَ} أسلم المؤمن طوعاً، والكافر عند الموت كرهاً، أو أقروا بالعبودية وإن كان فيهم المشرك فيها، أو سجود المؤمن طوعاً وسجود ظل الكافر كرهاً، أو طوعاً بالرغبة في الثواب، وكرهاً لخوف السيف، أو إسلام الكاره يوم أخرج الذر ظهر آدم، أو استسلم بالانقياد والذلة.
النسفي
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ } دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره: أيتولون فغير دين الله يبغون. وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل {يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الملائكة {وٱلأَرْضِ } الإنس والجن {طَوْعاً } بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه {وَكَرْهًا } بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون والإشفاء على الموت، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. وانتصب {طَوْعًا وَكَرْهًا } على الحال أي طائعين ومكرهين {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فيجازيكم على الأعمال «يبغون» و«يرجعون» بالياء فيهما: حفص، وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن الباغين هم المتولون والراجعون جميع الناس، وبالتاء فيهما وفتح الجيم: غيرهما. {قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير في «قل» وجمع في «آمنا» أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه. وعدي «أنزل» هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنيين، إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. وقال صاحب اللباب: الخطاب في البقرة للأمة لقوله {قُولُواْ } فلم يصح إلا «إلى» لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعاً، وهنا قال «قل» وهو خطاب للنبي عليه السلام دون أمته فكان اللائق به «علي» لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيه، وفيه نظر لقوله تعالى: {أية : وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [آل عمران: 72] {وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ } أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ } كرر في البقرة و«ما أوتي» ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال «لما آتيتكم» {مّن رَّبّهِمُ } من عند ربهم {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتنا {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ } يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه السلام {دِينًا } تمييز {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } من الذين وقعوا في الخسران ونزل في رهط أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة. {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } والواو في {وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } للحال و «قد» مضمرة أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول أي محمداً حق، أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا {وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي ما داموا مختارين الكفر، أو لا يهديهم طريق الجنة إذا ماتوا كفاراً {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ {جَزَآؤُهُمْ } مبتدأ ثانٍ خبره {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ } وهما خبر «أولئك» أو «جزاؤهم» بدل الاشتمال من «أولئك» {وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَـٰلِدِينَ } حال من الهاء والميم في «عليهم» {فِيهَا } في اللعنة {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } الكفر العظيم والارتداد {وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لكفرهم {رَّحِيمٌ } بهم. ونزل في اليهود {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بعيسى والإنجيل {بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } بموسى والتوراة {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، أو كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. وازديادهم الكفر أن قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }تفسير : [غافر: 85] {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ ٱلأَرْضِ } الفاء في «فلن يقبل» يؤذن بأن الكلام بني على الشرط والجزاء، وأن بسبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب {ذَهَبًا } تمييز {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال عليه السلام «حديث : يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك»تفسير : قيل: الواو لتأكيد النفي {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } معينين دافعين للعذاب. {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثروها. وعن الحسن: كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية. قال الواسطي: الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين، وقال أبو بكر الوراق: لن تناولوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم. والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له: لم لا تتصدق بثمنها؟ قال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي هو عليكم بكل شيء تنفقونه فيجـازيكم بحسبه. و«من» الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله «حتى تنفقوا بعض ما تحبون» والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه. ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام «حديث : كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله»تفسير : فقالت اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل تكذيباً لهم. {كُلُّ ٱلطَّعَامِ } أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم {كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } أي حلالاً وهو مصدر. يقال حل الشيء حلاً ولذا استوى في صفة المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ }تفسير : [الممتحنة: 10] {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ } أي يعقوب {عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه. والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ماحرم عليهم تحريم حادث سبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه، فلم يجرؤوا على إخراج التوراة وبهتوا. وفيه دليل بيّن على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بزعمه أن ذلك كان محرماً في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } من بعدما لزمهم من الحجة القاطعة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ } في إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } وهي ملة الإسلام التي عليها محمد عليه السلام ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه {حَنِيفاً } حال من إبراهيم أي مائلاً من الأديان الباطلة {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }. ولما قالت اليهود للمسلمين: قبلتنا قبل قبلتكم نزل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } والواضع هو الله عز وجل. ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة وفي الحديث"حديث : إن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة"تفسير : قيل: أول من بناه إبراهيم. وقيل: هو أول بيت حج بعد الطوفان. وقيل: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض. وقيل: هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض. وقوله «وضع للناس» في موضع جر صفة لـ «بيت» والخبر {لَلَّذِى بِبَكَّةَ } أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان فيه. وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد. وقيل: اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها، أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله. {مُبَارَكاً } كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات {وَهُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ } لأنه قبلتهم ومتعبدهم، و«مباركاً وهدى» حالان من الضمير في وضع {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } علامات واضحات لا تلتبس على أحد {مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } عطف بيان لقوله «آيات بينات». وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد، أو لاشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } عطف بيان لـ «آيات» ــ وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية ــ من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله، والاثنان في معنى الجمع. ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحو انمحاق الأحجار مع كثرة الرماة، وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك، ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام «حديث : حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة»تفسير : فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا، والثالث مطوي وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين. وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام: إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السلام {أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } تفسير : [إبراهيم: 35] وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ومن لزمه القتل في الحل بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: آمنا من النار لقوله عليه السلام من « حديث : من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار»تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة" تفسير : وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعنه عليه السلام "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام" تفسير : {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } أي استقر له عليهم فرض الحج «حج البيت»: كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر. وقيل: هما لغتان في مصدر حج {منْ } في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل {ٱسْتَطَـاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } فسرها النبي عليه السلام بالزاد والراحلة. والضمير في «إليه» للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيل إليه. ولما نزل قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت». جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال:"حديث : إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا" تفسير : فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل {وَمَن كَفَرَ} أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء، ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج {فإنّ اللّه غنيٌّ عن العالمين} مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم. وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد: منها اللام و «على» أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس، ومنها الإبدال ففيه تثنية للمراد وتكرير له، ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله «ومن كفر» مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج، ومنها ذكر الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط، ومنها قوله «عن العالمين» وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه.
ابن عادل
تفسير : الجمهور يجعلون الهمزة مقدَّمةً على الفاء، للزومها الصدر، والزمخشري يقرها على حالها، ويُقدِّر محذوفاً قبلها، وهنا جوَّز وجهين: أحدهما: أن تكون الفاء عاطفةً جملة على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. والثاني: أن تعطف على محذوف، تقديره أيتولون، فغير دين الله يبغون؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث، وهو استفهام استنكار، وقدم المفعول - الذي هو "غير" - على فعله؛ لأنه أهم من حيث أن الإنكار - الذي هو معنى الهمزة - مُتَوَجِّه إلى المعبود الباطل، هذا كلام الزمخشريِّ. قال أبو حيان: "ولا تحقيق فيه؛ لأن الإنكار - الذي هو معنى الهمزة - لا يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء، الذي متعلقه غير دين الله، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع، ولشبه "يبغون" بالفاصلة، فأخَّرَ الفعلُ". وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم "يَبْغُونَ" من تحت - نسقاً على قوله: {أية : هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 82] والباقون بتاء الخطاب، التفاتاً لقوله: {أية : لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 81] ولقوله: {أية : ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ} تفسير : [آل عمران: 81]. وأيضاً فلا يبعد أن يُقال للمسلم والكافر، ولكل أحد: أفغير دين الله تبغون مع علمكم أنه أسلم له مَنْ في السموات والأرض وأن مَرْجعكم إليه؟ ونظيره قوله: {أية : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} تفسير : [آل عمران: 101]. قال ابن الخطيب: ذكر المفسّرون في سبب النزولِ أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادَّعَى كلّ واحدٍ من الفريقين أنه على دين إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم حديث : كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ إبْرَاهِيمَ، فَغَضِبُوا وقالوا: والله لا نَرْضَى بقضائِك، ولا نأخذ بِدِينِكَتفسير : ، فنزل قوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ}. قال ابن الخطيب: ويبعد عندي حَمْلُ هذه الآيةِ على هذا السبب؛ لأن على هذا التقدير - الآية منقطعة عما قبلها، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلُّقَها بما قبلها، وإنما الوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كُتُبِهِم، وهم كانوا عارفين بذلك، وعالمين بصِدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، فلم يبق كفرهم إلا مجردَ عنادٍ وحَسَدٍ وعداوةٍ، فصاروا كإبليس حين دعاه الحسدُ إلى الكُفر، فأعلمهم - تعالى - أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين ديناً غير دين اللهِ - تعالى - ثم بيَّن لهم أن التمرُّدَ على الله، والإعراضَ عن حكمه مما لا يليق بالعقل، فقال: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. قوله: "وله أسلم من في السموات" جملةٌ حاليةٌ، أي: كيف يبغون غير دينه، والحال هذه، وفي قوله: "طوعاً وكرهاً" وجهان: أحدهما: أنهما مصدران في موضع الحال، والتقدير: طائعين وكارهين. الثاني: أنهما مصدران على غير المصدر، قال ابو البقاء: "لأن "أسْلَمَ" بمعنى انقاد، وأطاع" وتابعه أبو حيان على هذا. وفيه نظرٌ؛ من حيث إن هذا ماشٍ في "طَوْعاً" لموافقته معنى الفعل قبله، وأما "كَرْهاً"، كيف يقال فيه ذلك؟ والقول بأنه يُغتفر في التوالي ما لا يُغْتَفَر في الأوائل، غير نافع هنا. ويقال يطاع يطوع، وأطاع يُطيع بمعنى، قاله ابن السِّكيتِ، وقول: طاعه يطوعه: انقاد له، وأطاعه، أي: رضي لأمره، وطاوعه، أي: وافقه. قرأ الأعمش: "وَكُرْهاً" - بالضم - وسيأتي أنها قراءة الأخوين في سورة النساء. قال الحسنُ: أسلم من في السموات طوعاً، وأسلم من في الأرض بعضهم طَوْعاً، وبعضهم خوفاً من السيف والسَّبْي. وقال مجاهد: "طوعاً" المؤمن، و "كرْهاً" ظل الكافر، بدليل قوله: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. وقيل هذا يوم الميثاق، حين قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] فقال بعضهم طوعاً، وبعضهم كرهاً. قال قتادة: المؤمن أسلم طوعاً فنفعه، والكافر أسلم كرهاً في وقت اليأس، فلم ينفعه، قال تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85]. قال الشعبي: وهو استعاذتهم به عند اضطرارهم، كقوله: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. قال الكلبيُّ: "طَوْعاً" الذي وُلِد في الإسلام "وَكَرْهاً" الذين أجْبِروا على الإسلام. قال ابن الخطيب: كل أحد منقاد - طوعاً أو كرهاً - فالمسلمون منقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدّينِ، ومنقادون له فيما يخالف طِباعَهم من الفقر والمرض والموت وأشباهه. وأما الكافرون، فهم منقادون لله كرهاً على كل حال؛ لأنهم لا ينقادون لله فيما يتعلق بالدِّين، وفي غير ذلك مستسلمون له - سبحانه - كرهاً، لا يمكنهم دفع قضائه وقدره. وقيل: كل الخلق منقادون للإلهية طوعاً، بدليل قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهاً. قوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} يجوز أن تكون هذه الجملةُ مستأنفةً، فلا محل لها، وإنما سيقت للإخبار بذلك؛ لتضمنها معنى التهديد العظيم، والوعيد الشديد. ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ} فتكون حالاً - أيضاً - ويكون المعنى: أنه نَعَى عليهم ابتغاء غير دين من أسلم له جميع من في السموات والأرض - طائعين ومكرهين - ومن مرجعهم إليه. قرأ حفص - عن عاصم - "يُرْجَعُونَ" بياء الغيبة - ويحتمل ذلك وجوهاً: أحدها: أن يعود الضمير على {مَنْ أَسْلَمَ}. الثاني: أن يعود على من عاد عليه الضمير في "يَبْغُونَ" في قراءة من قرأ بالغيبة، ولا التفات في هذين. والثالث: أن يعود على من عاد عليه الضمير في "تَبْغُونَ" - في قراءة الخطاب - فيكون التفاتاً حينئذ. وقرأ الباقون - "تبغون" - بالخطاب - وهو واضح، ومن قرأه بالغيبة كان التفاتاً منه. ويجوز أن يكون التفاتاً من قوله: {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون "تفسير : . وأخرج الديلمي عن أنس قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: حين أخذ الميثاق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال: عبادتهم لي أجمعين {طوعاً وكرهاً} وهو قوله {أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً}تفسير : [الرعد: 15]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس {وله أسلم من في السماوات} قال: هذه مفصولة {ومن في الأرض طوعاً وكرهاً}. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {وله أسلم} قال: المعرفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو كقوله {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25] فذلك إسلامهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: كل آدمي أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده. فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص لله العبودية فهو الذي أسلم طوعاً. وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: أكره أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين. وأخرج عن مطر الوراق في الآية قال: الملائكة طوعاً، والأنصار طوعاً، وبنو سليم وعبد القيس طوعاً، والناس كلهم كرهاً . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه ذلك، ولم يقبل منهم {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}تفسير : [غافر: 85]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: في السماء الملائكة طوعاً، وفي الأرض الأنصار وعبد القيس طوعاً. وأخرج عن الشعبي {وله أسلم من في السماوات} قال: استقادتهم له. وأخرج عن أبي سنان {وله أسلم من في السماوات والأرض} قال: المعرفة. ليس أحد تسأله إلا عرفه. وأخرج عن عكرمة في قوله {وكرهاً} قال: من أسلم من مشركي العرب والسبايا: ومن دخل في الإسلام كرهاً. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في أذنه {أفغير دين الله يبغون} ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن يونس بن عبيد قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها {أفغير دين الله يبغون وله أسلم} الآية. إلا ذلت له بإذن الله عز وجل.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} [الآية: 83]. قال الواسطى: من تمسك بغير الوجدانية بل بغير الواجِد فَهو يعبد من عين الحقيقة. قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}. قال الحسين: أخذهم عن شهودِ شواهدهم بخصائص الإطلاع عليهم، فمن طالع الذات أسلم طوعًا وكرهًا، ومن طالع الهيبة أسلم كرهًا.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}. مَنْ لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه في توهم الأهلية كَرَاءٍ السراب ظَنَّه ماءً فلمَّا أتاه وجده هباءً. ومغاليط الحسبانات مُقَطِّعِةٌ مُشِكلَةٌ فَمَنْ حَلَّ بها نَزَلَ بوادٍ قَفْرٍ. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم.
البقلي
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} اى ان اصل جميع المراد فى طاعتى فمن اين يطلبون صفاء العيش وفى اكناف قربى لذائذ انس العارفين وفى الطاف وصلى حلاوة مشاهدة القدس للموحدين وفى اطراف سبل عنايتى نجاح الكرامات للصديقين ومن تمسك بحبال أمال نفسه فهو عن عين عبوديتى منحرف ومن زاغ عن عبادتى فهو عن مشاهدة وحدانيتى وفرادنيتى منعزل ومن عزل عن مشاهدة العبودية ورية الربوبية فهو من جملة المبطلين المستدعين الذين تصرفون فى غيابات حب الهوى ويهيمون فى اودية العنا والجفا ومن طالع غير حقائق الالوهية والازلية فقد وقع فى سراب الضلال ويتردد فى اغلوطات الشياطين فاذا انزل نزل فى قعر العناد واذا سار سار فى مغاليط النفس وحباء غبار البلاء وقال الواسطى تمسك بغير الوحدانية بل لغيروا الواحد فهو بعيد من عين الحقيقة {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اذا ظهر نفسه عن كبريائه فى مرأة الكون بنعت الجبروت انقاد له جميع الانام فهو اوجب لانه يقتضى ظهور سلطان الوحدانية وقوع الهيبة والاجلال فى وجوه الخلائق بالأنفعال {طَوْعاً وَكَرْهاً} السلم له العارفون ببذل الارواح طوعا لما عينوه بحسن جمالهم القدم واسلم الجاهلون له ببذل النفوس كرها لما راوا من عظم قهره فى اظهار سلطنته وقهاريته وايضا سخر بعضهم بشكف جماله فاسلموا من مشقهم على مشاهدته طوعا وعجز بعضهم برويته عظمته فى لباس فعله وصنعه فاسلموا من هيبته عند انكشاف نور كبريائه عن الافاق كرها فاكرم قوما باسبال انوار التجلى على اسرارهم حتى يكونوا فى جريان قضائه وقدره بالطوع منقادين وازل قوما بارسال هيبة القهر على هم فيكونون عند بروز سطوة جباربته بالكره منذ للين وقال الحسين احدهم عن شهود مثواهم بخصائص الاطلاع عليهم فمن طالع الذات اسلم طوعا ومن طالع الهيبة اسلم كرها قوله {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} اىصدقنا به بعد ان رايناه بعيون الاسرار وحقائق الانوار كما قال على بن ابى طالب رضى الله عنه لم اعبد ربا لم اراه وايضا أمنا بالله الا بتوفيقه أمنا بالله لا يجهدنا وسعينا {وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} الاية ان من شرط المحبة قبول ما جاء به سبيل الحبيب من عند الحبيب ولا فرق عنده بين المبشرين والمنذرين اذا كان المحب صادقا فى حبه وافهم ان من غلب عليه محبة الله تعالى عائن بابصار سرهم عالم الملكوت يرى غيب الحق من الجنة والنار والملائكة والانبياء والاولياء والعرض الكرسى واللوح والقلم وانوار الحضرة فاذا انكشف هذه المغيبات له فكيف لا يؤمن به بعد رؤيتها اذا اخبر الله اسرارها بلسان انبيائه واوليائه عليه والدليل على ذلك قول النبى صلى الله عليه وسمل بحارثة فقال يا حارثة لكل حق حقيقة فما حقيقة ايمانك فقال عرفت نفسى عن الدنيا فاسهرت ليلى واظمات نهارى وكان انظر عرض بى بارزا وكانى انظر الى اهل الجنة فى الجنة يتزاورون واهل النار فى لانار يتعاودون فقال عليه السلام عرفت فالزم وقال ابن عطا فى قوله قل أمنا بالله صدقنا واقمنا على طريق الصدق معه لانه الذى كتب علينا الايمان وخصنا فى علمه قبل ان اوجدنا فنحن مؤمنون به بسابق فضله.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفغير دين الله يبغون} عطف على مقدر أى أيتولون فيبغون غير دين الله ويطلبونه {وله اسلم} اى اخلص وانقاد {من فى السموات والارض} اى اهلها {طوعا} وهم الموحدون {وكرها} اى باباء وهم الجاهدون بما فيهم من آثار الصنع ودلائل الحدوث وتصريفهم كيف يشاء الى صحة ومرض وغنى وفقر وسرور وحزن وسائر الاحوال فلا يمكنهم دفع قضائه وقدره {واليه يرجعون} اى من فيهما والمراد ان من خالفه فى العاجل فسيكون مرجعه اليه الى حيث لا يملك الضر والنفع سواه وهذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق. فعلى العاقل ان يطيع ربه ولا يعصيه بنقص ما عهد اليه يوم الميثاق. فعهد الله مع الانبياء والاولياء والمؤمنين التوحيد واقامة الدين وعدم التفرق فيه وتصديق بعضهم بعضا ودعوة الخلق الى الطاعة وتخصيص العبادة بالله فالله تعالى لا يطلب من العبد الا الصدق فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية. قال الشيخ الشاذلى قدس سره متى رزقك الله الطاعة والفناء به عنها فقد اسبغ عليك نعمه ظاهرة اذ أراح ظاهرك من مخالفة امره. وباطنه اذ رزقك الاستسلام لقهره وهذا هو مطلب الحق منك قيل لابراهيم ابن ادهم قدس سره لو جلست لنا فى المسجد حتى نسمع منك شيأ فقال انى مشغول عنكم باربعة اشياء فلو تفرغت منها لجلست معكم قيل من هى يا ابا اسحق قال. اولها انى تذكرت حين اخذ الله الميثاق على آدم فقال هؤلاء الى الجنة ولا ابالى وهؤلاء الى النار ولا ابالى فلم ادر من أى الفريقين كنت. الثانى انى تفكرت ان الولد اذا قضى الله سبحانه بخلقه فى بطن امه ونفخ فيه الروح فيقول الملك الموكل به يارب أشقى او سعيد فلم ادر كيف خرج جوابى فى ذلك الوقت. الثالث حين ينزل ملك الموت فاذا اراد ان يقبض الروح فيقول يا رب أقبضها مع الاسلام او مع الكفر فلا ادرى كيف يخرج جوابى فى ذلك الوقت. الرابع تفكرت فى قوله {أية : وامتازوا اليوم أيها المجرمون}تفسير : [يس: 59]. فلا ادرى من أى الفرين اكون ففى هذا شغل شغلنى عن الجلوس لكم والحديث معكم. ففى هذا الاشارة الى ان العبد مع كونه مستسلما لقضاء الله لا بد وان يراعى وظيفة التكليف اذ الخير او الشر مقضى فى حقه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له " .تفسير : فليجاهد العاقل فى تزكية نفسه اولا ثم الوصية الى عباد الله ولا يكلف المرء الا بقدر وسعه والناس فى المراتب مختلفون فطوبى لمن وصل الى اعلى المطالب شعر : بقذر حوصله خويش دانه جنيد مرغ بصعوه نتوان داد طمعه شهباز تفسير : وقيل للشيخ الصفى قدس سره اذا قطع الطالب المنازل فهل يبقى بعد ذلك مرتبة لم يصل اليها بعد قال بلى يبقى علم انه هل كان مقبولاً للرب تعالى اولا. وفى القشيرى ما حاصله ان الولى فى الحال يجوز ان يتغير حاله فى المآل ويجوز ان يكون من جملة كرامات الولى ان يعلم انه مأمون العاقبة عصمنا الله واياكم بحسن الخاتمة شعر : همه عالم همى كويند هر آن كه يارب عاقبت محمود كردان
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أفغير}: مفعول مقدم، و {يبغون}: معطوف على محذوف، أي: أتتولون فتبغون غير دين الله، وقدم المعمول؛ لأنه المقصود بالإنكار، و {طوعاً وكرهاً}: حالان، أي: طائعين أو كارهين. يقول الحقّ جلّ جلاله: للنصارى واليهود، لمَّا اختصموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وادعوا أن كل واحد على دين إبراهيم، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام:"حديث : كِلاكما بَرِيءٌ مِنْ دِينه، وأنا على دِينه، فخذوا به"تفسير : ، فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بحكمك ولا نأخذ بدينك، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله - منكراً عليهم -: أفتبغون غير دين الله الذي ارتضاه لخليله وحبيبه، وقد انقاد له تعالى {من في السماوات والأرض} طائعين ومكرهين، فأهل السموات انقادوا طائعين، وأهل الأرض منهم من انقاد طوعاً بالنظر واتباع الحجة أو بغيرها، ومنهم من انقاد كرهاً أو بمعاينة ما يُلجئ إلى الإسلام؛ كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت، أو: "طوعاً" كالملائكة والمؤمنين، فإنهم انقادوا لما يراد منهم طوعاً، {وكرهاً} كالكفار فانقادوا لما يراد منهم كرهاً، وكلٍّ إليه راجعون، لا يخرج عن دائرة حكمه، أو راجعون إليه بالبعث والنشور. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الدين الحقيقي هو الانقياد إلى الله في الظاهر والباطن، أما الانقياد إلى الله في الظاهر فيكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأما الانقياد إلى الله في الباطن فيكون بالرضى بحكمه والاستسلام لقهره. فكل من قصَّر في الانقياد في الظاهر، أو تسخط من الأحكام الجلالية في الباطن، فقد خرج عن كمال الدين، فيقال له: أفغير دين الله تبغون وقد انقاد له {من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً}، فإما أن تنقاد طوعاً أو ترجع إليه كرها. وفي بعض الآثار يقول الله تبارك وتعالى:"حديث : منْ لم يَرْضَ بقضائي ولم يَصْبِرْ على بَلائِي، فليخرجْ من تحت سَمَائي، وليتخذْ ربّاً سِوَاي ". تفسير : وسبب تبرّم القلب عن نزول الأحكام القهرية مرضُه وضعف نور يقينه، فكل من استنكف عن صحبة الطبيب، فله من هذا العتاب حظ ونصيب، فالأولياء حجة الله على العلماء، والعلماء حجة الله على العوام، فمن لم يستقم ظاهره عُوتب على تفريطه في صحبة العلماء، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك صُحبة الأولياء، أعني العارفين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة، والاعراب: قرأ أهل البصرة، وحفص يبغون بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ يعقوب وحفص وإليه يرجعون بالياء. وكسر يعقوب الجيم، وفتح الياء. فمن قرأ بالياء أراد الاخبار عن اليهود وغيرهم من المشركين والتاء لجميع المكلفين. ومن قرأ بالتاء فيهما، فعلى الخطاب، فيهما. قوله: {أفغير دين الله} عطف جملة على جملة مثلها لو قيل أو غير دين الله يبغون إلا أن الفاء رتبت. كأنه قيل أبعد تلك الآيات غير دين الله تبغون أي تطلبون. المعنى: وقوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} قيل في معناه ستة أقوال: أولها - قال ابن عباس: أسلم من في السماوات والارض بالحالة الناطقة عنه الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليهم. الثاني - قول أبي العالية، ومجاهد: ان معناه {أسلم} أي بالاقرار بالعبودية وإن كان فيهم من أشرك في العبادة، كقوله: {أية : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}تفسير : وقوله: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : ومعناه ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الاقرار بالربوبية ليتنبهوا على ما فيه من الدلالة. الثالث - قال الحسن: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: أكره أقوام على الاسلام وجاء أقوام طائعين. الرابع - قال قتادة: أسلم المؤمن طوعاً، والكافر كرهاً عند موته، كما قال: {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}تفسير : واختاره البلخي. ومعناه التخويف لهم من التأخر عما هذه سبيله. الخامس - قال عامر، والشعبي والزجاج، والجبائي أن معناه: استسلم بالانقياد والذلة، كما قال تعالى: {أية : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}تفسير : أي استسلمنا، ومعناه الاحتجاج به. وسادسها - قال الفراء والأزهري إنما قال {طوعاً وكرهاً} لأن فيهم من أسلم ابتداء رغبة في الاسلام، وفيهم من أسلم بعد أن قوتل وحورب، فسمي ذلك كرهاً مجازاً وإن كان الاسلام وقع عنده طوعاً. وقوله: {طوعاً وكرهاً} نصب على أنه مصدر، وقع موقع الحال، وتقديره طائعاً أو كارهاً، كما تقول أتاني ركضاً أي راكضاً. ولا يجوز أن تقول أتاني كلاماً أي متكلماً، لأن الكلام ليس بضرب من الاتيان والركض ضرب منه. قوله: {إليه ترجعون} معنا تردون إليه للجزاء فاياكم ومخالفة الاسلام فيجازيكم بالعقاب. قال الله تعالى: {أية : ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.تفسير : النزول: وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في الحارث بن سويد بن الصامت. وكان ارتد بعد قتله المحذر بن ديار البلوي غدراً في الاسلام، وهرب وحديثه مشروح ثم ندم، فكاتب قومه سلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل لي توبة، فنزلت الآيات إلى قوله: {إلا الذين تابوا}، فرجع فأسلم.
الجنابذي
تفسير : {أَ} لا يؤمنون بمحمّد (ص) بعد ما تذكّروا انّ الله اخذ ميثاق جميع الانبياء على الايمان به واخذ الانبياء ميثاق اممهم عليه وبعد ما علموا انّ دين الله هو الايمان بمحمّد (ص) {فَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَ} الحال انّه {لَهُ} اى لله او لمحمّدٍ (ص) {أَسْلَمَ} انقاد {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فى عالم الذّرّ او بحسب التّكوين او له اسلم بحسب التّكليف من فى السّماوات تماماً ومن فى الارض صفوتهم وخلاصتهم الّذين هم المقصودون العاقلون، وامّا غيرهم فسواقط معدودون فى عداد البهائم، اوله اسلم من فى الارض تماماً حين ظهور الدّولة الحقّة بظهور القائم عجّل الله فرجه، اوله أسلم من فى الارض فى الدّنيا قبل الموت، او حين الموت والتّعبير بالماضى لتحقّق وقوعه {طَوْعاً وَكَرْهاً} الاسلام طوعاً وكرهاً فرقاً من السّيف بحسب التّكليف ظاهر، وامّا بحسب التّكوين فانقياد اجسام المواليد واتّحادها مع طبائعها ونفوسها ليس الا قسراً وكرهاً والكره فى عالم الذّرّ يكون بحسبه، عن الصّادق (ع) انّ اسلامهم هو توحيدهم الله عزّ وجلّ وهو اشارة الى اسلامهم التّكوينىّ او اقرارهم فى عالم الذّرّ وفى خبر آخر عنه (ع) انّ معناه أكرم اقوام على الاسلام وجاء اقوام طائعين قال كرهاً اى فرقاً من السّيف وهو اشارة الى الاسلام التّكليفىّ وعنه (ع) انّها نزلت فى القائم وفى رواية تلاها فقال: اذا قام القائم لا يبقى ارض الاّ نودى فيها شهادة ان لا اله الاّ الله، وانّ محمّداً رسول الله {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} يعنى انّ اسلامهم عبارة عن اقرارهم بأنّه تعالى خالقهم ومبدئهم ورجوع الكلّ يكون اليه فلا ينبغى ان يبغوا غير دين من يكون مبدئهم ومعادهم.
اطفيش
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ}؟: بالاستفهام التوبيخى والإنكارى والفاء عاطفة على محذوف، والهمزة من المحذوف، أى أتتلون فتبغون غير دين الله، وليس تقدير القول ممنوعاً ولا واجباً، أى قل لهم: أتتولون فتبغون، أو عاطفة على قوله: {أية : أولئك هم الفاسقون}تفسير : ولو تخالفا غيبة وخطاباً، وسمية وفعلية، وخبراً وإنشاء، ليفيد أن المخاطبين هم تفسير أولئك الموصوفين بكمال الفسق، وأنهم يبغون ذلك فى الحالة الثابتة، والهمزة حينئذ متوجهة إلى يبغون، وقرأ عاصم فى رواية حفص وأبى عمرو ويعقوب: يبغون بالتحتية، والإعراب على حد ما مر، وإذا قدر العطف فيه على محذوف قدر بالتحتية أيضاً، أى أيتولون فيبغون، وقدم غير، وهو مفعول لتبغون، لأنه المقصود بالإنكار، والمعنى على كل حال كيف ترغبون عن دين الله عز وجل، وهو دين إبراهيم، وهو ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وغير دين الله هو دين اليهود والنصارى، وسائر ملل الشرك. {وَلَهُ أَسْلَمَ}: إنقاد وقدم له للحصر. {مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}: انقاد من فى السماوات من الملائكة، فآمنوا به طوعاً، وكذا من فى الأرض من المؤمنين السعداء، انقادوا فآمنوا به طوعاً يوم خرجوا، كالذر البيض، وانقاد الكفار له فأسلموا كرهاً، يوم خرجوا كالذر الأسود، ويجوز أن يكون المعنى أسا من فى السماوات من الملائكة وانقادوا للإيجاد، وكذا كل من فى الأرض من السعداء والأشقياء، وكذا سائر الخلق إنقادوا للإيجاد طوعاً، وإنقاذ الملائكة والمؤمنون السعداء أيضاً طوعاً لما يحل بهم من المصائب. والتكليف وانقاد الأشقياء لما يصيبهم كرهاً، ويجوز أن يكون المعنى انقاد المؤمنون والملائكة، وأجسام الكفار للإيمان طوعاً، وانقادت قلوب الكفار لما يصيبهم كرهاً، بمعنى أنه لا طاقة لها على دفع ما قضى عليها، ويجوز أن يكون المعنى انقاد المؤمنون والملائكة للإيمان ففعلوا وأحبوا وقوعه طوعاً، وانقاد له الكفار كرهاً فوقع الإيمان، وانتشر فى الناس، وهم كارهون ولا طاقة لهم على دفعه، وقال الحسن: أسلم من فى السماوات طوعاً، ومن فى الأرض بعضهم طوعاً، وبعضهم كرهاً خوفاً من السيف والسبى، قال لا يجعل الله من دخل فى الإسلام طوعاً، كمن دخله كرهاً، وقال قتادة: أسلم المؤمنون والملائكة طوعاً قبل الموت، وأسلم الكافر كرها عند معاينة الموت، فلم ينفعه إسلامه، ويلحق بمعاينة الموت ما يلجأ إلى الإيمان مثل نتق الجبل، وإدراك الغرق وقال مجاهد وأبو العالية: أسلم الملائكة والمؤمنون طوعاً، وإقرار كل كافر بالصانع إسلام كرهاً، وقيل: أسلم المؤمن طوعاً وانقاد ظل الكافر كرها، وهو قريب من الجواز الثانى والثالث، وظهر لك أن الإسلام فى الآية انقياد لما يقدره الله أو للعمل الصالح، أو إيمان والطوع يشترك فيه من فى السماوات وبعض أهل الأرض فى أمر الدين، وكلهم فى غيره من وجه والكره يختص بأهل الأرض من وجه آخر، والنصب على المفعولية المطلقة، أى إسلام طوع وكره، أو الحالية، أى طائعين وكارهين، أو ذوى طوع وكره، والجملة مستأنفة عندهم، وحال عندى داخلة فى الجواب مع قوله {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ}، وكذا ما عطف على هذه الجملة وهو قوله: {وَإِلَيْهِ}: لا إلى غيره. {يُرْجَعُونَ}: للجزاء، أى كيف تبغون غير دين الله، والحال أن إسلام من فى السماوات والأرض ورجوهم مختصان به، وقرأ أبو عمرو وعاصم فى رواية حفص ويعقوب: يرجعون بالتحتية، وظاهر القاضى أن التحتية خارجة عن السبع، بل العشر ولكن الواو فى قراءة التحتية عائد إلى من، أو إلى من عاد إليه واو يبغون، وصاحب الحال واو يبغون، وأجاز بعضهم أن تكون جملة وإليه ترجعون، مستأنفة، وعن يونس بن عبيد بن دينار البصرى الشافعى: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول فى أذنها {أفغير دِيِنِ اللهِ تَبْغُونَ ولَهُ أسْلَم مَنُ فِى الْسَّمَاواتِ الأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وإليه يُرْجَعُون} إلا وقفت بإذن الله تعالى. رواه ابن السنى وروى أيضاً عن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فلينادى يا عباد الله أحبسوا فإن الله عز وجل حاصر يحبسها"تفسير : . قال النووى: حكى لى بعض شيوخنا أنه فلتت له دابة، أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقالهُ، فحبسها الله عليه فى الحال، وكنت أنا مرة مع جماعة فانفلتت منا بهيمة فعجزوا عنها، فقلتهُ فوقفت فى الحال بغير سبب سوى هذا الكلام، ذكره الثعالبى، وكذا نفرت للشيخ أبى عبد الله محمد بن بكر وهو بالبادية بغلة، فتوجهت إلى أريغ فأعجزتهم، فقال: قولوا يا إخواننا ردوا على الشيخ الضعيف الأعمى بغلته، ففعلوا فرجعت البغلة دون راد.
اطفيش
تفسير : {أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} أتجهلون فتبغون غير دين الله، أو أتهملون أنفسكم عن التأمل فتبغون غير دين الله، أو أتولون فتبغون الخ، أو الهمزة مما بعد الفاء قدمت عَلَى العاطف لكمال صدريتها، ورجح لسلامته من حذف الجملة، ولأنه قد لا يوجد تقدير، كقوله تعالى: {أفمن هو قائم عَلَى كل نفس}، وقدر بعضهم أن لا مدبر للموجودات فمن هو قائم، والمعنى، أينتفى المدبر فلا أحد قائم، ولا يمكن ذلك، والأولى إن أمكن التقدير وصح المعنى بلا تكلف قدر وإلا فلا، وإن لم تقدر فالعطف عَلَى أولئك هم الفاسقون عطف فعلية إنشائية عَلَى اسمية إخبارية، لأنه أفاد نكتة قولك، هم فى الحال يبغون، فكأنها اسمية، والإنكار فى معنى الإخبار فإنها خبرية،كأنه قيل، لا ينبغى لهم أن يبغوا غير دين الله، أو لا نشترط الجامع بين الإخبار والإنشاء إذا كان العطف بغير الواو لإفادته وجها، بخلاف الواو فلمطلق الجمع، وقدم غير الفاصلة وللاهتمام، ولأنه المقصود بالإنكار لا للحصر، لأن المنكر اتخاذ غير دين الله دينا ولو مع دين الله، ومن عبد الله مع غيره فليس عابدا لله، ومن هذا يكون للحصر وجه لطيف، لأن دين الله لا يجامع مع دين غيره، فإِذا بغو غير الله ودينه فإنهم لم يبغوا إلا غير دينه {ولَهُ أَسْلَمَ} والحال إنه أسلم له لا لغيره أى انقاد {مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعَا} إسلام طوع كسبا، أو طبعا كالملائكة، والمولود، وطبعت الملائكة فى عبادتهم طبع من لا يعصى {وكَرْهاً} بسيق أو إِلجاء بمشاهدة نزول عذاب، أو ملك الموت، ونتق الجبل إِسلام طوع من بعض، وإسلام كره من بعض، أو طائعين وكارهين كذلك، أو ذوى طوع وكره كذلك، أو طوع نفس راضية، وكره نفس أسلمت بعد منافرة {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} للجزاء، حديث : ادعى أهل الكتابين، اليهود والنصارى متخاصمين عنده صلى الله عليه وسلم، أنهم على دين إبراهيم، كل يدعيه لنفسه، وينفى عنه غيره، فقال صلى الله عليه وسلم، كلكم برىء من دينه فغضبوا، وقالوا: والله ما نرضى بقضائكتفسير : ، ونزل تكذيبا لهم بأنه لا فريق منهم على دينه، قوله عز وجل، أفغير دين الله إلى قوله، وإليه يرجعون، ويقبل إسلام من أسلم، لنتق الجبل أو السيق إن أقام عليه.
الالوسي
تفسير : {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } ذكر الواحدي عن ابن عباس أنه قال حديث : اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله/ صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم عليه السلام كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولانأخذ بدينك تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، والجملة في النظم معطوفة على مجموع الشرط والجزاء، وقيل: على الجزاء فقط، وعطف الإنشاء على الإخبار مغتفر هنا عند المانعين، والهمزة على التقديرين متوسطة بين المعطوف والمعطوف عليه للإنكار، وقيل: إنها معطوفة على محذوف تقديره ـ أيتولون فغير دين الله يبغون ـ قال ابن هشام: والأول: مذهب سيبويه والجمهور، وجزم به الزمخشري في مواضع، وجوز الثاني في بعض ـ ويضعفه ما فيه من التكلف ـ وأنه غير مطرد، أما الأول: فلدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه على قولهم: أقل لفظاً مع أن في هذا التجوز تنبيهاً على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدر، وأما الثاني: فلأنه غير ممكن في نحو {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }تفسير : [الرعد: 33] انتهى. وتعقبه الشمس بن الصائغ بأنه أي مانع من تقدير ألا مدبر للموجودات ـ فمن هو قائم على كل نفس ـ على الاستفهام التقريري المقصود به تقرير ثبوت الصانع، والمعنى ـ أينتفى المدبر فلا أحد قائم على كل نفس ـ لا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو ـ وهو أولى من تقدير البدر ابن الدماميني ـ أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه، وجعله الهمزة للإنكار التوبيخي، وعلى العلات يوشك أن يكون التفصيل في هذه المسألة أولى بأن يقال: إن انساق ذلك المقدر للذهن قيل: بالتقدير، وإلا قيل: بما قاله الجماعة، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار لا للحصر كما توهم لأن المنكر اتخاذ غير الله رباً ولو معه، ودعوى أنه إشارة إلى أن دين غير الله لا يجامع دينه في الطلب، فالتقديم للتخصيص، والإنكار متوجه إليه أي أيخصون غير دين الله بالطلب ـ تكلف، وقول أبـي حيان: إن تعليل التقديم بما تقدم لا تحقيق فيه لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات، وإنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ}، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع، ولشبه {يَبْغُونَ } بالفاصلة لا تحقيق فيه عند ذوي التحقيق لأنا لم ندع توجه الإنكار إلى الذوات كما لا يخفى. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية لحفص ويعقوب ـ يبغون ـ بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية على معنى ـ أتتولون ـ ـ أو ـ أتفسقون، وتكفرون فغير دين الله تبغون ـ وذهب بعضهم إلى أنه التفات فعنده لا تقدير، وعلى تقدير التقدير يجيء قصد الإنكار فيما أشير إليه ولا ينافيه لأنه منسحب عليه. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَْرْضِ } جملة حالية مؤكدة للإنكار ـ أي كيف يبغون ويطلبون غير دينه، والحالة هذه ـ {طَوْعًا وَكَرْهًا } مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين، وجوز أبو البقاء أن يكونا مصدرين على غير المصدر لأنه أسلم بمعنى انقاد وأطاع قيل: وفيه نظر لأنه ظاهر في {طَوْعاً } لموافقة معناه ما قبله لا في {كَرْهاً } والقول بأن يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد يدفع بأن الكره فيه انقياد أيضاً، والطوع مصدر طاع يطوع، كالإطاعة مصدر أطاع يطيع ولم يفرقوا بينهما، وقيل: طاعه يطوعه انقاد له، وأطاعه يطيعه بمعنى مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وفي معنى الآية أقوال: الأول: أن المراد من الإسلام بالطوع الإسلام الناشيء عن العلم مطلقاً سواء كان حاصلاً للاستدلال كما في الكثير منا، أو بدون استدلال وإعمال فكر ـ كما في الملائكة ـ ومن الإسلام بالكره ما كان حاصلاً بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإسلام، الثاني: أن المراد انقادوا له تعالى مختارين لأمره ـ كالملائكة والمؤمنين ـ ومسخرين لإرادته ـ كالكفرة ـ فإنهم مسخرون لإرادة كفرهم/ إذ لا يقع ما لا يريده تعالى، وهذا لا ينافي على ما قيل: الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فيكون قولاً بمذهب الجبرية، ولا يستدعي عدم توجه تعذيبهم على الكفر ولا عدم الفرق بين المؤمن والكافر بناءاًعلى أن الجميع لا يفعلون إلا ما أراده الله تعالى بهم كما وهم، الثالث: ما أشار إليه بعض ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الإسلام طوعاً هو الانقياد والامتثال لما أمر الله تعالى من غير معارضة ظلمة نفسانية وحيلولة حجب الأنانية، والإسلام كرهاً هو الانقياد مع توسط المعارضات والوساوس وحيلولة الحجب والتعلق بالوسائط، والأول: مثل إسلام الملائكة وبعض من في الأرض من المصطفين الأخيار، والثاني: مثل إسلام الكثير ممن تقلبه الشكوك جنباً إلى جنب حتى غدا يقول:شعر : لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم تفسير : والكفار من القسم الثاني عند أهل الله تعالى لأنهم أثبتوا صانعاً أيضاً إلا أن ظلمة أنفسهم حالت بينهم وبين الوقوف على الحق {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } تفسير : [يوسف: 106] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضَ.... لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [العنكبوت: 61] وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وأخرج ابن جرير، وغيره عن أبـي العالية أنه قال: كل آدمي أقرّ على نفسه بأن الله تعالى ربـي وأنا عبده فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص لله تعالى العبودية فهو الذي أسلم طوعاً، وقرأ الأعمش ـ كرهاً ـ بالضم. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أي إلى جزائه تصيرون على المشهور فبادروا إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام، وجوزوا في الجملة أن تكون مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد، وأن تكون معطوفة على {وَلَهُ أَسْلَمَ } فهي حالية أيضاً، وقرأ عاصم بياء الغيبة، والضمير ـ لمن ـ أو لمن عاد إليه ضمير {يَبْغُونَ } فإن قرىء بالخطاب فهو التفات، وقرأ الباقون بالخطاب، والضمير عائد لمن عاد إليه ضمير {يَبْغُونَ } فعلى الغيبة فيه التفات أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء. والاستفهام للتوبيخ والتحذير. وقرأه الجمهور {تبغون} بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جارٍ على طريقة الخطاب في قوله آنفاً: {أية : ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة}تفسير : [آل عمران: 80] وقرأه أبو عَمرو، وحفص، ويعقوب: بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، إعراضاً عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب. وكله تفريع ذكر أحوال خلَف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به. والاستفهام حينئذ للتعجيب. ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله. ومعنى {تبغون} وتطلبون يقال بَغى الأمرَ يبغيه بُغَاء - بضم الباء وبالمد، ويقصر - والبُغية بضم الباء وكسرها وهاء في آخره قيل مصدر، وقيل اسم، ويقال ابتغى بمعنى بغى، وهو موضوع للطلب ويتعدّى إلى مفعول واحد. وقياس مصدره البغي، لكنه لم يسمع البغي إلاّ في معنى الاعتداء والجور، وذَلك فعلُه قاصر، ولعلهم أرادوا التفرقة بين الطلب وبين الاعتداء، فأماتوا المصدر القياسي لبَغَى بمعنى طلب وخصّوه ببغى بمعنى اعتدى وظلم: قال تعالى: {أية : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق}تفسير : [الشورى: 42] ويقال تَبَغّى بمعنى ابتغى. وجملة {وله أسلَم}» حال من اسم الجلالة وتقدم تفسير معنى الإسلام لله عند قوله تعالى: {أية : فقل أسلمتُ وجهي للَّه}تفسير : [آل عمران: 20]. ومعنى {طوعاً وكرهاً} أنّ من العقلاء من أسلم عن اختيار لظهور الحق له، ومنهم من أسلم بالجبلّة والفطرة كالملائكة، أو الإسلام كرهاً هو الإسلام بعد الامتناع أي أكرهته الأدلة والآيات أو هو إسلام الكافرين عند الموت ورؤية سوء العاقبة، أو هو الإكراه على الإسلام قبل نزول آية لاَ إكراه في الدين. والكرهُ - بفتح الكاف - هو الإكراه، والكُره - بضم الكاف - المكروه. ومعنى {وإليه ترجعون} أنه يرجعكم إليه ففعل رجع المتعدّي أسند إلى المجهول. لظهور فاعله، أي يرجعكم الله بعد الموت، وعند القيامة، ومناسبة ذكر هذا، عقب التوبيخ والتحذير، أنّ الربّ الذي لا مفر من حكمه لا يجوز للعاقل أن يعدل عن ديننٍ أمره به، وحقه أن يسلم إليه نفسه مختاراً قبل أن يسلمها اضطراراً. وقد دل قوله: {وإليه ترجعون} على المراد من قوله: {وكرهاً}. وقرأ الجمهور: وإليه تُرجعون - بتاء الخطاب -، وقرأه حفص بياء الغيبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (83) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنِ ابْتَغَى دِيناً غَيْرَ دِينِ اللهِ الذِي أنْزَلَهُ فِي كُتُبِهِ، وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وَهُوَ دِينُ الإِسلامِ، الذِي يَدْعُو إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، الذِي اسْتَسْلَمَ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، طَوْعاً كَمَا يَفْعَلُ المُؤْمِنُونَ، وَكَرْهاً كَمَا اسْتَسْلَمَ الكَافِرُونَ، فَإِنَّهُمْ جَمِيعا تَحْتَ سُلْطَانِ اللهِ العَظِيمِ الذِي لاَ يُعَارَضُ وَلاَ يُرَدُّ، وَإليهِ يُرْجَعُونَ جَمِيعاً يَوْمَ الحَشْرِ وَالمَعَادِ، فَيُجَازِي كُلاًّ بعَمَلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنهم ما داموا غير مؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله نبياً ورسولاً فإن ذلك يكشف رغبتهم في أنهم يريدون منهجاً غير منهج الله، وليس أمامهم إذن إلا مناهج البشر النابعة من الأهواء، والتي تقود حتماً إلى الضلال، إن الحق سبحانه وتعالى يريد لخلقه أن يكونوا منطقيين مع أنفسهم، إنه الحق سبحانه وتعالى قد أوضح لنا في منهجه، وقال لنا هذا المنهج: أنتم مستخلفون في الكون، وأنتم أيها الخلفاء في الأرض سادة هذا الكون، سادة يخدمكم الكون كله، وانظروا إلى أجناس الوجود تجدوها في خدمتكم، الحيوان أقل منكم بالفكر. والنبات أقل من الحيوان بالحس. والجماد أقل من النبات. إذن فأجناس الكون من حيوان ونبات وجماد ترضخ لإرادتك أيها الإنسان، فالنبات يخدم الحيوان والحيوان يخدمك أيها الإنسان، والجماد يخدم الجميع، والعناصر التي نأخذها نحن البشر من الجماد يستفيد منها أيضاً النبات والحيوان. إذن فكل جنس في الوجود تراه بعينيك إنما يخدم الأجناس التي تعلوه. الجماد يخدم النبات. والجماد والنبات يخدمان الحيوان. والجماد والنبات والحيوان في خدمة الإنسان وأنت أيها الإنسان تخدم من؟ كان من واجب عقلك عليك أيها الإنسان أن تفكر فيمن ترتبط به ارتباطاً يناسب سيادتك على الأجناس الأخرى، كان لا بد أن تبحث عمن أعطاك السيادة على الأجناس الأخرى. هل أنت أيها الإنسان قد سخرت هذه الأجناس بقدرتك وقوتك؟ لا؛ فلست تملك قدرة ذاتية تتيح لك ذلك؟ أما كان يجب عليك أن تفكر ما هي القوة التي سخرت لك ما لا تقدر عليه، فخدمتك حين لا توجد لك قدرة، وخدمتك وأنت نائم تغط في نوم عميق؟ أما كان يجب أن تفكر هذا الفكر؟ إنك أيها الإنسان يجب أن تكون منطقياً مع نفسك، وأن تبحث لك عن سيد يناسب سيادتك على غيرك. والكون لا يوجد فيه سيد عليك؛ لأن الكون محس، فإن جاءك من يحدثك بأن غيباً هو الإله يطلب أن تكون في خدمته فيجب أن تقول: "إن هذا كلام منطقي بالنسبة لوضعي في الكون" وبعد ذلك انظر إلى الكون، فأنت في الكون لست وحدك بل هناك أجناس أخرى، وكل جنس من الأجناس له قانونه وله مهمته، للحيوان مهمة، وللنبات مهمة، وللجماد مهمة. فهل وجدت جنساً من الأجناس تمرد على مهمته؟ لا. إن الحصان مثلاً، تستخدمه كمطية عليها وسادة من حرير وجلد ولها لجام من فضة لتركبه، وتجد هذه المطية في يوم آخر تحمل سماد الأرض من روث الحيوان وما تأبت، لقد أدت الخدمة لك راكباً، وأدت الخدمة لك ناقلاً، وما تمردت عليك أبداً. كل الأجناس - إذن - تؤدي مهمتها كما ينبغي، فاستقام الأمر فيها، وما دام الأمر قد استقام فيها، فبأي شيء استقام؟ إن الله هو الذي خلقها ذللها، قال لها: "كوني في خدمة الإنسان مؤمنا كان أو كافراً" وفي هذا الأمر عدالة الربوبية، فلا تتأخر أو تشذ عن حركتها في خدمة الإنسان. أرأى أحدكم الشمس مرة قالت: لم يعد الخلق يعجبونني، ولن أشرق عليهم وسأحتجب اليوم؟! أتمرد الهواء وقال: لا، إن الخلق لم تعد تستحق تنفس الهواء، لذلك لن أمكنهم من الانتفاع بي. أرأينا المطر امتنع؟ هل استنبت الإنسان أرضاً صالحة للزراعة واستعصت عليه؟ لا .. فكل شيء في الوجود يؤدي مهمته تسخيراً وتذليلاً. لذلك يقول الحق: {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 72-73]. والحق سبحانه وتعالى يطلق بعضاً من الحيوان فلا يذلل، ولا يستأنس، وذلك حتى تعلم أيها الإنسان أنك لم تستأنس الجمل بقدرتك فإن كانت لك قدرة مطلقة على الكون فاستأنس بعض ثعابين هذا العالم أو استأنس الأسد. وأنت أيها الإنسان ترى في هذا الكون بعضاً من الحيوانات والمخلوقات شاردة مثل الثعابين والحيوانات المتوحشة. بغير استئناس ليدلنا الحق على أن هذا الذي يخدمك لو لم يذللـه الله لك لما استطعت أنت بقدرتك أن تذللـه، إنه تذليل وتسخير وخضوع لهذه المخلوقات منحه الله تعالى لك أيها الإنسان تفضلاً منه - سبحانه - مع عجزك وضعفك. ولم نجد شيئاً نافعاً قد عصى الإنسان في الكون، لأن كل الخلق مسخر من الله لخدمة الإنسان كافراً كان أو مؤمناً، وهذا هو عطاء الربوبية، لأن عطاء الربوبية يشمل الخلق جميعاً، فالخالق الأكرم هو رب الناس كلهم ويتولى تربيتهم جميعاً، ولذلك تستجيب الأجناس من غير الإنسان للإنسان سواء أكان مؤمناً أم كافراً. فإن أحسن الكافر استخدام الأسباب فإن الأسباب تعطيه ولا تعطي المؤمن الذي لا يستخدم الأسباب، أو لا يُحسن استخدامها فهذا هو عطاء الربوبية، والربوبية للجميع. أما عطاء الألوهية فهو "افعل ولا تفعل" وهو عطاء للمؤمنين فقط. فإذا كانت هذه هي صورة الكون وهو يؤدي مهمته بلا شذوذ فيه، ومنسجم في ذاته انسجاماً عجيباً فلنا أن نسأل "من أين جاء الخلل في الكون؟ "إن الخلل قد جاء منك أيها الإنسان. ولهذا فنحن لا نجد فساداً في الكون إلا وللإنسان مدخل فيه، أما مالا مدخل للإنسان فيه فلا فساد فيه أبداً. أرأيت أحداً قد اشتكى من أن الهواء قصر؟ لا. لماذا لأن أحداً لا دخل له بمسألة الهواء هذه أبداً، صحيح أننا نتدخل في الهواء بتلويثه بالعادم والفضلات، وصحيح أيضاً أن الحق يُكرم الخلق باكتشافات قد تصلح من هذا الفساد إذن، فحين يتدخل الإنسان فإن الشيء قد يفسد. لكن هل معنى ذلك ألا نتدخل؟ هل نقف من الكون مكتوفي الأيدي؟ لا، بل يجب أن نتدخل في الكون، ولكن بمنهج الله. إنك إن تدخلت في الكون بمنهج الله، فكل شيء يسير كما يسير الكون الذي لا منهج له إلا الخضوع والتسخير، فكما أدت الشمس مهمتها والجماد مهمته، والحيوان مهمته، وأنت أيها الإنسان مطلوب منك أن تؤدي مهمتك، وهي أن تطيع الله، تلك الطاعة التي تتلخص مطلوباته منك في: "افعل كذا ولا تفعل كذا" فإن انتظمت مع المنهج بـ "افعل" و "لا تفعل" تكن قد انسجمت مع الكون. إن الله سبحانه يذيّل هذه القضية ويختمها باستفهام تنقطع وتنفطر له قلوب المؤمنين: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]. إن كل شيء في السماوات وفي الأرض قد أسلم لله طوعاً أو كرهاً. وإذا ما تساءلنا، وما معنى "طوعاً؟" فالإجابة هي طاعة التسخير، كما قالت السماوات والأرض في النص القرآني الحكيم: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. فكل ما لا تكليف له جاء طائعاً مسخراً، وما معنى: "كرهاً"؟ إن بعضاً من العلماء قد قال: إن "طوعاً" تشمل أجناس الملائكة، والجماد، والنبات، والحيوان، فكل منهم يؤدي مهمته بخضوع ولا يعترض أحد منهم ولا يملك أحدهم قدرة على العصيان، وأما عن "كرهاً" فقد فهم بعض العلماء أنهم الناس الذين يخدمون الناس بالقوة كالعبيد مثلاً، ولهؤلاء نقول: لا يصح ولا يستقيم أن نعطي خصوم الإسلام فرصة ليقولوا إن الإسلام قد أكره أحداً من البشر أن يخدم أحداً كرها؛ لأن الحق سبحانه قال: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 256]. فما دام الله لم يكره أحداً على الإيمان به فكيف يكره إنساناً ليخدم إنساناً آخر؟! ولهذا فإننا يجب أن نفهم كرهاً على وضعها الحقيقي، والحق سبحانه أبلغنا أن هذا الكون كله مسخر له، لأنه سبحانه هو الذي خلقه ولا إله غيره وهذه مسألة مسلم بها، فالكون كله لله، وهو المدبر والقاهر له، قال الحق: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [المؤمنون: 91]. وما دام هو الواحد وهو الخالق فلن يتمرد أحد على مراده، وكان يجب أن يفهم الإنسان مهمته على أنه هو الوحيد الذي كلفه الله؛ لأن بقية الأجناس لا اختيار لها وهي غير مكلفة كما كلف الله الإنسان بـ "افعل" و"لا تفعل" إذن فالتكليف فرع الاختيار؛ فالمنهج يقول لك: "افعل كذا ولا تفعل كذا" لأن الذي وضعه يعلم أنه قد خلقك صالحاً لأن تفعل ما يأمرك به، وصالحاً لأن تفعل ما لا يأمرك به. إن اليد - مثلاً - مخلوقة لتتحرك حسب إرادة صاحبها، بدليل أن الإرادة إن شُلت وانقطع الخيط الموصل للإرادة الآمرة إلى الجارحة الفاعلية عندئذ يحاول الإنسان المصاب بذلك - والعياذ بالله - أن يرفع يده فلا يستطيع، فاليد مسخرة لإرادة الإنسان، وإرادتك أيها الإنسان عندما تسير في ضوء منهج الله فإنك توجهها في ضوء "افعل" و"لا تفعل". وعندما يقال لك مثلاً: "لا تضرب بها أحداً" فمعنى ذلك أن اليد صالحة لأن تضرب، وعندما يقال لك: "خذ بيد العاثر" فيدك قادرة على أن تأخذ بيد العاثر، فأنت مخلوق على هيئة الطواعية من جوارحك لإرادتك. ويأتي المنهج ليقول لك: "نفذ الإرادة في كذا ولا تنفذ الإرادة في كذا".. إذن فالإنسان عندما يتبع المنهج فهو يتفق مع الأشياء المسخرة تمام الاتفاق، ويؤدي كل شيء على خير أداء، لكن متى يختلف الإنسان عن الانسجام مع الأجناس الأخرى في الكون؟ إن الإنسان يختلف عن الانسجام عندما لا يطبق المنهج، فيشذ عن الركب في الكون كله، ولتقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الحج: 18]. إنها الأجناس كلها ساجدة، الشمس ساجدة، القمر ساجد، والنجوم، والجبال، كل هذه الجمادات ساجدة، وكذلك الشجر والنبات ساجد لله، والحيوان والدواب ساجدة لله، وكثير من الناس سجود، لكن في مقابل هذا الكثير الساجد من البشر، هناك كثير غير ساجد لذلك حق عليه العذاب، ولو أن الإنسان قد أخذ منهج الله فنفذه لصار كبقية الأجناس، لكن الإنسان اختلف، وقال: "أنا سوف آخذ اختيار تحمل الأمانة، لأني عالم وعاقل" كما جاء في القول الحق: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. فلو أخذ الإنسان منهج الله في "افعل" و"لا تفعل"، لانسجم الإنسان مع الوجود كله وحين ينسجم الإنسان مع الوجود كله فلن تأتي منه مخالفة أبداً كما لا تأتي مخالفة في الوجود من غير الإنسان، وعند ذلك يصبح الكون مثالياً في الانسجام. ونحن نعرف أن الطموحات العلمية حين تعمل وتُشغل العقل في أمر ما فإنها تريد الخير، ولكنها تعلم شيئاً، ويغيب عنها شيء آخر، ولو أخذوا عن الله العليم بكل شيء لصارت الدنيا إلى انسجامها. إن المخترعين الذين صمموا المحركات التي تتحرك بسائل البنزين قاموا بتسهيل الحركة على الإنسانية، ولكن العادم والمخالفات الناتجة من البنزين صنعت ضرراً بالكون، ودليل ذلك أن العلماء الآن يبحثون عن أساليب لمقاومة تلوث البيئة. وعندما كان الوقود هو الحطب لم يكن هناك تلوث للبيئة، لماذا؟ لأن كل عنصر كان يؤدي مهمته، فجزء من احتراق الحطب كان يتحول إلى كربون، وجزء آخر يتحول إلى غازاتـ، وتنصرف كل الأشياء إلى مساراتها. إن هذا يدلنا على أن الإنسان قد دخل إلى المخترعات المعاصرة بنصف علم. لقد قدّر الإنسان أنه يريد تخفيف الحركة، وينقل الأثقال ويختصر المسافات، لكنه لم ينظر إلى البيئة وتلوثها، فنشأ عادم يفسد البيئة، لكن لو كان عند الإنسان القدرة الشاملة على العلم لكان ساعة اختراع هذه المحركات قد بحث عن وضع معادلة لتعدل من فساد العادم. ولننظر إلى عظمة الحق، إنه يترك للعقل البشري أن يتقدم، ولكن العقل البشري قاصر وينسى من الأشياء ما ينتج عنه الضرر أخيراً. إن الذين اخترعوا المبيدات الحشرية كانوا يظنون أنهم قاموا بفتح جديد في الكون، وتشاء إرادة الحق أن يقوم بتحريم هذه المبيدات القوم أنفسهم الذين اخترعوها؛ لأنهم وجدوا منها الضرر، لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}تفسير : [الكهف: 103-105]. إنك أن أردت أن تكمل صنعتك فابحث عن الحسن في ضوء منهج الله، والحق سبحانه يضرب لنا المثل الواضح. إننا نعرف أن عادم صناعتنا ضار كعادم المصانع والسيارات وغيرها، لكن عادم خلق الله في الحيوان نافع، فالإنسان يأخذ روث الحيوان ويصنع منه السماد ليزيد من خصوبة الأرض، والعجيب أن فضلات الحيوان التي تعطي خصوبة للأرض لا نجد فيها شيئاً يقزز، ولا نجد لها الرائحة التي توجد في فضلات الإنسان، لماذا؟ لأن الحيوان يأكل على قدر حاجته، إن الحيوان قد يجد أمامه أصنافاً كثيرة، مثل الحشيش الجاف اليابس، وأمامه النعناع الأخضر، فلا يأكل النعناع الأخضر ويأكل الحشيش اليابس، وإذا شبع الحيوان امتنع عن الطعام، ولذلك لا يُخرج فضلات كريهة الرائحة، لكن الإنسان ينوع ويلون ويأكل فوق طاقته ويحث شهيته على الانطلاق والانفلات، إن الحيوان لا اختيار له، ومحكوم بالغريزة ويجد أمامه هذا الذي يؤكل وذلك الذي لا يؤكل فيختار بغريزته المناسب له، وإذا امتلأت البطن لا يأكل؛ لأنه محكوم بالغريزة والتسخير المطلق، لكن الإنسان يتمتع بالاختيار، فأفسد عليه هذا الاختيار وأبعده عن منهج الله وجعله بما لديه من قدرة يتجاوز الاكتفاء بحدود الشبع. وهكذا نرى بوضوح أن الكون كله أسلم لله طوعاً في المسخرات. وإياك أن تفهم أن هناك إسلاماً بالقهر والإكراه. وبعض العلماء قد فاتهم ذلك, وهم يعطون لخصوم الإسلام حجة الإسلام حجة فيقولون: "إن دينكم انتشر بإكراه السيف" ولذلك نقول لهم: لا، إن أحداً لم يسلم كرهاً أبداً؛ لأن السيف إنما رفع لشيء واحد هو حماية حرية الاختيار. إن السيف قد رُفع ليمنع الإكراه، وليمنع تسلط بعض الناس بقوتهم ليجبروا الناس على عقائدهم فقال لهم السيف: "قفوا عند حدكم، ودعوا الناس أحراراً في اختيار ما يعتقدون"، ودليل ذلك أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد فيها غير المسلمين، ولو كان الأمر فتحاً بالسيف لما وجدنا ديانات أخرى. غير الإسلام، نجدهم أيضاً يتشدقون بذلك ويزيدون "إنكم تفرضون جزية". ونقول لهم: أنتم تردون على أنفسكم، ونحن لم نفرض جزية على المؤمن ولكن الكافر تركناه على كفره، والجزية يدفعها الكافر ليدافع عنه المؤمنون لو أصاب البلاد مكروه. إذن فكيف نفهم قوله الحق بأن هناك من أسلم كرهاً؟ نحن نفهمها كالآتي: إن الإنسان هو الذي انقسمت عنده المسائل، وفيه أمور تدخل في فعله ومراداته، وفيه أمور تحدث قهراً عنه، وتحدث له بلا إرادة ولا اختيار، فالإنسان يكون مختاراً في الفعل الذي يقع منه، أما الفعل الذي يقع عليه أو فيه فلا دخل له فيه بالاختيار؛ إن أحدا منا لا يختار يوم ميلاده، أو يوم وفاته أو يوم إصابته بالمرض، والإنسان الذكي هو الذي يعرف ذلك ونقول للإنسان الذي لا يعرف أو يتجاهل ذلك: أيها الإنسان دعك من الغباء؛ إن هناك زوايا من حياتك أنت مجبر فيها على أن تكون مسلماً لله كرهاً إنك تسلم لله دون إرادتك في كثير من الأمور التي تقع عليك، ولا تستطيع لها دفعاً، فلماذا تقف في الإسلام عند زاوية الاختيار؟ إن المسخرات كلها مسلمة لله، والإنسان فيما يقع فيه أو عليه من أمور لا يستطيع دفعها. هو تسليم لله كرهاً من الإنسان، وهكذا نرى أن قيادة التسخير فيما ليس لك دخل فيه أيها الإنسان هي مسلمة لله، مثلك في ذلك مثل كل الكائنات، أفلا يجب عليك أن تسلم بكل زوايا حياتك؟ فلو كان هناك إنسان كافر بكل ما فيه من أبعاض فعلى هذا الكافر ألا يسلم بأي شيء من جوارحه؛ هل يستطيع أن يمنعها من أن تؤدي عملها؟ ولنر ما سيحدث له لابد أن يتوقف عن التنفس؛ لأن التنفس يحدث رغماً عنه، لابد أن يوقف دقات قلبه؛ لأنها تدق رغماً عنه. وما دام هناك من يستمرئ الكفر فليحاول أن يجعل كل ما فيه كافراً، ولن يستطيع؛ بل سيجد أنه يحب أموراً ولا تأتي له، ويكره أموراً وتنزل به، ولن يفلت أحد من الإسلام لله، لأن الله قد اختار لكل إنسان يوم الميلاد ويوم الموت، واختار الله لإنسان أن تجري الأحداث فوقه ولا يستطيع دفعها، ويصبح خاضعاً رغم أنفه، لذلك قال الحق: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]. إذن ولنأخذ "طوعاً" لغير الإنسان، وللمؤمن الذين نفذ تعاليم المنهج، ولنأخذ "كرهاً" في المسائل التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها وتقع عليه وهو يكرهها، ولا يستطيع دفعها، لأن الذي يجريها عليه هو الخالق الفعال لما يريد، وما دامت هناك زاوية من حياتك أيها الإنسان أنت مكره فيها فلماذا تمردت في المسألة الاختيارية؟ كان يجب أن يأخذ الكافر هذه النقطة ويقول للكفر: "لا"، ويتجه إلى الإيمان؛ لأن المؤمن يأخذ هذه النقطة ويقول: أنا أريد أن أنسجم مع الكون كله حتى لا تطغى ملكة على ملكة، ولا تطغى إرادة على إرادة أخرى، وهذه رحمة من الله بالخلق. وحين يسلم الإنسان منهجه لله فإنه يفعل ما يطلبه المنهج ولا يفعل ما يحرمه المنهج ومن يريد أن يقف في "افعل" و "لا تفعل"، ونقول له: إذا فعلت ما الذي يستفيده الله منك؟ وإذا لم تفعل ما الذي يضر الله منك؟ لا شيء، إن عليك أن تفكر جيداً فالأمر إنما يُرَدّ أو يتمرد عليه إن كان للآمر فيه مصلحة، وحيث إنه لا مصلحة للحق سبحانه وتعالى في مراداته من الخلق إلا إصلاح الخلق ذاته، إذن فمنهج الحق هو لمصلحة الإنسان، وأول ما يصاب به من يقف في منهج الله أنه يصبح ضد نفسه، ولا ينسجم مع الكون، فإن كان هناك من يريد ألا يسلم، فليجرب نفسه بألا يسلم في المقهورات التي هو مقهور عليها، وهذا أمر مستحيل. ولنقرأ الموقف القرآني بدقة، لنرى أنه الحق بعد القسم وبعد العهد وبعد الإشهاد عليه، قال لنا: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]. إن من يبغى غير دين الله ليس منطقياً مع نفسه أو مع الكون؛ لأن الكون كله لله بما فيه ومن فيه من السماوات والأرض، وكذلك الإنسان الذي ارتضى منهج الله، وأيضاً أسلم الكافر لله فيما ليس له فيه اختيار. "وأسلم" في هذا السياق القرآني الكريم تعني أنه خضع وسُخر، وقُهر على أن ينفذ، ولكن الحق سبحانه أورد عن السماء والأرض قال: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. إن المألوف أن ترضخ السماء والأرض لأمر الله، وعندما "قالتا أتينا طائعين" فقد كسبت السماء والأرض الإسلام لله، فإلى الله كل مرجع فالإنسان - مؤمنا كان أو كافراً - سيعود إلى الله حتماً. وكلمة "يرجعون" التي تأتي في تذييل الآية يمكننا أن نراها في مواقع أخرى من القرآن مرة تأتي مبنية للمجهول وننطقها "يُرجعون" بمعنى أنهم مقهورون على الرجوع إلى الله، ونجدها في مواقع أخرى في القرآن كفعل مبني للفاعل فننطقها "يَرجعون"، أي أنهم يريدون الإسراع في العودة إلى الله، وفي هذه الآية نفهم أن الذين يبغون غير دين الله لا يرغبون أن يعودوا إلى الله لذلك يتم إرجاعهم بالقهر، فسبحانه وتعالى يقول: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أيطلب الطالبون ويرغب الراغبون في غير دين الله؟ لا يحسن هذا ولا يليق، لأنه لا أحسن دينا من دين الله { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } أي: الخلق كلهم منقادون بتسخيره مستسلمون له طوعا واختيارا، وهم المؤمنون المسلمون المنقادون لعبادة ربهم، وكرها وهم سائر الخلق، حتى الكافرون مستسلمون لقضائه وقدره لا خروج لهم عنه، ولا امتناع لهم منه، وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 152 : 16 : 16 - سفين عن بن جريج وغيره عن مجاهد في قوله {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال، هي كقوله {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف: 87]. [الآية 83].
همام الصنعاني
تفسير : 423- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}: [الآية: 83]، ق ال: أما المؤمن فأسْلَمَ طوعاً، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله قال: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}،تفسير : [غافر: 85].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):