Verse. 377 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ اٰمَنَّا بِاللہِ وَمَاۗ اُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَاۗ اُنْزِلَ عَلٰۗى اِبْرٰہِيْمَ وَ اِسْمٰعِيْلَ وَاِسْحٰقَ وَيَعْقُوْبَ وَالْاَسْـبَاطِ وَمَاۗ اُوْتِيَ مُوْسٰى وَ عِيْسٰى وَالنَّبِيُّوْنَ مِنْ رَّبِّہِمْ۝۰۠ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ اَحَدٍ مِّنْھُمْ۝۰ۡوَنَحْنُ لَہٗ مُسْلِمُوْنَ۝۸۴
Qul amanna biAllahi wama onzila AAalayna wama onzila AAala ibraheema waismaAAeela waishaqa wayaAAqooba waalasbati wama ootiya moosa waAAeesa waalnnabiyyoona min rabbihim la nufarriqu bayna ahadin minhum wanahnu lahu muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم يا محمد «آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط» أولاده «وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم» بالتصديق والتكذيب «ونحن له مسلمون» مخلصون في العبادة ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار.

84

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بيّن في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقاً لما معهم فقال: {قُلْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } إلى آخر الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: وحد الضمير في {قُلْ } وجمع في {آمنا } وفيه وجوه الأول: إنه تعالى حين خاطبه، إنما خاطبه بلفظ الوحدان، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء والثاني: أنه خاطبه أولاً بخطاب الوجدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو، ثم قال: {آمنا } تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث: إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله {قُلْ } ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال {آمنا } تنبيهاً على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } تفسير : [البقرة: 285]. المسألة الثانية:قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم، ويختلفون في نبوتهم {وَالأَسْبَاطَ } هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر الله أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوّة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها: إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء، لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق وثانيها: التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضاً، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوّة الكل وثالثها: إنه قال قبل هذه الآية {أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [آل عمران: 83] وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله، فههنا أظهر الإيمان بنبوّة جميع الأنبياء، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف ورابعها: أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيّين، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل، وههنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده ألبتة، فإن قيل: لم عدَّى {أَنَزلَ } في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟ قلنا: لوجود المعنيين جميعاً، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر، وقيل أيضاً إنما قيل {عَلَيْنَا } في حق الرسول، لأن الوحي ينزل عليه وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف، ألا ترى إلى قوله {أية : بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ }تفسير : [البقرة: 4] وأنزل إليك الكتاب وإلى قوله {أية : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} تفسير : [آل عمران: 72]. المسألة الثانية: اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون؟ وحقيقة الخلاف، أن شرعه لما صار منسوخاً، فهل تصير نبوته منسوخة؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال: نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلاً، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوّة قال: نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع. المسألة الرابعة: قوله {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } فيه وجوه الأول: قال الأصم: التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني: نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله الثاني: قال بعضهم المراد {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى الثالث: قال أبو مسلم {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } أي لا نفرق ما أجمعوا عليه، وهو كقوله {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ }تفسير : [آل عمران: 103] وذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 94]. أما قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ففيه وجوه الأول: إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } والثاني: قال أبو مسلم {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال: {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33] الثالث: أن قوله {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يفيد الحصر والتقدير: له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإِيمان، والقرآن كما هو منزل عليه بتوسط تبليغه إليهم وأيضاً المنسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم، أو بأن يتكلم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالاً له، والنزول كما يعدى بإلى لأنه ينتهي إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من فوق، وإنما قدم المنزل عليه السلام على المنزل على سائر الرسل لأنه المعرف له والعيار عليه {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} بالتصديق والتكذيب. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} منقادون أو مخلصون في عبادته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم يا محمد {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ } أولاده {وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بالتصديق والتكذيب {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مخلصون في العبادة، ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قل يا محمد أنت وأمتك: {آمنا بالله وما أنزل علينا} وهو القرآن وأمر محمد صلى الله عليه وسلم والإنزال على نبي الأمة إنزال عليها، وقدم إسماعيل لسنة، وسائر الآية بين، ثم حكم تعالى في قوله {ومن يبتغ} الآية بأنه لا يقبل من آدمي ديناً غير دين الإسلام، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء، وهو الحنيفية السمحة، وقال عكرمة: لما نزلت قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله له: فحجهم يا محمد وأنزل عليه {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97] فحج المسلمون وقعد الكفار، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه قال: نزلت {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} تفسير : إلى قوله {أية : ولا هم يحزنون} تفسير : [البقرة: 62] فأنزل الله بعدها، {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الآية. قال الفقيه الإمام: فهذه إشارة إلى نسخ، وقوله {في الآخرة} متعلق بمقدر، تقديره خاسر في الآخرة لأن الألف واللام في {الخاسرين} في معنى الموصول، وقال بعض المفسرين: إن قوله {من يبتغ} الآية، نزلت في الحارث ابن سويد، ولم يذكر ذلك الطبري.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل آمنا بالله} لما ذكر الله عز وجل في الآية المتقدمة أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقاً لما معهم بين في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم فقال تعالى: قل آمنا بالله وإنما وحد الضمير في قوله قل وجمع في قوله آمنا بالله لأنه خاطبه بلفظ الواحد ليدل هذا الكلام على أنه لا يبلغ هذا التكليف عن الله تعالى إلى الخلق إلا هو. ثم قال: آمنا بالله تنبيهاً على أنه حين قال هذا القول وافقه أصحابه فحسن الجمع في قوله آمنا، ومعنى الآية: قل يا محمد صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا لا إله غيره ولا رب سواه وإنما قدم الإيمان بالله علىغيره لأنه الأصل {وما أنزل علينا} يعني وقل يا محمد وصدقنا أيضاً بما أنزل علينا من وحيه وتنزيله وإنما قدم ذكر القرآن لأنه أشرف الكتب وأنه لم يحرف ولم يبدل وغيره حرف وبدل {وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى} إنما خص هؤلاء الأنبياء بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بوجودهم ولم يختلفوا في نبوتهم، والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وكانوا أنبياء ثم جمع جميع الأنبياء فقال {والنبيون} أي وما أوتي النبيون {من ربهم لا نفرق بين أحد منهم} وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون ببعض النبيين ويكفرون ببعض فأمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعن أمته أنه يؤمن بجميع الأنبياء. فإن قلت: لم عدي أنزل في "هذه الآية بحرف الاستعلاء وفيما تقدم من مثلها في البقرة بحرف الانتهاء". قلت لوجود المعنيين جميعاً لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فجاء تارة بأحد المعنيين وتارة بالمعنى الآخر {ونحن له مسلمون} أي موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتنا. قوله عز وجل: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وأن كل دين سواه غير مقبول عنده لأن الدين الصحيح ما يأمر الله به ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه {وهو في الآخرة من الخاسرين} يعني الذين وقعوا في الخسارة وهو حرمان الثواب وحصول العقاب وروى ابن جرير الطبري عن عكرمة: في قوله: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه قالت اليهود فنحن مسلمون فقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم ولله على الناس حج البيت فلم يحجوا. قوله عز وجل: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} نزلت في اثني عشر رجلاً ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً منهم الحارث بن سويد الأنصاري وطعمة بن أبيرق وحجوج بن الأسلت. وقال ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى وذلك أن اليهود كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يستفتحون به على الكفار ويقرون به ويقولون: قد أظل زمان نبي مبعوث فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به بغياً وحسداً ومعنى كيف يهدي الله كيف يرشد الله للصواب ويوفق للإيمان قوماً كفروا أي جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم أي تصديقهم إياه وإقرارهم به وبما جاء به من عند ربه {وشهدوا أن الرسول حق} يعني وبعد أن أقروا وشهدوا أن محمداً رسول الله إلى خلقه وأنه حق وصدق {وجاءهم البينات} يعني الحجج والبراهين والمعجزات الدالة على صحة نبوته التي بمثلها ثبتت النبوة {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يوفقهم إلى الحق والصواب لما سبق في علمه تعالى أنهم ظالمون وقيل لا يهديهم في الآخرة إلى الجنة والثواب. فإن قلت: كيف قال في أول الآية كيف يهدي الله قوماً كفروا وقال في آخرها والله لا يهدي القوم الظالمين وهذا تكرار؟ قلت: ليس فيه تكرار لأن قوله كيف يهدي الله قوماً كفروا إنما هو مختص بأولئك المرتدين عن الإسلام ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في آخر الآية فقال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني جميع الكفار المرتدين عن الإسلام والكافر الأصلي وإنما سمي الكافر ظالماً لأنه وضع العبادة في غير موضعها.

ابن عادل

تفسير : وفي هذه الآية احتمالان: أحدهما: أن يكون المأمور بهذا القول - وهو "آمَنَّا" إلى آخره - هو محمد صلى الله عليه وسلم ثم في ذلك معنيان: أحدهما: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حُذِفَ معطوفُه؛ لِفَهْم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله، كذا قدَّره ابنُ عطية. والثاني: أن المأمور بذلك نبينا وحده، وإنما خوطب بلفظ الجمع؛ تعظيماً له. قال الزمخشري: "ويجوز أن يُؤمَر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك؛ إجلالاً من الله - تعالى - لقدر نبيِّه". والاحتمال الثاني: أن يكون المأمور بهذا القول مَنْ تقدم، والتقدير: قل لهم: قولوا: آمنا، فـ "آمَنَّا" منصوب بـ "قُلْ" على الاحتمال الأول، وبـ "قُولُوا" المقدَّر على الاحتمال الثاني، وذلك القول المُضْمر منصوب المحل. وهذه الآية شبيهة بالتي في البقرة، إلا أنَّ هنا عَدَّى "أُنْزِلَ" بـ "عَلَى" وهناك عدَّاه بـ "إلى". قال الزمخشري: لوجود المعنيين جميعاً؛ لأن الوحي ينزل من فوق، وينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر. قال ابن عطيةَ: "الإنزال على نَبِيّ الأمة إنزال عليها" وهذا ليس بطائل بالنسبة إلى طلب الفرق. قال الراغب: "إنما قال - هنا - "عَلَى"، لأن ذلك لما كان خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ بشريةٍ، كان لفظ "عَلَى" المختص بالعُلُوِّ أوْلَى به، وهناك لما كان خطاباً للأمة، وقد وصل إليهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم كان لفظ "إلَى" المختص بالاتصال أوْلَى. ويجوز أن يقال: "أنزل عليه"، إنما يُحْمَل على ما أُمِر المنزَّل عليه أن يُبَلِّغَه غيرَه. وأنزل إليه، يُحْمَل على ما خُصَّ به في نفسه، وإليه نهاية الإنزال، وعلى ذلك قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 51] وقال: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] خص هنا بـ "إلى" لما كان مخصوصاً بالذكر الذي هو بيان المنزل، وهذا كلام في الأولى لا في الوجوب". وهذا الذي ذكره الراغب ردَّه الزمخشريُّ، فقال: "ومن قال: إنما قيل: "عَلَيْنَا" لقوله: "قُلْ" و "إلينا" لقوله: "قُولُوا"، تفرقة بين الرسول والمؤمنين؛ لأن الرسول يأتيه الوحي عن طريق الاستعلام، ويأتيهم على وجه الانتهاء، فقد تعسَّف؛ ألا ترى إلى قوله: {أية : بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} تفسير : [البقرة: 4] وقوله: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [المائدة: 48] وقوله: {أية : وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [آل عمران: 72] وفي البقرة: {أية : وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} تفسير : [البقرة: 136] وهنا: "وَالنَّبِيُّونَ"، لأن التي في البقرة لفظ الخطابِ فيها عام، ومن حكم خطاب العام البسط دون الإيجاز، بخلاف الخطاب هنا، لأنه خاص، فلذلك اكتفى فيه بالإيجاز دون الإطناب". قال ابن الخطيب: قدَّم الإيمانَ بالله على الإيمان بالأنبياء؛ لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة، ثم في المرتبة الثانية قدم ذكر الإيمان بما أنزِل عليه؛ لأن كتب سائر الأنبياء حرَّفوها وبدَّلوها، فلا سبيلَ إلى معرفة أحوالها إلا بالإيمان بما أُنْزِل على محمَّد صلى الله عليه وسلم فكأن ما أنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم كالأصل لما أُنْزِل على سائر الأنبياء، فلذا قدَّمه، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء، وهم الأنبياء الذين يَعْتَرِفُ أهلُ الكتاب بوجودِهم، ويختلفون في نبوتِهِمْ، والأسباط: هم أسباط يعقوبَ الذين ذكر الله - تعالى - أممهم الاثنتي عشرة في سورة الأعراف. فصل قوله: {وَٱلنَّبِيُّونَ} بعد قوله: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} من باب عطف العامِّ على الخاص. اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالأنبياء المتقدِّمين الذين نُسِخَتْ شرائعُهم. وحقيقة الخلاف أن شرعه لما صار منسوخاً، فهل تصير نُبُوَّتُه منسوخةً؟ فمن قال: إنها تصير منسوخة قال: نُؤْمن بأنهم كانوا أنبياءَ وَرُسُلاً، ولا نؤمن بأنهم أنبياء ورسل في الحال. ومَنْ قال: إن نسخَ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوة، قال: نؤمن بأنهم أنبياء ورسُل في الحال، فتنبَّه لهذا الموضع. فصل قال ابن الخطيب: اختلفوا في معنى قوله: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} فقال الأصمُّ: الفرقان قد يكون بتفضيل البعضِ على البعضِ, وقد يكون بالقول بأنهم كانوا على سبيل واحدٍ في الطاعة الله - تعالى - وفي الانقياد لتكاليف الله - وهذا هو المراد. وقال بعضهم: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} بأن نؤمن ببعضٍ دون بعضٍ - كما فرَّقت اليهود والنصارَى. وقال أبو مسلم: لا نفرق ما جمعوا، وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} تفسير : [آل عمران: 103] وذَمَّ قوماً ووصفهم بالتفرُّق، فقال: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 94]. قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فيه وجوهٌ: الأول: أن إقرارنا بنبوَّة هؤلاء الأنْبِياء إنما كان لأننا منقادون لله - تعالى - مستسلمون لحُكْمِه، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله: {أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران: 83]. قال أبو مسلم: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: مستسلمون لأمْره بالرضا، وترك المخالفة، وتلك صفة المؤمنين بالله، وهم أهل السلم، والكافرون أهل الحربِ، لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المائدة: 33]. قال ابن الخطيب: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يُفيد الحَصْر، والتقدير: له أسلمنا لا لغرض آخرَ من سمعة، ورياء، وطلب مالٍ، وهذا تنبيه على أن حالَهم بالضِّدِّ من ذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} [الآية: 84]. قال ابن عطاء: صدقنا وأقمنا على طريق الصدق معه، لأنه الذى كتب علينا الإيمان وخصنا به فى علمه قبل أن أوجدنا فنحن مؤمنون به لسابق تفضله علينا.

القشيري

تفسير : آمنا بالله لا بنفوسنا أو حَوْلنا أو قوتنا. وآمنا بما أنزل علينا بالله، وأَنَّا لا نُفَرِّق بين أحد منهم - بالله سبحانه - لا بحولنا واختيارنا، وجهدنا واكتسابنا، ولولا أنه عرَّفنا أنه مَنْ هو ما عرفنا وإلا فمتى عَلِمْنا ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل آمنا بالله} امر للرسول صلى الله عليه وسلم بان يخبر عن نفسه بالايمان بما ذكر وجمع الضمير فى آمنا لاظهار جلالة قدرة صلى الله عليه وسلم ورفعة محله بامره بان يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك {وما انزل علينا} وهو القرآن والنزول كما يعدى بالى لانتهائه الى الرسل يعدى بعلى لانه من فوق {وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط} من الصحف. والاسباط جمع سبط وهو الحافد والمراد بهم حفدة يعقوب عليه السلام وابناؤه الاثنا عشر وذراريهم فانهم حفدة ابراهيم عليه السلام {وما اوتى موسى وعيسى} من التوراة والانجيل وسائر المعجزات الظاهرة بايديهما وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى {والنبيون} اى وما اوتى النبييون من المذكورين وغيرهم {من ربهم} من الكتب والمعجزات {لا نفرق بين احد منهم} كداب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بصحة كل منهم وبحقية ما انزل اليهم فى زمانهم. قال الامام فى تفسيره اختلف العلماء فى كيفية الايمان بالانبياء المتقدمين الذين نسخت شرائعهم وحقيقة الخلاف ان شرعه لما صار منسوخا فهل تصير نبوته منسوخة فمن قال ان نبوته منسوخة قال نؤمن بانهم كانوا انبياء ورسلا ولا نؤمن بانهم انبياء ورسل فى الحال ومن قال ان نسخ الشريعة لا يقتضى نسخ النبوة قال نؤمن بانهم انبياء ورسل فى الحال ون قال ان نسخ الشريعة لا يقتضى نسخ النبوة قال نؤمن بانهم انبياء ورسل فى الحال فتنبه لهذا الموضع {ونحن له مسلمون} اى منقادون على ان يكون الاسلام بمعنى الاستسلام وهو الانقياد او مخلصون له تعالى انفسنا لا نجعل له شريكا فيها على ان يكون من السلامة. وفيه تعريض بايمان اهل الكتاب فانه بمعزل عن ذلك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أُنزل}: يتعدى بإلى؛ لأنه ينتهي إلى الرسل، ويتعدى بعلى، لأنه يأتي من ناحية الحلو والاستعلاء، وفرَّق بعضهُم بين التعبير هنا بعلى وفي البقرة بإلى، فقال: لأن الخطاب هنا للرسول بالخصوص، وقد أنزل عليه الوحي مباشرة، وهناك الخطاب للمسلمين، وإنما أنزل الوحي متوجهاً إليهم بالواسطة، ولم يكن عليهم بالمباشرة. والله تعالى أعلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد لأهل الكتاب الذين فرقوا في إيمانهم بين الرسل: أما نحن فقد آمنا بالذي {أنزل علينا وما أنزل} على جميع الأنبياء والرسل {لا نفرق بين أحد منهم} كما فرَّقتم أنتم، فَضَلَلْتُم، {ونحن له مسلمون} أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة، أو مخلصون في أعمالنا كلها، وقدَّم المنزل علينا على المنزل على غيرنا، لأنه عيار عليه ومُعَرَّفٌ به. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للفقير أن يبالغ في تعظيم شيخه، ويسوغ له التغالي في شأنه ما لم يخرجه عن طَوْر البشر، وما لم يؤد ذلك إلى إسقاط حُرمة غيره من الأولياء بالتنقيص أو غيره، فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرّق بينهم حُرِم بركة جميعهم. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في تأويل هذه الآية قولان: أحدهما - أن معناها الانكار على الكفار ما ذهبوا إليه من الايمان ببعض النبيين دون بعض، فأمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمؤمنين أن يقولوا: إنا نؤمن بجميع النبيين، ولا نفرق بين أحد منهم. الثاني - أن معناها موافقة ما تقدم الوعد به من إيمان النبي الامي بجميع من تقدم من النبيين على التفصيل. وقال له في أول الآية (قل) خطابا للنبي (صلى الله عليه وسلم) فجرى الكلام على التوحيد، وما بعده على الجمع. وقيل في ذلك قولان: أحدهما أن المتكلم قد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع للتفخيم كما قال تعالى: {أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}. تفسير : والثاني - أنه أراد دخول الأمة في الخطاب الأول، والأمر بالاقرار. ويجوز أن يقال: في الواحد المتكلم، فعلنا ولا يجوز للواحد المخاطب فعلتم. والفرق بينهما: أن الكلام بالجملة الواحدة يصح بجماعة مخاطبين، ولا يصح الكلام بالجملة الواحدة بجماعة متكلمين. فلذلك جاز في فعلنا في الواحد للتفخيم، لأنه لا يصح أن يكون خطاباً للجماعة فلم يصرف عنهم. بغير قرينة لما يدخله من الالباس في مفهوم العبارة. وقوله: {وما أنزل علينا} في الاخبار عن المسلمين إنما جاز ذلك، وإن كان قد أنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم)، لأن التقدير أنزل علينا على لسان نبينا كما تقول: أمرنا به ونهينا عنه - على لسان نبينا -، ومثل ذلك ما قاله في سورة البقرة من قوله: {أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا}تفسير : وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون ذلك إلا إخباراً عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي أنزل عليه، وهذا غلط، لأن الآية الأخرى تشهد بخلافه. فان قيل: ما معنى قوله: {ونحن له مسلمون} بعد الاقرار بالايمان على التفصيل؟ قيل: معناه ونحن له مستسلمون بالطاعة في جميع ما أمر به، ودعا إليه. ولأن أهل الملل المخالفة، تعترف بصفة مؤمن، وينتفي من صفة مسلم.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) على سبيل المتاركة بعد ما اتممت لهم الحجّة من قبل نفسك وامّتك نحن: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يعنى نحن آمنّا واسلمنا فانتم ان شئتم اسلمتم وان شئتم لم تسلموا.

اطفيش

تفسير : {قُلْ}: لهم. {آمَنَّا}: خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: قل آمنت لأنه أمر أن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإيمان، والقرآن منزل عليه بنفسه، وعلى متابعيه، بواسطة تبليغه صلى الله عليه وسلم، وكأنه قيل: قل أنت ومتابعوك آمنا، ولأن المنسوب لواحد من الجمع، قد ينسب إلى ذلك الجمع، فيكون الحكم حكماً على المجموع، أو أمره الله أن يتكلم عن نفسه قاصداً تعظيم الله بصيغة الجماعة، بأن يقصد أن يعظم ما عنده من الوحى، ليعظم الله عز وجل به. {بِاللَّهِ}: قدم الله نفسه لأن الإيمان به هو الأصل، والإيمان بغيره إنما هو ليعرف من جانبه، ويؤخذ عليه أحكامه وأمره ونهيه. {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}: وهو القرآن، قدم لأنه أشرف كتب الله تعالى، ولأنه لا يحرف ولا يغير ولا يبدل ولا ينسخ بكتاب آخر، وغيره حرف وبدل وغير، فلا سبيل لمعرفته إلا بمعرفة القرآن، وعدى أنزل بعلى، مراعاة لكون الوحى ينزل من فوق، وعدى بالى فى قوله تعالى {أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}تفسير : مراعاة لكونه ينتهى الوحى إلى الرسل. {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} أولاد يعقوب الاثنى عشر اختلف فى نبوة غير يوسف منهم. {وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى}: خص هؤلاء عليهم السلام بالذكر، بأسمائهم لأن أهل الكتاب يعترفون بهم، إلا ما كان بين اليهود والنصارى فى عيسى عليه السلام. {وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ}: متعلق {بأوتِى} أو حَالٌ من {ما} أو من ضميرها فى {أوتِى} أو يقدر كون خاص، أى منزلا من ربهم، والهاء لموسى وعيسى والنبيين. {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}: بالتكذيب لبعض والتصديق لبعض كما فعلت اليهود. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}: أى منقادون لعبادته، أو مخلصون لهُ أعمالنا، والهمزة فى الوجه الأول لغير التعدية، وفى الثانى للتعدية، وقدم لهُ للحصر.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لهم ولسائر المشركين {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} أفرد الضمير فى قل، لأن الخطاب فيه، لتبليغ الوحى، وهو المبلغ، وجمع بعد باعتباره واعتبار المبلغ إليهم، وهم المؤمنون، فآمنا عبارة عن نفسه وعن الأمة تغليباً، وذلك إخبار لا إنشاء، أو تعظيما لنفسه، إذ جمع خصالا متفرقة فى غيره، قال هنا علينا، والبقرة إلينا، لأن الخطاب هنا للنبى صلى الله عليه وسلم وهو المنزل عليه أولا وبالذات، فقال: علينا اعتباراً لجانب ابتدائه، وفى البقرة إلينا لجانب انتهائه، فكان بإلى، وأيضاً المنزل عليه منزل عليهم بواسطته، وأيضاً النسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم، وأيضا هم متعبدون به، والصحف نزلت على إبراهيم لكنهم متعبدون بتفاصيلها، كما أن القرآن منزل إلينا، وقدم ما نزل عليه على ما نزل على إبراهيم ومن بعده، مع أنهم قبله لأنه المعرف له، والمبين والمفصل والشاهد على أممهم بتصديقه وتكذيبه، والناسخ لما نسخ، ولفضل ما نزل عليه {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} من الصحف {وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} أولاده الأثنى عشر {وَمَآ أُوتِىَ موسَى} من التوراة والصحف والمعجزات كالعصا {وَعِيسَى} من الإنجيل والمعجزات كإبراء الأكْمه {وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} خص هؤلاء بالذكر لأن أهل الكتاب معترفون بنبوتهم وكتبهم، ثم عم النبيين، ولا نعرف كتابا أنزل على إسماعيل وإسحاق ويعقوب، والجواب أنه ما نزل على إبراهيم كأنه أُنزل عليهم، كما نسب النزول إلينا وإلى الأسباط، وإنما الإنزال على الأنبياء، وذكر الإيتاء فى موسى وعيسى ليشمل معجزاتهما مع كتبهما {لاَ نُفرِّقُ بَيْنَ أَ؛َدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مخلصون فى العبادة منقادون، لا كإيمان أهل الكتاب ببعض وكفر ببعض، وتثليث وإلحاد بالولادة وغيرها، فالآية تعريض بهم ولم يذكر ما أنزل على آدم وشيث وإدريس لأن اللوم والتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهم لا يدعون تلك الصحق إيمانا وعملا، ولذا لم يذكرهما أيضا فى البقرة، وذلك أمر له صلى الله عليه وسلم، أن يؤمن بالأنبياء وكتبهم كما أمروا ليؤمنوا به وبكتابه، وارتد اثنا عشر رجلا من العرب عن الإسلام، وخرجوا من المدينة إلى مكة، منهم الحارث بن سويد الأنصارى، إلا أنه تاب، ونزل فى ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلاَمِ} أى غير الانقياد لله والتوحيد، كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام والنجوم والقمرين والاستواء على المعقول والتجسيم {دِيناً} تمييز لإبهام الغيرية،أو بدل من غير، أو مفعول به، فيكون غير حالا من دينا على هذا {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} فعبادته كلا عبادة،، لا ثواب عليها، وعليه العقاب الدائم الذى لا يشبهه عقاب {وَهُوَ فِى الأَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} كالذين لا رأس مال لهم ولا فائدة، فإنهم أضاعوا ما جبلوا عليه من الإسلام، حديث : كل مولود يولد على الفطرةتفسير : ، وأضاعوا أجنتهم وأزواجهم وقصورهم فى الجنة، حرموا الثواب، وعوقبوا بالنار الدائمة، وفى متعلقة بمحذوف، أى خاسر فى الآخرة من جملة الخاسرين، وخاسر خبر. ومن الخاسرين خبر ثان، ولم أعلقه بخاسرين لأن أل موصولة، فمعمول صلتها لا يتقدم إلا فى قول بعض إنه يجوز فى الفواصل ما يجوز فى الشعر، ووجه آخره أنه يتوسع فى الطروف، ووجه آخر هو أنه نقول أل حرف تعريف، وكذا تفعل فى مثل ذلك، كقوله تعالى: {أية : وكانوا فيه من الزاهدين} تفسير : [يوسف: 20]، والمراد بالإسلام فى الآية التوحيد وفعل الواجبات وترك المحرم، فذلك هو الدين في الآية، ويطلق الإيمان على التوحيد والفعل والترك المذكورين، وقد يطلق على التوحيد، وقد يطلق على الفعل والترك، وكذلك الإسلام يطلق على هذه الإطلاقات، وقد استدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل، وأجيب بأن قوله لن يقبل منه ينفى قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان وإن كان غير الإسلام لكنه دين لا يباين الإسلام بل هو بحسب الذات وإن كان غيره بحسب المفهوم، ولا يقبل توحيد بلا عمل وتقوى، ولا هما بلا توحيد.

الالوسي

تفسير : {قُلْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } أمر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه والمؤمنين بالإيمان بما ذكر، فضمير (آمنا) للنبـي صلى الله عليه وسلم والأمة، وقال المولى عبد الباقي: لما أخذ الله تعالى الميثاق من النبيين أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه أمر محمداً أيضاً صلى الله عليه وسلم أن يؤمن بالأنبياء المؤمنين به وبكتبهم فيكون {آمَنَّا} في موضع آمنت لتعظيم نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، أو لما عهد مع النبيين وأممهم أن يؤمنوا أمر محمداً عليه الصلاة والسلام وأمته أن يؤمنوا بهم وبكتبهم. والحاصل أخذ الميثاق من الجانبين على الإيمان على طريقة واحدة ولم يتعرض هنا لحكمة الأنبياء السالفين إما لأن الإيمان بالكتاب المنزل إيمان بما فيه من الحكمة، أو للإشارة إلى أن شريعتهم منسوخة في زمن هذا النبـي صلى الله عليه وسلم وكلاهما على تقدير كون الحكمة بمعنى الشريعة ولم يتعرض لنصرته عليه الصلاة والسلام لهم إذ لا مجال بوجه لنصرة السلف، ويؤيد دعوى أخذ الميثاق من الجانبين ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن طاوس أنه قال: أخذ الله تعالى ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً. {وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } وهو القرآن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم أولاً وعليهم بواسطة تبليغه إليهم، ومن هنا أتى بضمير الجمع، وقد يعتبر الإنزال عليه عليه الصلاة والسلام وحده، ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازاً على ما قيل، ويحتمل أن تكون النون نون العظمة لا ضمير الجماعة،/ وعدى الإنزال هنا ـ بعلى ـ وفي البقرة [136] ـ بإلى ـ لأنه له جهة علو باعتبار ابتدائه وانتهاء باعتبار آخره، وقد جعل الخطاب هنا للنبـي صلى الله عليه وسلم فناسبه الاستعلاء وهناك للعموم، فناسب الانتهاء كذا قيل، ويرد عليه قوله تعالى: {أية : آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } تفسير : [آل عمران: 72] والتحقيق أنه لا فرق بين المعدى ـ بإلى ـ والمعدى ـ بعلى ـ إلا بالاعتبار، فإن اعتبرت مبدأه عديته ـ بعلى ـ لأنه فوقاني وإن اعتبرت انتهاءه إلى من هو له عديته ـ بإلى ـ ويلاحظ أحد الاعتبارين تارة والآخر أخرى تفنناً بالعبارة، وفرّق الراغب بأن ما كان واصلاً من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ ـ على ـ المختص بالعلو أولى به، وما لم يكن كذلك كان لفظ ـ إلى ـ المختص بالإيصال أولى به وقيل: أنزل عليه يحمل على أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأن إليه انتهاء الإنزال ـ وكلا القولين ـ لا يخلو عن نظر. {وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَْسْبَاطِ } قيل: خص هؤلاء الكرام بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم، والمراد بالموصول الصحف ـ كما هو الظاهر ـ وقدم المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على المنزل عليهم إما لتعظيمه والاعتناء به، أو لأنه المعرف له ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف، والأسباط الأحفاد لا أولاد البنات، والمراد بهم على رأي أبناء يعقوب الإثنا عشر وذراريهم، وليس كلهم أبناءاً خلافاً لزاعمه {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } من «التوراة» «والإنجيل» وسائر المعجزات ـ كما يشعر به إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب ـ وقيل: هو خاص بالكتابين، وتغيير الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين، وتخصيص هذين النبيين بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى {وَٱلنَّبِيُّونَ } عطف على {مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } أي ـ وبما أوتي النبيون ـ على تعدد أفرادهم واختلاف أسمائهم {مّن رَّبّهِمْ } متعلق بأوتي، وفي التعبير بالرب مضافاً إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } أي بالتصديق والتكذيب ـ كما فعل اليهود والنصارى ـ والتفريق بغير ذلك كالتفضيل جائز {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مستسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه، أو مخلصون له في العبادة، وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة مستدركة بعد جملة الإيمان كما هو ظاهر، وقيل: إن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا كلهم يقرون بالإيمان ولم يكونوا يقرون بلفظة الإسلام فلهذا أردف تلك الجملة بهذه.

ابن عاشور

تفسير : المخاطب بفعل قل هو النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ذلك بمسمع من الناس: مسلمهم، وكافرهم، ولذلك جاء في هذه الآية قوله: {وما أنزل علينا} أي أنزل عليّ لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل بما أنزل، وعدّى فعل (أنزل) هنا بحرف (على) باعتبار أنّ الإنزال يقتضي علوّاً فوصول الشيء المنزَل وصول استعلاء وعدّي في آية سورة البقرة بحرف (إلى) باعتبار أنّ الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدّى بحرف (إلى). والجملة اعتراض. واستئناف: لتلقين النبي عليه السلام والمسلمين كلاماً جامعاً لمعنى الإسلام ليدوموا عليه، ويعلن به للأمم، نشأ عن قوله: {أية : أفغير دين الله يبغون}تفسير : [آل عمران: 83]. ومعنى: {لا نفرق بين أحد منهم} أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبيئنا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة. وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى: {أية : وتؤمنون بالكتاب كله}تفسير : [آل عمران: 119]. وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الأسباط: جمع سِبْط والسِّبط الحفيد، والمراد بالأسباط هنا أولاد يعقوب الإثنا عشر والأسباط في اليهود كالقبائل في العرب. يبْتغ: يطلب ويريد ديناً غير الدين الإِسلامي. الخاسرين: الهالكين بالخلد في نار جهنم والذين خسروا كل شيء حتى أنفسهم. معنى الآيات: ما زال السياق في حجاج أهل الكتاب فبعد أن وبخهم تعالى بقوله في الآيات السابقة أفغير دين الله تبتغون يا معشر اليهود والنصارى؟ فإن قالوا: نعم فقل أنت يا رسولنا آمنا بالله وما أنزل علينا من وحيٍ وشرع وآمنا بما أنزل على إبراهيم خليل الرحمن وما أنزل على ولديه إسماعيل وإسحاق، وما أنزل على يعقوب وأولاده الأسباط، وآمنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإِنجيل، وما أوتي النبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد من أنبيائه بل نؤمن بهم وبما جاءوا به فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما هي حالكم يا معشر اليهود والنصارى. ونحن لله تعالى مسلمون أي منقادون مطيعون لا نعبده بغير ما شرع ولا نعبد معه سواه. هذا معنى الآية الأولى [84]. أما الآية الثانية [85] فإن الله تعالى يقرر أن كل دين غير الإسلام باطل، وإن من يطلب ديناً غير الإسلام لن يقبل منه بحال ويخسر في الآخرة خسراناً كبيراً فقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض. 2- الإِسلام: هو الإِنقياد والخضوع لله تعالى وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم. 3- بطلان سائر الأديان والملل سوى الدين الإِسلامي وملة محمد صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : الأسباط: الأحفاد، واحدهم سِبط. وهم ابناء يعقوب الإثنا عشر وذراريهم. مسلمون: مستسلمون منقادون بالطاعة لله. بعد ان بين سبحانه وتعالى انه أخذ الميثاق من الأنبياء المتقدمين ان يؤمنوا بمحمد وينصروه - أمره هو ان يؤمن بالأنبياء جميعا، وذكَر المشاهير منهم. هذا هو الاسلام في سعته وشموله لكل الرسالات قبله، وردِّه جميع الدعوات الى أصلها الواحد، والإيمان بها جملة كما ارادها الله. قل يا محمد: آمنتُ انا ومن معي بوجود الله ووحدانيته وتصرفه في الأكوان، وصدّقنا بما أُنزل علينا وهو القرآن، وبما أنزل الله على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط من الوحي لهداية أقوامهم. كذلك آمنا وصدّقنا بما أُنزل على موسى وعيسى من التوراة والانجيل، وبما أُنزل على سائر النبيين، لا نفضّل واحداً منهم على الآخر، ونحن لله منقادون بالطاعة، لا نبتغي بذلك إلاّ التقرب اليه بتزكية أرواحنا، وتطهيرها من الذنوب والخطايا. ومن يطلب بعد دين محمد ديناً وشريعة غير الإسلام فلن يرضى الله منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {ٰ إِبْرَاهِيمَ} {وَإِسْمَاعِيلَ} {وَإِسْحَاقَ} (84) - قُلْ: آمَنَّا، أنَا وَمَنْ مَعِي، بِوُجُودِ اللهِ، وَبِوَاحْدَانِيَّتِهِ، وَبِالقُرآنِ الذِي أُنْزِلَ عَلَينا، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنَ الصُّحُفِ وَالوَحْيِ، وَمَا أُنْزلَ عَلَى مُوسَى مِنَ التَّورَاةِ، وَعَلَى عِيسَى مِنَ الإِنْجِيلَ وَالمُعْجِزَاتِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّينَ مَنْ وَحْيٍ مِنْ رَبِّهِمْ (وَهَذا يَعُمُّ وَيَشْمَلُ جَمِيعَ الأنْبِيَاءِ) فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِمْ جَمِيعاً وَبِمَا أنزِلَ عَليهِمْ، وَلاَ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، وَلاَ نُمَيِّزُ أحَداً مِنْهُمْ عَلَى أحَدٍ، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وُجُوهَنَا للهِ، لاَ نَبْتَغِي بِذَلِكَ إلاَّ التَّقَرُّبَ إلَيهِ. السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ - وَالأسْبَاطُ هُنْا أحْفَادُ يَعْقُوبَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما ننظر إلى هذه الآية بخواطرنا فإننا نجد أن الحق يمزج الرسول والمؤمنين به والمرسل إليهم في الإيمان به، ويتحدث إلى الرسول والمؤمنين كوحدة إيمانية، إن قول الحق: "قل" هو خطاب لمفرد هو النبي صلى الله عليه وسلم، والمقول: "آمنا" دليل على انسجام الرسول مع الأمة المؤمنة به، فكأن الأمة الإسلامية قد انصهرت في "قل"، وكأن الرسول موجود في "آمنا"، وبذلك يتحقق الامتزاج والانسجام بين الرسول وبين المؤمنين به، ويصير خطاب الحق إليهم هو خطاب لوحدة إيمانية واحدة لا انفصام فيها. وقد جاء الحق بهذا الأسلوب ليوضح لنا أن الرسول لم يأت ليتعالى على أمته، بل جاء ليحمل أعْبَاءَ هذه الأمة، ولذلك قلنا من قبل: إن للرسول صلى الله عليه وسلم إيمانين، لقد آمن بالله، وأمن للمؤمنين، وهو صلى الله عليه وسلم سيشفع لنا، لأنه قد أدى مُؤدى يسع أمته كلها، لقد أتم البلاغ وخضع للتكليف بما يسع أمته كلها، ولذلك يقول الحق: "قل آمنا"، كان القياس أن يقول: "قل آمنت"، أو أن يقول: "قولوا آمنا". لكن الحق في قرآنه الكريم يضع كل كلمة في موضعها، فتصبح الكلمة جاذبة لمعناها، ويصبح كل معنى عاشقاً لكلمته، وقد قال الحق هنا: "قل آمنا" ليتضح لنا أن محمداً رسول ممتزج في أمته، وأمة الإسلام في طواعية لرسولها، والأمر يأتي لرسول الله من الحق سبحانه، والتنفيذ لهذا الأمر يكون من الجميع، وفي هذا إشعار للخصوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون ذا عصبية إيمانية قوية، فلو قال: "قل آمنت" لكان معنى ذلك أن الرسول لن يملك إلا إيمانه فقط، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم آمن به قومه، وكثير غيرهم وجاء على يديه فتح مكة كما قال الحق: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً}تفسير : [النصر: 1-2]. وعندما نقرأ قوله الحق: {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران: 84] فلنا أن نلتفت إلى أن العلماء لهم وقفة في مسألة الإنزال، فمرة يقول الحق: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}تفسير : [البقرة: 4]. ومرة أخرى يقول الحق: {أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النحل: 64]. وهكذا نجد أن "الإنزال" يأتي مرة متعدياً بـ "إلى"، ويأتي مرة مرة أخرى متعديا "بعلى". وقال بعض من العلماء: إن الكلام حينما يكون موجهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالحق يقول: "أنزل عليك"، وكأن هؤلاء العلماء - دون قصد منهم - يفصلون بين بلاغ الله للرسول عن البلاغ إلى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يلتفتوا إلى أن الغاية من إنزال المنهج على الرسول هو هداية الأمة. ونحن نقول: إن علينا ألا نأخذ الأمر بسطحية من أسلوب ظهر لنا؛ ذلك أن هناك أسلوباً خفيَّا، وهو أن "إلى" و"على" إنما تفيدان أن المنهج نزل للأمة والرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمرة يأتي الحق بالنزول متعدياً بـ "إلى" والخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله الحق: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [المائدة: 83]. ومرة يأتي الحق بالنزول متعديا بـ "على" والخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله الحق:{أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النحل: 64]. ومرة ثالثة يأتي الحق بالإنزال في حديث إلى المؤمنين:{أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}تفسير : [النساء: 140]. إنه كتاب منزل من السماء وملحوظ فيه العلو، والغاية من النزول هو مصلحة الأمة، فالإتيان بـ (على) يْفيد العلو، ولمصلحة الأمة، "والعلية" هنا لتزيد مقام المنهج بالنسبة للمؤمنين فهو قد نزل لمصلحتهم. إذن فالنزول يقتضي "عِلِّية"، وهو من حيث العلو يأتي بـ "على"، ومن حيث الغاية يأتي بـ"إلى"، فهو منهج نزل من الحق الأعلى ونزل إلى الرسول وعلى الرسول ليبلغه إلى المؤمنين لمصلحتهم. ولذلك قلنا: إننا إذا رأينا حكماً يقيد من حرية الفرد فلا يصح أن نفهم أن الله قد قصد هذا الفرد ليقيد حريته، إنما جاء مثل هذا القيد ليقيد الملايين من أجل حرية الفرد، مثال ذلك ساعة يحرم المنهج السرقة على الإنسان، فهو أمر لكل إنسان من الملايين وهو لمصلحة كل إنسان، فالقرآن قد نزل لمصلحتك، ومصلحة المؤمنين جميعاً. وعندما نقرأ قوله الحق: {قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]. فهذا القول يوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء بمنهج يضم صحيح العقائد والقصص والأخبار، وهو يوافق ما جاء في موكب الرسالات من يوم أن خلق الله الأرض وأرسل الرسل. وقد أخذ الله العهد على الأمم والأنبياء من قبل، بأنه إذا جاء رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به، وكذلك أخذ الله العهد على رسولنا صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بالرسل السابقين، فهو صلى الله عليه وسلم لم يأت ليهدم أدياناً، ولكن ليكمل أدياناً، وهكذا نرى النص القرآني الجليل: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..}تفسير : [المائدة: 3]. كأن الأديان السابقة بكل ما جاء فيها من صحيح العقائد، والقصص، والأخبار موجودة في الإسلام، وفوق كل ذلك جاء الإسلام بشرائع تناسب كل زمان ومكان، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الشريف: "حديث : إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بني بنياناً فأحسنه وأجمله وأكمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون ما رأينا أحسن من هذا لولا موضع هذه اللبنة فكنت أنا اللبنة ". تفسير : إذن فزمام كل الأمر انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ الله العهد على غيره أن يصدقوه عندما يجيء، وهو صلى الله عليه وسلم آمن وصدق بمن سبق من الرسل، ولم يجيء من بعده شيء يطلب من رسول الله ولا من أمته أن يصدقوه، وقال الحق تذييلاً لهذه الآية الكريمة: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]. أي أنه لا يوجد لأتباع أي رسول من الرسل السابقين ما يعطيهم سلطة زمنية، بل المسألة كلها تبدأ من الله، وتنتهي إلى الله. وتلك هي القضية النهائية في موكب الرسالات. وما دام الإسلام هو ذلك الانقياد الذي يختاره الإنسان لنفسه ليكون منسجماً مع نفسه في الإسلام لله، ويكوّن انسجاماً مع الكون الآخر وما يحتويه من حيوان ونبات وجماد وغيرها في أنه أسلم خضوعاً لله، وبذلك يصبح الكون بما فيه الإنسان المؤمن المسلم لله كله مسخَّراً لله سبحانه وتعالى. وما دام الكون بالإنسان قد صار مسخراً لله فلا تضاد في حركة لتعاند حركة أخرى؛ لأن الذي يهيمن هذه الهيمْنة هو الذي وضع لكل إنسان في مجال حركته في الحياة قانوناً يعصمه من أن يصطدم بغيره، وإذا كان البشر قد استطاعوا أن يضعوا لأنفسهم معايير تمنع التصادم في الحركة، ذلك التصادم الذي يؤدي إلى كوارث ومصائب. مثال ذلك، لننظر إلى السكك الحديدية، ألا يوجد موظف اسمه "المحولجي"؟ ومعنى هذه الوظيفة هو أن القائم بها يقوم بتحويل القاطرة القادمة من طريق معين إلى مسار محدد حتى لا تدهم قاطرة أخرى جاءت من الطريق نفسه. إن ذلك من فعل الإنسان فيما صنع من قطارات ومواصلات، لقد صنع أيضاً وسائل تمنع تصادمها، فما بالنا بالحق - وله المثل الأعلى - وهو الذي خلق الإنسان؟ إنه سبحانه قد وضع المنهج حتى لا تصطدم حركة في الوجود بحركة أخرى. ولننظر إلى الأشياء التي جاءت بقانون التسخير، والأشياء التي دخلت في ظل الاختيار. أسمعنا أن جملين سارا في طريقين متعارضين واصطدم الجمل بجمل؟ لم يحدث ذلك أبداً، فالجمل يفادي نفسه وما يحمل من الجمل الآخر وما يحمله، لكننا نسمع عن تصادم سيارة مع سيارة، ذلك أن السيارة لا تسير بذاتها بل تسير بقيادة إنسان مختار، وهو الذي يصدم وهو الذي قد تأتي منه في غفلته الكوارث. إذن فتصادم حركة بحركة إنما ينشأ في الأمور الاختيارية، أو غفلة إنسان عن مهمته، كغفلة "المحولجي" عن عمله في تنظيم مرور القطارات، لكن تصادم حركة في الوجود بحركة أخرى في الوجود هو أمر مستحيل، ولا يحدث أبداً، لأن الأمر الذي ما زال في يد المهيمن الأعلى، مهيمن الأرض والسماء، وهو الله الذي يسير الكون منسجماً ويعرفنا بصفاته فيقول: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255] ومعناه: أني أنا القائم بأسبابكم ومدبر أمركم ولا أنام أو تأخذنا سنة أو غفلة أي فناموا أنتم فقد سخرت الوجود كله من أجلكم. وما دام الأمر في الإسلام هكذا، والوجود ينسجم مع نفسه، فلماذا تشذ أنت أيها الإنسان عن الوجود؟ ولماذا تشِّذُ عن ملكات نفسك؟ لماذا لا تكون منسجماً مع الكون؟ إنك إن انسجمت مع نفسك ومع الكون صرت الإنسان السعيد. وفي عصرنا الحديث نرى ارتقاء العالم مادياً بصورة عالية، بحيث يقع الحدث في أمريكا مثلاً فنراه على شاشة التلفزيون فوراً، ويركب الإنسان مركباً صاروخياً إلى الفضاء ولكن هل استراح العالم؟ لا، لقد ازداد العالم عناء، وكأنه يكد ذهنه ويرهق العلماء في معاملهم لابتكار أشياء تعطي للعالم مزيداً من القلق والاضطراب وتتصادم وتتعارض. وبذلك صار الكون لا يفرغ أبداً من حرب باردة أو ساخنة. كل ذلك إنما ينشأ من إدارة أمور العالم بأهواء البشر، فلسنا جميعاً مردودين إلى منهج واحد يأمرنا فنأتمر، وينهانا فننتهي، بل كل إنسان يتبع في عمله هواه، لذلك نرى القلق والاضطراب، ونرى الصرخات تملأ الدنيا من أهوال ومصائب، منها مثلاً المخدرات وغيرها. إن الذي يدمن المخدرات هو إنسان غير راضٍ عن واقع حياته، فلا يريد مواجهة حياته، إنما يحاول الهرب منها بالإدمان، ونقول لمثل هذا الإنسان: ليس هذا حلاً للمشكلة؛ لأن الإنسان عندما تأتيه مشكلة فهو يحتاج عقلاً على عقله ليواجه هذه المشكلة، وأنت بهذا الإدمان إنما تُضَيِّع عقلك، رغم أنك مطالب بأن تأتي بعقل آخر بجانب عقلك لتحل مشكلتك، فالهرب من المشكلة لا يحلها، إنما الهروب غباء وقلة فطنة فالمشكلة زادت تعقيداً ونقول للمجتمعات التي تشكو من مثل هذه البلايا لو أخذتم شرائعكم من منهج الله لكان ذلك حماية لكم من مثل تلك الكوارث. وهكذا نرى أن كل الابتكارات تُوجه دائماً إلى الشر أولاً، فإذا لم يوجد لها ميدان شر فإننا نوجهها إلى الخير، ويا ليته خير خالص لوجه الله، لا، إنه خير مجنح ومنحرف عن الخير لأن الذي لا يملك هذا اللون من الاختراعات كالشعوب النامية والعالم الثالث قد جعله المخترعون بوساطة هذه الاكتشافات والمخترعات مستعبداً ومقهوراً لهم؛ إنهم جعلوا تقدمهم استعباداً وإذلالاً لغيرهم وإن تظاهروا بغير ذلك. لماذا يحدث كل ذلك؟ لأننا لم نكن منطقيين - كما يجب - مع أنفسنا ولا مع واقع الأمور النهوضية التي نحن فيها فالطموحات العلمية التي لا حد لها لا يصح أن تسبب لنا كل هذا التعب، بل كان المفروض بعد الوصول إلى تحقيق هذه الطموحات ان نستريح، ولكن لِمَ لم يحدث هذا؟ لأن زمامنا نحن البشر بيد أهوائنا، والأهواء ليست هي اليد الأمينة، إن اليد الأمينة هي شرع الله الذي لم يشرع إلا لمصلحة من خلق، وما دام الإسلام يرسم طريق الأمان مع الخالق والنفس والكون الذي نحياه، بما فيه من الأجناس الأخرى ،، إذن فالدين عند الله هو الإسلام، وهذه هي النتيجة الحتمية لذلك يقول الحق سبحانه: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84] ويتبعها الحق سبحانه بقوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ آمَنَّا} الآية تقدم الكلام على نظيرها في البقرة. وهنا قل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإذا أُمر هو بالقول فأمته مأمورون به من حيث المعنى، ولذلك قال في البقرة: قولوا، خطاب للجميع ولذلك جاء الكلام بلفظ الجمع في آمنا، وفي علينا وفي نحن له وهنا جاء بلفظ: على. وفي البقرة بلفظ: إلى، فعبر مرة بالنزول من علو، ومرة بالإِنتهاء. (وقال الراغب: إنما قال هنا على لأن ذلك لما كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية كان لفظ على المختص بالعلو أولى به وهناك لما كان للأمة وقد وصل إليهم بوساطة النبي صلى الله عليه وسلم كان لفظ الى المختص بالاتصال أولى. "انتهى". {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} قرىء بإِدغام الغين في الغين، وبالفك. والإِسلام هنا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وانتصب ديناً على التمييز لأنه يأتي بعد غير كقول العرب ان لنا غيرها إبلاً كما ينتصب بعد مثل في قوله: يكفيه مثله صبرا. ولذلك يجوز دخول من عليه ويتعلق في الآخرة بمحذوف يدل عليه الخاسرين أي خاسر في الآخرة وهذا أحسن التخريج. {كَيْفَ} سؤال معناه التعجب والتعظيم وهي منصوبة بيهدي. وجاء {قَوْماً} غير معينين ونقل أهل التفسير تعيينهم واختلافاً فيهم ولفظة قوم تدل على أنهم أكثر من اثنين لأنه اسم جمع فعد منهم طعمة بن أُبيرق والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الاسلت وأبو عامر الراهب وبعض هؤلاء رجع إلى الإِسلام وحسن حاله. {وَشَهِدُوۤاْ} معطوف على كفروا والواو لا ترتب أو معطوفاً على إيمانهم مراعى فيه الإِنسباك لأن والفعل أي بعد أن آمنوا وشهدوا وأجيز أن يكون حالاً تقديره وقد شهدوا والرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم والبينات ما أوتي به عليه السلام من الكتاب المعجز والمعجزات الخارقة. {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ} الآية تقدم الكلام على مثلها في البقرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : تقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة، ثم قال تعالى. { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ ...}.