Verse. 378 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَمَنْ يَّبْتَـغِ غَيْرَ الْاِسْلَامِ دِيْنًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْہُ۝۰ۚ وَھُوَفِي الْاٰخِرَۃِ مِنَ الْخٰسِرِيْنَ۝۸۵
Waman yabtaghi ghayra alislami deenan falan yuqbala minhu wahuwa fee alakhirati mina alkhasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» لمصيره إلى النار المؤبدة علية.

85

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 84] أتبعه بأن بيّن في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله، لأن القبول للعمل هو أن يرضى الله ذلك العمل، ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [المائدة: 27] ثم بيّن تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولاً عند الله، فكذلك يكون من الخاسرين، والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب، وحصول العقاب، ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } إلا أن ظاهر قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا }تفسير : [الحجرات: 14] يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والآية الثانية على الوضع اللغوي.

القرطبي

تفسير : «غير» مفعول بيبتغ، «ديناً» منصوب على التفسير، ويجوز أن ينتصب ديناً بيبتغ، وينتصب «غير» على أنه حال من الدِّين. قال مجاهد والسُّدِّي: نزلت هذه الآية في الحارث بن سُويد أخو الجُلاَس بن سويد، وكان من الأنصار، ٱرتدّ عن الإسلام هو وٱثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفاراً، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. ورُوي ذلك عن ٱبن عباس وغيره. قال ٱبن عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} قال هشام: أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين؛ ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول. وقال المازني: الألف واللام مثلها في الرجل. وقد تقدّم هذا في البقرة عند قوله: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}.

البيضاوي

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا} أي غير التوحيد والإِنقياد لحكم الله. {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} الواقعين في الخسران، والمعنى أن المعرض عن الإِسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، واستدل به على أن الإِيمان هُو الإِسلام إذ لو كان غيره لم يقبل. والجواب إنه ينفي قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره، ولعل الدين أيضاً للأعمال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ } لمصيره إلى النار المؤبدة عليه.

ابن عادل

تفسير : العامة يظهرون هذين المثلين في {يَبْتَغِ غَيْرَ} لأن بينهُمَا فاصلاً فلم يلتقيا في الحقيقةِ، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم. وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان: الإظهار على الأصل، ولمراعاة الفاصل الأصْلِيّ. والإدغام؛ مراعاةً للفظ؛ إذ يَصْدُق أنهما التقيا في الجملة، ولأن ذلك مستحِقّ الحَذْف لعامل الجَزْم. وليس هذا مخصوصاً بهذه الآية، بل كل ما التقى فيه مِثْلاَنِ بسبب حذف حرف لعلةٍ اقتضت ذلك جَرَى فيها الوجهان، نحو: {أية : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} تفسير : [يوسف: 9] وقوله: {أية : وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} تفسير : [غافر: 28]. وقد استشكل على هذا نحو {أية : وَيَٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ} تفسير : [غافر: 41] ونحو: {أية : وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي} تفسير : [هود: 30] فإنه لم يُرْوَ عن أبي عمرو خلاف في إدغامها، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين، لأن ياء المتكلم فاصلة تقديراً. قوله: "دِيناً" فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه مفعول "يَبْتَغِ" و "غَيْرَ الإسْلاَمِ" حالٌ؛ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلما قُدِّمَتْ نُصِبَت حالاً. الثاني: أن يكون تمييزاً لِـ "غَيْرَ" لإبهامها، فمُيِّزَتْ كما مُيِّزت "مِثْلُ" و "شِبهُ" وأخواتهما، وسُمِع من العرب: إن لنا غيرَها إبلاً وشاءً. والثالث: أن يكون بدلاً من "غَيْرَ". وعلى هذين الوجهين فـ {غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ} هو المفعول به لـ "يبتغ". وقوله: {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} يجوز أن لا يكون لهذه الجملة محلٌّ؛ لاستئنافها، ويجوز أن تكون في محل جَزْم؛ نَسَقاً على جواب الشرط - وهو {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} - ويكون قد ترتب على ابتغاء غير الإسلام ديناً الخُسران وعدمُ القبول. فصل لما تقدم قوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 84] بيَّن أن الدينَ ليس إلا الإسلام، وأن كل دين غيره ليس بمقبولٍ؛ لأن معنى قبول العمل أن يرضى اللهُ ذلك العملَ، ويثيب فاعله عليه، قال تعالى {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27] وما لم يكن مقبولاً كان صاحبُه من الخاسرين في الآخرة بحرمان الثواب، وحصول العقاب، مع الندامة على ما فاته من العمل الصالح، مع التعب والمشقة في الدنيا في ذلك الدين الباطل. فصل قال المفسرون: نزلت هذه الآيةُ في اثني عشر رجلاً ارتدُّوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة، وأتوا مكةَ كُفَّاراً منهم الحَرْث بن سُوَيْد الأنصاريُّ، فنزل قول الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} والخُسْران في الآخرة يكونُ بحرمانِ الثَّوابِ، وحصول العقاب، والتأسُّف على ما فاته في الدنيا من العملِ الصالحِ، والتحسُّر على ما تحمَّلَه من التعب والمشقة في تقرير دينه الباطلِ. وظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام؛ إذْ لو كان غيره لوجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} إلا أن ظاهر قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14] يقتضي التغاير بينهما، ووجه التوفيق بينهما أن تُحْمل الآية الأولى على العُرْف الشرعيّ، والآية الثانية على الموضع اللغويّ.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تجئ الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: أنا الصيام فيقول إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام، وأنا الإسلام فيقول الله: إنك على خير. بك اليوم آخذ، وبك أعطي"تفسير : . قال الله في كتابه {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.

ابو السعود

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ} أي غيرَ التوحيد والانقيادِ لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحاً والمدّعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابـين {دِينًا} ينتحِلُ إليه وهو نصبٌ على مفعولٌ ليبتغ، وغيرَ الإسلام حال منه لما أنه كان صفةً له فلما قُدِّمت عليه انتصبت حالاً، أو هو المفعولُ وديناً تميـيز لما فيه من الإبهام أو بدلٌ من غيرَ الإسلام {فَلَن يُقْبَلَ} ذلك {مِنْهُ} أبداً بل يُردّ أشدَّ ردٍّ وأقبحَه، وقوله تعالى: {وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} إما حالٌ من الضمير المجرور أو استئنافٌ لا محل له من الإعراب أي من الواقعين في الخُسران والمعنى أن المعرض عن الإسلامَ والطالبُ لغيره فاقدٌ للنفع واقعٌ في الخسران بإبطال الفطرةِ السليمةِ التي فُطر الناسُ عليها وفي ترتيب الرد والخُسران على مجرد الطلبِ دَلالةٌ على أن حالَ من تديّن بغير الإسلام واطمأنّ بذلك أفظعُ وأقبحُ. واستُدل به على أن الإيمانَ هو الإسلامُ إذْ لو كان غيرَه لم يقبل، والجوابُ أنه ينفي قَبولَ كلِّ دينٍ يُغايرُه لا قبولَ كل ما يغايرُه. {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ} إلى الحق {قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ} قيل: هم عشرَةُ رهطٍ ارتدوا بعد ما آمنوا ولحِقوا بمكةَ، وقيل: هم يهودُ قُريظةَ والنَّضِير ومَنْ دان بدينهم كفروا بالنبـي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مَبْعثِه {وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} استبعادٌ لأن يهديَهم الله تعالى، فإن الحائدَ عن الحق بعد ما وضَحَ له منهمِكٌ في الضلال بعيدٌ عن الرشاد، وقيل: نفيٌ وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبلَ توبةُ المرتد، وقوله تعالى: {وَشَهِدُواْ} عطفٌ على إيمانهم باعتبار انحلالِه إلى جملة فعليةٍ كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [الحديد، الآية 18] الخ فإنه في قوة أن يقال: بعد أن آمنوا، أو حالٌ من ضمير كفروا بإضمار قد، وهو دليلٌ على أن الإقرارَ باللسان خارجٌ عن حقيقة الإيمان {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الذين ظلموا أنفسَهم بالإخلال بالنظر ووضعِ الكفر موضِعَ الإيمان فكيف مَن جاءه الحقُّ وعرَفه ثم أعرض عنه، والجملةُ اعتراضية أو حالية.

التستري

تفسير : قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً}[85] قال: الإسلام هو التفويض.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [الآية: 85]. قال القاسم: من يأخذ غير الانقياد طريقًا فى التعبد لم يصل إلى شىء من حقيقة العبودية. وقال مجاهد: من لم يعتد أفعاله بالسُّنة لا يُقبل منه عملٌ. وقال سهلٌ فى قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً}: إنه التفويض، ومن لم يفوض إلى مولاه جميع أموره لم يقبل منه شيئًا من أعماله.

القشيري

تفسير : مَنْ سَلَكَ غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلاً زَلَّتَ قَدَمُه في وهدة من المغاليط لا مدى لقعرها. ويقال من توسَّل إليه بشيء دون الاعتصام به فخُسْرانه أكثر من رِبْحِه. ويقال من لم يَفْنَ عن شهود الكل لم يصل إلى مَنْ به الكل. ويقال مَنْ لم يَمْشِ تحت راية المصطفى صلى الله عليه وسلم المُعظَّم في قَدْره، المُعَلَّى في وصفه، لم يُقْبَلْ منه شيء ولا ذرة.

البقلي

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} اى من يروم مشاهدة الربوبية بغير العبودية لم يكشف له مقامات الصديقين والمقربين وايضا اصل جميع الحقائق ينوط بالاسلام والاتقياء عند مراد الحق والاشار فيه ان من لا يصبر فى بلاء الحق ويجزع عند نزول المصائب الى غير الله لم يقبل من شئ منا لمعاملات والمجاهدات وقيل من توسل اليه من شئ دون الاعتصام فخسرانه اكثر من ربحه وقال القاسم من يأخذ غير الانقياد طريقا فى العبد لم يصل الى شئ من حقيقة العبودية وقال مجاهد من لم يقيد افعاله بالسنة لا يقبل منه عمل وقال سهل فى قوله ومن يتبع غير الاسلام دينا انه التفويض من لم يفوض الى مولاه جميع اموره لم يقبل منه شئ من اعماله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يبتغ غير الاسلام} اى غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى كداب المشركين صريحا والمدعين للتوحيد مع اشراكهم كاهل الكتابين {دينا} ينتحل اليه وهو نصب على انه مفعول ليبتغ وغير الاسلام حال منه لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا {فلن يقبل} ذلك {منه} ابدا بل يرد اشد رد واقبحه {وهو فى الآخرة من الخاسرين} اى الواقعين فى الخسران بحرمان الثواب وحصول العقاب ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته فى الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة فى الدنيا فى تقرير ذلك الدين الباطل. والمعنى ان المعرض عن الاسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع فى الخسران بابطال الفطرة السليمة التى فطر الناس عليها. واعلم ان ظاهر الآية يدل على ان الايمان هو الاسلام اذ لو كان غير الاسلام لوجب ان لا يكون الايمان مقبولا لقوله تعالى {ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه} والجواب انه ينفى قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وشهدوا}: عطف على ما في {إيمانهم} من معنى الفعل، والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. يقول الحقّ جلّ جلاله: لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم الحارث بن سويد الأنصاري: {ومن} يطلب {غير الإسلام ديناً} يتدين به {فلن يُقبل منه} أبداً، {وهو في الآخرة من الخاسرين}؛ لأنه أبطل الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، واستبدلها بالتقليد الرديء، بعد أن عاين سواطع البرهان، وشهدت نفسه بالحق والبيان، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد من هدايته فقال: {كيف يهدي الله قوماً كفروا} بعد أن آمنوا، {وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} أي: المعجزات الواضحات، فإن الحائد عن الحق بعدما وضح، منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد، فقد ظلم نفسه وبخسها، {والله لا يهدي القوم القوم الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضعوا الكفر موضع الإيمان، ولعل هذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.

الطوسي

تفسير : اللغة، والنزول، والمعنى: الابتغاء: الطلب تقول: بغى فلان كذا أي طلبه، ومنه بغى فلان على فلان: إذا طلب الاستعلاء عليه ظلماً ومنه البغي: الفاجرة، لطلبها الزنى. ومنه ينبغي كذا، لأنه حقيق بالطلب. والاسلام: هو الاستسلام لأمر الله بطاعته فيما دعا إليه، فكل ذلك اسلام، وان اختلفت فيه الشرائع، وتفرقت المذاهب، لأن مبتغيه ديناً ناج، ومبتغي غيره ديناً هالك. والايمان، والاسلام واحد, لأن {من يبتغي غير الاسلام ديناً} فهو مبطل، كما أن من يبتغي غير الايمان ديناً، فهو مبطل، وذلك كمن يبتغي غير عبادة الاله ديناً، فهو كافر، ومن يبتغ غير عبادة الخالق ديناً، فهو كافر. والاله هو الخالق. وقال عكرمة: إن قوماً من اليهود قالوا: نحن المسلمون، فأنزل الله تعالى {أية : ولله على الناس حج البيت}تفسير : فأمرهم بالخروج إلى الحج الذي هو من فرض الاسلام، فقعدوا عنه وبان انسلاخهم من الاسلام، لمخالفتهم له فأنزل الله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} فالخسران ذهاب رأس المال. ويقال: خسر نفسه أي أهلك نفسه. وقيل خسر عمله أي أبطل عمله بأن أوقعه على وجه يقبح لا يستحق عليه الثواب. وكل واحد منهما خسر لذهاب رأس المال.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ} المذكور فيكون الّلام للعهد الذّكرىّ او غير دين الاسلام فيكون الّلام للعهد الذّهنىّ {دِيناً} ملّة او طريقاً الى آخرته {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ابتغاؤه وجهده {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} حيث انفق بضاعته من القوى والمدارك وانفد عمره فى طلب ما لا ينفعه بل يضرّه. تحقيق اصناف النّاس بحسب طلب الدّين والبقاء عليه والارتداد منه اعلم انّه تعالى اشار فى هذه الآيات الى اقسام النّاس التسعة بالمنطوق والمفهوم لانّ الانسان امّا طالب لدين او غير طالب، والطّالب امّا يبتغى الاسلام ديناً فجهده مقبول وهو من الرّابحين وهو مفهوم مخالفة من يبتغ غير الاسلام ديناً وامّا يبتغى غير الاسلام ديناً وهو منطوقه، وغير الطّالب امّا داخل فى الاسلام او غير داخلٍ سواء كان داخلاً فى دين وملّة اخرى او كان واقفاً فى جهنّام الطّبع، وغير الدّاخل فى دين الاسلام كافر وهو امّا يموت على الاسلام حين ظهور الولاية عليه حال الاحتضار او على الكفر وقد اشار اليهما بمنطوق قوله {انّ الّذين كفروا وماتوا وهم كفّار} بمفهومه، والدّاخل فى الاسلام امّا يرتدّ عن ملّة الاسلام او يبقى عليها من غير ازدياد فيها، والمرتدّ الملىّ امّا يتوب او يبقى على ارتداده من غير ازدياد فيه ومن غير انجراره الى الارتداد الفطرىّ، وقد اشار الى هذه الثّلاثة بمنطوق قوله {كيف يهدى الله قوماً} الى قوله {الاّ الّذين تابوا} ومفهومه وقد اشار الى الباقى على الارتداد مع انجراره الى الارتداد الفطرىّ الّذى لا توبة له، والى الباقى على الاسلام مع ازدياده وانجراره الى الايمان بمراتبه بقوله تعالى: {انّ الّذين كفروا بعد ايمانهم} الى آخر الآية بمنطوقه ومفهومه. واعلم ايضاً انّ الانسان له اتّصال بالارواح الطيّبة وابائه العلويّة بحسب الفطرة والخلقة وهذا الاتّصال يورث استعداده للارتقاء الى اوائل علله وهذا هو الحبل من الله المذكور فى الكتاب وهو الفطرة الّتى فطر الله النّاس عليها فان اتّصل مع ذلك بخلفاء الله بالبيعة العامّة او الخاصّة صار مسلماً او مؤمناً ويعبّر عن هذا الاتّصال والدّخول تحت الاحكام الالهيّة القالبيّة او القلبيّة بالاسلام والايمان والملّة والدّين، وهذا الاتّصال هو الحبل من النّاس المذكور فى الكتاب، والمتّصل بهذا الاتّصال ان ارتدّ عن هذا الاتّصال وقطع هذا الاتّصال بانكار الله او خلفائه او احكامه ولم يؤدّ ارتداده الى قطع الفطرة صار مرتدّاً ملّيّاً بمعنى انّه ارتدّ عن الملّة وقطع الحبل من النّاس لا عن الفطرة وهذا المرتدّ لبقاء الحبل من الله وعدم قطع الفطرة ان تاب يقبل توبته لبقاء استعداده للاتّصال ثانياً والارتقاء الى الارواح وهذا هو المرتدّ الملّىّ، وان ارتدّ وزاد فى ارتداده حتّى ينجرّ الى قطع الفطرة وابطالها وقطع الحبل من الله صار مرتدّاً فطريّاً لارتداده عن الاتّصال الفطرىّ، وهذا المرتدّ لبطلان فطرته واتّصاله الّذى كان سبب استعداده للاتّصال التّكليفىّ لا يقبل توبته ولذا قيل بالفارسيّة: "مردود شيخى را اكَر تمام مشايخ عالم جمع شوند وخواهند اصلاح نمايند نتوانند"، وما ورد فى الاخبار وأفتى الفقهاء رضوان الله عليهم به من الاشارة الى انّ المرتدّ الملّىّ من ولد على الكفر ونشأ عليه ثمّ دخل فى الاسلام ثمّ ارتدّ منه، والمرتدّ الفطرىّ من ولد على الاسلام ونشأ عليه ثمّ دخل فيه ثمّ ارتدّ منه، اشارة الى انّهما كاشفان من الارتدادين فانّ المتولّد على الاسلام والناشئ عليه الدّاخل فيه لكون اسلامه كالذاتيّات قلّما يخرج منه ما لم يقطع الفطرة، والمتولّد على الكفر النّاشئ عليه الدّاخل فى الاسلام لكون اسلامه مثل العرضيّات كثيراً ما يخرج من الاسلام من غير ابطال الفطرة وحينئذٍ لا حاجة لنا الى تكلّف قبول توبة المرتدّ الفطرىّ باطناً وعدم قبوله ظاهراً؛ اذا عرفت ذلك فقوله {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} أي خسر نفسه فصار في النارِ وخسر أهله من الحور العين. وتفسير ذلك في سورة الزمر. قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ذكر عن عمرو عن الحسن قال: هم أهل الكتاب، يعني عامّتهم، وقد أسلم الخاصة منهم. كان أصل أَمرِ أهل الكتاب الإِيمان، فكفروا به وحرّفوا كتاب الله. ثم قال: {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} يعني محمداً، خاصة من يدرس ذلك ويعلمه منهم {وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ} يعني الكتاب الذي فيه البيّنات والحجج {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يعني من لا يهديه الله منهم. وقال بعضهم عن الحسن: هم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، أقرّوا بنعت محمّد في كتابهم، وشهدوا أنه حق، فلما بعثه الله من غيرهم كفروا به. وقال مجاهد: هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه. قال: {أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يعني بالناس المؤمنين خاصة. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في تلك اللعنة وثوابها، لأن ثوابها النار، وهو كقوله: (أية : مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ـ [أي عن القرآن] ـ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ) تفسير : [طه:100-101] أي في ثواب ذلك الوزر الذي حملوه. قوله: {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا هم يؤخرون بالعذاب.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً}: من يطلب ديناً، حال كونه غير الإسلام، فغير حال ولو أضيف لأن إضافته لا تعرف من ديناً، ولو يكره لتأخره، أو ضمن يبتغى معنى يجعل، فيكون {غير} مفعولا أولا وديناً مفعولاً ثانياً، والإسلام التوحيد، أو الانقياد لأمر الله ونهيه. {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}: أى لن يقبل منه الدين المخالف للإسلام، وهو الشرك، أو ما فيه مخالفة أمر الله ونهيه، فهذا هو الذى لا يقبل، والمقبول التوحيد التام وامتثال أمر الله عز وجل، واجتناب نهيه، والإيمان غير الإسلام، قالت الأعراب: آمنا، قل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا فالإيمان: التصديق والإقرار أو التصديق. والإسلام: العمل الصالح، ولا يقال: لو كان غيره لزم أن لا يقبل، لأن الله تعالى نفى القبول عن غير الإسلام، وقد فرضت أنه غير الإسلام، لأنا نقول نفى قبول كل دين يغاير الإسلام، فيبقى قبول بعض وهو الإيمان، فهو يدان به، ويقبل كما يدان بالطاعة فتقبل، ولم ينف قبول كل ما يغايره لما نزلت الآية، حديث : قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فصلوا الخمس، وصوموا رمضان، وصلوا إلى الكعبة، وحجوا، وآمنوا بى فلم يفعلوا . تفسير : {وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: بفوات الجنة، والمغفرة، ورضى الله عز وجل، وبحصول العذاب والهوان، أو من الخاسرين فى بضاعتهم، إذ كانوا قبل بلوغ الحلم على الفطرة، فأبطلوها عن أنفسهم.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } نزلت في جماعة ارتدوا وكانوا اثني عشر رجلاً وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً، منهم الحرث بن سويد الأنصاري، والإسلام قيل: التوحيد والانقياد، وقيل: شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه، وانتصاب {دِينًا } على التمييز من {غَيْرَ } وهي مفعول {يَبْتَغِ } وجوز أن يكون {دِينًا } مفعول {يَبْتَغِ } و {غَيْرَ } صفة قدمت فصارت حالاً، وقيل: هو بدل من {غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ } والجمهور على إظهار الغينين، وروي عن أبـي عمرو الادغام، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة. {وَهُوَ فِى ٱلأَْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب، و {فِى ٱلأَخِرَةِ } متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده ـ أي وهو خاسر في الآخرة ـ أو متعلق ـ بالخاسرين ـ على/ أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف، والخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب، وقيل: أصل الخسران ذهاب رأس المال، والمراد به هنا تضييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها في حديث «حديث : كل مولود يولد على الفطرة»تفسير : وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }تفسير : [الشعراء: 88-89] والتعبير ـ بالخاسرين ـ أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله، والمعنى ـ وهو من جملة الواقعين في الخسران ـ. واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله، وأجيب بأن {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان، وإن كان {غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ } لكنه لا يغاير دين الإسلام بل هو هو بحسب الذات، وإن كان غيره بحسب المفهوم، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة، وقوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَْعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } تفسير : [الحجرات: 14] يدل على المغايرة، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والثانية على الوضع اللغوي.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أفغير دين الله يبغون} وما بينهما اعتراض، كما علمت، وهذا تأييس لأهل الكتاب من النجاة في الآخرة، وردّ لقولهم: نحن على ملة إبراهيم، فنحن ناجون على كلّ حال. والمعنى من يبتغ غير الإسلام بعد مجيء الإسلام. وقرأه الجميع بإظهار حرفي الغين من كلمة {من يبتغ} وكلمة {غير} وروى السُوسي عن أبي عمرو إدغام إحداهما في الأخرى وهو الإدغام الكبير.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِسْلاَمِ} {ٱلآخِرَةِ} {ٱلْخَاسِرِينَ} (85) - مَنِ ابْتَغَى دِيناً لاَ يَقُودُهُُ إلَى الإِسْلاَمِ الكَامِلِ للهِ، وَالخُضُوعِ التَّامِّ لَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ هَذا الدِّينُ، وَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ، لأنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَلَكَ طَرِيقاً غَيْرَ مَا شَرَعَهُ اللهُ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "حديث : مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ). تفسير : الخَاسِرُ - مَنْ أضَاعَ رَأسَ مَالِهِ. الإِسْلامُ - التَّوْحِيدُ أوْ دِينُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الغاية التي تسعد العالم كله هي دين الإسلام، ومن يرد ديناً غير ذلك فلن يقبله الله منه. فإن كان هناك من لا يعجبه تقنين السماء ويقول مندهشاً: إن في هذا التقنين قسوة؛ إنك تُقطع يد إنسان وتشوهه نرد على مثل هذا القائل: إن سيارة تصدم سيارة تشوه عشرات من البشر داخل السيارتين، أو قطار يصاب بكارثة فيشوه مئات من البشر. ونحن عندما نبحث عن عدد الأيدي التي تم قطعها في تاريخ الإسلام كله، فلن نجدها إلا أقل كثيراً من عدد المشوهين بالحوادث، وأي ادعاء بالمحافظة على جمال الإنسان مسألة تثير السخرية؛ لأن تقنين قطع يد السارق استقامت به الحياة، بينما الحروب الناتجة عن الهوى شوهت وأفنت المئات والآلاف، إن مثل هذا القول سفسطة، هل معنى تشريع العقوبة أن يحدث الذنب؟ لا، إن تشريع العقوبة يعني تحذير الإنسان من أن يرتكب الذنب. وعندما نقول لإنسان: "إن قتلت نفساً فسيتولى ولي الأمر قتلك" أليس في ذلك حفاظ على حياته وحياة الآخرين؟ وحين يحافظ التشريع على حياة فرد واحد فهو يحافظ في الوقت نفسه على حياة كل إنسان، يقول الله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 179]. وهكذا يصبح هذا التقنين سليماً غاية السلامة، إذن فقول الحق سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] يدلنا على أن الذي يشرع تشريعاً يناقض ما شرعه الله فكأنه خطأ الله فيما شرع، وكأنه قد قال لله: أنا أكثر حناناً على الخلق منك أيها الإله؛ لأنه قد فاتتك هذه المسألة. وفي هذا القول فسق عن شرع الله، وعلى الإنسان أن يلتزم الأدب مع خالقه. وليرد كل شيء إلى الله المربي، وحين ترد أيها الإنسان كل شيء إلى ربك فأنت تستريح وتريح، اللهم إلا أن يكون لك مصلحة في الانحراف. فإن كان لك مصلحة في الانحراف فأنت تريد غير ما أراد الله، أما إذا أردت مصلحة الناس فقد شرع الحق ما فيه مصلحة كل الناس؛ لذلك قال الحق: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. وقد يقول قائل في قوله تعالى: "فلن يقبل منه" إن هذه العبارة لا تكفي في منحى اطمئناناً إلى جزاء العمل الذي أتقرب به إلى الله، فالله قد يقبل وقد لا يقبل فهو - سبحانه - لا أحد يكرهه على شيء، ونقول له: إنك ستأتي إلى ربك رضيت أو أبيت فما حاجتك إلى هذا القول؟ لو كنت تستطيع أن تعجز الله وتفوته فلا يقدر عليك؛ لحقَّ لك أن تقول ذلك، ولكنك لا تستطيع، فكن عاقلاً ولا تتمرد على أمر ربك، ويقول الحق: {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. والخاسر: مأخوذة من "الخسر"، و"الخسر" هو ذهاب رأس المال وضياعه، والآخرة حياة ليس بعدها حياة، ومن الغباء أن يقول قائل: "سوف أتعذب قليلاً ثم تنتهي المسألة" لا، إن المسألة لا تنتهي؛ لأن الآخرة حياة دائمة ولا حياة بعدها. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَق ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ} يطلب ويتدين {غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ} المنزل على خير الأنام {دِيناً} وشريعة {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} يوم الدين القويم، المستجمع لجميع الأديان، الناسخ لها هو الإسلام؛ لابتنائه على التوحيد الذاتي المسقط للإضافات والخصوصيات مطلقاً {وَهُوَ} أي: المتدين بغير دين الإسلام {فِي} النشأة {ٱلآخِرَةِ} وقت حصاد كل ما يزرعه في النشأة الأولى {مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] خسراناً مبيناً. نعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة المتين. ثم قال سبحانه مستفهماً مستبعداً على سبيل التوبيخ والتريع: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ} الهادي لعباده {قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} بوحدانية الله {وَ} بعد أن {شَهِدُوۤاْ} أقروا واعترفوا وصدقوا {أَنَّ ٱلرَّسُولَ} المبيِّن لهم طريق التوحيد، المرشد إليه مرسل {حَقٌّ} من عند الله صادق في دعواه {وَ} مع ذلك {جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الدالة على صدقه، فقبلوا جميعه ثم ارتدوا، العياذ بالله {وَٱللَّهُ} الهادي للكل إلى سواء السبيل {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86] الخارجين عن حدوده. {أُوْلَـٰئِكَ} الظالمون الضالون عن منهج الصدق والصواب {جَزَآؤُهُمْ} المتفرع على ضلالهم هو {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} وطرده وتخذييله إياهم ثابت له مستقر أزلاً وأبداً {وَ} لعنة {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} المستغفرين {وَ} لعنة {ٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87]. {خَالِدِينَ} هؤلاء {فِيهَا} أي: في اللعنة ولوازمها من أنواع العذاب والنكال بحيث {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} المتفرع عليها أصلاً {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [آل عمران: 88] ينتظرون تخفيفه. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} منهم في النشأة الأولى {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} الارتداد والضلال {وَأَصْلَحُواْ} أحوالهم بالتوبة والإخلاص والاستغفار والندماة على ما صدر عنهم {فَإِنَّ الله} الموفق لهم على التوبة {غَفُورٌ} يستر جرائمهم {رَّحِيمٌ} [آل عمران: 89] مشفق يتجاوز عن زلاتهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله {وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 87]، الطرد والبعد {وَٱلْمَلاۤئِكَةِ}، الطعن فيهم، كما قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة {وَٱلنَّاسِ} [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم {أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87]، {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، {وَأَصْلَحُواْ} [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: من يدين لله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصا وانقيادا لرسله فما لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وكل دين سواه فباطل، ثم قال تعالى: { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ ...}.